عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - سهيل الزهاوي

صفحات: [1]
1
في ذكرى إعدام الشهيد ماهر الزهاوي
سهيل الزهاوي
       هل يمكن أن نكف ذات يوم عن تذكر تلك اللحظات الصعبة والفريدة التي مررنا بها في ذلك الوقت المر.. أم سنبقى نتذكرها، ولن تغيب عن بالنا مهما امتد بنا العمر وابتعد بنا الزمن عن لحظة وقوعها ؟..

  لقد انتمى الشهيد ماهر الى الحزب الشيوعي العراقي في الوقت الذي وجهت سلطة المقبور صدام ضربة موجعة الى الحزب واقدامها بإعدام 31 مناضلا واصدقاء لهم في عام 1978 بحجة  انتسابهم  للحزب الشيوعي والعمل في القوات المسلحة.

 كان الحزب يتهيأ الى مرحلة جديدة.  واتخاذ قرار الانسحاب من الجبهة والتحول إلى المعارضة.... ورفع شعار إسقاط النظام.

- لم يكن  ذلك الانتماء إلآ اختياراً للطريق بإرادة واعية وقناعة مطلقة ، ولم تكن هذه الخطوة  عفوية او نقلة مفاجئة للفقيد الذي تشكلت ملامحه الثورية من ريعان شبابه وبدأ وعيه الثوري المنحاز للفقراء والكادحين وادراك يقيني بأهمية جذوة الفكر الماركسي بعد أن  تواصلت قراءته لماركس وانجلز ولينين و غيرهم من المفكرين الماركسين حيث انغمر في العمل  الثوري بلا تردد مع استعداد عالي للتضحية بمصالحه الشخصية من أجل  تحقيق حياة حرة للإنسانية.

-      انّ سرْ بطولة المناضل لحد التضحية بحياته نابعة من إيمانه الراسخ بالفكر الذي يحمله وعدالة قضيته 
   التقيت بالشهيد ماهر، بعد فراق دام ستة سنوات، في 21 آذار 1984 ، واللقاء الثاني في نهاية آذار ذاته، في ذلك الصباح الربيعي كنت مرتبكاً.. فرح مع حذر يحمل في طياته بعض الخوف والرهبة..  كنا نحلق في السماء معا متجاهلين ما يخفي لنا المستقبل.                                                                                                     

 

       ماهر كان طالباً في الصف الخامس كلية الطب البيطري.. كاتباً وصحفياً.. رساماً مرموقاً وخطاطاً لا يستهان به . عازف جيتار ولاعب شطرنج موهوب وعداء .. كان يقوم بإعداد الجريدة وطبعها بجهاز رونيو يدوي صنعه بنفسه. وقد طلب منه الرفيق الفقيد ثابت حبيب العاني عضو المكتب السياسي للحزب في حينها أن يعمل في قسم الاطفال من جريدة طريق الشعب.. الا ان الظروف السياسية حالت دون ذلك المشروع.

  على اثر طبعه لبيان الحزب بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي الذي استمع إليه من اذاعة صوت الشعب العراقي وتم توزيعة في كافة انحاء بغداد.

  لم يمضِ  الا 19 يوماً على عودته.. ألقي القبض عليه في مسكنه ببغداد ليلة (  14 ) نيسان.. وبعد المراقبة المشددة داهمت اجهزة السلطة الدار في الساعة الخامسة من صباح 15 نيسان. وحال اعتقاله مورس معه شتى أشكال التعذيب النفسى والجسدي.

-         كيف لا  تضطرب نبضات قلبي وانا احدق في صورتك كل يوم. وكيف لا تعود الآلام و تسري في  جسدي كأني اراكم انت ورفاقك تتعذبون.

ـ  اللقاء الأخير أصبح  زيارة وداع كما قدرته.. و لو منعتك عن الرحيل لما وقعت في ذلك الفخ القاتل!.

-          اخاطب  نفسي  وأقول : كيف تحمل ذلك الجسم  النحيف والنحيل كل ذلك التعذيب النفسي و الجسدي؟.

-         اتذكر في ذات اللقاء قلت لي.. لم اجلب احدا معي خوفا من أن لا يصمد إذا اعتقلنا في الطريق .. هل كنت تقرأ وتتنبأ لمصيرك ؟.. أم كنت تكابر كأي مناضل  حقيقي في هذا الكون؟..

 

-         كنتَ واثقا من نفسك ستصمد و ستضحي بروحك إن تطلب الموقف وتعرضت للاختبار.. قلت لي أيضا يجب أن  يواصل الشيوعي السير نحو الحقيقة حتى لو كان على حافة قبره.

 لقد سجلت بطولتك وانت تودع والدتك، والقيود تلف يديك، حين قلت لها لا تحزني يا أُمّي.. إن لم  تريني مرة اخرى .

   ـ  كان شتاءًغريبا باردا، هوائه صقيعا، ذلك الشتاء الذي أعدم فيه  نحو مائة وخمسون مناضلا من مختلف الاتجاهات السياسية بضمنهم البطل ماهر الزهاوي.

تم تنفيذ حكم الاعدام فيهم في الساعة الخامسة من مساء الأربعاء في 27 كانون الثاني عام"1985" شنقا حتى الموت بعد مرور 256 يوما على اعتقاله ، آنذاك كنت أتواجد في مدينة السليمانية..هذه المدينة الباسلة،  وقد مرت ثلاث مائة وخمسة وستون يوما على تواجدي فيها.       

    لقد غيبت السلطة الفاشية منذ انسحاب الحزب من الجبهة المئات من المناضلين الشيوعيين.. ولحد الان لا يعرف مكان قبورهم إلا أنهم سلموا جثمان (150) من الشهداء في نفس يوم الاعدام الى عوائلهم..

 فكرة الإعدام تثير القلق والرعب والخوف في نفوس الناس، و الهدف منها بهذا الشكل العلني السافر  خلق حالة يأس واحباط لدى الجماهير وتركيع الحزب بعد تزايد نشاطاته وجماهيره في المدن .. ومخاوف السلطة الفاشية من توسع هذا النشاط واستيقاظ الجماهير وانتشار الوعي الثوري واحتمالات  أن تتخذ  الاحداث ابعاد اخرى بعد  أن ظهرت بوادر الحركة الجماهيرية في الجامعات العراقية عام  1984  والاحتجاجات ضد التجنيد الإجباري للطلبة في صفوف  الجيش اللاشعبي .. حيث انبثقت وتشكلت لهذا الغرض لجنة طلابية لقيادة الإضرابات من ممثلي اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وبعض الطلبة اليساريين في جامعة بغداد وكان أحد ممثلينا هو الرفيق حمة شوان(1).           وتجسدت المقاومة الجماهيرية الواسعة على نحو بطولي في مدينة السليمانية في انتفاضة ايار 1984 المجيدة ، والتى لعبت اذاعة صوت الشعب العراقي دورا تحريضيا فيها عبر نشرها شعارات ومطالب الجماهير . وكانت  لمنظمة حزبنا الشيوعي في السليمانية دورا هاما وبارزا في توجيه الانتفاضة ..   و تمكنت الجماهير الشعبية  من السيطرة على الشارع على مدى يومين بعد أن اسكتت نيران العدو من خلال فرق عسكرية شكّلها الحزب لحماية الجماهير..التي ارعبت أزلام السلطة وفي مسعى منها للرد اقدمت على  جملة اعدامات  لدحر المنتفضين  وخلق مظاهر التردد  واشاعة أجواء الانهيار، لاركاع  جماهير الشعب  وفرض الطاعة والخنوع للسلطة الفاشية .

-         الموت الاختياري الذي يواجه  الإنسان  يكون معياراً لحريته وبمعنى آخر المساحة بين الحرية و الموت  يقررها المناضل الحر الثائر وليس سلطة الاستبداد والقمع .

    كان ماهر اكثر تماسكا في اللحظات الاخيرة من حياته، لا يهاب الموت، وهو ينتظر دوره ليدخل الى غرفة المقصلة مرفوع الرأس ، ومرتديا نفس الملابس التي كانت عليه لحظة اعتقاله ، وبهدوء  روي نكتة  ساخرة عن صدام حسين و أضحك  الجلادين البلداء. تقول والدتنا عند استلامها لجثته كان وجهه يبدو لنا كالنائم نوما عميقاً .

  لقد نالوا من جسدك الطاهر وقتلوا طموحاتك واحلامك الجميلة .. ستبقى روحك خالدة الى الابد في ضمير الانسانية تعانق السماء وتلتقي مع سائر رفاقك الشهداء والشرفاء في موكب الحرية والكفاح من اجل  الحياة  الحرة والكريمة..

تحية حب واعتزاز الى اولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم فداء للوطن والشعب كجنود مجهولين عرفتهم الشوارع والأزقة المظلمة.



هذه نص رسالة الشهيد

رسالة تهنئة لم تصل من الشهيد (ماهر عبد الجبار زهاوي )



 أستميحكم عذرا لقد تأخرت في تهنئتكم بهذه المناسبة العزيزة على قلوب كل الشيوعيين الذين استشهدوا في هذا الدرب من اجل قضية شعبهم ووطنهم ..  وانا استذكر هنا الذكرى الخمسين لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي في 31 أذار عام ( 1984 ) ..  عندما كنت اعمل في الظروف السرية واقود مجموعة من الخلايا الحزبية من اجل اعادة بناء الحزب في بغداد ..  في ذلك الظرف الصعب الذي كان يمر به شعبنا وحزبنا المقدام وفي ظرف الدكتاتورية الصدامية المعروفة بتدمير كل ما هو إنساني بالمعنى الحقيقي.

   في ذلك الظرف الصعب لم نبال نحن الشباب بما يحدث لنا، لذا قررت ومع رفاقي ان نبادر الى طبع بيان الحزب بمناسبة الذكرى الخمسين لميلاد حزبنا العظيم الذي استمعنا إليه من اذاعة حزبنا في كوردستان و في معاقل الأنصار والبيشمركة الابطال .

         وتم طبعه على آلة طابعة، وقد طبعتها رفيقة شيوعية مناضلة في إحدى دوائر الدولة ومن ثم بدأنا بطبعها على الرونيه اليدوية التي تعلمتها من رفاقي بعد زيارتي لهم في السليمانية وقد طورها والدي نحو الأفضل  لكي نطبع اكبر عدد ممكن من خلال ساعات.

       فبدأنا بالطبع و وزعنا الاف من هذه البيانات على ضواحي بغداد فجن جنون الاجهزة القمعية وبدأت المراقبة والمتابعة لي والقي القبض علي في ليلة ( 14 )  نيسان يوم ذكرى تأسيس إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية .. وكنت يوم ذاك طالبا في الصف المنتهي في كلية الطب البيطري وقدمت إلى محكمة صورية في محكمة الثورة التي حكمت عليّ بالإعدام .. ثم تحدد تنفيذ الحكم بي في يوم مجيد من تاريخ العراق السياسي وهو يوم الوثبة 27 كانون 1985 للالتحاق بقافلة شهداء حزبنا العظيم .

رفيقكم ماهر عبد الجبار زهاوي

 

لقد نفذ حكم الإعدام بالشهيد في يوم الوثبة 27 كانون الثاني عام 1985 . . ووفاءً لطلب شهيدنا الغالي نرسل تهنئته ورسالته الأخيرة الى رفاق حزبه المناضل راجين نشرها بمناسبة 31 آذار8 200
 عائلة الشهيد ماهر عبد الجبار الزهاوي

2
   
قراءة في رواية
الآن .. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى
سهيل الزهاوي
   
 الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى .. رواية الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف تعد من الروايات التي تنتمي لأدب السجون، وتطرق إلى أوضاع المعتقلات في بلدان الشرق المتوسط دون تحديد اسماء او ذكر البلد أو السجن الذى جرى فيه التعذيب والممارسات القمعية .
  تكمن  اهمية أعمال الروائي عبد الرحمن منيف في رواياته الشرق المتوسط " الآن.. هنا " و الأشجار واغتيال مرزوق ، كونها تمس السجناء و المعتقلين دون تمييز في شتى بلدان الشرق المتوسط  وما یحيطها ، و تكشف أوجه الطغاة و تعری الجلادين ، و ما تعرض له السجناء من إهانة  وتعذيب وممارسات إجرامية تسعى لفل  صمودهم .  کما هو الحال  مع شخصيات طالع العريفي وعادل الخالدي ورجب اسماعيل وغيرهم.
       ويمكن التوقف بوضوح في مسار الرواية مع منيف عند ثيمة البعد السياسي  والاجتماعي التي  انعكست في العمل  بحكم دخول منيف معترك العمل السياسي قبل تحوله أديب ومفكر.. هذه التجربة التي أثرت في تکوینه ومکنته من رصد ظاهرة الحياة والموت في اقبية السجون والمعتقلات السیاسیة، ومناهضة استبداد السلطة، والدعوة لحرية التفكير والمفاهيم الدیمقراطیة ورفض اقصاء الآخر المعارض والزج به في غياهب السجون حیث تتجلى مظاهر القمع والقهر وانتهاك حقوق الإنسان في أبشع صورها فی روایته.
       لهذا نرى منيف يبحث عن  حلمه المفقود فی كتاباته الرواية کوسیلة ابداعية لمواصلة عمله التغيري بالرغم من  إخفاقه فی العمل السياسي لکنه لا يستسلم  لليأس ويرفض الهزيمة  ويقرر الارتقاء واختيار الوسيلة الأنجع في التأثير على المجتمع  واعادة صياغة سلوك الإنسان من خلال انتاج فكر جديد وتفعيل حركة العمل والکافح .
و يؤكد على لسان عادل الخالدي "نخطىء كثيرا إذا تخلينا عن آخر الأسلحة التي نملكها،الكلمة،ولا بُدّ أن نحسن استعمالها ، إذ ربّما تكون وسيلتنا الأخيرة، وقد تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه الأسلحة الأخرى ، ولذلك فانّ المهم أن تكتب، أن تقدم شهادة." الرواية ص. 321
 من هنا يحدد منيف أهم وظائف الرواية على المستوى الفني والموضوعي فيقول  ”إن المقصود ليس قضاء وقت وانحدار دمعتين كي تريح ضميرك ، وإنما يجب عندما تنتهي الرواية أن  تبدأ أنت … إن الروايات المهمة يبدأ أثرها عندما تنتهي.(1)
   

وتمکن منيف من  التعبیر  عن عالم السجون من خلال  مشاهد  ولقطات مؤثرة عن حياة المعتقلین التي أخذت حيزا كبيرا في الرواية  وتمکن من صياغتها  وتوظيفها بطريقة مبدعة ، من حيث الرصد، و الموضوع و اللغة، واختيار الشخصيات، بقدرة عالية من التحکم بالأحداث ومزج الخيال بالواقع فی تکوین  عمله الروائي النابض بالحياة، وحوله لواقع جديد، و تجربة منتجة للوعي. كما تميزت الرواية بتقنيات حديثة، من حيث البناء الفني و التصوير  و تكثيف واختزال المعاناة الإنسانية بعمق وتركيز.
   كان لعبد الرحمن منيف دورا رياديا بارزا في صیاغة الرواية العربية السیاسیة ، واعتبرت أعماله من الروايات التي أسست لجيل روائي ما بعد نجيب محفوظ.                                                                                                           
أكثر ما في الرواية إيلاما ، هو استمرار  الانظمة الاستبدادية  والظلم والقهر المرافق لمسيرة الناس الذين يعيشون في  أقبية السجون المظلمة والمحتجزين  لسنوات طويلة دون محاكمة وما يتعرضون  له  من معاناة من جراء الأفعال السادية والقمعية المذلة للسجناء ونزع الاعترافات منهم قسريًا .
   تبدو بوضوح رغبة الكاتب في تقديم صورة المناضل السياسي المكافح من اجل اهداف سامية عبر الرواية لتكون توثيقًا تاريخيًا يعكس من خلالها بعمق رؤيته الثاقبة للأحداث بعد صقلها وتشذيبها لتصبح جوهرة نادرة تزداد  قيمتها  مع الزمن.
     فهو يروي ابتداء من الفصل الثاني منها أحداث و وقائع  ما جرى للمناضل الشيوعي حيدر شيخ علي الذي التحق بقوات الانصار ـ البيشمركة في كردستان العراق -  بعد ملاحقة اجهزة القمع العراقية له،  وتكليفه بمهام  التنسيق  والمتابعة في طهران إثر اعتقال المناضل المعروف عادل حبة الذى كان مسؤولا عن عمل الحزب الشيوعي العراقي في طهران عام ( 1980 ) . واُلقي القبض عليه من قبل جهاز المخابرات الإيراني، بتهمة التجسس لصالح أكثر من دولة في أواخر عام ( ١٩٨١)  وقضى ما يقارب ستة سنوات  في سجن إيفين الرهيب .
بعد انقطاع دام عشر سنوات، التقيت بحيدر شيخ علي الشخصية المحورية في رواية عبدالرحمن منيف .. وتحدث لي عن سنوات سجنه الستة في إيران، ومعاناته وآلامه بتفاصيل يومية ، روي لي  عن التعذيب الذي أدمى جسده على مدار هذه  الأعوام  في تلك السجون ، صامدا بوجه الجلادين ليوم  الإفراج عنه.. واشار الى انه سجل حكايته على اشرطة وأودعها لدى الدكتور فالح عبد الجبار في خريف ( 1988 ) ، على أمل أن تصدر على شكل كتاب يتضمن ذكرياته في السجن، و يطلع عليها الرأي العام العالمي إلا ان الصدفة كما يقول فالح عبد الجبار غيرت مجرى الحدث .. مع خريف عام    ( 1988)..  (التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث على وقعة «سمك مسقوف» أعدّتها شلة مثقفين عراقيين جاؤوا مثله إلى المنفى الدمشقي. حدثته عن ديرسو اُوزالا العراقي، حيدر الشيخ علي، التمس مُنيف أن يطّلع على مضمون تسجيلات السجين.
        ويؤكد فالح عبد الجبار باعتباره شاهد على التسجيل، مضمون قسم حرائق الحضور والغياب منقول نصاً عن مذكرات حيدر شيخ علي المسجلة صوتياً، كما أن هناك موتيفات منها في القسم الثالث. وبهذا اعتمدت الرواية اعتماداً شبه كامل على ذكريات حيدر (2) واضافة الى ذلك، ما كتبه الدكتور كاظم حبيب حول نفس الموضوع ، يؤكد على وجود تسجيلات بهذا الصدد تتعلق بالرواية  (3) ، واعترفت سعاد قوادري ارملة منيف بوجود أشرطة خلال ردها على فالح عبدالجبار و حيدر الشيخ  عبر الجريدة الالكترونية عكاظ (4).
   الاسباب الذي دفع منيف الى كتابة روايته  (الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى)  حسبما قال :
       أما لماذا حاولت أن أكتب رواية أخرى عن السجن وهذا ما فعلته في روايتي الأخيرة (الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى ).  لإعتقادي أن حجم القمع الذي نعاني منه حاليا لا يقاس بما كان سابقا..  لقد زاد القمع واتسع الى درجة لا تصدق، لا يقتصر ذلك على عدد السجون أو عدد السجناء، إذ تعداها الى حد أن أصبح كل إنسان سجينا، أو مرشحا للسجن، اضافة الى تطور أساليب القمع المادية والنفسية، و أيضا علاقة الأفراد فيما بينهم وعلاقتهم بالسلطة، ولذلك كان لابد من مواجهة هذه المشكلة ومحاولة قراءاتها بطريقة أعمق، حين فعلت ذلك اكتشفت في لحظة من اللحظات أن الضحية والجلاد وجهان لعملة واحدة أي أن الاثنين ضحية النظام المسيطر .   
             كما كتب عبد الرحمن منيف مقدمة تحت عنوان " تقديم متأخر لكنه ضروري"  في الطبعة 12 لعام  ( 1998)      لروايته الشرق المتوسط  (و التي نشرت عام 1975 )، أي بعد صدور روايته  " الآن ... هنا "، أو شرق المتوسط مرة اخرى (الطبعة الاولى  عام 1991 ) ،  يكتب منيف في هذه المقدمة إنه  ” لم يقول كل ما يجب أن يقال حول عالم السجن السياسي وما يتعرض له السجين من قسوة ومهانة في الزنازين الممتدة على كامل حوض المتوسط الجنوبي والشرقي، و التي تتزايد وتتسع سنة بعد أخرى، مما جعل الرواية توحي ولا تحكي، تشير ولا تتكلم "  وهذه اشارة واضحة من الروائي منيف انه حصل على معلومات مؤكدة من سجين سياسي حول انتهاكات داخل السجون في الشرق المتوسط وجنوبها.
     يقول عبد الرحمن منيف: "الرواية كما أفهمها، وكما أكتبها، أداة جميلة للمعرفة والمتعة. إنها تجعلنا أكثر إدراكا وأكثر احساسا بكل ما حولنا، وقد تقول لنا، في السياق، أشياء عديدة يجدر بنا معرفتها أو تذكرها. (5)
       كما ذكر منيف في بداية روايته" آلان .. هنا أو الشرق المتوسط مرة أُخرى "، ( أفضل ما يفعله الإنسان أن يحيل أوسع تجربة ممكنة إلى وعي ):  بطل رواية الأمل  مالرو. ص7 لو دققنا في النص  أعلاه ، " فإننا نجد أنها تشد انتباه القارئ إلى قطبين: قطب يرتبط بكاتب من عيار مالرو... و قطب يتعلق بالأفكار التي تحث عليها المقولة: دعوة الإنسان إلى تحويل تجاربه إلى وعي.   
فهذه المقولة دعوة إلى إعادة تأمل الحياة من طرف الإنسان، خصوصا حياته الخاصة من أجل الوعي بها وإدراكها إدراكا عميقا. و يعتبر هاجس الكتابة الذي يستبد بشخصيات الرواية دليل على أن سرد تجارب الذات و محنها يندرج ضمن هذا الهم و هذا المسار الذي يتحدث عنه مالرو." ص127 (6) كما يقول روبرت لويس ستيفنسون: فقد يأخذ الكاتب شخصية ويختار الأحداث والمواقف التي تنمي تلك الشخصية.
     في هذا الإطار أخذ الكاتب عبد الرحمن منيف في روايته" الآن .. هنا "تجربة شخصية  المناضل الشيوعي حيدر شيخ علي تحت اسم طالع العريفي، واختار الأحداث والمواقف التي تنمي هذه الشخصية ، وأخذ أحداث سجن (إيفين) سَيِّئ الصيت تحت اسم سجن العبيد ، والمعاناة الحقيقيّة لهذه الشخصية خلال وجوده في المعتقل ..
   
 لا ينكر منيف أن الكاتب الروائي لا بد وأن يختفي، أحيانا وراء شخصياته، فهو يقول:-   "الرواية وعلاقتها مع الراوية  علاقة شديدة التعقيد، بمعنى، أن الكاتب يخلق عددا غير محدود من الشخصيات لكن يحملها مقدارا متفاوتا من آرائه و قناعاته، وهذه الآراء والقناعات ليست بالضرورة تلك التي يرويها البطل أو تتصل بالبطولة الخارقة أو الحكمة. قد تقال على لسان المعتوهين أو الشخصيات الثانوية، وقد تقال رمزا أو بسرعة"(7)
   الرواية أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف و أفكار و خواطر و هواجس الإنسان ، بتعبير ادق ،" في ما وراء البنية السطحية للحكي تكمن بنية تصويرية عميقة محورها الإنسان، وهي تسعى عن نسج صورة عنه.
   هذه الصورة التي نفترضها في كل عمل روائي، ليست معطاة بل متروك للقارئ، في إطار تفاعله مع النص، مهمة بنائها انطلاقا من مجموعة من العلامات النصية التي تشكل نسيج النص الروائي،  على اعتبار أن النص كما يقول أمبرتو إيكو: آلة كسولة تتطلب من القارئ عملا تعاونيا قويا من أجل ملء فضاءات المسكوت عنه أو ما سبق قوله و لم تملأ فراغاته، هكذا فالنص ليس سوى آلة اقتضائية . إن النص ليس في إمكانه قول كل شيء، و هو يفترض قارئا قادر على تحيين دلالاته."(8)
عندما يدلي أحد رموز التجربة بشهادته كشاهد عيان عن أفظع تجربه وهو كان رهن الاعتقال على شكل وثيقة ذات قيمة اجتماعية، هذا لا يقلل من اهمية الكاتب والروائي عبد الرحمن منيف ولا من قيمة روايته وإبداعه الأدبي الراقي و بإضافاته على الرواية يمنحها المزيد من الصدق والحرارة و يغنيها ، وقد ابدع منيف في عرض هذه الأحداث المأساوية بصياغات غزيرة، و نقل  القارئ لأجواء السجون التي تزهق الارواح وتذل الناس، وتصدر الموت  وتترك أثارها النفسية  وندوبها العميقة في الروح والجسد، كما هو الحال مع بطل الرواية الحقيقي بالفعل .
   إن الروائي منيف  لم يضع نفسه في إطار الجدران الاربعة للسجن وأَقْبِيَة التعذيب وراح أبعد من ذلك وأطلق العنان لخياله من خلال خياله  الخصب وتمكن من وضع نفسه في أجواء  انسانية جديدة ، ساعدته على التوسع، والانتقال من السجن إلى المشفى، ليخلق للقارئ عالمين متعاكسين و متناقضين المشفى كمكان يشفي  ويحيي الناس  والسجن مكان  يذلهم ويميتهم .
     يورد المؤلف على لسان السجين طالع العريفي ( الزنزانة في سجن العبيد قبر: صغيرة باردة، فارغة، أقرب الى الظلمة، وتنبعث منها رائحة الموت.
    كما هو معروف فان الشعر الجيد، والرواية الجيدة، يعطيان صورة أعمق للمجتمع وأعتقد أن الأعمال الأدبية مثل الشعر والرواية هما أفضل وسيلتين للتصوير وفهم مجتمع ما. ونحن هنا  بصدد ادب السجون وهي افضل من الروايات التي دخل كتابها السجون أو نقلوا عن شخصيات دخلت السجون لفترات طويلة وعاشت التجربة عن قرب.(9) ويتفق منيف مع هذه المقولة وقد كتب على لسان طالع العريفي في الفصل الثاني بعنوان (حرائق الحضور والغياب)”في يوم ما، إذا خلق فنان في بلادنا، وعرف معنى القهر والغيظ معا ولحظة التحدي ايضا، فسوف تجسد لحظات لا يمكن أن تتاح لأي فنان آخر في العالم". الرواية ص. 313

  أتفق مع الاٌستاذ جاسم المطير فيما قاله.. ( ليس من الصواب وليس من المفروض على الكاتب الروائي ان يشير الى مصادر روايتها والى احداثها او بعض اجزائها او وقائعها اذ يكون هذا الأمر مهمة القارئ الناقد ) (10). ولا بد أن نشير الى أن حيدر شيخ علي ، طلب من الفقيد فالح عبد الجبار ان يعيد الكاسيتات من أجل صياغتها من جديد ونشرها باسمه ولم يعترض يوما على عدم ورود اسمه في الرواية     أما عن النص الروائي فقد صدَرت الطبعة الأولى من رواية " الآن .. هنا " عام (1991)،  بثلاثة مفاصل هي  .. الدهليز -  حرائق الحضور والغياب -   هوامش الأيام الحزينة.
       تدور أحداث الرواية في بلدين وهما موران وعمورية وكلتا الاسمين مبهمين، والكاتب الذي يرسم ملامح الشخصيات وبشكل علامات متقطعة وفي أكثر من فصل، حتى تعرف أبعاد زمان ومكان الأحداث، وخاصة في القسم الأول الدهليز، و رويدا رويدا تتبلور الفكرة من خلال الأحاديث التي تجري و تتواتر بين عادل الخالدي وطالع العريفي مع الشخصيات الثانوية، والطاقم الطبي في مستشفى  كارلوف - براغ وتكشف الهوية السياسية  لكلاهما.   
   كما تبرز شخصية الكاتب السياسية حين يتناول بالدرجة الاساس موضوع الإنسان وعلاقته بالسلطة وحجب حريته في منطقة الشرق المتوسط،.. بصرخة مدوية ضد الممارسات اللا إنسانية، واستمرار أعمال القمع بشقيه النفسي والفيزيائي. كما يتطرق الى قضية الحرية، والديمقراطية والانظمة الديكتاتورية، والدعوة الى هدم السجون عبر إلغاء الخوف ومواصلة الكفاح لفضح الممارسات القمعية وتحدي القتلة بشجاعة  . 
يأخذ السجن حيزا كبيراً من الرواية خاصة في القسمين الثاني والثالث، مقارنة بالمستشفى في القسم الاول، وهذا الأمر لا يخلو من دلالة، بعد ازدياد حالة القمع في الشرق المتوسط  وجنوبه، مما حدا بمنيف أن ينقل صورة الإنسان في حالته اللا إنسانية  إلى ذهن القارئ
     لقد تمكن منيف من توظيف أكثر من شاهد وأكثر من صوت، لإدانة الممارسات اللاإنسانية ضد المعتقلين في سجون شرق وجنوب المتوسط.  بحكم ما للمكان من وظيفة نصية ، يساهم في توجيه القارئ ويقوده إلى إنتاج دلالة معينة، وأن البنية الثنائية تتمظهر على شكل ثنائية ضدية في الرواية يتحكم فيها المكانان الأساسيان وهما:
المستشفى والسجن، لكل من هاتين التسميتين مدلولاتها العميقة والمؤثرة .
   استطاع الروائي عبد الرحمن منيف أن يأخذنا ببراعة لنتعرف على حال السجين السياسي في اقبية الموت المظلمة، حيث التعذيب الوحشي الذي يتعرض له بوسائل تهدر الكرامة الانسانية سواء بالتعذيب اللفظي الذي يستخدم اقبح الكلمات أو الفيزيائي الذي يطول كل جزء من الجسد دون استثناء. مشاهد مروعة لتعذيب اقل ما يمكن أن توصف به بأنها لا تصدر إلا عن وحوش يطلق عليهم بشرا عبثا.
   في القسم الأول بعنوان الدهليز: السارد الأول هو عادل الخالدي ويشاركه طالع العريفي .. يبدأ القسم الأول بفقرة ( حين بدا موتي وشيكا .. أطلقوا سراحي! ) الرواية ص : 11
   يروي لنا عادل الخالدي كيفية إطلاق سراحه وقضاءه أسبوع في البيت ثم سفره الى براغ  للعلاج بعد إجراء الفحوصات اللازمة من قبل الأطباء .

  ( في نهاية الأسبوع، وبعد إجراءات عديدة، من ضمنها التعهد بالعودة حالما ينتهي العلاج، سافرت، او بالأحرى سُفرت الى براغ. ) سافرت تعني انه حر في سفره، أما سُفرت فلها احتمالين الأول أنه سُفر من قبل السلطات وهذا غير واقعي والاحتمال الثاني سُفر من قبل حزبه وتعهد بالعودة الى البلاد بعد العلاج لمواصلة العمل السياسي وهذا دعاه أن يقول سافرت .
    في لقاء لتلفزيون العربية مع الروائي العظيم عبد الرحمن منيف،اردف قائلا (  اذا اراد ان يستمر ككاتب روائي وان يرى الحياة بتنوعها واختلافها مطلوب أن يحاول الحذر من حجم وجوده في الرواية ، لا شك ان الروائي موجود في كل في كل نص ولكن مبعثر ومتخفي ان صح التعبير من مجموع الصفات والمواقف ممكن أن تتسم بها هذه الشخصية او تلك في هذا المكان او ذاك ، يستطيع ان يخرج بعض المفردات له علاقة بصاحب العلاقة صعب أن تقول فلان الكاتب موجود في هذه الشخصية او بهذه الرواية .أنا معجب بشخصية متعب الهزال في حب مجوسية  ، لا لأنه يشبهني ، فهو شخصية مرموقة له دور وعنده هموم ، هي جماع شخصيات عديدة متعددة وحتى شخصية صبحي المحملجي في رواية  مدن الملح هو مجموعة من الشخصيات ، نقلت  ملامح  شخصيات عديدة من أماكن عديدة و  حاولت ان أصبه في هذه الشخصية حتى  تعكس الحياة الموجودة في أماكن معينة في فترة معينة.
 وقد حاول منيف أن  يصب في شخصية العريفي عدة شخصيات أخرى في هذا الفصل .
      (... إن دكتور ميلان قال لرادميلا التي لم تستطع أن تحبس دموعها " هذا المريض كان مصمم على الموت، لأنه يعتبر الموت وحده الرد على الإهانة التي وجهت إليه .. لم يتحمل الإهانة التي وجهت الى طالع بعد زيارة وزير نفط موران وعند سماع الخبر ( زفر طالع وأضاف بحزن وتهكم معا:
 - لو اقتصر الأمر على الزيارة لهان لقد طٌلب من شبابنا أن يستعدوا هذه الليلة لمغادرة براغ.. كان حزينا لدرجة القهر، وكان ساخرا كحد السكين )الرواية ص: 24-25.. و ورد على لسان جوليا ( لكن أستطيع أن أٌعطي نفسي الحق أن اعتبر ما حدث لا يستحق كل هذا العناد، واعتبر أن  موقفكما، انت والعريفي خاطئ ، فالأول قتل نفسه بشكل ما وأنت تصر أن تبقى مريضا.) الرواية ص: 91 ..
  في الوقت الذي كان طالع العريفي في القسم الثاني حرائق الحضور والغياب يتحدى جلاديه، ويقاوم من خلال صمته رغم تعرضه للتعذيب القاسي ، بما فيه الضرب والجلد، والحرب النفسية، وتعريضه للجوع والعطش لحد لا يطاق، و حجزه في قبو مظلم  لسنوات طويلة. أراد منيف من هذا إيصال فكرة  عن موقف رافض وغير مقبول لسلوك النظام السياسي الانتهازي الحامل لاسم الاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا حينها 
    في القسم الثاني الذي حمل عنوان حرائق الحضور والغياب ، يواصل السجين السياسي طالع العريفي من موران سرد المزيد من التفاصيل عن حياته ويكشف المزيد من أوراقه، التي تتمحور حول التحقيقات التي تم إجراؤها معه في محاولة جره للاعتراف على رفاقه والمهام التي كلف بها حال اعتقاله ، وما لاقاه من تعذيب نفسي وجسدي..
" قضيت في هذه الزنزانة سبعة شهور وبضعة أيام. "الرواية ص. 206  .. و  عن سجن العبيد يقول في سجن العبيد " انقضت خمس سنين نُسينا خلالها." الرواية ص . 319.. وبعدها نقل الى السجن المركزي ومن ثم إلى سجن الأجانب.. هناك أطلق سراحه.. وبقائه معتقلا في هذين السجنين  لفترة اخرى لحين تنفيذ القرار  وتستكمل  مدة بقائه في المعتقلات  لأكثر من ست سنوات.
وعن السجون التي اعتقل و عذب فيها لإجباره على الاعتراف، نتوقف عند الزنزانة.. زنزانة الموت.. دون أن نعرف اسم السجن.. سجن العبيد، ثم المهاجع. ومن ثم النقل الى السجن المركزي وفيما بعد الى سجن الاجانب حيث اطلق سراحه. وهذا يتطابق  بالضبط في كل تفاصيله مع الفترة الزمنية لاعتقال المناضل حيدر شيخ علي.. و عدد السجون التي دخلها.. لحين إطلاق سراحه أواخر 1987.     ( مقابلة مع حيدر شيخ علي)
     وهي أصدق صور قدمها منيف لتكون توثيقا تاريخيا لمعاناة السجناء والمعتقلين من خلال شخصية طالع العريفي و ما جرى من أفعال سادية وقمعية لاذلاله ومحاولات نزع الاعترافات منهم قسريًا.
    بعد وصول طالع إلى سجن العبيد وسماعه التعليقات المهينة لإحباط وكسر إرادته وفل معنوياته يشحذ  ذاكرته المتيقظة ويحاور نفسه: (  إمٌا أن تكون رجلا او تنتهي إلى الأبد.. وعليك ان تعرف: أنت الآن في مواجهة التحدي الكبير، إما أن تصمد أو تسقط ويشمخ في داخلي نداء عاتِ، صوت كأنه الطوفان : الإنسان لحظة قوة ، وقفة عز فأحذر) الرواية ص 218 - 219
وتتغير أساليب التعذيب وتصبح أبشع من الممارسات التي سبقتها وتغير لهجتهم.  في لقائه الاول مع احد المحققين: 
   ـ لازم تعرف انت الان في سجن العبيد   
و بعد قليل، و بلهجة واثقة و مرحة:
- ولازم تعرف أننا هنا نقدر نسوي كل شيء، لا أحد يسألنا و لا أحد يحاسبنا، شورنا من راسنا. نحن نقدر نخلي البلبل ينهق والحمار يغرد، و ما مر أحد من تحت أيدينا إلا و اعترف، و قال حتى بأي شيء كان يفكر أو يحلم". الرواية، ص(228)
الشهيري يحقق مع طالع يدعي أنه يمتلك معلومات، ويحاول من خلال الحرب النفسية انتزاع الاعتراف منه، كما ان طالع يتوصل الى قناعة" ان معلوماتهم مشوشة " في التحقيق " كانت التهم تتغير فترة بعد اخرى " الرواية ص: 208 فيلتزم الصمت والإنكار كأفضل كوسيلة للهروب من اسئلتهم ومقاومتهم، ويتعرض في زنزانات الموت المظلمة الى المزيد من التعذيب الوحشي، بوسائل تهدر الكرامة الانسانية واستخدام اقبح الكلمات .. أو الضرب الذي يطول كل اجزاء الجسد دون استثناء حتى النهاية.         
 طالع العريفي يخاطب نفسه متحدياً الجلاد متسلحا بالصمت وعناده الثوري و إنكاره للتهم الموجهة له والمعاملة اللا إنسانية تزداد سوءً ويتشدد الجلاد .. يقول طالع: (كان العناد الرفيق الذي لم يتخلى عني لحظة واحدة، كان يسندني بقوة كان يصرخ : " احتمل سوف يتعبون " ) الرواية ص 235     
 الجلادون :"ها لابن الحرام"  "ما عنده الاّ اخ يمه، آخ يمه"  الرواية ص: 237  طالع:  ( قلت لنفسي: عذابات ساعات ولا ذل العمر كله، والرهان بيننا سوف يرون ) ص:
  استطاع طالع أن يخرج من السجن مرفوع الرأس إذ أنه لم يعترف على رفاقه رغم التعذيب الذي مورس ضده:" و لم ينتظر الشهيري الجلاد الساخر  :

- " تريد أن تصير بطلا ؟ مشهورا ؟ تريد الناس تقول إن ابن العريفي دوخ جماعة سجن العبيد و ما قدروا عليه، و أنه طلع مرفوع الرأس ؟" الرواية ص. 272
  في القسم الثالث.. هوامش الأيام الحزينة.. الذي خصص للسجين السياسي عادل الخالدي ورفاقه في سجون عمورية يسلط الخالدي الضوء من خلال سرده لمجرى الاعتقال والتحقيق لينقلنا الى داخل المعتقل بالتركيز على ما حدث معه وحالته النفسية وعلاقته بمن حوله وكيفية التعامل معهم ، يقول:
   (كان الاستقبال يليق بسجين محكوم ومزود بتوصية المخابرات " عنصر خطر، ولم يعترف، نوصي بمعاملته بما يتناسب مع خطورته وأهميته، و موافاتنا بتقارير دورية عنه " ).
  لقد مرّ في ثلاثة سجون في عمورية (سجن المركزي، سجن العفير، سجن القليعة). هذه السجون لها شبيه في العراق ، السجن المركزي في بغداد،  سجن نقرة السلمان في الصحراء، وسجن الموصل في شمال العراق. 
 سعت الرواية لتشكيل صورة  موحدة  منسجمة لها لتصبح سجنا واحدا في ذهن القارئ يجسد طبيعة السجون التي حددت الرواية مكانها في  (شرق المتوسط) بعناصرها المتناقضة والمتوازية: السجن والجلّاد في عمورية و موران، المستشفى والطبيب والممرضات، في براغ و فرنسا، القبو والدهليز، الشرق والغرب الموقف الإنساني وإلا الإنساني
 العنوان و ملحقاته
العنوان أهم عنصر  يوازي محتوى الرواية ويشكل مدخلا أساسيا لقراءة العمل الإبداعي لمنيف بصفة عامة ويكتسب خصوصيته عندما نتوقف ثانية مع عنوانه المكرر .. (الآن هنا.. او الشرق الأوسط مرة اخرى )، الان.. هنا خطت بالأحمر.. ( إذ أن لعبة الألوان تكتسي أهميتها بحيث أن اللون الأحمر يثير في مخزون ذاكرة القارئ الدعوة إلى الاستنفار و الحذر، و ضرورة التأهب للقيام بسلوك ما، من أجل مواجهة أمر جديد. إن له أثرا بسيكولوجيا قويا، فهو دعوة صريحة لليقظة. إننا أمام حالة تكتسي نوعا من الجدية.(11) وخطه بحروف كبيرة يوحي للعنوان الرئيسي، في حين خط العنوان الفرعي ( او الشرق المتوسط مرة اخرى) بحروف صغيرة ولون أسود لا علاقة لها بالتهميش بقدر ما لديها دلالة  فكرية  وسيكولوجية للتنبيه والتذكير  والتأكيد  على  خطورة ما يحيطنا من سجون ومعتقلات وجرائم وشناعات.
وكان الروائي موفقا في اختياره للعنوان الذي اكتسب أھمية اعلامية وفكرية وفنية. كما یقول علي جعفر العلاق: العنوان يحدد ھویة العمل ويكرس انتماءه وعلاقته بالنص بالغة التعقيد.. انھا مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة وغامضة لبھوه وممراته المتشابكة (12)

التعارف:
يلتقي عادل الخالدي في مستشفى كارلوف - براغ الذي يتلقى العلاج فيه بطالع العريفي وكلاهما مناضل سياسي و سجين سابق، تتشكل بينهما علاقات مبنية على الألفة والمودة، وصلت الى الانفتاح دون تحفظ، تسمح لأحدهم  التعبير عما في أعماق نفسه والتصريح للآخر دون خوف او وجل .. يقول عادل:

" إن الذي غير حياتي و وضعني على حافة الموت هو أني تعرفت على طالع العريفي" الرواية، ص 14
- " سيبقى السجن يا طالع ،يا طالع، وسيبقى السجان مادام  هناك ظلم واستغلال" الرواية ص: 18
فأن ينادي عادل على طالع فقط باسمه الشخصي يدل على توثق العلاقة بين الاثنين وتعمقها.
وبما ان مكان لقائهما مدينة براغ فهذا يوحي بيقين أنهما يساريان يجمعهما فكر واهداف موحدة وهذا سر التفاعل السريع و توثيق العلاقة بينهما..
الزمان
من خلال قراءة النص لا يستطيع القارئ أن يحدد زمن كتابة الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عام  1991. وكان عبد الرحمن منيف قد انتهى من كتابتها، دون أن يذكر متى بدأ بذلك، لو تمعنا في عنوان الرواية ستكون مفتاح مهم في فتح مغاليق الالغاز. يقول هوك ".. إن الوضعية التواصلية هي التي تمكن القارئ من ملئ معنى العنوان، وداخل هذه الوضعية الأصلية يشكل العنوان إذن إضمار سياقيا ". (13)
  نلاحظ من العنوان " الآن .. هنا " أننا امام جملة غير تامة، الآن ظرف زمان وهنا ظرف مكان لان عنصر الفعل مغيب، و يعد الإضمار إضمارا سياقيا لأنه يجعل القارئ يساهم في استحضار هذا الحذف. فإذن يمكن أن نضيف الفعل حدث الان .. هنا يعني حدث شيئا في الوقت الحاضر أي قبل كتابة النص الروائي، حيث طبع الرواية في عام ( 1991 )، و بالارتباط مع العنوان الفرعي ( شرق المتوسط مرة اخرى) يذكرنا الكاتب بموضوع تلك الرواية وشخصياتها وكل ماله علاقة بمعاناة الإنسان داخل السجون والمعتقلات وتواصل تعذيب الانسان في الشرق الاوسط..     
يمكن القول أن الفترة الزمنية تقع بين تسليم الكاسيتات الى منيف في خريف عام 1988 الى فترة طبع الرواية وهي أقل من ثلاثة سنوات.   
  كما ورد على لسان عادل الخالدي في الفصل الأول " الدهليز "( إذ يسيطر عليً شعور أن كل شيء تبدد وسقط، وأن ليست هناك إمكانية لبداية جديدة، وخاصة، بعد أن توالت الخلافات، و معها الاتهامات والفضائح ، وبعد أن تغير موقف السلطات المحلية تجاه اللاجئين ). ص : 80 ( واخذت التحديات تتزايد والخلافات تتسع وتستحكم، والقطيعة معها الظلال اليائسة تغطي كل شيء ). ص: 83
 ( لأن اندرية كان يمر دوريا كل خميس، وكان يطلب أن نوقع على أوراق معينة بشكل روتيني، ولا شيء غير ذلك، فقد اصطحب معه ذلك الخميس رادي.)
( - نحن آسفون أن نبلغك بشروط المستشفى الجديد: بدءا من الأسبوع القادم سوف نجري الحساب بالدولار وعن طريق البنك، ولذلك يجب ان يتوفر لك ضمان بنكي من أجل تسديد أجور المستشفى. ) ص: 127
   نستشف من الفقرات أعلاه إنها الفترة التي ترافقت مع التحولات العاصفة في أوروبا الشرقية وانهيار  أنظمة مجموعة البلدان الاشتراكية التي كانت تشيكوسلوفاكيا واحدة منها عام 1988 و الانعطافة التي شكلت نهاية الحقبة الاشتراكية ( 1989) ، حينما كتب طالع العريفي أوراقه في المشفى،  كما روي عن هذه الفترة عادل الخالدي ذكرياته عنها وهو داخل المشفى، حيث تغيرت الاوضاع وشهدت عودة للرأسمالية عام ( 1989)  قبل سفر الخالدي الى باريس بأيام معدودة..
 المكان
لم يحدد الراوي  في روايته التي تجري أحداثها بعد خروج "طالع العريفي وعادل الخالدي " من المعتقل، مكاناً جغرافياً معروفاً لهما، فقط اقتصر على بقعة جغرافية معينة هي الشرق الاوسط، وان كان يشير الى بلدان محددة في غُربهما وهي براغ مكان لقاء المعتقلين وفيما بعد توجه الخالدي الى باريس بعد وفاة العريفي.
لا بد ان نشير الى* إن النص يوفر بعض المعطيات من وظائفها تنشيط المعرفة الخلفية للقارئ وتحفيز مقدرته التأويلية، وبما أن هذه المعطيات هي علامات متقطعة ومبعثرة داخل نسيج النص فإن المقدرة الموسوعية للقارئ تعمل  على اعادة  بنائها.*( 14) وفي معرض شهادة طالع العريفي في موضوع اعتقاله كنت " على مسافة غير بعيدة من السوق كانت تنتظرنا سيارتين، وبخفة وبراعة دفعوني في السيارة الأولى، و جلس الى جانبي اثنان، واحد من كل جهة، وانطلقت السيارتان بسرعة، وأخذنا طريق العوالي. ص: 167  "
وعندما يصف طالع العريفي السجن ويحدد مكانه في القسم الشمالي من موران ، على طريق العوالي ، مكان محظور على الاقتراب منه، إذ تحيط به اسلاك شائكة وثم أسوار عالية، اضافة الى نقاط للحراسة تمنع الوقوف المرور ."ص : 211
   يستشف القارئ أنه سجن إيفين الرهيب (بالفارسية : زندان اِوین)، هو سجن إيراني في منطقة إيفين شمال غرب طهران ويقع عند سفوح جبال البرز .  معروف من زمن الشاه اشتهر باحتجازه للسجناء السياسيين، حيث تواجد فيه مجموعة من سجناء الرأي في الأعوام السابقة للثورة الإيرانية عام 1979م  وبسبب وجود عدد من المثقفين فيه فقد أطلق علية اسم "جامعة إيفين" . وقد حظر التقاط الصور بالقرب منه.(15)
   لو تمعنا في هذا الوصف عن سجن العبيد في الرواية  سنجد أنه ينطبق لحد كبير على سجن إيفين في إيران، نرى أوجه التشابه بينهما ...ومن هذا المعطيات وغيرها وردت في الرواية يمكن أن نستنتج  ان موران هي طهران.. أي أننا في سجون ومعتقلات إيران .
اما سجن العبيد او قصر العبيد كما يسمى ايضا  فيمكن  أن يذكرنا بالسنغال حيث تحول الى منطقة سياحية.. أو في السعودية حيث يقع في شمال الهفوف القديمة بجانب قصر إبراهيم الأثري الذي تفصله عن براحة الخيل. حوله خندق من الشمال والغرب ومحيطه بارز عن سور المدينة، و له ستة أبراج.  وقد هدم عام 1975 وأصبحت منطقة سكنية وهناك سجن العبيد في موريتانيا ومناطق  اخرى لفترة زمنية  قريبة كان يسجن فيها العبيد. 
في السعودية يتواجد سجن للسياسين يسمى "سجن العبيد" يقع في  الأحساء  وهي أكبر واحة نخيل،  مترامية الأطراف تحيط بها الرمال من جهاتها الأربع. أما موقع سجن العبيد في الرواية فهو في العوالي .  "لما تسلمت المخابرات العامة المكان كان السلطان الأول قد مات ، وعزل ابنه ، وجاء السلطان الجديد.

وكانت موران قد كبرت واتسعت عشرات المرات ، وكانت المخابرات العامة قد قدمت مئات المذكرات ، أن المكان قد ضاق ، لم يعد كافيا لاستيعاب اعماله او نزلائه! .
   في هذه الفترة وغيرها، اضطر المسؤولون عن سجن العبيد الى حفر أنفاق إضافية، والى وضع بوابات حديدية، والى توسيع المكان من جميع الجهات. “ ص: 214
شُيد سجن إيفين في عهد الشاه بهلوي عام 1972، وأشرف عليه جهاز السافاك . صُمِّمَ السجن منذ البداية ليحتوي على 320 سجين (20 منهم  في زنازين انفرادية، 300 في قطاعين جماعيين كبيرين) وجرى توسيعه عام 1977 ليحتوي على أكثر من 1500 سجين ( 100 منهم في زنازين انفرادية للسجناء السياسيين الأكثر أهمية. ومن جديد تم توسيعه في عهد الجمهورية الإسلامية ليتسع لـ 15000 سجين  وفقاً للباحث إرفاند ابراهاميان .
      لهذا نستنتج من الفقرات اعلاه ان مكان الاعتقال طهران - إيران وإن سجن العبيد هو سجن إيفين الرهيب  الكائن في شمال غرب طهران وهي منطقة جبلية مرتفعة.
  والسؤال الذي يتبادر للذهن.. لماذا لم يشير الروائي الى مكان السجن؟ !
  في فترة كتابة النص الروائي، كان الحزب الشيوعي العراقي بحكم وجوده في المعارضة يزاول مهمات عديدة تطلب إنجازها في إيران بشكل سري، وتحديد مكان السجن بوضوح، كان سيؤدي الى تشديد المراقبة واعتقال المزيد من الضحايا، وإلحاق الأضرار بآخرين. لهذا لم يشير الراوي الى مكان السجن عن قصد، وقد أشار على لسان طالع العريفي وعادل الخالدي ان ذلك مرهون بالظروف المناسبة ويخضع لاعتبارات لا يمكن تجاوزها.
 ورد على لسان طالع العريفي : * وإذا من حقّي او واجبي ان اسجل هذه التجربة بكل صدق وامانة فإن مسألة نشرها، إن كانت تستحق النشر ، مرهونة بالظروف المناسبة. - المهم كتابتها، أما توقيت نشرها فإنه يخضع لاعتبارات كثيرة.*ص: 29
  وكذلك ورد على لسان عادل الخالدي وطالع العريفي من خلال النقاش الخيالي التي دار بينهما بعد موت طالع .. كانت أوراق طالع موجعة، نازفة، قلت لنفسي : * لا بد من نشرها * أطل علٌي بعينيه الضاحكتين و الحازمتين معا وقال:*
ـ مَن تكون حتى تقرر عني؟*
قلت له*
ـ انتبه ايها الرجل،.. الخ* قال بصوت مشروخ* ولكنني أودعتها امانة لديك، واحتفظت لنفسي، لرفاقي بحق التصرف بها، ويجب ان تكون امينا وتعرف الحدود* ويرد طالع على الخالدي انت تعرف في أي ظرف كتبت ص: 106
( حتى أوراق طالع التي تسبب لي بجروح بليغة ..  فاضطررت ان اضعها في مغلف، وأن أكتب في أكثر من موضوع انها لطالع، لطالع وحده لكي تكون بعيدة عن المعارك الوهمية التي تخاض الآن، وأن لا يتم

التصرف بها لاحقا، إلاَ بعد استشارة عدد من الأشخاص، سميتهم بورقة مستقلة و ضعتها داخل المغلف.) ص: 147- 148
 طالع العريفي لم يكن من مواطني موران
       " كنت من الذين أرسلوا أول الأمر الى السجن المركزي، ثم الى سجن الاجانب؛ وفي هذا السجن قالوا :
-انت بالأساس لست من موران ، لم نجد لك قيدا ً، ولا يشرفنا ان تبقى بيننا، لذلك سوف تُسفٌر! وهكذا سُفٌرت. طوفت في أماكن عديدة يكفي هذا، أن نقول، طالع العريفي لم يكن من مواطني موران
  يقول المحقق لطالع في المعتقل الأول :
  "- لدينا معلومات أكيدة أنك من الدواحس، وأنك مكلف بمهمة.." الرواية ص. 172
       يورد المؤلف على لسان عادل الخالدي في القسم الأول الدهليز (كما تراوده رغبة العودة، لكن متسللا هذه المرة، لان موران بعد ان تعبت منه، كما اعتبرته من رعاية الدواحس وابعدته. وقرار العودة لا يتم، ولا يمكن أن يتخذه دون موافقة المسؤولين في الداخل.) ص: 24 يعني أنه من رعايا دولة أخرى واستخدام كلمة الدواحِس مقصودة،  دواحِسُ : جمع داحِس .. داحِس: (اسم) .. فاعل من دَحِسَ .. دَحَسَ بين القوم دَحْساً : أَفسد بينهم ،و"الفساد في الأرض" هي التهمة الأكثر خطورة في ايران ويعاقب عليها بالإعدام.
 يوحي إلى التهمة الموجهة لطالع العريفي في موران، وهذا تأكيد واضح ان طالع العريفي ليس من مواطني موران. تم طرده منها.
في القسم الثاني ـ حرائق الحضور والغياب ـ ورد في أوراق طالع العريفي الفقرات التالية :
"اكتب هذه الأوراق بعد أن رُحَلت من موران، وبعد انقضاء فترة طويلة نسبيا على مغادرتي لموران ومعنى ذلك أنني الآن اقل انفعالا، ربما أقل حقدا، واحاول قدر ما استطيع، ان ارسم صورة لما حصل منذ لحظة القبض علًي، وحتى إبعادي عن موران"  ص. 163  بعد أن رُحَلت من موران، يعني اُجبرت على الرحيل من موران, وحتى إبعادي عن موران يعني الطرد من موران ويستخدم في العديد من الدول وفي لغة القوانين ايضا، عندما يجري إبعاد الأجانب عن البلاد  وهذا يعني (صحيح أن اعتقالي لم يكن متوقعا، اذ لم اكن معروفاً لا بالاسم ولا بالهيئة ، خاصة اني حديث الإقامة في موران .! ) ص :   167
  وورد ايضا.. ( ماذا لو انتهى هذا النظام وجاء نظام صديق؟ ولكني لم استرسل في هذا الوهم اكثر من لحظة، قلت لنفسي: ( الاصدقاء يتعاملون بطريقة مختلفة، وهؤلاء لا يزالون أعداء وسيبقون كذلك حتى النهاية ). لم يقول نظام جديد بل قال نظام صديق يؤكد مرة اخرى ان طالع العريفي اعتقل في بلد غير وطنه ولم يكن أية دولة عربية . ص: 197
وعن التحقيق يستذكر .. (تركزت المعركة الاولى حول أُمور محددة: من اكون، اين اسكن، لماذا أنا هنا في موران؟! ) ص: 169

المحقق الشهيري - إسمع .. اكون مجنونا إذا تصورت أنك تستطيع إقناعي من خلال الأوراق المهترئة التي تحملها، أنك من موران وانك متسبب ( من اين حصلت على هذه الأوراق؟ من ارسلك الى موران ؟ ما هي المهمات المكلف بها ؟ اريد ان تجيب على الاسئلة .. والا! ). ص : 170 و 171
فإنْ للموتى جوازات خاصة بهم، وباعتبار أن المومأ إليه سبق وان أُبعد من موران، ولا يتمتع رسميا و جدارة بجنسيتها، لذلك نبلغكم اعتذارنا من صرف جواز سفر متوفي للمذكور  ص: 58. وامكن بعد تدخل وسطاء كثيرون، صرف جواز سفر متوفي لطالع العريفي من دولة صديقة. ص : 59
إن النص ليس في إمكانه قول كل شيء، و هو يفترض قارئا قادر على تحيين دلالاته.  ص : 110  الانسان في رواية منيف ومن الفقرات المذكورة اعلاه ايضا، يؤكِّد لنا ان السجين طالع العريفي لم يكن مواطناً من موران.
 بطلي الرواية من بلد واحد ( العراق )
   يحاول الكاتب من خلال بعض النصوص او الكلمات التي سعى لتمريرها، من اجل خلق اضافات دلالية بشكل غير مباشر واستغلالها في اثارة انتباه القارئ والوصول إلى معانيه .. ورد على لسان الخالدي: ( طالع العريفي مريض مثلي، جاء من موران للعلاج كما يحصل بين اثنين يتعارفان على ظهر باخرة أو في السجن تعارفنا )  ص: 14 ويسترسل الخالدي ( بدون ارتباك، وبكلمات قليلة قدم نفسه على أن  من نزلاء المستشفى وانه يعرف التشيكية ويمكن أن يكون مفيدا لي إذا احتجت الى مساعدته، وقبل ان اجيب، تابع وهو يدور حول السرير:-       
  لدي بعض الكتب والمجلات يمكن ان اضعها تحت تصرفك. اعتبرت العرض الذي قدم إلي الآن سخيا وغير متوقعا، مما جعل رد فعلي موازيا لهذا السخاء، إذ رحبت بالزيارة، وبدر مني ما يشي بموقف ودي مبالغ، انتعش طالع كأنه لم يتوقع فقال بانفعال: (قلت لنفسى العرق دساس والدم أبداً ما يصير ماي ) ص: 15
  يمكن أن تفسر هذه المقولة أنه يعرف الجيكية يمكن أن يترجم له إذا احتاج إليه، يعني أن طالع العريفي يتكلم العربية أو هو من مواطني البلدان العربية.       
 "العِرْق دَسَّاس" أي مثل شعبي يعني الطباع متشابه بينهم، كما في العائلة الواحدة يرث الابناء جينات الآباء يمكن ان يوحي الى أنهما من بلد واحد، والدم أبداً ما يصير ماي " وهي مثل إماراتي و يستخدم في كثير من البلدان العربية ويفسر كلاهما يحمل نفس الفكر، أي أن اواصر العلاقات بين حاملي الفكر الواحد لا تتعكر، مهما بلغت الخلافات الفكرية بينهم، فإن في ساعة المحنة وشائج العلاقة تتقارب القلوب وتعطف على بعضها لما بينهما من أواصر  تجمعهم في الفكر  او اصل، والعائلة و البلد.
     عند زيارة وزير نفط موران الى براغ منع طالع العريفي الخروج من الغرف و المستشفى وكذلك منع زيارته، و وضع شرطي على باب الغرفة، إلا أن الذي * استلم الحراسة الليلية كان طيبا ونبيلا *وسمح لعادل الخالدي بزيارته في تلك الليلة. ورد على لسان الشرطي ( - لا بد للسجناء والمرضى أن يجدوا وسيلة للترفيه وقتل الوقت، لذلك ليس لدي ما يمنع ان يزوره احد مواطنه، شرط أن يبقى الأمر بيننا! ورد على لسان عادل الخالدي* والاخت جوليا وافقت على هذه الديباجة كلها والشروط ركضت الى

غرفتي وطلبت ان ارافقها بسرعة. لقد كنت مرتبكا وأنا أسير الى الممر الطويل باتجاه غرفة طالع.* ص: 39
   مواطن اسم فاعل من واطنَ أي مَنْ نشَأ معك في وطن واحد، هذه الكلمة توحي لنا انهما من وطن واحد، كما أن هناك إيحاءات من قبل المؤلف طالع العريفي ليس من موران.
  في القسم الثالث وعلى لسان الخالدي" يفصح بالقول: عمورية منطقة موبوءة : إنها خليط من الثقافات والحضارات، ..." الرواية ص.  379 ،  كان العراق بلد الثقافات و الحضارات!
" استسلمت اخيرا، استجبت لما اراده عادل ومع ذلك سأسمع ما يمكن أن يقوله عن هذه الاوراق، سوف نناقش طويلا، وفي كل الأمور عندما تبدأ رحلة الجبل " الرواية ص. 321
هذا مؤشر واضح ، كلاهما يعودان الى نفس البلد حيث يستقرون في الجبال في مهمة نضالية..
   في هذه الفقرة يوحي الراوي.. ان الخالدي والعريفي ينتمون الى جهة واحدة ( ... ولا يحق لك ان تنتقم مني يا طالع، فكلانا ضحية ومخدوع .) ص: 126 وورد على لسان طالع العريفي (... والان حان الوقت لكي نضرب بعضنا بعضا، ليس من أجل اقتسام المكاسب، فهذه غير موجودة، من اجل استمرار الوهم، ..        وفي الصفحة 26 وعلى لسان طالع العريفي ( - قبل، وبعد فحص كامل، اكٌد لي الدكتور ميلان انني في حالة صحية جيدة ولن احتاج لأكثر من اسبوعين الى ثلاثة، لكي أٌغادر المستشفى إلى الجبال ) . على الأرجح يوحي الى جبال كردستان العراق حيث تواجد هناك قوات للأنصار الشيوعيين ، وبما أن طالع العريفي كان محسوب على الحزب الشيوعي ورد في الرواية على لسان الخالدي وهو يتجول في سجن الباستيل في باريس يذكر.. ان (سجون عمورية معظمها، كلها،  تنفتح على الغرب والشمال .. وسرداب التعذيب في سجن عمورية المركزي أول ما يطالع "الزائر" وكذلك المشنقة" .الرواية ص.336 " بعد ان اجتزت الباب الأول وصلنا الى الباحة الداخلية، كانت المشنقة ناحية اليمين، وكان درج السرداب ناحية اليسار وبينهما كان الباب الذي يؤدي الى السجن" الرواية ص. 337.        " وللنساء جناح خاص في السجن المركزي" الرواية ص. 241  الى "اليسار وسيؤدي الى به القسم السياسي " الروايةً 242
        عندما يصف عادل الخالدي في القسم الثالث من الرواية السجن المركزي.. ينطبق ما ورد في الرواية الى حد كبير على السجن المركزي في باب المعظم – بغداد.. والنص التالي يوحي لذلك :"في السجن المركزي أناس متدينون أقرب الى الدروشة، يفخرون انهم احفاد الرفاعي والبدوي وعبد القادر الكيلاني، دما وانتسابا... ولا يترددون جهدا من اجل اقناع أبي عبدالله دركل زعيم المتصوفة..          " ودەركە له " ناحية تقع في كردستان العراق وكل المؤشرات توحي ان عادل و طالع عراقيان.
  وعن سجن العفير ورد عن الخالدي:
 (" وسجن العفير لم يكن سجنا، كان قلعة وسط الصحراء، كان مخفرا متقدما لمنع تهريب الأسلحة.. ثم سجنا للخطرين من الخصوم السياسيين".." لذلك كان يرسل إليه السياسيون لكي يزوره ويقضوا فيه أياما أو ليبقوا فيه سنين متتالية .. إلى أن ينسوا ما كانوا يفكرون فيه وتختلط آلامهم مع يأسهم. وخلال ذلك ينساهم الناس أيضا ! " ) الرواية ص. 373
   
هذا الوصف يتطابق مع سجن نقرة السلمان غرب العراق:
" كان السجن في نقرة السلمان يقع في منتصف الصحراء وتحيط به الذئاب وكان سابقا قلعة تبعد 160 كم من مدينة السماوة، وكان مقر بادية الشرطة الجنوبية. ثم تحول الى سجن للسياسيين، وكان الغرض من إنشاء هذا السجن لعزل السجناء السياسيين عن العالم الخارجي وتجريدهم من كافة حقوقهم كسجناء وتعريضهم للتعذيب الشنيع بحق كل من يصل الى هناك وانتهاك كرامتهم من قبل ادارة السجن"(16)
 الاستنتاج
     لا يمكن لأي قارئ او ناقد إلا ان يقف مبهوراً أمام قدرة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف، خاصة فيما يتعلق بأدب السجون التي غاص في أعماقها لدرجة مدهشة وجعلها في سرده تحفة ادبية راقية  تذكرنا بعارينا وذلنا مع ما يحدث في السجون من عذابات ألا  انسانية .
  فقد تمكن الكاتب القدير منيف على خلق التوازن بين السرد والحوار والانتقال بينهما بسلاسة، وإبراز مشاعر الشخصيتين على الورق  وجذب القارئ للأجواء

3
أدب / ستكتب شيئاً مدهشاً
« في: 17:26 29/11/2018  »
أقصوصة قصيرة

ستكتب شيئاً مدهشاً
                                                                                   
سهيل الزهاوي
  ها هي امرأة حسناء لم تتعدّ الأربعين . يتجاوز طولها خمس أقدام ونصف ، ذات شعر أشقر ساطع  وعينين زرقاوين . أنثى لا تشبه أيّة أنثى ، ذكية ولمّاحة جدّاً ، قوية وصعبة المنال ، تعاني من التهاب المعدة ،الذي أثّر في مزاجها، لكنها ذات روح دفيئة وحانية يعشقها كل العالم . رغم العراقيل وما توحي بها من غضب وحزن وكآبة ، ظلت مترعة بفيض من الإحساس والشعور المرهفين تجاه الآخرين.
  أمضت نصف عمرها في كتابة القصص القصيرة وأبدعت في كتابة الشعر وذاع صيتها في سبعينيات القرن الماضي ،  طوال عشرين عاما تتحدى كل شئ إلّا مغالبة الإغتراب في وطنها ومقاومتها . فقد كانت تعي أن العيش في وطن يحكمه الاستبداد والطغيان ؛ يعني الاغتراب بمعناه الحقيقي.
 توقفت عن الكتابة منذ سنين. كانت تفكر في حياتها الخاصة أحياناً، لكنّها لمْ تتخلَّ عن أحلامها وطموحاتها الأدبيّة ؛ إذْ كانت تراودها الأفكار بين فترة وأخرى وتقودها الى شئ ما يلبي طموحاتها؛  كأن تكتب رواية لم تُكْتَبُ أبداً ولن تنتهي أبداً ،ربما تسرد قصة حياتها ممزوجة بخيالاتها؛ لذلك كان الخوف والحزن يطغيان عليها!
أحيانا يستطيع الانسان أن يلمح الخوف في عينيها ، وهو خوف ليس ناجماً عن الشعور بالذنب لما تريد القيام به، وإنّما الغضب لما حصل لها؛ حيث كانت تشعر أن أحلامها قد تبددت قبل أعوام .   
 كان الغروب قد اكتمل ؛ فحلّت ليلة  شتوية ، وانقشعت الغيوم الكثيفة، و تلألأت نجوم لسماء ليلة باردة قليلاً تهبّ نسمات عليلة ، ونتف الغيمات تستر وجه القمر كثوب شفّاف يغطّي جسد امرأة جميلة .
   كانت تكره الشتاء والليل والنوم. يبدو لي أن كل شئ يستفزها هذه الليلة.  بدأت تذرع غرفة المعيشة ذهابا وايابا لفترة طويلة، وفجأة أغلقت الباب وفتحت النافذة ؛ لكي لا يُرى سواها. كان القلق يعتريها وتتألم بصمت شاعرةّ بالإحباط والخيبة.
  كنت أتمعّن في وجهها بعمق ؛ فخيّل لي أن خفقان قلبها مضطرب. وكان الحزن يلازمني في هدوئي والصمت يطغى على أعماقي .
  أخيرا قررت الجلوس على الأريكة.  كانت صامتة ومنكفئة على ذاتها ، وبين فترة وأخرى تحرك رأسها ذات اليمين وذات اليسار، والصمت مطبق على الغرفة ، وكانت كأنما تتفقد أشياء الغرفة أو تبحث عن شئ مفقود وظلت ذاهلة في مكانها  والقلم  بين أناملها الثلاث وهي غارقة في تأمل  الأوراق  البيضاء المبعثرة على المنضدة بعيدا عنها ، وهي تنتظر منذ شهور من يملأ ها ؛ كي تدب الحياة فيها .

   
بعد فترة صمت طويلة سالت الدموع من عينيها ، وعلت منها تَنْهِيدَةٌ مِلْؤُهَا الأَلَمُ . كانت عميقة الخيال،  وبدت لي إنها لا تراني .  لم تنقطع عن التفكير في احتمال وجود شيء ما يعيقها عن الكتابة .
   رفعت رأسها ، ثم وضعت إحدى أناملها على خدها كأنها تفكر في صياغة كلامها . ولم أبرح لحسن الحظ أحتفظ بهدوئي تخالجني مشاعر الرثاء والشفقة نحوها .
   كنت أحدّق في قلمها وأتأمّلها في هذه اللحظات العصيبة ، وفجأة استفقت من شرود تأملاتي ، و نظرت مليا الى قلمها ، وإذا به يهمس :
(يمكنني أن أكتب كل ما يساورك من أفكار ، ولن أتوقف لحظة حتى تمتليء الاوراق البيضاء)
وعندها تغيّر الإحساس الغريب الذي أيقظها ، وراحت تتدفق من حنايا جسدها المتوتر.
فشعرت وتيقنت من أنها ستكتب شيثاً مدهشاً ..


4
المنبر الحر / ستكتب شيئاً مدهشاً
« في: 17:01 27/11/2018  »
أقصوصة قصيرة

ستكتب شيئاً مدهشاً
                                                                                   
سهيل الزهاوي
  ها هي امرأة حسناء لم تتعدّ الأربعين . يتجاوز طولها خمس أقدام ونصف ، ذات شعر أشقر ساطع  وعينين زرقاوين . أنثى لا تشبه أيّة أنثى ، ذكية ولمّاحة جدّاً ، قوية وصعبة المنال ، تعاني من التهاب المعدة ،الذي أثّر في مزاجها، لكنها ذات روح دفيئة وحانية يعشقها كل العالم . رغم العراقيل وما توحي بها من غضب وحزن وكآبة ، ظلت مترعة بفيض من الإحساس والشعور المرهفين تجاه الآخرين.
  أمضت نصف عمرها في كتابة القصص القصيرة وأبدعت في كتابة الشعر وذاع صيتها في سبعينيات القرن الماضي ،  طوال عشرين عاما تتحدى كل شئ إلّا مغالبة الإغتراب في وطنها ومقاومتها . فقد كانت تعي أن العيش في وطن يحكمه الاستبداد والطغيان ؛ يعني الاغتراب بمعناه الحقيقي.
 توقفت عن الكتابة منذ سنين. كانت تفكر في حياتها الخاصة أحياناً، لكنّها لمْ تتخلَّ عن أحلامها وطموحاتها الأدبيّة ؛ إذْ كانت تراودها الأفكار بين فترة وأخرى وتقودها الى شئ ما يلبي طموحاتها؛  كأن تكتب رواية لم تُكْتَبُ أبداً ولن تنتهي أبداً ،ربما تسرد قصة حياتها ممزوجة بخيالاتها؛ لذلك كان الخوف والحزن يطغيان عليها!
أحيانا يستطيع الانسان أن يلمح الخوف في عينيها ، وهو خوف ليس ناجماً عن الشعور بالذنب لما تريد القيام به، وإنّما الغضب لما حصل لها؛ حيث كانت تشعر أن أحلامها قد تبددت قبل أعوام .   
 كان الغروب قد اكتمل ؛ فحلّت ليلة  شتوية ، وانقشعت الغيوم الكثيفة، و تلألأت نجوم لسماء ليلة باردة قليلاً تهبّ نسمات عليلة ، ونتف الغيمات تستر وجه القمر كثوب شفّاف يغطّي جسد امرأة جميلة .
   كانت تكره الشتاء والليل والنوم. يبدو لي أن كل شئ يستفزها هذه الليلة.  بدأت تذرع غرفة المعيشة ذهابا وايابا لفترة طويلة، وفجأة أغلقت الباب وفتحت النافذة ؛ لكي لا يُرى سواها. كان القلق يعتريها وتتألم بصمت شاعرةّ بالإحباط والخيبة.
  كنت أتمعّن في وجهها بعمق ؛ فخيّل لي أن خفقان قلبها مضطرب. وكان الحزن يلازمني في هدوئي والصمت يطغى على أعماقي .
  أخيرا قررت الجلوس على الأريكة.  كانت صامتة ومنكفئة على ذاتها ، وبين فترة وأخرى تحرك رأسها ذات اليمين وذات اليسار، والصمت مطبق على الغرفة ، وكانت كأنما تتفقد أشياء الغرفة أو تبحث عن شئ مفقود وظلت ذاهلة في مكانها  والقلم  بين أناملها الثلاث وهي غارقة في تأمل  الأوراق  البيضاء المبعثرة على المنضدة بعيدا عنها ، وهي تنتظر منذ شهور من يملأ ها ؛ كي تدب الحياة فيها .

   
بعد فترة صمت طويلة سالت الدموع من عينيها ، وعلت منها تَنْهِيدَةٌ مِلْؤُهَا الأَلَمُ . كانت عميقة الخيال،  وبدت لي إنها لا تراني .  لم تنقطع عن التفكير في احتمال وجود شيء ما يعيقها عن الكتابة .
   رفعت رأسها ، ثم وضعت إحدى أناملها على خدها كأنها تفكر في صياغة كلامها . ولم أبرح لحسن الحظ أحتفظ بهدوئي تخالجني مشاعر الرثاء والشفقة نحوها .
   كنت أحدّق في قلمها وأتأمّلها في هذه اللحظات العصيبة ، وفجأة استفقت من شرود تأملاتي ، و نظرت مليا الى قلمها ، وإذا به يهمس :
(يمكنني أن أكتب كل ما يساورك من أفكار ، ولن أتوقف لحظة حتى تمتليء الاوراق البيضاء)
وعندها تغيّر الإحساس الغريب الذي أيقظها ، وراحت تتدفق من حنايا جسدها المتوتر.
فشعرت وتيقنت من أنها ستكتب شيثاً مدهشاً ..


5
في اربعينية المناضل والصحفي والاديب  دانا جلال
سهيل الزهاوي

        نقف معكم اليوم لتأبين انسان صلب ، يصعب على المرء عن تعداد مناقبه ونضالاته ،  برزت فيه صفات الشجاعة والجرأة والاقدام والتفاني ونكران الذات وكان نموذج للمناضل الثابت في المواقف، وان فقدانه يعد خسارة كبيرة .             
     لقد سلكنا الدروب القديمة في تلك اللحظات العصيبة في ايام النضال من تاريخ حركتنا الثورية ،  في ظلام الليل الدامس ، في ليالي غابت فيها القمر، لم نكون ندرك اننا سنفترق دون ان تتحقق احلامنا ، كان له قضية وموقف ذات معالم واضحة، ويحمل هدف محدد وقضى كل حياته في سبيله ، ملأ كل  جوارحه وحواسه الذي كان كل شواخصه ماثلا امامه في كل صغيرة وكبيرة ، في شؤونه وشجونه.
  رفيقي الغالى دانا جلا ل انحدرمن عائلة مناضلة معروفة بمواقفه الوطنية ، والده كان شيوعيا وتعرض للسجن بعد انقلاب  شباط الاسود عام (  1963 ) والتحق فيما بعد بقوات البيشمركة، وفي ثمانيات القرن الماضي، وضع داره تحت تصرف الحزب .
        عمل في ريعان شبابه في اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ، وانتمى الى صفوف الحزب  الشيوعي العراقي في سبعينيات القرن الماضي ، وكان له دور ونشاط متميز بين الطلبة.   بعد انسحاب الحزب من الجبهة،واشتداد الهجمات الشرسة ضد الحزب،بدأ الراحل مع الرفيق اشتى الطالباني الاتصال بالرفاق المنقطعين في بغداد في محاولة من اجل اعادة الحياة الى الخلاية الحزبية في سنوات الثمانيات و شكلو منظمة باسم صدى، وعمل بتفاني من اجل اعادة منظمات الحزب، وتحلى بجهادية عالية في ظرف دقيق وعصيب، يصعب على المناضلين العمل فيه، ووظف جزء من حياته للعمل الحزبي .                        بعد انتفاضة اذار عام ( 1991 ) استمر الراحل  في ظروف النضال السري في بغداد حيث عمل في تنطيم الداخل و تولى مسؤلية  البريد الحزبي والمراسلة  مع  قيادة الحزب في كردستان. ففي مسيرته تلك اللحظات الرائعة من الاصراروالتحدي ، والاستهانة بالموت ، والوقوف بكل شجاعة امام الصعوبات كان خير رفيق لي، عمل معي بأخلاص و تفاني،و كنت ادرك انه لن يرتاح له جفن الا ان ينفذ واجبه، و وهب كل امكاناته وطاقاته من اجل زرع الجمال في حديقة الانسانية.
   لقد ترك الراحل دانا بصمات نضالية واعمال ثقافية لا تنسى ، لقد وضع مصلحة وطنه وشعبه وطبقته الكادحة فوق مصلحته الشخصية  فقد تميز بالشجاعة ونكران الذات والتجربة والثقافة والخبرة في العمل السياسي التي تعلمها في ممارسة النضال آبان الحكم الدكتاتورية .
  كان مناضلا حقيقيا،  يدرك ان طريقه غير معبد، مليئة بالاشواك والالم والعذاب، لم يتخلف عن اداء واجبه وحتى اذا كلف حياته  لم يتحدث طوال حياته عن اعماله وكفاحه في سُوح النضالات مهما كانت تضحياته من اجل القضية التي امن بها.
  تميزبالتواضع و البساطة،وعاطفي ومتفتح ومتسامح ولكن شخص مبدع، والوفاء عند الراحل دانا صفة نادرة ، عندما كان يتكلم عن رفاقه يتحدث باسلوب كأنه التلميذ المعجب باستاذه وعن اصدقائه تتدفق منه كلمات عذبة.
  خلال عملي معه ، اكتشفت فيه طباع وخصال الانسان الرائع ، الخفيف الظل ، القوي الحضور،الواثق  بنفسه وبفكره من دون ادعاء.  كان محاور جيد ، يؤمن بالرأي الاخر، دون تنازل سهل عن المواقف و بكامل الاستعداد من دون تردد، للانتقال الى الموقف النقيض ، عندما يرى فيه ما يقتنع ،  واكتشفت فيه عمق الثقافة وسعتها وتنوع مبادرتها وتنوع مصادرها
  كان خَاضِعاً للمبادئ النبيلة، مبادئ عظماء الفكر الانساني الخالدين،ويؤمن ايمانا عميقا بالفكر الانساني و محابات للكادحين ، وتعاطف مع الفئات المسحوقة ، و النضال من اجل الديقراطية والعدالة الاجتماعية اضافة الى شدة نقمته،وسخطه على الطغاة والفاسدين ومحاربة كل اشكال العنف ضد الانسانية  ،  وكان شديد الاهتمام بكل ما يخص القضية الكردية ، ودفاعه المستميت عن المذاهب والاديان في العراق، وهو بمثابة مناضل حقيقي ذي البعد الاممي .   لما قدمه من تضحيات في حياته من اجل مبادئه السامية اصبح خالدا في حياة كل الطيبين
    كان يمتلك موهبة الكتابة ، وعقلية اعلامية بجدارة ، وقد جند قلمه وفكره من اجل نشر القيم الاخلاقية والانسانية والوطنية والدفاع عن حرية الانسان، وكان يعتبرالانسان اثمن رأسمال ، على غرار ما وصفه كارل ماركس، كل من قرأ له في تعبيراته ،  يتلمس صدق  كلماته، وتدفق افكاره ، وحرارة انفعالاته من القضية التى يحملها ، وكان الحلم يسكنه على امتداد حياته .
       تحتفظ ذاكرتي بلحظات لها وقع كبير في نفسي ..لا زلت اتذكر ذلك اليوم الصيفي الحار،كنت على اتفاق معه في لقاء حزبي بمكان عمله ، في عام ( 1992 ) حين التقيت بالراحل كان يعمل في غرفة شبه مهدمة،في أحدى الشوارع الضيقة داخل حي شعبي في شارع شيخ عمر،كان يعمل عاملا في فرن محلي لانصهار الحديد ودرجة الحرارة  اكثر من  ( 50% )  والنار يلتهم الانسان، في ذلك اليوم، وجدته يعمل بهمة  و نشاط في عمل غير اختصاصه ، والذى لم يتوانى يوم ما بإمتهان اي عمل فى سبيل لقمه عيش عائلته .  وقد حرص ان يعيش بعيدا عن حياة الترف.   
  في رسالة ارسلته له في عام ( 2008 ) في بريدي الالكتروني :   اليوم قرأت رسالتك الى البروفيسور  عبد الاله الصائغ،وجدت بين طياتها، انك تعشق الشيخ وتحن الى الشيوعية ..ما اجمل الصدق بحبك هذا ، يستحق التأمل والانبهار بعض الاحيان.
نص من وصيته :
(اعطيت ما كنت املك لما لم املك كي نملك سوية هذا العالم بغده الأجمل...!!!)
دانا الحاضر الغائب .. كنت  صادقا في حياتك ..  كنت صادقا في وصيتك الاخيرة وانت على فراش الموت

 
   

6
صفحات من نضال الشيوعيين في السليمانية
معركة ازمر الدفاعية في شهر نيسان 1991
سهيل الزهاوي
       ان تاريخ كردستان لم يعرف نزوحا جماعي لشعبنا الكردي ، بهذا الحجم، حيث نزح نحو مليوني مواطن من كوردستان الجنوبية، نساءا ورجالا ، شيوخا واطفالا، الى الحدود العراقية مع كل من ايران وتركيا في  31 اذار 1991،سيراً على الاقدام قاطعين مئات الكيلومترات في أرض وعرة،حيث عانوا من البرد ، والجوع،هرباً من بطش الطاغية المقبور صدام وأزلام نظامه، بعد ان جمع قواته المهزومة في الكويت،وتمكن من  قمع الانتفاضة في الجنوب،فيما بعد وجه قواته نحوالمدن الكردستانية المحررة اثرانتصار انتفاصة اذارالمجيدة.
في 31 ادار 1991 اصبحت القوات الصدامية على مشارف السليمانية بعد ان تمكن السيطرة عل مدينة كركوك واربيل.
   وقد قام وفد من قيادة محلية السليمانية للحزب الشيوعي العراقي،(حشع)،في مساء 31 اذار1991، مكونة من الرفقين سهيل الزهاوي سكرتيرمحلية السليمانية،وحمة رشيد قرداغي عضو المحلية بزيارة الى بناية دارالثقافة، للقاء مع قيادات الاحزاب الجبهة الكردستانية لدراسة الوضع الامنى في المدينة و اتخاذ قرار بشأنها، وكان حاضرا هناك الفقيد السيد جلال الطالباني،رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني ، وكان السيد الطالباني على اتصال مباشر مع الولايات المتحدة الامريكية في تلك الليلة، والسيد نيجرفان البارزاني، مع كوادرمن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني،واخرين،منهم والسيد فريدون عبد القادر عضوالمكتب السياسي السابق لاوك،والسيدة هيرو ابراهيم احمد عضو المكتب السياسي لاتحاد الوطني الكردستاني ، وبعد مداولات مع السيد فريدون عبد القادر ،    علمنا انه اتخذ قرار الانسحاب من مدينة السليمانية وفي هذه الاثناء دخل رفاقنا من طاسلوجة،الى القاعة،وافادوا، انهم القوة الوحيدة الموجودة هناك في مقاومة القوات الحكومية.. لذلك قررت قيادة المنظمة الانسحاب باتجاه شرق المدينة والتوجه الى مدينة حلبجة .
  والجدير بالذكر ان قوة من بيشمركة حزبنا الشيوعي ، قاومت على مشارف السليمانية في طاسلوجة في ( 31 اذار1991) الى ساعة متأخرة من الليل في محاولة لصد القوات الصدامية للدخول الى مدينة السليمانية وقد جرح احد رفاقنا في هذه المعركة كما جرح الرفيق رحمن غريب في معركة كركوك .
       في مساء 31 اذار 1991 بدأ المئات الاف من جماهير السليمانية من مختلف الاعمار بالتحرك والمغادرة الى مصيرها المجهول تاركين املاكهم ، ودورهم متحملين ظروفا قاسية ، والجوع بشكل جماعي ،وعدم الانصياع  للسلطة الصدامية وكان بحق استفتاء من الشعب برفض العيش تحت ضل حكومة بغداد.
  في مساء 31 اذار،  تم ارسال  كافة الرفاق والبيشمركة وقبلها ارسلت ممتلكات الاعلام الضروية الى مدينة حلبجة ، وفي الساعة الخامسة من صباح 1 مايس من نفس العام توجه كل من كاتب السطورمع الرفاق حمة رشيد قرداغي والرفيق دلير جلال، واحد الرفاق البيشمركة لا اتذكر اسمه، الى عربت عن طريق قرية قركة ، مشيا على الاقدام ، في الوقت الذى كانت طائرات الهليكوبتر الحربية، تجوب سماء السليمانية،بعد ان شرعت القوات الحكومية الهجوم على المدينة ، استقرت قواتنا في حلبجة في هذا اليوم.
       في بداية نيسان اتصل بيّ في حلبجة، السيد تحسين قادر الكادر القيادي في اوك ووزير الصناعة لاحقا في حكومة الاقليم ، مشيرا الى ان السيد جلال الطالبنى قد ارسل عدة برقيات ، يطلب ان تتوجه قوة من حزبنا الى جبل ازمر لتعزيز قواتهم من أجل ردع ومقاومة الهجوم المعادي هناك .
      مع بدأ الهجوم على جبل ازمر من قبل قوة كبيرة للقوات الصدامية ، كانت القوات التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني ، القوة الوحيدة التي تصدت للهجوم اكثرمن  عشرايام متوالية، وكان عددهم قليل لا يتجاوز على 28  بيشمركة بقيادة الفقيد جبار فرمان عضو المكتب السياسى لاوك،ورغم الامكانيات الهائلة التي تم حشدها من قبل القوات الصدامية ، تمكنت هذه القوة الصغيرة ، صد القوات المهاجمة و إعادتها إلى خطوط البداية و لم يتمكنوا من احتلال الجبل.
   تحرك قوة من حزبنا من حلبجة متوجها نحو ازمر حال وصول الخبر.       وفي يوم 12 نيسان عقد اجتماع حضره من اوك الفقيد جبار فرمان ، ومن الحزب الديقراطي الكردستاني ( حدك )، السيد درويش عبد الرحمن اغا، عضو اللجنة المركزية لحدك ، ومن حزبنا الشيوعي، كاتب السطور والرفيق حمة رشيد قراداغي تم الاتفاق على ارسال (30 )، بيشمركة من كل حزب ، لاخذ مواقعم في جبل ازمر وفي ذلك اليوم كانت المعركة على اشدها حيث جرت معركة دفاعية مستميتة حيث القصف مدفعي للعدو و رمي قنابل الهاونات من الجيش الصدامي على الجبل  محدثا دويا مستمرا بحيث بدأ الموقف الدفاعي يواجه كثافة النيران ،صمد البيشمركة في هذا الخضم، وعندما تقدم اليشمركة نحو الجبل، كان يسيطرعلىيهم شعور واحد هو الصمود في هذه المعركة الدفاعية انعكس غضب المقاتلين على العدو الذي صمم على مواصلة القتال و الاستشهاد،وفي اللحظات الاولى من القتال وقع الرفيق ئاكو ابراهيم شهيدا وجرح رفيقين من بيشمركة حزبنا، وفي نفس اليوم استشهد الرفيق زانا عثمان في  مكان اخر من ازمر بقصف طائرة هليكوبتر،كما جرح اربعة من الكوادر العسكرية لحدك، في قمة ازمر وهم فاضل رؤف سالح مسؤل قوة حدك في ازمر انذاك ، محمد مام علي، نقيب ارسلان حمة ئه مين ، و العميد سرحد قادر . وكان مسؤل قوة حزبنا الرفيق دلير جلال والمشرف على القوة الرفيق حمة رشيد قرداغي .
   بتاريخ 13 نيسان ، اقترح حزبنا على قوات الجبهة الكردستانية في ازمر ان نرسل مفرزة مشتركة لضرب الربيئة ، المساند للقوات الحكومية في اسفل الجبل ، لبث الرعب في نفوس القوة المهاجمة، وتم الاتفاق على ارسال مفرزة من اوك ، حدك ، وحشع ، وحدد موعد الهجوم في الساعة ا لثامنة من مساء نفس اليوم، وتوجه المفرزة نحو الربيئة ولم تنفذ العملية بسبب عدم رغبة بيشمركة اوك وحدك و قامت قوات الحكومية في الساعة الثانية من صباح يوم 14 نيسان بقصف مدفعي شديد لجبل ازمر .
   ان المقاومة البطولية اتى ابداه قوات البشمركة لكسب الوقت ، وتحقيق هدف سياسي ، والتى اسفرت عن وقف تقدم القوات الصدامية في كافة انحاء كردستان وكان عامل هاما في انجاح الهدنة بين الطرفين
  في صباح يوم 15 نيسان وصل وفد مشترك من حدك واوك عائد من بغداد ابلغونا هناك مفاوضات بين الجبهة الكردستانية وبغداد واتفق على هدنة بين الطرفين.
     ان قيادة الجبهة الكردستانية ، عملت على ثلاثة محاور بعد ان بدأ السلطة الصدامية بحملة مضادة لاستعادة المناطق المحررة بدأ من كركوك ، ثم  اربيل و السليمانية دهوك :-
 اولا :-  كسب عطف الراي العام العالمي  للضغط على الامم المتحدة لاتخاذ قرار لصالح الشعب الكردي بعد الهجرة المليونية لجماهير كردستان.
ثانيا :- التصدي العسكري للقوات الصدامية المهاجمة على المناطق التى لازالت باقية تحت سيطرة قوات الجبهة الكردستانية.
ثالثا:- الدخول في المفاوضات مع سلطة صدام لكسب الوقت. 
معركة جبل ازمرتعتبر من المعارك التى تصدت قوات البيشمركة من احزاب الجبهة الكردستانية للقوات الصدامية في كافة انحاء كردستان.. حددت مسار ونتائج المجابهة مع السلطة التي استهدف اضعاف قدرات قوات البيشمركة و سعت للسيطرة على اكبر مساحة من كردستان، وفرض شروطه على القيادة الكردية التى دخلت المفاوضات مع السلطة.   
 تناقلت وكالات الانباء العالمية هذه الكوارث والويلات التى حلت على شعبنا الكردي بعد ان رفض هذا الشعب الصامد بعد ان الخضوع للحكم الدكتاتوري والعيش في ظله ، استطاع الشعب الكردي بصموده البطولي  كسب عطف الرأي العام العالمي وتأيده.
   وفي 5 مايس من نفس العام صدر قرار مجلس الامن الدولي المرقم (688) حيث أدان المجلس القمع، و طالب بأن يضع العراق،كمساهمة في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن،حداً للقمع،ويحترم الحقوق الإنسانية لشعبه.         
  وأصر المجلس على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية إلى المناطق المتضررة، وطلب من الأمين العام أن يقدم تقريراً عن السكان العراقيين والأكراد المتضررين من قمع السلطات العراقية، باستخدام جميع الموارد الممكنة لتلبية احتياجات السكان. كما طالب العراق أن يتعاون مع الأمين العام والمنظمات الدولية للمساعدة في جهود المعونة الإنسانية
  وفي أعقاب صدور القرار استخدم قوات التحالف قرار 688 وتسليط الاضواء على تنفيذهذه القرارات بالقوة، وعلى ممارسات نظام صدام ضد الاكراد في كردستان ، والشيعة في الجنوب ، و قامت فرنسا و بريطانيا وأميركا بإنشاء منطقة آمنة شمالي العراق بالقوة في الفترة من 17 - 23 أبريل/نيسان 1991  ففرضت حظرا جويا عراقيا عليها، عند خط عرض 36 شمالا ، وتمركزت الطائرات المنفذة للحظر في قاعدة أنجرليك التركية.       
 وهكذا بدأت هذه الملايين البشرية برحلة العودة الى مساكنها وممتلكاتها والتي اغلبها كانت قد سرقت ونهبت.
      وكانت نهاية المطاف بعد ذلك خروج الإدارات الحكومية العراقية في أكتوبر 1991 من مدن أربيل والسليمانية ودهوك لتشهد هذه المدن فراغا حكوميا تم ملؤها بسلطة الجبهة الكردستانية لغاية مايو / أيار 1992 حيث جرت أول انتخابات تشريعية لبرلمان كردستان في يونيو/حزيران  1992 .
وكان سليمانية ودهوك ت نهاية المطاف بعد ذلك خروج الإدارات الحكومية العراقية في أكتوبر 1991 من مدن أربيل والوكانت نهاية المطاف بعد ذلك خروج الإدارات الحكومية العراقية في أكتوبر 1991 من مدن أربيل والسليمانية ودهوك لتشهد هذه المدن فراغا حكوميا تم ملؤه بسلطة الأمر الواقع لغاية مايو/أيار 1992 حيث جرت أول انتخابات تشريعية لبرلمان كردي في يونيو/حزيران 1992. لتشهد هذه المدن فراغا حكوميا تم ملؤه بسلطة الأمر الواقع لغاية مايو/أيار 1992 حيث جرت أول انتخابات تشريعية لبرلمان كردي في يونيو/حزيران 1992.
 

7
أدب / ايفا
« في: 16:54 15/03/2018  »

قصيدة من الادب العالمي       
 للشاعر النرويجي سيكبيورن اوبستفالد
(1893) من ديوانه القصائد
   
ترجمة من النرويجية سهيل الزهاوي
ايفا

البحر رمادي قاتم..السماء رمادية قانية
 ايفا،عيناك رماديتان قاتمتان
طال الفراق.. وانت التي تترقبين بصمت
دعني اعانق صدرك بحرارة بكلتا ذراعي
......
ايفا، انت تشبهين الطبيعة ذاتها
   عيناك .. زرقاوان
عندما يبتسم شعاع الشمس لاغنية البحر
شفتاك اشد برودة
تهدأ على جبيني
يداك اشد برودة
تسترخيان على يدي
شهيق الدموع في صدرك ثقيل جدا
    انفاسك المكتومة تخترق روحي
......
نعم ، انت تشبهين الارض
حين يسبح السديم الشمسى في السحاب المتوهج
عندها يتناثرالسديم الشمسى فوق عينيك
 عندما يتعانق السحاب الرقيق و الضباب
     تخْضَل عيناك وتظلمّا
......
  لن اتحدث واياك اكثر من ذلك
لنجلس كلانا ونستمع معا بصمتٍ
الى البحر الطويل ، نستشنق ونتنهد
    نحدق في ليلة الضباب  المخيف
..ايفا

8
صفحات من نضال الشيوعيين في السليمانية
بعد مرور سبعة وعشرين عاما على انتفاضة اذار المجيدة في السليمانية
سهيل الزهاوي
   في السابع من اذار، يكون قد انصرمت سبعة وعشرون عاما على انتفاضة اذار المجيدة و التي اندلعت شراراتها في البصرة لتنتقل الى مدن الجنوب والفرات الاوسط وتعم جميع المدن الكردستانية.
  فقد قيل الكثير عن الانتفاضة واسبابها والقوة المحركة لها، و فسرها بعض الاحزاب، من وجهة نظر الحزبية الضيقة ، واعتبر البعض ، انها اندلعت بعد اندحار الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية ، وان السلطة لم تكن قادرة على التصدي للحركة العفوية للجماهير ومنهم من يرى اخر.
   والجدير بالذكر ان ما حدث في ربيع عام 1991 ، لم يكن وليد عوامل طارئة ، وانما نتيجة لظروف وعوامل موضوعية وذاتية . فأن الحكم الشمولي وانتهاجه سياسة ارهابية وما اتبعها من اساليب فاشية لقمع قوى المعارضة، عمّق تلازم ازمات النظام التي اتخذت ابعاد جدية عشية غزو الكويت، في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وما ترتب من نتائج الحرب وتحول العامل العربي والدولي الى عامل فاعل في تفجير الانتفاضة . 
  وفيما يخص العامل الذاتي ، فقد رفع الحزب الشيوعي العراقي شعار اسقاط السلطة الدكتاتورية عن طريق الكفاح المسلح الى جانب القوى المعارضة العراقية والقوى و الاحزاب الكردستانية والتى كانت لها مواقع مسلحة في كردستان، كما تجمّع عدد  من الرافضين لاداء الخدمة العسكرية، في ظروف   نفوذ لا بأس به للمعارضة العراقية في المناطق الريفية في الجنوب والوسط.
     و بالرغم من الضربات الموجعة التى وجهتها الاجهزة القمعية بنطاق واسع ضد منظمات الحزب الشيوعي العراقي منذ انسحابه من الجبهة في عام 1979 وتحوله الى العمل السري، الا انه لم يحد من نشاطه وبقيت صلته الحميمية والمتينة بالجماهير و كان على الدوام يغوص في الابداع من اجل ايجاد احدث الاساليب في سبيل تقوية الصلة مع الجماهير.
     وكان لي الشرف ان اكون واحداً من الكوادر الحزبية الناشطة ، الذي انيطت به قيادة العمل في محافظة السليمانية، منذ 27 كانون الثاني من عام 1984 لحين تفجيرانتفاضة اذارالمجيدة عام1991 .
  لقد تسنى لي ان اكون شاهدا على الاحداث المثيرة في هذه المدينة الباسلة،وغني عن القول انه لا يمكن النظر الى هذه الانتفاضة بمعزل التحركات الثورية والنشاطات التى سبقتها. حيث ان مدينة السليمانية هي واحدة من المدن الكردستانية  التي تصدت ببسالة للحكم الدكتاتوري الفاشي، رافضة الرضوخ، له بكافة اساليب النضال بما فيه المقاومة العسكرية.
    لقد خاضت الجماهير الشعبية في كردستان  انتفاضتين في بداية الثمانيات 1982  وتجسدت المقاومة الجماهيرية الواسعة على نحو بطولي في مدينة السليمانية في انتفاضة ايار 1984 المجيدة والتى لعبت فيها منظمة حزبنا الشيوعي  دورا هاما وبارزا في توجيه الانتفاضة، و تمكنت الجماهير الشعبية السيطرة  على الشارع على مدى يومين بعد ان اسكتت نيران العدو من خلال فرق عسكرية شكّلها الحزب لحماية الجماهير منها ؛ فرقة يقودها هوشيار علي دولت (فريدون)،واخرى بقيادة  دشتي احمد سلطة ، وفرقة من الرفيق زيور عزيز وكنجة رؤوف زهدي وغيرهم وقامت فرقة مسلحة بقيادة دلير جلال و معه رحمن غريب واخرين تمكنوا من السيطرة على معظم جوامع المدينة لبث بيان  ونشر شعارات الحزب التى بثتها اذاعة صوت الشعب العراقي و وزعتها منظمة حزبنا في السليمانية في عشية التحركات الطلابية في المدارس والمعاهد والدورالسكنية والدوائرو المعامل، تتضمن دعوة الجماهير الى المساهمة في الانتفاضة .
  وبدأ طلاب الجامعات العراقية من اهالي السليمانية بالتجمع امام السراي في وسط المدينة وانضمت جماهير واسعة اليهم بالتحرك تتقدمهم نساء السليمانية تردد هذه الشعارات وانتقل لهيب الانتفاضة الى بغداد، وبذا تراكمت لدى منظمة حزبنا في السليمانية دروسا بليغة في قدرة الشعب الموحد غير هيابة في تحطيم القيود ، مهما كانت محكمة الصنع .
    لم ينقطع نضال ونشاط حزبنا في المجالات الاعلامية وتوزيع البيانات التحريضية في سبيل تحريك الجماهير وخاصة في المدارس والمعاهد و في وقت توجية ضربات عسكرية لازلام النظام من قبل فرق المدن العسكرية المشكلة  داخل مدينة السليمانية من قبل منظمتنا لحين اندلاع انتفاضة اذار عام 1991.
    فقد عقدت قيادة لجنة الداخل للحزب الشيوعي العراقي التى تضم عدد من رفاق اللجنة المركزية واعضاء لجنة الاقليم والمناطق المتواجدين في المدن الكردستانية وغيرها من المدن العراقية في مدينة اربيل عام ( 1991 ) اجتماعا خا صا  بعد غزو الكويت تناولت الوضع السياسي في العراق والمنطقة والعالم وما يترتب من احداث بعد هذا الغزو،لمواجهة الاحتمالات والتطورات والاحداث الخطيرة، وتهيئة اعضاء الحزب ومؤازريه في حالة حدوث اي انفجار،ووضع الخطط الكفيلة لذلك، كما اصدرت لجنة الداخل  في بغداد بيانا تدعو فيه الجماهير الشعبية الى الانتفاضة ضد السلطة الدكتاتوري واصدرت توجيهات الى منظمات الحزب في كل المدن العراقية تدعو الى وضع برنامج عمل وفق ظروف كل مدينة.
  عقدت اللجنة العليا في السليمانية عددا من الاجتماعا ت لهذا الغرض، فقد وضعت برنامج و خطط على ضوء التوجهات لاي احتمال مرتقب، وقد تمحورت الخطة على ثلاثة محاور اساسية :
 اولا : تعزيز الفرق العسكرية والعمل من اجل الحصول على السلاح.
 ثانيا : تنشيط العمل الاعلامي ضد السلطة الدكتاتورية.
ثالثا : تنظيم الاتصال بالعناصرالعاملة ضمن جهاز السلطة.
كما تضمنت الخطة كيفية السيطرة على مقرات منظمات حزب البعث ودوائر الدولة والحفاظ على الممتلكات وعدم السماح للعبث به، والعمل للسيطرة على ترسانات الاسلحة والسيارات واستخدامها لغرض توسيع القاعدة الجماهيرية للانتفاضة.
  و قد نشطت منظمة حزبنا على المحاور الثلاثة، حيث جرى الاتصال بالعديد من عناصر السلطة داخل الجيش الشعبي والافواج الخفيفة وحصلنا على عدد قليل من الاسلحة قبل الانتفاضة، ومن جانب اخر متابعة تحركات السلطة وخاصة بعد سيطرة الجماهير بقيادة الاحزاب الكردستانية على رانية في 5 اذار 1991. وفي 6 اذار انطلقت الانتفاضة في بازيان.
  فقد تسربت الينا بعض المعلومات من خلال مصادرنا الخاصة قبل يومين من الانتفاضة  من داخل اجتماع عقد في مبنى المحافظة باشراف محافظ السليمانية لغرض وضع الخطط  الكفيلة لمجابهة اي مد جماهيري في السليمانية، وفي الاجتماع طلب المحافظ  من الحاضرين التركيز على حماية مديرية الامن العامة في المحافظة، وانه في حالة وجود ضغط كبير على المقرات ودوائر الاجهزة القمعية الاخرى، عليهم انسحاب الجميع الى المديرية.
بعد ان عرفنا نقاط ضعفهم وتخوف السلطة من قوة الجماهير، عدلنا خططنا وفق المعطيات،في ظرف حاولت فيه السلطة نشر الذعر والخوف بين الجماهير من خلال بث الدعايات بان السلطة  لن ترحم اية حركة جماهيرية و سوف تضربها بما فيه استخدام السلاح الكيميائي، مما اثار مخاوف عدد من وجهاء المدينة طالبين من حزبنا التدخل لوقف اي تحرك جماهيري، حرصا منهم للمحافظة على المدينة وعدم تدميرها من قبل السلطة. الا ان قيادة المنظمة صممت على السير عل خططها بعد ان عرفنا نقاط ضعف السلطة. 
 وفي مساء السادس من اذار اي ليلة الانتفاضة قمت بجولة فى داخل مدينة السليمانية مع الرفيق دلير جلال ( دلشاد) بسيارة لمعرفة تحركات وخطط السلطة وقوتها ، و توصلنا الى قناعة بان ازلام الاجهزة القمعية تعيش في حالة ذعر، لم يسبق له مثيل وهم في حالة دفاع عن النفس داخل مقراتهم .  . كانت المدينة خالية من مفارز السلطة التي كانت الكمائن في العادة. و بعد وصولنا الى الحامية العسكرية في السليمانية وجدنا جندي يقفز من فوق السياج هاربا من الحامية ، اوقفنا سيارتنا وطلب منا ان نوصله وطلبنا منه معلومات عن الحامية ، افادنا بعدد المتواجدين واشارة الى انخفاض الروح المعنوية لدى الجميع بما فيهم الضباط، وان الجميع اقسموا ان يسلموا انفسهم في حالة وجود مجابهة . كما سلم معاون آمر الجيش الشعبي في محافظة السليمانية، برتبة مقدم من اهالي بغداد مع سلاحه وسيارته الشخصية عن طريق احد معارفه وهو عضو حزبنا في نفس الليلة.
  في اللحظات الاولى من الصباح الباكر ليوم 7 اذار من عام 1991 ، بعد ان احسّت اجهزة السلطة القمعية بالتحرك الجماهيري وانضمام اكثرية الربايا من الافواج الخفيفة الى الانتفاضة لم يبقى امام افراد الاجهزة القمعية الا اخذ المواقع الدفاعية والبقاء داخل مقراتهم.
 هبت الجماهير الشعبية للثأر لكرامتها الجريحة، وخاصة الشبيبة منهم والامهات الثكلى، مع اول تباشير التحرك الجماهيري، توجه كوادر الحزب واعضائه وفق توجيهات مسبقة وبالامكانيات البسيطة ليحتلوا مواقعهم، لتوجيه الضربات الموجعة الى اجهزة السلطة القمعية،  دون ان يسألوا عن الهوية السياسية (الحزبية) للمهاجمين، وللعمل من اجل توجيه الحركة الجماهيرية الواسعة التي نشأت اثناء اليوم الاول من الانتفاضة وايجاد الاساليب الملائمة للتعاون مع قواعد احزاب الجبهة الكردستانية .
   شهدت المدينة في هذا اليوم حماس عالي من جانب الجماهير الشعبية، فاق توقعاتنا، بحيث اصبح من الصعب السيطرةعلى هذا السيل الجماهيري الهائل.وكان البارزفي هذه المواجهة مشاركة الفئات الكادحة من مختلف الاعمارمن النساء والرجال وحتى الاطفال،ومنهم الهاربين من  جحيم الخدمة العسكرية التى تحمل الحقد الدفين تجاه السلطة الدكتاتورية و اجهزتها القمعية.
  لقد استطاعت  الجماهير المسلحة السيطرة على معسكرات الجيش ومقرات الحزب الحاكم ومديرية و مراكز الشرطة ومبنى المحافظة وجميع الدوائر الأخرى في غضون ساعات قليلة باستثناء مبنى مديرية أمن المحافظة.
  فى الساعة السابعة والنصف من صباح 7 آذار 1991 انطلقت مظاهرة من اهالي محلة بختياري رافعة شعارات معادية للسلطة، وقد حاول بعض الاشخاص  فرض شعارات حزب معين على المظاهرة الا ان رفاقنا تدخلوا وطلبوا منهم ان تكون الشعارات موحد تحت مظلة الجبهه الكردستانية .  . وتوجهت نحو المعهد في بختياري وانزلوا صور صدام واحرقوها ومن ثم توجهوا نحومقرحزب البعث ما يسمى (مقر الانفال) و حاصروه فأطلقوا النارعلى المتظاهرين،  وقد طلب عدد من المتظاهرين من البيوت القريبة العائدة الى الافواج الخفيفة السلاح و قد لبوّا الطلب باسلحة خفيفة  .  .  و بدأت الجماهير باطلاق النار على المقر ولكن استمرت مقاومة المتواجدين في المقر بسبب  قلة السلاح و العتاد لدى الجماهير.
  تجمعت مجموعة من رفاقنا واصدقائنا من النساء والرجال في محلة زركه ته في الساعة الثامنة على رأسهم الرفيقة خرمان محمد واخيها عمر محمد، و قد حصل الاخير على سلاح الكلاشنكوف وكنت متواجدا هناك  .  . اشعلوا النيران في اطارات السيارات على الشارع العام حيث تجمعت مجموعة كبيرة من الجماهير بضمنهم بعض النشطاء من اليسار وتوجهوا بمظاهرة نحو برج رعاية الشباب، الا ان مسلحين في ربيئة هناك اطلقوا النار على المتظاهرين، فتراجعت المظاهرة  نحو الخلف بعد ان جرح عدد منهم مما زاد من حقد الجماهير .  . فهاجمت مجموعة مسلحة الربيئة و سيطرت عليها بعد ان سلّم مسلحيها اسلحتهم الى القوة المهاجمة وكان ضمن الاسلحة (دوشكه)،وتوجهت تلك القوة بعد ان  وضع افرادها الدوشكة على سيارة بيكاب الى مقرالانفال لتعزيز القوة الموجودة هناك،وبدأت الجماهير باطلاق النار بكثافة على مقر الانفال، بما فيها اطلاق قذائف الاربي جي .  . و بعد مقاومة اقتحمها الشباب بضمنهم رفيقنا سوران جمال بعد القى قنبلة يدوية على المقر تمكن من التسلل الى الداخل مع عدد اخر من رفاقنا والجماهير المسلحة بعد وقع عدد من المسلحين جرحى في معركة غير متكافئة وبسبب قلة الخبرة.
  لم تتوقف الجماهير المنتفضة عند انتصار واحد، كلما يحصل المنتفضون على قطع اسلحة جديدة يتوجهون الى مركز اخر من اوكار الاجرام ،  فتوجه الجمع الغفير بانواع الاسلحة التى غُنمت خلال المعركتين السابقتين الى مقر الجيش الشعبي في حي البكر سابقا، و لم تتمكن القوة المرابطة  هناك من المقاومة وفي اقل من نصف ساعة سلّم افرادها انفسهم .  . وبذا حصلت الجماهير المنتفضة على كمية كبيرة من الاسلحة.اما مقر ما يسمى بالمنظمات الديمقراطية العفلقية في حي المهندسين، فقد سلمت المقر بدون اطلاق اية رصاصة .
  في الساعة الثانية عشر بعد الظهر،سمعت من خلال جهاز(اف ام) الذي كنت احمله ، طلب المحافظ من جميع المقرات التي لم تسيطر عليها الجماهير، و خاصة تلك القريبة من " حسيب صالح" الالتحاق بمديرية الامن العامة في السليمانية . في هذه اللحظات تحركت من بختياري و توجهت نحو حسيب صالح فوجدت جميع المقرات فارغة .
    بعد ذلك وردتني معلومات من توي ملك ان رفاقنا بقيادة الرفيق دلير جلال (دلشاد) ساهموا مع الجماهير المسلحة وسيطرواعلى مقرقيادة الجيش الشعبى في السليمانية ما يسمى (مقرعثمان)  كما ساهم رفاقنا في اماكن اخرى في تصفية المقرات ايضا. والجدير بالذكر ان خلية من الحزب الديقراطي الكردستاني طلبوا من الرفيق دلشاد النتنسيق معهم.
 وفي اليوم الاول من الانتفاضة تم تصفية كافة اوكار السلطة داخل المدينة وحولها بما فيها المعسكرات، ماعدا مديرية الامن العامة التى تجمعت فيها كافة رؤوس الاجهزة القمعية، وقد طلب مدير الامن من  منتسبيه  ان يجلبوا عوائلهم الى داخل المبنى حتى يضمن مقاومتهم حتى الرمق الاخير وفعلا تم حجز العوائل مع اطفالهم فى سرداب المديرية. ويقع مبنى مديرية أمن السليمانية الذي يطلق عليه سكان المحافظة "أمنه سوركه" أي الأمن الأحمر في حي شورش، وهو من الأحياء الذي تسكنه الطبقة المتوسطة، و تحيط به  منازل المواطنين، وقد شُيّد المقر على مساحة 16 ألف متر مربع عام 1985 ليصبح أكبر المقرات القمعية في المحافظة.  كما تمكن الرفاق : ئالان ممتاز وشورش امين مع اخرين السيطرة على متحف السليمانية و اصبح تحت حمايتهم وحافظوا على ممتلكاته  لحين تشكيل سلطة الجبهة الكردستانية. 
  والجدير بالذكرانه، في صباح 7 اذار شاهدتُ هبوط طائرة هليكوبترفي اطراف المدينة في المنطقة القريبة من بكرجو وبعد دقائق حلقت الهلكوبتر وتركت سماء السليمانية وتوجهت باتجاه كركوك، وفيما بعد علمنا بهروب جعفر البرزنجي رئيس المجلس التنفيدي للحكم الذاتي حيث كان متواجدا في السليمانية

  يوم 8 اذار، طُلب من اهالي المنطقة الساكنين حول بناية الامن من خلال المايكروفون، ان يتجهوا الى داخل البناية لان في نيتهم رش المنطقة بالسلاح الكيمياوي كما عبّروا، في محاولة لترويع المنتفضين و كان غرضهم الاساسي هو ابقائهم اسرى لديهم لمنع الهجوم . . الا ان هذه المحاولة باءت بالفشل بفضل يقضة جماهير المنطقة.
 في يوم 8 اذار 1991،تجمع  الوف المناضلين من جماهيرالسليمانية وهم من اتجاهات سياسية مختلفة  وبحوزتهم كل ما امتلكوه من الاسلحة التي غنموها في اليوم الاول من الانتفاضة ، تجمعوا حول مديرية الامن بعد تطويقها من كل الاطراف وبدأوا بضربها بكافة انواع الاسلحة، حيث تجمع فيها عدد كبير من المسؤولين الحكوميين والحزبين من بينهم (المحافظ ، مدير الأمن، مدير الشرطة، أمين سر فرع السليمانية لحزب البعث) .  .
أبدى الموجودون في البناية المذكورة مقاومة عنيفة استمرت حوالي 15 ساعة تقريباً، اعتقادا منهم بأن الحكومة لن تتركهم وسوف تنجدهم، إلا أنهم في نهاية المطاف خابت آمالهم و استسلموا لقدرهم المحتوم ، رغم النداءات التي أرسلها المحاصرون في البناية إلى السلطات الحكومية في كركوك وبغداد عبر أجهزة اللاسلكي المتوفرة في داخل البناية، وقبل ان ينتهي النهار سلّموا انفسهم الى  الجماهير المسلحة، بعد ان قتل المحافظ ومدير الامن و أمين سر فرع السليمانية للحزب، وبعض المنتسبين من اجهزة القمع الحزبي والامنى .  .
  و قبل ان يسلموا انفسهم اقتحم عدد من رفاقنا البناية وغنموا الاسلحة و حاولوا الحصول على مفاتيح السجن، لاطلاق سراح المسجونين السياسين. ومن الرفاق الذين ساهموا في الاقتحام الرفيق ماموستا قادر والشهيد رعد وعماد نوري  وجمال والي ودلير جلال و احمد فقيه وغيرهم، كما تمكن الرفيق حمه شوان مع مجموعة اخرى اقتحام مديرية امن مركز السليمانية والسيطرة على كمية كبيرة من الوثائق التي في اثناء نقلها بسيارة الشهيد علي بوسكاني  اصطدموا مع مجموعة مسلحة غير معروفة و اشتبكوا معهم و قد جرح في الاشتباك الرفيق ئاسو شيخ علي. كما حصل الرفيق دلير مع مجموعته الثائرة، على كمية من الوثائق تخص حزبنا .
  في صباح يوم 8 اذار ايضا، توجهت الى بيت الرفيق دلير حيث كان الدكتور عزالدين مصطفى رسول مختفي عندهم لأن افراد اجهزة الامن كانوا يراقبون داره.   كان مريضا وطريح الفراش وكان معه الاخ فاروق ملا مصطفى والسيد شيخ سالار وكنا مقتنعين انه في هذا اليوم سوف تُقتحم اخر قلاع جهاز القمع الصدامي في السليمانية، لذا طلبت من الدكتور ان يتصل بقيادة احزاب الجبهه الكردستانية و يبشرهم بهذه النهاية عن طريق احد الاحزاب الكردستانية الايرانية  المعارضة المتواجدة علناً في المحافظة، و ان يطلب ارسال ممثلين منهم لتشكيل الحكومة المحلية، وقد اكد الدكتور في مقال له في كردستان نوي انه ارسل مثل هذه البرقية.
  في ذلك اليوم 8 اذار،  كان حزبنا الشيوعي العراقي هو اول حزب سياسي يفتتح مقرات له في الاماكن التالية: في مقر قيادة الجيش الشعبي المنحل، وفي الدار المقابل لمقر ما يسمى الانفال لان المقر لم يعد صالحاً للسكن. وكذلك في نادي الضباط في العقاري. وعلق قطعة على كل مقر وتم تنظيم بعض الرفاق البيشمركة لحراسة المقرات .   
لقد لعبت النساء دورا كبيرا في تشجيع الشباب على الهجوم على المقرات واقتلاع صور صدام. و علما انه في الايام الاولي من انتصار الانتفاضة وكان الآلاف من اهالي السليمانية مسلحين .  . لم تسجل اية حادثة تذكر وكان مرور السيارات اكثر تنظيما رغم وجود فراغ اداري في المدينة.
    كانت حصيلة الشهداء الذى قدمه حزبنا الشيوعي في انتفاضة اذار المجيدة في محافظة السليمانية وهم رعد نوري الذي استشهد في الشارع الستيني قرب الالبسة الجاهزة والشهيدان زانا عثمان وئاكو ابراهيم في جبل ازمر والبشمركة سربازحيدر محمد (هورامان) في اطراف حلبجة والشهداء الاخوة الثلاثة زاهر حمه صالح ابو بكر وجمال حمه صالح ابوبكر ورزكار حمه صالح ابو بكر في تحرير مدينة دوكان، كما جرح احد الرفاق في طاسلوجة وجرح رفيقين في ازمر اثناء دفاعهم عن مديىنة السليمانية.
   لقد اكدانتصارالانتفاضة وتشكيل السلطة المحلية من قبل احزاب الجبهة الكردستانية بعد ايام قليلة، على  وجود نوع واضح من التنظيم في قيادة الانتفاضة، حيث ساهمت كافة الاحزاب بما فيها التيارات اليسارية بقسط يتناسب وحجم تواجده في داخل المدينة بضمنها حزبنا الشيوعي الذي ارسل العديد من كوادره الى داخل المدينة قبيل الانتفاضة للتحضير لها، كما اثبت ان تحقيق الانتصار لا يتم بدون الدور النشيط للجماهير داخل المدن.
    و في مقدمة السلبيات التى واجهت الانتفاضة هي عدم وجود تنسيق بين احزاب الجبهة الكردستانية داخل المدينة رغم وجود بعض الصلات بين القواعد، و لوجرى مثل هذا التنسيق وفق خطة مدروسة مسبقا، فانه كان يحول دون وقوع العديد من السلبيات، كان بالامكان المحافظة على ممتلكات الدولة التي هي ممتلكات الشعب، التي راحت سدى . كما كان بامكاننا تنظيم الجنود لتحريكهم ضد السلطة الدكتاتورية في بغداد.
واخيرا اعتذر من جميع الرفاق الذين ساهموا في هذه الملحمة البطولية ولم اذكر اسمهم.




 


         
   
 
 
         
           
       


                                         

9
أمّي الجنينة والنجمة

سهيل الزهاوي

  مازلت اتذكرها وانا في حدود السنة الثالثة من عمري. كانت تحملني وتحضنني بلهفة. كنت في الليل ارقب ظلها على جدران البيت ، تحت ضياء القمر، وكأن حتى ظلها يحدب عليّ ! كان حنانها يفيض علينا ويمنحنا الدفء والهناء .
كانت كعادتِها تستفيق فجراً في كل يوم كطير مهاجر وتتطلع الينا بهدوء، ثم تلملم فراشها وتنزل بخطاها الخفيفة الى الينبوع لتغسل نعاسها، وتشق طريقها نشيطة ناسية تعبَ الأمس الذي  وامتص قواها وابتلع كل نهارها. كنت ارقب حركاتها وانا مستلقي في فراشي الوثير.
كانت تبدأ يوم عملها باشعال الفانوس والطباخ النفطي لتغلي الماء وتهيئ الشاي على الموقد الفحمي بعد ان اشترت كل ما تستلزم وجبة الصباح، ثمّ تدعونا جميعا إلى تناول الفطور .
  كانت إمرأة حسناء ذات ابتسامة دائمة ناصعة كالثلج، وكانت عيناها الجميلتان الصافيتان تومضان بالرقة والحنان ، وتتدفق من قلبها الأخضر مشاعر برقة الفجر.
كانت في الخامسة و العشرين من العمر حينذاك . ولدت في مدينة السليمانية سنة 1924 . كانت والدتها كركوكيّة ، ووالدها من السليمانية ومن عائلة المؤرخ الكردي المعروف محمد امين زكي ذي الحضور المتميز بعد تشكيل الدولة العراقية في عشرينات  القرن الماضي.
كانت والدتي أمّيّة، لكنها نابغة بالفطرة، وقد تجلّت نباهتها حين كان احدنا يفقد كتاب الفيرياء او الرياضيات ؛ فسرعان ما تجده قبلنا! وكانت تتكلم اللغات: العربية والكردية والتركية بطلاقة.
تزوجت من والدنا في الثالثة عشر من عمرها، وانجبا احد عشر طفلا، ثلاث بنات وثمانية بنين.  وقد اعدم ابنها الاصغر سنة 1985 على ‌‌أيدي  جلادي صدام حسين ، وهو طالب في الصف المنتهي في كلية الطب البيطري بجامعة بغداد، لكن هذه الفاجعة لم تضعف عزيمتها، بل ازدادت اصرارا على تأييد قضيتنا العادلة وانتصار القيم الانسانية ، حيث وقفت شامخة يجتاحها حقد غريزي على الجلادين و انفجرت كالبركان ، عند تسلمها جثمان ابنها المعدوم وصاحت باعلى صوتها :
" سيأتي يوم ارى فيه ابناء صدام يقتلون وهو على قيد الحياة"
وفعلا تحقق تنبّؤها ، حيث قتل المجرمان قصي وعدي قبل اعدام صدام حسين.
 في الأسبوع الأول من السنة الدراسية ( 1967) عقدت خليّتنا الحزبية اجتماعها الثاني في دارنا الواقعة في محلة الحميدية بمدينة خانقين، بعد الإجتماع الأول الذي عقدناه على ضفاف نهر الوند، بعد انتمائي الي الحزب الشيوعي العراقي و موافقة الحزب على ترشيحي لعضوية الحزب في صيف السنة نفسها ، وكنت دون سن الثامنة عشر من عمري.
وبعد ان انتهينا  من الاجتماع ،طلب مسؤول الخلية مني أن أراقب خارج البيت ؛ حتى يتسنى لهم الخروج من الدار بأمان دون ان يلاحظهم احد ، وإذا بي أرى والدتي جالسة وحدها على مَصطَبة امام الباب ، وبفطنتها المعروفة وابتسامتها المرسومة على شفتيها،ابتسامة الرضى اومأت بحركة من رأسها ، قبل ان اصل الى الباب،اغرقت نفسي في بريق عينيها اللتين تراءتا لي كأنهما تهمسان بكلمات خافتة :
" الطريق مأمون ؛ ليخرج الجميع"
 وكأنها تعلم بما أُرومه دون ان أرى علامات خوف وقلق على وجهها، فاستغربت للوهلة الأولى، وبعد ان قرأت ملامح وجهها المتهلل وتوهج الحب في عينيها ،تيقنت انها عارفة بما يدور في جلستنا، ممّا أجّج حماسي ، وشحنني بزخم كبير للمثابرة في حراكي السياسي بأقصى همّة ونشاط وهمة . كانت تحرص على ألّا ينغّص أي شئ حراكنا؛ ولذا قررت الجلوس أمام الباب لتراقب ما يجري من تحركات حفاظاعلى سلامتنا، لكنها كانت تدرك أن من يعمل في المعارضة يخطو في كل يوم خطوة نحو قبره، ومع ذلك لم تفاتحني بهذا الشان طوال حياتها، بل كانت تشجعني على الدفاع عن الحق مهما بلغت نتائجه. لم تكن والدتي شيوعية الا  في القلب فقد كانت امرأة قوية ومتفتحة الذهن غير متعصبة للدين وحساسة؛  فتحول حنانها الى حب المظلومين والكره الشديد للظالمين. كانت على قناعة تامّة بأن العدالة ستنتصر حتماً؛ مهما بلغت درجة الإضطهاد، لكنّما بالعمل المنظم والفعل الثوري الدائم. وكانت روحها تفيض بعِزَّةُ النَّفْسِ والإيثار والعنفوان الإنساني؛ فقد تأثرت في نهاية اربعينات القرن الماضي وبداية خمسيناته بمآثر الشيوعيين البطوليّة مقارعة الظلم والاستبداد عبر مشاهدتها للتظاهرات العارمة التي عمت مدن العراق ومنها السليمانيّة الباسلة، كانت تروي لنا قوة وصلابة الشيوعيين. وقد نبهتني ذات مرة قبل ثورة 14 تموز 1958 بسنتين بأن هناك محاولات من جواسيس نوري السعيد،(وكانت تقصد اجهزة التحقيقات الجنائية التى شكّلت في العهد الملكي لمكافحة القوى السياسية المعارضة للنظام وخاصة الحزب الشيوعي العراقي، وذلك بدس منشورات الحزب الشيوعي في جيوب الاطفال ومتابعتهم لحين عودتهم الى بيوتهم، وتدبير دهم الشرطة لهذا البيت أو ذاك بغية القاء القبض على احد افراد العائلة بتهمة الشيوعية؛ فأصبحتُ حذرا جدا ألتفت يمينا ويسارا كلما سرت في الشارع منفّذاً توصية أمي،وقد انعكس ذالك على عملي الحزبي لاحقاً حيث كنت شديد الحذر. و بعد ثورة تموز، علمت بارتباط اخي زهير بالحزب الشيوعي العراقي، وكانت أمّي تعلم أيضاً بنشاطه الحزبي آنذاك؛ ولذلك نبهتني الى آلاعيب اجهزة السلطة ، وتعرّفت لاول مرة من خلالها على كلمة الشيوعية وانا في السابعة من عمري.
 ان سمو وعي هذه المرأة الامية يدل على قدرة تغلغل الحزب فكريّاً وسياسيّا في أوساط الجماهير الشعبية ومدى النشاط الثوري حينذاك.
  كان اندلاع ثورة 14 تموز قد فتح آفاقاً جديدة لنشر الوعي السياسي بين الجماهير، وقد عايشت الاحداث والتظاهرات والمسيرات الجماهرية التي عمت كافة انحاء العراق بقيادة الحزب الشيوعي العراقي ، و تفتّح معها وعيي السياسي ، كما عند أكثر ابناء جيلي، و كنت اقتحم العمل السياسي دونما وعي حقيقي ، وكنت ازور مخيم اتحاد الطلبة العام فرع خانقين المقام على شاطئ نهر الوند بصحبة اخي زهير، وكذلك مقرهم قرب محلة المزرعة وأنا طالب في المراحل الاخيرة من الابتدائية،ولاول مرة ساهمت في الحملة التي قام بها الحزب الشيوعي العراقي في عام 1961 ،حيث علقت شعارات الحزب حول السلم في كردستان على جدران الدور السكنية غريزيا بدون علم الحزب ، بعد العمليات العسكرية التي شنها الحكومة العراقية ضد الحركة الكردية والتي اندلعت في ايلول ذلك العام نفسه.
 كان لوالدي دور كبير في تمنية قدراتي على القراءة الذاتية ، عبر توجيهي لمطالعة مجلات الاطفال،عندما كنت في الصف الرابع الابتدائية، فقد سجل والدي لي اشتراكا شهريا في مجلة (سمير) ، ثم واصلت القراءة وكنت اطالع كل ما يصل الى يدي من كتب ومجلات ومنها الروايات العربية والعالمية المالئة مكتبة اخي زهير، وسرعان ما انجذبت الى الكتب الماركسية التى توفرت بكثرة بعد ثورة 14 تموز وكان والدي يتابعني دون يتدخل في خصوصياتي، واتذكر  ذات مرة التقيت به عندما كنت مختفيا في عامي (1991 و1992 ) في بغداد عن انظار السلطة الفاشية، واعمل ضمن التنظيمات السرية للحزب الشيوعي العراقي، وقبل وفاته بسنة، قال لي:
 "  انت تعرف جيدا بأني لم اتدخل في شؤونك طيلة حياتك، لكنني اطلب منك شيئا واحدا، وهو ان تتزوج لاري اطفالك قبل رحيلي"
 وكان عمري قد تجاوز الثانية والاربعين في ذلك الحين، ورقد رقدته الابدية دون أن تتحقق امنيته برؤية احفاده.
وهنا لابدّ من التأكيد على ان المنعطف الكبير في حراكي السياسي هو انقلاب 8 شباط 1963 إذ كنت في عنفوان شبابي، وكان لي شرف المساهمة في التظاهرة المتصدية لانقلابيي( 8 ) شباط الاسود في مدينة خانقين وانا في الرابعة عشر. ولأنني عشت سنين مراهقتي في ظروف بالغة الصعوبة؛ فقد اثرت فيً  ايما تأثير وفجّرت فيّ مشاعر الغضب والألم، وشاهدت بنفسي الجرائم التي اقترفها انقلابيّو 8 شباط الفاشست ضد الشيوعيين واصدقائهم، وما آلت إليه من نتائج وخيمة و مآسي و كوارث،واستمرت حتى سقوط النظام الصدامي، بل مازالت مستمرة لحد هذه اللحظة..
حقا كانت ايام دامية فجّرت عندي  قوة الارادة، والتحدي، وبلورت اتجاهي الفكري و نمّت فيّ وعيي الذاتي .
‌فألف سلام وسلام لروحك الطاهرة يا من كنت لنا جنينة خضراء ..
والآن نجمة متألّقة هادية في زرقة السماء   



10
قصيدة من الادب العالمي
 للشاعر النرويجي سيجبيورن اوبستفالد
(1893) من ديوانه القصائد
   

" المدينة "
                                           

ترجمة من النرويجية:  سهيل الزهاوي

اسكن في الجبال
منذ اسابيع، لم ار احدا...لم أُسْمِعْ صوتي .
سحابة حمراء تمرمن فوق .
إسودّتْ مياه الجبال،
ليس بمقدوري الصراخ .
مخاطر الخوف تحوم حولي ،
اين هم الان  ؟ ، ماذا  يَفْعَلون ؟
هل هذه نهاية الحياة؟
هل هم على قيد الحياة ؟ 
الجبال لا تمتلك قلباً                 
لابد لي ان ابتعد الى اسفل . . الى ما وراء الضباب،
الى السهول الواسعة جنوبا،
هناك  ينبض القلب ..
هناك تنبض الوف القلوب بأنسجام تام . 
توجهت نحو الوادي على عجل،
اختبأت في مقصورة القطار , 
طوال الليل تَشْخرالعربة الحديدية.
لاحت ومضة برق بعيدا في الظلام الدامس ،
عبر الوديان الطويلة و العميقة ،
فوق السهول الواسعة .
وقفت في  مساء اليوم التالي على الشارع المعبد.
لم يعد للغابات اثر،
اختفى حفيف  الأوراق،
لكن ضجيج السيارات وضوضاء الاقدام
لا تعد و لا تحصى .
ارى منزلاً بجانب منزل ونوافذ . .
أسمع صرخة من بعيد.
من يعاني ؟!
أركض باتجاه الصراخ.
أسمع صوت الصخب من فتحات النوافذ
 شئ مروّع !
قلب النساء والرجال مِجَنَّهُم 
هم سائرون الى الفسق
قذاراتكم اسوأ من السحلية على شاطئ البحر
خطاياكم لا تعد ولا تحصى
من الرعب جريت الى ابعد
و مررت بمنزل،
كان هناك حشدٌ من الناس.
نظرت اليهم
كانوا جالسين على طول الجدار،
لا هم يتحدثون، لا هم يبتسمون
صرت أَشدَّ فَزَعاً منهم
مررت على حانة الرقص،
امتلأت بالرجال والنساء،
هنا يركل احدهما الاخر بعنف . .  هناك..
كان الرجال و النساء يرقصون في سَيْرِهم
ترى هل هؤلاء هم اخواني ،الناس . . ؟
مَضَيْتُ اكثر فأكثر ،
اسْتَبَدَّ بي القلق . .
انهم لايتحدثون .. لا يبتسمون بعضهم للبعض
كما لو انهم قد جُلدوا بالسياط !
الاخطار تحوم في المكان،
اسمع اصوات البكاء والنحيب من المنازل الصغيرة
و تركت خلفي البكاء،
انه بكاء،
 بكاء . . !!
واخيرا . . تتكشف لي وجوهم الحقيقية .
اخيرا ارى ذلك المشهد
هذا اسوأ جلد للذات
هذا ضرب من الجنون !
اتطلع الى ما يدور حولي
احدق في عيونكم
كان عنائكم هروب الى الامام
نعم، انهم مجانين... انهم مجانين!!

11
الالفية الاولى لريكاي كردستان اعادت بي الذكريات
الى الماضي القريب
                                                                                                                        سهيل الزهاوي
      في زمن العنف المنظم ضد حزبنا الشيوعي والحركة الديمقراطية العراقية والكردستانية ، لم يكن امامنا خيار غير التواصل والعمل من اجل اعادة الاتصال بالركائز والتنظيمات المقطوعة . كان لريكاي كردستان وصحافة الحزب الاخرى مهمة شاقة في ذلك الظرف الدقيق الذي كانت تمرّ به كردستان بشكل خاص و العراق بشكل عام، و كان عليها ان تخوض نضالا مستمرا من اجل تثبيت دورها كاداة تعبئة و لايصال صوت الحزب الى الجماهير الواسعة.
  كان من الصعب ايصال اعداد كبيرة من ادبيات الحزب من معاقل الانصار الى داخل المدن ويعود السبب الى الحجم الكبير للهجمة الشرسة للنظام البائد من جهة ، و الى نتائج الاقتتال الداخلي بين فصائل البيشمركة من جهة اخرى .
  و كان لزاما علينا ان نفكر لايجاد بدائل و وسائل اخرى لايصال صوت الحزب الى الجماهير ، رغم المحاولات المتواصلة مع قيادة الحزب آنذاك لتزويدنا بأجهزة الطباعة ، الاّ ان هذه المحاولات باءت بالفشل بسب تخوّف الحزب من انكشاف امرنا للاجهزة الامنية . . وحذر الحزب هذا، كان نابعاً من تجارب مريرة سابقة مرّ بها .   
  لم نقطع الامل ، كنا نفتش عن البدائل لتكثير ادبيات الحزب في داخل المدن ،الى ان توصل الرفيق عمر محمد رسول الى اختراع رونيو شعبية التى يمكن من خلالها طبع اكثر 100 صفحة في ساعة واحدة ، و حينذاك لم نمتلك آلة طابعة حتى يتسنى لنا طبع الاستنسل. وكنا في بحث دائم من اجل الحصول على الة طابعة كوسيلة لتكثير ادبيات الحزب.
    في فجر ذات يوم من ( 1985)وقبيل عقد مؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي في تشرين الثاني من نفس العام،اعلنت السلطة الفاشية قرار منع التجول في السليمانية عبر مكبرات صوت كانت تحملها طائرات هليكوبتر و كانت تحوم في سماء المدينة وتطالب اهالي المدينة بتسليم الخونة على حد تعبيرهم . فقد داهمت مفارز الاجهزة الامنية وقوات الجيش اللاشعبي الدورالسكنية الامنة وتم اعتقال العديد من المواطنين الابرياء واعدمت مجموعة منهم في مساء نفس اليوم ،  كما هدمت العديد من الدور السكنية وانفلت اعداداً غير قليلة من العوائل .
   قررت منظمة الحزب في السليمانية اصدار بيان يندد بالعمليات الجبانة و يدعو الى التصدي لافعال السلطة العنفية وبهدف رفع معنويات الجماهير. فقد طبع البيان الرفيق ئالان ممتاز نوري علي بخط اليد على الاستينسل وفي اول تجربة تم طبع اكثر من الفين نسخة ، وبعد مرور ثلاثة ايام على منع التجول وزعت البيانات على الدور السكنية في جميع انحاء مدينة السليمانية.
    التقط الشهيد علي بوسكانى احدى النسخ من هذه البيانات وبعد ان علم ان منظمة الحزب لا تمتلك الة طايعة ، و بعث لنا الة طابعة ونقلها بسيارته الى دار الرفيق الفقيد شيخ علي البرزنجي ، ومن هناك تم نقلها الى مخبئها الجديد من قبل الرفيقات جيران البرزنجي وخرمان محمد رسول ونشتمان احمد . و اصبح في متناول منظمة الحزب امكانية اعادة طبع ريكاي كوردستان وتكثير الادبيات الاخرى باللغتين العربية والكردية .
   في مساء صيف حار من عام 1986 ، بعدما تمّ اعادة طبع ريكاي كوردستان  على الاستينسل ، و جرى تكثيرها بالرونيو الشعبية بالتناوب من قبل الرفيقة خرمان و الرفيق عمر وكاتب هذه الاسطر في دار تم تأجيرها لأغراض العمل الحزبي تقع في بداية الشارع المؤدي الى مديرية امن السليمانية  . و بينما نحن منهمكون في تنظيم البريد الى المنظمات الحزبية . .
فجاة و في الساعة الحادية عشر من ذلك المساء  سمعنا من يطرق الباب ، وبسرعة هائلة جمعنا الادبيات وتوجهنا بها نحو السطح وتمكنت الرفيقة خرمان من القاء الادبيات في داخل برميل (خزّان) الماء واوعزنا الى النساء والاطفال بالذهاب الى الأفرشة المفروشة فوق السطح لغرض النوم . .
وكان علي اهرب من فوق السطوح الا انني تراجعت بعدما نبهني الرفيق عمر باشارة واضحة من الطابق الاول ، بان هدف مفرزة الامن هو وضع كمين فوق السطح لحماية مديرية امن السليمانية لهذا السبب بقيت في مكاني ، فبعد ان عرفوا من النقاش معهم ان العائلة نائمة فوق وللدار سطح واحد ،انسحبوا الى البيوت القريبة .
     وفي نفس الليلة وبهمة عالية جرى كوي جرائد ريكاي كوردستان بالمكواة بعد ان تبللت نسخها بماء البرميل؟ وفى اجواء من المرح والنكات تم اعادة لف البريد بعد ان جففت النسخ، وارسل في اليوم الثاني الى المحطات  الحزبية تحمله الرفيقة الفقيدة ئايشة كول المعرو فة حاجي زن وهي والدة الرفيقة خرمان ، والرفيق عمر.   
       


12
أدب / استفيق على حلم
« في: 12:58 29/07/2012  »
استفيق على حلم
                                                                                                    سهيل الزهاوي
أشدُّ من  مَوْجِ البَحْرِالمتلاطم  بِصَخْرَة قَلِقاً
 بعد عدة طعناتٍ من الخلف
في زمن المُراوَغَة والنِّفاق 
تتناهى إليَّ اصوات خافتة
ظلت  تلاحقني في اليَقَظَةِ ، كما في المنام 
    .  .  .
عند رحيلي، لم يقف، ليُوَدِّعَني
وقفت مذهولا امام الشبح القادم
اردت ان اسأل حبيبتي..
لم أَقْدِرْ على السؤال ..
فقد انكفأ لساني داخل فمي من شِدَّة الأَلَمِ
تقَفىّ أَثري
سَرابٌ راسِبٌ جاري
اِسْتَبَدَّ بِيَّ السُّهْدُ
      .  .  .
في جنح الليل اتمدد على السرير وحيدا
الظلام يلفّ كل شئ، يَخْفي حتى ظلالي كاقتذاء الطير،
في صمت  طويل
أرْهَفْتُ السَّمْعَ الى صوت الريح
أَسمَعُ صراخ الثَكَالى.. وأسمعُ أنين امي                                                     
والصَّدَى يَخترق الحائط
يمتزج الانين بالأمل
ينضح منه ريح الطيب
والخضراء تعانق الشمس الحزينة
ألملم دموعي بمنديل احمر عتيق
       .  .  .
اتلمس صفحات من الاوراق الخضراء على الشجر
تُزهر  ذكرياتي ..
استفيق على حلمٍ ..
تارة.. يَحِنُّ الى البرق
وتارة .. يفصل الروح عن الجسد

اربيل- كوردستان العراق
18/7/2012



13
في رحيل المناضل مام قادر



                                                                                                سهيل الزهاوي
 
ببالغ الاسى والحزن تلقيت نبأ رحيل المناضل الجسور مجيد عبد الرزاق  المعروف  باسمه الحركي ( مام قادر) في الاسبوع الماضى .   
     دخل الرفيق ( مام قادر )  معترك العمل السياسي مبكرا،وهو طالب في المرحلة المتوسطة في نهاية الاربعينيات من  القرن الماضى . . و قد تعرّفت على  ذلك الانسان الوديع، الهادئ الطبع و اللطيف المعشر،  من خلال نضاله الشاق المتواصل في دروب العمل السري والعلني ، وفي جبال كردستان . . مناضلا صلبا متحديا كل الصعاب، مناضلاً لم يرف له جفن من اجل قضية شعبه و وطنه...  لم يتهاون، ولم يتوانى  في التضحية باجمل ما لديه من اجل المبادئ الانسانية التي آمن بها .
كان هذا الانسان الوديع الهادئ الطبع، نقيا ومتواضعا اشد ما يكون عليه التواضع و عطوفا على رفاقه و مخلصا في علاقته مع الاخرين، و مع من عرفه. و
يتذكر الشيوعيون الذين عملوا معه، تحليّه بالاخلاق العالية و بالصفات السامية،  وهو يحظى بحب  الجميع واحترامهم.
. . بعد فراق دام اكثر من ثماني سنوات، التقيت بالفقيد في مدينة السليمانية في ربيع هذا العام ، وكانت ذات روح العزم في قلبه الذي لا يقهر . . و رغم شدة مرضه ، اصر على ان يزور معي الكاتب والاديب القدير محمد ملا كريم و الرفيق بهاء الدين نوري كلاًّ في منزله ، وكان اللقاءان حاريّن، و افاقا فيّ الكلمات و المعاني المنسية من حياتى السابقة و كأنها قناديل تتوهج في ضوء خافت . . لقد ترك الفقيد اثرا كبيرا في نفسى ، ولا يمكن ان يمحى من الذاكرة .
انحني اجلالا واكبارا لهذه القامة الشامخة ... المجد و الخلود للفقيد الراحل مام قادر .
الصبر والسلوان لعائلة الفقيد ولرفاقه واصدقائه






14
                  
الشاعر سيجبيورن اوبستفلدر (01866-190)
 رائد الحداثة في النرويج  
قصيدة " اتطَّلَعْ "
 
                                                                                                                 سهيل الزهاوي        
                                                                                                        
                                                              
  ولد الكاتب النرويجي سيجبيورن اوبستفلدر (-1866 0190)  بمدينة ستافنجرفي النرويج،من عائلة متدينة وهوالابن السابع من اصل 16 طفلا لم يعش منهم الا ستة،كان والده رجلا صارما ويعمل  خبازا.  توفيت والدته" سيرين" وهو في الرابعة عشر من عمره،اكمل التعليم الثانوي بأمتياز عام  1884.
  بدأ بكتابة القصص القصيرة في مرحلة الدراسة الثانوية.فيما بعد التحق بجامعة في كريستيانا ( اوسلو  حاليا)،درس الادب واللغة بضعة سنوات،حيث قطع دراسته في الجامعة ولم يؤدي الامتحان النهائى ، ثم التحق بمدرسة الهندسة الميكانكية بأمل ان يجد عملا له في امريكا ،في وقت كانت فيه عائلته تعيش من ضائقة اقتصادية.   و قد نشر في تلك الفترة بعض القصائد  في الجرائد والمجلات حتى عام 1890 . .
     في عام 1890 سافرالى امريكا لغرض العمل،بقى مدة سنةمع شقيقه،بعد عودته من امريكا اصيب بالانهيار العصبي،حيث كان يعاني معظم افرادعائلته من مرض عصبي ادخل لفترة وجيزة إلىمستشفى  للامراض العصبية في كريستيانيا ، كان الشاعريعيش ازمة عميقة و يعاني من كآبة شديدة وارق، انفعالات  و قلق، شعور بالوحدة والاغتراب، توتر، و يأس و رهبة من الحياة .
   كان اوبستفلدر يخطط  ليصبح مؤلفا موسيقيا ، حيث كان مولعا بالموسيقي، وقدشجعه احد اصدقائه الذي كان مؤرخا في مجال الفن الى التوجه نحو الادب والكتابة بعد ان اكتشف مواهبه وقدراته في هذا المجال .        
   زار اوبستفلدر عدد من الدول  الأوروبية ، وقضى بعض الوقت في فرنسا، هناك تأثر بافكار الشعراء الفرنسين .  حيث  نشط في مجال الادب وابدع  في كتابة القصص القصيرة و الرواية، ولكن الشعر كان في المقام الأول في صلب اهتماماته . واهم قصائده و الاكثر شهرة هي" اتطَّلَعْ "،"المدينة"،"المطر"
و" يمكن التحدث في المرآة" وتعتبر رواية "يوميات كاهن" تحفة فنية و كان قد بدأ بكتابة هذه الرواية   في عام 1900، و لم تكتمل لوفاته، وقد نشرت  بعد فترة وجيزة من وفاته في نفس العام . .
اهم اعمال اوبستفارد الادبية خلال حياته القصيرة  :
قصائد (شعر) – 1893  / الحياة – 1894 / قصتين قصيرتين  -- 1895/
،الصليب(رواية) – 1896  /  قطرات حمراء (دراما) – /1897استير (دراما) – 1899/ راهب في مذكرات (رواية) – 1900 لم يكمل الرواية بسبب وفاته / عن الربيع (دراما) – 1902  نشر بعد وفاته / العمال الناجون  (شعر) – 1903 نشر بعد وفاته  

      
    وبعد ان هيمنت القواعد التقليدية الى حد كبير على بنية  القصيدة  المعتمدة على الاوزان الشعرية و القافية حتى التسعينيات من القرن التاسع عشر في النرويج .   برز الشاعر اوبستفلدرفي تلك الفترة حيث منح فجأة الحرية لأوزان الشعر وحرره من قيود القافية، خلافا لتلك القواعد.  
    فصار يعتبر رائدا للحداثة في مجالى الشعروالنثر حيث وضع ارضية جديدة لشكل و مضمون الشعر الحر ليس في النرويج فحسب بل في عموم الدول الاسكندنافية.       وتتميز قصائده بطابع الرومانسية الجديدة ويغلب عليها الطابع الديني.  في وقت لم يكن فيه تأثيرهذاالاتجاه  يسري تأثيره قبل وبعد الحرب الثانية على الشعروالنثرفي النرويج ،  حيث بقي في الأوساط الادبية النرويجية منظوراً إليه بشيءٍ  من الريبة والنفور الى ان برزتأثيره في وقت لاحق.  
   امتزجت نظرة الشاعر الى الحياة مع مضمون الرومانسية الجديدة.و لم يكن مزاج الاغتراب والعزلة هو المهيمن على اشعاره ونتاجاته  ، بل كان عدد من قصائده يعبّر عن ومضة الحياة ، ومعظم قصائده تحمل الادوات التقليدية للشعر .
            نشرت في عام 1995 لاول مرة مجموعة من النصوص بعنوان"الاجزاء و الجَزْل"  للشاعر اوبستفلدر واحتوت على افكارجديدة   وخطوط عامة ، لم يتم استكمالها  و ربما كان في نيته اغنائها  حسب رأي النقاد النرويجين.
  صدرت في عام  1893، مجموعته المعروفة "قصائد" و أثارت على الفورانتباهاً بسبب شكلها الجديد الذى يختلف عن اسلوب الشعراء في عصره. نشر معظم قصائده في الجرائد والمجلات خلال حياته.  و يؤكد  النقاد النرويجيون اوجه التشابه بين شعره والاتجاه الأدبي التعبيري للفنان( إدوارد مونك) .      
  اصيب الشاعر سيجبيورن اوبستفلرد  بداء السل المستعصي و توفي  في 29 يوليو 1900 ، في أحدى المستشفيات في كوبنهاكن وهو لم يكمل  ( 34 )  سنة من عمره ، دفن في نفس اليوم الذي ولدت ابنته الوحيدة
   يقول الشاعر
اتطَّلَعْ (1)    
1

اتطَّلَعْ إلى السماء البيضاء ،
اتطَّلَعْ إلى السحب الرمادية القاتمة ،
اتطَّلَعْ إلى الشمس الدامية ،
2
هكذا هوحال  العالم،
هكذا هو مدارالوطن.
  3
قطرة من المطر!
4
اتطَّلَعْ الى المنازل العالية،
اتطَّلَعْ الى الاف النوافذ،
اتطَّلَعْ الى برج الكنيسة البعيدة.
.
5
هكذا هو حال الارض،
هكذا هو الانسان في الوطن.

6
تلتئم الغيوم الرمادية القاتمة.بعد ان غَابَتِ الشَّمْسُ.      
7
اتطَّلَعْ  الى اناقة السادة،            
اتطَّلَعْ الى ابتسامة السيدات،
اتطَّلَعْ الى الفرَس الذليلة.  
8
بينما صارت الغيوم الرماديةثقيلة.  
9
أرى أرى. . .
نشأت على كوكب خاطئ،
انه شئ غريب حقا .

قصيدة " اتطَّلَعْ " من القصائد الأكثر شهرة للشاعر اوبستفلدر التى نشرها ضمن مجموعته الشعرية، يعنوان" قصائد" في العام 1893 .        
  وهذه القصيدة هي تعبير عن الرؤية الداخلية للشاعر،وهي ورؤية مظلمة، لم يكن  سعيدة طيلة حياته، فهو يخضع للحس والخيال لا للعقل وكان تفكيره عاطفي  ، لذلك  يتبنى في القصيدة الشعور والعاطفة، ويتميز بتمرده على الواقع الجديد،وبالحريّة في المضامين والأشكال،وبرموز شفافة سهلة،ولكن الشاعر اختار العبارات بدهاء لكي يصل الى هدفه .   هذه القصيدة تكشف لنا العلاقة المتبادلة بين رؤية الشاعر اوبستفلدر والرؤية الداخلية للفنان النرويجي" ادوارد مونك"  في لوحته المعروفة  "الصرخةّ"  التي رسمها في العام (1893) ، هي نفس العام الذى نشرت فيه قصيدة " اتطلع".  وقد تميزت هذه القصيدة بالصدق في التعبير عن العواطف الفردية والمشاعر العميقة التي تعتلج في أعماق النفس ، والاستسلام إلى عالمها الخاص غير عالم الفكر والواقع.
 ان غياب الانسجام والتناغم في قصيدة   "اتطلع" ، يبرزالمشاعرالمتناقضة والمعقدة التى تحيط بذات الشاعر والسرد الميكانيكي  ويخلق جوا رتيبا في القصيدة.    
لقراءة هذه القصيدة وكشف مستويات الاداء الداخلي والابعادالرمزية والرومانسية،ينبغي ان نسلك عدة طرق لتفحصها ومعرفة ماهيتها،اخذين بنظرالاعتبار،الزمان والمكان ، الحالة النفسية للشاعرو دراسة  البيئة و تصوير العاصفة  .  
القصيدة تتألف من تسعة مقاطع، ثلاثة مقاطع منها (الثالث ،السادس،والثامن) كل منها يتكون من بيت واحد،المقاطع الشعرية الثلاثة،(الاول، الرابع والسابع) أنها تحتوي على ثلاثة ابيات كل بيت تبدأ بكلمة  "اتطلع"،هذه المقاطع الثلاث،هي بالتالي مشاهدات اوبستفلرد، والمقطعين الشعريين الثاني و الخامس يحتوي كل منهما على بيتين، ويبدأ : "هكذا هو". هذين المقطعين يمثل رؤية الشاعر، المقطع الشعري الأخير يتألف من ثلاثة ابيات، يختتم وجهة نظره حول العالم المحيط به.
         نجد بشكل واضح في هذه القصيدة النقد الموجه للمجتمع الحضري الحديث الذي يبدو فيه ان الشاعر يشمئز من الناس ، وفق رؤيته فهم يفقدون أنفسهم والتواصل مع ماهو قيّم في الحياة ، اي : تجربة الأصالة والوجود وهي من المبادئ الاساسية للرومانسية  في اواخر القرن الثامن عشر.
     موضوع القصيدة يدور حول شخص او الشاعر نفسه، عاش في احدي المدن الكبيرة، و كانت البيئة   تنبض بالحياة، كل شئ يسير فيها بشكل اعتيادي والزمن هو نهاية  القرن الثامن عشر .    
تركيبة القصيدة  :  لوتفحصنا محتويات القصيدة  بلمحة سريعة ، نلاحظ ان الشاعر قد كسر القاعدة التقليدية  في  بنية الشعر، اي ان القصيدة لم تبنى على شكل الابيات التقليدية والألفاظ اللغوية القوية الجزلة، كما نلاحظ ايضا انها شكل مختلف تماما عن القاعدة العامة.
يركِّز على العاطفة أكثر من العقل، وعلى الخيال والبديهة أكثر من المنطق. ويميل اوبسفلدر إلى حرية التعبير عن المشاعر، والتصرُّف الحر التلقائي في هذه القصيدة، أكثر من التحفظ والترتيب.
     لو نظرنا الى الاداءالداخلي للقصيدة نجد انه يعاني من ازمة عميقة تقترب من حالة الانهيار النفسى. و بالتالي نتوصل الى الاستنتاج ،ان هذا الشخص لم يكن مجرد يعاني من امراض العصر  فحسب بل انه كان يشعر بالاغتراب الكامل عن مجتمعه الحضري الحديث، ويعد ذلك موضوعا هاما في هذه القصيدة. لكن الشعور بالوحدة والقلق والاختلال الروحى والتوترواليأس والرهبة من الحياة،هذه الحالة المزاجية للشاعر قد خلقت جوا غريبا ينعكس ايضا في القصيدة.  
   في هذه القصيدة يبدأ الشاعر بأبداء مشاهداته حول الكون او حول العالم الكبير، قبل ان يضيق الحلقة ويوجه اهتماماته نحوالارض ومايحيط به، وبعد ان يحرّك عينيه ببطئ من السماء نحو الارض او البيئة الصغيرة التى يعيش فيها "الانسان "و"الحيوان" وعن نفسه. وفق رؤية الشاعر،ان كل شئ في الحياة يتغيربسرعة  هائلة ، ويعتبر الانسان كائن صغير نسبة الى الكون، ويشعر بالوحدة الشديدة.
مفردات هذه القصيدة،الطبيعة ( الارض و السماء) ، الطقس(الشمس ،المطرو السحب الثقيلة) ، العالم ،  الوطن ،الانسان والفرس، الالوان( البيضاء والرمادية القاتمة)، المنازل، الكنيسة و النوافذ وهي مظاهر تنعكس بشكل واضح في القصيدة.
   ولذا تتطلب قبل البدء بفحص هذه القصيدة  وتحليلها من عدة اوجه ، تقسيمها الى ثلاثة اجزاء اساسية  .
اولا : كما  يبدو أكثر وضوحا في استخدامه لكلمة "اتطَّلَعْ"عنوانا للقصيدة و الذى يتكرر 11 مرة بنمط واحد  في اربعة مقاطع من القصيدة  النثرية وهي ملاحظات الشاعر نفسه, يمكن تفسيرذلك بعدة طرق : على الارجح ان يكون هذا هو موقف الشاعر من نمط حياة المدينة والانسان ، اي يعبر الراوي عن رأيه بكون ليس تلك المضاهر الا أفكارا زائفة ،ذات مظهر جميل  ،انه غير راضي عن العالم الذي يعيش فيه، حيث كان يبدو له عالما جامدا وغير إنساني .    ويعد ذلك بشكل واضح  من اهم مبادئ الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر.    وعلى اساس ذلك يمكن ان نستنتج ايضا تأصل "الانا"  في نفس الشاعر . ويمكن ان نرى العكس، انه لم يرى اى شئ من هذه الاجواء في محتويات  القصيدة ،وقد يعبرعن ما في داخله  من حزن  و معاناة  من الكآ بة  والاحباط والقلق  واليأس من الحياة او ربما كان يعاني من ازمة عصبية.
                                                                                                                                                                                                                                                                                                        ثانيا : في المقطعين الثاني والخامس يستخدم الشاعرسيجبيورن اوبستفلرد  المفردة " هذا هو "  وهما استنتاج الشاعر نفسه بعد  مشاهدته للانسان والحياة المدنية .              
ثالثا :  نرى في هذا المقطع الذي يتكون من بيت واحد"قطرة من المطر!"مضمونه يتركزعلىالطقس المتغيروحتما يقترب نحو الاسوأ، نلاحظ العاصفة الرعدية والطقس السئ  كلاهما موجودة و بشكل اخر في اعماق أوبستفلدر نفسه .  
1
اتطَّلَعْ إلى السماء البيضاء ،
اتطَّلَعْإلى السحب الرمادية القاتمة ،
اتطَّلَعْ إلى الشمس الدامية
ونحن نتابع عيني وعقل الشاعر في هذا المقطع الشعري،وهو الجزء الأول من ملاحظاته . . . يتركز اهتمامه المثير على الفضاء الخارجي من خلال وصفه" للسماءالبيضاء، والسحب الرمادية القاتمة،  انه يحذرمن من سوء الاحوال الجوية المرتقب من خلال استخدامه اللونين" الأبيض والرمادي القاتم"، وهذان البيتان يتباينان مع البيت الاخير"الشمس الدامية"حيث ما دام هناك فضاء مغلق بالغيوم القاتمة، من غيرالممكن ان تظهرالشمس  الملتهبة،ولكن مرده انه اراد ان يخبرنا عن الحرارة الملتهبة قبل الجو العاصف. فان الدم يرمز الى الألم والى معاناة اوبستفلدر الذاتية من البيئة التي حوله ، وثمة خوف وقلق  من العالم المحيط به ، هذا ما يتضح من سياق القصيدة،  ونتوصل الى فكرة ، ان هذا المناخ يتطور نحو الاسوأ  خارج الشخص اي يقصد  التغير الحاصل في داخل البيئة المحيطة به وفق قناعاته، الذي بالتالي  يشكل عليه ضغوطات نفسية و ألم كبيرين في داخله .
2
هكذا هوحال  العالم،
هكذا هو مدار الوطن.  

يبدو له في هذين البيتين،ان الراوي يري  شئيا مدهشا للغاية، وكأنه  يرى الكون لأول مرة،اما انه لم يبصرالكون من قبل،وهذا بعيد عن الادراك،اوعلى الارجح لديه"رؤية"  غير واقعية للوجود .

3
 قطرة من المطر!
6
تلتئم الغيوم الرمادية القاتمة بعد ان غَابَتِ الشَّمْسُ.      
8
بينما صارت الغيوم الرماديةثقيلة.  
          لقراءة الابيات اعلاه،اولا: نبدأ بالتفحص الزمني للقصيدة،نشاهد بوضوح كيف يتغير الجو وفق رؤيته ومن خلال متابعاتنا  لوصفه المناخ ،يدرك المتابع كيف يتغير مزاجه من السئ نحو الاسوأ.    بعد  البيت الثامن نتوصل الى قناعة ، انه بعد لحظات سوف تشتد العاصفة الى حد الانهيار . ويتميز كل جزء من الابيات بكونه مؤشرالى فضاء جديد ،وفق مزاج الشاعر وبنظرة  تشاؤمية نحو الحياة .   لو نظرنا الى البيت  " قطرة مطر!" نجد تفسيرات عديدة له : قد يفسر، ان عين الشاعر تتحرك نحو الأرض، في نفس الوقت يمكن اعتباره تحذيراًمن العاصفة القادمة. ويمكن تفسيره بشكل اخر ربما اسال الدموع من عينيه، بعد ان لمّح عن ألمه في البيت " الشمس الدامية" ، وأنه يشعر بالوحدة التامة وهذه صيحات يائسة من المجهول ،او جملة تركيبية بحتة  
   4

اتطَّلَعْ الى المنازل العالية
اتطَّلَعْ الى الاف النوافذ
اتطَّلَعْ الى برج الكنيسة البعيدة

      يبدو ان تركيزه على البيئة الحضرية في هذا المقطع هو السمة البارزة  لملاحظات الشاعر الثانية حول التغير الحاصل في المدينة، من ازدهار.. من خلال مشاهدته للبنايات العالية، ذات آلاف النوافذ، و هي مظاهر بارزة للمدينة الحديثة في سنوات تسعنيات القرن التاسع عشرفي النرويج .يبدوله، اصبحت الحياة غريبة، وهذا تعبيرعن اعماق الشاعر الذاتية .  
لو فحصنا البيتين " المنازل العالية" و " الاف النوافذ " وهي الفاض غير معبرةولا تثير مشاعر قوية
والبيت الاخير من المقطع "برج " الكنيسة البعيدة"  من هذا المقطع ويمكن تفسيره على انه تعبيرعن الموقف الديني المتزمت  للشاعر،وهو يشعر بشكل  ملموس ان الكنيسة اصبحت بعيدة عن الناس و ما يرمز الى تخلى الانسان المتمدن عن الكنيسة وحتى انهم فقدوا ايمانهم بالله.      وهذا البيت يقف على النقيض من البيتين السابقين ، وأنه يساعد على خلق حالة الكآبة والحزن او ربما استسلم للحالة و المظاهر الجديدة .

5
هكذا هو حال الارض،
هكذا هو الانسان في الوطن  

هذا المقطع هي تحصيل حاصل للمقطع الرابع من مشاهداته على الارض . وبعد هذا المقطع يرى عن كثب اختفاء الشمس حيث يكشف لنا بعد ذلك نظرته الذاتية نحو الانسان المحيط به ، فيسودَه شعورٌ بالخيبة والإحباط والقلق والانطواء على الذات،      


7
اتطَّلَعْ الى اناقة السادة    
اتطَّلَعْ الى ابتسامة السيدات
اتطَّلَعْ الى الفرَس الذليلة
في هذا المقطع اوبستفلدر يراقب عالمين متناقضين،نلاحظ في سياق البيتين الاولين،هناك عالم مزدهر و متفائل،من خلال مشاهداته للانسان المتمدن،و يرى التغيرات الحاصلة في سلوك وتصرفات الناس و يرى السعادة على وجوههم وهى مظاهرلا تثير الرضى لديها وغير راضية عنه وانها خارج ارادته، و فجأة يدخل في العالم القديم من خلال البيت الثالث من نفس المقطع،حيث بدأ الحنين الى الزمن الماضي من خلال التصويرالرمزي لمشاهداته الى"الفرس الذليلة"في هذا المجتمع الجديد .      
9
نشأت على كوكب خاطئ
انه شئ غريب حقا

        
   ان الاستنتاج الذي توصل اليه اوبستفارد في المقطعين الثاني والخامس،نشأ منه هذين البيتان اعلاه ، انه تعبيرٌ مُصوَّر عن عواطف وأحاسيس فرديّة في اعمق اعماق الشاعر، يجعله ينظرالى الوجود كلغز كبير خارج نطاق المشاعر العامة. و يعبّر عن شيء من الإحساس الغريب نفسه،وحسب قناعة الشاعر انه لا ينتمي الى هذا الكوكب، كل الابواب موصدة  امامه في هذا العالم الذي يعيش فيه،وهو  معزول في هذا المجتمع،ويصعب علية ممارسة نشاطه وانتابته حالةمن الفزع واليأس والإحساس بالكآبة والإحباط  و محاولة الهروب من الواقع  وهنا يظهر بشكل جلي نرجسية الشاعرو" الانا"المتأصلة في داخله . بما ان القصيدة مبنية على الوهم والخيال،فجاءت نهاية القصيدة بعيدة عن الواقعية .

 
(1)القصيدة مترجمة عن النرويجية من قبل الكاتب
 
 


صفحات: [1]