عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - وردااسحاق

صفحات: [1]
1
عمل الروح القدس في حياتنا وفرق وجوده في العهدين
بقلم / وردا أسحاق قلّو
(... الذي يأتي بعدي .... هو يعمدكم في الروح القدس والنار ) " مت 11:3"
الروح القدس هو روح الله ، وأحد أقانيمه الثلاثة ، يعمل في الأنسان المؤمن المعمذ كدليل يرشده وينور طريقه نحو الخلاص .
في العهد القديم بعد سقوط الأنسان في جنة عدن وحتى يوم العنصرة ( حلول الروح القدس على التلاميذ ) لم يوضح لنا الكتاب عن كيفية حلول الروح القدس على أي إنسان وحتى على كبار الأنبياء كموسى ، بل كان الله يضع من روحه عليهم وليس فيهم . وهذا واضح من قول الله لموسى ( أجمع إليّ سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل الذين تعلم إنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه ، وأقبل بهم إلى خيمة الإجتماع فيقفوا هناك معك . فأنزل أنا وأتكلم معك هناك ، وآخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم ... ) " عد17:11" .  يتضح لنا من هذه الآية بأن الروح لم تكن في موسى ، بل عليه . وأنتقلت على السبعين وليس فيهم كما يحصل في العهد الجديد . كذلك نقرأ في في سفر صموئيل خبر وصول شاول إلى جبعة فقابلته مجموعة من الأنبياء ، فحل على شاول روح الله وتنباً في وسطهم ( 1صم 10:10 ). وعندما رفض الله شاول وأختار داود ، نقرأ الآية ( فتناول صموئيل قرن الزيت ومسحه أمام أخوته ومنذ ذلك اليوم فصاعداً حل روح الرب على داود ... ) " 1 صم 13:16" . كما كتب أشعياء النبي وقال ( روح السيد الرب عليّ ، لأن الرب مسحني ... ) " أش 1:61 " وغيرها من الآيات . والسبب هو أن الروح القدس لم يحل في أي أنسان في العهد القديم ، بل عليه  إلاّ بعد صعود الرب يسوع إلى مجده ، فأرسل ذلك الروح في اليوم الخمسين ( عيد البنطيقوسطي ) على شكل ألسنة كأنها من نار ، قد أنقسمت فوقف على كل منهم لسان  فأمتلأوا من الروح القدس ( أع 2: 2-3) . أي الروح هنا ليس عليهم ، بل فيهم ، وهذا هو الفرق في وجود الروح القدس ودوره في الإنسان خلال العهدين القديم والجديد . والفرق الآخر هو أن الروح القدس الذي كان يحل على الأنسان في العهد القديم يمكن أن يفارقهم إذا أخطأوا إلى الله ، فالله يأخذ ذلك الروح من عليهم ويهبها لغيرهم كما فعل مع شاول . أما الروح القدس الذي نناله في سر الميرون المقدس فلا يترك الأنسان حتى لو ترك الإيمان .
 في العهد القديم بلبل الله ألسنة الناس في بابل بسبب أبتعادهم عن الله ( تك 11: 1-9) ، أما في العنصرة فأعاد الروح القدس توحيد الألسنة لكي يفهم الجميع صوت الرب على لسان بطرس والرسل.
 للروح القدس أسماء وثمار وأعمال ومواهب كثيرة ، وهذا الروح منبثق من الآب والأبن ، يحل على المؤمن بالمسيح بعد العماذ فيولد ذلك الإنسان ولادة جديدة ويعمل الروح فيه كعطية مجانية من الله لبني البشر ، إنه تطبيق لنبؤة يوئيل النبي القائل ( ..أفيض من روحي على كل البشر .. ) " أع 18:2"  أما عن الدور الأول لهذا الروح هو قيادة الإنسان في الإيمان وحسب قول الرسول ( ليس أحد يقدر أن يقول يسوع الرب إلا بالروح القدس ) " 1 قور 3:12 " . ولا أحد يستطيع أن يعترف بالمسيح الإله إلا بقدرة الروح القدس ، لهذا يقول الكتاب ( لأنك إن أعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت ) " روم9:10" .
قال يوحنا المعمدان ( أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة ، واما الذي يأتي بعدي .... هو يعمدكم في الروح القدس والنار ) " مت 11:3" . فالمعمودية بالروح هي شرط أساسي من شروط الخلاص ( من آمن وأعتمد خلص ) " مر 16:16 " .
الروح القدس هو الذي يبكت الإنسان على خطاياه ويدفعهُ إلى التوبة والأعتراف ، وهذا ما قاله يسوع عن الروح ( ومتى جاء الروح القدس يبكت العالم على خطيئته )" يو 8:16" وبدون التبكيت لا يتوب الإنسان ، وبدون التوبة فلا يوجد مغفرة ، بل هلاك (لو 13: 3-5 ) . في يوم الخمسين شعر جمهور غفير من اليهود المجتمعين في أورشليم بتبكيت الروح القدس ونخسوا في قلوبهم نتيجة سماعهم لكلمة الله على فم الرسول بطرس ، فسألوا بطرس وباقي الرسل : ( ماذا نعمل أيها الإخوة ؟  فأجابهم بطرس ، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح ، فيغفر الله خطاياكم ) " أع 38:2" . إذاً التوبة والأعتراف أولاً ، ومن ثم المعمودية بالماء والروح القدس فيتجدد الإنسان ويولد من جديد ليصبح خليقة جديدة ( طالع 2 قور 17:5 ) .
الروح القدس هو معلم لأبناء الكنيسة المقدسة وكما قال الرب لتلاميذه ( وأما المعزي الذي سيرسله الآب بأسمي فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم ) " يو 26:14 " . الروح القدس هو مصدر القداسة ومعطي القوة للمؤمنين ( روم 4:1 ) لهذا السبب قال يسوع ( لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم ) إنها قوة إلهية  به يقدس قوة وقدرة الإنسان ، لهذا قيل ( لا بالقدرة ولا بالقوة ، بل بروحي قال رب الجنود  ) " زك 6:4" . وبقوة الروح يحيى الإنسان ( روح الله هو كَوّنَني ، ونسمة القدير أحيَتني ..) " أي 4:33" .
من فوائد الروح القدس في حياتنا ، إنه سيقيمنا من بين الأموات ، كما أقام المسيح ( طالع رو 11:8" كما إنه يثمرنا ، والثمر الروحي هو دليل الحياة الروحية ( وأما ثمر الروح ، فهو المحبة والفرح والسلام ، وطول الأناة واللطف والتعفف ) " غل 5: 22-23" .
 الروح القدس يعطينا الحكمة والفهم ( أش 1:11) ورأس الحكمة مخافة الله ( مز 10:111) فالإنسان الذي لا يخاف الله لا يخلص ، لأن مخافة الله هي التقوى الحقيقية .
الروح القدس يشفع فينا ، فالمسيح ليس الشفيع الوحيد عند الآب ، بل الروح القدس أيضاً ( طالع رو 26:8 ) علماً بأن شفاعة يسوع الكفارية تختلف عن باقي الشفاعات . طالع مقالنا عن هذا الموضوع على الرابط:
http://www.ishtartv.com/viewarticle,71955.html

كذلك الروح القدس هو روح النعمة والصلاة ( أفيض على بيت داود وسكان أورشليم روح النعمة والتضرعات ) " زك 10 :12 " وهنا المقصود زمن العنصرة .
 في الختام نقول : الروح القدس هو روح التبني التي يختمنا في المسيح يسوع ويشهد لنا إننا أبناء الله ( يو 12:1 ) . كما يقول الكتاب ( إذا آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس ) " أف 13:1 "
نحن المؤمنين نلنا الروح القدس بعد العماد بمسحة الميرون المقدس لكي نثبت في المسيح ، لا يجوز أن ننال الروح القدس قبل العماد ، وهكذا بعد عماذ المسيح في نهر الأردن نزل عليه الروح القدس . و مسحة الروح القدس التي ننالها بعد المعمودية تثبتنا في الإيمان المسيحي ( وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس والمسحة تعلمكم كل شىء ... وتثبتكم ) " 1 يو 2: 20 ، 27 " للمزيد طالع ( 2 قور 1 ) .
نطلب من الرب يسوع ليرسل روحه القدوس فيتجدد وجه الأرض

2
[/العنصرة … هل حل الروح القدس على التلاميذ مرتين ؟

بقلم / وردا أسحاق قلّو

http://www.m5zn.com/newuploads/2019/06/10/jpg//m5zn_de9424d6af8ad2b.jpg

( جئت لألقي على الأرض ناراً ، فلكم أود أن تكون قد أشتعلت ؟ )[/color]” لو49:12″
عيد العنصرة هو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين بعد قيامة الرب من بين الأموات   ، ويسمى ( بنطيقوسطي ) ، وهو يوم ميلاد كنيسة المقدسة .
أنتهت رسالة الرب على الأرض فصعد إلى السماء ليجلس على عرشه الذي نزل منه ، لكن الراعي الصالح لا يترك قطيعه لوحده ، بل وعد بأرسال المؤيد إليه ، إنه الفارقليط ، وعمل الفارقليط هو كعمل المحامي القدير المدافع عن الشخص الذي يوشك الحكم أن يصدر عليه ، فهو المُعين بأرشاده وسلطته وقوته ، إنه المعزي والمٌعين لأبناء الكنيسة المجاهدة.
أنذر الرب تلاميذه قائلاً بأن العالم سيبغضكم من أجل أسمي ، وهذا يتطلب إلى مجابهة أكبر القوى في العالم وبشجاعة ، لهذا أرسل الرب إليهم الفارقليط لكي يسندهم ويتحدث عنهم ليكون بمقدورهم الأستمرار في نهجه حتى موعد مجيئه ، وحسب قوله ( لكني أقول لكم الحق ، لإنه خير لكم أن أنطلق ، لأنه أن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ) ” يو 7:16 ” . الفارقليط هو نار الروح القدس .
 النار كثيرة الورود في الكتاب المقدس ، وتدل على ما يطهر أو ما يهلك ، أما نار الروح القدس الذي نزل على التلاميذ حسب وعد الرب يسوع صاحَبَ حلولهِ آيات عجيبة ومنها موهبة التحدث باللغات وقد صَدّقها الغرباء من اليهود القادمين من أرض الشتات المحتشدين في أورشليم ، وتسبب هبوب ريح عاصف دفعهم إلى الحضور أمام التلاميذ ، فحصلوا على الإيمان بسبب وعظة بطرس الذي تحدث عن صلب يسوع وأعجوبة قيامته وصعوده إلى المجد . 
الروح النازل على التلاميذ أخذ مما للمسيح من أسرار لكي يخبر أبناء الكنيسة به ، وكما قال يسوع له المجد: ( ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به ) ” يو 14:16 ” 
بعد عشرة أيام من صعود الرب والتلاميذ إلى العلية مع العذراء مريم حل الروح القدس عليهم كألسنة من نار ” أع 2:3-4″ وهذه النار ألهبت  قلوبهم الضعيفة وأرواحهم ومنحتهم القوة فتحولوا الى شعلات من نار أنتشرت في المسكونة كلها ، فأشعلوا العالم بنار الكرازة ونورها ، فهل هذه النارهي التي قال عنها يسوع في قوله :
 ( جئت لألقي على الأرض ناراً ، وما أشد رغبتي أن تكون قد أضطرمت )
 ” لو 49:12″ .
 يسوع هو الله ، والله هو النار، وكما تقول الآية ( إلهنا نار آكلة ) ” عب 29:12″ و” خر 17:24″
والله هو المحبة . إذاً النار التي زرعها الله هي  كناية عن الله والمحبة ، وهي أيضاً رمزاً للقداسة الحية والمطهرة للذنوب  . فكل من تدخل هذه النار في جوفه سيلتهب من الغيرة والقوة ليصبح حاراً في  الروح ” رو 11:12″. لهذا السبب لم يهدأوا الرسل المعروفين بالخوف  والضعف  والهزيمة بعد القاء القبض على سيدهم ، بل أشتعلت فيهم نار الغيرة والشجاعة  للعمل لأن الروح زرع فيهم المواهب فأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ،  فعندما تجمع الناس حولهم بسبب سماعهم ذلك الصوت السماوي المدوي سمعوا الرسل  يتكلمون وهم جميعاً يفهمونهم كل حسب لغته . فدهشوا ، وتعجبوا وآمنوا بسبب عظة بطرس الأولى والذي أشار بها إلى نبؤة يوئيل النبيعن حلول الروح القدس ، فقال :
( يقول الله في الأيام الأخيرة ، أني  أفيض من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ، ويرى شبانكم رؤى ، ويحلم  شيوخكم أحلاماً ، في تلك الأيام أفيض من روحي على عبيدي كلهم ، رجالاً ونساءً فيتنبأون)  “أع 17:2″
 أنضم في ذلك اليوم المقدس نحو ثلاثة  آلاف نفس الى الإيمان . إذاً نار الروح القدس هو قوة من فوق ، كما هو درساً مهماً نأخذه من عطايا يوم الخمسين . فكل من يلتهب قلبه من هذا النارفلا أحداً يستطيع أطفائها .   مثال : لما طلب قادة اليهود من بطرس ويوحنا أن لا ينطقا البتة  بهذا التعليم ولا يعلما بأسم يسوع الناصري فكان الرد ( … نحن لا يمكننا أن لا نتكلم ) ” أع 4: 18-20″ و السبب يعود الى الروح القدس الذي كان
 يعمل فيهم كنار.  فبطرس الذي نكر المسيح بسبب خوفه ،  بعد حلول روح الرب عليه محا منه ذلك الخوف فملأ العالم تبشيراً وتعليماً ، ولم يستطيع أن يصمت رغم السجون  والجلد والتهديد والإهانة ، و لم يصمت أبداً حتى على الصليب المقلوب .   الكلام الذي ينطقه الإنسان الذي يعمل به روح الله ، يكون مدوياً في آذان سامعيه ، فيترك فيهم آثار عميقة  لأنها منبثقة من مصدر ناري ذو تأثير إلاهي ، فبولس الرسول عندما كان أسيراً عند فيلكس الوالي ، تكلم عن البر، والعفاف  ، والدينونة . خاف الوالي من كلمة هذا الرجل الأسير لأن كلامه كان نارياً ومدوياً ومخيفاً في قلب الوالي” أع 25:24 ” وهكذا يطلب بولس من المؤمنين أن يكونوا حارين في الروح ، لأن روح الله الحال فيهم يشعلهم بحرارته ” رو 11:12  الروح القدس الذي أرسله الأبن الينا يساندنا كمغتربين في هذا العالم  لبنيان الكنيسة ، ونشر كلمة الأنجيل لتنوير العالم . فالروح القدس يعطي للمؤمن المعمذ والممسوح بالزيت المقدس القوة والتبرير بأسم المسيح وبروح إلهنا ” 1 قور 11:6″ . هكذا يولد الإنسان من جديد لأنه يغسل بالميلاد الثاني ، ويجدد بالروح القدس ” تي 5:3″ . هذا الروح يعلن للمؤمن  أسرار الله والملكوت ويرشده الى  المعرفة، فيشهد للمسيح بأنه الرب . فلا أحد يستطيع أن يقول ( يسوع الرب )  إلا بالروح القدس ، كذلك سيعطي الروح المواهب للمؤمنين وذلك عندما يسلكون بحسب الروح ، وهذه هي ثمار الروح القدس :  ( محبة ، فرح ، سلام ، طول الأناة ، لطف ، صلاح ، إيمان ، وداعة ، تعفف ) ” غل 22:5″  وهكذا يعرف المؤمنون من ثمارهم . الروح القدس يعمل في كل أسرار الكنيسة ، وكل الأسرار تعطي عن طريق الكاهن الذي يتمم السر ، والسر يعمل في المؤمن الذي يمارس ذلك السر .
هل حل الروح القدس مرتين على التلاميذ؟
  أعطي الروح القدس للرسل مرتين ، الأولى في أول لقاء الرب بهم بعد  قيامته من بين الأموات ، حيث التقى مع الرسل العشرة بغياب توما عندما نفخ  في وجوههم وقال لهم ( أقبلوا الروح القدس . ومن غفرتم خطاياهم غفرت لهم ، ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت ! ) ” يو 23:20″  يجب أن لا ينتابنا الشك بأن توما قد حرمه الرب من تلك النعمة والتي هي نفخة  الكهنوت المقدس . لأنه ( وبعد ثمانية أيام ، إذ كان تلاميذه مجتمعين ثانيةً داخل البيت وتوما معهم ، حضر يسوع …. ثم قال لتوما ” هات أصبعك إلى هنا … ) ” يو 20: 26-29 ” لكنه لن ينفخ في توما كما نفخ في باقي التلاميذ .  يجيب على هذا السؤال القديس كيرلس الكبير قائلاً بأن هذا  يربط بين نفخة الروح القدس لتلاميذ الرب وبين ما قام به موسى عندما اشتكى  الى الرب من ثقل الشعب عليه ، فأمره الرب بأن يجمع سبعين شيخاً لكي يساعدوه  في الخدمة . فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي على موسى وجعله على السبعين شيخاً . فلما حل عليهم الروح تنبأوا .  أما الرجلين الداد وميداد الغائبين عن الأجتماع فحل عليهم روح الرب أيضاً  وهم في المحلة وتنبئا رغم كونهما خارج الخيمة .
  يضيف الأنبأ كيرلس ويقول  هكذا توما أخذ النفخة لخدمة الكهنوت مع عدم تواجده ” عد 11: 10-29 . المرة  الثانية حل الروح القدس على التلاميذ  في يوم الخمسين  . أما مواهب الروح القدس فمختلفة ، لكن الروح واحد ، وهناك خدمات وأعمال مختلفة ( طالع المواهب الروحية في ” 1 قور 12 ” ) . الروح القدس غيَّرمن طبيعة التلاميذ الضَعيفة ، فأخذوا  قوة للشهادة والكرازة والخدمة . هذه القوة التي وعَدهُم بها السيد عندما قال لهم ( ها أنا أرسل أليكم موعد أبي ، فأقيموا في أورشليم إلى أن تلبسوا قِوة من الأعالي ) ” لو 49:24″ .
نزل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين مع العذراء مريم في العلية على شكل ألسنة ( كأنها من نار ) ” ” أع 3: 2-4″  . نور الروح القدس أنار التلاميذ ، وبقوته جعل منهم رسلاً فتهيأوا لبشارة العالم . كما أن نور هذا الروح غيّرَ الوثنيين أيضاً بغير علمهم في الغالب فتلقنوا بكلمة الحق الذي حررهم من الظلاو . وهذا الروح يهيأ في كل الأزمنة عشاقاً للحقيقة فيعلنوا إيمانهم معترفين بنور المسيح . كنيسة المسيح بدأ تاريخها مذ ذاك فبدأ تاريخها بعد أن تعمدت بنار الروح القدس .الذ هو  المعين السماوي الموعود ، بل إنه إتمام لوعد الرب يسوع لتلاميذه الذين ملأوا به .
 ترمز النار الى قدرة أعمال الروح القدس . وهكذا عمدّوا الرسل البشرية بالنار والروح كما أشار يوحنا المعمدان الذي بشر بالمسيح قائلاً (…هو سيعمدكم في الروح القدس وبالنار ) ” لو 16:3″  مكثت قوة الروح القدس مع التلاميذ على الدوام فكانوا يشهدون للرب بدون خوف .
أما الفرق بين حلول الروح القدس في العهد القديم على الأنبياء والملوك وبين حلوله في العهد الجديد هو،  في العهد القديم قد يفارق الروح من حل عليهم ” 1 صم 14:16 ” ولكنه في العهد  الجديد لا يفارق المؤمنين المعمدين وحسب قول معلمنا يوحنا الرسول ( … وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابته فيكم ) ” 1يو27:2″ . لكن عندما يخطئون المؤمنون يحزنون الروح القدس ” 1 تي 30:3  أو يطفئون  قوته وحرارته ، لكن الروح لا يسكت بل يستمر في العمل ويبكت الخطيئة لكي  يقود ذلك الخاطىء الى التوبة ” يو 8:16″ . أما الحارين في الروح كالرسل ، فعاشوا حياة التقوى والجهاد ، فاستمر الروح عاملاً فيهم بقوة .
سنكمل الموضوع بموضوع آخر عنوانه ( عمل الروح القدس في حياتنا ) .
ولروح الله القدوس المجد دائماً 
 

3

القديس مار يعقوب مؤسس دير بيث عابي

إعداد / وردا أسحاق قلّو

ولد القديس يعقوب الراهب في مدينة لاشوم الواقعة على مسافة 12 كم شمال شرق داقوق ، في منطقة بيث كرماي ( كركوك ) واقام سنين طويلو في أماكن شتى . فكان يعلم ويقرأ الكتب للآخرين وكان يحب أن يسكن منفرداً في مواضع هادئة . صعد إلى دير ( إيزلا ) وتتلمذ لربان مار دادا يشوع ، وأقام منزوياً في الصومعة التي كان يسكنها الطوباوي مار يعقوب أسقف نصيبين الذي توفي سنة 338 م . بعد أنتقال مار داد يشوع إلى الحياة الأبدية خلفه مار باباي في رئاسة الدير ، أما الربان يعقوب فأختار لنفسه التواضع وعدم مبالات بأعتبار الناس له كأنه غريباً بينهم وبعيداً عن أمجاد هذا العالم ، فحسب ذاته إنه أصغر راهب في الجمعية الرهبانية ، بينما كان عظيماً ورفيع الشأن لدى الله رب العالمين . أما عند الجهلة فكان محتقراً ومرذولاً بسبب تقشفه وتجرده . وقد أصبح عرضة لهجمات كثيرة وشدائد مختلفة سببها له الشياطين المردة هناك . ولكنهم عندما لم يجدوا إلى التغلب عليه سبيلاً ، أثاروا عليه فتنة .

الطوباوي مار أيليا الحيري ، وهو أحد تلاميذ مار أبراهام الكبير ومؤسس دير مار أيليا قرب الموصل والذي كان ساكناً في نفس الدير أكتشف خطيئة في بعض الرهبان الساكنين حول الدير ( تزوجوا من نساء وسكنوا معهن في صوامعهم وأنجبوا منهم أطفال ) فنقل الخبر مفصلاً إلى رئيس الدير مار باباي ، وبعد التحري في الأمر والتأكد من صحته ، تم نزع الثوب الرهباني عن المخالفين وحلقوا رؤوس هؤلاء الرهبان وطردهم ونسائهم وأولادهم وأخرجوهم من هناك ، وأضرموا النار في صوامعهم وأحرقوها .  من الدير ، ولم ينتهي الأمر بهذا ، بل أستمر الشيطان بخطته لتدمير الدير كله والنيل من الصالحين في الدير وخاصة من القديس يعقوب ، فقرف هذا القديس بتهمة على لسان مار إيليا ، فقال أن مار يعقوب متهم أيضاً لأن صومعته كانت قريبة من مساكن الرهبان المطرودين وكان يعلم بسيرتهم وأخطائهم لكنه أخفى الأمر كل هذه المدة دون أن يفضح سلوكهم فقرعه مار إيليا بالقول ( أن هذا الذنب كله ذنبك ، وعلى عاتقك تقع مسؤلية هذه الخطيئة كلها فإنك لو كشفت الأمر وأظهرته لنا من البدء لكانوا يؤدبون أو يطردون ) لكن في الحقيقة كان مار يعقوب أشد الناس وداعة وتواضع ، وكانت عينيه من الطهر بحيث لم يكن ليرى الشر في قريبه ، ولم يضر إنساناً طيلة حياته ، ولم يزجر أو يوبخ أحداً ، بل كان نظره محفوضاً وعيناه مغروقتين بالدموع وقلبه مفعماً بالندامة المقرونة بالأنسحاق حسب ما تأمر به حكمة الرب . طرد ما باباي يعقوب فخرج من الدير وأرتحل مع تلميذ طاهر قديس كان قد لزمه منذ أمد بعيد يسمة برنون ، فذهبا إلى جبال قردو الواقعة شرقي دجلة والمقابلة لمنطقة بيث زبدي . كتب عليه الرئيس الموقر حرماً كثير المواد مشحوناً بالوشايات والإدانات .

غادر الدير لأنه أدين بغير عدالة وقرف بغير حق ، لم يحكم على أحد ولم يقابل أحداً من الذين أدانوه ، بل فوض الأمر كله إلى الله الذي سيدين المسكونة بالعدل . بعد خروج الطوباوي يعقوب عاين الآباء القديسين في الدير ما حدث من ظلم على هذا القديس البرىء فأضطرمت فيهم نار الغيرة وأخذوا ينحون باللائمة على رئيس الدير ويذمونه ويصخبون عليه قائلين ( إنك لا تدبر الشؤون الإلهية بعدالة ، بل حسب الهوى البشري وبميل غير حميد ، فأنك نسبت الذنب إلى الطوباوي يعقوب المتواضع بدون علم منا وطردته بدون مشورتنا ، فأرسل إذاً في أثره حيثما هو ، وإلا فإننا سنغادر المكان كلنا ). لما رأى مار باباي أن آباء جمعيته القديسين قد ثاروا عليه ، أسقط في يده ولم يحر جواباً ، إذ لم يكن يعرف إلى أين توجه الطوباوي مار يعقوب . وهكذا بدأت الأمور طفيفة وتدرج منها إلى كبيرة فغادر الجميع الدير لأن الرباط الذي كان يجمع شملهم قد أنفرط ، فغادر الجميع الدير وتوزع المنتسبون إلى مجاميع صغيرة نتيجة الخصام ، فأسسوا أديرة كثيرة لكي يخزوا الشيطان وينالوا من خطته الذي أراد تبديدهم . سبق هذا الحدث القديس مار برعيتا الناسك البصير فرأى بعين الروح هذا التشتت قبل أن يبدأ ، فدعا يوماً شيوخ جمعيته وقال لهم : أيها الأخوة تجري في العالم أمور مثير يخالها الأنسان بظواهرها ناجمة من هجمات الشياطين أو الميول البشرية ، غير أن الرب الإله يستهدف من ورائها إنجاز تدبير إرادته على أحسن وجه ، وعندما يعرف المتبصرون إنها ليست بدون أمره وإنها جرت لكي تؤدي بالعقلاء إلى تمجيده كما جرى الأمر في هرب يعقوب من عيسو . وفي بيه يوسف ، وهروب موسى بسبب مصرع المصري ، وإضطهاد شاؤول لداود، وكذلك الشأن مع جمعية أبينا القديس مار أبراهام .

بعد المغادرة كان مار يعقوب يسكن في جبل قردو ، وكان أحد القديسين يسكن بجواره . أستلم رسالة سماوية من إمرأة  رآها جالسة فوق شجرة كمثري ، مفادها ( قم وعد إلى صومعتك ، فإن الله سيقيم على يدك ديراً عظيماً يشتهر في الشرق كله ، وخذ أنجيلي هذا الذي قد أمحى قليلاً وأعطيني أنجيلك ... ) ولم يشتبه مار يعقوب الفاضل في كلامها الذي تم بحذافيره ... لتحل الرحمة علينا في يوم الدين بصلواته وصلواتها وصلوات كل الذين يتقون الله .  حين سمع الرسالة من تلك المرأة القديسة علم أن إرادة الله هي أن يعود إلى السكنى مع الناس ، ويصبح أباً ومربياً لرهبان ، مع إنه كان يفضل البقاء في حياة النسك بعيداً عن عشرة الناس ، ةوأن يكون مسكنه مع الحيوانات ليبقى فكره بعيداً عن الأمور البشرية ويتسر له الأتحاد مع الله بالهدوء والسكينة . رضخ للعناية الإلهية فعاد مع تلميذه الوديع إلى بيث عابي ، ألتحق به تسعة أخوة  . ألتقى بربان برحذبيشا فقبله بحنان وسر به جداً وذهب بصحبته إلى بيث عابي وتنبأ له بنجاح ديره وبالأزدهار العظيم الذي يوايه المسيح الرب لجمعيته ، وقد مكث معه زمناً يسيراً ثم عاد إلى صومعته وديره . غمره الأبتهاج والفرح حينما التقى مع أخوته فتبادل معهم القبلة المقدسة كما فعل ابينا يعقوب مع أبنه يوسف وذرف الدموع بسبب فرحه الداخلي وأقام معهم كل أيام حياته بالتواضع الذي عمله الرب لتلاميذه إذ قال ( تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لأنفسكم ) " مت 29:11"  .

كان زمن مجىء مار يعقوب إلى دير بيث عابي في أيام الملك كسرى بن هرمزد عام ( 590 ) م ، وأراد كسرى أن يبني ديراً لأمرأته شيرين في مقاطعة بلشفر المجاورة للحدود العراقية الأيرانية ، وتشمل منطقة خانقين وحلوان ، وهناك يقع قصر شيرين . كما أرسل كسرى وزير ماليته ( شمطا أبن الطوباوي مار يزدين ) وهو من أهالي كركوك إلى مدينة الرها لكي يجلب من هناك كتب الطقس والأسفار المقدسة لتكون في ذلك الدير ، فجلب لرباننا كتباً كثيرة لينتسخها .

عمل مار يعقوب عجائب كثيرة منها ، زجر النار التي نشبت في الدير فأنطفت ، والسيل الذي تدفق في كلا الواديين فخرج إليه وردعه ولطف إنحداره لئلا يستأصل الدير مع الهيكل في المكان الأول الذي كان مبنياً فيه . كما كان يطرد الشياطين . كما أمر المخلع الذي يقول ( لك أقول أيها المخلع ، قم أحمل سريرك وأمضي إلى بيتك . ) هكذا أيضاً أمر مخلعاً آخر كان يسكن بيت الشهداء وكان يزحف على بطنه حتى قفز في وسط الهيكل فساد الفرح والغمرة والأبتهاج بالحاضرين .

قال الحكيم ( أن الصديق السائر في سلامته ، طوبى لبنيه من بعده لأن أجراء الحكم فرح للصديق ).

مات الصديق مار يعقوب ولعله لم يمت ذلك الذي خلف وراءه كثيرين أمثاله ، وتتلمذ على يده جمع غفير بلغوا الثمانين رجلاً كتبت أسمائهم في سفر الحياة . أمر القديس يعقوب أن يخلفه الأنبا يوحنان الشيخ ( سابا ) الذي كان ند للقديس يعقوب .

نطلب شفاعة القديس يعقوب ليسود السلام والوئام اليوم في بلاد النهرين الذي عاش على أرضه ، ولتحل بركاته علينا جميعاً   


4
الصعود (ܣܘܠܩܐ ) يثبت آلوهية المسيح
بقلم/ وردا أسحاق قلّو


 


كتب داود النبي عن الصعود ، قال ( صعدت إلى العلى وأسرت أسرى ، وأخذت البشر ، حتى المتمردين ، هدايا  ) " مز 18:68 ، كذلك طالع أف 8:4 "
تحتفل الكنيسة بيوم صعود الرب إلى السماء بعد أن بقي على الأرض أربعون يوماً بعد قيامته ليلتقي مع المؤمنين من أجل أن يثبتهم في الأيمان ، ويوضح لهم موضوع القيامة ، وكذلك أعدادهم لمرحلة التبشير وإعلان ملكوت الله في العالم أجمع . نفخ يسوع في الرسل نفخة الكهنوت ، ووعدهم بأرسال المُعَزّي الذي سيرشدهم ويذّكرهم بكل ما قاله لهم أثناء خدمته معهم .
 يوم الصعود كان يوم توديع المؤمنين للرب إلى السماء . غادر هذا العالم ليعود إلى عرشه السماوي ، لم يختفي عن أنظارهم فجأة كما حصل في لقاءاته معهم بعد القيامة ، بل انطلق من الأرض لكي يروه بعيونهم ، ذلك الذي صعد في مجد متحدياً قانون الجاذبية الأرضية ، وعدنا نحن أيضاً بالصعود متحدين أيضاً جاذبية هذا العالم بجاذبية قوته الإلهية لكي يجذبنا إليه وبحسب وعده ( وأنا إن أرتفعت أجذب أليّ الجميع ) " يو 36:12" . بعد الصعود توقفت ظهورات المسيح بجسده المرئي . ظهر لبولس ولقديسين آخرين لكن بطرق آخرى كعلامة للمؤمنين بأنه حاضر في العالم بطريقة عجائبية يومياً إلى نهاية هذا العالم وبحسب وعده ( وها أنا معكم كل الأيام إلى أنتهاء الزمان ) " مت 20:28".
عاد يسوع إلى السماء الذي جاء منه ، وكما صرح لنيقوديموس ، قائلاً ( ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ، أبن الإنسان الذي هو في السماء ) " يو13:3" أي رغم كونه حينذاك مع نيقوديموس ، كان في الوقت نفسه في السماء ، لأنه الإله الموجود في كل مكان وزمان .
صعد يسوع وجلس على يمين قدرة الله وكما قال لرئيس الكهنة أمام مجلس الشيوخ ( مر 62:14) أبصره القديس أسطفانوس أثناء رجمه ، وكان يسوع قائماً عن يمين الله ( أع 7: 55-57 ) ,
موضوع صعود المسيح إلى السماء بقدرة يثبت آلوهيته ، فكما أن ميلاده المعجزي وقيامته من بين الأموات بقوته الذاتية لكونه هو واهب الحياة تثبت آلوهيته ، كذلك بصعوده المجيد إلى السماء أثبت قدرته الآلوهية للجميع . بعد الميلاد مباشرةً ظهر ملاك الرب ، وفي القيامة أيضاً ظهر ملاكان . كذلك في الصعود ظهر رجلان بثياب بيض ليقولا للتلاميذ المودعين لربهم ( ...هذا الذي أرتفع عنكم إلى السماء ، سيعود منها مثلما رأيتموه منطلقاً إليها ) " أع 11:1" . لماذا رجلان وليس ملاكان ؟ هناك من يعتقد بأن الرجلان كانا موسى وأيليا كما ظهرا على جبل التجلي للرسل الثلاث . سيأتي يسوع أيضاً بمجد عظيم على سحاب السماء مع ملائكته القديسين ، حينذاك سيجذبنا نحن المؤمنين به على السحاب ، فنكون معه في كل حين ( طالع 1 تس 17:4 ) .
صعود المسيح هو الأنتصار الأخير وخاتمة زيارته إلى شعوب الأرض . بعد صعوده أعلن ذلك الأنتصار ، وبيّنَ للجميع مركزه الحقيقي بعد جلوسه عن يمين الآب السماوي ، يقول الكتاب ( فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة ، وكل أسم يسمى ليس من هذا الدهر فقط ، بل في المستقبل أيضاً ، وأخضع كل شىء تحت قدميه ) " أف 1: 20-21" . إنه الأنتصار النهائي على أعداء البشرية ، وهّم الخطيئة والشيطان المحرض لها والموت الأبدي .
يسوع الذي صعد إلى السماء هو كنزنا الأبدي الثمين ، فعلينا أن نرفع أبصارنا إلى العلا ، حيث المسيح الجالس على يمن أبيه ، وكما أوصانا بقوله ( لأنّهُ حيثُ يكون كنزكَ هناكَ يكونُ قلبكَ أيضاً ) " مت 21:6" . والرسول يقول ( إذ نرفع أنظارنا عن الأمور المنظورة ونثبتها على الأمور غير المنظورة إنما هي إلى حين ، وأما غير المنظورة فهي أبدية ) " 2قور 18:4 ".  وعطية حياتنا الأبدية والمجد الأبدي هي الأتحاد بالمسيح الصاعد إلى السماء ، هذا الذي قال لأبيه ( إني أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ، ليكونوا واحداً كما نحن واحد ) " يو 22:17 .
المجد لأسم يسوع الصاعد إلى عرشه السماوي


5
العريس يسلم عروسته للأعداء لتأديبها
بقلم / وردا أسحاق قلّو
( في الليالي على فراشي طلبت من تحبه نفسي ، طلبته فما وجدته ) "نش 1:3"
أختار الرب شعباً له من ذرية أبراهيم الذي كان من أور الكلدانيين . من هناك أنطلق أبراهيم إلى حاران الآرامية إلى أرض كنعان في الألف الثاني ق. م . لكنه لم ينسى بلاد آبائه لهذا أبى أن يأتي بأمرأة لأبنه من بنات الكنعانيين ، فأتى لأسحق برفقة من عشيرته ، ويعقوب تزوج من ليئة وراحيل بنات خاله لابان بعد أن خدمه لمدة عشرين سنة ، ورغم تلك الخدمة الطويلة كان لابان يسلب حقوق يعقوب . هرب يعقوب بزوجتيه وأولاده وغنمه فطارده لابان لكي ينتقم منه ، لكن الله تجلى له في الحلم وهدده لكي لا يلحق بيعقوب الأذى ، لكن هل توقف بني ( الأم ) من الأنتقام من ذرية أبراهيم ؟
يعقول هو أبي الأسباط الأثني عشر ، ومن نسله كان شعب الله المختار الذي يسميه سفر ( نش ) عروس الله ، والله يناديه ( يا حبيبتي ) . الله حافظ على شعبه منذ البداية ، وأراد من أمة الله المختارة أن تسير وفق وصاياه لكي يحميها من أعداءه . هو الذي أخرجها من ظلم فرعون في مصر بيد قوية ، وأختبر أيمانها لمدة أربعين سنة في صحراء سيناء ، وأعدها لأستلام أرض الميعاد , أخبر موسى الشعب بكل وصايا الله للعمل بها قبل دخوله إلى الأرض الجديدة التي سيهبها الرب لهم لكي يعبدوه من دون آلهة غريبة ، ويخافون تعاليم الرب لكي لا يغضب عليهم ويسلمهم إلى أيدي أعدائهم .
دخلت العروس ( أمة الله ) أرض الميعاد التي وهبها لهم في أرض كنعان بعد أن طرد منها شعوب كثيرة . بنوا في أورشليم هيكلاً عظيماص للرب بدلاً من خيمة الأجتماع التي كانوا ينقلونها معهم في رحلاتهم . ليعبدوا فيه الله خالقهم . والله أحبهم كمحبة العريس لعروسته ، وكذلك أحبت العروس عريسها ، فقالت عنه ( يا من تحبه نفسي " قلبي " ) إنها ناطورة لكم الرب في بيت أسرائيل ، لكنها خسرت خيراتها بسبب خيانتها ، زنت مع آلهة أخرى وكسرت الوصايا ، فأخذ منها الكرم ، كما قال أشعياء ( أقول لك ، ما أفعل بكرمي : أزيل سياجه فيصبح مرعى ماشية ، وأهدم جدرانه فتدوسه الأقدام ) " أش 5:5 " . فبدل أن تعمل العروس في كرمها ، حكم عليها بالطرد إلى أرض غريبة ، لكي تعيش في المنفى . سلمهم العريس إلى بني أمهم لكي يصبحوا لهم خداماً كما كان يعقوب خادماً في بيت خاله لابان ، فيعيدون عبيداً في بيت الآخوال بنو نبوخذنصر الظالم وكما كانوا لفرعون عبيداً ، عادوا إلىأعمال السخرة التي يفرضها عليهم مضايقوهم وبلا رحمة في أرض بابل ولمدة سبعون سنة عقاباً لهم لأنهم تركوا الرب ألاههم الذي أخرجهم من مصر . وهكذا أيضاً أنتقم الله من شعبه المختار في العهد الجديد عندما خانه ليعبد إله الإلحاد في جمهوريات الأتحاد السوفيتي وأيضاً لمدة سبعون سنة وبعدها عاد إلى إلهه الحقيقي بقوة كما عاد شعب أسرائيل من بابل .
سلم الله عروسته ( شعبه ) بيد نبوخذنصر ملك بابل الذي دمر أورشليم والهيكل وسلب كل أوانيه المقدسة وأقتاد شعب أسرائيل إلى بابل كأسرى مذلولين ، وبنوا الأخوال هم الذين أساؤوا معاملة شعب أورشليم .
كلمات الكتاب المقدس تحدثنا عن العروس المنفية إلى ديار الأخوال ، هناك تعيش في أنتظار وشوق عميق إلى عريسها الحبيب . إنها مشتتة بين الشعوب الوثنية بلا راعي ، ترعى في مراعي الغرباء بعيدة عن جبال أسرائيل وبلا راعي . العروس هو الراعي الصالح الذي كان يجمع غنمه ويعيدها إلى حظيرتها الأصلية وهي كانت تعرف صوته . وكما يقول النبي حزقيال في ( 34: 12-15 ) .
لا تعلم العروس إلى متى ستعمل في كرمة الأعداء ، إلى متى تبقى شاردة بسبب خيانتها ، حتى تستعيد إلى مسكنها على جبل صهيون ؟ صارت العروس الخائنة كأمرأة شاردة مطرودة ، وكل همها هو أن تعود إلى عروسها وراعيها . إلى ذاك الذي قيل عنه في " إر 10:31 " ( من بدد إسرائيل يجمعها الآن ويحرسها كراع قطيعه ) بددها وحكم عليها تخدم قطيع رعاة بابل . هناك وعلى أنهار بابل كانت العروس المهانة ترتل وتقول :
( على ضفاف أنهار بابل جلسنا وبكينا عندما تذكرنا أورشليم ، هناك علقنا أعوادنا على أشجار الصفصاف ، هناك طلب منا الذين سبونا أن نشدو بترنيمة ، والذين عذبونا أن نطربهم قائلين : أنشدوا لنا ترانيم صهيون ) " مز 137: 1-3 " .
 بدل أن تفلح العروس كرمها وتعمل لحسابها برب عريسها ، حكم عليها بسبب خيانتها بأن تسبى إلى أرض غريبة ، وهناك عاشت في المنفى مهانة ، تعمل في كرم الكلدانيين ، كروم نبوخذنصر ، هناك عاشت في العبودية .
بعد تلك العقوبة ، تابت العروس ، فعاقب الرب أعدائها ، وسلم بابل إلى أعدائها الفرس لكي تعود العروس إلى حضن العريس .
 التوبة في البرية أو في السبي هي بداية أعراس جديدة للدخول إلى أرض كنعان ، وهناك ينتظرها العريس ، فقالت العروس لعريسها ( أين ترعى غنمك ؟ يا من تحبه نفسي ) هكذا عادت العروس إلى عريسها . بعد العودة من المنفى اقترب منها الحبيب واحتضنها بين يديه ، يسندها ، يعزيها ، يضمها ، حينئذ تنهدت العروس معربة عن سعادتها فقالت ( شماله تحت رأسي ، ويمينه تعانقني ) " نش 6:2" . صارت العروس بين يدي الحبيب القديرة ، يديه الحنونة . أنها اليدان التي تحميها وتضمها ، هي حركتان يقوم بهما الله المحب ، يفعل كما تفعل الأم التي تحضن طفلها ، أنه صراع طاهر كصراع يعقوب مع الملاك ، كان الملاك يسند بيديه رأس المصارع بعزم وحنان كحنان الأم لرضيعها ، وفي الوقت عينه تدخِل ركبته في وركه ، قهر يعقوب ، أنه طفل بين يدي أمه وحبيبه . أنه صراع  النفس التي تعود إلى الرب وتعيش في حضنه ، هناك سترى الأمان والراحة .
بعد فترة العقوبة وسماح الرب لعروسته بالعودة إلى دارها من بابل ، هل عاد جميع شعب اسرائيل المسبي إلى أسرائيل رغم التسهيلات التي قدمها لهم المستعمر الفارسي لأجل العودة وبناء الهيكل والذي أعادة لهم كل أواني الهيكل المقدس ؟ الجواب كلا ، بل العائدون بحماس إلى أرض الوطن والذين ساهموا بأعادة بناء الهيكل كانوا قِلة قليلة . كان على جميع الشعب المنفي من أرضه العودة إليه كما أعاد الرب جميع أسرائيل من مصر ( أش 16:11).لن يهتم كل الشعب بالعودة ، وحتى العائدون كان قسماً منهم حاملين معهم عادات الأمم الوثنية وآلهتها ، بل متزوجين قسماً منهم من الأمميات . والمؤسف جداً أن القسم الآخر فضلوا البقاء في بابل التي فضلوها على أرض الميعاد التي وهبها الرب لهم . فهل سيرثون تلك الأرض الغريبة كمواطنين اصلين في بلاد النهرين مهما طالت أقامتهم عليها ؟ الجواب كلا ، فرغم خدمتهم فيها بكل أمان ولأكثر من 2500 سنة ، تم أهانتهم وقتل الكثرين منهم وطرد الباقين مع الأستيلاء على ممتلكاتهم في نهاية أربعينات القرن الماضي ليعودوا مهانين إلى أرض كنعان ، أرض الآباء والأنبياء التي وهبها الله لنسل آبائهم أبراهيم وأسحق ويعقوب . وبسبب خيانتهم أخذ العريس الكرم منهم ، وأعطاه للأمم . لو عاد كل ذلك الشعب إلى أرض الميعاد بعد سقوط بابل لكان الكثيرين منهم قد آمنوا برسالة العريس ( يسوع المسيح ) له المجد عندما تجسد في أرضهم كما آمن الكثيرين من اليهود به كرسل وتلاميذ الرب وجمهور غفير فكان لهم الخلاص .
ليتمجد أسم العريس ، رب المجد

6
نشيد الأناشيد ... حب ، خمر ، قبلات  بين الحبيبين

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( طوال الليل على مضجعي طلبت بشوق من تحبه نفسي ، فما وجدته ) " نش 1:3 "

نشيد الأناشيد سفر من أسفار الكتاب المقدس الذي يُعبِّر عن حب الله لشعبه ، ولكل مؤمن به ، إنه حب روحي مقدس ، وكأنه كلام غزل .بين العريس والعروس . العروس تبحث عن حبيبها وتسعى إلى اللقاء به ، أو أنه سيصل إليها لكي يخطبها ويتزوجها ليسكنا معاً . نجد فيه جمال الحب الزوجي الطاهر .  يقال بأن سليمان الملك ألف مئات الأناشيد في القرن العاشر ق.م . وسفر (نش) هو واحد اً منها ، بل هو أفضلها .
لفهم لغة التخاطب بين العريس والعروس ، يقول ، هناك حب عاطفي بينهما ، وكلمات غزل طاهر في خد العروس ، في نهديها ، في عنقها ، في قامتها ، وحتى في أنفها . العروس تتحدث لتعبر عن حبها مع حبيبها ، فتارة تخاطبه بصيغة الغائب ، وأخرى وكأنه حاضر ، أو هو يخاطبها  ، فيقولا لبعضهما ( حبك أطيب من الخمر ) "10:4" و ( أشرب خمري ) " 1:5" و ( سرتك كأس مدورة ، لا تحتاج غلى خمرة ممزوجة  ) " 2:7" وكذلك ( كلامك خمر طيبة ) " 10:7 " . يكرر موضوع الخمر سبع مرات على شفاه الحبيبة والحبيب والذي يرمز إلى كمال العذوبة ، لأن الخمر يرمز في الكتاب المقدس إلى الفرح . يقول سليمان في سفر الجامعة ( أسلم جسده للخمر ) " 3:2" لأن الخمر يفرح قلب الأنسان ( مز 15:104) على أن لا يدخل الشارب في حدود السكر ، أي الخطيئة . الخمر الممزوج يرمز غلى الفرح الموجود في المؤمن ومصدره الروح القدس الساكن فيه .  كما أن الخمر في العهد الجديد يربط مع الحب ، فأولى معجزات يسوع كانت تحويل الماء إلى الخمر في عرس قانا الجليل ، وهناك أظهر مجده لأول مرة لتلاميذه فآمنوا به ( يو 11:2 ) . يسوع يعطي ويفيض . خمر قانا ربطه الرب بخمر العشاء الأخير بقوله للعذراء ( ساعتي لم تأتي بعد ) لأنه لن يأتي ليعطينا هذا الخمر ، بل أعطى لنا خمر دمه في الليلة الأخيرة ، في تلك الليلة حول الخمر إلى دمه الحقيقي وأعطاه لمختاريه ( لو 20:22 ) . خمرمن العريس ( الله ) إلى العروس ( الكنيسة ) .
نشيد الأناشيد يتضمن علامات حب بين الحبيب وحبيبته وتعَبّر عن كل مسرات هذه الدنيا ، كالخمر ، والقبلات ، والطيب أيضاً له دور كبير في كل أصحاح ، ويذكر عشر أنواع من الطيوب ، كالعطر ، الناردين ، الكافور ، المرّ ، البخور ...الخ ، ويقول ( رائحة عطورك تتجاوز كل عبير ) العطر يسحر الحبيب لكي يجذبه إلى حبيبته ومن ثم يدخل بها إلى أخاديره ( غرفة النوم ) أي إلى الحياة الحميمة , تقول العروس بفرح ، ادخلني الملك أخاديره . والملك هو ذلك المحبوب المعبود . هو ملك الشعب وعريسه . إذاً العريس هو الله ، وشعبه المختار في العهد القديم كان العروس . أنه حب طاهر بين الأثنين ، فكان العريس يدعو عروسته ( أختي العروس ) " 12:4 " كذلك كان صوت حبيبي يقرع الباب ويقول ( أفتحي لي يا أختي ، يا حبيبتي ، يا حمامتي ، يا كاملتي ) " 2:5 " كذلك العروس تخاطبه قائلة ( ليتك كنت أخي الذي رضعته أمي ) " 1:8"  .
في هذا السفر قصة حب ، يبدو حباً عاطفياً ، لكنه يفوق طبيعة الحب الجسدي لأنه حب خاص بالله مع شعبه . وحبنا نحن شعبه اليوم معه . وبواسطة هذا الحبيب سنكون على مستوى من الحب الناضج والمقدس لكون مستعدين دائماً لأستقباله ، إنه العريس . فمتى جاءنا وإن لم نكن مستعدين لأستقباله إذا طرق بابنا فأنه يمضي ويَعبِر . العريس استحلف بنات أورشليم بأن لا يقطعن على العروس راحتها ، بأن لا يُيقضها من رقادها . أو إنها هي لا تريد أن تنهض وتقتح له الباب رغم الطرق ونداء العريس ( يا لأختي ، يا حمامتي ، يا كاملتي ، أفتحي ) أما هي فتجيبه بجواب مقرون بالأعذار الواهية لكي لا تقوم وتفتح له الباب ، فتقول ( خلعت ثوبي فكيف ألبسه ؟ غسلت رجليّ .. ) أي إنها في راحة ولا تريد أن ترهق نفسها وتستقبل حبيبها الغالي . أو إنها تقول له ( أنا نائمة وقلبي مستفيق ) أي إنها غير مستعدة لأنها ما بين السهر والنوم ، إنها تشبه التلاميذ الثلاثة في مشهدي التجلي والنزاع عندما سيطر النعاس عليهم ، لهذا وبغهم العريس قائلاً ( ما بالكم نائمين ؟ ) . على كل المؤمنين أن يستعدوا لفتح الباب للمحب الذي يطرق باب قلبهم وهو يقول ( هاءنذا واقف على الباب أقرعه ، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب ، دخلت إليه لأتعشى على قُربٍ منه ) " رؤ 20:3" . علينا أن لا نتأخر بفتح باب الأيمان للرب وكما فعل القديس أوغسطينوس الذي تأخر بالأيمان  بالعريس ، فقال له ( أحببتك متأخراً أيها الجمال القديم الجديد . أحببتك متأخراً ، حين ينكشف هذا الجمال قريباً . حين يكون هذا الوجه مُشعاً ، حينئذ تبدو الخطورة بأن نميل عنه ولو لحظة . نعم لقد كنت معي ، ولكني من فرط شقاوتي لم أكن معك ) وهذا ما يطلبه العريس من الجميع بأن لا يتأخروا لأستقباله ، لأن التأخير هو خيانة للحبيب .
العروس أرادت أن تصور جمال حبيبها فاستعملت 22 أداة تشبيه منها ، الألوان ، المعادن الثمينة ن الحجارة الكريمة ، العطور ، الطيور ، عناصر الكون ، المياه ، الأرض ، الأزهار وغيرها . إلا أن جمال ذاك الذي ترسمه في مخيلتها يتعدى بعظمته حدود الكون والوصف . وحبه لا حدود له . لكن إيمانها يصنع المعجزة فيحول ألمها إلى نشيد ومديح يتيح لها خيالها أن تصور بنات أورشليم ، خليلها وأميرها الغائب القريب البعيد . جمال حبيبها لا يُعضبَر عنه بالكلمات لأنه جمال مطلق وثابت لا يتحول ، إنه الوجود الحقيقي ، بل أصل الوجود ن لا ينمو لأنه كامل ، ولا ينقص لأنه أبدي 

الله هو الملك والعريس . سأل بيلاطس البنطي يسوع ، فقال ( إذاً ، أنت ملك ؟ ) أجاب يسوع ( أنت قلت ) " يو 37:18 " . فكل ما يدور في هذا السفر وكأنه قصة حب بين الحبيب وحبيبته ، بل هو حب البشرية لخالقها ، وحب المسيح لعروسته ( الكنيسة ) .
عندما خانت العروس عريسها في العهد القديم ( شعب أسرائيل ) تركها لوحدها ، فجاء العدو من الشرق ليخطفها إلى بابل ، ومن هناك استنجدت بالعريس لكي يعيدها إلى مكان تواجده على أرض الآباء لتقترب منه في جبل صهيون . كانت العروس في بلاد النهرين تتنهد وتنتظر مجىء العريس ، فكانت تبكي وترفع التضرعات لكي يأتي إليها ولا يتأخر في المجىء ليعيدها من أرض الشتات إلى بيتها في أرض الميعاد . كانت العروس تحلم بالعودة لكي تلتقي به في هيكل قدسه ، فكانت تدعوه بكلمات الحب المليئة بالحرارة . وهذا هو أسلوب الرب للفاترين في الأيمان لكي يدخلهم إلى حياة أيمانية حارة تعيدهم إلى الحب الحقيقي الذي يربط بينهما , أرادت العروس ان تعود إلى أورشليم التي هي سرّ ة الأراضي المقدسة ، والواقعة في قلب الأرض ، وهذا ما نقلته الأسفار المنحولة . تقول الآية ( سرتك كأس مدورة ) تشير إلى أورشليم التي فيها العريس ، وأي عروس لا تستطيع أن تصل إلى حبيبها إلا إذا أستندت على ذراعه ، فحينذاك يكمل حب الحبيبة مع الحبيب فلا شىء يستطيع أن يفصله ، كما قال الرسول بولس ( فمن يفصلنا عن محبة المسيح ؟ ... ) " روم 8: 35-38" .
( ثدياك تؤأما ظبية ) وصف الثديين بأنهما مثل توأمي ظبية إشارة إلى الوحدة والانسجام ، كما ان في الثديين إشارة إلى ما سيتمتع به ذلك الشعب من شبع ودسم في ذلك الحين ، كما تقول الآية "افرحوا مع أورشليم وابتهجوا معها يا جميع محبيها. افرحوا معها فرحا يا جميع النائحين عليها لكي ترضعوا وتشبعوا من ثدي تعزيانها. لكي تعصروا وتتلذذوا من درة مجدها"(أش66: 10و11). كما يرمز الثدين إلى الخصب ، فأرض كنعان خصبة ، وتزرع في كل فصول السنة ، كذلك يظن أن الثدين يدلان على جبلي عيبال وجرزيم والتي تشير إلى حلم كبير وهو توحيد الأخوين المنفصلين ( أسرائيل ويهودا ) فيجدا من جديد أنهما أمة واحدة مشتركة ليصيرا من جديد شعباً واحداً ، وهذا يرمز إلى موضوع الوحدة بين الخبز والخمر في سر الأفخارستيا ، وإلى رمز وحدتنا نحن شعبه في العهد الجديد معه في تناولنا لنتاج أمتزاج الخبز والخمر لنتحد مع العريس  ، وهكذا الكنيسة الأم تلد أولاداً لله من كل البلدان  . توسلت القديسة تريزيا الأفيلية في آخر أيامها بعريسها وقالت له ( يا ربي وعريسي ، ها قد جاءت أخيراً الساعة التي تشوقت إليها كثيراً ، الآن جاء وقت الأتحاد ، جاء الوقت الذي نسير ببركة الله ) .

أما في العهد الجديد ، فالعريس هو الرب يسوع ، والعروس هي كنيسته ، إنه الملك ، فلقب العريس والملك يليق بالمسيح وحده ، بل هو الذي أطلق على نفسه العريس عندما سأل متى يصومون تلاميذك ؟ فقال ( هل يستطيع المدعون إلى العرس أن يصوموا ما دام العريس معهم ؟ ) " مر 19:2" أنه الملك المطلق على كل الأمم ( ملك الملوك ورب الأرباب ) الملك والعريس هو الذي يجذب العروس إليه لأن العروس لوحدها لا تستطيع أن تدخل إلى خدر العريس وتشرب من خمره . فالمبادرة تأتي من العريس وحده ، فيقول ( انهضي يا حبيبتي ، يا جميلتي ، وتعالي معي ) " 10:2" . أما عبارة ( ليقبلني بقبلات فمه ) أوليقبلني ، أمسكني ، أجذبني ، فهي ترمز إلى دخول العروس في حياة العريس فيمتلك الواحد الآخر ، ويبرز الفرح والبهجة . الحبيبة العروس كفرد أو شعب ، أو أمة تعبد الرب وتفرح بحبه الذي يفوق كل مسكر. كما قال زكريا النبي ( تفرح قلوبهم كما من خمر ... يفرحون وتبتهج قلوبهم بالرب ) " زك 7:10 " الحب هو أكثر من الخمر تأثيراً . وفي الختام نقول ألتقت العروس ( شعب أسرائيل ) بحبيبها عندما عادت من بابل إلى أرض الحبيب بعد أن عادوا إلى رشدهم وتابوا . أما شعب العهد الجديد فسينطلقون من هذه الأرض الغريبة إلى الأرض التي يسكن فيها العريس ، وأعد فيها منازل كثيرة لهم . لا يستطيعون لوحدهم الذهاب ، بل العريس هو الذي سيجذبهم وهناك سيتم الفرح الدائم ، وحسب قول العريس ( لا يستطيع أحد أن يأتي أليّ إن لم يجذبه الاب ) " يو 44:6"
وللعريس المحب لكنيسته المقدسة  المجد دائماً    

ملاحظة : سنتناول سفر نشيد الأنشاد بمقال آخر عنوانه ( العريس يسلم عروسته لأعدائها لتأديبها )


7
آلوهية يسوع الأنسان
بقلم / وردا أسحاق قلّو
( في البدء كان الكلمة ، كان الكلمة مع الله ، وكان الكلمة هو الله ) " يو 1:1 "
منذ البدء كان يسوع الكلمة متحداً مع الله في ثالوث أبدي مقدس ، وكان هو اللوغس الأزلي الذي به خلق كل شىْ . إنه إله من إله ، مساوي للآب في الجوهر . تجسد بين البشر بعد أن اتخذ له جسماً لأنقاذ الأنسان الخاطىء المتمرد ، وأنهاء جريمة العصيان على الله .
الأنسان الذي تمرد بمحض إرادته ، وليس عن جهل ، فلأجل خلاصه ينبغي أن يدفع ثمن جريمته ، وبما أنه عاجز لأن يدفع لله ثمن خيانته ، فقرر الله بسبب محبته للأنسان أن يرسل أبنه الوحيد لكي يفتدي بأرادته من أجل المصالحة وأعادة العلاقة .
إذاً كان يلزم أن يتخذ يسوع جسداً بشرياً مليئاً بالنعمة لكي ينتصر على أهواء الجسد ويتحدى التجارب والخطيئة كإنسان ، فناسوت المسيح ليس مجرد إنسان مرسل لمهمة الفداء فحسب ، بل كان عمله حراً ، نابع من أرادته الذاتية . فالمسيح الذي أخذ جسداً ونفساً ، ألهها بلاهوته ( فإنه فيه ، جسدياً ، يحل الله بكل ملئه ) " قول 9:2" . بل كل إنسان أيضاً مخلوق على صورة الله ، والله الذي أقامه سيداً على الخليقة كان عليه أن يتصرف وفق تلك الصورة ، وكما فعل يسوع الأنسان ، هكذا كانت تتوضح صورته الحقيقية أمام الخالق وأمام بني البشر .
بتجسد المسيح أتحد لاهوته بناسوته إتحاداً أبدياً كاملاً . فلا يجوز الفصل بينهما ولو للحظة ، لأنه صار كيان واحد بطبيعتين . لن تنقض طبيعته الإلهية عندما أخلى ذاته وأتخذ صورة عبد ، وهذا ما أوضحه لنا القديس بولس ، بقوله ( إذ إنه ، وهو الكائن في هيئة الله ، لم يعتبر مساواته لله خلسة ، أو غنيمة يتمسك بها ، بل أخلى نفسه متخذاً صورة عبد ، صائراً شبيهاً بالبشر ، وإذا ظهر بهيئة إنسان ... ولكي يعترف كل إنسان بأن يسوع المسيح هو الرب ، ليمجد الله الآب ) " في 2: 6-11" .
كان يسوع أنساناً مسيطراً على التجارب ومطيعاً حتى الموت فبلغ الكمال في الناسوت ، وأنكشف على حقيقته بعد القيامة بأنه متحد مع الله . وهذا الإتحاد لا يتعلق بهذه الحقلئق فحسب ، بل كان موجوداً منذ الأزل ، وفي حياته الأرضية تحقق تدريجياً للمؤمنين به أنه أبن الله . والتلاميذ أنفسهم لن يستطيعوا أن يكتشفوا آلوهية المسيح إلا في النهاية . وهذا ما نلتمسه من الأناجيل بأن هناك براهين كثيرة تثبت بأنهم كانوا عاجزين بمعرفة آلوهيته عندما كان معهم رغم مشاهدتهم لأمور عجيبة حصلت أمامهم كسماع بعضهم صوت الله على جبل التجلي عندما قال الله الآب  ( هذا هو أبني الحبيب ... ) في مشهد التجلي نستوعب حقيقة المسيح كإنسان وإله . هناك ظهر نور الألوهة ونعمتها الفائضات يؤلهان الجسد المنظور نفسه ويظهران من خلاله . فإبن الله المتجسد أتحد بالأنسانيتنا  كما يتحد هو مع كل مؤمن يتناوله بأستحقاق في سر الإفخارستية ويجعل جسده هيكل لاهوته .
المسيح هو صورة منظورة لله الغير المنظور ، ليسه مجرد إنسان فقط ، بل هو صورة حقيقية لله كما قال للرسول فيلبس ، ليس بعقله وقدراته فحسب ، بل بكيانه كُلهُ ، بنفسه وجسده وروحه . إنه إنسان ( آدم الجديد ) وإله باعث الحياة ( كائناً روحياً يمنح الحياة ) " 1 قور 45:15 " فالمسيح الإنسان بموته وقيامته أسس عهداً جديداً ، فلم يغفر خطيئة المؤمنين به فحسب ، بل حذفها ، لأنه دفع ثمنها لكل من يؤمن بسر الصليب وعمله الخلاصي . كذلك يؤكد لنا بولس الرسول بأن المسيح المتجسد هو الله ( .. جاء المسيح حسب الجسد ، وهو فوق الجميع الله المبارك إلى الأبد ، آمين ) " رو 5:9"
ختاماً نقول ان المسيح هو أنسان كامل ، وإله كامل ، فهناك وحدة بين اللاهوت والناسوت ، نفهمه إنساناً ويتحدث بأقوال كثيرة كإنسان ، وتارة أخرى أنه يتحدث ويعمل كإله . نذكر بعض أقواله
تعمد على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن ( إنسان )
حضور اقنوم الآب والروح القدس عليه بعد خروجه من الماء ( إله )
دخل إلى بيت زكا ( إنسان )
قال : حصل خلاص في هذا البيت ( إله )
عطش فطلب الماء من السامرية الخاطئة ( إنسان )
كشف كل أسرار السامرية ( إله )
صعد مع التلاميذ إلى جبل طابور ( إنسان )
نور ساطع يشع من وجهه ومن ثيابه ( إله )
صام اربعين يوماً ثم جاع ( إنسان )
جاء الملائكة ليخدمونه ( إله )
دعي إلى عرس قانا ( إنسان )
حول الماء خمراً ( إله )
علق على الصليب ( إنسان )
)قام من بين الأموات ( إله )
قال على الصليب أنا عطشان ( إنسان )
اليوم ستكون معي في الفردوس ( إله )
أخذ يوسف الرامي جسده ولفه بأكفان مع الطيب ( إنسان )
قام من بين الأموات بجسد ممجد ( إله )

ولربنا يسوع كل المجد


8
أختار المسيح تلاميذ جهال ليخزي بهم الحكماء والأقوياء

بقلم / وردا إسحاق قلّو

قال الرب لتلاميذه ( لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا.) " لو15:21".
نبدأ أولاً بالعهد القديم فنجد بأن الله هو الذي أختار لخ خداماً كأبراهيم من أور الكلدانيين ، فترك هذا كل شىء وتبع صوت الله لأنه آمن بصاحب الصوت ، أي ( بالإيمان أبراهيم لما دُعيَ أطاع ... فخرج وهو لا يعلم إلى أين ) " عب 8:11 ". كذلك أختار يعقوب  بدلاً من أخيه الأكبر ، وأختار يوسف من بين الأسباط الأثني عشر ، وأبنه الصغير عن منسى الكبير ، وكذلك أختار داود أصغر أخوته  , لماذا ؟ لأن الله لا يشبه البشر في الأختيار . الأنسان ينظر بالعينين لكي يختار ، أما الله فينظر إلى القلب ( طالع 1 صم 7:16" وقد أعترف داود بذلك بتفصيل رائع في " مز 139" .
 وهكذا في العهد الجديد أختار الرب يسوع  رسله وتلاميذه السبعين على غرار أختياره لأثني عشر سبطاً وسبعين شيخاً . ولماذا أختار الرب أثني عشر فقط ، وماذا يرمز هذا العدد ؟ العدد 12 هو حاصل ضرب 3 في 4  والعددان يرمزان إلى الثالوث الأقدس ، وإلى جهات العالم الأربعة التي أشار إليها يسوع في وصيته الأخيرة للرسل ، قال ( أذهبوا إلى العالم أجمع ، وأكرزوا بالأنجيل للخليقة كلها ... ) " مر15:16).
أختار المسيح أثني عشر تلميذاً من كل تلاميذه وسماهم رسلاً ، أسمائهم ( طالع لو 6: 13-16) . أما مؤهلاتهم ، فكانوا جميعاً من المستويات العامة البسيطة والفقيرة ، معظمهم كانوا يمتهنون مهنة الصيد التي كان كل فقير يعمل بها لكسب قوته اليومي . لم يذكر الكتاب شيئاً عن مواهبهم العلمية ، لأنهم كانوا من عامة الشعب .
ما هي حكمة يسوع في تحدي الحكماء والمتعلمين بجهال غير متعلمين ! ألم يحتقر الله الجاهل في آيات كثيرة من الكتاب المقدس ، فيقول(وَالْجَاهِلُ يَنْشُرُ حُمْقاً) " أم 13: 16". كذلك قال عن الجهلاء بأنهم يحتقرون الحكمة والأدب " أم 7:1" . بل وصف شفتي الجاهل بالمهلكة ، بقوله (فَمُ الْجَاهِلِ مَهْلَكَةٌ لَهُ وَشَفَتَاهُ شَرَكٌ لِنَفْسِهِ) " أم 18: 7 ". هل غاية الله هي ألغاء العلم والمعرفة لكي تحل محلها البساطة ، أي تحدي للحكمة هذا الهالم بحكمة جديدة من الفوق ، بأعتبار أي حكمة أرضية هي شيطانية مرفوضة فعلى الله أن ينتقم منها ويزولها ، لذلك قال أشعياء في " 14:29" (سأنتقم من هؤلاءالمنافقين ، فأبيد حكمة الحكماء وارفض فهم الفهماء ) وهكذا في العهد الجديد يصف الرسول بولس حكمة هذا العالم بالجهالة ، فيقول ( لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لأنه مكتوب " إنه يمسك الحكماء بمكرهم " )"1قور 19:3" . والرسول يعقوب يصف حكمة هذا العالم بالشيطانية ، بقوله ( ليست هذه الحكمة نازلة من عند الله ، بل هي أرضية بشرية شيطانية ) " يع15:3 " . لهذا فضل الله الجهلاء المؤمنين به على الحكماء والفلاسفة والأقوياء ، لهذا قال الكتاب (لان جهالة الله احكم من الناس وضعف الله اقوى من الناس ) " 1 قور 25:1" لهذه الأسباب أختار الرب يسوع تلاميذاً جهال ، وبهم قاوم حكمة المتعلمين وأخزاهم ، لهذا قال الرسول (اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ) "1 قور1: 27" .
بهؤلاء البسطاء أستطاع يسوع أن يتحدى العالم بعلمه وعلمائه وحكامه الأقوياء ، هؤلاء يجب أن يغزو العالم بسياسة جديدة وسلاح جديد  ، لهذا لم يحملوا سيوفاً لأن سيدهم زجر الأكبر فيهم عندما ضرب بالسيف ، فقال له ( رد سيفك إلى غمده ! فإن الذين يلجأون إلى السيف ، بالسيف يهلكون ) " مت 52:26 " . كانت هذه الخطوة الأولى في التعليم الجديد لكي يخضع الأقوياء لهم بقوة المحبة . هؤلاء الفقراء تبعوا المسيح عندما دعاهم وقبل أن يختبروا دعوته . كانت دعوة يسوع لهم بسلطان فيه قوة لجذبهم أليه وترك أعمالهم وأهلهم . تبعوه بمللء إرادتهم وحريتهم لمجرد قوله لكل منهم ( أتبعني ) . لما تبعوه علمهم نكران الذات أولاً ، فقال ( مجاناً أخذتم مجاناً إعطوا ، لا تقتنوا ذهباً ، ولا فضة ، ولا نحاساً في مناطقكم ، ولا مذوداً للطريق ، ولا ثوبين ، ولا أحذية ، ولا عصا ، لأن الفاعل مستحق طعامه ) " مت 10:8-10" . وأكثر من هذا أخبرهم بأنهم سيتحملون في المستقبل الظلم والأضطهاد بسببه ، ولا يكون لهم أي مكافئة في هذا العالم ، بل في السماء الموعود ، هناك سيضعهم على يمينه . تبعوه وتعلموا هؤلاء الجهال في مدرسته الجديدة ولمدة ثلاث سنوات علماً جديداً وآمنوا به وأعترفوا المعلم ، والراعي الصالح ، والمخلص.  أختبروا آياته وقدراته ، وسمعوا أقواله ووصاياه وتعليمه ، فآمنوا به وأعترفوا بأنه المسيح إبن الله . تلقوا منه التعليم الكامل ، وألتقوا به بعد القيامة ، ونفخ فيهم نفخة الكهنوت ، وأعطاهم سلطاناً للحل والربط ، وألتقوا به يوم الصعود ، فأوصاهم بأن يبقوا في أورشليم لكي يلبسوا القوة من الأعالي ( قوة الروح القدس ) وبعدها ينطلقون في مسيرة التحدي ، ويغلبون العلماء والحكماء وفلاسفة هذا العالم ويغلبوهم . بعد العنصرة أنطلقوا وبشروا بأسمه القدوس فكانت لهم قوة جبارة متحدثين بألسنة جديدة لم يسبق لهم تعلمها ، فأذهلوا العالم ، وكان الرب يؤيدهم بقوات ومواهب ، فعملوا المعجزات كأقامة الموتى ، وشفاء المرضى ، وأخراج الشياطين ، وغيرها ( طالع 1 قور 12 و. مر 16 ) . يسوع لم يتركهم بعد الصعود ، بل وعدهم بأنه سيرافقهم إلى نهاية الدهر . هؤلاء الضعفاء أصبحوا أقوياء ولم ينكروا سيدهم الذي عاشوا معه ولمسوه بأيديهم وشاهدوه بأعينهم ، وسمعوه بآذانهم ، ورأوا معجزاته ، لهذا كانوا لا يهابون الموت ، بل كانوا يستخفون من تهديد خصومهم ، مؤمنين بقول الرب لهم ( ثقوا أنا قد غلبت العالم ) . ليتمجد إسمه القدوس .


9
قديس من بلادي ... الطوباوي مار يوحنان

إعداد / وردا أسحاق قلّو

سكن الطوباوي مار يوحنان في الدير المقدس الواقع في ( نيرب برزي ) في وادي برزي الواقع في منطقة العقرة . وقد عاش بعده ربان جبرائيل في هذا الدير بعد عودته من بلاد قردو ومكث فيه زمناً طويلاً.

لوادي برزو مدخلاً وحيداً من الجهة السفلى فقط ، أما الجهات الأخرى فمحصنة . سمي الوادي بأسم ( برزي ) نسبة الى رجل جباركان يحمل هذا الأسم وكان من تلك المنطقة ،  قام بتحصين مضيق الوادي ، ليصبح منطقة محصنة ضد الأعداء ، وحفر صهاريج لخزن المياه ، ونحت فيه كهوفاً فدعي ( نيرب برزي ) وكان ذلك الشخص أول حاكم يحكم تلك المنطقة ، فكان بحاجة إلى مثل ذلك الحصن .

بعد التبشير بالمسيحية وقبول أهل تلك المناطق الأيمان ، أحتضنت كهوف الجبال النساك والمبشرين والرهبان ، وكما يقول أشعياء ( ليسَبِح سكان الكهوف وليصرخوا من قمة الجبال ) "11:42" . كما تقدم الى هذا المكان أناس كثيرين من مقاطعات أخرى . الطوباوي ما يوحنان سكن في هذا المكان في مغارة تشبه القبر بدون نور ولا عِشّرة مع أحد ، حتى النساك إلا نادراً عند الأشتراك في الأسرار المقدسة  . هو الذي أسس الدير وأسس فيه جمعية من النساك وسكن بقربهم  ، وكانوا جميعهم مولعين بالألهيات ، وكما تشهد المغارة التي ضمنت أجسادهم ، وقد دونت أسمائهم على قبرهم . عاشت تلك الجمعية وأستمرت على عهد ربان جبرائيل الذي وجد فيه أربعون راهباً .

 الطوباوي يوحنان هو الذي نَصّرَ قرية (قوب) فآمنوا بالمسيح . وهي قرية من منطقة بيرتا على مسافة 25كم غربي مدينة العقرة عبر الخازر . كان أهل القرية يدينون المجوسية ، فكانوا سكارى بالسجود للأصنام والأشجار وما شاكلها ، أهتدت إلى المسيحية على يد ربان مار يوحنان المطرافوليط اليوناني المنفي في القرن الرابع ، أوحى الله يوحنان البار بشأن تبشيرهذه القرية ، فقام على الفور ليلبي الطلب ، فخرج من محبسه ونزل إلى قرية قوب ، فتألب الوثنيون والمانويون والمجوس سكانها لكي يسمعوا كلامه ويصغوا إلى ما يدثهم به ، لأنهم كانوا يعرفون فضيلة هذا الناسك وبره . كما قد بلغهم خبر القوات والعجائب والآيات التي كان يجريها هذا الطوباوي باسم يسوع المسيح . فطلبوا منه أن يبرهن لهم أن تعليمه وإيمانه أسمى وأفضل من إيمانهم الوثني . وهذا يتفق مع قول الرسول العظيم بولس ، قال ( ان الآيات لا يطلبها المؤمنون ، بل غير المؤمنين ) " 1 قور 22:14 ". من الآيات التي أظهرها لهم هذا الطوباوي ، إقامة أحد موتاهم بعد ثلاثة أيام من وفاته ، فأمتلأوا من الدهشة والحيرة . كذلك لعن شجرة زيتون عالية كان الشيطان قد أغواهم بالسجود لها لجمالها ، ونضارتها ، وغزاة أثمارها، وكثافة أوراقها ، فأشتعل فيها النار ، ودخل وجلس في وسطها ولم تضره بشىء . وأعاد القهقري الشمس التي كانوا يسجدون لها كإله . كذلك ناشد ينبوع ماء فأوقفه عن سيله ، ثم سمح له فسال مائه . كما أفزع هذا الطوباوي الأقوياء منهم ورّوَعَهم بقوة آياته ، ولما رأى أولئك القوم أن قوة الله قد ظهرت في ذلك القديس  ليس في الخلائق عامة فحسب ، بل ايضاً في تلك التي كانوا يحسبونها آلهة ويسجدون لها فأحنوا كواهلهم ليقلبوا عليها نير الصليب المقدس بعد أن آمنوا بأيمان الطوباوي وتعاليمه ، فعمدهم وأشركهم في الأسرار الغافرة واستأصل هيكل النار المجوسي وشاد لهم الكنيسة التي ما زالت قائمة . كما جلب لهم معلماً وأسس مدرسة في قريتهم وقَدّسها وطهرها فأصبحت اليوم حقل المسيح وموضع مرضاته بعد أن كانت حقل الزؤان ومأوى الشياطين . وصار أهل القرية يفتخرون بأسم القديس يوحنان ، كأناس عادوا بوساطته إلى السجود لله خالق السماءوالأرض .

 في عهد المطران مار توما المرجي كانت القرية نسطورية ، ثم تحولت إلى المذهب المنوفيزيتية . وبرزي اليوم هي قرية برزاي الواقعة في الشمال الغربي لجبل المقلوب . 

ليمنحنا الرب بركاته وليجزل مساعداته بصلاة قديسيه الآن وفي كل أوان وإلى أبد الآبدين


10
التشابه بين ميلاد المسيح وقيامته

بقلم/ وردا أسحاق قلّو

في ميلاد المسيح وقيامته دروساً مهمة ومتشابهة ، وعجيبة ، وخارقة ، يعجز العلم والعقل من تفسيرها لأنها لإله قدير متجسد في عالمنا ، أسمه ( عجيباً ، مشيراً ، إلهاً قديراً ، أباً أبدياً ، رئيس السلام ) " أش6:9" . نبدأ بميلاده الزمني الذي كان معجزة عظيمة لم تحصل في التاريخ ولن تتكرر، إنه المولود من الأزل . ولد بيننا من إمرأة  لم تعرف رجلاً ، فكان في حياته الأرضية أم بدون أب ، عكس ما كان في السماء ، كان له أب بدون أم . تجسد في أحشاء البتول من الروح القدس ، لأنه أبن الله .

أما قيامته فكانت بأرادته وسلطانه . لم تتكرر في التاريخ أيضاً ، غلب الموت بقيامته العظيمة ، أنه رب الحياة والموت ، إنه القيامة بذاتها ، وكما قال لمرتا أخت لعازر ( أنا القيامة والحياة ...) " يو25:11" .

ولد من مريم تاركاً بتوليتها مختومة . هكذا قام من بين الأموات وخرج من القبر تاركاً الأختام الرومانية على الحجر سليمة . والحجر دحرجه الملاك بعد القيامة أمام الحراس المذعورين ليبرهن للعالم سلطانه على الطبيعة وقوانينها . وهكذا دخل وخرج إلى حيث كانوا التلاميذ والأبواب مغلقة . بدخوله خلف الأبواب المغلقة وخروجه منها  أمام التلاميذ أثبت لهم بأنه الرب القائم من بين الأموات .

في الميلاد ظهر ملاكاً للرعاة وبشّرهُم ، ثم ظهر لهم جمهور من الجند السماوي ينشدون إنشودة الميلاد . أما في القيامة فظهر أيضاً ملاكان عند القبر وتحدثا مع النسوة ، فقالا ( لماذا تطلبن الحي بين الأموات ، ليس هو هنا ، لكنه قام ... ) " لو 6:24" .

دخل إلى العالم في أحشاء مريم بطريقة لم يدخلها أي أنسان إلى العالم لأنه قدوس الله " رؤ 7:15" . وفي قيامته أيضاً أثبت آلوهيته ، لأن الموت دخل إلى العالم بسبب الخطيئة ن ولكنه إله قدوس بلا خطيئة ، لهذا استطاع أن يقوم في اليوم الثالث وكما قال لتلاميذه قبل الصلب . لهذا عبر عنه الرسول ، قائلاً ( تبرهن أبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات ) " رو 4:1 " .

في الميلاد حملهُ سمعان الشيخ ، وقال ( الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينيّ أبصرتا خلاصك ) " لو 2: 29-30" والملاك قال ( ولد لكم مخلص ) .

في القيامة يقول الكتاب ( مات لأجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ) " رو 25:4" . يقول مار بولس ( لأنك أن أعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلِصتَ ) " رو9:10" .

في الميلاد حصلنا على الفرح عندما بشَرنا الملاك ( ها أنا أبشركم بفرح عظيم ، يكون لجميع الشعب ، إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب ) " لو 11:2 ) هنا يثبت الملاك آلوهية المسيح المولود .

في القيامة كان للتلاميذ فرح ورجاء ( ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب ) " يو 20:20" .

ميلاد المسيح قوبل بالمقاومة من قبل هيرودس الملك وحاول قتله لكي لا ينافسه على كرسي الحكم الأرضي .

أيضاً قوبلت قيامته بمؤامرة رؤساء الكهنة والشيوخ عندما أخبرهم الحراس الرومان بحقيقة القيامة ، فدفعوا لهم الرشوة وقالوا لهم ، قولوا أن التلاميذ أتو ليلاً وسرقوه ونحن نيام " مت 28: 12-15 " .

الشيطان هو الذي كان يحرض على مقاومة المسيح منذ ولادته وحتى موته ، وبعد قيامته لكي لا يؤمن به أحد ، لأنه كذاب ، ومقاوم ، ومعاند ، وكذاب ، ومضلّ ، ومهلك ، بذل كل جهوده لكنه فشل . وآخر أسلحته كان الموت ، لكنه أيضاً فشل بقيامة المسيح الذي غلب الموت بالقيامة ، وهكذا سنقوم نحن أيضاً بأجساد ممجدة فنولد ولادة أبدية لا تعرف الموت ، وبأجساد ممجدة تليق بالسكنى في ديار الرب العجيبة ، فيعطى لنا كما كتب   

( مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ)" (1 كو 2: 9)

 


11
قيامة المسيح مع الأدلة وثورة التغيير
بقلم / وردا أسحاق قلّو
http://www.m5zn.com/newuploads/2019/04/19/jpg//m5zn_077d412ef603291.jpg
 ( فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ ) " كول 1:3 "
تَجَسَدَ المسيح في عالمنا فصار واحداً منا لكي يموت على الصليب ، وعلى الصليب يدفع فدية خطيئة الأنسان . فالصليب والقيامة هما حدثان أساسيان في إيماننا المسيحي ، وفي خلاصنا . شاء المسيح أن يموت مصلوباً أمام الجميع لكي لا يُنكِر موضوع الصلب من قبل اليهود ، وتم توثيق صلبه في سجلات الدولة الرومانية مع أسباب صلبه التي علقت على الصليب بأمرمن الحاكم بيلاطس البنطي الذي سلمه للموت رغم أعترافه ببرائته . لكن قيامته من بين الأموات وبسبب تواضعه لم يظهرها إلا للقليلين ومنهم الحراس . فبسبب قيامة المسيح حدث تغَيّيرَ وتطوَرَ وتحرير النسان من الشك ، أجل قِوة القيامة هي اقوى من كل شىء .  القيامة غيّرَت أمور كثيرة ، في جماعة المؤمنين أولاً ، فتحول حزنهم إلى فرح ، وشبح الموت إلى حياة جديدة ، والخوف إلى فرح ، وجبنهم إلى شجاعة ونحدي . وضعفهم إلى قوة ، والأمل بعد الخيبة . القبر الذي كان فيه الجسد المقدس كان مقفولاً بأحكام ، ومختوماً بأختام ، ومحروساً من قبل حراس مدججين بالسلاح . لكن في فجر يوم الأحد وجد الحجر مدحرجاً ، والقبر فارغاً ، والأكفان مرتبة مع منديل الرأس وهذا برهان واضح بأن جسد المسيح غير مسروق ، لأن ليس للسارق أن ينزع الأكفان ويرتبها ، بل عليه الهروب بالجسد مع الأكفان ، أو على الأقل نزعها ورميها بدون ترتيب من أجل الوقت للهروب قبل أن يشعروا الحراس . إذاً المسيح لم يسرق جسده ، بل قام بقدرة خارقة وخرج من الأكفان وتركها مُرتبَة مع المنديل . وبسبب منظر قيامتع المخيف هرب الحراس المذعورين من موقع الواجب .
الحجر يرمز غلى الحجاب الحاجز بيننا وبين الرب ، لكن في يد المسيح مفتاح الحياة ، يفتح ولا أحد يغلق ، وبذلك صار لنا ممراً مفتوحاً ليس لكي ندخل إلى القبر مثل النسوة ، بل إلى الفردوس السماوي .
كانت شهادة الحراس الأولى قبل أستلامهم الرشوة من قادة اليهود ، بأن زلزالاً عنيفاً قد حدث ومنظر لملاك كان بالبرق ، وثوبه ابيض كالثلج . بعد القيامة مباشرةً حضر النسوة فشاهدن ملاكين في داخل القبر وأخبروا النساء بقيامة السيد . وبعد خروجهن من القبر ألأتقى القائم معهن وتحدث مع المجدلية . كم ألتقى يسوع القائم مع بطرس وكل الرسل فغيّرَ حياتهم جميعاً ، وكذلك ألتقى مع تلميذي عمواس الذين تركوا أورشليم خلفهم  ليعودوا غلى قريتهم وحياتهم السابقة بعد أن صلب سيدهم ، ألتقوا مع القائم من بين الأموات فعادوا في الحال إلى أورشليم ، إلى دائرة أيمانهم . آمن جميع التلاميذ ، ومنهم توما الغائب الشكاك فقال للقائم ( ربي وإلهي ) أي شهادته كانت أقوى أعتراف بالقيامة وبآلوهية المسيح.
جسد المسيح القائم هو حالة تجلي جديدة لن يتغيّر بعد القيامة ، ولكنه صار في وضع ممجد ، وقد سبق وأن أعطى للرسل الثلاثة عربوناً لها على الجبل المقدس . أصبح جسده جسداً روحياً مرئياً وملموساً ، لكن لا يجوز لأحد أن يلمسه ، لهذا لن يلمسه توما الذي أراد لمسه ، بل رفعه الرب إلى درجة الأيمان وأعترف بقيامته دون أن يلمسه ، كذلك لم يسمح للنسوة أن تلمساه رغم ما كتبه الرسول متى ( وأمسكتا بقدميه ) " مت 9:28 " هذه الآية تعطف إلى آية أخرى لتكتمل المعنى ، حيث قال يسوع ( لا تمسكي بي ! فإني لم أصعد بعد إلى الآب ) " يو 17:20" . ظهر يسوع للكثيرين وألتقى بهم ثم صعد إلى السماء ليجلس بذلك الجسد عن يمين القدرة .
حدثت تطورات كثيرة بعد القيامة ، فتغيَرَت حياة المؤمنين الذي فقدوا الرجاء بسبب موت سيدهم . بالقيامة كسرت شوكة الموت لكي يصبح للمؤمن فرح وتغيير للدخول إلى عالم النور . رغم وضع أجسادنا تحت التراب لكب تتفسخ كالحنطة التي تزرع في التربة ، لكن ينبت لنا جسداً جديداً لا يقبل الفساد . وقد وصف لنا الرسول بولس هذه الحالة ، وقال ( يزرع الأنسان في فساد ، ويقوم في عدم فساد . يزرع في هوان ، ويقام في مجد . يزرع في ضعف ، ويقام في قوة . يزرع جسماً حيوانياً ، ويقام جسماً روحياً ) " 1قور 15: 42-43"
. فقيامة المسيح عملت تطوراً عجيباً للأنسان بقيامة الأجساد الممجدة لاحقاً وكذلك قيامة الروح التي ستلحق بذلك الجسد ، فلم يبقى للموت الثاني سلطاناً على القائمين بالرب يسوع إلى عالم الأرواح ، وهناك الحياة الأبدية والخلود . القيامة زرعت الفرح في التلاميذ " يو 20 : 20 " . القيامة اعطت للمؤمن بالقائم الحرية لأنها حررته من قبضة الشيطان ، ومن الموت الثاني ، لهذا نقرأ عن ثورة التحرير من الموت الأبدي تحدياً واضحاً له ، يقول ( أين شوكتك يا موت ، أين غلبتك يا هاوية ) " 1قور 55:15" طالع أيضاً " عب 14:2" .
ثورة المسيح في التغيير لا تقتصر في القيامة فحسب ، بل في تعليمه المبني على المحبة والعدالة . التغيير لايحصل بدون جهد جهيد وإرادة قوية وثابتة ، لأن ملكوت الله يحتاج إلى جهد أيضاً ، والمجاهدون يأخذونه عنوة ، هذه هي ثورة الأنجيل ، إنها ثورة المحبة المسيحية والتسامح ، فالمسيح القائم من بين الأموات أعطانا مثالاً على هذه الثورة حينما أوصانا قائلاً ( أحبوا أعداءكم ، وأدعو لمضطهديكم ، وأحسنوا إلى من يبغضكم ، قتكونوا بني أبيكم الذي في السموات ، الذي يطلع شمسه على الأشرار والأخيار ) " مت 5 : 44-45 " وهكذا يجب أن يثور كل واحد على ذاته ليستحق الملكوت .كلاك المسيح واضح لا لبسَ فيه ولا غموض ، قال ( إن لم يفِق بِركُم بر الكتبة والفريسيين ، لا تدخلوا ملكوت السموات ... فإن أحببتم الذين يحبونكم ... أو ليس الوثنيون أيضاً يفعلون ذلك ؟ ) " "مت 5 : 20 ، 46-47 " فكل مؤمن بالمسيح يجب أن يكون المثل الأعلى للآخرين ، لا يتوقف ، بل يتخطى إلى الأمام ليعمل من أجل تغيير العالم بقوة الروح الساكن فيه ، وهذا ما يطلبه منا القائم من بين الأموات في إنجيله . أي أن يكون المسيحي نور العالم وملح الأرض ، والخميرة في العجينة " طالع مت 5: 13-14" .
ونتائج قيامة المسيح من بين الأموات أعطت لنا الرجاء إلى حياة جديدة مع المسيح ، ومن الأدلة المادية والبراهين القاطعة لقيامة المسيح ، هو ظهوره حياً للكثيرين بعد القيامة . قال الرسول بطرس في عظته الشهيرة يوم العنصرة ( يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات ... وهذا أخذتموه بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه ، الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت ) " أع 22:2" .
أثناء الصلب والقيامة تحققت عشرات النبؤات التي تطابقت مع تلك الأحداث ، كما تحققت نبؤات المسيح نفسح عن ذاته .
القيامة حولت رمز الصليب الذي كان يرمز إلى العار ، إلى أفضل علامة وفخر ، بل إلى علامة الأنتصار وشعار وعلم للمسيحية يحمل أسراراً كثيرة ، وبه يفتخر كل مؤمن كالرسول بولس . ظهر المسيح بعد القيامة للرسول يوحنا الرائي ليقول له ( أنا الحي وكنت ميتاً ، وها أنا حيّ إلى الأبد الآبدين ، ولي مفاتيح الهاوية والموت ) " رؤ 8:1" .
المسيح قام لأنه واهب الحياة ومصدرها ليقيمنا معه في الحياة الأبدية ونسكن في المنازل التي وعدنا بها ، وعلينا أن نشهد للعالم ونقول
قام المسيح ... حقاً قام  

12
مشاهد جمعة الآلام وأرتباطها بيوم القيامة

بقلم / وردا أسحاق قلّو
http://www.m5zn.com/newuploads/2019/04/16/jpg//m5zn_fabf0ea94db394e.jpg

جمعة الآلام يوم مميز في حياتنا المسيحية ، لأن في هذا اليوم حصل حدث كبير في التاريخ . جريمة كبيرة وقعت . أنها أكبر الجرائم حجماُ في التاريخ . خالق الكون حُكمَ عليه بالموت . لا وبل في ذلك اليوم حصل أيضاً خلاص لجميع الأمم . هذا الحدث وأهميته يعرفه كل مؤمن ، لهذا يعبرون عن أيمانهم ومحبتهم للفادي بحضورهم في الكنائس ومشاركتهم الصلاة أكثرمن كل الأيام والأعياد .
في يوم الجمعة الذي سبق الفصح اليهودي ، عقد رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب أجتماعاً تآمرياً ضد يسوع الناصري بعد ألقاء القبض عليه ، لينزلوا به عقوبة الصلب حتى الموت والتخلص منه ، فصدروا الحكم ضده . لما رأى يهودا الأسخريوطي أن الحكم قد صدر على يسوع ، ندم على جريمته فرد قطع الفضة الثلاثين الى رؤساء الكهنة والشيوخ معترفاً بخطيئته ، وبعدها ذهب وأنتحر .
المشهد الأول
 قاد رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ يسوع الى بيلاطس . نشاهد يسوع واقفاً أمام الحاكم بيلاطس البنطي لكي يسمع الى أسئلته ، حيث قال له
( أأنت ملك اليهود ؟ )
أجابه ( أنت قلت ) أي ( نعم أنا هو ) وجِهَت ضد يسوع أتهامات كثيرة من رؤساء الكهنة والشيوخ ، لكن السيد المسيح التزم الصمت . فقال له بيلاطس ( أما تسمع ما يشهدون به عليك ؟ )
 لكن يسوع لم ينبس بكلمة واحدة ، فتعجب الحاكم كثيراً ، علماً بأنه يعلم ببرائته ، وبأنه سلم اليه عن حسد وحقد ، لهذا قال ، أنا لا أجد فيه علة . الشعب أزداد هياجاً طالباً صلب يسوع . أقتنع بيلاطس أنه لا فائدة من أصراره لأن فتنة ستنشب بالأحرى . فأطلقه اليهم
كان المشهد رهيباً . بيلاطس الذي يمثل عدل الدولة الرومانية العظيمة كان واقفاً بين ملك الملوك وملك البر ، آدم الثاني من جهة ،  وبين بارأباس المجرم المحترف الشهير الذي كان يمثل آدم العتيق . عدالة الحكم الروماني أطلقت المجرم الفاجر الذي كان يمثل الخطيئة  ، لكي تحكم على البراءة بالأعدام . أجل حكم بيلاطس على يسوع  البرىء بالبراءة والأعدام في قرار واحد . أنه قرار عجيب حقاً . والأغرب من ذلك أراد أن يبرىء ذاته من الجريمة بعد أن حكم على يسوع بالموت ف
غسل يديه قدام الجميع قائلاً : ( أني برىء من دم هذا البار ) "مت 24:27 " . وما يزال بيلاطس في الجحيم يغسل يديه محاولاً أزالة الدم الغالي ، دم الفادي الطاهر الذي حكم عليه بالموت ، لكن يديه تبقى ملطخة ولن تغسل الى الأبد بل ستكون شاهداً عليه في يوم الدينونة الرهيب . كان بيلاطس يعلم بأنه برىء . والرب أراد خلاصه فأرسل له رسالة عن طريق حلم زوجته التي حذرته بشدة فقالت ( لا تتدخل في قضية هذا البار ) " مت 19:28 " لكن بدون جدوى . أرتكب بيلاطس حماقته ، فكان عليه أن لا يغسل يديه أمام الناس بل أن يعترف بخطأه ويطلب من المصلوب المغفرة والعفو والتوبة والأعتراف بدموع كما فعل بطرس الرسول ، لكي يغفر له عن ذلك الحكم الغريب في التاريح وهو
( نظراً لبراءة يسوع الناصري ، حكم عليه بالصلب حتى الموت).  الرب يسوع برىء من جهة بره الشخصي ، فيحسب خاطئاً لأن الآب وضع عليه أثم جميعنا وحسب ما هو مكتوب في " 2 قو  21:5" ( جعل الذي لم يعرف الخطيئة ، خطيئة لأجلنا لنصير نحن بر الله ).
. هذه هي محبة الله للبشر أفدى بأبنه من أجل خلاص كل من يؤمن به .
المشهد الثاني
سار الرب يسوع في طريق جلجثة الطويل حاملاً صليبه الثقيل الى أن وصل الى قمة الجلجثة المخيف . كان المشهد هناك رهيباً لأن رب المجد جرد من ثيابه وصلب عارياً أمام الجميع وبين لصَين . يسوع على الصليب في الساعات الثلاث الأخيرة التي قضاها على الصليب قبل أن يسلم الروح ، قال للص اليمين ( اليوم تكون معي في الفردوس ) " لو 43:23" .
 " بينما كان في بداية الأمر ذلك اللص غاضباً جداً وكان مع اللص الآخر يعيران الرب ، لكن سرعان ما تحول ذلك الغضب الى أيمان وتوبة وأعتراف بيسوع ، فقال له ( أذكرني في ملكوتك ) .
 أما الآخر فبقي مصراً على موقفه وخطيئته ولم يقبل التوبة فمات في طريق الهلاك . وهكذا يمثل بني البشر أحد هؤلاء المصلوبين ، فهناك من يقف الى يمين الرب في هذا العالم وهم المؤمنون الذين يطلبون الغفران والخلاص . أما الواقفون عن يساره فهم الذين يرفضون التوبة والأعتراف به وبعمل صليبه المقدس .
في يوم القيامة سنرى المشهد بوضوح ، حيث يقوم الراعي بجمع جميع الأمم ، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره
 مت 25: 31-33 "
على الصليب أراد المجرب أن يجرب يسوع كآخر محاولة له وذلك لكي يتخلى عن خطته ، أي موته على الصليب من أجل خلاص العالم .
 فتحدث المجرب على ألسنة رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ قائلاً
(خلص غيره ، أما نفسه فلا يقدر أن يخلص ! ... فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به!) " مت 47:27".

لما رأى يسوع أمه والتلميذ يوحنا الذي كان يحبه واقفاً بالقرب منها ، قال لمريم ( أيتها المرأة ، هذا هو أبنك ) ثم قال ليوحنا ( هذه هي أمك ! )
 بهذا كرم الرب أمه لكي تصبح أم البشرية كلها بشخص يوحنا الحبيب . صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً ( ألوي ألوي ، لما شبقتني ) أي ، إلهي إلهي لماذا تركتني . ظن الواقفين بأنه ينادي أيليا ، قال بعد ذلك ( أنا عطشان ) فناوله خلاً .
فذاقها وقال ( قد أكمل ) فصرخ بصوت عظيم ، وقال ( يا أبتي ، في يديك أستودع روحي 1 وإذ قال هذا ، وأسلم الروح . أعترف به قائد المئة ، فقال ( حقاً كان هذا الأنسان أبن الله ! )" مر 39:15".

المشهد الثالث
في هذا المشهد نشاهد الشواهد الطبيعية التي شهدت للأله المصلوب فنرى أن (حجاب الهيكل أنشق ستاره الى شطرين من الأعلى الى الأسفل . بهذا أزيل الحجاب الحاجز بين الله وبني البشر فتمت المصالحة . على الصليب تمت الرحمة والعدل الألهي . أما الأرض فقد تزلزلت وتشققت الصخور ، وتفتحت القبور، وقامت أجساد كثيرة لقديسين كانوا قد رقدوا لكي يشهدوا لهذا الخلاص العظيم  . نعم الطبيعة أيضاً شهدت بموت الرب وحزنت له أيضاً فحل الظلام على الأرض كلها فتحول الشمس الى ظلمة والقمر الى دم قبل أن يجىء يوم الرب المخيف) " لو23: 44-45 " و " مت 29:24"
 هنا تربط أحداث الصليب بيوم القيامة أي بمجيئه الثاني . فمشهد الجلجثة يشهد لمشهد نهاية العالم . فصلب يسوع على الصليب وموته هو فرح وخلاص للبشرية لهذا طلب منه الشرير أن ينزل من الصليب . عمل موت الرب طوعاً على الصليب من أجلنا ، هو نابع من محبة الله الآب أيضاً لبني البشر وحسب المزمور " 24:118"
( هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعُهُ الرَّبُّ، نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فيه )
أنه يوم الرب العظيم
جمعة الآلام هي رسالة حب من الخالق الى المخلوق ، مفادها تقديم الآب أبنه الوحيد ذبيحة لأجل خلاص بني البشر . إذاً في جمعة الآلام نجد المحبة والفرح وليس الحزن ، لأن فيه التقت السماء مع الأرض فتمت المصالحة وبدأ الخلاص . أذاً حصل شىء عظيم في ذلك اليوم العظيم الذي يسمى ب ( الجمعة العظيمة ) وصف الأحداث الطبيعية في يوم الصلب تُحَدِث عن صورتها في نهاية العالم ،  في ما حصل على الجلجثة وما سيحصل في يوم القيامة وأحداثها قبل ظهور الرب فتؤكد صدق النبوات . فكل من يؤمن ويدعو الرب  سينجو من الهلاك ومن الدينونة . في سفر ملاخي " 19:3" أيضاً ربط المجىء الأول بالمجىء الثاني ، فقال
 ( فهوذا يأتي اليوم المضطرم كالتنور وكل المتكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشاً ، ويحرقهم اليوم الآتي ، قال رب الجنود ، فلا يبقى لهم أصلاً ولا فرعاً ) .
ولربنا المصلوب ، المجد دائماً

 


13
غاية يسوع من غسل أرجل التلاميذ
بقلم / وردا أسحاق قلّو
http://www.m5zn.com/newuploads/2019/04/14/jpg//m5zn_fe656bb8b396883.jpg

( فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم ، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض ) " يو 14:13"
غسل أرجل الضيف كانت  خدمة قديمة و سارية في المجتمع اليهودي أحتراماً وتقديراً للضيف . أبينا أبراهيم أعد الماء للضيوف الثلاثة الذين استقبلهم في باب الخيمة ، فقال لكبيرهم (دعني أقدم لكم بعض ماءٍ تغسلون به أرجلكم وتتكئون تحت الشجرة ) " تك 3:18" . . كذلك فعل لوط فقال لنفس الملاكين القادمين إلى سادوم من عند عمه أبراهيم  ، قال لهما ( ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما ثم تبكران وتذهبان ) " تك 2:19 " . فهذه العادة تدخل في مهمة خدمة الضيف ، وإن خالف صاحب البيت ولم يبادر بتقديم هذه الخدمة ، فيضطر الزائر للدخول إلى بيته بأرجل متسخة ، وقد يلومه كما فعل يسوع بسمعان الفريسي ، فقال له ( ... إني دخلت بيتك ولم تقدم لي ماء لغسل قدمي ! .. ) " لو 44:7" . وكان لكل بيت أجران حجرية مملوئة بالماء يستخدمها اليهود لتطهير الداخلين إلى البيت ، كالأجران الستة التي حول الرب يسوع الماء فيها إلى خمر" يو 6:2 " . ومن شروط هذه الخدمة لكي تكون ناجحة ومرضية فيجب أن تبرز بعض العلامات في مُقَدِم الخدمة ، منها المحبة الصادقة للضيف ، وتلك المحبة المحسوسة يجب أن تكون واعية ، وأن يحولها صاحبها إلى فعل عملي ملموس لكي ينجح في أكتساب عاطفة الآخر . فيسوع المسيح عى أساس المحبة قام وفعل هذا العمل مع تلاميذه . إنه معلمهم وإلههم الذي أختارهم وأحبهم لأنهم خاصته ، ورباهم بتعليمه ونورهم بروحه القدوس . وأخيراً بادر في غسل اقدامهم لكي يعلمهم التواضع ، لأن الأتضاع يحافظ الأنسان المؤمن من التعالي والكبرياء ، فكل خدمة للآخر إن لم تقترن بالمحبة لا تنفع شيئاً (1 قور 13 ) فما قام به الرب يسوع لأجل تلاميذه كان يحتاج إلى التواضع والأنحناء ، ولماذا غسل أرجلهم فقط ولم يغسل رؤوسهم وأياديهم كما طلب منه بطرس ؟ غسل أرجل الجميع فقط ، لكي تتطهر . غسلها بالماء الذي يرمز إلى النقاء ، وإلى الحياة الطاهرة ، كما يرمز إلى المعمودية ، وإلى عمل الروح القدس . أعد أرجل التلاميذ للأنطلاق للخدمة والتبشير ، ولا داعي لغسل المزيد لأن الجسد كله صار نقياً . بعد الأنتهاء من الغسل ، سألهم قائلاً ( أفهمتم ما عملته لكم ؟ أنتم تدعونني معلماً وسيداً وقد صدقتم ... فعليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أرجل بعض ) " يو 13: 12-14 " أمرهم بذلك لكي لا يفكروا كأبني زبدي اللذان أرادا مواقع أفضل بين التلاميذ ، فنصح الجميع أن يكونوا خدام كسيدهم الذي صار لهم خادماً .
في الختام ، نقول : الرب غسل أرجل تلاميذه فهيأهم للأنطلاق للتبشير بكلمة الأنجيل بعد أن يرسل إليهم المعزي . ورفع من شأنهم ومستواهم عندما يبشرون ، فقال ( الحق الحق أقول لكم من يقبل الذي أرسله ، يقبلني ، ومن يقبلني ، يقبل الذي أرسلني ) " يو 13: 20 " ونحن اليوم نتعلم من هذا الدرس دروس كثيرة في الخدمة ، وهي أن نغسل دموع البائسين ، والحزانى ، والمرضى ، والمتألمين . خدمتنا تشبه خدمة السامري الذي مسح جروح الرجل الجريح في طريق أورشليم أريحا ، وعقمها بالخمر ، ودهنها بالزيت ، وتحمل خدمته إلى أن نال الشفاء التام .

ندعوك أيها الرب لتغسل نفوسنا من الحقد والكراهية وحب الأنتقام ، وتزرع فينا المحبة لكي يكون لنا نحن أيضاً نصيباً معك ، لأنك بهذا ستنزع منا كل ضعف ، وتمسحنا من كل خطيئة ، وتعطي لنا من نعمك ، وكذلك درساً في المحبة والتسامح والغفران ، وتعلمنا التواضع الذي هو أساس القداسة ، وعلينا نحن أيضاً أن نخضع لوصاياك كتلاميذك لكي نكون متهيئين لغسل أقدام بعضنا  ، بل خدمة بعضنا البعض في غسل  كل عمل شرير بيننا لكي تتطهر قلوبنا لتتسع لمحبة العالم كله.
  ليمجد أسم ربنا يسوع إلى الأبد

14
عيد السعانين ( لو سكت هؤلاء ، لهتفت الحجارة ! )
بقلم/ وردا أسحاق قلّو
( أبتهجي جداً يا ابنة َ صهيونَ واهتفي يا ابنةً أورشليمَ ، لأن هوذا ملككِ مقبلٌ اليكِ . هُوَ عادلٌ ظافِر ، ولكِنَهُ وَديعٌ راكِبٌ على أتانٍ ) " زك 9:9"
تنبأ زكريا النبي بيوم دخول الرب يسوع الأنتصاري الى أورشليم فوصف دخوله باستقبال مهيب من قبل أبناء أورشليم وبالأبتهاج والفرح ، لأن ذلك الملك المنصور هو وديع ومتواضع ، راكب على حمار لا على حصان مزين كما كان يفعل الملوك المنتصرون . أنها رسالة ودرس في التواضع . كيف عرف يسوع أن هناك من يسأل تلميذيه اللذان أرسلهما لجلب الأتان والجحش عن سبب فك رباطيهما ، وما هو الجواب المرضي لأقناع السائلين ، وكيف تأكد من أن الواقفين هناك يقتنعون بالرد ؟ الجواب لأن يسوع هو الله الذي يقرأ الأحداث . لا وبل يقرأ ما في القلوب والأفكار، كما كان يقرأ أفكار الكتبة والفريسيون والشيوخ قبل أن ينطقوا ببنت شفة .

وضع التلميذين ردائيهما على الجحش فركب عليه يسوع وسار بين الجموع المحتشدة في شوارع أورشليم . من أين أتت تلك الجموع ، ومن الذي دفعها الى أعلان البيعة للرب ، وكيف عرفت أن يسوع هو أبن داود ( أي المسيح )  ؟ وهكذا كانت تشهد له وتهتف ( أوصانا لأبن داود ) أو ( هوشعنا لأبن داود ) وكلمة هوشعنا مركبة من هوشع ، وهو أسم نبي وسفره هو الأول في ترتيب أسفار الأنبياء الصغار . ومعتى اسمه ( الخلاص ) و( نا )  أي ( نحن ) والمقصود هو ( خلصنا يا أبن داود ) .

الكثيرون من الناس خلعوا ردائهم وبسطوه على الطريق . خلع الرداء يرمز الى خلع القديم من أجل الوصول الى الجديد ، كما فعل الأعمى برطيماوس أبن طيماوس الذي أخذ يصيح ( رحماك يا أبن داود ، يا يسوع ! القى عنه رداءه وَوَثَبَ وجاء الى يسوع ) . ( مر 10: 46، 50 ) .

قطع الجموع سعف النخيل ووطرحوه في طريق الرب ، لأن سعف النخيل يرمز الى النصرة ، وكذلك ألقوا في الطريف سعف الزيتون الذي يرمز الى السلام والأستقرار والحياة الجديدة . تعلمنا معناه من قصة نوح بعد فترة الطوفان وأستقرار الفلك .

نقول بأن مشيئة السماء هي التي دفعت الجموع الى هذا الحضور والروح القدس هو الذي زرع تلك الحرارة وكلمات الهتاف لأستقبال السيد بتلك الحرارة  . فأخذ الصغار والكبار وتلاميذ الرب يعلنون شهادتهم قائلين : هوشعنا لأبن داود ! تبارك الآتي باسم الرب ! هوشعنا في العُلى ( مت 9:21) . الجموع لا تعلم لماذا تهتف وما هي القوة الخفية التي جمعتهم ودفعتهم للأعتراف بالراكب على الجحش بتلك الهتافات المليئة بالحرارة وبسببها ضجت أورشليم كلها وشعرت بذلك الحدث الغريب ، فسألت : من هذا ؟ فأجابت الجموع المحتشدة ( هذا النبي يسوع من ناصرة الجليل ) كان روح الله هو الناطق على ألسنتهم ، لهذا عندما عارض الفريسيين طالبين من الرب أن ينتهرهم . فرد عليهم يسوع : ( لو سكت هؤلاء ، لهتفت الحجارة ! ) " لو19: 39-40" .

تحتفل الكنيسة المقدسة كل عام بعيد السعانين في يوم الأحد من الأسبوع السابع للصوم . فتخرج الجموع المؤمنة من الكنائس حاملة أغصان الزيتون أو النخيل لكي تطوف حول الكنائس او في شوارع المدن أو القرى ويتقدمهم صليب الرب المزين بتلك الأغصان الجميلة والجميع يتذكرون يوم دخول الرب الى أورشليم

للمزيد عن الموضوع طالع مقالاتنا السابقة على الروابط :

http://mangish.com/forum.php?action=view&id=3560

http://mangish.com/forum.php?action=view&id=2863

نطلب من يسوع المنتصر أن يدخل الى القلوب البعيدة عن نور رسالته السماوية .

ليجعل الرب عيد هذه السنة  عيد الفرح والبهجة والسلام في العالم كله .









15
العجائب والأشفية التي اجترحها ربان جبرائيل



أعداد /وردا أسحاق قلّو

بقوة صلاة ونقاوة هذا القديس حدثت على يده عجائب كثيرة اجراها الرب يسوع على يده ، هذا القديس الذي اعتصم بالتواضع منذ بدء حياته الرهبانية ،فاختار ان يكون محتقراً ومجهولاً وحتى في شيخوخته عندما دعاه الله لرئاسة دير قفريانوس  . ومن العجائب التي قام بها نذكر معجزة معرفة الأمور قبل حدوثها كمعرفته بالرجل الذي سيشتري العشرة للدير أراد ان يبيعها فارسل راهباً غلى السوق ليبيعها ،فقال له سيأتيك رجل عربي راكباً حصاناً وأسمه عمران وسيساومك في أثمانها ، فلا تسلومه ولا تقبض منه شيئاً ، وإذا قال لك تأن عليّ فآتي لك بأثمانها ، فقل له أن جبرائيل قال : متى يتيسر لديك أثمانها فهلم عندي . جاء الرجل فقال له الراهب ما اسمك ؟ قال له " لم تسألني عن اسمي ؟ " فقال له أبي ربان جبرائيل أوصاني بأن رجل عربي اسمع عمران سيأتيك فأعطه الثيران بسهولة وقل له أني أعرف أنه لا يتوفر لديك الثمن ، فمتى يهىء الله لك ذلك فآت به عندي إلى الدير " تعجب الرجل واعتراه الذهول وعرف ان هذا الرجل عظيم ، وتحقق عمران في داخله أن ديانة المسيحيين عظيمة وسامية وفيها قديسين يعرفون الخفايا فأخذ الثيران ومضى ، وبعد يومين جاء عمران وقرع باب الدير وسأل عن ربان جبرائيل فدخل وخر أمامه على الأرض ،فقبل ربان رأسه وباركه ، وقدم عمران أثمان الثيران ثم امسك برجلي ربان بأحترام وأخذ يناشده بأن يصلي عليه , فقال له ربان " إذا اقمت الآن عهداً قدام الله بأنك لن تقل المسيحيين فأني سأكشف لك ما سيكون من شأنك وماذا سيحدث لبنيك وبني بنيك " فأقسم أمامه قائلاً من اليوم فصاعداً وطالما يوجد مسيحيون أمثالك ، فلن أضرهم ، فقال له جبرائيل " إذا حبست سيفك عن شعب الله فسيورثك الله أنت وبنيك وأحفادك بلاد مركا قاطبة .

عندما كان جبرائيل في دير مار يوحنان جاء رجل من قرية تلا وقال له والحزن باد على محياه : " أن كروم قريتنا ضربها البرد بشدة وقد بقي كرمي وحده سالماً " قال له الربان " يا بني ، أنه تأديب أرسله الله لكم لفائدتكم ، ومن يقبل تأديب الرب يضمد الرب جرحه ، وإذ أتفق أن ضرب البرد كرمك أيضاً فإنما ذلك لخيرك ، وأعلم ان كرمك ايضاً سيتلف ، فإن كان الذنب ذنب الجميع ، فالتأديب يكون للجميع " . ذهب وعصر كرمه ووضع خمره في دن وسده . ولما عاد يتفقده في اليوم التالي ، إذا بالدن خال لا شىء فيه ، وهكذا تم كلام الطوباوي فعلاً .

 وبينما كان الربان جاساً أمام صومعة مار يوحنان يقرأ في كتاب ، جاء نسراً وخطف جدياً من معز الدير . ولما رأى الجدي ثاغياً والنسر يحمله ويصعد به ، قال ربان للنسر " لأجل الرب أنزل بتعقل ما أنت حامله " وكأن شيئاً ثقيلاً علق بالنسر فأنزل الجديدون أن يفترسه ووضعه على الأرض ثم طار . وهذه كانت باكورة عجائب الطوباوي فتعجب كل من سمع من الراعي هذا الأمر ، فقال لهم الربا : لا  تتعجبوا يا أخوتي مما جرى ، فإن ذلك لم يحدث بقوتي ، بل لأجلكم أظهر الله هذه الأمور ، كل الحيوانات تخضع للقديسين والصالحين كما كانت تخضع لنوح في الفلك ، فأنه الله إله الأولين والآخرين .

 

فاجعة وفاة ربان جبرائيل وانتقاله إلى عالم الأفراح

تقدم القديس جبرائيل في عمر الشيخوخة  ، وبدأ المرض يداهم جسده الضعيف فكانت السنين تتعاقب مثقلة كاهله فشرع بالأقتراب من الرحيل إلى المسكن الأزلية التي جاهد في سبيلها . أصاب في الأشهر الأربع الأخيرة بمرض في أمعائه فقرب أنتقاله من هذه الحياة . وصل الخبر إلى كل الأشراف ورؤساء البلاد ، فجائوا لرؤيته ، فلما رأى كل الأخوة أمامه ، شرعت عيناه تفيضان بالدموع ، ولما رأوه باكياً ، قالوا له :

( أتبكي أنت ايضاً يا معلمنا وتحزن لموتك ؟ فكيف بنا نحن الخطاة؟ ) فقال لهم ( إني لست أخاف من الموت ، ولست حزيناً لأنتقالي ، بل أخاف من دينونة الرب ، لأن الله يدين بالنار . فإذا كان القديس بولس يرتعش من حكم الله ويقول " أنه لخوف عظيم الوقوع بين يدي الله الحي " فمن أنا حتى لا أرتعب ؟ إذا لا أعلم ماذا سيسمعني الديان هناك ، ولا أدري هل حسن عملي أمامه أم لا . هاءنذا ماض في طريق لم أسلكها وإلى حكم لم اختبره ، ووجهه الديان مخوف للخطاة ، وأنا واحد منهم . فليكن صليبه المقدس نصيراً لي أمام عدالته ، وأني واثق برجائه ) .

 ولما بكى الشيخ القديس وأفاض الدموع وتبللت لحيته وعنقه ، أخذ صراخ الجميع يرتفع إلى عنان السماء.

بعد تلك الدموع ، ارتسمت على وجهه جمال النعمة وصار الكل يتعجبون وهم يتفرسون فيه ، ولما رأوا ذلك التغيير السماوي الذي طرأ عليه وأنه استعاد سلامه وساد نفسه الأطمئنان بعد الحزن ، قال له الأخوة الرهبان " لمن تتركنا يا أبانا ومن يقف لنا من اليوم فصاعداً سوراً ضد الأعداء الذين يحيطون بنا ؟ أنهم سيدمرون هذا الدير المسكين " ، فأجاب " أيها الأخوة أهتموا بخلاصكم وفائدة نفوسكم ، واكثروا من الصلاة لأجل الكنيسة والمملكة ولأجلي أيضاً ، فإذا كان لي أسفرار الوجه قدام الرب يوم الخميس القادم ، فلن يبقى واحد من أعدائكم في الحياة " وكان ذلك بالفعل ، ففي مساء الخميس غادر الحياة ، وفي الخميس التالي فني كل أعدائهم وبادوا وخربت قراهم إلى اليوم . وبينما كان فم الربان مملوءاً تسبحة وهو ينصح الأخوة ويشجعهم لكي لا ينخذلوا أمام الصعوبات والآلام والتجارب ، أسلم نفسه اربه وختم جهاد بطولته ، وسرعان ما امتلأ البيت الذي أستراح فيه رائحةً ذكية .

أجتمع المعلمون مع الطلاب والكهنة والشمامسة والمؤمنين لكي يتباركوا بنعشه وهم يذرفون الدموع ، الرهبان مغتمون على رئيسهم ، والأرامل على مقيت حياتهن ن والأيتام على مربي حرمانهم ، والغرباء على من يلم شعث غربتهم والمرضى والمتضايقون وحتى الأغنياء الذي كان يرفع صدقاتهم إلى السماء وغيرهم فكان الكل يبكون موت من أصبح كلاً للكل مثل بولس الرسول .

دفن في بيت الشهداء في الجهة الجنوبية قدام مرقد عظام الناسك الكبير ربان " راعيا " تلميذ القديس قفريانوس ، وكان ربان جبرائيل قد أوصى أن يكون قبره مدوساً مثل قبر أخيه ربان بولس ، وألا يبنى فوقه أي نصب ، وهكذا واراه التراب بأكرام كل أبناء الكنيسة ، كما كانت تستحق عظمة تلك الشيخوخة المقدسة . موت الأبرار ليس موتاً ، بل سباتاً ، فقد صنع الله أعجوبة بعد موته وأنتقاله ، فأتي غلى الدير بمريضين يجلابهما الشيطان ، ولما دخلا بيت الشهداء وسجدا أمام قبر القديس نالا الشفاء حالاً ، وجاء أيضاص رجل فارسي شرس إلى الدير واغتصب حماراً منه ، ولما خرج بالحمار ليذهب ، ضربه الرب بمرض شديد ، فأعاد الحمار مع صدقة وافرة .. 

 المجد والأكرام والسجود والتعظيم من كل الناطقين الذين كانوا وسيكونون لله الذي عنده القديسون هم أحياء ، والذي يصنع كل شىء في حياتهم ومتهم لفائدة جنسنا فهو الذي ناصر الأولين وساعد المتوسطين وقوّى الآخرين . فليمنح بركاته لجميعنا الآن وفي كل أوان وإلى الأبد .

الى اللقاء مع الطوباوي مار يوحنان




16
الجواب على رد السيد متي أسو المحترم على المقال ( العلاقة بين المسيحية والأديان الأخرى )
رابط المقال ( العلاقة بين المسيحية والأديان الأخرى )
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=931727.0

رابط رد الأخ متي أسو على مقالي
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,931839.0.html
أخي العزيز متي اسو ، قبل كل شىء أطلب منك عندما تريد نقد أي كاتب على آرائه فأنقده بموضوعية وأحترام ولا تعتبره عدواً لك لمجرد أنك لا تشاطره الرأي ، وهكذا ستصل معه بالنقاش الحر إلى أقرب مسافة من الهدف ، وإلى ما هو أفضل للجانبين . لم أجد في ردك أي كلمة احترام لكاتب المقال ، بل وصفتني مرة بكاتب المقال ، وأخرى بالسيد وردا ، وهكذا إلى النهاية .  كما ألتمست من هجومك الواضح واللامبرر ، وحقدك البارز وأسلوب نقدك البعيد كل البعد عن نص الموضوع بأنك لم تفهم شىء . هل قرأت الموضوع جيداً ، أم هذا هو مستواك في المواضيع الدينية وكما أعترفت أنت وقلت في السطر الأول ( لأني لست لاهوتياً ولا متعمقاً بالأيمان المسيحي ، لكن من القليل الذي أعرفه أحاول سبر غور ...الخ ) . لا أعتقد أنك قرأت الكتاب المقدس ولو لمرة واحدة ، أما أنا فأقول ، أكتب في اللاهوت منذ ثلاثة و عشرون سنة ، ودرست اللاهوت  وقرأت مئات الكتب الدينية ، ولي 404 مقالاً وأكثرها لاهوتية ومنشورة في كل المواقع ، كما لي عشرات المقالات مكتوبة بخط اليد ستطبع وتنشرلاحقاً بعون الرب ، وهذا ليس للتباهي أو تحدياً لشخصك بل لكي أقول لك ، لو لم أكن بمستوى الكتابة فلا أكتب وخاصة في الأيمان وسأذكر الأسباب لاحقاً .
يا أخي المحترم ، إذا لم تكن متعمقاً بإيمانك المسيحي كما تفضلت ، إذن أنت غير مؤهل لنقد الآخرين ، وهذا واضح جداً من آرائك المتذبذبة ، وإتهاماتك الباطلة لي بأنني أقصد الأسلام تحديداً بقولك ( أما الأديان الأخرى التي يقصدها ، فمن الواضح إنه يقصد الأسلام ...الخ ) لا، بل أنا أقصد كل الأديان ولم أحدد ديناً ولم أهاجم أحداً، بل أقصد الحوار مع الجميع بدون تمييز . أنت هاجمت الأسلام مرات عديدة وبكل حقد وذكرت آيات واضحة قرآنية تعادي المسيحية واليهودية ، ساذكرها وأنقلها باللون الأحمر . علماً بأن نقد الأسلام أو غيره خارج عن نص الموضوع . غايتي من الموضوع يا أخي المحترم هي فتح الحوار ومد الجسور بين الأديان والشعوب لكي تعيش بسلام وتآخي مع بعضها ، وفي الوقت ذاته أنه نوع من التبشير وبأسلوب حضاري ومقبول من قبل الجميع ، وهذا ما تفعله الكنيسة الكاثوليكية اليوم ، فقداسة البابا فرنسيس زار الأمارات لهذا الغرض ووصل إلى نتائج مرضية مع الطرف الآخر . وهذه الأيام يزور المغرب زيارة رسولية لنفس الغرض . أي لتكريس العلاقة والمحبة بين الديانتين . وهذا نابع من تعليم الكتاب المقدس في العهدين ، والبطريرك مار روفائيل لويس ساكو عينه الكرسي الرسولي لكي يكون عضواً في لجنة حوار الأديان ، كما أن الحوار مستمر مع أخوتنا المسيحيين أيضاً في الطوائف الأخرى لتوحيد كنيسة الرب .
أنت للأسف تجهل وصايا كثيرة من الكتاب المقدس الذي يحتوي على آيات كثيرة للعمل مع مؤمنوا الأديان الأخرى ومهما زادت الأضطهادات فعلينا الأستمرار ، والمسيحية تطلب الحوار أكثر من الأديان الأخرى .
 إذن قولك هو الغريب وليس رأي ، قلت ( فكلما زاد إضطهاد المسيحية والمسيحيين ، كلما زاد عدد الذين يوجهون اللوم والأتهامات الباطلة لهم ...الخ ) جوابي هو، المحبة المسيحية لا تسقط بسبب الأضطهاد ، فالمحبة ثابتة لا تتزعزع ( طالع التفاصيل في أنشودة المحبة للرسول بولس في " 1 قور 13 " ) اليوم يا أخي متي سأفتح لك دورة تقوية لكي تتعرف على مبادىء المسيحية الأساسية وأرجو أن تنفع منها . .
أما سؤالك عن عنوان المقال فأقول ، أنه يتفق مع تعليم الكتاب المقدس الذي يحث المؤمنين إلى محبة الجميع ، أي مؤمني الأديان والمعتقدات الأخرى وحتى وإن كانوا ملحدين ، فالله يحبهم ويريد لهم الخلاص ، وسفر يونان غير مثال . الله أجبريونان النبي لكي يذهب إلى نينوى الوثنية وينذرها لكي تتوب ، لأنه وكما كتبت أنت ( أن الله هو أب لكل البشر أنه يشرق بنوره على الصالحين والطالحين ... ) الآن هل أكتشفت ضعفك ومستواك يا أخي متي ؟ تارة ترفع الكرة ، وأخرى تكبسها نحو الأرض ، وهكذا تتناقض آرائك . فإذا كان هذا مستواك لماذا تنقد , ولكي أختصر لك هذه الفقرة بأن محبتنا هي شاملة ولا حدود لها ولكل البشر وبما فيهم أعدائنا الذين أوصانا الرب لكي نصلي لأجلهم ونحبهم ، فالرب أختصر الكلام بهذه الآية ( أحبب قريبك كنفسك ) والمقصود بالقريب كل أنسان نلتقي به مهما كان معتقده ، وإذا لم تفهم من هو قريبك كاليهودي الذي سأل المسيح من هو قريبي ، فطالع أنت أيضاً مثل السامري الصالح .
كتبت ( كل المسيحيين يؤمنون بالخلاص بالمسيح وحده ...الخ ) وأنا قلت بأن المسيح هو الطريق الأقصر إلى الله ويجب أن نلتزم بوصاياه ولا ننكرها أثناء الحوار ، لكن يجب أن لا نذكر ما يستفز الآخر من الآيات كقول الرب سيأتون أنبياء كذبة من بعدي ، أو غيرها ، ولا الطرف الآخر سيقطع عنا الطريق بما له من آيات . لكن يجب أن نحوار الجميع لأجل خلاصهم لأن الله يريد خلاص الجميع لأنه أب الجميع كما تفضلت أنت وكتبتها ، فهناك فرصة لخلاص الأخوة في الأديان الأخرى لأن الله يا عزيزي متي يشبه الراعي الذي لا يريد أن يفقد شيئاً ( طالع يو 11:10 ) لهذا يجمع ويوّحد كل أفكار وعواطف تلك الشعوب ويسددها نحو الصواب وإلى النور لكي يجعل من كل تلك الشعوب شعباً واحداً ، بل رعية واحدة . لهذا قال الرب يسوع في " يو 16:10 " ( ولي خراف أخرى ليست من هذا القطيع " أي ليسوا مسيحيين " فهذه يجب أن آتي بها لتكون الرعية واحدة والراعي واحد ) ولهذا اريد أن تعلم بأننا نحن المسيحيين نريد الخلاص للجميع لكي يصبحوا جميعاً من حصة المسيح لا من حصة الشيطان الذي يريد السقوط لكل البشر ,
 فكما كتبت في مقالي علينا أن نقترب منهم ونعزف معهم على أقرب وتر مشترك بيننا وبعد ذلك ننتقل إلى الأوتار الأخرى ، أنهم سيتأثورن فعلاً بمحبتنا ومبادئنا وأخلاقنا وتعاليم ديننا القويم ، لهذا نرى بأن البابا فرنسيس ذكر أثناء زيارته للمغرب ما هو المشترك بيننا وبين الأسلام والذي هو الله ، لم يقل المسيح ، بل الله فقال ( إننا مسيحيين ومسلمين ، نؤمن بالله الخالق والرحيم ، الذي خلق البشر وجعلهم في العالم حتى يعيشوا إخوة ، يحترم بعضهم بعضاً في التنوع ، ويساعد بعضهم بعضاً عند الحاجة ، وقد عهد أليهم بالأرض ، بيتنا المشترك ، كي يتعاونوا في المحافظة عليها بمسؤولية ، ورعايتها للأجيال القادمة ) أنا أفسر حسب المبادىء الكاثوليكية ، فان كنت من طائفة أخرى فأنت حر برأيك .
وكل أمة على الأرض حرة ، لأن الله خلق كل أنسان حر ، فتستطيع كل الشعوب أن تعتبر نفسها بأنها الأصح في إيمانها والأقرب إلى الله . وكذلك كل إنسان يعتبر نفسه وحيد لدى الله ، ومحبوب وكأن نفسه هي وحدها على الأرض . لهذا يجب أن نؤسس علاقة بين المسيحية  وغيرها من الأديان لكي يتعرفون على مبادئها وتعليمها .
تعليقك على الأقتباس ( والله سيدين غير المسيحيين ...إلخ ) فقلت لا أدري لماذا عمد الكاتب إلى جعل الأمر ملتبساً . جوابي لك هو . الأمر واضح جداً لكن أنت الذي عكرته برأيك وأنت تهاجم المسلمين به ، فكتبت من آياتهم ، منها ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب العناق ....الخ ) الآن قل لي هل أنا أهاجم أحداً ، أم أنت تهاجم المسلمين مرات عديدة ، ولم تفهم ما ذكرت بأن الأدانة تكون حسب شريعة الأنسان ، حسب رأي الرسول بولس ، فإذا كانت أعماله صالحة وفيه المحبة لبني البشر فإن ذلك الأنسان فيه الله ، لأن ( الله محبة ) وإن لم يكن يؤمن بالله أو يتعرف به ، لأن الله يريد خلاص كل الأمم ، وللمزيد طالع الأصحاحين ( 10 و11 ) روم ، فستجد فيها رحمة الله الشاملة ومتاحة للجميع وأن الله لم يخلق الغير المسيحي ليهلكه إن كان صالحاً وكريماً ومحباً للبشر .
أما ردي على تعليقك في النقطة الثالثة ( منذ بدء المسيحية ...) أتهمتني وقلت بأن الكاتب يحاول خلط الأمور علينا .... أي أمور تقصد ؟ أنا ألاحظ أنت لا تستطيع فرز الأمور وفهمها كما هي ، وكما يريد الأنجيل ، بل كما تريد أنت بأفكارك البعيدة عن الأيمان المسيحي ، وتريد أن يكونوا المسيحين محترمين من قبل كل الأديان ولا يجوز أضطهادهم في صلواتهم ويعيشوا بسلام . يا أخي العزيز الكنيسة بلا صليب لا تعتبر كنيسة ، لهذا قال يسوع لتلاميذه سأرسلكم كخراف بين ذئاب خاطفة . بل عدت مرة أخرى لتهاجم المسلمين فذكرت آية أخرى من كتابهم وهي ( ومن يتبع غير الأسلام ديناً ...إلخ ) ولم تكتفي لأن حقدك واضح تجاههم ، وتتهمني بأنني أهاجمهم ، وأضفت آية أخرى ، وهي ( ولن ترضى عنك اليهود والنصارى ... ) ورأيك حول موضوعي كان مركز على تلك الآيات التي لا علاقة لها بالموضوع . وزاد حقدك لي فقلت ( لماذا لا يذهب صاحب المقال إلى أخيه المسلم والأبتسامة على وجهه ليحدثه عن الأخوّة الأنسانية ويقنعه ... ) إذاً قداسة البابا فرنسيس الذي يذهب إليهم والأبتسامة على وجهه خاطىء ، وأنت العالم والخبير والمملوء بمحبة الأنجيل . أترك حقدك وفكر بهدوء بما يطلبه منك الأنجيل .
 رابعاً : كتبت ( أخطر ما قاله كاتب المقال هو ، فلنتعامل مع الآخر بإسم الله .... ) .
الأقانيم نحن نؤمن بها ، أما الآخرين فلا يؤمنون بها ، فكيف تبدأ معهم الحوار بالقول بأن المسيح هو الله ولا خلاص إلا به وكما تقول الآيات التي ذكرتها ( 1و 2 و3 ..الخ ) فأقول هو أيضاً سيقول لك بما يؤمن به ويعتقد بأنه الأفضل . إذن علينا أن نبدأ بما يربط بيننا أولاً دون أن ننكر مسيحنا واقواله وكما وضحت في المقال .
خامساً : عدت إلى حقدك مرة أخرى وقلت
من يفرض على من ؟
من يهدد من ؟ ‏
من يستعمل القوة ضد من ؟
امر هذا الرجل فعلا غريب ...هل يريد كاتب المقال منا ان نستمرّ في سرد آيات ‏الرحمة ؟

وتقصد الأسلام أيضاً . أما عن أمري فليس غريب عن التعليم المسيحي ، بل أنت ملوث بأفكار وآيات الآخرين وتريد أن نترك آيات الرحمة ، ونأتي بغيرها . أنا لا أريد أن أخرج من خط المسيح المرسوم بدمه ، كما تفعل أنت وأسلوبك صار مثلهم بسبب العدوى لأنك تسمع إلى بعض المواقع والبالتوك وغيرها فصار أسلوبك هجومي مثلهم وحفظت آياتهم فتتحدى حتى أخوتك المسيحيين مثلي بطريقة ، العين بالعين والسن بالسن ... وتريدنا أن نحاورهم نحن أيضاً هكذا ؟ لا نحتاج إلى سيف يا حبيبي لكي ننشر البشرى لأننا خراف بين ذئاب خاطفة ، والخروف يجب أن يكون وديعاً، ولا يهاب من ضرب الأعناق ، لأن الضارب بالسيف لا يستطيع أن يأخذ النفس أيضاً .
في الخاتمة قلت لي ، نواياك واضحة وباطلة ، بل نواياك باتت واضحة وتجلت للجميع ، وتفقد أسلوب الحوار ، وكما فعلت بالأخ ميخائيل ديشو الذي نقدك ، وللأسف أنت بعيد كل البعد عن الروح المسيحية ومتأثر بسياسة القوة والتحدي . تريدنا أن نحمل السيف ونترك آيات الرحمة كما فعل بطرس ليدافع عن سيده ، لهذا زجره المسيح قائلاً ( أغمد سيفك ، فكل من يأخذ بالسيف يهلك... )" مت 53:26 "  أنت ما تزال بفكر بطرس قبل أن يفهم رسالة المسيح فأراد أن يدافع بالسيف .
ختاماً أطلب منك يا أخينا متي بأن لا تكتب في ما أنت تجهله . وقد أعترفت بأنك لست لاهوتياً ولا متعمقاً بالأيمان المسيحي ، لهذا أقدم لك هذه الوصية وأقول عن هذه المهمة بأنها الأصعب في هذا الكون ، لأن تفسير الكتاب المقدس يحتاج إلى دراسة وإلى أخلاق مسيحية ملؤها المحبة للجميع ، وإلى التعليم في المدارس المختصة مع الأستمرار في القراءة لكي لا يجلب المعلم أو الكاتب لنفسه الدينونة ،  وهذا هو رأي الرسول يعقوب في رسالته ، قال لكل منا  ( يا أخوتي ، لا تتسابقوا كي تجعلوا أنفسكم معلمين لغيركم فتزيدوا عدد المعلمين ! وأذكروا إننا ، نحن المعلمين ، سوف نحاسب حساباً أقصى من غيرنا ) " يع 1:3" .
أما رأي الرب يسوع في من يصبح حجر عثرة لأحد الصغار في الأيمان ، فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى ويطرح في البحر ( لو 2:17 ) .
 والرب يسوع ينورك ويحفظك يا أخينا العزيز متي أسو ، مع محبتي وتقديري 
الكاتب
وردا أسحاق قلّو
وندزر – كندا

17
العلاقة بين المسيحية والأديان الأخرى

بقلم / وردا أسحاق قلّو

 أكثر المسيحيون يؤمنون بأن الخلاص هو بالمسيح وحده ، وهو النافدة الوحيدة إلى الله ، وليس بغيره الخلاص ، فهل هذا يعني بأن الله بعيد عن مؤمني الأديان والمعتقدات الأخرى ؟ منذ العهد القديم عندما كان اليهود يظنون بأن الخلاص هو لهم وحدهم ، وهم شعب الله المختار ، كان الله يمد يد الرحمة للشعوب الوثنية كشعب نينوى ، كما يوحي العهد القديم إلى أنفتاح مذهل على الشعوب الأخرى في ما بين النهرين وغيرها . وكذلك شملت محبة ورحمة المسيح في حياته على الأرض أناس أممين كالكنعانين والسامرين وغيرهم ، فعلينا أن نتعلم من أن الكتاب المقدس يحتوي على أجوبة العديد من الأسئلة الدقيقة التي تطرح دائماً في إطار الحوار بين المسيحية ومؤمني المعتقدات الأخرى . وهذا ما يدفعنا إلى التقارب والحوار مع شعوب الأديان الأخرى بمد جسور المحبة بيننا والأنخراط بحوار مشترك نصل فيه إلى دراسة الأفكار العميقة حول الأمور اللاهوتية والمواقف الروحية التي لا بد منها للقيام بمثل هذا الحوار .
 منذ بدء المسيحية أراد بعض المؤمنين التقوقع على أفكارهم القديمة الموروثة من اليهودية ، فحاولوا إرغام الوثنيين المنتمين إلى المسيحية أن يحفظوا الشريعة ويختنوا كاليهود ، رافضين الأنفتاح مع الأمم ، فتم عقد مجمع أورشليم ( أع 15 ) من أجل حل هذه المشكلة ، هكذا اليوم يرفض البعض العمل مع أبناء الديانات الأخرى بمحبة وتآلف وأحترام والعيش المشترك ، وكذلك من أجل أيصال نور الأنجيل إليهم .علماً بأن التعددية الدينية لا تتطلب من المسيحي أن يتخلى عن شهادته للمسيح في سبيل أحترام الآخر والتعامل معه . فكل من لديه الأفضل ، هو الذي يسهم في أغناء الجماعات الأخرى وبروح التواضع والأحترام مع الأستعداد للأصغاء إلى الرأي الآخر . لماذا الخوف إذا كان نور عقيدنا أقوى علماً بأن المسيحانية هي الموضوع الأساسي في علاقة المسيحي مع أبناء الأديان والمعتقدات الأخرى .
المطلوب من كل مسيحي هو الألنزام بالمسيح والأقتداء به ، وفي الوقت نفسه ينفتح على شهادة الآخرين بفرح وثقة ، ومن واجبه أن يعمل مع الآخر لكي ينوره بأفكاره وإيمانه وأخلاقه وصدقه ، لأننا نحن المسيحيون نور العالم . فعلينا أن لا نخفي النور بل أن نعرضه للعالم . وهكذا بالنسبة إلى الكنيسة بشكل عام مدعوة إلى التعامل مع التعددية الدينية بطرق لاهوتية تؤول إلى فهم أعمق لعقائد الأديان بالتحاور المستمر والعمل على تعزيز العلاقة معاً بمحبة . لا يوجد في اللاهوت المسيحي العداء ، أو اللامبالاة تجاه الأديان الأخرى ، وخاصةً في هذا العصر ، لأن الأساليب التي أنتهجتها الكنيسة قديماً عندما كانت تنتقل مع حكومات بلدانها المستعمرة من أجل التبشير ، كان يفسر الدين من قبل تلك الشعوب ديناً ظالماً لأنه قادم مع المستعمر ، أي فرض عليهم بقوة السيف . أما اليوم فالطريقة تغيرت ، والخبرة الجديدة لا يجوز نقلها إلى الآخرين بتلك الزقاق القديمة ، بل بزقاق جديدة .
الله واحد لجميع الأمم وصفات الله الحقيقي ومبادئه ووصاياه للبشرية واحد ، أنه يحب الجميع ، لهذا نرى في الفصول الأولى من الكتاب المقدس بأن الله لا يتحدث عن أية جماعة مفضلة أو مختارة ، بل يتحدث عن عائلة بشرية واحدة منحدرة من آدم وحواء ، وكل أنسان خلقه الله على صورته ومثاله ويريد الخلاص للجميع . وحب الله للأنسان هو بدون شروط ويريد الخلاص للجميع ، ولأجل حبه لنا يدعونا إلى الأقلاع عن حياة تتمحور حول الذات والدخول في نمط عيش محوره حب الله بأشتراكنا مع الآخر بمحبة والعيش المشترك .
الكثير من المسيحين لا يرضون الأهتمام بالمسلم والبوذي واليهودي والهندوسي وغيرهم ، فيفضلون العيش المنعزل ، ولا يريدون الحوار معهم أو الأقتراب منهم لقناعتهم بأن عقائدهم باطلة ، وتعليم الأنجيل واضحة للخلاص ، تختصر بقول الرب ( لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي ) و( لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ ) وغيرها من الأقوال التي تخص بالخلاص بالمسيح وحده ، أما الله كثالوث فألقوه جانباً ، وأخفقت المسيحية أقله في وجهها التبشيري البروتستنتي في إيجاد قاعدة للتعاطي مع الشعوب التي تحيا في إيمان آخر وكل ما يمكن القيام به لأجل خلاصهم هو دعوتهم إلى قبول المسيح رباً وسيداً . ، فتقتصر العلاقة آنذاك على المجال التبشري دون سواه . لكن هذا الموقف الصلب والصعب على الشعوب الأخرى يتعارض مع مجمل تعاليم الكتاب المقدس ، لأن الله هو محور رسالته ، وفي الله يجد كل إنسان كيانه ، والله سيدين غير المسيحي على أساس شريعته ( طالع روم 2 ) . فمن يطبق شريعة الناموس كما يريد الله فلماذا لا يدخله الله في ملكوته ، قال الرب ( وستأتي أناس من الشرق والغرب ، ومن الشمال والجنوب ، ويتكئون في ملكوت الله ) ” لو 29:13″ .
أجل الكثير من البروتستانت لا يعير لله أو لعقيدة الثالوث إلا أهتماماً صورياً ، فمحبتهم تتركز بشخص المسيح فقط ، نعم المسيح هو الطريق الأقصر للخلاص ، لكنه علمنا أيضاً بأن نتكل على الله الآب أيضاً ، فعلمنا صلاة الأبانا التي تحثنا إلى محبة الله الآب ، كما أرسل لنا الروح القدس لكي يقودنا إلى الله . فلنتعامل مع الآخر بأسم الله بدلاً من المسيح ،  علماً بأن اللاهوت بشكل عام يتمحور حول الله كثالوث وليس كأقنوم ، هكذا يتيح للمسيحيين المجال للوقوف إلى جانب مؤمني الأديان الأخرى كأبناء الله الواحد من دون أن ينكر المسيحي شهادته بالمسيح وأنجيله .
 فالتعددية الدينية لا تجبر المرء أن يتخلى من مبادئه المسيحية ، فرسالة الكنيسة هي ( الكتاب المقدس ) والذي يتركز على رسالة واحدة شاملة ، وهي رسالة الله لكل أنسان ، وتتوخى خلاص الجميع . وكل الرسائل الأخرى في المسيحية تجد نفسها ضمن تلك الرسالة ، كالشهادة للمسيح ، وعمل الرحمة التي يقوم بها المسيحي من أجل خدمة الآخر ، والتعاطف مع المنكوبين ، والمظلومين ، والمشردين من الأديان الأخرى وغير ذلك هي قسم من رسالة الله التي لا تعرف لها حدوداً ، والكنيسة تكتشف من جديد دورها كجماعة خادمة للجميع ، لا كجماعة تدين الآخرين . كل معتقد يفهم الله بطريقته . المسلم يفهمه بطريقته ، والهندوسي يتوجه نحو الله بطريقة أخرى مغايرة ، أما في البوذي فنجد نكران الذات من أجل الخلاص ، والأيزدي يعبد الله بطريقة أخرى وقد تكون تعاليم إلهه أكثر رحمة وسلام ومحبة من إله الكثيرين ، وللهندوسي مفهوم خاص للواقع البشري يختلف كلياً ، إذ إنهم يستعملون مفاهيم خاصة بهم ( كالولادة الجديدة ) وتطورات دورة الحياة ، فكيف يمكن أن يتجسد ( الخبر السار ) داخل تقاليدهم ؟ كيف يمكنهم فهم رسالة الأنجيل ؟ إنهم يقبلون المسيح كمعلم كبير ، وكقدوة وقديس … الخ . يجب أن لا نفرض عليهم شروطنا . لندع المسيح يكون لهم ما يكون . لأن طريقة فرض الأنجيل كجزء لا يتجزأ من تبشيرنا يدخل في مجال فرض الديانة على الآخر ، وهذا كان السبب الذي حال دون إعتناق المهاتماغاندي للمسيحية كديانة ، رغم أنه قد تعلم منها الصدق والفضائل الأخرى . كما أعترف وقال عن المسيح ( إنه قدم نفسه ضحية من أجل مصلحة الآخرين بما في ذلك أعدائه ، وأصبح فدية عن العالم لقد كان مثالياً ) . الهندوسيون  يشعرون بالتتلمذ للمسيح إذ في ود الكثيرين أن يقبلوه علانية ، كما أنهم يرون بأنهم غير ملزمين بالتتلمذ للمسيح علناً ، أي يكفي أيمان القلب .
أما شيخ الأزهر أحمد الطيب ، فقال على قناة النيل المصرية ( أنه تأثر بعظة المسيح على الجبل ، إنها موعظة جميلة ورقيقة ، وأنا أحياناً أتغنى بها وتدمع عيناي ) . المسلمون يؤمنون بأن المسيح هو من كبار الأنبياء وهو من روح الله ، ويصفون المسيحية هي الأقرب إلى دينه ، لكنهم يحتاجون إلى حرية إبداء الرأي لأعلان إيمانهم دون أن يمسوا بأذى من أتباعهم .
فالحوار والعلاقة بين المسيحية والأديان الأخرى هو الهدف المطلوب في الكتاب المقدس وعلى المسيحي أن يحب الجميع ويعمل لخدمتهم لكي تتجلى في أعماله المحبة والرحمة للغريب ( طالع مثل السامري الصالح ) . وحتى عندما نبشر الأمم بالمسيح في الفضائيات وغيرها من الوسائل الحديثة يجب أن نحاورهم بكل محبة وأحترام دون أن نطعن بما لديهم بل أن نعرض ما لدينا بوضوح ومحاورتهم بالأدلة والبراهين وبأسلوب حضاري والأحترام للآخر.
في النهاية نقول : كل الأديان تبحث عن الحق . فبوذا قال في نهاية حياته : لا زلت أبحث عن الحق . أما محمد نبي الأسلام فقال عن المسيح ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) . و(حتى الوثنيون الذين بلا شريعة فيبدون بآرائهم عن الحق حسب الشريعة المكتوبة في قلوبهم ، وتشهد لهم ضمائرهم وأفكارهم  في داخلهم ..) ” روم 2: 14-15″
أما يسوع فقال عن الحق ( أنا هو الطريق والحق والحياة ) ” يو 6:14″
 وهكذا بالحوار تتقارب الآراء وتزيد العلاقة والمحبة ، ومن خلال الحوار يحصل التبشير بكل محبة . علاقة الله بالأنسان هي علاقة حب من دون شروط ، وليس بالأمكان أن تكون بالفرض والقوة والتهديد ، لأن الحب هو عمق كيان الله ، والله كله محبة ، وهكذا يجب أن تكون العلاقة بين أنسان وأخيه الأنسان مهما كان معتقده ، ونور الكتاب المقدس يضىء الطريق أمام المسيحين للعيش مع أبناء كل الأديان والمعتقدات . في الكتاب المقدس تعليمات ووصايا تدعو إلى الأنفتاح وقبول وتحمل الآخر ، كما يعلمنا سبل التعامل مع الجميع ، فتعليمه يحررنا من ذواتنا لنتمكن من العيش معاً كجماعة بشرية متوحدة تبحث عن الحق والحق سيحرر كل من يبحث عنه .
ولله المحب للجميع كل المجد دائماً .

18
رئاسة ربان جبرائيل على دير ربان قفريانوس

الجزء الثاني

بقلم / وردا أسحاق قلّو

بعد وفاة ربان بولس رئيس دير ربان قفريانوس ، بدأ الرهبان يغادرون الدير فأجتمع سكان تلك البلاد مع الأخوة وقصدوا ربان جبرائيل وأعلموه أن دمار ديرهم وشيك أن لم يتداركه بأهتمامه ، وقالوا له ( ان الأخوة كلهم يغادرون ، وان هذا الموضع المقدس الذي تعبتم في إقامة سيخرب قريباً ) فأجابهم ( إني لا أستطيع ان انتقل بدون الأمر الأهي الذي أذن لي بالرجوع من بلاد قردو وأولاني الراحة في هذا الموضع المقدس ، فأرجعوا إلى بيوتكم وفي هذه الليلة نصلي غلى الرب انا والأخوة لكي تتم بنا مشيئته ) . أمر الأخوة بقيام صلاة على تلك النية ، أما هو فصعد إلى صومعة الأنبا يوحنان وأمضى الليل كله في الصلاة إلى الله . قبل بزوغ الفجر ، وبينما كان منهدجاً خطف عقله ورأى وكأنه في بيت شهداء دير ربان قفريانوس ، وكان قفريانوس حي يتلو وحده هذا المزمور ( ما أطيب وما ألذ أن يسكن الأخوة معاً ) ” مز 1:132″ . وكأن قفريانوس يطلب منه تلاوة المزامير بصفين متقابلين ، ولا زالت العادة جارية في الكنيسة . أستيقظ وثاب الى نفسه وقد غمره الفرح والأبتهاج وعرف ان مصدر الرؤيا هو الرب الذي يأذن له بالأنتقال الى ديرقفريانوس . أنحدر في الصباح الى ديره وأقام عليه مدبراً ووعد أنه لن ينساهم أبداً . نزل مع الرهبان ومنحه الرب موهبة السيطرة على الشياطين وشفاء كل الأوجاع والأمراض بقوة الصليب ، وانعم الله عليه برؤى عديدة ، وكان يرى ويعرف الأمور البعيدة كالقريبة ، وحمل صليب يسوع بحرارة مضطرمة وتبع هوان الصليب فعظمه الرب بالقوات والعجائب التي كان يعملها ، وأنعم عليه برؤى مجده ، ريثما يأتي اليوم المنتظر فيدعوه ويقيمه عن يمينه في مجلس أتباع انطونيوس وكل الأبرار . وبسببه أجتمع في ذلك الدير رهبان عديدون ، فكل راهب مهمل وخامل تقوى وتجدد في عمله النسكي  . كان ينصح كل الأخوة ويقول:

 ( ان الزمان قصير ، يا أحبائي ، فإننا نشتغل اليوم أمام الرب في هذه الحياة ثم نجتاز ، وأجرعملنا القليل محفوظ لنا مدة لا ينهيها سير الأزمان وتعاقبها . انظروا يا أحبائي كم احتمل الأنبياء القديسون من الآلام والمحن ، وكم عانى الرسل الطوباويون من الضيقات والعذابات ، وكم قاسى الشهداء المظفرون من الأهوال والميتات القاسية لأجل ملكوت السماء . تأملوا الأباء الآباء المتوحدين كيف تركوا العالم وأمواله ونبذوا محبة الآباء والأخوة وخرجوا عراة إلى القفر وحدهم حباً بالرب الذي قال لهم : ان كل من لا يترك أباه وأخوة وأبناء وبنات وكل شىء ويبغض نفسه ويحمل صليبه ، أي الشدائد والتجارب المرة ويحتمل لأجلي كل الصعوبات ويكفر بالمنظورات لا يمكنه أن يكون لي تلميذاً . أيها الأحباء لا نقرأن مىثر القديسين بدون ان نكمل في نفوسنا اعمالهم ، فالله يعير بلسان داود من يقرأ ولا يعمل ، قائلاً ” ما لك تحدث بحكمي وتأخذ عهدي على لسانك ؟ وانت قد ابغضت التأديب ونبذت كلامي ورائك “ مز49: 16-17 . ويكتب بولس الألهي في رسالته البديعة . ” ليس العارفون بالناموس هم المبررون أمام الله ، إنما مكملوا الناموس هم يبررون “ رو 13:2 . فلا يطمئننا ثوبنا والعباءة السوداء وأكليل الرأس والزي الذي نحن به متوشحون ، كأن هذه الأمور شىء يذكر قدام الله ، فإن في العالم أناساً مساكين لا يملكون حتى هذه الأشياء ، بل أنهم عراة ومعوزون ومتضايقون محتاجون وليس لديهم حتى الخبز اليومي ، ولأنهم مهتمون بالأمور الباطلة ، لا يشفق الله عليهم لأجل عوزهم ، فلأن تصوموا وتصلوا وتسهروا وتشتغلوا طيلة حياتكم ـ فإن هذا الشغل لا يوازي القوت الذي بع تعيشون . فلا تظنوا أنكم ستكافأون عوضها في العالم العتيد . فأن سعادة ذلك العالم لا تعطي لأجل الأتعاب بل تمنح للقديسين مجاناً . والأجر المحفوظ للصالحين هناك شبيه بعدل الله . لأن أتعاب القديسين أزاء نعمة الله . إذن أيها الأحباء لا تظن أن التعب الزهيد الذي نعانيه سيبررنا أمام الله ، بل بالحري ليكن لنا دافعاً الى الخوف .فلعل آبائنا وأخوتنا المرتبطين بالأرضيات يكونون أفضل منا هناك أمام الرب هم الذين يؤدون الجزية ورأسهم منحن أمام ضرائب الملوك وهم يفرجون عن المضايقين على المحتاجين ويحسبوننا صديقين ، لأنه مكتوب : ” أن غبطة من يعطي لأعظم ممن يأخذ “ فلا نفقدن تلك الطوبى بأكلنا ثمرة شغل المؤمنين ونحن لا نعمل شيئاً يذكر لمعيشتنا . فالأجير الذي يشتغل بأستقامة أمام إنسان يشبهه ، فكم بالأحرى يجب ان نأكل خبز الرب بدموع ، ولا نهملوقتاً واحداً من الشغل الذي يقتضيه مسلكنا المقدس ” .

” أيها الأخوة ” لنتذكر ذلك الملكوت الذي لا يحول ، والخدر الذي لا يزول ، والنور الذي لا يفنى والذي فيه ينعم والقديسون . ولنصِب الى تلك الأخوة التي لا يدانيها الحسد والأتفاق الذي لايفصم والشركة التي لا تنقسم والصداقة التي لا يعتريها الملل وبها تفعم قلوب الصديقين بمنظر جلال المسيح المسجود له . وإلى ذلك الأجتماع الذي ر يرفض ، إجتماع الكنيسة المكونة من الروحانيين والجسدانيين ، وإلى تلك العذوبة التي لا تتغير . الناتجة عن صوت تهاليل المهللين ، وإلى ذلك التواضع الذي لا يرتفع ، وذلك الأرث الذي لا يغتصب الذي يرثه الأبرار في عالم النور. وذلك المجد الذي لا يوازي الذي يتوشح به أبناء النور هناك . وتلك الموهبة التي لا تسرق والتي يرثها الأبرار في عالم المسيح الجديد . وذلك الشكر غير المنقطع الذي يصعده المناطقون كلهم بغير سكوت . فلما تتألم عقولهم اليقظى في هذه الأمور وفي أمثالها  ، أيها الأطهار الأحباء ، تجدون قوة اتستطيعوا أن تقمعوا وتحتقروا الأهواء القبيحة التي تختلج فيكم بسبب شقاء الجسد الذي تحملون وزره وميل نفوسكمالمنقلبة ، فتستقوا النعمة التي تمنح كل المواهب لكي تقضوا أيامكم من مأمن من كل الهجمات ، حسب أرادة خالقكم ، فتكونوا في هذا العالم هياكل مقدسة ترتل تسابيح الرب ، ومساكن مجيدة تسمع فيها أصوات المجد والخلاص ، كأنوار بين الظلمات ، فيرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماء ، وتكللون بمجد لا يزول مع كل الأبرار الذين بلغوا أليه وسيبلغون .
كان ذلك الفم المقدس يتدفق بهذه الكلمات على مسامع الرعية التي أودعت له . ومثل زرع جيد ألقي في حقل مخصب ، كانت نفوس تلاميذه تعطي ثماراً ، ويزداد أولاده ألقديسون فضلاً وشهرة ، حتى أصبح أبناء هذه الجمعية التي يرئسها هذا العامل الصالح وخادم بيت المقدس . الحكيم والقديس ربان جبرائيل ، علة مجد لسيدهم ).


إلى اللقاء في الجزء الأخير للقديس جبرائيل

19
                                   غاية يسوع من التحدث بالأمثال

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( لهذا السبب أكلمهم بالأمثال : فهم ينظرون ولا يبصرون ، و يسمعون دون أن يسمعوا  أ و يفهموا )" مت 13:13 "

علينا أولاً ان نتعرف على لفظة ( المثل ) والغاية من الأمثلة في الكلام .
 المثل هو صياغة خاصة لقصة قصيرة بشكل مميز يدعو السامع إلى البحث عن الحقيقة ، وفي عمق المثل نجد غاية وهدف . في المثل يستطيع أن ينقل المتحدث ما يريده إلى المستمع ، فالمثل لغة خاصة تختصر كلام كثير بين قوسي المثل . بالمثل يمكن نقل الفكرة التي لا يستطيع المتحدث نقلها للآخرين بالكلام المباشر لأن الواقع الذي يعيش فيه لا يسمح بحرية التعبير عن الرأي ، لكن بالمثل يستطيع أيصال الفكرة إلى السامعين والتأثير على أفكارهم لجعلهم يرتدون عن مواقفهم لصالح آرائه

قد لا يستطيع المتحدث فعلاً نقل ما يريده بحرية إلى الخصم كفرد أو مجموعة ، لهذا يصيغ كلامه على شكل مثل لا لأجل الخداع ، بل لحصر المقابل ، ولكي يعترف بالحقيقة عاجلاً أم آجلاً . المثل ليس كلاماً مُعقداً ، او مشفراً يحتاج إلى جهد لفهمه ، بل هو رأي مختصر يحتاج إلى فهم رموزه لأجل الوصول إلى معنى أعمق.
فالسامري الصالح ( المسيح ) هو ( العهد الجديد ) الذي أهتم بالأنسان فداوى جروحه بالزيت والخمر ( أسرار الكنيسة المقدسة ) أما الكاهن ( عهد الشريعة ) واللاوي ( عهد الأنبياء ) فلم يستطيعوا شفاء الأنسان المريض في الخطيئة . السامري الصالح أخذه إلى الفندق ( الكنيسة ) لكي يستمر بتداويه بأسرارها المقدسة ، ومن ثم رحل السامري ( صعد إلى السماء ) ودفع إلى صاحب الفندق قطعتي من الفضة ( الكتاب المقدس بقطعتيه ، القديم والحديث ) ووعد صاحب الفندق (الأساقفة والآباء الكهنة ) بالعودة في المجىْ الثاني لمكافئتهم . إضافة إلى هذا التفسير اللاهوتي ، قصد الرب بمثله  لأحد علماء الشريعة  اليهودية الذي كان يظن بأن الشعب اليهودي هو الأطهر والأرحم وله فقط الخلاص ، بهذا المثل أجبره يسوع لكي يقول بأن الذي يعمل الصلاح هو الأفضل

إذاً للمثل أسلوب لغوي ، وممتع ومُسَلي ، غايته الوصول إلى فكرة ذات قيمة أخلاقية لها مخزى ، كما يحمل المثل فكرة جوهرية عميقة للوصول إلى الغاية . كما تدفع المستمع إلى التفتيش عن المعنى الرمزي للمثل لكي يساعده للوصول إلى المعنى الروحي . فالمثل هو تلك النافذة التي من خلالها نتطلع إلى الحياة بنظرة جديدة ومعاصرة . اما سبب اختيار يسوع هذا الأسلوب في التبشير فكان لكي لا يُفهم معنى كلامه في حينها فيتصدى له اليهود مباشرةً ويمنعوه من أكمال رسالته . كذلك للجدال بموضوعية ولأستمرار الحوار معهم بمختلف فصائلهم وبهذه الطريقة كان ينقل ما يريده لهم بصورة غير مباشرة أو غير مفهومة ، لأنهم لم يستطيعوا فهم فلسفته ومقاصده ، وبعد ذلك سيأتي وقت التفسير ، وهكذا أستطاع أن ينقل رسالته الشاملة إلى العالم عن طريق التحدث معهم . أجل كان هذا الأسلوب أفضل من الدخول معهم في نقاش مباشر وواضح لما فيه من أحتمالات الرفض والمقاومة أو التصفية الجسدية للخلاص منه قبل مجىء ساعته المحددة ( لو 53:22) . وبهذه الطريقة كان يحارب معتقداتهم الخاطئة والقوانين الأنسانية التي صاغوها وكانوا يفرضونها على وصايا الله لهم . كما قال ( كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع ) " مت 13:15 " . وهكذا كان يعمل للتغيير لأجل غسل العقول بدون أن يدخل مباشرةً إلى الموضوع المطروح . فمثلاً لم يحاور سمعان الفريسي في بيته عندما أثار بفكره موضوع المرأة الخاطئة التي دخلت بيته وجلست عند اقدام المسيح وبللتها بالعطر ومسحتها بشعر رأسها وتقبلتها أمام الجميع . لا يحتاج يسوع لأن يخبر سمعان مباشرةً لما يدرور في فكره ويفضح نواياه أمام الجميع ، بل أقنعه بمثل بسيط ومفهوم فدفع سمعان إلى الأعتراف من هو الأفضل ، كما علمه من خلال المثل إلى المحبة والتسامح ، وجعله يعلم بأن تلك الخاطئة قدمت له أكثر مما قدم هو له في بيته . وهكذا فتح المثل لسمعان آفاقاً جديدة لكي ينظر إلى المرأة بعين الرحمة والمغفرة ، وبهذا المثل أيضاً حصر يسوع سمعان في زاوية ضيقة ، وبين أختيارين لا غيرهما ، وهي أما الحفاظ على وصايا آبائه وينكر محبة الله وغفرانه ، أو يقبل التعليم الجديد ويبتعد عن طقوس العهد القديم . وهذا المثل أجبر سمعان لكي يفهم المسيح ويبرر المرأة ، ومن ثم يشعر بأنه ليس الأفضل ، ومثله فعل الفريسي في الهيكل ففضل ذاته أمام الله على العشار الخاطىْ.

كان يسوع يفسر أمثاله لتلاميذه عندما كان ينفرد معهم ، أو كانوا هم يسألونه عن تفسيرها كمثل الزارع . فغايته من التحدث بالأمثال كانت لكي لا يفهموه اليهود في وقتها ، وبهذا تمت بهم نبؤة أشعياء الذي قال ( سمعاً تسمعون ولا تفهمون ، ونظراً تنظرون ولا تبصرون ، لان قلب هذا الشعب قد صار غليظاً ،... ) " مت 13: 14-15 "

كذلك حتى ملكون الله شبهها بأمثال ، كالخميرة ، والبذرة في الأرض وغيرها

ختاماً نقول : أن الأمثال استعملت قبل المسيح من قبل الآباء ، لكن  يسوع صاغها بأسلوب معاصر فيه طعماً مشوقاً وكأن المثل قصة قصيرة جميلة يتلذذ السامع بها , كما في المثل سمة خاصة تربك وتسلي وتفاجىء السامع بمفاهيم سماوية عظيمة ، لما في المثل عمق ورؤى جديدة ، وله نوافذ فكرية وروحية لم يصلها أحد من قبله فنادى بأفكار جديدة مناهضة لأفكار ومعتقدات السامعين ، كما فيه فكرة روحية لخلاص الأنسان  ، كل أنسان وليس اليهود فقط . فملكوت الله ليس صعب المنال ، بل هو خطوة صغيرة يتخطاها كل أنسان فتقوده إلى الخلاص . فبثورة الأمثال أستطاع يسوع أن يهز بها أوتار روح المستحقين فكسبهم إلى أفكاره

ليتمجد أسم يسوع المخلص الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور  




20
قديسان من بلادي .... جبرائيل وأخيه بولس

أعداد / وردا أسحاق قلّو


الجزء الأول

ظهر قديسين آخرين بعد الراهب قفريانوس في نفس المنطقة ومنهم الراهبان جبرائيل وأخيه بواس . فالراهب بولس الذي تعمق في أسرار المسيح فأجرى الرب على يده آيات تساوي آيات الأنبياء والرسل ، فما كتبه الأقدمون عن مآثره ، وكنب عنه من قصص التي رواها بعض الرهبان الذين رأوه وعاشوا معه ، كما رواها الكهنة ومؤمنون كثيرين . إضافة إلى قصة أخيه بولس الشهير بين الأبرار ، فلا يجوز أن يجهل العالم أخبار وبطواة هذين الرجلين اللذين لا ينقصان عن القديسين الأولين فيترتب على القارىء أن يكرم ويُقَدِر المواضيع التي كتبت ، ويقتطف من هذه القصص ما هو مفيد لأيمانه .

أصل القديسين هو من قرية لوز في منطقة بيث كرماي ( كركوك ) من أبوين صالحين . الأب أمتاز بأيمانه وأعماله الصالحة . والأم كانت أمرأة صالحة أنجبت ولدين ، سميّ الواحد بولس والآخر جبرائيل . ولما كانا ما يزالان طفلين بارح والدهما الحياة الزمنية  فظلت الأسرة في عهدة الوالدة التي عكفت على قراءة الكتب المقدسة والصلاة والصوم ، كما كانت غنية بالصدقات والمواهب توزعها على المساكين . أخذت أولادها إلى الغربة في سبيل الله ، والله العالم بكل شىء قبل حدوثه حينما رأى حب تلك المؤمنة ، وعلِمَ من ولديها الراغبان أن يكونا من بني ملكوته ، وجّهَ التي احتقرت كل شىء لأجل محبته مع أبنيها إلى قرية أسمها ( صورا ) وكان فيها مدرسة شهيرة وأساتذة علماء . وكانت لا تزال بقي من المؤمنين الأتقياء يهتمون بجمع الطلاب والأساتذة الذين يهودن العلم . فلما رأت المرأة سكان تلك القرية راسخين في الأيمان أختارت السكنى فيها ، وأدخلت ولديها إلى المدرسة ، وكانت تعلمهما على الأعمال الصالحة ، وتنصحهما وترشدهما إلى أحتقار حطام الدنيا الزائل . ولم تكن تسمح لهما بأي عمل سوى تلقي العلم ز ومكثا في تلك المدرسة خمسة عشر سنة إلى أن تضلعا في العلم الألهي كله . ومع العلم النظري والعملي ، أي الصوم والصلاة وسهر الليالي مع أمهما التقية التي لن تتركهما أبداً ، بل كانت تحضر معهنا الكنيسة والسهر في الأعياد المقدسة والآحاد مثل حنة أبنة فنوئيل . فلما نالا حظاً وافراً من الثقافة ولم يعودا بحاجة إلى المدرسة أشارت عليهما الأم العجوز أن يتركا العالم وينخرطا في السلك الرهباني . في زمنهم كانت مدرسة القديس قفريانوس مزدهرة برجال أبرار كاملين يفوح منهم عرف جهود أبيهم قفريانوس ، فبأرادة الله وبمحض أختيارهما ومحبة الوالدة أننخرطا في ذلك الدير فقبلا فيه وأكملا سني الأبتداء الثلاث بطاعة كاملة مرضية لدى الله وكانا مهتين بحفظ النظام وبضيافة الغرباء وبشغل الدير كله ، كما كانا يعطيان القدوة الصالحة لكل الأخوة في الدير والغرباء الزائرين ، فكات الغيرة عند بولس تمتزج بشىء من العنف ، أما أخيه فكان هادئاً وديعاً ومضطرماً بحب المسيح ، وكان الأخوة كلهم يدعونه ( الشيخ) للُطفِهِ ، فهل من وداعة مثل وداعته ؟ وهل حكيم يدانيه بطيب المعشر مع الجميع فإن من لم يره قط كان بوسعه أن يميّزه لخصاله الحميدة ولمظهره الرزين ، فكان منظره طاهراً وكلامه هادئاً ، ومشيته مرتبة ، وعيناه منخفضتين ، وقامته منحنية يتأمل في الكتب المقدسة في الساعات التي لم يكن فيها مقيداً بعمل الأبتداء . أنهى الأخوان الأبتداء بحكمة ، إذ بدون الأبتداء لا يتيسر للمرء أن يكمل السيرة الهبانية . وفي يوم كانت الجمعية تحتفل به بعيد ، خرجا إلى الصوامع وجلسا في الغزلة ، وكان بولس الفاضل يهتم بالغرباء والمرضى لأنه كان يتعاطى الطب الجسدي أيضاً . أما الوالدة العجوز فاسكنها في كوخ بجوار صومعته ، فبعد أن أجتهدت في سيرة فاضلة على غرار النساء الطاهرات القديسات رقدت بالرب بالأسم الصالح والراحة الطيبة .

فَضّلَ جبرائيل في المكوث في الصومعة والعكوف على النسك ، بينما بولس أخذ على عاتقه أن يستقبل المساكين ويعولهم بثمار جهده وشغله ، كان جبرائيل مثل أيليا النبي يفضل العزلة .

أنتقال جبرائيل إلى بلاد قردو وعودته إلى البلاد

في بلاد قردو مكث في الدير زماناً طولاً وهو يدأب وينمو في مختلف أنوع السيرة النسكية ، في الصوم والصلاة والسهر والبكاء بين أوقات الصرة ، فصار كل الأخوة يخبطونه ، فعندما رأى ذلك من الأخوة من الأكرام والطوبى ، رذل كل شىء ( صومعته وآثاثه وكل ما كان يملك ) وأخذ مزودة صغيرة مع الكتاب المقدس وخرج خفية في الليل دون أن يعلم به أحد . وقصد أن يكون زاهداً بعيداً وغريباً عن معارفه ، فيمم شطر جبال قردو ، وأتخذ له مسكناً في كهف وجده في واد كثيف الأشجار بعيداً عن كل عشرة وتعزية بشرية . أما قوته فكان من العروق والأثمار ، فهل من تجربة شيطانية لم تعبر عليه هناك ؟ أن الذين عاشوا في العزلة وحدهم يعرفون طعم هذه المرائر . كان جبرائيل يأنس الحيوانات التي كانت تقصده دةماً وتقف بوداعة بين يديه كما كانت تفعل مع نوح في السفينة . كانت الحيوانات تقترب من جبرائيل وكأنها تلجىء إليه وتحتمي به .

أما بولس ، فما كان ليكف عن البكاء لأبتعاد أخيه الطاهر ، بل كان ليل نهار مع الأخوة يصلون ويضرعون إلى الله أن يعَرِفَهُم ماذا جرى لأخيه وأين يسكن . بعد زمن طويل عرف سكان قردو كلهم بأمر الطوباوي جبرائيل وأنتشر خبر العجائب والأشفية التي أجراها الرب على يده لكثيرين فبلغ خبره خبره أيضاً إلى أخيه العجيب بولس ، فأخذ رسالة الطلب من جماعة الأخوة الذين في هذا الدير ومضى إليه ليعيده . وصل إلى موضع أقامته ، ولما بلغه وتبادلا القبلة وبكيا كأخوين حبيبين ، أعطاه بولس رسالة الجمعية ، فقرأها جبرائيل فلم يقرر الذهاب أو عدم الذهاب لأخيه ، بل فوض الأمر كله إلى الله ، فقام كليهما بالصلاة في الليل كله ليعرفهم الرب إرادته ، وفي الليلة الثالثة ، وقد أعيا السهر بولس فأستسلم إلى الكرى ، ظهر ملاك الرب للأنبا جبرائيل وجهاً لوجه وهو يوعز إليه بالعودة مع أخيه قائلاً له : إن هذه هي إرادة الرب لأنك موضوع لفائدة كثيرين في تلك البلاد . في الصباح الباكر قام ورجع مع أخيه ، وكان بولس فرحاً مبتهجاً يمجد الله على عودة أخيه القديس . وهكذا بقوة المسيح التي كانت ترافقهما عادا إلى هذه البلاد .

الى اللقاء في الجزء الثاني

 




21
الصوم … بدايته – غايته – قوته

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( من جميع شجر الجنة تأكلا أكلاً ، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها ) “تك 2: 16-17”
كان الصوم أول وصايا الله للأنسان ، عندما أمرهم بالصوم من ثمار شجرة الخير والشر . وسبب سقوط الأبوين في جنة عدن كان لعصيانهم وتمردهم على تلك الوصية .
الصوم هو تطبيق الفرائص والوصايا التي يفرضها الله على الأنسان على مر التاريخ . فالصوم هو تعبير عن الحب الحقيقي لله أولاً بتطبيق وصاياه ، ولبني البشر ثانياً . ذلك عندما يجعل الأنسان الصوم فرصة له للأحساس بفقر الجائع فيرحمه ، وبسبب تلك الرحمة النابعة من القلب سيحصل من الله الطوبى

( طوبى للرحماء ، فإنهم سيرحمون ) ” مت 7:5 ” .
 في العهد القديم بدأ الصوم في أيام موسى وحُدِدَ له المواعيد لتطبيقه ( زك 19:8 ) صام الشعب العبري ،  وصام كبار الأنبياء أيضاً كموسى وأيليا وحزقيال ودانيال ويوحنا المعمدان ، كما صام شعب نينوى تعبيراً عن التوبة والأنسحاق للعودة إلى الله .
 في العهد الجديد كان يسوع الرب بكر الصائمين . صام في البرية أربعين يوماً مع الصلاة إلى الله قبل دخوله في التجارب الثلاثة ، وبعدها أنطلق إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة أعلان ملكوت الله للعالم . تلاميذه لم يصوموا عندما كان معهم ، وقد رد على سؤال تلاميذ يوحنا المعمدان عندما قالوا له:
( لماذا نصوم نحن والفريسون ، ولا يصوم تلاميذك ؟ ) فقال لهم
( هل يقدر أهل العرس أن يحزنوا ما دام العريس بينهم ؟ … ) ” مت 14:9″ عندما أرتفع يسوع إلى السماء بدأ التلاميذ بالصيام . كما كانوا يصَلّون ويصومون قبل أختيار الخدام الجدد لرسامتهم ” أع 13: 2-3 ” . للصوم قوة كبيرة ضد عدو الخير ، لهذا قال يسوع لتلاميذه الذين فشلوا في أخراج الروح الشرير من الشاب
( هذا النوع لا يطرد إلا بالصلاة والصوم ) ” مر 29:9″ .
 لم يحدد يسوع أوقاتاً للصوم كالعهد القديم ، بل ترك الأمر للكنيسة عبر الأجيال ، لكنه علم أبناء العهد الجديد كيف يصومون لكي يحصلوا على مكافئة من أبيه السماوي (مت 5 : 16-18 ) .
 الغاية من الصوم ليس الأنقطاع عن الطعام فحسب ، بل على الصائم أن يلجم لسانه  وحواسه ، فاللسان كالنار يحرق ( يع 3 ) . اللسان يعبر عن كل ما يخرج من الفكر والقلب ، لذا يجب أن يصوم المؤمن من الخطيئة أولاً ، كما يجب التهيأ للصوم قبل الصيام بتطهير القلب لكي يصبح الجسد كله طاهراً في فترة الصوم.
 يجب أن يرافق الصوم فضائل أخرى كالصلاة والصدقة والصفح . فالصوم مرتبط بالصلاة والتأمل لكي يسدد قدرات الصائم للتركيز في عالم النور والخلاص الأبدي . البعض لا يستطيعون الصوم من الطعام لأسباب صحية ، أو بسبب العمر أو لأسباب أخرى ، فالصوم ليس فريضة على الجميع ، كذلك لا يجوز الصوم بالأكراه ، بل بدافع المحبة لله والرغبة في الأرتقاء في حياة الطهارة ، وهكذا سيعّبر الصائم عن صدق أيمانه  ، فالذي لا يستطيع الصوم من الطعام عليه الصوم من أمور أخرى كالتي لا تليق بسلوك المسيحي ، وهكذا يتخطى نحو الله ، مع تعزيز فترة الصوم بالقراءة في الكتب المقدسة والتأمل بوصايا الله والعمل بها ، هكذا سيتحول نظر الصائم من حب العالم المنظور إلى العالم الغير منظور.
أما عن الصدقة فعلى الصائم أن يتنازل إلى مستوى الفقير لكي يتعايش معه في الفقر ويتصدق له بما صام لكي يشعر الفقير بمحبته ( طالع أش 58: 5-7 و مت 4:4 ) .
الصوم هو حب لله من خلال الأنسان ، وفرصة ثمينة للأحساس بالآخر لكي يرحم . الصوم إذاً مدرسة يعلِم الأنسان الرحمة والأتضاع أمام الخالق والمخلوق ،  فيقاوم كبريائه وشهواته ويقاوم تجارب المجرب التي تكثر في أيام الصوم ، هكذا يجعل الصوم مقدساً
( قدسوا صوماً ، نادوا بالأعتكاف . أجمعوا الشيوخ وجميع سكان الأرض للأجتماع في هيكل الرب إلهكم وتضرعوا إليه ) ” يوء 14:1 ” .
كما يطلب الصوم من الصائم بالصفح عن المذنبين إليه ، فالذي يغفر للناس زلاتهم ، يغفر له الله أيضاً ، وهذا ما نطلبه من الله الآب في الصلاة الربية فنقول ( أغفر لنا زلاتنا كما نحن أيضاً نغفر لمن أخطأ إلينا )

صوماً مقبولاً للجميع

22
مريم أم الله ، والله خالقها

بقلم/ وردا أسحاق قلّو
 
نؤكد أولاً بأن يسوع المسيح هو أبن الله وحسب قول الملاك للعذراء  في يوم البشارة ، قال ( إن الروح القدس سينزل عليكِ وقدرة العليِّ تظللكِ ، لذلك يكون المولود قدوساً وأبن الله يدعى ) ويسوع أبن الله المولود من مريم هو الأقنوم الثاني في الثالوث الألهي المقدس ، أي أنه الله .   

بعد هذا ننتقل إلى مريم العذراء التي هي أعظم إمرأة في التاريخ ، لها شأن رفيع لكونها أبنة الآب وأم الأبن وعروس الروح القدس ، فعظمتها لا تدرك لأنها أسمى من كل البشر والملائكة . وصفها القديس أفرام السرياني بأنها :

( الخليقة الأكمل والأجمل ، فالساروفيم لا يساوونها في القداسة ، والكاروبيم لا يتوقعونها في الجمال ، وجيوش الملائكة هم دونها في الطهارة ، فهي إذاً أعلى من الملائكة في كل شىء .فما أولاها بأن تكون أرفع شأناً من الناس ، إنها قديسة في جسدها ، جميلة في روحها ، طاهرة في أفكارها حادقة في ذكائها ، كاملة جداً في عواطفها ، عفيفة ، حازمة في مقاصدها ، صافية في قلبها ، رفيعة الشأن ، مليئة بجميع الفضائل ) .

أكرمتها الكنيسة المقدسة بألقاب كثيرة منها ( أم الله ) وهذا اللقب هو بمثابة أكليل منح لها . ألقاب العذراء كثيرة وكل لقب جاء في حقبة زمنية لأسباب كثيرة منها لاهوتية ، فيجب أن تدرس جيداً لكي لا يسقط المؤمنون في الشك ، فسبب أحتفاظ الكنيسة لفترة طويلة من تسمية مريم بهذا اللقب فكان لوجود مذاهب وهرطقات في تاريخ الكنيسة كالمريميين والوجوديين وغيرهم ، لهذا لم يطلق عليها هذا الأسم منذ البداية لكي لا يساء الفهم فيعتبرونهم هم ايضاً هراطقة .  حان الوقت في مجمع أفسس عام ( 431)  م . فأعترفوا المجتمعون من قادة الكنيسة علناً بهذا الأسم لكي ينهوا الجدالات التي كانت تحدث سابقاً . بعد أن قرر المجمع أن للرب يسوع طبيعتين إلهية ةإنسانية متحدة مع بعضها في شخص الأنسان يسوع المتجسد ، وأن مريم هي أن هذا الأنسان ذو الطبيعتين الإلهية والإنسانية ، أي أنها أم الإله يسوع ، ويسوع الإله ، الكلمة هو الله ( .. والكلمة هو الله ) " يو 1:1 " . نقرأ في كتاب تاريخ الكنيسة بأن القديس غريغوريوس الذي عاش في القرن الرابع أي قبل مجمع أفسس ، قال ( إبن الله أتخذ له جسداً من مريم العذراء ، لذلك حقّ لمريم أن تدعى أم الإله).

أما رأي الكنيسة الأرثوذكسية القبطية ، فقال البابا كيرلس الكبير ( تجسد " الله الكلمة " وولد من أمرأة حسب الجسد ، والذي حدث أنه أخذ من العذراء القديسة جسداً وأتحد به أتحاداً حقيقياً . لذلك نعتقد أن العذراء القديسة هي والدة الإله . كما تعتقد كنيسة الأسكندرية بأن العذراء مريم إذا لم تكن قد ولدت الله ، فلا يجب أن نسمي المولود منها الله ، ولكن حيث أن الكتب الموحى بها تدعى الله المتجسد وبطريقة بشرية ، لذا تدعى التي ولدته والدة الإله ).

قبل المجامع الكنسية الأولى كانوا يلقبون مريم بألقاب قريبة جداً من هذا اللقب منها موجودة على صفحات الأنجيل ، كأم الرب " لو43:1 " و "أم أبن العلي ، وأم أبن الله ، وأم الكلمة الإلهية ، ووالدة خالق الكون ، وأم المسيح المتجسد وغيرها .

أما ملافنة الكنيسة في القرون الأولى فكانوا يجدون أنفسهم ضعفاء أمام فهم موضوع مريم لأنها ليست كباقي البشر لكونها أم الخالق ، والمختارة من السماء لكي تحمل أبن الله المتجسد , فلا يجوز مقارنة أم الله بعبيد الله ،علماً بأنها هي أيضاً أمه وأمته ، فلا شبيه لها لا في السماء ولا على الأرض من المخلوقات ، لهذا نجد الملفان مار أفرام السرياني يعترف للرب يسوع قائلاً ( إن كانت أمك لا تدرك ، فمن يستطيع فهمك ؟ ) والكنيسة المقدسة تقول عنها ( طوباك يا مريم ، كم جزيلة هي خيراتك ، إذ لا تستطيع الألسن ترديدها . طوباك كم عظِمتِ بولادتك ملك الملوك ، رب وسلطان ما في السموات وما الأرض وما في الأعماق . من يستطيع مدحك لكونك معين الخيرات السماوية )..

ومار نرساي في القرن الخامس فله أنشودة لميلاد المسيح يسمي فيها مريم والدة ذلك الذي خلق آدم والخليقة . أي أم الله الخالق . أما مار باباي الكبير الذي ألف 83 مؤلفاً ، فعبّرَ عن يسوع والعذراء ، فقال ( أخذ جسداً من طبيعةِ أمهِ ، وليس من طبيعة الله ، الله الكلمة من طبيعة الآب ، ولأنه متحد ، لذا يقال عن الطوباوية مريم والدة الله . ولدت أنساناً بطبيعته ، وولدت الله ، لأنه متحد بالأنسان).

أما البطريرك مار طماثاوس الكبير الذي حاور الخليفة المهدي ، فيقول ( ان أيماني بيسوع ربنا هكذا هو : أنه إله كامل ، وأنسان كامل إبن واحد ، وإن مريم البتول ولدت الإله  الكامل والأنسان الكامل ، أبن واحد ، الذي هو المسيح ربنا . ويقول ، أن الأنجيل علمنا بأن للمسيح طبيعتان ، فلا بد إذاً ، أن البتول القديسة هي أم الله وأم الأنسان معاً ) .

أما مار كوركيس وردا مطران أربيل في القرن الثالث عشر ، كتب عونيثا ( تراتيل ) كثيرة ، أما عن العذراء مريم فلا أحد يضاهيه في كتاباته الكثيرة عن هذه المبجلة . فيقول عنها في أحد التراتيل ( هذه هي التي حل فيها الله ومنها ظهر إبن الله ) " أي أم الله " وفي صلاة الصعود ، قال ( من الأزل كان الإله الكلمة ، الإبن البكر ، إبن البتول )

للمسيح طبيعتين إلهية وإنسانية أتحدت مع بعضها في شخص المسيح ، وأن مريم هي أم هذا الأنسان ذو الطبيعة الإلهية والإنسانية ، أي أنها أم الإله يسوع ، ويسوع الكلمة الإلهية هو الله

مريم أصطفاها الله وأعدها لتكون الأناء المختار الذي يحمل المتجسد الإله ، لهذا نجد صورة مريم في سفر الأمثال قبل ولادتها ، فقال في " أم 22:8 " ( إلهي خلقني أولى طرقه ) كذلك طالع التكملة في الآيات اللاحقة من 23-31 .

كانت أم الله ، هي نفسها بدون شك ، نعمة من الله ، هذا أمر أكيد ، ولكن لا يبدل أي شىء كان في أنها تصير أم الله في حرية إيمانها ، فالنعمة لا تبطل الحرية ، بل ترفع من شأنها وتحررها .

ختاما نقول : الأسفار المقدسة دونت آيات كثيرة تتنبأ بهذه القديسة قبل ولادتها بمئات السنين ، والعهد الجديد على لسانها يقول ( ستطوبني جميع الأجيال ) " لو 48:1 " كما يعترف نفس الأصحاح بأنها ( أم ربي ) والرب هو يسوع الإله الذي هو إله من إله . أما الكنيسة والملافنة القديسين فنسجوا لعظمتها مدائح كثيرة وألقاب وتسميات مثبتة في الحُذرا وكتاب الكَزا . فللعذراء أكثر من 178 لقباً منها ( أم الله ) ووالدة الله ، والدة عمانوئيل ، ووالدة الكاهن الأعظم ، ووالدة الحبر وعظيم الأحبار ، والدة النور ، والدة المسيح ، وأم يسوع إلهنا ، أم ربنا ، أم ملك الملوك ، أم أبن الله ، أم أبن العلي ، تابوت العهد ، أم المعونة ... إلخ

بل جسدها الطاهر تحول إلى فردوس وسكن فيه الله بلاهوته ، هذا الذي لا يسعه الكون كله ، أنها كتلك العليقة التي حملت الله دون ان تحترق .

مريم ليست أم الله فحسب ، بل أم الكنيسة ، وهي الكنيسة قبل الكنيسة . هي الهيكل الحقيقي الذي حمل القربانة الأولى الحية في أحشائها . يقول عنها القديس أمبروسيوس بأنها ( مثال الكنيسة ) وشخصيتها الجماعية لا تخص بالمسيحيين فقط بل هي أم كل أنسان حي ، هي بديلة حواء ، فهي أم كل الأحياء والله يريد خلاص جميع البشر ، وهي تُقَدِم أبنها الإله كمخلص للجميع . فالجميع مدعوون إلى الخلاص بأبنها الفادي . فمريم هي أم أبن الله وأم جميع البشر ، وللجميع تقول

( أعملوا ما يقوله لكم "يسوع  في الأنجيل " .)

لتكن شفاعة العذراء مريم  مع جميع البشر

 




23
التحدي في التجارب الثلاثة

بقلم / وردا أسحاق قلّو

بعد عماد يسوع على نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان أقتاده الروح إلى البرية أربعين يوماً ، وأبليس يجربهُ . جَرَبَهُ بالتجارب الثلاثة ، وفي تلك الأيام تبرز الفضائل الثلاثة في يسوع الأنسان وهي ( الفقر والتجرد والتواضع ) .
في البرية يوجد مقام التوحد والتصوف والأعتكاف والأختلاء والصمت . أنه مكان التعبد والتأمل بالله بعيدين من ضجيج العالم ، والأنفراد مع الخالق من أجل أمتحان الذات وتطهير النفس قبل الدخول إلى مرحلة جديدة في الحياة كما فعل موسى وشعبه في أرض سيناء أربعين سنة قبل دخولهم أرض الميعاد . وكذلك الأنبياء العظام كأيليا ويوحنا المعمدان والكثير من الأنبياء القديسين والنسلك ، وهناك تعرضوا لتجارب الشيطان العنيفة ، لكنهم صمدوا لمعرفتهم بأن الصحراء هو الطريق المؤدي إلى الأيمان الصافي والرجاء الخالص ، والصحراء ما هو الطريق السري المؤدي إلى القداسة ، فمن تحدوه محبة المخلص يمعن في الصحراء ، وهناك يتشبث بحياة الأيمان .
الشيطان المجرب هو ملاك ساقط له القدرة في قراءة ما في قلب الأنسان ، كما يدرك نواياه وفهم طرقه وإيمانه ، بل يقرأ ما في فكره فيبادر في رسم خطته لأيقاع الأنسان في تجربةٍ ذكية رسمها له متظاهراً له بالمحبة المحشوة بالخبث والحسد والعداء ، فيستخدم كل قدراته لأسقاط الخصم . فخطته الأولى للأنسان في جنة عدن بدأت بظهوره على صورة حية لكي يحاور حواء فأقنعها بحواره متظاهراً بأنه يريد خدمتها ، ويريد أن يصل بها إلى مستقبل أفضل ، فنال منها ومن بعلها .
غاية المجرب من تجربة الأنسان هي أسقاطه ودعوته إلى الأنضواء تحت راية معسكره البعيد عن الله ، وهكذا أراد أن يتحدى آدم الجديد يسوع المسيح ، فحدد له الوقت المناسب لأيقاعه ، الوقت الذي جاع فيه يسوع في نهاية صومه الأربعيني ، أعد له ثلاث تجارب في البرية  ، فبدأت المعركة بين قادة جيشين عظيمين ، قائد معسكر الخير وقائد معسكرالشر . كانت المجابهة وجهاً لوجه في أرض المعركة وبكل حرية . الله الآب سمح للشيطان أن يجرب أبنه الوحيد . أما غاية الشيطان المتمرد فكانت أفساد خطة الله لخلاص البشر بأبنه المتجسد ، فأعتزال يسوع عن العالم في تلك البرية ، هو أولاً لكي يتمهد للدخول في مرحلة حياتية جديدة ، وهي الدخول في مرحلة أعلان البشرى وأعلان ملكوت الله للعالم ، ومن ثم التضحية على الصليب . ففي البرية دخل يسوع في صومٍ وصلاة وزهد وصمت وكأنه ترك العالم كالناسك لكي يبقى منفرداً مع الله . كان يسوع في تلك الأيام في صراع مستمر مع قوى الشر. وهو صراع البشرية بقيادته ضد قواد الظلمة . وعلينا نحن أيضاً أن نستعد لخوض مثل تلك المعارك الروحية مع عدو الخير . فكل مؤمن عليه أن يتوقع من الشرير تجارب يومية متنوعة وكما فعل مع سيده الذي انتصر على المجرب في حياته الأرضية ، ليس في التجارب الثلاثة فحسب ، بل في كل حياته  .

بدأت التجارب الثلاثة في البرية :

التجربة الأولى : تجربة التحدي ، فقال ليسوع ( إن كنت إبن الله ، فمر أن تصير هذه الحجارة أرغفة . ) " لو 3:4"  ، وبعدها يبدو الشيطان مكترثاً بسبب جوع يسوع ، فطلب منه تحويل الحجر إلى خبز ليأكل متظاهراً بأنه لا يريد أن يكون جائعاً وهو إبن الله والقادر على القيام بهذه المعجزة . علينا أن نفهم خطط المجرب في حياتنا اليومية وفي مجتمعنا الأستهلاكي الباحث عن المزيد من المنافع من أجل أمتلاك المزيد ، بينما الأنجيل يعلمنا حياة الفقر ، ويسوع علمنا أن نصلي ونقول ( أعطنا خبز الكفاف ) .

كان رد يسوع للشيطان ( ليس بالخبز يحيا الأنسان ، بل بكل كلمةٍ تخرج من فم الله ) فالغذاء الأول المطلوب هو غذاء الروح بالعمل بمشيئة الله ووصاياه ، وبكلمته المدونة في الأنجيل ، والتجرد من متطلبات الجسد والأكتفاء بخبز الكفاف . أي أن الأنسان يحتاج إلى خبز الروح قبل خبز الجسد ، فعلينا أن نسأل الله عن خبز الروح أولاً لهذا علّمنا يسوع قائلاً ( أطلبوا البر أولاً والباقي يزاد لكم ) .

التجربة الثانية : أعد الأبليس خطة أشد حذقاً وخطورة ودقة من الأولى ، عندما أخذ يسوع وأوقفه على حافة سطح الهيكل العالي ، وقال له ( إن كنت إبن الله فألق بنفسك إلى الأسفل ، لأنه قد كتب ، يوصي ملائكته بك ، فيحملونك على أيديهم ...) فجاء رد يسوع له بآية أيضاً ، فقال ( مكتوب أيضاً ، لا تجربنّ الرب إلهك ) . مت 4: 6-7" .

هذه التجربة خاصة بحب الظهور ، والبحث عن الشهرة والقدرة على الإغراء بكل الوسائل وبأي ثمن . الغريب في هذه التجربة هو كلاماً مدعوماً بآية من الكتاب المقدس . غايته دفع المسيح إلى الكبرياء عندما يرمي بنفسه من الهيكل أمام الناس والملائكة تحمله قبل وصوله إلى الأرض فيزيد شأنه أمام الناظرين ، أي يقود يسوع إلى طريق آخر عكس الطريق الذي سار فيه منذ ولادته في المذود وبكل تواضع لكي يعلمنا الأتضاع . ولهذا الأسلوب يقود الأبليس الكثيرين إلى هذا الفريق لكي يجردهم من حياة الفقر والتواضع ومن أجل الشهرة وأبراز النفس وأستعراض القدرات أمام الآخرين لكي يبتعدوا عن خط الأيمان القويم الذي يدعوهم  إلى التواضع .
التجربة الثالثة : قاد الأبليس يسوع إلى قمة جبل عالي جداً لكي يغريه بممالك العالم وعظمتها ، فقال ( أعطيك هذه كلها إن جثوت لي ساجداً) ، كان جواب يسوع له من الكتاب أيضاً فقال ( إذهب ، يا شيطان ! فإنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ) " مت 4: 10-11" .هكذا يجب أن نأمر المجرب بمغادرتنا بعدم الأصغاء إلى أغرائاته . بهذه الطريقة يقود الكثيرين إلى السقوط وينتصر عليهم بالخداع بأقناعهم بحياة أفضل وبالطموح إلى السلطة الزمنية للسيطرة على الآخرين وعلى أموالهم ، وهذا هو نوع من العبادة والسجود للأصنام المصطنعة التي يفضلن الكثيرين عبادتها ، أي عبادة الشيطان وأغرائاته .

نختصر أغرائات الأبليس من التجارب الثلاث ، بما يلي :

1-   حب التملك وحب المال والعالم.

2-   حب الظهور ، أو المجد الزمني والشهرة وتكريم العالم.

3-   حب السلطة والسيطرة على الآخرين بالقوة ، ورفع الذات بالكبرياء ، وبهذا يقود الأنسان إلى نكران الحب من أجل الأنانية وحب الذات .

الأنسان مدعو إلى أن يعبد الله ، لا لأن يُعبد ويكرِم من قبل الناس ، فهو مدعو إلى التواضع لكي يواجه كل حيّل الشيطان . يجب أن نصارع ميولنا في الطمع بممتلكات هذا العالم لأنها تحيدنا عن رسالتنا الأنجيلية ، لهذا تحتاج غلى ثقافة إيمانية . بعد أن ننظر إلى غاية التجربة علينا أن نميزها لكي نتحداها بقوة إن كانت لا تتفق مع مبادئنا المسيحية .

ختاماً نقول : لنسأل الرب لكي يعطينا النِعُم الكافية لكي نعيش أقوياء في التواضع إزاء التجارب لكي نبقى أوفياء لوصايا الرب لنا ، ولكي لا ننكره في التجارب كما فعل بطرس ، بل أن نتحدى التجربة مهما كانت بقوة أيماننا وننتصر عليها كما أنتصر يسوع على كل تجارب الأبليس وقاومه في حياته فحرر أجساد كثيرة من البشر من الأرواح الشريرة التي كانت تسكنها . أما خاتمة أنتصار يسوع على الأبليس فكانت على الصليب ، هناك كان التحدي والصراع القوي والأخير ، طلب من يسوع لكي ينزل من الصليب ، ليس حباً به بل لكي لا تكمل خطة الخلاص ، صمد يسوع حتى الموت وبموته قضى على كل خطط الشيطان التي أعلنها بقيامته وأنتصاره حتى على الموت ، وبهذا أنتهت سلطة سيد هذا العالم وحسب الآية ( يطرد سيد العالم إلى الخارج ) " يو 31:12 " والصراع سيستمر مع نسل المرأة (رؤ 11:12" لأن العدو لا يمل بل يستمر في الصراع وإن كانت هزيمته مثبتة مسبقاً بحسب قول الرب لتلاميذه :

( ثقوا أنا غلبت العالم )

 



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن ( رو 16:1 )



24
هكذا نقاوم التجربة
بقلم / وردا أسحاق قلّو
 منذ سقوط الأبوين في جنة عدن ، كل فكرٍ شرير مصدره الشيطان وهو الذي يريد ضرب المؤمنين وأسقاطهم . عندما تحين له الفرصة ( ... أنصرف عن يسوع إلى أن يحين الوقت ) " لو 13:4" . إنه لا يمل ولا يخجل من الفشل ، بل يعود إلى مؤامرة جديد مع أبناء الله لأسقاطهم . لا يترك أحداً مهما كان تقياً وقديساً ، بل يرصد الجميع ، وبتجاربه أسقط كثيرين من جبابرة الأيمان . وهكذا تستمر التجارب مع الأنسان وحتى وإن بلغ الثمانين من عمره فإنه يواجه تجارب كثيرة كالشهوة والطمع والحقد والغضب والأنتقام وغيرها . فعلى الأنسان أن يستعد للدخول في تلك التجارب ما دام حياً . إننا لا نستطيع أن نرى شخصية المجرب ، لكن علينا أن نميز حيله التي قد تأتينا من خلال أقرب المقربين ألينا أو من خلال أفكارقديمة مخزونة في عقلنا الباطني وفي ذاكرتنا بسبب رؤيتنا لمناظر أو لسماعنا أو لقرائتنا قصص ، وفي كل الأحوال علينا أن نواجه التجربة بسرعة بطرد الفكر الشرير لكي لا يزيد ويسيطر على حواسنا وإرادتنا . سماع الفكرة الشريرة أو ما شابهها ليست خطيئة ، إنما الأستسلام لها وتنفيذ بنودها والخضوع لها بالأرادة والحرية هو الخطيئة. 
الأفكار السيئة تتكرر فعلينا أن نجابهها في الحال بقوة وسائل كثيرة ومتعددة نبدأها برسم الصليب ، فالصليب يرعب المجرب ويهرب منه ، لأن المسيح بصليبه المقدس خلص العالم من الخطيئة . بعد ذلك نقتدي بالمسيح الذي قاوم المجرب بتواضعه فغلبه في كل تجاربه بآيات من الكتاب المقدس ، هكذا نحن أيضاً يجب أن نحفظ آيات كثيرة ونستخدمها ليس في وقت التجربة فحسب ، بل في حديثنا مع الآخرين لأقناعهم بدلاً من أستخدام أمثال وأقوال قد لا تليق بإيماننا . فهناك أمثال وحكم ومزامير وآيات كثيرة موحى بها من السماء تقاوم الأرواح الشريرة كالتي كان النبي داود يرنمها ويعزفها على آلاته الموسيقية لشاول الذي كانت الأرواح الشريرة تطارده وتزعجه ، فكانت تلك الأرواح النجسة تهرب من داود ( طالع 1 صم 23:16) . كما نقاوم التجربة بالصلاة ، فيسوع أوصى تلاميذه وقال ( أسهروا وصلوا لكي لا تدخلوا في تجربة ) " مت 41: 26" . فبدلاً من الدخول والخضوع إلى تجارب المجرب التي تداهمنا نفكر في الوقت ذاته بفكر المسيح ونعلمه للآخرين وكما قال لنا الرسول ( أما نحن فلنا فكر المسيح ) " 1 قور 16:2"
ومن الطرق المهمة التي نستخدمها لمقاومة التجربة تغيير الوضعية والمكان لكي تضعف الفكرة وتزول . أما الوسائل الحديثة التي أستغلها المجرب في تدمير البشرية بأسلحة التجارب هي الحروب الألكترونية ، وذلك بواسطة الأجهزة المستخدمة كالهاتف المحمول وما يحمله من الوسائل التي تقربنا من أفكار الشيطان بسهولة أو الكومبيوتر والقنوات التلفزيونية الفاضحة التي لا تليق بالأنسان المحترم وغيرها من الوسائل التي تدفع المشاهد والسامع إلى الأثارة والتلذذ بما يرى ويسمع فيتقدم إلى جني ثمارها المسمومة كما فعلت أمنا حواء ، يقول الكتاب ( وعندما شاهدت المرأة أن الشجرة لذيذة للمأكل وشهية للعيون ، مثيرة للنظر قطفت من ثمرها وأكلت ... ) " تك5:3" . بل يصبح الأنسان مدمناً على تلك المناظر التي تبعده عن الله وتدفعه لممارسة الخطيئة . فعلى المؤمن الأبتعاد عن كل وسيلة تجلب لنا الشر وتضعف إيماننا فنقترف أبشع الرذائل كالجحود والسرقة والزنى وغيرها . لنتذكروصايا الكتاب المقدس لنا كقول سليمان القائل ( أيأخذ أنسان ناراً في حضنه ولا يحترق ثيابه ؟ أو يمشي إنسان على جمر ولا تكوي قدماه ؟ ) " أم 27:6  .
ختاماً نقول : بالتدريب على معرفة سبل الشرير وحيله نستعد للدخول في حروبه وننتصر على طرقه بنعمة إللاهنا القادر على كل شىء ، وبمعونته وتعليمه ووصاياه التي يجب أن نحفظها ونعمل بها  سننتصر ، قال
( إنما أنت فأثبت على ما تعلمته وتيقنته بالتمام .. ) " 2 تيمو 14:3 "

 

25
المنبر الحر / العقل والأيمان
« في: 13:22 02/02/2019  »

العقل والأيمان

بقلم / وردا أسحاق قلّو

خلق الله الأنسان عاقلاً ناطقاً ومفكراً لكي يدرك ويبدع ويقرر فيعمل ضمن المحسوس ويقتنع ويقنع الآخرين بالمنطق مع إثبات الأمور بالدليل والبرهان القاطع ، ومصدر هذه القدرة هو العقل الذي له المقدرة على التفكير وأصدار القرار . بهذا كرمً الله الأنسان وفرزه عن الحيوان ، كما وضع كلمته في ضميره ، وذلك الصوت يكبته على أخطاءه لأنه صوت  الحب الألهي الذي يعطي للأنسان جمالاً ونقاوة ، ولكي يبحث عن الحق والعدل ويحب كل مخلوق

تاريخ الأنسان هو عبارة عن طريق مستمر يتجه نحو الخالق ، فالأنسان وإن كان بعيداً عن الله أو لن يسمع حتى بوجوده يشعر بصوت قوةٍ خفيةٍ في داخله فيُمييز الخير عن الشر، ويحث العقل للأبتعاد عن عمل الشر ، أو حب الذات لكي يستطيع أن يشارك الآخرين في الحب والعطاء

العقل يبرهن الحقائق بالمنطق  ، أما الأيمان الذي هو هبة ألهية للأنسان فيخلق الثقة في الأنسان ، وقوة للتحرك بخطوات ثابتة ومدروسة نحو ه ويتعامل معه كل يوم . فالأيمان يجب أن يرتقي إلى محبة الجميع لكي يتحول إلى حالة نفسية ضرورية الوجود في حياة المجتمع  ، وغايته أيضاً هي إرواء ظمأ الأنسان للحقيقة . إذاً هل للعقل والأيمان هدفاً واحداً وغاية واحدة ؟

للعقل كيان مستقل ، وللأيمان كيان آخر مختلف ، العقل مستعد لفهم حكم الله ورسائله السماوية ، لكنه لا يستطيع إدراك أسرار الله بالعلم ، علماً بأن الأنسان في حالة أكتشاف دائم وتطور لكن في عالم المادة الملموسة فقط ، والله موجود في الماضي والحاضر والمستقبل ، وموجود في كل أنسان كروح لا يستطيع العقل أن يدرك عمقه وأبعاده وطريقة وجوده

 ، اما الأيمان فهو الفرح والبهجة والحياة الحقيقية والذي يفكر لا بالعقل ، بل بالروح . فالأنسان الروحي يختلف عن الأنسان الجسدي الذي يعتمد على العقل . فبولس الرسول كان يرى أن الأنسان الروحي يستطيع أن يرى ما  لا يراه الأنسان بالعين ويفكر بالعقل ، فقال   

"لقد أعلنه لنا الله بروحه. لأنّ الرّوح يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله. فمَن مِن الناس يعرف ما في الإنسان إلّا روح الإنسان الذي فيه؟ فهكذا أيضًا، ليس أحد يعرف ما في الله إلّا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الرّوح الذي من العالم، لكي نعرف ما أنعم به علينا الله من النعم. ونتكلّم عنها لا بأقوال تعلّمها الحكمة البشريّة، بل بما يعلّمه الرّوح، معبّرين بالروحيّات عن الروحيّات. إنّ الإنسان الطبيعي لا يقبل ما هو من روح الله، فإنّه جهالة عنده، وليس في وسعه أن يعرفه، لأنّه بالرّوح يُحكم فيه. أمّا الإنسان الروحيّ فإنّه يحكم في كلّ شيء، ولا أحد يحكم فيه. لأنّه "من عرف فكر الربّ فيعلّمه؟ أمّا نحن فعندنا فكر المسيح" (1قو 2/ 10-16) .

الفرح الذي يعيشه المؤمن بسبب أيمانه لا يتوخى المتعة الزمنية الضيقة ، بل هو سعادة داخلية يشعر بها الأنسان بالسلام والطمأنينة والتفاعل مع الكون بقناعة وحتى وإن كان يحمل صليب الألم والأضطهاد والظلم بسبب الفرح الداخلي الذي يعطيه موهبة المحبة للجميع ، وهنا يتجلى نمو الروح وغناه في فرح الأنسان ، فتزداد روحه غنى وجمال ، كما يقول الرب ( ستفرح قلوبكم وما من احد يسلبكم هذا الفرح ) " يو 22:16" .

أما هدف العقل والأيمان فيجب أن يكون واحد ، وهو العمل من أجل الحق والمساوات للوصول إلى الحقيقة ، فطريق العمل والمثابرة لهذا الهدف واحد وهو حياة الأنسان ومستقبله . لا يجوز أن يتحرر العقل عن الأيمان ، فالذين ادعوا بأن العلم الذي وصل إلى القمة بسبب العقل لا يحتاج إلى الأيمان أو الدين ، بل اعتبروا الدين أفيون الشعوب والعقول ، وهذا نابع من جهل حقيقة وجود الأنسان والغاية من وجوده ومستقبله ، وطريق الحياة التي يحب أن يسلكه ، فالأيمان هو أساس حياة الأنسان ، والحياة هي عمل أيماني مستمر ، بل الأيمان بشكل عام هو ظاهرة حياتية ضرورية وبدون الحاجة إلى الدخول في عمق أهداف الأيمان وغاياته . الأيمان هو المعلم الأفضل لرسم الحياة الفضلى في المجتمع . قال أحد الملحدين ، لولا وجود الأديان لكنا نضطر لصنع الأديان لكل نسَيّر الشعوب . وهكذا فشل الألحاد وبرز الأيمان ليعيد عافيته في دول الألحاد . والكلام موجه أيضاً إلى المجتمعات الرأسمالية التي نشأت على حساب ظلم الفقير وأستغلاله ، فصعدت طبقات برجوازية على ظهور الطبقات الفقيرة وطمس الأيمان ، بل تعمل إلى أزالته لأنه الصوت الصارخ في برية تلك الأمم وإنه ينادي من أجل الحق والمساوات . عندما نتصفح أوراق التاريخ فنجد بأن الأيمان يضطهد فيهبط كموجة البحر لكنه لا يتلاشى ، وسرعان ما يرتفع فوق قوة المضطهدين فيظهر الحق . كما يجب أن نفرز بين الأيمان الحقيقي والأيمان الذي يصنعه الأنسان بأسم الله فيتحول إلى قوة مدمرة للشعوب ويتسلط على العقول وينحدر بالمجمع إلى الهاوية فيفقد السلام وتظهر المنازعات والحروب والأضطهاد والتدمير بأسم الأيمان .

في الختام نقول : غاية العقل والأيمان القويم يجب أن تكون واحدة ، وهي القضاء على إستغلال الأنسان والعمل من أجل الحق والمساوات ، وهذا يتم باستخدام العقل من أجل أبراز العدل ، والأيمان ينير العقل لصالح الأنسان لكي يسمو العقل فيفكر ليعمل لخدمة الشعوب بالتساوي . كذلك نقول ، العقل ينير الأيمان ايضاً بالعلم والمعرفة ، وهكذا يجب أن يتكاتف العقل مع الأيمان من أجل وحدة عمل مشتركة لخدمة حياة بني البشر .

أبدى القديس توما الأكويني برأيه عن هذا الموضوع ، قائلاً ( الوحي " الأيمان " والعقل ، ما دام كل منهما سبيلاً إلى الحقيقة ، يجب أن يتفقا ، وليس من الجائز أن يعلم الوحي ما يأباه العقل ) ، هذا القول منطقي ومقبول .

أما الرب يسوع ، فقال ( تعرفون الحق والحق يحرركم ) " يو 32:8" . وأخيراً نقول ، الأيمان قوة تحرر عقل الأنسان لكي يفكر بالحق ويعمل للعدل والخير والسلام لخدمة الجميع




26
لماذا نعبد أصنام الطائفية من دون الله ؟

بقلم / وردا أسحاق قلّو

الله خلق الأنسان على صورته ومثاله ، عاقلاً وحراُ ، خلقه لكي يقدم له العبادة والسجود ، ووضعه فوق كل المخلوقات على الأرض . العلاقة تستمر بالصلاة التي هي صلة بين الخالق والمخلوق ، وكذلك بتطبيق وصايا الله ، فعلى أتباع الديانات السماوية أن تعطي لله الأولوية المطلقة في نظامها الأجتماعي والتربوي والأيماني ، كما يجب على كل مواطن أحترام كل أنسان ينتمي إلى طائفة أو دين آخر يعيش على أرض الوطن ، وبخلاف ذلك يبرز نظام الطائفية العنصرية التي تنوي إلى السيطرة بأعطاء الكرامة والأحقية لكتلتها ، فتعمل إلى تسخير المصالح الأجتماعية لأبناء طائفتها بالقوة عن طريق المتنفذين القابعين على كراسي السلطة فيتسلطون على الطبقات الضعيفة  ،. يدعمون موقفهم عن طريق السياسة أو في دور العبادة لما لديهم من  شيوخ وقادة كتل ووجهاء ، فيفتون بأسم الله ، وهكذا يذبح الله على مذبح الطائفية ، بل يحتجب ليغيب خلف أهداف تلك المجموعات المسيطرة على زمام الأمور ، بل يستغل أسم الله فيسخروه لمصالح آنية تخدم تلك الطائفة التي يجب أن تكون فوق
الجميع ، كما يضعون أسم الله على أعلامهم وشعاراتهم لخداع البسطاء . يسعون إلى السيطرة على كل ممتلكات الدولة ، فأعضائها الروحيون والسياسيون يختارون ابناء طائفتهم لأعلى المناصب وأهمها ، فيتقاسمون الكراسي السيادية والوظيفية كما يتم تقسيم الغنائم بأسم الله ، بل تقطع رؤوس الأبرياء بأسمه ، وهكذا يتسلطون على كل شرائح المجتمع الضعيفة ، بينما يجب أن يكون المتدين في الطائفة مضحياً خادماً وأميناً وأول من يعمل وآخر من ينتفع في المجتمع ، بل خادماً للجميع ، وهذا ما قاله المسيح للحوارين عندما طلب منه بعضهم  المناصب ، فقال ( أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظمائهم يتسلطون عليهم ، أما أنتم فلا يكون ذلك فيما بينكم ، بل من أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن للكل خادماً ، ومنأراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للكل عبداً ) " مت 20: 26-27" . إذاً الذي يريد أن يكون وجيهاً فعليه أن يكون مضحياً وتقياً وخادماً للجميع ، وعلى المجتمع أن يكون واعياً في أحترام الجميع بأكرام فلا يجوز فرض الغني على الفقير ، أو أبن الطائفة المتسلطة على الآخر وقد يكون غير متخصص في وظيفته أو أقل قدرة في العمل ، فتلك المفارقة تدعم وجود الطائفييين ، علماً بأن الطائفة وجدت لخدمة الأيمان الصحيح بتقديم العبادة والطاعة إلى الله وخدمة المجتمع لكي تكون قدوة ومثالاً صالحاً . وبتعبير آخر الطائفة هي في خدمة الله والمجتمع ، أما هم فيجعلون الله في خدمة الطائفة  ومصالحها  ، لأن ذلك تشجيع وتأييد لأبراز الأستبداد والتعسف الذي يدفع تلك الكتل لقمع وأستغلال المجتمع ، فيتحولون هم إلى آلهة بشرية وأبناء الشعب إلى عبيد  ، هكذا رفض الكثيرون من الطائفيين الله لأنهم يعتبرونه متحدياً لوجودهم  ، وإنه لم يعد لهم من خيار سوى رفضه أو أستخدامه كوسيلة لخداع الناس ، ولكونهم جالسين على كراسي الخلفاء الأوليين أصبحت صورة الدين مشوهة أمام الكثيرين وخاصة الشباب لأنهم فسروا الله من خلالهم بأنه ذلك الجبار المحب للقادة الظالمين الذي نسى الفقير ، لهذا برز الألحاد بين الشباب فزاد العدد  إلى ملايين الملحدين في العراق ومصر وأيران والسعودية وغيرها من الدول التي يقود سياستها     
 قادة الطوائف من شيوخ وأئمة وأحفاد الأولياء .   
الدين بشكل عام هو نظام مقدس غايته خدمة المجتمع بالعدل والمساوات فلا يجوز استغلاله ، فالذي يتظاهر بالتدين ويظلم القريب منه ، لم يعد لله مكانة في داخله لأنه بهذا يفقد واجباته الصحيحة نحو الدين ،  فالذي يستغل الدين وأسم الله بسبب حبه للكتلة المتسلطة أكثر من حبه لله فنراه يقدم الولاء والحب لسادة طائفته أكثر من ولائه وحبه لله . يقدم الحب والطاعة والأحترام  لأولئك السادة أوحتى إلى من هم في قبورهم  أكثر من الخالق ، فيجعلون ذلك الشخص هو المرجع الأعلى ، والهدف الأول ويخصص له أياماً لتقديم الحب والطاعة وبدموع سخية وحتى بأيذاء النفس حباً له ، لكن لا يخصص لله أي يوم ليقدم له الشكر والعبادة والتسبيح . بل نقول من شتم أسم الله ( سبحانه ) لا يحاكم ، لكن من تعدى على واحد من الأولياء أو أبنائهم وأحفادهم الموتى أو الأحياء فالويل لذلك الرجل ، حتماً سينزل عليه  كل الغضب والأنتقام وبدون رحمة أو محاكمة ، فمن هو الأفضل في مجتمعنا إذاً ، الخالق أم المخلوق ؟
هكذا العقلية الطائفية لا تبقى لله قيمة ووجود ، لأنها تسعى إلى تعظيم ذاتها وتثبت وجودها . واقعياً صارت الطائفة بديلة لله رغم عبادتهم له كلامياً وظاهرياً ، والولي يتحول من العبد إلى معبود ، وحتى وإن كان أقل علماً وفهماً وحكمة من الكثير من السادة ، لكن يكفي أنه حفيد السلف الصالح ، وهل هناك صالح وبدون خطيئة غير الله ؟ هكذا تم تحويل الله في بلداننا إلى وسيلة للوجود ، علماً بأنه هو هدف الوجود
هؤلاء الطائفيين الذين نشروا الفساد والتخلف والفتنى وأستغلال الفقير ورفض الآخر  نقول لهم . الأنسان الذي لا يحب أخيه الأنسان في وطنه مهما كانت هويته ، فأنه يرفض وجود الله في حياته ، أي ( من لا يحب أخاه " الأنسان " الذي يراه ، فكيف يحب الله الذي لا يراه ؟ ) أجل محبة الله تكمن في محبة الأنسان ، لأن المحبة هي محك الأيمان الصحيح وقياس أصالته ، فلا أيمان ولا تدين سوى ب ( الأيمان العامل بالمحبة )   أما الذي يخصص حبه لأولياء وأبناء طائفته فأنه يتعمد لزرع الحقد والكراهية والتفرقة بأسم إلهه المبتدع فيقتل بإسمه ويفرض أفكاره على كل شرائح المجتمع عبر مكبرات الصوت ووسائل الأعلام أو بالتهديد أو غيرها من الوسائل دون أعطاء وزناً لله الحقيقي المحب لكل البشر الذي يتحاشى الأنانية وفرض النفس والقوانين الطائفية المقيتة على وصاياه الألهية . وهكذا يجعل من طائفته كتلة منغلقة على مصالحها الدنيوية ، بل تؤله تلك الطائفة ذاتها فتتغرب عن الله الحقيقي ، فتصبح عدوة الله ، وذلك لأن للغريب والعدو صورة واحدة ، فالغريب هو مجهول أيضاً
الأيمان الحقيقي بالله هو هبة من السماء للأنسان لكي يعلمه التواضع والمحبة للجميع ، فهذه النعمة لا يستحقها الطائفي ولا يشعر بها أو يعمل بمسؤليتها المباركة التي تدعو الأنسان إلى زرع العدل والمساوات بين أبناء المجتمع . المجتمعات المتطورة تطورت بإزالة الروح الطائفية من التعليم والأعلام والقوانين وغيرها . الحل هو فضح أعمال الطائفية في مجتمعاتنا ومجابهة معاقلها ورموزها ، وعدم الولاء لهم وسماع فتاويهم ، بل قلب تحصيناتهم وأزالتها ، لأن معادلتهم بين الدين والدولة زائفة ، قوانينهم وشعاراتهم منسوجة لأغراض أنانية بأسم الله ، يسّخرون المشاعر الدينية لمآرب ضيقة بعيدة عن خط الأيمان القويم  . كم يجب الألتزام بعمل سياسي وأجتماعي مشترك لبناء دولة حديثة ترتكز على قوانين مدروسة تحكمها طاقات متعلمة وواعية لا تنتمي إلى أي كتلة طائفية لكي تخدم كل شرائح المجتمع بالتساوي ، وتوزع الوظائف والمسؤليات والخيرات على أساس المصلحة العامة ، هكذا سيزرع الفرح في الأرض والسماء ، وتخدم كرامة الأنسان التي لا تنفصل عن كرامة الله الذي له المجد الدائم إلى الأبد   



27
هل يتناقض تعليم بولس مع المسيح والرسل في موضوع الخلاص ؟

بقلم/ وردا أسحاق القلّو

( دراسة تحليلية لآراء المسيح والرسل ومار بولس حول الخلاص بالأيمان ، والأعمال ، والنعمة )

خلاص الأنسان يبدأ بالأيمان أولاً ، والأيمان هو أختيار وأنتماء يأتي كهبة للأنسان من السماء . لا يأتي عن طريق العقل والعلم والمنطق . الأيمان هو الذي يعطي الثقة بالهدف الذي يؤمن به وكما قال الرسول بولس ( أما الأيمان فهو الثقة بأن ما نرجوه لا بد أن يتحقق ، والأقتناع بأن ما لا نراه موجود حقاً ) " عب 1:11" ففي المسيحية يبدا بالأعتراف بيسوع المسيح أولاً ، ومن ثم تسليم الذات له ، وقبوله رباً ومخلصاً ، وكما تقول الآية ( ... لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية ) " يو 16:3 " نقول ، وهل الأيمان يكفي للخلاص ؟ هذا ما يعتقده الكثيرون مكتفين ببعض الآيات كهذه ( فسألوه : " ماذا نفعل لنعمل ما يطلبه الله هو أن تؤمنوا بمن أرسله ) " يو 6: 28-29 " أي آمن فقط ، بهذا ينكرون عمل المعمودية ، فلا يلتزمون حتى بالآية التي تقول ( من آمن وتعمد خلص ) " مر 16:16 " أي التوبة والأيمان أولاً ، ومن ثم المعمودية ، وحسب الآية ( توبوا ، وليعتمد كل واحد منكم بأسم يسوع المسيح .... ) " أع 38:2 " . أنهم يلجأون إلى مبدأ الحذف والتلخيص والترشيق علماً بأن هذه الآية تسبقها آية أخرى تحث المعمدين إلى العمل بعد العماد ، فتقول ( أذهبوا إلى العالم أجمع وبشروا الخليقة بالأنجيل ) 

 كذلك يستخدمون آيات في غير محلها لتمشية غاياتهم وأهدافهم لكنها لا تصمد أمام التفسير الصحيح للكنيسة الجامعة , هذا الأسلوب الهادف الى التمرد والأنشقاق ليس لصالح كنيسة الرب الذي يريدها واحدة موحدة كما هو والآب واحد , أستعمل مارتن لوثر ذات الأسلوب فأراد حذف رسالة يعقوب , لأنها توضح أهمية الأعمال مع الأيمان أكثر من كل الأسفار , والذي هو مدار بحثنا هذا . الكنيسة هي جسد المسيح التي تلج فيها الناس بالمعمودية كما من باب , أما الذي هو خارج الكنيسة فتقع ضرورة تبشيره على عاتق المؤمنين . إذاً على كل مؤمن معمد أعمال وواجبات ووزنات ، وهذه الأعمال ترافق ذلك الأيمان دائماً  لأنهما كجسد واحد مرتبط لا يجوز الفصل بينهما لأن غايتهما واحدة مقدسة لأجل خلاص الجميع ( الله يريد أن جميع الناس يخلصون ويبلغون الى معرفة الحق) " 1 تي 4:2" .  الأيمان نابع من تعليم الأنجيل ، وما كتب فيه ما هو الا رؤوس نقاط لأفكار الله اللامحدودة , أو عناوين لدروس عميقة وعظيمة تتسرب الى أذهان كبار المفسرين وحتى الصغار منهم , وما يؤدي الى سوء فهمهم للحقائق لدى البعض ، نشأت مذاهب وفلسفات لاهوتية خاطئة أدت بمفكريها للوصول الى مفاهيم ملؤها الكفر والهرطقة فتورطوا معهم أناس آخرين , كفلسفة آريوس وغيره . يجب أن يكون للمفسر رؤية ثاقبة مبنية على أساس من الأيمان والأطلاع واللجوء الى الروح القدس لكي يلهمه للوصول الى التفسير الصحيح , وإلا سيصطدم بجدار من الأخطاء دون أن يشعرفيصبح عثرة للآخرين , والرب يسوع يحذر الجميع من تلك الأخطاء التي تنقل الى صغار المؤمنين بقوله ( من سبب في عثرة واحد من هؤلاء الصغار كان الأجدر به بأن يعلق في عنقه حجر الرحى ويطرح في عمق البحر) . أذن علينا جميعاً أن نقرأ ونفهم كل آية تتحدث عن موضوع نريد أن نتناوله ولا نتوهم بأن تعليم يسوع يختلف عن تعليم بولس , وبولس عن يعقوب ويوحنا , ونركز الآن الى ما يعنيه موضوع الأيمان والأعمال وحسب أقوالهم لكي نعلم في الأخير بأن للرب والرسل جميعاً رأياً واحداً ولا يوجد مجال للأختلاف والتناقض بل الأختلاف يعشعش فينا لقلة أيماننا ولسبب تفسيرنا الخاطىء وكبريائنا الذي لا يسمح لنا بالتنازل للطرف الآخرلكوننا ننتمي الى فئة طائفية كنسية لا نريد أن نتنازل لغيرها وهكذا نهين الأنجيل المقدس لا وبل نتهم المسيح والرسل بأنهم هم الذين قالوا ذلك معززين كلامنا بآيات وأقوال دون أن نعرف المناسبة التي قيلت فيها تلك الآيات  ولماذا وما هي الغاية .أو لماذا تتناقض تلك الآيات ظاهرياً مع آيات أخرى عن نفس الموضوع وكيف تتلاقى مع بعضها لأنها لا بد وأن تلتقي في تفسير واحد  ، وعلى هذا الأساس نبحث عن رأي بولس مقابل رأي يسوع ويوحنا ويعقوب وغيرهم في موضوع الأيمان والأعمال. ما قاله الرسول بولس في رسالتيه الى روما "3: 20-31" وغلاطية "16:2" هدف واحد ومقصد واحد وهو أن معرفة الأنسان للشريعة غير كافي لنوال الخلاص , بل لربما أدت به تلك المعرفة الى المعصية , أضافة الى ما قصده بولس هنا كان لمقاومة فكر اليهود الداخلين الى المسيحية وكانت غايتهم العمل بالناموس كما كانوا وبتقديم الذبائح الموسوية لهذا قال لهم بولس أن أعمال الناموس لا تبرر لأن المسيح هو الذبيحة الحقيقية التي نتبرر بها لا بأعمال الناموس.كان فهم مارتن لوثر وتفسيره لها خاطئاً ومن هذه الفكرة أقتنع بأن الأنسان يخلص لمجرد الأيمان هكذا أستمرت أفكاره وتوسعت فكوَن له عقيدة للتمرد عن الكنيسة الكاثوليكية وقد ساعدته الظروف التي كانت تمر بها الكنيسة لكي تتبعه جموع من المؤيدين الذين تورطوا بأفكاره وبنوده التي وصلت الى (95) بند منها اسرار الكنيسة المقدسة كلها عدا المعمودية ، والأفخارستيا الذي مارسها كمجرد عمل تذكاري ليس الا . هكذا استمرت عقيدته بالأيمان المجرد من الأعمال ، الأعمال التي طلبها منا الرب أن نعملها لكي نمجد بها اسمه القدوس فيعلم العالم بأننا نور العالم وحسب قوله ( فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات )" مت 16:5" . ما بينه بولس في "رو 7/ 7-12" قائلاً ( الشريعة اذاً مقدسة والوصية مقدسة عادلة صالحة) وحسب قول الرب (  أنني آتي لا لألغي الناموس بل لأكمله لذا يجب أن نحفظ الوصايا فالذي لا يحفظ الوصايا ويعمل بها فأنه كاذب على نفسه وعلى الناس ) . وكما يقول الرسول يوحنا ( فالذي يدعي أنه قد عرفه، ولكنه لا يعمل بوصاياه ، يكون كاذباً ولا يكون الحق في داخله. أما الذي يعمل بحسب كلمة المسيح، فأن محبة الله تكون قد اكتملت في داخله.... كل من يعترف أنه ثابت في المسيح , يلتزم أن يسلك كما سلك المسيح) " 1يو 2/ 4-6" . أما بولس فقال في غلاطية ( ولكننا اذ علمنا أن الأنسان لا يتبرر على أساس الأعمال المطلوبة بالشريعة بل فقط بالأيمان بالمسيح , آمنا نحن أيضاً بالمسيح يسوع لنتبرر على أساس الأيمان به لا على أساس أعمال الشريعة لأنه على أعمال الشريعة لا يتبرر أي أنسان) . لماذا قال بولس هذه الآيات والتي لا يعني فيها الأيمان المجرد من الأعمال وينفي من خلالها ما أوصى به يسوع بعدم الأكتفاء بالأيمان الخالي من الأعمال والمحبة والألفة والرحمة , هذه الرحمة التي أكد عليها الرب في "مت 18: 21-35"و " مت25: 34-46" و" 1بط 8:3" بأن الذي يرحم أخاه لا يخشى الدينونة لأن الله يعامله بالرحمة كما عامل الناس بالرحمة. (بالكيل الذي تكالون يكال لكم ) . ووضحها يعقوب في "13:2" قائلاً ( تكلموا واعملوا مثل الذين سيدانون بشريعة الحرية لأن الدينونة لا رحمة فيها لمن لم يرحم. فالرحمة لا تبالي بالدينونة ). اذاً كان قصد الرسول بولس هو محاربة أفكار اليهود المبنية على العمل بالشريعة لأجل الخلاص وهذه العقيدة كانت تشكل حاجزاً كبيراً بين اليهود وأبناء العهد الجديد , فما أراده بولس هو ازالة هذا الحاجز ومحاربته بقوة لكي يتسنى لليهود أن يروا ما وراء الحاجز من جديد, ولكي يقتنعوا ويؤمنوا بالمسيح وبما  في الأنجيل  . بولس يعلم جيداً وكما هو واضح من كلامه في الرسائل الأخرى وسنتناول قسماً من أقواله لاحقاً بأن هناك صلة بين الأيمان والأعمال وأن الأيمان لا يكون صادقاً صحيحاً إلا اذا اقترن بالأعمال الصالحة ، فكما أن الجسد بلا روح ميت , كذلك الأيمان بدون أعمال ميت كما قال الرسول يعقوب في " 26/2" . أما الرب يسوع فقال ( الغصن الذي لا يثمر يقطع ويطرح في النار) الأيمان لوحده عقيم وكما يوضحه لنا الرب في مثل السامري الصالح " لو 37/10"  أي أعملوا أعمالاً صالحة الى جانب أيمانكم وكذلك قصد الرب هو ( لم آتي لألغي الناموس بل لأكمله) .  قال عالم الشريعة ليسوع كيف أرث الحياة الأبدية فقال له ماذا قالت الشريعة فقال ( أحبب الرب الهك... واحبب قريبك كنفسك) فقال له ( أعمل هذا فتحيا) ولم يكفي العمل بالشريعة فقط بل ( من آمن وتعمد أيضاً ). كلام يسوع وبطرس ويعقوب ويوحنا يدعو الناس الى المحبة ( لا يناقضون تعليم بولس في رسالتيه الى روما وغلاطية) ومن المحبة تخرج الأعمال الصالحة لا من الأيمان لهذا يجب أن لا نقول من يؤمن يعمل أعمالاً صالحة, بل يجب أن يرتقي الأيمان الى مستوى المحبة ومن المحبة تخرج الأعمال الصالحة وكما وضحها بولس نفسه في أنشودة المحبة .  بعد ذلك اراد بولس أن يوضح ما يريده من اليهود بالتركيز الى موضوع المحبة التي تشمل مقطعي الشريعة ، أي محبة الله والبشر، اضافة الى الأيمان بيسوع المخلص، وهكذا سيتوحد كلامه وتعليمه مع يعقوب الذي يقول ان ذلك الأيمان لا يكون صادقاً صحيحاً الا اذا عمل صاحبه بتعليم المسيح, وهذا ما قاله الرب في آخر عظته على الجبل ( ... بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات)" مت 20/7" . القديسون نالوا المكافئة بسبب أيمانهم المقترن بأعمالهم وكما تقول الآية ( يقول الروح: أجل فليستريحوا منذ اليوم من المتاعب لأن أعمالهم تصحبهم ) "رؤ 13/14" هذه الأعمال مطلوبة من كل مؤمن وأكدها الرسول بولس بنفسه قائلاً ( لا بد أن نقف مكشوفين أمام عرش المسيح , لينال كل واحد منا استحقاق ما عمله حين كان في الجسد أصالحاً كان أم رديئاً )" 2 قو 10/5" وهكذا أكد لنا الرسول بولس على أهمية الأعمال الصالحة لكي نعلم بأن تعليمه وتعليم الرب والرسل تعليم واحد فقال (وأن يفعلوا خيراً ،  ويكونوا أغنياء بالأعمال الصالحة ...) " 1تيم 18:6" 

  هكذا يتكاتف الأيمان مع الأعمال النابعة من المحبة وبحجم المحبة التي فينا سنحاسب ، وكما قال أحد القديسين ( عندما يغيب هذا العالم سيحاسب كل واحد منا بقدر المحبة التي فيه) . وهذه المحبة هي  ( لله والبشر) و كما ذكرنا في مثل السامري. إذاً الله سيحاسبنا في يوم الدينونة الأخيرعلى الأيمان والمحبة التي تخرج منها الأعمال فيقول للمؤمنين به والمجردين من الأعمال والواقفين على يساره ( ابتعدوا عني أيها الملاعين الى النار الأبدية  ...) فيجيبه هؤلاء المؤمنين به قائلين( يا رب متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً......وما أسعفناك؟) فيجيبهم قائلاً ( الحق أقول لكم :بما أنكم لم تصنعوا ذلك لواحد من هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه) . ( كذلك طالع مت 25:35-45).
قال يسوع لسمعان الأبرص" الذي كان مؤمناً فقط" : (أنت ما دهنت رأسي بزيت معطر أما هي فبالطيب دهنت قدمي...... ) " لو 7/ 45-46" . أي الأيمان والعمل الذي يعبر عن الأيمان الصادق، فلهذا يقول يسوع  ( فمثل من يسمع كلامي هذا فيعمل به كمثل رجل عاقل بني بيته على الصخرة....) " مت 7/ 18-22" . فالمؤمن هو كالشجرة الطيبة ، فليس للشجرة الطيبة أن تثمر ثماراً خبيثة وبالعكس، وكل شجرة لا تثمر ثمراً طيباً تقطع وتلقى في النار. فمن ثمارهم ( أعمالهم) تعرفونهم . أما المؤمن المجرد من الأعمال فيحتقره يسوع لأنه يشبه التينة المورقة الجميلة التي رآها بدون ثمر " أعمال " فلعنها وهكذا الغصن الذي لا يثمر يقطع من شجرة المسيحية . نعم المؤمن بالرب فقط يستطيع على أساس الأيمان أن يعمل المعجزات وحسب قول الرب ( لو كان لديكم أيمان بقدر ذرة خردل تستطيعون أن تنقلوا الجبال ) لكن الأيمان لا يكفي وقد وضح الرسول بولس ذلك لكي نعلم بأن تعليمه وتعليم المسيح والرسل واحد , وما قصده في رسالتي روما وغلاطية لا ينافي تعليم الأنجيل ورسائل الرسل , وأن الأيمان لوحده لا يكفي , فوضح مؤيداً قول الرب الذي قال للمؤمنين اللذين قالوا بأسمك تنبأنا وبأسمك طردنا الشياطين ...الخ , أي امتلاكهم للمواهب نتيجة الأيمان فقط أي تلك الأعمال غير نابعة من قلب محب وكما قال الرب في "مر 16/ 17-18"  . نستنتج من رأي الرب يسوع وبولس ما يلي:-
1- أنعم الروح القدس بهذه المواهب على الناس في الكنيسة لخير المسيحيين في ذلك العهد أذ كانت السلطة الكنسية في أول نشأتها لم تنظم شؤونها الا قليلاً .المواهب على اختلاف أنواعها وغرابة بعضها وما كان يصحبها من ضجة كان خطراً يهدد بوضوح الأضطراب بين المؤمنين. ذلك دعا بولس الى الكلام على المواهب وموجزه:-
أ- أنها كلها من الروح القدس الذي كان يحل بالمؤمنين.
ب- يعظم قدرها على قدر ما تخدم الجماعة.
ج- النبوة أعظم شأناً من التكلم بلغات في حين أن أهل قورنتوس كانوا معجبين بموهبة التكلم بلغات.
ت- المحبة تفوقها جميعاً.
2- الموهبة تخول من ينالها القدرة على شرح أسمى حقائق الديانة المسيحية, تلك التي تتصل في الذات الألهية وفي أنفسنا, (طالع عب 1/6 و 26/ 6-26) .
3- تشرح الحقائق الأولى للديانة المسيحية ولا سيما ما يتصل بالمسيح وهناك فضائل أخرى وهي الرجاء والمحبة ( طالع 1 قو 13 ) ما يقصده بولس فيها هو أن لا نبقى نتراوح في رقعة الأيمان بل علينا أن نتحرك بخطواتنا الى الأمام لكي نمر ونعبر من خلال مرحلتي الرجاء والمحبة وأن المحبة هي المرحلة النهائية التي قال عنها بولس بأنها أعظم الفضائل. يوضح بولس ذلك بأن المواهب النابعة من الأيمان كتكلم بلغات الناس والملائكة بدون محبة فما هي الا نحاس يطن أو صنج يرن . أي أن الأعمال الناتجة من الأيمان المجرد من المحبة لا تفيد , فقال  ( ولو وهبت لي النبوة.... ولي ألأيمان لنقل الجبال ...ولم تكن لي المحبة فما انا بشىء . ولو فرقت جميع أموالي وقدمت جسدي ليحرق  ولم تكن لدي المحبة فما يجديني ذلك نفعاً ). فعندما نقدم خدمة للرب يسوع أساسها المحبة لا الأيمان به فقط لا يرفضها. أذن الحياة المسيحية مراحل وكالتالي:
 الأيمان بالمسيح بأنه المخلص ونسلم ذاتنا له. بعد أن نعيش كمؤمنين به ن ثم ننتقل الى المرحلة الثانية وهي مرحلة الرجاء بالخلاص فيترعرع هذا الرجاء الذي أساسه الأيمان لكي يصل الى مرحلة أخرى وهي الثالثة التي هي المحبة . في هذه المرحلة تظهر فينا الأعمال الصالحة المطلوبة ، عندئذ سنحب كل الناس ونعمل لأجل الله أولاً ومن أجل الناس ثانياً وأخيراً من أجلنا وكما عمل الرب يسوع ليلاً ونهاراً. كان يصلي في الليل ويعمل للناس في النهار . هكذا يريد الرب من كل واحد بأن لا يؤمن به فقط بل يعمل أيضاً .  يسوع سلم لكل مؤمن وزنات من العمل لخدمة الأخرين ، فعلى المؤمن بأن يعمل بهذه الوزنات ويزيدها لآن الرب سيحاسبه عليها بشدة , وينزعها من كل مؤمن لا يعمل ، ويسلمها للمؤمنين الذين يعملون . الرب أعطى لكل مؤمن وزنات وحسب قدرته من أجل خدمة الغير بمحبة فقال ( ان أعظم عمل يقوم به الأنسان هو أن يضحي من أجل محبيه) فبالمحبة يعمل للمحبين وبالمحبة يخدمهم .  فما قصد بولس في "1 قو 13" وهو أروع ما كتبه لنا حيث أبرز فيه لب المسيحية وهدفها الذي هو المحبة , وليس المقصود بالمحبة الشهوة التي تتوخى منفعتها الضيقة . بل الفضيلة التي تحمل صاحبها على أبداء المعروف الى القريب وكما أراد الرب وحسب قوله ( كونوا رحماء كما أن أبوكم السماوي رحيم) " لو 6 / 36" . كما يعلمنا بولس أن الله هو ينبوع المحبة ، أيده يوحنا الأنجيلي في رسالته حيث يقول عنه ( الله محبة) لماذا؟ لأنه أحبنا قبل أن نحبه" 1يو 4/ 19" , فضحى بأبنه من أجل خلاص الخاطئين" رو 8/5 . 8/ 32-39" وهذه المحبة هي أيضاً لدى الأبن والروح القدس وتنتقل من الآب والأبن والروح القدس الى كل مؤمن معمد , أنها الوصية الكبرى أي المحبة هذه الوصية التي نادى بها كل الرسل . فعلى كل مسيحي أن يكون محب ومن المحبة تخرج الأعمال الصالحة كما تقول الآية ( الرجل الطيب " المحب" من الكنز الطيب في قلبه يخرج ما هو طيب. والرجل الخبيث من كنزه الخبيث يخرج ما هو خبيث, لأن لسانه يتكلم بما يفيض من قلبه) "لو 45/6". الرب يسوع أذاً لا يريدنا أن نلتزم بالأيمان فقط بل يجب أن نتصف ونلتزم بالفضائل الأخرى لكي تظهر المحبة في أعمالنا, هذه الأعمال التي تعبر عن صدق أيماننا لله والناس وهي ثمار المحبة ، والمحبة هي قمة الأيمان لهذا قال الرب للمؤمنيين به في "لو 46/6" ( لماذا تدعوني يا رب يا رب ولا تعملون بما أقول ؟ ) . كل من يأتي اليَ ، ويسمع كلامي فيعمل به .( اي الأيمان +الأعمال) , فكما أن الشجرة الجيدة تعرف من ثمارها هكذا الرجل الصالح يعرف من صلاحه في أفكاره وكلامه وأعماله.  قمة الأيمان هي المحبة وثمرة المحبة هي الخدمة الصالحة ، أي من المحبة تخرج الأعمال الصالحة. يسوع الرب يريدنا أن نعمل ما للروح أكثر مما للجسد فعلينا أن نوظف ما للجسد الفاني لخدمة الروح الخالد لهذا قال  ( بيعوا أموالكم وتصدقوا بها واجعلوا لكم أكياساً لا تبلى , وكنزاً في السموات لا ينفذ , حيث لا سارق يدنوا ولا سوس يفسد ...) " لو 33/12" . كذلك قال للشاب المؤمن الغني الذي حفظ الشريعة منذ حداثته ( بع لديك وأعطيه صدقة للآخرين واتبعني) . هذه الأعمال تأتي من الحنية والحنان والعطف ...ألخ وكل هذه لا تخرج من الأيمان بل هي صفات المحبة وتعبر عن المحبة الصادقة . وهذه المحبة يجب أن نعطيها لمن هو أكثر حاجة الى الرحمة والمساعدة لذا قال الرب  ( لا تدع الى وليمتك كل من يستطيع أن يدعوك الى وليمتك فتنال المكافأة عن صنيعك ولكن اذا أقمت مأدبة فأدع الفقراء والكسحان والعرجان والعميان. فطوبى لك اذ ذاك لأنهم ليس بامكانهم أن يكافئوك. فتكافىء في قيامة الأبرار) . أي هناك حساب ومكافأة على الأعمال . الذي يؤمن ويعمل يشبه ( طالع لو 6/ 47-49 ) . أيمان بولس وتعليمه لا يختلف أبداً عن تعليم يسوع وباقي الرسل في موضوع أهمية أعمال المؤمنين ، فيسوع قال ( فإن أبن الأنسان سوف يعود في مجد أبيه مع ملائكته ، فيجازي كل واحد حسب أعماله ) " مت 27:16 " وكذلك يقول بولس في رسالته إلى أهل روما ( فإنه سيجازي كل أنسان بحسب أعماله ) " رو 6:2 ) . كذلك قال في غل 6:5 (لا نفع للختان ولا لعدم الختان ، بل الإيمان العامل بمحبة ) .إذاً لا يعفى المسيحي المؤمن من الأعمال الى لحظة دخوله الى الحياة الأبدية وحسب الآية ( لأن من دخل في راحة الله يستريح من أعماله كما استراح الله من أعماله ...) " عب 10/4" . كما قال بولس ( جميع الناس قد خطئوا فحرموا مجد الله ن لكنهم برروا مجاناً بنعمته ) ويقصد بولس بأن الخلاص ليس بالأيمان ، بل بالمحبة ومصدره النعمة ، فالنعمة لا تأتي بالعطاء ، وقمة العطاء هي كل شىء ، أي الوصول إلى حالة الفقر والحاجة إلى الله ، والله لا يمكن أن يملاً كأسنا بالنعمة لكي نخلص إذا لم تكن فارغة ، بل كانت مملوءة بأفتخارنا بأعمالنا كالفريسيين ، والنعمة تتجدد وتتزايد بالمحبة والعطاء ( طالع لو 26:19 ) فحياة أيماننا عبارة عن تغذية مستمرة للروح وبناء الفرح الداخلي ، والذي يطمر النعمة فينا هي الخطيئة التي تمحي المحبة فتموت النعمة . نكرر قول الرسول يعقوب الذي هو خلاصة قصيرة ومفيدة لكل ما قاله يسوع والرسل وهو ( أن الأيمان بالله الواحد لا يكفي. لأن الشياطين أيضاً تؤمن بهذه الحقيقة ، لكنها ترتعد خوفاً وهذا يؤكد لك أيها الأنسان الغبي , أن الأيمان الذي لا تنتج عنه أعمال هو أيمان ميت. أبوسع الأيمان أن يخلص؟ ) . وهكذا بالنسبة الى الأعمال بدون الأيمان بالمسيح باطلة.
ولربنا يسوع الذي نؤمن به ونعمل له , كل التسبيح والمجد الى أبد الدهور.





28
تجلي الله في العالم المنظور

   بقلم / وردا أسحاق قلّو

إذ إنه ، وهو الكائن في هيئة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله " في 6:2"

الله غير منظور ، وصفاته أيضاً غير منظورة ، لكن قدرته الأزلية تُعَبّر منذ خلق العالم وهي مدركة بمخلوقاته ( طالع رو 1: 18-20) . وإستناداً إلى هذا القول أكد لنا التقليد المسيحي أن الأنسان يستطيع الوصول إلى معرفة الله من خلال المخلوقات التي تتجلى فيها صفات الله غير المنظور .
 بيّنَ الفلاسفة أن الكائن الأسمى يتجلى من خلال الكائنات ، والمطلق من خلال النسبي ، فلفظة ( التجلي ) تعني حضور الغير المنظور حضوراً منظوراً . إلا أن غير المنظور بحضوره في العالم يبقى غائباً عنه ، فهو حاضر غائب في الوقت نفسه ، حاضر من خلال تجليه . ويمكننا إدراك مفهوم ( تجلي الكائن ) من العلاقة بين الكلمة والفكرة ، فالفكرة تتجلى في الكلمة ، إلا أن هذا التجلي يتسّم بسمتين متلازمتين ، فالسمة الأولى هي أن الفكرة ليست أمراً مكتملاً داخل فكرة الأنسان وتبرز إلى خارجه بواسطة الكلمة المنطوقة أو المكتوبة ، وإلا لصارت الكلمة غريبة عن الفكرة وبعيدة عنها . إنما الفكرة حاضرة في الكلمة حضوراً مباشراً دون وسيط . هكذا يتجلى الكائن والمطلق والله ، متسماً بهاتين السمتين ، فتجليه ليس غريباً عن كيانه ، أنما هو كيانه بالذات الحاضر في تجليه . وتلك هي السمة الأولى ، ثم أن تجليه لا يستنفد كيانه كله ، إذ أن الكيان الذي يظهر لنا إنما هو كيان المطلق والله ذاته ، ولكن من حيث إنه يتجلى ، أي إنه يبقى حتماً فرق وبُعِد ومسافة بين الكائن في ذاته وتجلّي هذا الكائن ، وتلك هي السِمة الثانية . تجلى الله في العهد القديم بواسطة الوحي ، وفي الكَون ، وفي تاريخ الخلاص ، إلا أنه لا يزال فيذاته أوسع بكثير مما ظهر للبشرية ، فإنه قريب منا وبعيد عنا في آن واحد ، وهو نفسه الذي يظهر ، ولكن فقط من خلال تجليه ، كما ظهر في العهد الجديد في شخص أبنه يسوع ، واليوم يظهر لنا في الكنيسة ، فيتجلى في أسرارها ليحضر بيننا ، كما يظهر لنا في الأيمان . في العهد الجديد وعلى الجبل تجلى في شخص المسيح ، وكل ما قاله العهد القديم رآه العهد الجديد في المسيح ، فهو الحكمة ، والنور ، وخبز الحياة ، والماء الحي ، والراعي الصالح ، والملك ، والطريق والحق والحياة ، وفيه تمت الكتب المقدسة ( لو 21:4 ) وبه صار ( ملكوت الله في ما بيننا ) " لو 21:17" . الله تجلى في المسيح " في 2: 6-8" . كذلك المسيح تجلى في كنيسته ، في حظوره وغيابه ، فالكنيسة هي أستمرار لحضوره وإن كان غائباً عن الأنظار . فهو في وقتٍ واحد حاضر بيننا ، وغائب عنا على مدى التاريخ . والبعد الثالث هو ترقب مجيئه الثاني وإنتظار حضور المسيح الدائم ، وهو يتضمن الغياب على مدى الزمن . كما يتجلى المسيح اليوم في إيماننا ، فالأيمان هو موضوع تجلي المسيح وتجلي الله بالمسيح . ففي أيمان المسيح يتجلى الله ، وفي أيمان الكنيسة يتجلى المسيح الإله ، وفي رجائها يتجلى ملكوت الله فينا . نلاحظمعاً وجود القرب والبعد ، الحضور والغياب ، فالمسيح يتجلى في الكنيسة المؤمنة ، إلا أن الكنيسة لا تستنفد حضوره . والملكوت يتجلى في الرجاء المسيحي ، إلا أن هذا الرجاء لا يستنفد حضور الملكوت . ومحبة الله تتجلى في محبتنا للقريب . إلا أن هذه المحبة لا تستنفد حضور محبة الله .
كذلك الله يتجلى في صلاة المؤمنين ، فعندما يدخل المسيحي في الصلاة يتجلى له الله في الوقت نفسه قريباً وبعيداً ، حاضراً وغائباً ، ويدرك معاً إنه يشترك في الطبيعة الإلهية وأنه لا يزال إنساناً خاطئاً ، تلك هي خبرة القديسين المسيحييم الذين بقدرٍ ما يتحدون مع الله بصلواتهم ، ويصارعوه بإيمانهم ، ويدخلون في عالمه ويدركون كثافة الظلام التي تكتنفهم .
 وهكذا يتجلى الله في صلاة الجماعة أيضاً وحسب قول الرب ( أَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِم ) " مت  20 :18 " في الصلاة يتجلى لنا عمل الله فيفتح كياننا البشري لنمتلىْ من نعمة الله التي أنعم بها على البشر منذ البدء ، وفي المسيح وأخيراً علينا في الروح القدس ، كما علينا أن نعلم بأن كياننا الذي أشترك في الطبيعة الإلهية لم ينصهر بعد في كيان الله ، وإن الخطيئة لا تزال فينا تبعدنا عن قداسته ، وهذه هي المفارقة التي لا بد لنا أن نعيش فيها مادمنا على هذه الأرض ، والتي نختبرها كل مرة ندخل في الصلاة من غير أن تحملنا إلى اليأس ، كما تجلى الله في عمل المؤمن كما يتجلى في صلاته ، لأن العمل هو ثمر الأيمان ، فإن بين الله وتجليه في العالم مسافة مستمرة ، وهي المجال الذي يندرج فيه عمل الأنسان ، وعمل الأنسان مطلوب ، بل سنطالب به ( طالع مت 25: 35-36 ) فنعمة الله تطلب من الأنسان أن يملأها بأيمانه وعمله ، أي بالأيمان العامل .
 المجد الدائم لله المتجلي فينا


29
تأنس الله لكي يتأله الأنسان

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( من أكل جسدي وشرب دمي ثبتَ فيّ وأنا فيه )"يو 56:6"

http://www.m5zn.com/newuploads/2018/12/12/jpg//m5zn_d4cf43ed357e423.jpg

في البداية نقول أن لفظة ( إله ) تثير القارىء لأعتقاده بأن الأنسان سيرتقي إلى مستوى الله الخالق اللامحدود القدرة ، والمطلق الآلوهة . الكتاب المقدس واضح في عهديه القديم والجديد بأن الملاك أو الأنسان لا يجوز أن يصبحا آلهة  ، فعن الملاك ( طالع أشعياء 14 ) وعن الأنسان ، نقرأ عن ملك صور الذي تكبر وقال أني  طالع ( حز 28:2 ) و العهد الجديد كتب لنا عن هيرودس الملك الذي أراد الشعب أن يألهه  ( ... فصرخ الشعب : هذا صوت إله لا صوت أنسان . ففي الحال ضربه ملاك الرب .. ) " أع 12: 22-23 " . أراد الأنسان أن يبحث عن طريق يوصله إلى مستوى الله لكي يحصل على قدرات فوقية يتعظم من خلالها كما هو الله ، فالأنسان المخلوق على صورة الله ومثاله ،لا يستطيع أن يصبح كخالقه أو بمستواه بقدراته الذاتية بدون إرادة الله . عندما تناول الأنسان من ثمار شجرة الجنة كان يحاول أن يتأله بقدراته الذاتية فسقط ، وكانت سقطته عظيمة ، فالأنسان لم يستطيع أن يترفع إلى الآلوهية بقدراته ، علماً بأنه مدعو إلى الآلوهة ، والآلوهة لا يمكنه بلوغها بقوته الذاتية ، بل يحصل عليها هبة يهبها الخالق له بدافع حبه للمخلوق ، وبه ينال الحياة الروحية والخلاص فيتحد مع الخالق ليتأله معه ، فالله هو الوحيد الذي يستطيع أن يتحد مع الأنسان لكي يملأ قلبه مما له ، فمحاولة آدم في خطف الآلوهية بالقوة الذاتية كانت برهاناً للأنسان بأنه لا يستحقها ولا يستطيع أن ينالها من دون الله علماً بأن آدم كان باراً وبدون خطيئة .  لهذا تجسد الله لكي يخلص الأنسان فوَضع الأنسان على الطريق الصحيح . مات الإله المتأنس جسدياً من أجله بسبب محبته للبشر لكي يقدم له جسده ودمه في سر الأفخارستيا مجاناً، ومن خلال التناول يتحد الأنسان مع الله وحسب قول الرب ( من يأكل جسدي ويشرب دمي يحيا فيّ وأنا فيه ) " يو 56:6 " .  فسبب تجسد وتأنس المسيح هو لـتأله الأنسان . كيف يتم الأتحاد ؟
في ملء الزمان تأنس يسوع في المكان والزمان لكي يشمل الخلاص العالم كله ، فإن حقيقة التجسد تعني أن الخلاص قد شمل للجميع . فإن حقيقة التجسد تعني أن الخلاص بدأ من حبة صغيرة زاخرة بالوعود ، فالله الكلمة تجسد في أحشاء فتاة من الناصرة أسمها مريم والممتلئة من النعم ، فأصبح كلمة الله جسداً في أحشاء تلك الأمَة الوضيعة التي أصبحت ، بين بني آدم ، أول من يستفيد من الخلاص ، بل أول من أتحدت مع الله جسدياً فحملت القربانة الحية النازلة من السماء . وبواسطتها حصل أول أتصال بين الله والبشر .
في الأفخارستيا تقدمة مجانية تحتوي جسد ودم يسوع الإله الذي مات من أجل الجميع ، ولكي يوّحد البشرية مع بعضها ، وبالأفخارستيا يتحد الله مع البشرفي وحدة ملؤها الحب . فالمسيح الإله المتأنس هو وحده الذي أعاد العلاقة بين الله والبشر . فوّحدَ البشر في جسد واحد يمثل الكنيسة المقدسة في وحدة جوهرية متجانسة . فالذي ينتمي إلى كنيسة الرب عليهِ أن يضحي هو أيضاً كما ضحى له المسيح فيتخلى عن ذاته وأنانيته لكي يستطيع المسيح أن يدخل إليه ويتحد معه إتحاداً أبدياً ( والكلمة صار بشراً وخيّمَ بيننا ) " يو 14:1 " فكل وحدة خارج إطار المسيح محكوم عليها بالفشل لأن الوحدة تحتاج إلى تضحية . وخلاص أُمة يحتاج إلى من يموت عنها كذبيحة لينقذها ، وفي تلك الذبيحة هناك شروط لكي تكون كاملة ومقبولة . تنبأ قيافا بموت واحد من أجل خلاص أمة ، فقال ( .. من الأفضل ان يموت رجل واحد فدى الأمة ... ) " يو 50:11 . لم يكن قيافا يدرك ما يقول ؟ و نحن نقول ، ليس عن أمةٍ واحدة فحسب ، بل ليجمع أيضاً شمل أبناء الله المشتتين . فالمقصود كان موت المسيح عن العالم أجمع . كما يجب أن يموت الأنسان مع المسيح ليتحد به . نحن المؤمنين متنا معه في المعمودية ، وقمنا معه في الأفخارستيا . لهذا قال يسوع ( من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ) " يو 54:6 " .
الأنسان الغير المؤمن يعيش حياة الجسد ، أما من يدخل في سر المسيح فيرتفع من مستواه البشري إلى مستوى الحياة الأبدية . يجب أن نموت مع المسيح لكي نحيا ونتحد مع الله . بموت المسيح أصبحنا أبناء الله . فالقربان المقدس هو موت المسيح في الأنسان الذي يتناوله بأستحقاق ، وموت الأنسان في المسيح  . أنه موت متبادل كحَبةِ التربة التي تموت في البذرة  حتى تحيا ، والبذرة التي تموت بين ذرات التربة في الأرض تحيا بها حبات التربة ، والوحدة تتم من خلال العطاء المتبادل بين التربة والبذرة ، هكذا نحن لا نستطيع أن نترقى إلى مستوى أعلى إلا إذا دخلنا في حياة الله فنتحد به بواسطة أبنه المسيح . فجسد الأفخارستيا هو الوسيلة الوحيدة لضم كل خلية بشرية إلى جسد يسوع السري فيتحد بالمسيح  الذي هو أبن الله و أبن الأنسان الذي أراد أن ينقل للبشر آلوهيته التي في الجسد ، فهدف التجسد كان لرفع الأنسان إلى الآلوهية ( أي تأنس الله حتى يتأله الأنسان ) . الأنسان لا يستطيع أن يتأله بقدراته إلا إذا أتحد مع الله عن طريق أبنه المتأنس ، بمعنى أن الآلوهة التي كانت للمسيح أراد أن يشركنا فيها الله في يسوع الناصري من خلال جسده السري ، وهذا ما يتم عن طريق التناول المقدس ، ومن خلال التناول تصبح آلوهية المسيح لنا ، فنتأله معه بأتحادنا الأبدي معه فنصبح معه جسداً واحداً وهو رأسنا.
والمجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة



30
المولود الألهي ... يدعى اسمه عجيباً

بقلم / وردا أسحاق قلّو


( لأنه يولد لنا ولد ونعطي أبناً ، ويدعى أسمه عجيباً مشيراً ألهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام )
" أش 14:7"
نقرأ في أسفار العهد القديم نبوات كثيرة تتجاوز 300 نبؤة ، نقلها لنا أكثر من 30 نبياً تنبأوا بمجىء المسيح الكلمة . وصف بعضهم حياة المسيح المتجسد منذ فترة البشارة والميلاد حتى موته على الصليب وقيامته وصعوده . ومن أبرز الأنبياء الذين نقلوا لنا تفاصيل حدث ميلاد أبن الله هو أشعياء النبي قبل ثمانمائة سنة قبل ميلاد المسيح . فسفر أشعياء هومن أغنى الأسفار التي سردت لنا تفاصيل ميلاد المسيح وصفاته الإلهية . كتب عن ميلاده ، وأضطهاده من قبل هيرودس الملك منذ ولادته ، وسبب هروبه إلى مصر . كما تناول النبي مواضيع أخرى عنه كحلول الروح القدس عليه ، وعن معجزاته وتبشيره ، وعن موته على الصليب .
فعن ميلاد المسيح كتب ( لأنهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَم ) " 6:9 ".
وكذلك عن الحمل به من العذراء ، قال (هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ "عِمَّانُوئِيلَ " )
"14:7 " , وفي تفسيرهذه الآيلا نجد في هذا الطفل أمور عجيبة ، وفي نص الآية لكي نفهم لفظة ( عجيباً ) علينا أن نتناول الصفات العجيبة في هذا الطفل الإلهي بالتفصيل ، منذ البشارة ، وحتى موته على صليب الجلجلة .
حياة يسوع تحمل أسراراً خفية ، فطبيعة حياته مختلفة عن باقي الأنبياء . فيه تظهر الطبيعة الإلهية وهو أنساناً . أعماله المتجسدة في الآيات التي عملها أمام الناس تحمل قدرة خارقة تتحدى الطبيعة وقوانينها ، هذا الذي كتب عنه بأنه نزل من السموات ، ويصعد إلى السموات ، وهو الذي ينزل ويجمع الريح في حفنته ويثّبت أطراف الأرض ، وغيرها من القدرات التي تثبت لنا على أنه قادر على ل شىء لأنه أبن الإله .
كان تجسده في أحشاء العذراء عجيباً ، فحبلت به بدون زرع بشر ، وإنما بالروح القدس " لو 35:1 " . وولدته العذراء ولادة عجيبة وحافظ على عذراوية أمه لكي تكون ولادته عجيبة تفوق الأدراك وتليق بولادة أبن الإله . أنه ليس من نسل رجل ، بل من نسل المرأة . وأبن نسل المرأة هو الذي سيسحق رأس الحية ( طالع تك 15:3 ) وهذا الموضوع العميق وصفه لنا الرسول بولس بقوله ( عظيم هو سر التقوى . الله ظهر في الجسد ) " 1تي 16:3 " . والسبب لكونه إلهاً عجيباً .
في العهد القديم ظهر على شكل ملاك لمنوح والد شمشون الجبار ، فسأله عن أسمه فأجابه ( لماذا تسأل عن أسمي وهو عجيب ؟ ! . وصعد ملاك الرب في لهيب نار الذبيحة التي قدمها منوح إلى السماء ، قال منوح لأمرأته لا بد مائتان لأننا  قد رأينا الله ) " قض 13: 18-22 " .
أما في العهد الجديد فنقرأ عن حياته العجيبة وحكمته الإلهية بدون أن يتعلم من أحد ، بل كل علمه وكماله لم يكن من هذا العالم ، لهذا تعجب به أعدائه فقالوا ( لم نسمع قط إنساناً يتكلم بمثل كلامه ! ) " يو 46:7 " . كان فيه كل كنوز الحكمة والعلم ، فحيّرَ علماء الشريعة بحكمته منذ أن كان صبياً " لو 2 " . كان عجيباً في السَير على سطح المياه ، وأنتهار البهر وأكات العاصفة ، فتعجب به تلاميذه " مت 25:14 و مر 39:4 " كما تعجب به الكثيرين فآمنوا به بسبب إقامته الموتى وخاصةً لعازر المنتن " يو 11 " وأعماله الكثيرة في شفاء المرضى بكلمته الناطقة ، أو باللمس . كما كان عجيباً في طهارته وقداسته ، لهذا تحدى منافسيه بقوله ( من منكم يبكتني على خطيئة ) " يو 46:8 " .
كان عجيباً في أقواله وآرائه عن ذاته بأنه مولود قبل أبراهيم ، بل أنه موجود منذ الأزل ، وتحدى الجميع بقوله ( أنا والآب واحد ) " يو 30:10 " وهكذا كان يقارن نفسه بالله الآب متحدياً اليهود بقوله ( من رآني رأى الآب .. وأنا نور العالم .. وأنا هو القيامة والحياة ، من آمن بي وإن مات فسيحيا ، وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد )"يو 11: 25-26 "  . وكذلك قال ( أنا هو خبز الحياة ، من يقبل إليّ فلا يجوع ) " يو 35:6" . إضافة إلى قوله العجيب ( أنا هو الطريق والحق والحياة ، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بيّ ) " يو 6:14 " .
أما عن قوله العجيب الذي لا يستطيع أن يدركه السامعين ، فهو ( حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة بأسمي هناك أكون في وسطهم ) " مت 20:18 " وقوله ( تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوت إبن الله فيقةم الذين فعلوا الصالحات لقيامة الحياة ، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة ) " يو 28:5" وعشرات الأقوال الصريحة التي أعلنها أمام الجميع .
كما كان هذا المولود الإلهي عجيباً في محبته وحتى لأعدائه فغفر على الصليب للمصلوب على يمينه ، وطلب من الآب المغفرة لصالبيه وهو على خشبة الصليب .
ختاماً نقول : ألم يكن الإله المتجسد المولود في المذود عجيباً لأنه قَدَسَ الفقر بميلاده ؟ إلم يكن عجيباً عندما تدخلت الطبيعة للأعلان عن ميلاده ، فنجم السماء أرشد المنجمين المجوس من الشرق لكي يذهبوا للسجود لهذا الطفل العجيب والغريب ؟ وهكذا أمر هذا الطفل العجيب ملائكته لكي يبشروا الرعاة الفقراء  ولكي يسمعوا ترتيلة الملائكة وهم ينشدون أنشودة السماء ؟ ألم يكن عجيباً وهو طفلاً مولوداً في حضيرة الحيوانات لكنه أرعب الملك هيرودس ؟ غادر هذا العالم ولم يكتب حتى أنجيله . لكن كلماته وصلت إلى كل أصقاع العالم ، بواسطة أثنا عشر رسولاً تخرجوا من مدرسته فكسبوا العالم كله بمحبتهم وبقوة كلمته وحكمته التي وهبت لهم من الأعالي ، وترجم كلام أنجيله  إلى ألفي لغة ولهجة ليبرز أنجيله فوق كل الكتب ، وعبر كل العصور . كان عجيباً في تحديه للعالم ، فقال ( ثقوا أنا غلبت العالم ) . وفي مجيئه الثاني ستسجد له كل ركبة في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض ،
نطلب من هذا الطفل العجيب أن يفتح بصيرة الذين لم يؤمنوا به لكي يتوبوا ويسجدوا له كالرعاة والمجوس لكي يولد في قلوبهم فيكون لهم الخلاص . نقول مع الرسول بولس
( أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ) " 1 تي 4:2 "   

31
زيارتي إلى الأماكن المقدسة

بقلم / وردا أسحاق قلّو

 ( فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب ننطلق ، قد وقفت أقدامنا في أبوابك يا أورشليم ) " مز 1:121

الأماكن المقدسة . تلك البقاع التي اختارها الرب يسوع فتجسد وولد وترعرع على ترابها ، ومر في طرقاتها وبشّرَ في مدنها وقراها . قضى فيها كل سنين عمره كفقير منذ الولادة وحتى الموت . ومن تلك الأرض أنطلق إلى السماء بجسده الممجد أمام أنظار المئات ليدخل مرة أخرى في اللازمن . فمن يزور تلك الديار المقدسة بإيمان وخشوع وقلب مضطرم بالحب لسيده ومخلصه سينال النعم والبركات وحياة مسيحية أكثر نقاوة  . الزيارة هي دعوة لكل مؤمن لكي فيبتعد عن أرضه وأهله وعشيرته متجهاً إلى تلك الديار التي أختارها الله لأبينا أبراهيم ونسله ، فأبراهيم الذي سمع الدعوة ، ولبى الطلب ( أترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك وأنطلق إلى الأرض التي أريك ) " تك 1:12" . أبراهيم أطاع الله ، فتجلى له وكلمهُ وباركهُ ، كذلك أيليا النبي أنطلق في مسيرة مباركة إلى جبل حوريب فألتقى بالرب من خلال نسيم لطيف وسمع صوتاً يدعوه ويحدثه ( طالع 1مل 19: 12-13 ) هكذا يجب على الذي يزور تلك الأماكن أن يشعر بلقاء الرب ليعيش في كنفه ويتبرك بعطاياه الكثيره ويغيّر حياته فيسمو ويرتقي نحو الأفضل . أديان كثيرة عرفت الزيارة إلى أماكنها الدينية المختارة منذ القدم . فعند الرومان والهندوس كانوا يزورون أقدس الأماكن الخاصة بمعتقداتهم . أما شعب الله المختار فكانت الزيارة لديهم فريضة لزيارة الهيكل المقدس في ثلاث أعياد مقدسة خلال سنة واحدة ، وهي ( الفصح – العنصرة – المظال ) كانوا يقدمون خلالها الذبائح تكفيراً عن خطاياهم . وفي عودتهم كانوا فرحين يرتلون بأورشليم قائلين ( أن نسيتك يا أورشليم فلننسى يميني ويلتصق لساني بحنكي أن لم أذكرك ) " مز 137: 5-6" .
أما المسلمين فقلدوا اليهود واعتبروا الزيارة إلى الكعبة حجاً ، وأعتبروا الحج ركناً من أركان دينهم ، وهم كاليهود أيضاً يقدمون الأضاحي الحيوانية لمغفرة خطاياهم في عيد الأضحى .
أما نحن المسيحيين فأُلغيت الذبائح الحيوانية بعد موت حمل الله على الصليب ، هذا الذي دفع الثمن كاملاً للعدل السماوي فحرر الأنسان .
كانت زيارة الهيكل مفروضة عند اليهود على كل من بلغ الأثني عشر سنة ، وما زيارة يسوع إلى الهيكل مع والديه في عيد الفصح عندما ضاع  إلا زيارة مفروضة عليه ، وكانت تلك الزيارة الأولى له ، وكانت ترمز إلى زيارته الأخيرة لأورشليم والتي فيها أسلم نفسه طوعاً للصلب من أجل خلاص كل من يؤمن به وبعمل صليبه المقدس ومن الصليب انطلق الى أورشليم السماوية .
الزيارة في المسيحية بدأت في القرن الرابع الميلادي بعد أن تم بناء الكنائس الضخمة من قبل الملكة هيلانة المؤمنة في مكان بشارة الملاك للعذراء في الناصرة ( كنيسة البشارة ). وفي مكان مولد الرب في بيت لحم ( كنيسة المهد ) ، ومكان موته على الصليب ، ومكان وضع جسده في القبر ( كنيسة القيامة ) وغيرها من الكنائس . 
لزيارة الأماكن المقدسة معنى ديني عميق ومهم ، لهذا على الزائر أن يتهيأ نفسياً وروحياً أولاً قبل الأنطلاق في رحلته التي يجب أن تبدأ أولاً بالصلاة والتأمل وسماع الوعظات وقراءة الكتب المقدسة والأشتراك في الأسرار الألهية قبل الرحلة  . الغاية الأساسية من الزيارة ليست لمشاهدة آثار ومناظر كما يفعل السائح الذي يتمتع بالمشاهدة وألتقاط الصور وشراء الهدايا ، بل لكي يتمتع بالصلاة المشتركة مع المجموعة للعبادة والتأمل العميق في المكان المقدس وكذلك بمستقبل حياته الروحية طالباً من الرب الذي مات من أجله في تلك الديار أن يدخل إلى قلبه ويغيّر حياته نحو الأفضل ، بل ليصبح معه كياناً واحداً ( وأما ما أقترن بالرب فصار وأياه روحاً واحداً ) " 1 قور 17:6 " . فالأشتراك مع الجماعة في الصلاة يخلق منهم كنيسة صغيرة على مثال الجماعة المسيحية الأولى التي كانت تعيش قلباً واحداً ونفساً واحدة ( أع 32:4 ) كما على الزائر أن يتأمل بالعذراء مريم منذ زيارته التي يجب ان تبدأ من الناصرة قرية العذراء وذلك لأن للطوباوية مريم تأثير خلاصي للبشر ، وهذا لن يولد عن حتمية ما ، بل ينبع من رضى الله ويصدر عن فيض استحقاقات أبنه الوحيد ، انه يرتكز على وساطته ، ويتعلق بها تماماً ، ويستمد منها كل قوته ، وهذا لا يعيق أتحاد المؤمنين بالمسيح بطريقة ما ، بل يعززه ( المجمع الفاتيكاني الثاني / دستور عقائدي في الكنيسة عدد 60 ) . وهكذا بالنسبة إلى زيارة أماكن القديسين وأضرحتهم ، هم أيضاً شفعاء لأبناء الكنيسة المجاهدة وطلباتهم مسموعة من قبل الرب . بعد هذه المقدمة سأبدأ بالتحدث عن زيارتي مع المجموعة التي كان يقودها الأب سرمد باليوس راعي كنيسة العائلة المقدسة في وندزر – كندا إلى الأراضي المقدسة  ، والتي بدأت من يوم 15 -9 – 2018 وأنتهت يوم 26 – 9 - 2018.
نزلنا في مطار اللد في العاصمة تل أبيب يوم 16 – 9-2018 والمطلة على البحر المتوسط . أقول عن اللد بأنها كانت في زمن المسيح مدينة صغيرة مر فيها بطرس وشفى مُقعداً أسمه ( أينياس ) " طالع أع 9: 32-35 " . أما تل أبيب الحديثة التي بنيت في تلك المنطقة  فمعنى أسمها هو ( تل الربيع ) وباللغة العبرية ( أفيف ) وأصل الكلمة أكدي ، أي من اللغة الأكدية ، حيث جاءوا به اليهود من بلاد النهرين  ، من اللد أنتقل بطرس إلى يافا ونحن أيضاً دخلنا إلى يافا الملتصقة بتل أبيب ، يفصل بين المدينتين شارع أسمه ( باركون ) . زرنا في يافا أول كنيسة بأسم القديس بطرس ، يعلوها برج عالي يشبه برج كنيسة الساعة في الموصل . بنيت تلك الكنيسة في يافاعلى آثار بيت سمعان الدباغ القريب من ساحل البحر  ، كان الرسول بطرس ضيفاً فيه ، فعندما كان يصلي فوق سطحه ، رأى رؤية فشاهد وعاء نازل من السماء وفيه أنواع الحيوانات الدابة ( طالع أع 10: 9-12 ) وعندما انتهت الرؤية سمع صوت الطرقات على الباب ، فإذ هم رجال بعثهم قائد المئة ( قرنيليوس ) أليه . وفي يافا أيضاً أعاد بطرس الحياة إلى تلميذة أسمها ( طابيثا) أي ظبية بعدما أرسلوا التلاميذ إلى بطرس للحضور من اللد القريبة إلى يافا يتوسلون إليه للحضور من أجلها ( أع 9 : 36-41 ) . يافا مدينة قديمة عمرها يتجاوز 3300 سنة . ومن يافا رجعنا إلى تل أبيب ومنها توجهنا إلى القيصرية التي كان فيها القائد قرنيليوس والقريبة من يافا قطعها بطرس ورجال قائد المئة بيوم واحد ، وفي بيته ألقى عظته فآمن الجميع وأعتمدوا وتكلموا بلغاتٍ غير لغاتهم ( طالع أع 10 ) . كانت رحلتنا في اليوم الأول مطابقة لرحلة بطرس المدونة في سفر أعمال الرسل ، أي كنا نسير وفق النصوص وترتيبها .
أنطلقنا من هناك في رحلة طويلة نحو الشمال فوصلنا إلى جبل الكرمل . قضينا الوقت في الطريق بالتراتيل والصلوات ، نزلنا على الرابية التي عليها عمل أيليا المحرقة ، وتحدى جماعة أيزابيل الوثنية السفاحة . وعلى ذلك الجبل العالي المغطى بالغابات متنوعة الأشجار شيد جماعة الروم الكاثوليك الكرمليين كنيسةعلى مكان المحرقة تسمى بكنيسة ( المحرقة ) تقع على قمة الجبل ، وأمام الكنيسة نصب عالي يحمل تمثال ما أيليا وبيده سيف يقتل به إله البعل .

 تأمل الأب الكاهن بنص الموضع في وعظته التي قدمها لنا في القداس الذي أقامه في نفس الكنيسة ( أول قداس في رحلتنا ) وقال بأن الله لا يقتل أحداً بل قتل الوثنية وأزال عبادتها ( 1 مل 18- 40 ) لهذا تمرد الشعب على إله أيزابيل وآخاب الملك وتبعوا إله أيليا المنتصر .
كرمل تعني ( كرم أيل ) أي كرم الله . يوجد على سطح تلك الكنيسة مخطط مرسوم من أسهم موجهة صوب الأماكن الأثرية والمدن المحيطة بالجبل وخاصة نحو الشرق والشمال الشرقي ، كجبل الطابور والناصرة  ،  تقع على شمال الشرق من جبل الكرمل ، وجبل التجلي يقع الى الشرق وغيرها .
وهذا هو المخطط مع صورة المجموعة :


جبل الكرمل مطل على وادي فسيح يُزرع ثلاث مرات في السنة لخصوبته . حقل نابوت اليزرعيلي القريب من قصر الملك في السامرة كان سبب غضب الله على آخاب ، فأرسل أليه الملك أيليا لينقل أليه هذه الرسالة  ( في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضا ) " 1مل 19:11 " . ولما سمع أخآب هذا الكلام، شق ثيابه وجعل مسحاً على جسده، وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت . فكان كلام الرب لأيليا ( هل رأيت كيف اتضع أخآب أمامي ؟ فمن أجل أنه قد اتضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه ، بل في أيام ابنه أجلب الشر على بيته ) " 1مل 11: 27-29 " . أقسمت أيزابيل  لقتل أيليا فهرب إلى جبل حوريب ودخل إلى مغارة وبات فيها ، وهناك تجلى له الرب وأعطى له أوامر.
من جبل الكرمل أتجهنا نحو مدينة الناصرة التي تبعد 105 كم شمال أورشليم . أسمها أرامي  ܢܨܪܬ . كانت قرية صغيرة في عهد العذراء ومار يوسف ، واليوم فهي مدينة كبيرة مبنية على سفح الجبل ويبلغ عدد سكانها حوالي 85 ألف ، 30 % من المسيحيين . تحيطها مدن وقرى ( المشهد ، عين ماهل ، إكسال ، وكفركنا ، وعيلوط ، الرينة  ) وتعتبر الناصرة من المدن الأكثر قداسة في المسيحية كأورشليم وبيت لحم . وعلى أسمها دعي المسيح  ( ناصرياً ) . قبل وصولنا إلى مدينة الناصرة وصلنا إلى سلسلة من الجبال منها جبل الخوف ، تعلوه قمة صخرية بارزة إلى جهة الجنوب ذات شكل مخيف ، وعلى حافة تلك القمة أصعدوا اليهود يسوع ليطرحوه إلى الأسفل بسبب قرائته في كتاب النبي أشعيا ، وبعد القراءة قال ( اليوم تم ما قد سمعتم من آيات ... وقاموا يدفعونه إلى خارج المدينة وساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى الأسفل ، إلا أنه أجتاز من وسطهم وأنصرف ) " لو 4: 21-30 "
وصلنا إلى الناصرة ونزلنا في فندق ( كولدن كراون ) المطل على معظم أحياء المدينة وبقينا فيه خمسة أيام . في صباح اليوم التالي بدأت رحلتنا إلى أهم الكنائس في المدينة ، ففي الناصرة يوجد الكنائس التالية :
كنيسة البشارة لللاتين الكاثوليك


داخل الكنيسة



1-   كنيسة البشارة للاتين الكاثوليك : كما تسمى بكنيسة الملاك جبرائيل .وهي أكبر الكنائس في الشرق الأوسط ، تتكون من طابقين ، في الطابق السفلي يوجد بيت العذراء ، يستطيع الزائر أن يرى منه الدرج المؤدي إلى غرف البيت الصغير ، تعلو الكنيسة قبة جميلة على شكل سلة مقلوبة . في هذا المكان حضر الملاك جبرائيل على العذراء وألقى عليها السلام الملائكي . الكاتدرائية كبيرة وبنائها جميل ، نجد على جدرانها تماثيل غائرة وبارزة وعليها صلبان خماسية تمثل جروح المسيح الخمسة ، ومريم موجودة تحت الصليب ، مريم تمثل الكنيسة ، فيجب إذاً تشيّد الكنيسة المقدسة  تحت الصليب ، ويبقى المؤمنون تحت ثقل الصليب إلى يوم مماتهم فيرفعهم الصليب إلى السماء . باب هذه الكنيسة جميل جداً  عليه منحوتات برونزية للعذراء مريم التي ترمز إلى الكنيسة ، ويوحنا الرسول ، تم تشبيهه  بالنسر ،  فلاهوته العميق الخارق يرمز إلى بصر النسر الخارق ، وترتيب هذه التماثيل على الباب الرئيسي للكاتدرائية ( بابان ) تبدأ من ميلاد المسيح وحتى صلبه وحسب التسلسل التالي ( الميلاد – الرعاة – المجوس – يسوع في الهيكل – شمعون الشيخ وحنى – مذبحة أطفال بيت لحم – الهروب إلى مصر – الناصرة ، كذلك طفولة يسوع وحياته الخفية – معمودية يوحنا – التبشير – صليب المسيح – القيامة ) . أما الباب الواقع على اليسار فهو أصغر من الباب الرئيسي ويتكون من باب واحد فقط عليه المنحوتات التالية ( آدم وحواء مع الحياة في جنة عدن وبداية الخلق – طرد الأنسان من الجنة – ميلاد أول طفل حسب العهد ومقتل هابيل من قبل قايين – سفينة نوح " رمز المعمودية " – خصن الزيتون - قوس قزح ، عهد الله مع نوح ، يرمز إلى آلوهية يسوع .- أبراهيم وأسحق والذبيحة الألهية – الكبش ، يرمز إلى الذبيحة الإلهية ) . كل هذا الصرح الجميل العظيم لبناية الكاتدرائية تم تشييده بتبرعات المؤمنين من جميع الأمم المؤمنة ، وهو تطويب لأمنا العذراء ، والمبني على بيتها البسيط . الله خلق الأنسان على صورته ومثاله ، لكن بعد السقوط طرد الأنسان من الجنة إلى الأرض ، ومن الأرض إرتفع إلى الأيمان للعودة ثانية إلى الله ، والله أخيراً أرسل أبنه الوحيد لكي يضمن للأنسان عودته إليه .
أجتمعت المجموعة في كنيسة صغيرة ملتصقة بكنيسة البشارة الكبيرة لحضور ثاني قداس ألهي أقامه لنا راعي خورتنا ، وبعد القداس أتجهنا نحو كنيسة مار يوسف .
2-كنيسة مار يوسف : هذه الكنيسة قريبة جداً من كنيسة البشارة وعلى بعد مئة متر ، تفصل بينهما ساحة مشتركة  ، وأمام كنيسة مار يوسف  يوجد تمثالاً له من البرونز وهو جالساً . الكنيسة مبنية على بيت القديس ، وتتكون من ثلاث مذابح في الطابق العلوي ، وتحت الكنيسة الطابق الأرضي فيه بيت القديس يوسف ، هناك درج ينزل إلى الغرف شاهدنا بعضها . تم أكتشاف أمام بيته أيضاً منجرة ومخزن وحمام .                                                     مار يوسف شخصية محورية بين العائلة المقدسة والله عن طريق الملاك . يوسف الصامت كان يصغي إلى الملاك وينفذ أوامره ، فعلينا نحن أيضاً أن نقتدي به لأنه مدرسة عظيمة ، مدرسة الصمت والأصغاء والطاعة ، علينا أن  نصمت أيضاً أمام الزمن ونتحمل ضيقاته بصبر والله سينقذنا .
كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس


3- كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس : المبنية على عين ماء العذراء ، ومن تلك العين كانت العذراء تأخذ الماء إلى البيت ، ويقال على تلك العين ظهر الملاك أولاً للعذراء لكي يبشرها لكنها خافت فتركت جرتها وهربت إلى بيتها ، لكن الملاك جبرائيل ظهر لها في البيت أيضاً لكي يلقي عليها السلام الملائكي .  عين العذراء الموجود داخل مغارة عميقة ( 5 م ) ويسمى ب ( بئر مريم ) . شربنا من بئر ماء مرتفع أسس لتسهيل أستعمال مائه من قبل الزائرين . وهناك من يأخذ ماءً من ذلك النبع إلى بلده .
بئر العذراء

وفوق مذبح الكنيسة نجد لوحة للبشارة , في أسفل الكنيسة توجد مغاور تعود إلى القرن الأول الميلادي وتشكل جزءاً من القرية القديمة . كما هناك كنائس أخرى في الناصرة  لم نزورها وهي :
4- كنيسة المجمع . 5- كنيسة البلاطة . 6- كنيسة يسوع الشاب ( السالزيان ) . 7- كنيسة القديس أنطوان ( المارونية ) . 8- الكنيسة المارونية الجديدة .
أشهر الجبال الموجودة في منطقة الناصرة هي : جبل الخوف – جبل الكرمل – جبل الطور أو التجلي – جبل التطويبات  - جبل جرمق ) .
كنيسة قانا الجليل



في اليوم التالي أتجهنا نحو بلدة  قانا الجليل . قانا باللغة الفينيقية ، وهي لغة البلاد الأصلية تعني ( الأحمر ) ومنها أخذوا العرب أسم ( الأحمر القاني ) .. أتجهنا نحو الجنوب لنمر بقرية رينيه الملتصقة بالناصرة ، وبعدها قرية المشهد المبنية على سفح الجبل ، وتليها قانا الجليل الواقعة في أسفل الجبل كما تسمى ب( كفر كنا ) وهناك بلدة أخرى بنفس الأسم  ( قانا الجليل ) في شرق قضاء الصور بلبنان . يوجد في أسفل كنيسة قانا الجليل في الناصرة أجر يشبه الأجران في عهد المسيح وهذه صورته :

أهل قانا الجليل قدموا لنا الخمر فشرب الجميع . دخلنا إلى كنيسة قانا الجليل وهناك تم تجديد زواج خمس كبلات من المجموعة من قبل كاهن كنيستنا الجليل ، وتم تزويدهم بشهادات تجديد الزواج المنظمة من قبل أدارة تلك الكنيسة .
   تركنا بلدة قانا وأتجهنا نحو الجنوب صوب مدينة طبرية التي بناها الملك هيرودس الكبير وسماها بأسم الملك طباريوس قيصر الأول في سنة 20 م .
   في سنة 132 أمر الأمبراطور بأخراج كل اليهود من أورشليم إلى طبرية . أصبحت المدينة عاصمة الرومان لفترة من الزمن . وطبرية قريبة من بحيرة طبرية ، وللبحيرة ثلاث أسماء وهي:
1-   بحيرة طبرية .  2- كينيرت ، بالعبرية ((כנרת ) وتعني القيثارة . 3- بحر الجليل .
طول هذه البحيرة 41 كم وعرضها 17 كم وعمقها 46م أي 153 قدماً وهو عدد السمكات التي تم أصطيادها من قبل التلاميذ عندما أمرهم الرب بطرح شباكهم إلى يمين القارب . والبحيرة منخفضة عن سطح البحر ب ( 213) م من سطح البحر ، وتعتبر ثاني أخفض مسطح مائي بعد بحر الميت . ماء البحيرة حلواً .
سكان مدينة طبرية الآن هم من ( المسيحيون – اليهود – الأسلام – الدروز وغيرهم ) وإلى جنوب المدينة وادي فسيح يحتوي على مزارع للفواكه المتنوعة كالمنكة الذي تم تطوير زراعته وأنواعه من قبل اليهود فتنضج في مواسم مختلفة . والتفاح بألوانه المختلفة والموز وغيرها من الفواكه أما النخيل الذي يزرع في الجنوب وخاصة في أريحا فكل شجرة تنتج محصولاً يصل إلى 1500 $ سنوياً . تعتبر الزراعة أول دخل قومي لدولة اليهود وتأتي بعدها السياحة.
أنحدرنا نحو الجنوب فوصلنا إلى قرية المجدلة ( قرية مريم المجدلية ) كانت في حينها قرية الصيادين ، بعدها وصلنا إلى بحيرة الطبرية في طريقنا إلى كفرناحوم . تلك المدينة الشهيرة القديمة التي لعنها المسيح فوجدنا فيها مجمع يهودي قديم والذي دخله المسيح . غاية ذهاب يسوع إلى المدينة  هو لجعلها مركزاً للتعايم والأعاجيب ، ولأنها كانت أكبر مدينة في زمانه في تلك المنطقة . فيها بيوت قادة الرومان ، وكانت المدينة غنية لكونها مركز الكمارك لكل الشعوب الذين يعبرون إلى سوريا ، مثل ( اليونانيون – الرومان – السامرين – الوثنيين – اليهود ) فكانوا يدفعون ضريبة الكمرك هناك . المعبد الذي دخله يسوع مازالت جدرانه شاخصة وكذلك أعمدة مسرح المعبد ، وكما هو واضح في الصورة التي التقطناها مع مجموعتنا على مسرح المعبد:

في عام 1894 تم شراء المعبد والمنطقة المحيطة به من المسلمين من قبل الرهبان الفرنسيسكانيين وبدأوا بالحفر والتنقيب باحثين عن آثار مسيحية ويهودية ،كما شيدوا كنيسة جميلة مدورة مرتكزة على أعمدة فوق تلك الآثار وذلك لكي تبقى الآثار شاخصة ومن بين تلك الآثار بيوت كبيرة كل منها يتكون من 24 غرفة ومنها بيت بطرس الواقع تحت الكنيسة الجديدة وهناك دخل يسوع وشفى حماة بطرس . البيت واقع إلى غرب المجمع ببضعة أمتار فقط . الأحجار المستخدمة في البيوت صغيرة لكن المستخدمة في جدران المعبد كبيرة تتراوح ما بين 60 – 80 سم طولاً و 60 سم عرضاً . سبق وأن لعن المسيح كفرناحوم ، قائلاً ( وأنت يا كفرناحوم ، أتراك ترتفعين إلى السماء ؟ سيهبط بك إلى الجحيم ) . زلزالاً دمر هذه المدينة كلياً . خرجنا من هناك وأبتعدنا على مسافة 500 م لندخل إلى كنيسة أسمها ( تكثير الخبز ) المبنية على المكان الذي عمل يسوع معجزة تكثير الخبز والسمك . منذ القرن الرابع الميلادي بدأ المسيحيون ببناء الكنائس وعاشوا مع اليهود بسلام إلى  سنة 614م جاء الفرس ليدمروا معظم الكنائس ، لكن تم تجديدها لاحقاً . دخلنا إلى كنيسة تكثير الخبز وصلينا فيها . أما عن معجزة تكثير الخبز فيقال ، يسوع صلى على رغيف واحد فقط فزاد العدد إلى الآلاف وأعطاها لتلاميذه ليوزعوها على الجمع الغفير البالغ 5000 شخص ما عدا النساء والأولاد فأكل الجميع وشبعوا ، ثم رفع التلاميذ أثني عشر قفة ملأوها بما فضل من الكسر ( مت 14 ) .
من هناك أنتقلنا إلى جبل التطويبات الواقع إلى جنوب كفرناحوم ، والجبل مطِل على وادي الحمام الذي يحده من الشرق ، أما بحيرة طبرية فتقع إلى غرب الجبل .
كنيسة التطويبات

صممها وبناها المهندس الأيطالي ( برلوسي ) والتي تحي ذكرى التطويبات وعظة المسيح على الجبل ، وذلك في عام 1937م . والكنيسة على شكل ثماني الأضلاع نجد على كل جانب أحدى التطويبات  الثمانية . بينما تزين الأرضية رموز الفضائل السبعة وهي :
1-   الأيمان 2- الرجاء – 3- المحبة. والتي تشكل الفضائل اللاهوتية . أما 4- الفطنة 5- العدل 6- القوة 7- القناعة ، وهذه هي الفضائل الأدبية .
   على ذلك الجبل ألقى يسوع موعظته على جموع الناس المحتشدة ، وكان  الموضوع عن التطويبات الثمانية ( مت 5 ) .
في عام 2000 ألقى البابا القديس مار يوحنا الثاني موعظته على نفس الجبل على 75 ألف مؤمن كانوا حاضرين في جبل التطويبات . شيّدَ الرهبان الفرنسيسكانيون ديراً على ذلك المكان للراهبات الفرنسيسكانيات وسمي ب ( دير جبل التطويبات ) . خارج الدير كان هناك كنيسة صيفية مسقفة بألواح الخشب ، والمقاعد مسطبات خشبية ، هناك أقام لنا الأب الكاهن القداس الثالث وأشترك الجميع في تناول القربان المقدس . من هناك  أنطلقنا إلى ساحل بحيرة طبرية وجلسنا في قارب كبير وكان عددنا مع طاقم القارب خمسون راكباً . قطعنا مسافة كبير داخل البحيرة في جو رائع وتأملنا بيسوع الذي كان يبحر مع تلاميذه في تلك البحيرة الواسعة . نهر الأردن ينبع من الأراضي السورية ويمر بتلك البحيرة ويخرج منها ليروي كل الأراضي الزراعية ويستمربالجريان إلى أن ينتهي في بحر المَيّت .
على ساحل تلك البحيرة أختار الرب الرسل الأوائل بطرس وأندراوس وأبني زبدي ، وعلى ماء تلك البحيرة سار الرب . بعد القيامة ظهر يسوع للمرة الخامسة بعد قيامته من بين الأموات على ساحل تلك البحيرة ، فقال لتلاميذه ( يا فتيان ، أما عندكم سمك ؟ أجابوه ( لا ) فقال لهم ألقوا الشبكة إلى يمين القارب ، تجدوا )  " يو 21 ".
القارب الذي كان يحمل التلاميذ يرمز إلى الكنيسة ، أما الأسماك التي صادوها فترمز إلى جماعة الكنيسة . أما الصياد الأعظم الذي علم التلاميذ الصيد فهو الرب يسوع .
بحيرة طبرية طبيعية محاطة بجبال وتلال ، وتسمى ببحيرة الخلاص لكثرة التعليم الذي علم الرب فيها وعلى ساحلها للجموع . وفي تلك البحيرة وقف الرب العاصفة عندما زجر الريح والبحر فأطاعوه . العاصفة ترمز إلى الشر الذي أراد به الشيطان تحطيم السفينة ( الكنيسة ) لكن الرب أنتهر عمل الشر فهدأت العاصفة ، وكنيسة المسيح لا يقوى عليها الشر .
في المكان الذي كان فيه الرب عندما صاح إلى الرسل هل لديكم سمك ؟ كان يعد لهم سمكاً وخبزاً على الجمر . على نفس المكان تم تشييد كنيسة تسمى ( كنيسة الرئاسة ) المطلة على البحيرة وهناك قال الرب لبطرس ثلاث مرات ( هل تحبني يا بطرس ؟ ) أرعى خرافي ...

كنيسة الرئاسة على بحيرة طبرية


جبل التجلي ( جبل طابور )
في اليوم التالي انطلقنا من الناصرة إلى جبل طابور ( جبل التجلي ) والقديس بطرس فيسميه ب ( الجبل المقدس ) " 2 بط 18:1 "  ويسمى أيضاً ب ( جبل طابور) أو تابور كما هو مذكور في سفر القضاة ( 6:4 ). الجبل بارز لوحده كهرم ضخم يقع إلى شماله جبل حرمون ( جبل الشيخ ) وسمي بهذا الأسم لأن الثلج يكسو قمته وقتاً طويلاً من السنة .
جبل التجلي عليه تجلى الرب أمام تلاميذه الثلاثة ( بطرس – يعقوب – يوحنا ) وهو أقدس مكان وقف عليه يسوع وأكتمل معه الثالوث الأقدس ( الآب والروح القدس ) ، كما حضر هناك موسى الذي يمثل العهد القديم ، وأيليا الذي يمثل عهد الأنبياء ، أما المسيح فكان يمثل العهد الجديد . كل هؤلاء حضروا على ذلك الجبل العظيم العالي والبالغ أرتفاعه 588م عن سطح البحر ، أو 1600 قدم .
كنيسة جبل التجلي الكاثوليكية



على الصخرة التي تجلى الرب يسوع تم بناء كنيسة كاثوليكية جميلة بين عامي 1919- 1924 سميت ب ( كنيسة التجلي ) هندسها المهندس المعماري ( أنطوني بارلوزي ) كما صمم كنائس أخرى في الأراضي المقدسة . بنيت الكنيسة على بقايا كنيسة بيزنطية بنيت في القرن الخامس والسادس . الكنيسة من الداخل لها ثلاث صحون ، تفصلها صفين من الأعمدة تحمل أقواس السقف . أمام المذبح وسقفه توجد جدارية كبيرة من الفسيفساء توضح موضوع التجلي . في مقدمة الكنيسة يوجد برجان تحمل نواقيس . وعلى جانبي مدخل الكنيسة أيضاً هناك مصليان لموسى النبي . يظهر موسى في جدارية مرسومة على مذبح المصلى ، وهو يستلم لوحي الوصايا العشر . أما المصلى الواقع من الجهة الأخرى فمخصص للنبي أيليا . وهناك كنيسة أخرى بنيت في القرن الثاني عشر . كما نجد دير للرهبان الفرنسيسكان بالقرب من الكنيسة ، شيّد في عام 1873م . يستقبل هذا الدير الرهبان الجدد لمدة ثلاث أسابيع لممارسة الرياضة الروحية وذلك لفحص أيمانهم وقدراتهم لكي يقرروا هل يصلحون للأنضمام إلى سلك الرهبنة وتكريس النفس ليسوع مدى الحياة أم لا . وفي نفس الدير هناك مصحة للمدمنين يتم شفائهم بعزلهم ، وبممارسة الصلاة والتقوى من أجل الشفاء . كما يوجد على نفس القمة  كنيسة أرثوذكسية متواضعة تم بنائها عام 1862م بنيت من أموال بعض الناس من رومانيا مكرسة للنبي أيليا . كما هناك إلى الجانب الشمالي الغربي للكنيسة كهف يسمى بكهف ملكي صادق ، بحسب الروايات المسيحية كان هناك لقاء بين أبراهيم وملكي صادق ، والكهف كان معروفاً للزوار المسيحيين في العصور الوسطى .
في كنيسة التجلي أشتركنا في الذبيحة الألهية وتناولنا الجسد المقدس ، مع سماعنا للوعظة من الأب الفاضل التي تناولت موضوع التجلي . وكان ذلك القداس الرابع في رحلتنا المباركة .

الكنيسة الأرثوذكسية على جبل التجلي



الطريق المؤدي إلى الجبل متعرج وصعب للسيارات الكبيرة التي لا تستطيع الصعود إلى القمة ، بل فقط تصل إلى وسط الجبل ، وبعدها يتم تحميل الزوار على السيارات الصغيرة .إلى قمة الجبل الواسعة التي يبلغ طولها 300 م وعرضها أكثرمن 100 م  . في القديم كان يجب قطع الطريق إلى القمة سيرا على الأقدام وذلك بصعود 4300 درجة للوصول إلى القمة . من على الجبل يمكن رؤية جبال كثيرة كجبال السامرة ، وجبل الكرمل الى الغرب ، وشرقاً جبال الجولان ، وشمالاً الجليل الأعلى وجبل الشيخ الواقع في الأراضي السورية واللبنانية .
في كنيسة التجلي أقام كاهن رعيتنا القداس الرابع ، وتناولنا الأسرار المقدسة ، وشرح لنا الكاهن في وعظته موضوع التجلي . تأملنا فيه جيداً في ذلك المرتفع المقدس والتمسنا من الموضوع ثلاثيات كثيرة منها : حضور الثالوث الأقدس - حضور ممثلين العهود الثلاثة - حضور ثلاث تلاميذ - مقترح ثلاث مظال - المكان يرسم لنا أيضاً مثلثاً يتكون من الناصرة إلى الشمال حيث طفولة المسيح . وجبل التجلي يرمز إلى لاهوت المسيح . أما قرية نائين الواقعة على الغرب من الجبل ، وفيها أقام الرب وحيد الأرملة ، فترمز إلى قيامة المسيح . جبل التجلي منظره جميل مكسو بغابة كثيفة من أشجار السنديان والسرو والصنوبر وكينا والزيتون . ويوجد على سفح الجبل ثلاث قرى أكبرها دبورية الواقعة على السفح الغربي للجبل ، في أحدى مطاعمها أخذنا قسطاً من الراحة بعد النزول وتناولنا الغداء .  قرية الشبلى ، على السفح الشرقي . وقرية أم الغنم على سفح الشرق الجنوبي للجبل .
نزلنا من جبل الطابور وأتجهنا نحو الغرب قاصدين بلدة نائين التي تتوسطها كنيسة مبنية على المكان الذي أقام الرب يسوع أبن الأرملة . يسكن البلدة يهود من أثيوبيا ، وعرب ، لكن لا يسكنها اليوم مسيحياً واحداً .
بعد اليوم الخامس تركنا فندق الناصرة متوجهين نحو أورشليم بأتجاه الجنوب ، فمرت سيارتنا في وادي هرمجدون ( طالع رؤ 16:16 ) ، وبعدها مدينة الجنين التي هي من مدن السامريين . وقرية مجدو الواقعة على يمين الطريق ، وبعدها وادي عارة ، ثم مدينة كفرقاسم ، وبعدها وصلنا إلى مدينة بيت لحم ، هناك نزلنا في فندق جديد أسمه ( قصر جاسر ) المتكوّن من سبع طوابق . الفندق قريب من قبر أمنا راحيل .
في صباح اليوم التالي أنطلقنا إلى أورشليم ، زرنا جبل صهيون أولاً وفيه بناية العشاء الأخير ، وكنيسة نياحة العذراء ، وكذلك كنيسة صياح الديك المبنية على بيت قيافا .

بيت قيافا وكنيسة صياح الديك


 في بيت قيافا حُكِمَ على يسوع يهودياً بالموت . وعلى ذلك المكان شيّدَت كنيسة أسمها ( كنيسة صياح الديك ) ، هناك نكر بطرس المسيح ثلاث مرات وبعدها سمع صياح الديك ، فبكى وتندم ، وعلى قبة الكنيسة صليب وفوقه يوجد ديك .

سجن منحوت في صخرة في الطابق السفلي لبيت قيافا سجن فيه المسيح لمدة 13 ساعة
 في بيت قيافا سجن منحوت في قلب الصخرة واقع في الطابق السفلي ، فيه تم سجن المسيح 13 ساعة ، شكل السجن مربع ، قياساته أربع أمتار عرض وأربع أمتار طول وأربع أمتار أرتفاع . نجد على أحد الجدران تقبان المسافة بينهما 2.5 م كان يثبت فيها الزناجيل التي يربط بها السجين , وفي أرضية السجن حفرة صغيرة لوضع الماء والخل ، وكان السجين يجلد هناك . طريقة أنزال السجين إلى السجن كان من فتحة دائرية قطرها 60 سم تبدأ من الطابق الثاني  وسمك الصخرة من أرضية ذلك الطابق إلى سقف السجن أكثر من متر ونصف . نزلنا جميعاً إلى السجن عن طريق درج حجري ، رفعنا الصلاة والتراتيل هناك ، وبعد ذلك قرأ الأب الكاهن النص الخاص بذلك المكان الرهيب فلمس الحزن والبكاء جميع الحضور ، كان عددنا 47 شخصاً ، وأخيراً رتلنا وصعدنا إلى الطابق الثاني
تمثال يسوع وهو مقيد في بيت قيافا



 حيث تمثال يسوع وهو جالساً مقيداً بالحبال ينظر بأتجاه الساحة التي كان فيها بطرس يسطلي حول النار مع بقية الموجودين وهناك نكر ربه ثلاث مرات . بيت قيافا كان مبنياً من ثلاث طوابق ( العلوي كان فيه المحكمة - الوسط البيت - والسفلي السجن ) من هناك أرسل المسيح في صباح يوم الجمعة إلى بيلاطس ليحاكمه ، وبدوره أرسله إلى هيرودس لكون المسيح جليلياً . بيت قيافا كان مبنياً على قمة جبل لكي يراقبون حراسه الناس . أسوار القدس تقع إلى اليسار والمبنية على أرتفاع 12 م . على أبواب تلك الكنيسة نجد رسومات ليسوع في علية صهيون ( العشاء الأخير ) وعلى الباب الأيمن والأيسر نجد بطرس يقول أنا لا أنكرك والرب يرد عليه  وفوق صورة بطرس نجد صورة الديك والذي يرمز إلى نكران بطرس للرب ، لكن نكرانه للمسيح الرب يختلف عن نكران يهودا ، لأن بطرس الذي عاند وقال ، لا أنكره ، نكره وتاب فشملته رحمة الرب ، أما يهودا فلم يتوب بل فضّلَ الموت شنقاً على التوبة .
 في هيكل الكنيسة الرئيسي نجد جدارية كبير للرب واقفاً مقيداً بسلاسل وحوله من الجهتين أعضاء السنهدريم يحاكمونه ، في الجهة اليمنى هناك لوحة كبيرة للعشاء السري . أما في الجهة اليسرى فهناك لوحة أخرى تبين يسوع وهو يتحدث مع قيافا اللابس بدلته الكهنوتية وجالساً على الكرسي . هناك تنبأ قيافا قائلاً
( أنه خير أن يموت رجل واحد عن الشعب ) " يو14:18 "

 في ساحة القصر نار مشتعلة والجالسين وحولها من الحراس وبطرس واقف معهم  . في الساحة الخارجية للكنيسة المبنية على قصر يافا  نجد تمثال لبطرس مع ثلاث شخصيات تمثل الذين قالوا له أنت كنت مع يسوع ونكر.

إلى جانب سياج الساحة يوجد طريق قديم من مدرجات حجرية ، هذا كان الطريق الذي سيق به يسوع من البستان إلى بيت قيافا . هناك جدارية منحوتة بطول عشرة أمتار وعرض خمسة في البوابة الخاجية يظهر فيها يسوع مقيداً بحبال واليهود يقودونه إلى بيت قيافا ، كما في الصورة التالية :


تركنا كنيسة صياح الديك متجهين إلى علية صهيون حيث بناء العشاء الأخير الواقعة في الطابق الثاني . قاعة جميلة في تصميمها ترتكز على عمودين متقابلين في وسط القاعة ، يسمى المكان ( علية صهيون ) في ذلك المكان أسس الرب سر القربان المقدس ، وهو مكان حلول الروح القدس على التلاميذ ، فالكنيسة أسسها الروح القدس في يوم العنصرة في تلك القاعة . حاول المسلمون السيطرة على المبنى فبنوا فيه محراباً للصلاة ، كما ثبتو على جدرانه آيات قرآنية ما زالت موجودة ، لكن الحكومة اليهودية تمنع الآن المسلمين من الصلاة فيها لتصبح مزاراً للجميع . يوجد في القاعة وعلى مرتفع قريب من أحدى الجدران تمثال لشجرة الزيتون عليها عنب وكؤوس فوق أذرع وأغصان الشجرة ترمز إلى عمل المسيح للأفخارستيا في علية صهيون . الصليبيون هم الذين بنوا ذلك البناء على مكان العلية القديمة ، ويعتقد بانه كان بيت التلميذ مرقس . أما في الطابق السفلي فنجد قبر داود النبي .

كنيسة نياحة العذراء ( رقاد العذراء )  :



" فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لأمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ» ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ " ( يوحنا 19 : 26 – 27 )
العذراء مريم ظلت في بيت يوحنا الرسول حتى يوم نياحتها . وفوق أطلال بيت يوحنا شيدت هذه الكنيسة من قبل الآباء الفرنسيسكان في القرن الحادي عشر ، تم هدمها سنة 1490م ، على اثرها تم تشييد كنيسة باسلوب الفن الروماني والتي أخذت شكل حصن من القرون الوسطى ، والكنيسة تتكون من طابقين ، العلوي مزين بالفسيفساء والبرونز . والسفلي فيها تمثالاً لنياحة العذراء مريم من الخشب والعاج موضوع على تابوت ، وفوق التمثال قبة مرتكزة على ست أعمدة ، والقبة مزينة بمناظر من الموزائيك فيها صور ( حواء ، راعوت ، نعمي ، أستير ) . ويحيط المكان بفسحة بيضوية ترتكز على أثني عشر عموداً ، أي بعدد رسل المسيح .



هناك جدارية لنياحة العذراء عليها  كل رسل المسيح عدا توما ، يظهر في اللوحة يسوع يحمل أمه على كتفيه وكأنها طفلة . توجد أيضاً جداريات أخرى توضح للزائرين موضوع النياحة . الكنيسة حالياً هي ملك الرهبان البندكت الألمان.
 بعدها غادرنا تلك الكنيسة واتجهنا إلى بيت ساحور ، وهو مرتفع جبلي في بيت لحم ، هناك أستلم الرعاة من الملاك نبأ ولادة الطفل الألهي . في ذلك المرتفع دخلنا إلى كهف واسع من الداخل محفور من قبل الرعاة الذين كانوا يحتفظن بقطيعهم تحت سقف ذلك الكهف من البرد والثلوج والأمطار . الكهف يسع لحوالي مئة خروف . ويسمى ذلك المكان ( حقل الرعاة ) . أستخدمت كأول كنيسة بالمنطقة والتي كانت تعرف بسهل ( بوعاز ) نسبة إلى ما ورد في التوراة . أيمانياً نحن أيضاً يجب أن نحفر مغارتنا بيدنا كالرعاة لكي يأتي يسوع الإله ويولد فيها ، وهذا ممكن بالعمل على تطهير نفوسنا وتنظيم سيرتنا حسب أوامر الأنجيل المقدس . على بعد عشرة أمتار فقط نجد كنيسة صغيرة دائرية أسمه كنيسة الرعاة .

 كنيسة الرعاة



تم تشييدها عام 1952 م . في داخلها مذبح واحد ، وعلى جدرانها جداريات مرسومة بالألوان الزيتية تتناول موضوع تبشير الملاك للرعاة وكذلك الجوقات الملائكية التي تنشد ليوم ميلاد الرب ( المجد لله في العلى ! وعلى الأرض السلام ، وفي الناس المسرة ! ) " لو 2: 13-14" . فوق باب الكنيسة الخارجي نجد تمثالاً برونزياً للملاك وبيده بوق ينفخ فيه ليعلن البشارة للرعاة ، وفوق الكنيسة ثلاث نواقيس كبيرة وقبة .  ومن ذلك المرتفع انحدرنا كما فعل الرعاة نحو الأسفل بأتجاه مكان مولد الطفل يسوع في مغارة بيت لحم ، تقع الآن في قلب مدينة بيت لحم ، شيد عليها كاتدرائية كبيرة تسمى ( كنيسة المهد ) .
كنيستي المهد والقديسة كاترينا
 وهي الكنيسة الأولى من بين الكنائس الثلاثة العظمى التي بنيت في زمن الملك قسطنطين في بداية القرن الرابع ، وكان ذلك استجابة لطلب الأسقف مكاريوس في المجمع النيقي 325م ، وفي السنة التالية زارت المكان الملكة هيلانة ، وبعدها تم التنفيذ . الكنائس الكبيرة التي بنتها الملكة هيلانة هي ثلاثة ( 1- المهد . 2- القيامة . 3- الزيتون بالعبرية ( يونا ) وغيرها من الكنائس .
دخلنا إلى كنيسة المهد من باب ضيق وقليل الأرتفاع تحيطه ثلاثة أحجار كبيرة منحوت
ة ,
مدخل كنيسة المهد


 في داخل الكنيسة  نجد كنيستين الأولى كنيسة المهد مبنية على مكان مولد الطفل ، يزورها المؤمنون بكثرة لها مذبح واسع وعالي ، ومن سقفها تتدلى ثريات كبيرة وجميلة وعلى جدرانها ايقونات كثيرة وقناديل قديمة . في الجانب الأيمين من مذبح الوسط نجد درج ينزل من تحت مذبح الوسط إلى مكان مولد الطفل . في بداية الدرج وعلى الجدار نجد أيقونة أم المعونة وتحتها هدايا ذهبية كثيرة كالمحابس والحلقات والحلي المختلفة مهداة من قبل الزوار تكريماً للعذراء وأبنها الإله . في نهاية الدرج نصل إلى الطابق الأرضي نجد كهفاُ صغيراً تحته نجمة فضية موضوعة على مكان مسقط رأس الطفل . وحول النجمة مزين بالمرمر ومكتوب عليها باللاتينية ( هنا ولد المسيح يسوع من مريم العذراء ) تتدلى من سقف الكهف نحو النجمة خمسة عشر قنديلاً تمثل كل الطوائف المسيحية .
مكان مولد الطفل يسوع


مذبح المغارة الصغير فوق مكان مولد الطفل يسوع


وعلى بعد ثلاث أمتار هناك موقع المذود ، فيه وضعت العذراء طفلها بعد الولادة . بقينا في ذلك المكان المقدس ثلاث دقائق وكما يسمح لكل زائر لنترك المكان من درج حجري آخر يصعد بأتجاه كنيسة ( القديسة كاترينا ) لندخل إلى جانب هيكلها الرئيسي .
في بيت لحم تذكرنا دخول العذراء ومار يوسف الفقيران اللذان أضطرا إلى اللجوء إلى مغارة الحيوانات لكي يولد أبن الله كأفقر فقير بين الحيوانات ومن ثم يضجع على القش ، والحيوانات تقوم بخدمته وذلك بتدفئته من البرد القارص بواسطة زفيرها لكي يبعث في جسد ذلك الطفل الصغير الدفْ . إنه درس سماوي مهم يعلمنا حياة البساطة والفقر ، فعلينا أن نتقبل الدرس بفرح ونفهم ولادة يسوع في تلك المغارة بأنها ولادة رائعة ومدهشة لأنها ردمت الهوى بين أغنى إله مقتدر وبين الفقير ، ذلك الطفل الصغير أمر ملائكته أن يبشروا أولاً أفقر الناس وهم الرعاة وبعدها جاء الملوك المجوس ليشمل خلاصه كل فئات المجتمع .

كنيسة المهد من الداخل

صحن كنيسة المهد


[color=black]كنيسة المهد عبارة عن مجمع ديني كبير يحتوي على مبنى الكنيسة بالإضافة إلى مجموعة من الأديرة والكنائس الأخرى التي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة فهناك الدير الأرثوذكسي في الجنوب الشرقي، والدير الأرمني في الجنوب الغربي ، والدير الفرنسيسكاني في الشمال الذي شيد عام 1881 م لأتباع الطائفة اللاتينية، وتمت توسعة الكنيسة في عام 1999.
تقام الطقوس الدينية يومياً في كنيسة المهد من قبل الطوائف المختلفة (الروم، اللاتين والأرمن) بحسب جدول للصلوات وضع في الفترة العثمانية وما زال يعمل به حتى يومنا هذا، كما تم في الفترة العثمانية تحديد حقوق وصلاحيات كل طائفة متواجدة في الكنيسة وهو ما يسمى الـ "ستاتو كوو"، والجدير بالذكر أنَّ بتلك الكنيسة هنالك ثالثة طوائف رئيسية (الروم الأرثوذكس، اللاتين والأرمن) ولكن يتم السماح للأقباط والسريان مرتان في السنة بالصلاة داخل الكنيسة. تعد الطقوس الدينية لدى الطوائف الشرقية أساس التحليق في سماء الإيمان القويم لأنها تخاطب كل حواس المؤمن: فالأعين تتمتع بجمال الأيقونات المقدسة، وتشنف الآذان بسماع الترانيم الروحية الغنية بمضامينها العقائدية وألحانها العذبة ، وأما رئتا المؤمن فتمتلئان بشذى الروائح العطرة المنبعثة من البخور المقدس وبواسطة هذه الرموز ينتشي المؤمن روحيًا وجسديًا ليكون مستعدًا كي يمجد الخالق بكل قلبه وبكل قدرته .

مدخل كنيسة سانت كاترين


 وصلنا إلى كنيسة ( سانت كاترين) المبنية على عشر أعمدة طولاً ، يقابلها عشرة أخرى لتقطع الكنيسة إلى ثلاث مذابح كبيرة . في هذه الكنيسة يقام قداس الميلاد كل سنة يحضره رؤساء الدول وسفراء ومسؤولين ، ويتم نقل القداس عن طريق الفضائيات . أقام أبينا الكاهن قداساً على المذبح الأوسط ، وهو القداس الخامس في رحلتنا  ، وتناولنا جسد الرب في ذلك المكان المقدس . والكنيسة ذات المذابح الثلاثة  رائعة الجمال ، مذابحها ، سقفها ، أعمدتها ، جدارياتها . مقاعدها . وساحتها الخارجية.
كنيسة سانتا كاترينا من الداخل



 
للكنيسة سقف جميل ومذبح كبير  وفي نهاية الكنيسة وعلى جدار اليمين جدارية كبيرة برونزية يظهر فيها النبي صموئيل وداود ويس والد ه ووالدته . والنبي يمسح داود بالزيت المقدس ليصبح ملكاً بلا عرش بديلاً لشاول وعلى تلك الجدارية نجد تمثال البابا بندكتس السادس عشر وضع عندما زار البابا المكان في عهده .
داود ولد في تلك المدينة ، فكان على المسيح الذي يدعى أبن داود أن يولد أيضاً في نفس المدينة ، فالمرسوم الذي أصدره أغسطس قيصر والذي كان يقضي بأحصاء سكان الأمبراطورية أجبر كل مواطن بأن يكتتب في منطقته ، لهذا كان على مار يوسف أن يأخذ العذراء من الناصرة إلى بيت لحم في منطقة اليهودية لكي هناك يولد المسيح أبن داود .
تحت كنيسة سانتا كاترينا يوجد مقابر صغيرة الحجم يعتقد بأنها كانت لأطفال بيت لحم الذي أمر هيرودس بقتلهم " مت 16:2"  .
وصف كنيسة سانتا كاترينا من الداخل
[/color]يرتبط تاريخ الكنيسة المسمى ب (  البازيليك ) منذ بنائها بتاريخ المدينة فهي بمثابة قلب المدينة النابض يمكن الوصول إليها من البازيليك عبر بابين ، أحدهما إلى اليسار فور الدخول إلى البازيليك والآخر من المدخل الجانبي لهيكل الأرمن أو مباشرة من دير الفرنسيسكان
يؤدي إليها رواق من العصور الوسطى غاية في الجمال . تمّ ترميمه عام 1949. تقوم الكنيسة على بقايا دير القديس هيرونيموس القديم . على الجانب الجنوبي للرواق تمّ اكتشاف كنيسة صليبية مع رسومات للعذراء .
على الجانب الأيمن ( للداخل إلى الكنيسة ) تحت الهيكل الجانبي يُحتفظ بتمثال الطفل يسوع والذي يعرض ليلة عيد الميلاد في المغارة . قبل بلوغ هذا الهيكل نجد درجاً يهبط بنا إلى مغارات تحت الأرض.
ملاحظة : الموقع لن يتحمل كامل الموضوع
لمتابعة القراءة اضغط على الرابط ادناه 
https://goo.gl/L6qXLv


32
القديس قفريانوس هل كان منكيشياً؟
بقلم / وردا أسحاق قلّو
كونوا قديسين لأني أنا قدوس " 1 بط 1: 16"
نقرأ في قصة الخلق بأن الله خلق الأنسان على صورته ومثاله ( تك 26:1 )
الأنسان المحدود الذي خلقه الله  لايصل إلى صفات الله الغير محدود ، كالأزلية ، والقدرة إلى الخلق ، ومغفرة الخطايا ، وغيرها ، بل خلقه على صورته في الطهارة والنقاوة ، وبهذا يصبح مماثلاً لصورة الله ، فعلى الأنسان أن لا يفقد نقاوته ، ليبقى جسده هيكلاً لسكنى الروح القدس ( 1 قور 16:3 ) . الأنسان يسوع المسيح كان صورة الله الغير المنظور ، فكيف يستطيع الأنسان أن يرتقي إلى تلك الصورة . عبّرَ الرسول يوحنا عن هذا الموضوع قائلاً ( كل من يعترف أنه ثابت في المسيح ، يلتزم أن يسلك كما سلك المسيح ! ) " 1 يو 6:2 "
فالنفس الأنسانية التي تريد أن تسلك سلوك المسيح ، يكون النسك ومهاجرة هذا العالم الطريق الأفضل للأرتقاء ، ولكي تجاهد الجهاد الحسن في طريق الروح ، وهكذا سيرتفع بنيان النفس ويكتمل ، وذلك بالتوبة أولاً ، وبالصوم ، والصلاة ، والسهر ، ونكران الذات ، وتمارين النسك بكل أنواعها ، والزهد ، والفقر ، والطاعة ، والعفة ، والدموع ، وأنسحاق النفس ، والصبر ، والأحتشام ، والتقشف ، والأنقطاع من الكلام بألتزام الصمت لفترات ، وذلك للتفرغ إلى التأمل في السماويات ، كما يقول الآباء القديسين إن للنفس الناطقة ثلاث قوى وهي،
 ( الشهوة والغضب والفكر ) ومنها تولد بقية القوى . ومن الأعمال التي تصون النفس عن الخطيئة  هو الأعتزال عن الناس لأجل الأخلاء في الصوامع والأحتباس فيها ، وعدم مخالطة العالم إلا لغاية الخدمة والتبشير ، هكذا يطهر العقل والفكر الذي يسعى نحو الخلاص . حصر الطوباوي مرقس الناسك هذه الممارسات بثلاث أبواب من النسك ، وهي ( الصلاة بدون أنقطاع – تطهير الأفكار – تحمل المصاعب ) فإذا صعدت النفس هذه المدارج ، أصبحت منزلاً للروح القدس ، وقمعت الأهواء ، وتسامت عن الجسد ، وسيطرت عليه . وأضحت كالفارس الشجاع يطارد الأهواء وتطأ الشهوات . وكالأجيج تضطرم بمحبة الرب وتحرق كل شىء يعترض سبيل المسيح الوهاج . وهكذا تمتلىء النفس من محبة القريب التي منها تنتج محبة الله  ، وحسب قول الرسول يوحنا  " طالع 1 يو 4: 20-21 " . فمحبة الله تبدأ من محبة البشر فتحطم النفس المحبة شِباك المجرب ، وتبطل حيّلِه بالتجائها إلى القوة الإلهية الخفية فيصبح جسد ذلك الأنسان مسكناً للمسيح ، ولأبوه ، وروحه القدوس ، ليصبح ذلك الأنسان في عالم آخر ، في الملكوت الذي يبدأ من هنا ، من داخل الأنسان يبدأ الملكوت . أجل رغم كون الجسد في هذا العالم ، فالعقل ينغمس في خفاء الروح لينسى العالم وما فيه ، وقد يعتريه الذهول عدة أيام دون أن يشعر ، وذلك بأنخطاف الروح من الجسد لكي يعيش مع السماويين ، او السماويين معه على الأرض ، وكما حدث مع قديسين كثيرين كالأنبا سوسائيس الذي حينما قرع تلميذه الباب ليدخل عليه ، صرخ عليه قائلاً ( أهرب يا أبراهام ولا تدخل إلى هنا ، فليس هذا المكان خالياً ) وهذا حدث مع الآخرين كالقديس فرنسيس الأسيزي . نعلم من هذا ، أن المرء إذا تنقى ذاته من الأهواء الخارجية والداخلية وصار تصرفه فوق الطبيعة ،
فإلى هذه المراتب ، وإلى هذا المجد أرتقى الكثيرين إلى مصافى القديسين حيث حلقوا فوق العالم بأيمانهم وأعمالهم ، هؤلاء الذين نروم التطرق إلى قصصهم ومنهم القديس الربان قفريانوس . هذا الراهب الذي شيّدَ الرب على يده ديراً مقدساً في نحو نهاية حياته في مقاطعة بيرتا الواقعة في بلاد مركا. تدعى ( بيث مغوشي ) , هذا ما نقرأه في كتاب . .
علق الأب ألبير أبونا في حاشية  الصفحة ( 260 ) فكتب ( لا نعرف موقع قرية " بيث مغوشي " بالتأكيد ، إلا إنها في منطقة بيرتا ، أي في مركا الغربية ، وهنا ما يميزها عن بيث مغوشي أخرى تدعى الآن مانكيش مركز ناحية الدوسكي ) .
نقول : تعليقه هذا هو أعترافه بعدم التأكد من الخبر ، فقال ( لا نعرف موقع بيث مغوشي بالتأكيد ) والغريب أنه يؤكد فيقول ( إلا إنها في منطقة بيرتا أي في مركا الغربية وهذا ما يمييزها عن بيث مغوشي أي " مانكيش " ) . نقول للأب الفاضل ، أين الدليل ، وأين البرهان ، وعلى أي مصدر أعتمدت ؟ كما نسأله قائلين وهل يوجد ( بيث مغوشي أخرى غير مانكيش دوّنت في المصادر ؟ ) أضافة إلى هذا يضيف قائلاً ( أن هذا اللقب "مغوشي " أطلق عليها لميل أصحابها الأولين وسكانها إلى المجوسية ) نقول فعلاً كانت بيت مغوشي الحالية " مانكيش " تؤمن بالمجوسية قبل أيمانها بالمسيح . فكنيسة مانكيش الحالية التي تم تجديد بنائها ما بين سنة 1928 – 1933 وجدوا في أساسها آثار تدل على أن الكنيسة قد بنيت على معبد مجوسي .
بمكن القول إنها تعد من المناطق الأولى التي انطلق منها التبشير لنشر المسيحية في بلاد النهرين . وذلك لوجود إشارات تاريخية على مرور مار توما في منطقة مانكيش .
ولمار توما صومعة جميلة باسمه في جبل مانكيش ، بل أجمل صومعة بين صوامع جبل مانكيش المنحوتة من قبل نحاتين محترفين نحتاً هندسياً غائراً دقيقاً  . فبعد التسلق على الصخرة وعلى أرتفاع متران نصل إلى الباب الذي أرتفاعه 80 سم وعرضه 50 سم . نجد في الداخل فسحة مربعة للجلوس ، وحولها من الجهات الثلاث يوجد ثلاث مقاعد على شكل أسرة حجرية في نهايتها مخدة حجرية ، وبعد كل سرير تأتي حجرة منحوته  على شكل قوس ، كانت تستخدم لوضع الأمتعة ، وبعدها تأتي حجرة أخرى صغيرة كانت تستخدم لوضع الكتب المقدسة . الصومعة منحوتة نحتاً هندسياً دقيقاً في داخل صخرة ضخمة وعالية وأمام الصومعة قوس حجري يحمي  الصومعة من دخول الأمطار والثلوج ، وتحته مساحة كبيرة للجلوس . ، الآن تستخدم كمزار لأستقبال المؤمنين والواقعة في منتصف سفح الجبل مقابل بلدة مانكيش ،  وقد تم تشييد جسر مؤخراً على نهر مانكيش مع فتح طريق للسيارات للوصول إلى ذلك المزار
صومعة مار توما في جبل مانكيش /الصورة منشورة على غلاف مجلة الفكر المسيحي / أنقر الرابط
http://www.m5zn.com/newuploads/2018/12/06/jpg//m5zn_743efba557c5733.jpg

 الباحث الفرنسي ( بيير بيرييه ) وهو عضو الأكاديمية العلمية الفرنسية – باريس . قدم بحثاً بعنوان ( توما الرسول ، اول مبشر بالمسيحية في الصين ) ذكر هذا الكهف في تقريره ، قال ( أما توما فلديه بأسمه كهفان واحد في الصين ، وآخر في شمال العراق في قرية مانكيش ، منطلقه لتأسيس كنيسة نينوى ) أي من مانكيش أنطلق التبشير إلى سهل نينوى  ، وهذا هو رأي مترجم المقال المنشور في مجلة الفكر المسيحي العدد ( 477-478 ) عام 2012 والذي زار الكهف وصوره ونشر صورة الكهف إلى جانب المنحوتات الصينية في كونغ وانغ شان التي تعود إلى القرن الأول للميلاد . تم نشر هذه الصور في غلاف المجلة الخلفي  ، وأضاف المترجم الذي لم يكتب أسمه وعلى الأكثر هو رئيس تحرير المجلة " المطران يوسف توما " كتب في حاشية الموضوع ما يلي ( يعني إسم مانكيش بالآرامية "  ذاك الذي لمس "  ) وهذا تفسير ثاني ( مَن كشلي ) أي ( من لمس ) والمقصود هو مار توما الذي أراد لمس جروح المسيح مقابل أيمانهِ ، قد يكون أسم منكيش مشتق من هذا التفسير  . وقد وضح الدكتور عبدالله رابي هذا التفسير في كتابه ( منكيش بين الماضي والحاضر) ، فقال : قد يكون الأسم مشتقاً من ( منكيشية ) أو ( منكاش ) الكلدانيتين ومعناهما ( الذي لمسه ) كناية عن ( مار توما ) متلمذ المشرق الذي لمس جروح المسيح وجنبه المطعون إذ يوجد جوار القرية دير وكنيسة على أسم مار توما في لحف الجبل الواقع جنوب مانكيش ويبعد زهاء نصف كيلومتر .. ( صحيفة 25 ) 
 كذلك نلتمس من كتاب الرؤساء الذي تناول قصة هذا القديس بأن قرية هذا القديس قد خربت قبل عودته إليها من بلاد اليونان ، هذا الخبر أيضاً يخدم صحة كون قرية القديس هي " مانكيش الحالية " وذلك لأن أهل مانكيش لحد اليوم يعتقدون بأن قريتهم قد هاجروها لفترة فتركوها خراباً وقبل رحيلهم منها وضعوا لهم على قمة الجبل المقابلة للقرية نصب من الصخور لكي يبقى لهم دليلاً بعد العودة  ، أنه نصب كبير من صخور ضخمة وضعوها على بعضها  فتكون منها شكل أنسان نصفي تجريدي يشبه الأعمال النحتية التجريدية . وما يزال النصب في مكانه ، ويسمى ب ( قطرا ددِكر ) أي " صخرة الذكرى " ، ويقتنع كل من يشاهده عن قرب بأن العمل ليس طبيعياً بل مصطنعاً . 
كما أضاف لنا كاتب القصة ، فقال ( أتوا إلى ربان برجل من قرية شمرخ جربه الشيطان وقد مزق جسمه بعضات ، وهذا شفي بسهولة بصلاة الربان . وعاد إلى بيته مسروراً بمجد الله ) علق الأب ألبير في الحاشية على قرية شمرخ ، فقال ( لا تزال " شمرخ " معروفة بهذا الأسم ، وهي في وادٍ يقع جنوبي مانكيش خلف الجبل ، وفي هذه القرية دير مار أبراهام الذي لا تزال بقاياه ظاهرة إلى اليوم ) ردنا :  أجل يوجد قرية خلف جبل ، مباشرة خلف الكلي الموجود فيها الكهف وفيها آثار للدير ، بل أسم القرية الكردية المؤسسة على ذلك المكان تسمى الآن( ديره ك شنك ) أي دير النساء ، والمقصود دير الراهبات . لكن أسمها القديم كان ( شمرخ ) . وبقرب قرية ( ديره ك شنك ، أي شمرخ ) يوجد نهر صغير يسمى لحد الآن ب ( نيرا دشمرخ ) أي ( نهر شمرخ ) بأسم القرية القديم .
 كتب الدكتور عبدالله رابي في كتابه المذكور أعلاه ص60 بأن في ذلك الدير الواقع خلف جبل منكيش  كان للناسك ( مار أبراهام ) الذي يقع في ( شمرخ ) خلف الجبل ، وكان يعمد المؤمنين القادمين أليه . أدلة كثيرة في كتاب المرجي تثبت بأن ( بيث مغوشي ) هي منكيش الحالية  لوجود العديد من مواقع القبور التي يتم الدفن فيها على الطريقة المجوسية في عقارات القرية من جميع جهاتها. ولهذه الأسباب يقول الدكتور عبدالله رابي في نفس الكتاب ، يحتمل أن يكون الطوباوي ( قفريانوس ) من بيت مغوشي  التي شيدَت على آثارها منكيش الحالية .  وأنا أقول : إذا كانت منكيش هي المقصودة ، إذاً قد يكون هذا الراهب القديس أول من أسس الرهبنة في جبل مانكيش الملىء بصوامع الرهبان وصهاريج منحوتة لخزن المياه

نبذة قصيرة عن سيرة القديس
ولد القديس قفريانوس في بيث مغوشي من أبوين مؤمنين قاما بتربيته تربية حسنة فبذلا جهدهما في تعليمه ، ففي مدة وجيزة أنهى المزامير والتعليم الذي يلقى للأولاد في كنيسة قريته . وعندما بلغ سن الشباب ، أختار طريق الروح فشاء أن يقدس نفسه لعمل الرب ، وأن يسير في سبل النسك والطهارة . فرحل إلى المدرسة المقدسة التي في قرية ( مقبثا ) التي كانت في غاية الأزدهار، وهي من المدارس التي اسسها الطوباوي ربان باباي الملفان ، وكل تلك المدارس البالغ عددها 24  تقع ما بين جبل عقرة والزاب تسمى بلاد مركا شكلها الجغرافي مثلث متساوي الساقين قاعدته نحو الشمال فس سلسلة جبال العقرة وراسه في ملتقى الزاب مع نهر الخازر  ( طالع نقاط حاشية ص 127 من كتاب الرؤساء ) . أي أن مركا ليست قرية مركا الواقعة الى شمال شرق زاخو .
لم يذكر المرجي زمن ولادة قفريانوس ، لكن المدرسة التي أسسها الطوباوي ربان باباي الذي ولد في قرية ( جبيلتا ) الواقعة في مقاطعة بيث كرماي شرقي دجلة وشمال تكريت . وقد أستملكها الخليفة المتوكل لأنجاز مشروع النهر الجعفري في سنة 860 م أي أقل من عشر سنوات بعد تأليف كتاب الرؤساء من قبل توما المرجي ( طالع الحاشية رقم "1 " ص 125 الرؤساء )  .أي ان القديس قفريانوس قد عاش في القرن التاسع الميلادي .أما رأي الدكتور رابي في كتابه ( منكيش بين الماضي والحاضر ) ص 62 ، فيقول ( لم يحدد المرجي  الزمان الذي عاش فيه قفريانوس بدقة  - بينما يشير الأب ( ألبير أبونا ) مترجم الكتاب إلى العربية في الهامش أعتماده على أن حوادث حياة قفريانوس جرت في أشد مراحل الخصام بين النساطرة والأرثوذكسيين ، اي منذ القرن الخامس الميلادي ) ،.

بعد أن نال قفريانوس  قصداً من الثقافة في علم الأسفار المقدسة ، وفي كتب التدبير الألهي وشروحها ، كان مختاراً من قبل الله ليكون فاعلاً ومقرباً منه ، وعلة فوائد كثيرة لدى تحقيق الهدف، كما كان صموئيل وأرميا وبقية القديسين ، فلما بلغ سن الرجولة ، لم يدع الله العالم بالأمور الخفية  والمستقبلية ، والمشرف على أدارة الأمور كلها ، أن يصبح ذلك الشخص المستحق الطوبى حصة العالم . بل أضرم قلبه بمحبة أقوى من النار التي دفعته إلى أورشليم لرؤية البلاد المقدسة حيث أظهر المسيح للبشر التدبير الذي حققه بحسب الجسد لأجل خلاصهم .
عقد قفريانوس العزم ، وكفر بالحب العالمي وبمحبة الآباء والأخوة والقرابة ، فحمل الكتاب المقدس وأنطلق ببسالة ، يقطع الطريق ويجتاز المراحل وكأنه سائر بلهف على بيت والده الذي لم يره منذ عهد بعيد . ولما وصل أورشليم ، سجد في الأماكن المقدسة كلها ، في موقع عماد الرب في نهر الأردن ، والهيكل ، والجلجلة ، والقبر ، والعلية ، وجبل الزيتون ، وهذه الأماكن التي فيها تم خلاص جنسنا بواسطة أبن جنسنا الأله . أبتهجت نفسه وروحه واستراح من تعبه ومن جهد الطريق ، فشكر الله الذي مداه الرجاء به إلى السير لرؤية تلك الأماكن التي وطئتها قدماه المخلص ، ومن هناك تابع السير إلى جبل سيناء حيث قدم الشكر للرب كعطور ذكية الرائحة في المغارة التي سكنها النبي موسى والتي فيها أوحى الرب أليه خلقة العالم . وهناك كلم الرب أيليا النبي ، فأشرق الرب نوره على عقل الشاب القديس قفريانوس وأعده للتقدم بأطراد في طريق لا شائبة فيها . ومن هناك أنطلق إلى الأسكندرية ، ومنها إلى برية مصر حيث مكث مدة كان فيها يتردد على الأديرة ، وهناك سجد عند مراقد القديسين انطونيوس  وفاخوسيس وأواخريس وأرسانيس ومقاريس وسرافيون النساك الأبرار . فأكتسب قدوة ومثالاً صالحاً من منظر القديسين هناك وأتعابهم . وكالنحلة الفطنة التي تقيم في خليتها شهداً من العروق والأعشاب ، وبعد أن توغل في الحياة الرهبانية واندمج في سلك النساك الطاهر في أحد الأديرة ،  هناك أشتغل في الجمعية حسب قانون الآباء ، مكث في ذلك الدير زماناً معيناً ، ففكر هذا اناء المصفى في أن يصبح ناسكاً . 
أنتقال القديس من برية مصر إلى جزيرة في بلاد اليونان
سمع قفريانوس أن في بلاد اليونان جزيرة يتوفر فيها الهدوء والنخيل والأشجار للقوت ، وفيها لا يحتاج إلى خدمة أحد . فطلب إلى بعض التجار فحملوه في سفينتهم وأوصلوه إلى هناك . ولما دخلها شكر الله لأنه هيأ له المكان وسر به وأحبه وأعتبر نفسه كأنه في جنة عدن . فكان السكوت يربي الصوم والصوم ينمي الصلاة والخدمة ، ومنها انبثق الأبتهاج والتضرع اللذان كان يصعدهما ليل نهار على من أحبه ، فطاف البحر والبر في سبيل تكميل إرادته بالتجرد عن كل شىء . مكث هناك زمناً طويلاً بدون أن يعرف به أحد وهو يطوف في ذلك القفر ويتمرس بضروب الجهاد الذي تقتضيه  السيرة النسكية ويقتات بكمية ضئيلة من التمر والحشائش التي يأخذها من الأرض وتحمل هذا البطل الصنديد من الجهادات القاسية والضيقات من أهواء الجسد ومكر الأبالسة الماردين ، هناك اختبر العزلة والزهد وصعوبة ومرارة النسك وبطش الأعداء الذين يهاجمون المتوحد المسكين والمرارة التي يتجرعها ليل نهار مع دموع عينيه ، جهاده ليس ضد اللحم والدم كما قال الرسول بولس ، بل ضد الرئاسات والسلاطين وولاة هذا العالم ، عالم الظلمة والأرواح الشريرة التي تحت السماء ، شرع ينتصر في البرية ويتربى في الضيقات فيذوي الجسد ويضعف وتستنير النفس وتتلألأ لأقتبال غنى الأمجاد . قضى هناك سنين عديدة لوحده ، ذات مرة قوم من التجار اللذين تفككت سفينتهم لجأوا إلى الجزيرة وألتقوا به ، وكانوا قد سمعوا عنه من الذين أتوا به إلى هناك ، تبارك ذلك القوم بالقديس الذي كانوا يفتشون عنه وتركوا له شيئاً من قوتهم وزودهم ببركته وقفلوا عائدين ليخبروا الناس بمكانه وموضع أقامته فلجأ إليه الكثيرين للشفاء ، ليس الذين يأتون اليه فحسب ، بل البعيدون الذين لم يروه ، حينما كانوا يدعون بأسم إله قفريانوس الناسك وسرعان ما كانوا ينالون الشفاء من أمراضهم ، وكذلك الملاحون الضاربون في البحر ، فمتى كانت الأمواج المتلاطمة تضايقهم سرعان ما تبدأ والخصم يسكن بأسم القديس وصلاته . قضى في تلك الجزيرة أربعون سنة وبعدها نال الأذن من الرب ليعود إلى بلده وقريته ( بيث مغوشي ) قرية آبائه وأجداده التي قد خربت قبل مجيئه ، فدفعته النعمة إلى أن يأتي ويسكن في الغاب الواقع تحت الدير الذي يؤسسه دون أن يعلم به أحد ، لكن في أيام الثلج خرج بعض الصبيان للصيد فدخلوا في الغابة التي كان فيها فوجدوا مظلة صغيرة مقامة فوق حجر  ، ولما توغلوا أبصروا رجل الله جالساً متستراً داخل حجرة ، فتجاسروا ووجهوا إليه حرابهم مهددين لعدم معرفتهم أنه رجل قديس . لكن عندما كلمهم بوداعة وخرج وباركهم ، ثم شجعهم قائلاً لهم ( أنا رجل متسول وقد أتيت هنا مساء الأمس واليوم أمضي فعودوا إلى قريتكم وها أنكم ستلاقون أيلاً فأمسكوه وأفتلوه وأمضوا إلى بيوتكم ). تم كل شىء كما قال لهم واخبروا سكان القرية بذلك القديس ، فخرجت القرية برمتها لكي يروا القديس الذي ارسله الله لهم ليصبح لهم كموسى يقف في وجه اعدائهم ، وصلوا إليه وخروا أمامه وأخذوا يقبلون أسماله ، أما هو فلم يرفع بصره إلى أحدهم ، بل كان منتكس الرأس والدموع تنهمر من مقلتيه ، وبعدها أمرهم بالعودة متنبأ لهم بقوله ( قوموا يا أولادي وعودوا الآن إلى منازلكم ، لأن رئيس كنائس هذه البلاد ومديرها قادم إلى قريتكم ، أما أنا فسأمكث هنا غداً وبعد غد ) فباركهم وصرفهم ، فعادوا إلى بيوتهم . في مساء ذلك اليوم فعلاً أتاهم مطرافوليط البلاد ( للأسف لم يذكر المؤلف أسمه لكي نعرف الزمن ، طالع حاشية "2 " ص265 الرؤساء ) وهو يطوف زائراً قطعان رعيته فقصوا عليه خبر وقوفهم على أمر رجل الله العظيم وعن زهده وحيلته وكيف أنه أخبرهم عن مجيئه عندهم في مساء اليوم عينه ، فلما سمع المطرافوليط ذلك نزل في الغد عند القديس مع جمع غفير من الكهنة وأساتذة مدرسة صورا وطلابها . ولما أحس الشيخ المبارك بذلك قام في الحال لأستقباله لأنه رأى الأسقف القديس من بعيد منحنياً ومستنداً على عصا وهو يخر ويسجد ثم يقوم ، فخف إلى لقائه وخر على وجهه على قدمي المطرافوليط ، وذهل الأسقف كثيراً من الهيئة البادية على الطوباوي ، إذ كان يشبه شبحاً لفرط زهده المتواصل . وقال الشيخ القديس للأسقف باكياً ( لماذا لم آت أنا أليك كعبد إلى سيده ، بل أنت أيها الأب القديس أتيت أليّ ، أنا الخاطىء الذي لا أستحق أن أسجد لسيادتك ) يا للتواضع السامي ويا للعقل الزاخر بالحكمة !! إنه يعرف أكرام الكهنوت واجب . طلب منه الأسقف ان يعلمه كيف قدم هذه البلاد ومن أين أقبل ؟ فأطلعه على الأمور الصغيرة وتغافل عن الكبيرة . فقام الأسقف وأمسك بيد الشيخ قفريانوس وطاف به في المكان الذي فيه الهيكل والدير . وقال له ( بأمر الرب هذه هي حصتك ، فأبنِ وشيّد ، وأقبل أخوة وتلمِذ ، وسيرضي الرب عملك وسيركَ في طرق وصاياه . فإنَكَ ستعظم  وتزداد ويرث بنوك الأ راضي التي حواليك ، وفي وسط زمر النساك الذين تلدهم ستلاقي وجه الديان في يوم مجيئه ) ثم رسم له مقياس الهيكل المقدس ، ورحل لمواصلة زيارته .
بناء الهيكل والدير
 أقبل المؤمنون من القرية والقرى المجاورة لبناء الهيكل والدير ، وفي أيام قلائل تم البناء , يذكر في الحاشية "1" ص266  ، أن الدير يقع بالقرب من قرية صورا المسماة ( كفرا صور ) أي الصخرة الحمراء . هناك في جبل مانكيش إلى الغرب من دير مار توما صخرة كبيرة حمراء تسمى ( شيَئا سموقا ) .  لجأ الى القديس خمسون راهباً أفاضل مطبوعون على مثال أبيهم الروحي ، أقام منهم بعض رهبان صنعوا هم أيضاً قوات باهرة في هذا العالم ، وكان الرب يؤازرهم ويسد لهم أحتياجتهم . أمضى قفريانوس نحو عشرين عاماً منذ مجيئه وإلى وفاته . شاخ وهرم وأضنته الألام وضعفت أعضاؤه من فرط زهد السنين ، في السنين العشرين الأخيرة لم يقتات بغير خبز وماء قراح . كان ختام أيام عامل الرب النشيط بالأتعاب المضنية التي تسيل العرق في سبيل الحياة الجديدة . وقد نال من ربه رؤى وصنع عجائب ومعجزات على غرار الأنبياء والرسل  . نذكرعناوين بعض منها : 1- أخراج الشياطين من ممسوسين كثيرين . 2- أشفاء مخلع من بطن أمه . 3- أزال وباء الجمال في منطقة بيث كرماي ( كركوك ) . 4 رجل وأمرأة من بيت بغاش لم يرقا ولداً ،زودهم الربان بثلاث أقراص من " حنانا " ، فارزقهم الرب بولد وأبنتان .5- شفاء أمرأة مشلولة من " صيان " في منطقة الزيبار .6- إعادة البصر إلى عينا أمرأة من منطقة كارا ز 7- شفاء رجل من قرية "صيان " من قرحة خبيثة، أمره أن ينزل ويسبح في النهر الجاري تحت صومعته . فنال الشفاء التام . 8- شفاء رجل مؤمن من مرض ثقيل أشتد عليه حتى كادت روحه تزهق ، وكان من قرية بيث تلي ( برطلة ) . 9- شفاء قطيع كبير من ضأن من وباء أهلك منه أغناماً كثيرة . 10- شفاء أمرأة فيها نزف منذ عهد بعيد حتى كادت روحها تزهق فشفاها بصلاته . نكتفي بهذه العناوين القليلة وما لنا من الأطالة لأن عجائب القديس كثيرة جداً وفي مناطق عديدة كبراري مصر والجزيرة اليونانية التي عاش فيها أربعون سنة ، وكان القديس يخفي الكثير . ( لمعرفة المزيد من معجزاته طالع الفصل السادس من كتاب الرؤساء ) ، وقد تم ترك الكثير المعجزات لغزارتها .  وأيضاً نقول ، هذا الموجود هو القليل من الكثير من القوات العجائبية التي صنعها القديس قفريانوس ، أما الباقي فلا يعرف بها إلا القديس والرب الذي أعطاه تلك القدرات والمواهب .
موته
حان الأوان لينتقل إلى جوار ربه فأجتمع بأخوته الرهبان وقال لهم ، أني ماضي في طريق آبائي فاحترسوا على نفوسكم وعلى كل التعليم الذي قبلتموه ، ولا تغفلوا عن مواعيد الصلاة والأختلاء في صوامعكم وعن تقديم السجود والتضرعات عوض العالم وعوض نفوسكم ... لا تقضوا أيام حياتكم بالبطالة فإن ساعة الموت خفية عنكم ... فلا تبدلوا حب سيدكم بالحب الذي كفرتم به مرة قبل عهد بعيد ، لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا ثياباً زائدة عن استعمالكم ... ولما
نصحهم وحذرهم ، أمرهم بالأقتراب منه ، وشرع بتقبيلهم واحداً واحداً ويودعهم ، وأخيراً سجد متوكلاً على رأس عصاه كيعقوب ، وصلى وبارك الكنيسة وأولادها والرعاة والمدبرين لأجل الملوك والسلاطين ، ورسم اشارة الصليب المقدس على ديره ، وهكذا بينما كان فمه يشيد بمجد الله ولسانه يشكره ، مد رجليه دون ما وجع  وفتح فمه المقدس ولفظ أنفاسه .
بعد وفاته أجرى الرب أعجوبة على قبره لم يعمل مثلها في حياته ليعرف الكل أنه حي عند الرب وقريب منه ليتشفع لديه .. كانت أمراة مؤمنة من قرية (بيث ماروث ) قد حظيت بآيات هذا القديس مدة حياته ، ومنحت ابناً بصلاته وبواسطة "حنانا "أخذته منه ، فألم بولدها مرض واشتدت عليه وطأته ، ولما عرفت أنه سيموت لا محالة ، أقتدت تلك المؤمنة بأيمان الشونمية بأليشاع ، فقررت بأن تأخذه إلى مار قفريانوس الأب الروحي لأبنها ، فركبوا الأتان وأمرت خادمها أن يقودها سريعاً  ، مات أبنها في الطريق ، فنزلت وكفنته دون أن يتزعزع أيمانها , وصلت إلى الدير ودخلت بيث الشهداء وألقته عند قبر القديس وعكفت على الصلاة مثل القديسة حنة أم صموئيل وأخذت تبكي وأبكت الحاضرين ، وكانت تقول ( يا عبدالله مار قفريانوس إن الهبة التي منتحتيها في حياتك ، استعدها بموتك ...فأني لم أطلب منك جثة هامدة ....الخ ) وشاء الرحمن ، الذي أمر أن يشرق النور من الظلمة ( تك3:1 ) وقال أن كل شىء مستطاع للمؤمن ( مر 23:9) وكل ما تطلبونه بالصلاة تنالونه ( مت22:21  ) ، أن يمجد الله خادمه في موته أكثر منه في حياته ، فعادت نفس الولد إلى جسده ، ونادى والدته حسب المعتاد عندما كانوا الرهبان في صلاة الليل ، فلما لاحظت ان الولد شرع يتململ طفقت تسبح الله بصوت عالي ، فعلم الرهبان من صوتها أن الولد عاد إلى الحياة ، فقالوا ، دخلنا نحن أيضاً إلى بيت الشهداء ورأيناه جالساً قدام أمه ، ومع الحياة التي رجعت اليه استعاد صحته التامة . فأخذ الجميع يسبحون الله مدهوشين . وذاع مجد الرب بسبب ذلك في البلاد كلها . وقد قامت تلك المؤمنة بوفاء وعدها كالقديسة حنة فنذرت أبنها لله ، ولما كبر الولد أخذته إلى الدير وتركته فيه وعادت ، فتتلمذ وصار راهباً . وكانت تأتي لرؤيته كل سنة ، وتجلب له ثياباً كأم صموئيل ، فنشأ راهباً صالحاً وأنهى حياته في نفس الدير وحسب ارادة الله له المجد والوقار والسجود والولاية والتعظم ، إلى أبد الدهور . آمين
المصادر
1-   الكتاب المقدس
2-   كتاب الرؤساء – توما المرجي – تعريب ألبير أبونا
3-   منكيش بين الماضي والحاضر – دكتور عبدالله رابي
4-    مجلة الفكر المسيحي العدد ( 477-478 ) عام 2012


33

ربان صوما مبعوثاً للملك المغولي وللبطريرك الى أوربا لتحرير الأراضي المقدسة

أعداد / وردا أسحاق قلّو

ربان صوما ، راهب من بكين رحل الى بغداد مع رفيقه الراهب مرقس ( الجاثاليق مار يابالاها ) . عينه البطريرك أميناً للقلاية وزائر عام في البطريركية .

عان المسيحيون الظلم في عهد الملك أحمد بن هولاكو الذي كان ضعيف الأدارة ، قليل المعرفة ، حاقداً على البطريرك ، وكانوا المحيطين به يسيرونه كما يشاؤون ضد المسيحين ، وبسبب تحريضهم أضطهدوا المسيحيون بضراوة . وفي فترة جلوس الجاثاليق يابالاها على كرسي كنيسة المشرق النسطورية ، وصلت وشاية كاذبة الى الملك ضد البطريرك والربان صوما متهمين إياهما بأن قلبيهما هما مع الملك أرغون بن أباقا الملك وكتبا الى الخان ملك الملوك رسالة ضدك . لهذا أمر أحمد بالقاء القبض عليهما ليصبحا نزيلي السجن لفترة زادت عن الأربعين يوماً بعد أن جرد البطريرك من الأدارة الملوكية والوسام . بعد أن تجلت الحقيقة للمحكمة وكشف مضمون الرسالة التي أعيدت اليهم ،  تم أطلاقهما من السجن  فتوجه الجاثاليق الى مدينة أورمية وهناك تراءى له في حلم الليل بأنه لم يرى وجه الملك أحمد بعد ذلك اليوم . جهز أحمد جيشه وسار به الى خراسان ليقبض على الملك أرغون الذي كان يحب المسيحيين . كانت غاية أحدم قتل أرغون وذريته ، وبعدها قتل الجاثاليق ، فأنقلبت عليه الخطة لكي يسقط هو في الحفرة التي أعدها لأرغون ، فبعد أن ألتحم الجيشان تشرذمت عساكر أحمد وغالبيتها أنضمت إلى قوات أرغون ، ثم أُسِرً أحمد وقتل .

حلم البطريرك حلماً آخر وقد سبق وأن حلم أحلاماً كثيرة تم تفسيرها فكانت تطابق ما يحصل في المستقبل . في هذا الحلم وقبل أن يسمع بمقتل الملك أحمد ، تراءى له أن شاباً وسيماً يدخل عليه ، حاملاً طبقاً مغطى بمنديل ، قائلاً له : ( قم وكل الموجود في هذا الطبق ) مكشفه الجاثاليق فوجد رأس رجل مطبوخاً . بعد أنتهى من أكله ، ولم يُبقَ منه غير عظام الفكين ، سأله الشاب ، أتعلم ماذا أكلت ؟ فأجابه ، لا . فقال له ، أنه رأس الملك أحمد .

نهض الجاثاليق من نومه مذعوراً ، وبعد أيام سمع بنبأ مقتل أحمد ففرح ، ليس لموته ، بل لأستلام أرغون زمام الحكم . أرغون ملك من ملوك المغول الذين ساندوا المسيحيين وساعدهم كثيراً . وكانت منزلة مار يابالاها تسمو في عينيه ، وكان يزداد البطريرك إكراماً لديه ولدى حاشيته ، بل كان يسند المسيحيين في مملكته من كل قلبه . لهذا أراد فتح بلاد سوريا وفلسطين لغرض تحرير الأراضي المقدسة من الأستعمار العربي . لكن لا يمكنه القيام بهذه المعركة لوحده دون مساعدة ملوك الغرب المسيحيين له . طلب من البطريرك أن يرسل أليه رجلاً حكيماً ، جديراً بمهمة مبعوث إلى أولئك الملوك ، فأختار البطريرك الربان صوما لكونه متمكناً من اللغة واللباقة في الكلام فكلفه للقيام بهذه المهمة مع وفد مرافق له .

أرسله الملك مع ثلاثين فارساً ومحملاً برسائل وهدايا تليق بقداسة البابا والملوك الذين سيقابلهم . وصل صوما الى العاصمة قسطنطينية ( أسطنبول ) أولاً عن طريق البحر وقلبل ملك الروم ( أندرونيقوس ) ففرح صوماً فرحاً عظيماً ، وقال للملك عندما سأله عن حاله بسبب طريقه الطويل والشاق : حين ألتقيت ملكاً مسيحياً نسيت أتعابي ومشقاتي ، أدامك الرب زار كل الكنائس والأديرة ومنها كاتدرائية ( آية صوفيا) التي فيها ثلاثمائة وستون باباً من المرمر ، أما القبة التي فوق المذبح فلا يمكن لأنسان أن يصفها ومدى ارتفاعها وعضمتها . كما زار ذخائر القديسين هناك ، وأخيراً زار الملك بعد أن أعطى له الرسائل والهدايا ، وكذلك رد عليه الملك.

بعد ذلك غادر الى أيطاليا عنطريق البحر فوصل الى روما العظمى فدخل مع وفده كنيسة الرسولين بطرس وبولس ، وبعدها أراد مقابلة قداسة البابا ، لكن للأسف البابا قد وافاه الأجل قبل وصولهم الى روما ، فأستقبل من قبل 12 كاردينالاً وأجلسوه فيما بينهم وسألوه عن عناء الطريق الطويل ، وعن البلد الذي جاء منه وعن غايته . فأجابهم بأن ملك المغول وجاثاليق كنيسة المشرق أوفدوني لمقابلة قداسة البابا بشأن مهم يخص أورشليم وحملاني رسائل بهذا الخصوص . بعد ثلاثة أيام بادروه بأسئلة ، فقالوا له : في اية جهة تقع بلادكم ، وما الغرض من مجيئك ؟ فجاوبهم . ثم قالوا له أيم يسكن الجاثاليق ومن بشركم بالمسيحية ؟ فأجاب ، في بغداد يسكن ، ومار توما الرسول ومار أدي وماري هم الذين تلمذوا ديارنا . قالوا له ، ما منصبك : قال ، أمين القلاية ورئيس التلاميذ ، وزائر عام في البطريريكية . وفي ذات الوقت أنا موفداً من قبل ملك المغول ، كما أحيطكم علماً بأن آبائنا ذهبوا الى بلاد المغول وحتى أن عدداً من أبناء الملوك أقتبلوا العماد، وأن الملك أرغون لشدة محبته للجاثاليق ، تباحث معه حول رغبته في فتح سوريا وفلسطين ، وعليه فهو يطاب مساعدنكم لأنقاذ أورشليم ، ولهذه المهمة أختارني وأوفدني لأنني مسيحي ، ولتثقوا بوفادتي . سألوه عن معتقده ، هل ينتمي لمذهب قداسة البابا أم لغيره ؟ أجابهم : نحن في الشرق لم يأتي أحداً ألينا من البابا ، وأن الرسل الذين ذكرتهم هم تلمذونا وليومنا هذا نتمم الطقوس التي سلموها لنا . طالت أسئلتهم في هذا المجال لغاية معرفة عمق أيمانه وعن قانون الأيمان الذي يؤمن به ، فأقتنعوا بأيمانه القريب من أيمانهم .

زار كل الكنائس والأديرة والذخائر الخاصة بالقديسيين وتبارك بها بعد جولات كثيرة وبعدها قالوا له لا يمكننا نحن الكرادلة أن نعطيك الجواب على مهمتك حتى ينتخب البابا الجديد . بعدها زار ملك روما وبعدها سافر الى باريس ليقابل الملك فرنسيس الذي أرسل بأستقباله جمعاً غفيراً فأدخلوه بأبهةٍ وأجلال عظيمتن ، وبعد ثلاث أيام من أقامتهم قابلهم الملك بوقار ، قائلا لصوما : من أجل ماذا أتيت ؟ ومن الذي أرسلك ؟ أجابه الربان صوما : انا رسول الملك أرغون وجاثاليق كنيسة المشرق ، أتيت بشأن يخص أورشليم ، ثم اطاعه على كل ما أوصي به ليبلغه الى الموفد اليهم ، بعد أن أعطى له الرسائل والهدايا . رد عليه ملك فرنسا قائلاً : إذا كانت للمغول الذين لم ينتسبوا بعد الى المسيحية هذه الرغبة في أنقاذ أورشليم من أيدي العرب ، فكم يجب أن تكون رغبتنا أشد وأقوى من رغبتهم ؟ فإن شاء الرب سنخرج بقواتنا ، قال له صوما : والآن ، وبعد أن رأينا عظمة مملكتكم ، وهيبة جبروتكم بأن أعيننا ، نطلب منكم أن توصوا أبناء المدينة لكي يطلعوننا على الكنائس ومراقد وذخائر القديسين ، فأمر الملك بأطلاعهم على العجائب التي تنفرد بها فرنسا . بقي شهراً هناك وأخيراً قابل الملك وقال للراهب : أنني سأرسل معكم واحداً من كبار أمرائنا ليسلم ردنا إلى الملك أرغون ، ثم أعطاه هدايا وملابس فاخرة ، بعدها غادر صوما ووفده الى ملك أنكلترا فوصلوه بعد عشرين يوماً .

خرج أليهم الملك أدوارد وقابلهم بفرح واعطى له الربان الرسائل والهدايا التي أرسلها له الملك والجاثاليق ففرح بها الملك كثيراً . ولما تباحثا بشأن تحرير أورشليم ، أزداد فرحاً ، وقال : إننا نحن ملوك أوربا قد حملنا راية الصليب ، ولا ينغص حياتنا غير هذا الموضوع وقد أزدادت رغبتي بهذا الشأن لدى سماعي منك بأن الملك أرغون يسعى بهذا أيضاً . كتب الملك أدوارد رسالة الى الملك أرغون وقال فيها مايلي : متى تريد أن نلتقي في الأراضي المقدسة ؟

طلب من الربان صوما أن يقيم ذبيحة ألهية ، فكرس الربان صوما الأسرار بحضور الملك وعظماء مملكته وتناول الملك الأسرار من يد الربان ، بعدها أقام الملك مأدبة فاخرة على شرف الربان صوما . بعدها طلب صوما كعادته من الملك لكي يوصي من يطلعونه على ما لديهم من كنائس وذخائر القديسين . أخيراً قال له الملك أدورد ، هكذا تبلغوا الملك أرغون ، كذلك أبناء المشرق ، إن الذي رأيناه لا يضاهي شىء آخر ! إذ لا توجد في بلاد أوربا كلها عقيدتان ، بل واحدة فقط معترفين بيسوع المسيح ، وكلهم مسيحيون . اضاف الملك قائلاً للربان والوفد المرافق له ، كون الملك واحد من الذين شاركوا في حملة صليبية سابقة أيام كان شاباً . لا شىء أحب إلى قلبي من حمل الصليب مرة أخرى وأستعادة القبر المقدس .

أتجه صوما مع وفده نحو روما فمر ببلاد المادان ( ألمانيا ) وألتقى برجل فاضل وهو زائر رسولي كان في طريق إلى روما فتبادلا السلام وتعانقا بحب المسيح . قال الزائر لصوما ك أتيت إلى هنا للقاء بك إذ سمعت عنك بأنك رجل فاضل حكيم وتنوي زيارة البابا . فقال له صوما : ماذا أقول لك أيها الأخ الحبيب ؟ لقد أتيت مبعوثاً من الملك أرغون وبطريريك المشرق إلى قداسة البابا بشأن يخص أورشليم ، فهيذا قد أنقضت سنة منذ مجيئي وبابا لم ينتخب بعد ، فبماذا سأجيب المغول لدى عودتي ؟ هؤلاء المغول قوم قلوبهم أصلب من الصوان ، أنهم يرغبون تحرير المدينة المقدسة ، أما الذين تخصهم فغير مبالين ، لا بل لا يقدّرون هذه الرغبة أبداً ! فماذا أقول لهم ؟ لست أدري! قال له الزائر بالصواب تكلمت ، وعندما أعود سأنقل كلامك إلى الكرادلة وأهتم بأمر الأستعجال في أنتخاب البابا . وفي ذات يوم أرسل البابا ساعياً إلى الربان صوما ومرافقيه للمجىء إلى روما ، فوصلوا اليها وقابلوا البابا الجديد وكان نفس الأسقف الذي قابلهم في زيارتهم الأولى وأسمه ، نيقولا ( أنتخب نيقولا الرابع في شباط سنة 1288 ) .

عند وصولهم أرسل أليهم البابا جمعاً غفيراص لأستقبالهم . دخل صوما للحال على الحبر الأعظم فرآه جالساً على عرشه ، ركع الربان صوما أمامه وقبل رجليه ثم يديه ، بعدها عاد الى الوراء ويداه مضمومتا على صدره ، ثم قال لقداسته ليدم كرسيكم يا أبانا إلى الأبد . وبعد أن رأيت وجهكك أستنارت عيناي ، فلن أعود إلى بلادي كسير القلب ، فشكراً للعناية الألهية التي أهَلّتني لأتطلع على محياك . ثم أعطى لقداسته الهدايا والرسائل التي أرسلها الملك أرغون والبطريرك ، وكذلك قدم البابا له هدايا مع الرسائل الخاصة به ، كما أكرم الربان صوما أكثر من المعتاد وكان ذلك اليوم منتصف الصوم الكبير ، طلب منه البابا البقاء معهم للعيد وذلك للتعرف على عاداتهم فأجاب الربان سمعاً وطاعة ، فخصص له قداسته دراً لينزل فيه بعد ذلك طلب صوما من البابا لكي يقدم لهم هو ذبيحة ألهية كي يطلعهم على طقسهم الشرقي ، فأذن له وأجمع حشد كبير من المؤمنين ليشاهدوا كيف يكرس الأسرار في الشرق . فلما رأوا ذلك أغتبطوا وقالوا : ان اللغة فقط هي مختلفة ، أما الطقوس فواحدة ، كما حضر صوما كل المناسبات التي أقيمت في أحد السعانين وخميس الفصح وجمعة الآلام وسبت النور والفصح وتناول الأسرار من يد قداسة البابا .

بعد موسم الأعياد طاب صوما من قداسة البابا إذناً للعودة إلى دياره ، فأجابه : أننا نرغب في أن تمكث فيما بيننا ، وسنحرص عليك حرصنا لحدقات عيوننا . فشكره الربان على كل أحساناته له وقال سأبلغ الملك على كل فضائلكم ، وطلب من البابا بشىء من الذخائر الخاصة بالقديسين . فأعطاه منها قطعة من ملابس الرب ، وكذلك من غطاء الرأس الذي كانت السيدة مريم العذراء تستخدمه ، وأرسل إلى الجاثاليق تاجه الخاص المصنوع من الذهب الخالص والمرصع بالأحجار الكريمة ، ومع حلة لأقامة الذبائح الألهية حمراء اللون ومطرزة بالذهب ، مع جوربيه المرصعين بالجواهر ، بالأضافة الى نعليه وخاتم أصبعه . كما أعطاه تفويضاً من قداسته بسلطة بطريركية على أبناء المشرق ( وهذا دليل على أن لبابا روما السلطة على الشرقيين وبطاركتهم لأنه خليفة بطرس الرسول الذي سلم الرب الخراف والغنم والنعاج تحت وعيته ) ومنح الربان صوما تفويضاً بكونه هو الزائر العام على كل المسيحيين ومنحه بركته ، ثم أعطاه نفقات الطريق بلغت ألفاً وخمسمائة مثقال من الذهب الأحمر . كما أرسل بركاته للملك أرغون . وبعد ذلك عانقه وقبله ثم اطلقه . أما الربان صوما فشكر النعمة الألهية التي أهلته لكل هذه الأنعامات وعاد عام 1288م .

 وصل صوما والوفد المرافق له الى الملك أرغون مسلمه الرسائل والهدايا من قداسة البابا والملوك ، وحدثه عن الحفاوة التي استقبل بها وعن الأعاجيب التي شاهدها ، ومن عظمة وأبهة ملوك الغرب ففرح الملك أرغون وشكر قائلاً : لقد أتعبناك كثيراً وأنت المتقدم في السن ، لهذا سأبني لك كنيسة في عاصمتنا ، كما أرسل إلى الجاثاليق يابالاها وسلمت له الهدايا والرسائل و الغاية من هذا الموضوع ليست لكي نذكر ما اهده صوما من كنائس وأديرة وذخائر وأخبار لقاءاته مع الملوك ومع قداسة البابا ، بل الهدف الأول كان لكي يحث ملوك الغرب لكي يقفوا مع الملك المغولي أرغون في معركة تحرير أورشليم بعد فشل الغرب في الحروب الصليبية ، لكنهم لم يحركوا ساكناً ، بل ظل الحال كما كان .

في نفس سنة وصول الربان صوما ، وفي شهر أيلول ، ذهب أرغون لزيارة البطريرك مار يابالاها في شهر أيلول والذي كان قد عمد أبن الملك أرغون ، كما كان قد أمره بأن يتناول الأسرار المحيية , هكذا نمت كلمة الحياة وأزدهرت بشارة الأنجيل على الأرض ، وبعد ها مات الملك ومات معه الأمل في تحرير الأراضي المقدسة من أيدي الفاطميين . كانوا المسلمين يسيئون معاملة الحجاج المسيحيين للأراضي المقدسة .

أستفادت كنيسة المشرق من زيارة صوما الى البابا فكان لهذه الزيارة ثمار روحية وبداية علاقة بين الكنيستين وأخذت تنمو وتكبر ، وأستمر الجانبان بالمراسلات لأجل المزيد من التقارب والوحدة .

وأخيراً شاخ الربان صوما وطعن في السن ، وفي شهر تشرين الثاني من عام 1293م طرحته الحمى الشديدة في الفراش وأشتد عليه المرض وأزدادت آلامه وبقي على حاله حتى وصل الجاثاليق مار يابالاها أليه وبعد أن شاهده فارق الحياة وأنتقل راحلاً إلى الأقداس الأبدية ، أورشليم السماوية ، فأغتم مار يابالاها لوفاته فبكاه بكاءً مراً حتى وصل صوته عناء السناء ، وأقام له مأتماً حضره جمع غفير .

ليرحمه الله ويقيمه مع قديسيه في ملكوته الأبدي ويوَحِد كنيسته المقدسة تحت سقف واحد ، أنها جسده الطاهر وهو رأسها ، ليتمجد أسمه القدوس إلى الأبد .

 

 

المصدر

كتاب تاريخ مار يابالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما

 

34

رسامة الراهب مرقس ميطرافوليطاً ثم بطريركاً بأسم يابالاها

أعداد/ وردا أسحاق قلّو

الراهب مرقس هو من بلاد الصين جاء الى بلاد النهرين مع صديقه الراهب صوما في زمن المغول . أختار بطريرك كنيسة المشرق الراهب مرقس لكي يرسمه مطرافوليطاً ، والمطرافوليط هو رئيس أساقفة ، أي المطران الذي يكون تحت أمرته عدة أساقفة ، ودرجته هي أقل من البطريرك ، وبأمكانه أن يرسم مطارنة وأساقفة وحتى البطريرك ، أما الأسقف فبأمكانه فقط أن يرسم الكهنة والشمامسة . كما لا يمكن للمطرافوليط أن يرسم أسقفاً أو مطراناً إلا بمعاونة أسقفين أو مطرانين .

أرتأى الجاثاليق مار دنحا أن يرسم الراهب مرقس مطراناً لكي يمنحه موهبة الرسل . فعندما أخبره بالأمر قال ، أمر سيدي هو بمثابة المسيح ، والذي لا يطيعه ، فقد عصي الأمر ، لكنه قال له هو والراهب صوما الذي قرر البطريرك أن يجعله زائراً عاماً . إننا لن نأت من بلادنا

لنعود أليها ثانيةً ، خاصتاً بعدما عانيناه من المشاق في الطريق وإننا غير مستحقين هذه العطايا . فأجاب الجاثاليق ، أنتما المؤهلان لمثل هذه العطايا وبنقاوتكما تليق الهبة . فقالا سمعاً وطاعة . قال البطريرك لمرقس ، حتى الآن لم يدع أحد من الأساقفة أو المطارين باسم مرقس لهذا قررت أن نكتب اسماء عدة ونضعها على المذبح ، وبعد ذلك نسحب واحدة منها ليكون ذلك الأسم هو البديل . ففعل وكان الأسم المختار ( يابالاها ) وتفسيره ( هبة الله أو عطية الله ) . تم رسامته بوضع يد البطريرك مار دنحا وكان المرسوم أبن خمس وثلاثين عاماً . عَيّنه راعياً لأبرشية خطي وأونغ . ثم سلمهما رسائل تفويض كل حسب مهمته . بعد أيام قلائل وردت أنباء مفادها أن الطريق الذي سلكاه الراهبين عند مجيئهما مقطوعة تماماً بسبب الخلافات بين الملوك ، ولا يمكن أن يسلكها أحد . فعاد الطوباويان الى صومعتهما التي في دير مار ميخائيل في ترعيل حيث مكثا نحو سنتين .

ذات ليلة كان مار يابالاها مستغرقاً في النوم فرأى حلماً وكأنه في داخل الكنيسة الكبرى ، وفيها صور القديسين يتوسطهما صليب . حين مد يده ليتبارك منه تمددت ذراعه ، فكلما مدّها كان طولها يزداد والصليب يرتفع الى أعلى حتى بلغ سقف الهيكل وهناك أمسك به وقبله . وعند مغادرته الكنيسة رأى أشجاراً باسقة تحمل أصنافاً مختلفة من الفاكهة . فقطف من تلك الثمار وأكل ، ثم أخذ يوّزعَ منها على الجمهور الغفير المحتشد هناك ، فأكلوا هم أيضاً . ولما أستيقظ من نومه ، كشف للربان صوما قائلاً : لقد حلمت الليلة حلماً أفزعني . قال له الربان ، قل لي ما هو حلمك ؟ فلما قص عليه الحلم ، فسره له قائلاً : إن إطالة ذراعك حين مددتها لتتبارك من الصليب ومن صور القديسين ، لهي أشارة الى إنك ستبلغ منزلة عظيمة ، كمنزلة الآباء . وأما أكلك من ثمار تلك الجنينة وأطعامك للشعب المتجمهر هناك ليأكلوا هم أيضاً ، فتفسيره هو أنك ستنعم بالنعم السماوية التي ستحل عليك وستمنحها للشعوب لتتنعم بها هي الأخرى . وفي ليلة ثانية ، شاهد مار يابالاها حلماً ثانياً ، إذ وجد نفسه متربعاً على عرش عال ومحاط بجموع غفيرة وهو يعلمهم . وكلما أطال في حديثه ، كلما تمدد لسانه ، حتى خرج بعيداً عن فمه متفرعاً الى ثلاثة فروع ، وفي رأس كل فرع شىء يشبه لهيباً من النار فتعجب الجموع المحتشدة هناك ومجدت الله . ولما استيقظ من نومه روى ما شاهده في الحلم للربان صوما ، فقال له : إن هذا ليس حلماً ، بل رؤية ، وهذا لا يختلف شيئاً عن الروح التي حلت على الرسل على شكل ألسنة من نار . كذلك سيحل عليك حقيقةً الروح القدس ، ويُعهد أليك الكرسي البطريركي لتخدمه وتُدَبر شؤونه.

أثناء حدوث تلك الرؤى لمار يابالاها كان ماردنحا حياً يرزق في بغداد ، غير أنه كان يعاني من مرض وكثيرون من الآباء والرهبان كانوا يحلمون أيضاً بمثل تلك الأحلام ، وبعد أيام قليلة ذهب مار يابالاها الى بغداد لزيارة الجاثاليق مار دنحا ليحصل منه على البيرون ( وهي القبعة التي يضعها المطران على رأسه خلال أحتفالاته الطقسية ) وكذلك على الصولجان التي يستعملها المطران داخل أبرشيته . ما أن بلغ مشارف بغداد حتى لقيه شخص فقال له ، لقد رقد الجاثاليق ، فأنتابه حزن عظيم ، وبقلب منكسر عجل في السير حتى بلغ باب الكنيسة ، فلما دخلها ، رأى جموعاً كثيرة تبكي الجاثاليق . فتقدم من المسجى وألقى بعمامته ، ومزق ثيابه وبكاه بكاءً مُراً حتى سقط على الأرض مغشياً عليه . وبعد ساعة أستفاق فعمروه عمامته وطيبوا خاطره . وبأنتهاء الصلاة دفن مار دنحا .

في اليوم التالي اجتمع الآباء لأنتخاب شخص جدير ليرتقي السدة البطريركية ، وكان الحاضرون : مطران عيلام رئيساً ، ومطران الصين ومطران طيرهان ( قرب السامراء ) ومطران الطورانيين والمطرافوليط مار يابالاها ، ومعهم أشراف ووجهاء وفقهاء وأطباء بغداد . أستقرالأنتخاب على شخص مار يابالاها ، وكان سبب أنتخابه هو أن الملوك القابضين على ناصية الحكم في بلاد النهرين كانوا مغولاً ، ولا أحد سوى مار يابالاها يعرف طبائعهم وعاداتهم ولغتهم . ولما أبلغوه أعترض معللاً بأنه أنسان ضعيف الأرادة ، قليل المعرفة بالتعاليم الكنسية ، وليس طليق اللسان ولا يعرف حتى الكلدانية والتي يحتاجها في كل الأمور . لكنهم أزدادوا ألحاحاً فأذعن لرغبتهم ، فقدم له الخضوع كل الآباء ووجهاء وأشراف بغداد . ذهب الى دير ما ميخائيل فاستقبله الرهبان وواسوه لوفاة البطريرك وأخبر الربان صوما بأنتخابه ، فقال له : أنها الأرادة الألهية فلا يمكنك الأعتراض . فلنذهب الى الملك أباقا فإذا طاب له سنأخذ منه التفويض لك . ذهبوا مع الآباء الأساقفة الى الملك في أذوربيجان الفارسية ودخلوا الى الملك وأخبروه بوفاة الجاثاليق ، وقترحوا له أن بفوضوا المطران مار يابالاها ليأخذ مكانه ، هذا الذي كان قد جاء من الشرق لزيارة أورشليم . فبماذا يأمر الملك ؟ فأجاب : أن نقاوة الأفكار والنيات ، لأمر يدعوا الى العجب ! وإن الله لناصر الذين يحبونه ويعملون بحسب أرادته ، أنها مشيئة الله ونحن نتمم مشيئته وتلبيةً لرغبة المسيحيين نقول : ليتبوأ هو الكرسي ويكون رئيساً عليهم ثم أمسك بيد مار يابالاها قائلاً له : تشجع ودبر شعبك ، وأن الله سيأخذ بيدك، ثم أخذ العمامة الملقاة على كتفي الجاثاليق ، وعمّرَ بها رأس مار يابالاها ، ثم اهدى له عرشه الخاص والمغطى بفرو حيوان حديث الولادة وأعطاه وساما من ذهب وهدايا أخرى كثيرة مع الختم الكبير الذي كان للجثالقة أسلافه مع صرف مبالغ مالية كثيرة التي يحتلجها في مراسيم الرسامة . وبعد ذلك عادوا الى بغداد ومنها الى الكنيسة الكبرى ، كنيسة كوخي . وهناك نال وضع الأيدي فجلس على كرسي ساليق وقسطيفون .

صلواته وشفاعته تكون معنا جميعاً

 
المصدر

   تاريخ مار يابالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما . تعريب الشماس خيري فومية

35
 

راهبان من الصين في رحلة إلى بلاد النهرين

أعداد / وردا أسحاق عيسى

بعد نشرنا للمقال ( بداية العلاقة بين كنيسة المشرق وبابا روما عام 1288 ) سنستمر بنشر معلومات أخرى عن الراهبان صوما ومرقس (الجاثاليق مار يابالاها لاحقاً ) لمعرفة المزيد من المعلومات التفصيلية عنهما.

ولد الربان صوما في مدينة ( خان – باليغ ) أي الصين عاصمة مملكة الشرق من أبوين مسيحيين تقيين طعنا في السن دون أن ينجبوا من يرثهما، واضبا في التضرع الى الله لكي يكرمهما بذرية فيعزيان . سمع الله صلاتهما فترحم عليهما وأستجاب فحبلت المرأة ثم وضعت أبناً سمياه صوما ، أعتنيا بتربيته عناية فائقة ونال النعم عند معلم ماهر وهذباه في تعليم الكنيسة ، ثم تأهل لنيل درجة الكهنوت فأرتقى الدرجات الدينية حتى أصبح قنكايا ( ساعور ) كنيسة بكين . كان متواضعاً ومتقداً بنار الأيمان التي كانت تحرق قلبه والتي طهرت نفسه النقية من كل دنس لهذا أحب الله فوق كل شىء وبدأ حياة التقشف فأمتنع عن أكل الزفرين وشرب الخمور . لكن عندما علم أبواه برغبته أغتنما غماً لا يوصف لأنهما أرادا منه الزواج . فقالوا له أيرضيك أن يرثنا الغرباء ؟ لكنه واظب في طريق الجهاد الروحي لينل المزيد من الفضائل . أقتنع والديه بأنه لم يتمم رغبتهما فتركاه وشأنه . فوزع كل ما كان يملك من الملابس والمقتنيات على الفقراء . ثم أقتبل الأسكيم الرهباني ، فحلق رأسه لكي يعمل في كرم الرب ، فأنزوى في صومعته وحبس نفسه لمدة سبع سنين ، وبعدها غادر بعيداً عن الناس ولمسافة يوم واحد فوجد مغارة على مقربة منها نبع ماء ، فشكر الله على نعمته التي أهلته لهذا الهدف فسكن هناك في خلوةٍ وهدوء ، لكن خبره أنتشر في تلك الأصقاع فتهاتفت الجموع لزيارته وكانت تكرمه غاية التكريم . جاء اليه شاباً يدعى مرقس فألقى عليه السلام ( الجاثاليق يابالاها لاحقاً ) ، فحياه وسر به واستقبله بفرح , وبعدها سأله عن أصله وعشيرته فأخبره أنه جاء من مدينة ( كوشنغ ) وقد استغرق في مجيئه خمسة عشر يوماً ، قال له ، ولما بلغني صيتك ، تركت كل شىء وقصدتك ، فلا تخيبني وتضع عوائق لتقضي على رغبتي . قال له صوما : يا أخاه ! إن هذا الطريق صعب للغاية ، لا يكاد يتحمل الشيوخ صعابه ، فكيف يمكن لشاب مثلك بلوغه ؟ وألح عليه الربان صوما لكي يعود الى أهله فلم يقتنع مرقس ، حينذاك دعاه الربان والبسه رداءً من الصوف ، ثم أخذ يختبره ، وبعد ثلاث سنين ، حلق شعر رأسه ، وأقتبل الأسكيم من يد مار نسطوريوس رئيس الأساقفة ، فأخذ يمارس الزهد والتقشف والإنقطاع عن تناول الطعام حتى المساء ، فجدّ الرهبان في ذلك الجبل بأعمال الطهارة والقداسة فعزاهما الله الذي كرسا له ذاتيهما .
أرتأيا يوماً ترك صومعتهما والتوجه نحو الغرب لزيارة أورشليم المقدسة . فوزعا كل ما لديهما على الفقراء ، فلما عرف الناس بنيتهما أحاطوا بهما ليثنوهما عن عزمهما قائلين : الطريق بعيد وملىء بالمخاطر فلا تستطيعا الوصول الى هناك أبداً . قالوا أننا كفرنا بالعالم ، فأعتبرونا ميتين عنه ، فلا التعب يفزعنا ولا الخوف يرهبنا . فقط صلوا لأجلنا محبتاً بالمسيح .  وصلَ الخبر الى أمير المدينة التي كانوا فيها فحاول أبقائهما وأقناعهما بأنهم يسعون في طلب الرهبان والأساقفة من الغرب ليأتوا الى ديارنا( الغرب يعنى به بلاد  النهرين ) فكيف ندعكما ترحلان عنا ؟ لكن الراهبان لن ينثنيا عن عزمهما ، فأقتنع الأمير وخصص لهما هدايا من ذهب وفضة وملابس ودواباً للتنقل وودِعا بالبكاء الممزوج بفرح .

وصلا الى خراسان في بلاد فارس ونالا بركة أسقف المدينة ، ومن هناك ذهبا الى أذوربيجان وبعدها أرادا الأنتقال الى بغداد ليقابلا الجاثاليق مار دنحا . لكن صادف بأنه كان موجوداً في مراغة الفارسية فلقياه هناك وزادت فرحتهما وأطمأنت سريرتهما وهدأت أفكارهما بلقياه كأنهما يشاهدان المسيح في شخص البطريرك مار دنحا ، ثم قالا له كثيرة هي مراحم الرب علينا . سألهما عن الجهة التي قدموا منها فأجاباه قائلين ، من بكين مدينة الخان ملك الملوك ، أتينا للتبرك معكم وإذا وجدنا فرصة وترحم الله علينا ، فإننا مزمعان زيارة أورشليم المقدسة . . أستأذنوا من البطريرك لكي يسافروا الى بغداد للتبرك من ذخائر مار أدي والآباء ومن ثم الى مناطق أخرى ، فقال أذهبا يا أبناي والمسيح الإله يمنحكما طلباتكما الى الكنيسة الكبرى ( كنيسة كوخي العظيمة ) ثم الى دير مار ماري الرسول وتباركا من الذخائر التي في تلك الديار . وبعد عودتهما ذهبا الى باجرمي للتبرك بذخائر مار حزقيال ، ومن هناك دخلا مدينة أربيل التي كان كل سكانها مسيحيين وفيها أربع كنائس ، وبعد ذلك سافرا الى الموصل وسنجار فنصيبين وماردين في تركيا وتباركا بذخائر مارأوجين . ثم قصدا جزيرة بازبدى ، ثم الى دير مار ميخائيل في منطقة حلب السورية وقد أبتاعا لهما قلاية فاستقبلهما الرهبان هناك بفرح فارتاحت أفكارهما المرهقة من مشاق الطريق الطويل .

لما سمع الجاثاليق مار دنحا بأنهما رتبا أمر أقامتهما في دير مار ميخائيل أرسل في طلبهما فقاما وذهبا عنده للحال وطلب منهما الأقامة معه لكي تعم فائدتهم على الجميع ( المقصود هنا لأستخدامهما كوسطاء مع ملوك المغول ). فقالا له ، ما يأمرنا به أبونا أياه نعمل . فقال لهما أذهبا الى الملك أباقا لتحصلا على المنشور منه ( أباقا الملك هو أبن الملك هولاكو من مملكة المغول ) قالا له ( سمعاً وطاعة ) . السبب الذي دفع البطريرك لأرسالهما الى الملك لأنهم يعرفون لغته لكونهم من تلك البلدان فينالوا منهم التقدير والأحترام  . فلما وصلا الى الملك سألهما عن بلدهما وعن غايتهما . فكشفا له عن جميع نواياهما ، عندئذ أمر الملك وزراءه تلبية جميع طلباتهما وأن يعطوا لهما المنشور المطلوب . فأرسلا المنشور الى الجاثاليق مع المرافق الذي أرسله البطريرك معهم ، أما هم فأنطلقا نحو أورشليم ، الهدف الذي جاءا من أجله . وصلا مدينة أنيمطو أو ( آني ) والتي كانت عاصمة مملكة أرمينيا ، أندهشا بعظمة بناء كنائسها وأديرتها وجمال هندستها . ثم دخلا جورجيا . ليسلكا منها طريقاً سهلاً . وما إن بلغا تلك المناطق حتى بُلِغا من أهالي تلك المناطق بأن الطرق مقطوعة الى أورشليم بسبب السلب والأقتتال الدائر هناك . رحلتهما الى جورجيا ومنها الى أورشليم ليسلكا طريقاً سهلاً وآمناً ، لكن لنسأل ونقول ، لماذا أتجهوا نحو الشمال ومنها نحو الشرق لزيارة أورشليم . فهل أخطأ النساخ بأستنساخهم كلمة جورجيا ؟ أم ليس المقصود جورجيا الحالية ؟ ولماذا لم يقتدوا طريق غرب بغداد الى الأراضي المقدسة كما فعل المجوس في زيارتهما للرب المولود ، أم هذا الطريق كان مغلقاً ؟

قرروا العودة الى الجاثاليق لأنهم قالوا إن الفرصة غير مناسبة بسبب أحداث الطرق لزيارة أورشليم . ففرح الجاثاليق مار دنحا بعودتهما كثيراً .

سنواصل في كتابة سيرتهما في مقالات لاحقة .

المصدر

كتاب تاريخ مار ياهبالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما

 

36
بداية العلاقة بين كنيسة المشرق و بابا روما عام 1288

بقلم / وردا أسحاق قلّو
وندزور – كندا


http://www.m5zn.com/newuploads/2018/11/10/jpg//m5zn_93df6c902dfcbc4.jpg
الكنيسة التي أسسها يسوع هي كنيسة واحدة موحدة في الجسد والروح ، ولها رب واحد هو رأسها ، وأيمان واحد ، ومعمودية واحدة ( أف 4:4-5 ) وبهذا تعترف كل الكنائس التي تتلو قانون الأيمان النيقي . الشيطان وحده هو عدو الكنيسة ، وهو الذي يحرك بعض الرؤساء وكبار اللاهوتيين بزرع الهرطقات في عقولهم من أجل تقسيم كنيسة الرب . أما الرب يسوع فأسسها واحدة ، ويريد أن تحافظ على وحدتها ، فطلب من الله الآب بأن يحفظ جميع المؤمنين به في كيانٍ واحد موحد ، فقال ( لا أدعو لهم وحدهم بل أدعوا أيضاً للذين يؤمنون بي عن كلامهم فليكونوا جميعهم واحداً كما أنك فيّ ، يا أبتِ ، وأنا فيك فليكونوا هم أيضاً فينا ليؤمن العالم بأنك أنت أرسلتني ) " يو 17: 20-21 " . فالكنيسة يجب أن تكون واحدة ، لأنها جسد واحد ، ورأس هذا الجسد هو الرب يسوع وحده ( طالع أف5 ) .
علينا الآن أن نبحث عن وحدة كنيسة المشرق المنشطرة إلى عدة كنائس وبطريركيات ، وعقائد . وعن السبل الكفيلة لوحدتها مع بعضها أولاً ، ومع كنيسة روما  ثانياً .
http://www.m5zn.com/newuploads/2018/11/10/jpg//m5zn_df19701c7c9e89c.jpg
نقرأ في تاريخ كنيستنا المشرقية بأن أول أتصال بين الكنيستين ( كنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية في روما ) كان قبل زيارة البطريرك مار يوحنا سولاقا الى روما مع بعض رجال الأكليروس الذين عارضوا سياسة توريث كرسي البطركية في كنيسة المشرق في بلاد النهرين ، والذي تولى كرسي البطريركية في فترة ما بين ( 1553-1555) وأختيل في العمادية بسبب معارضيه الذين أنشق من كنيستهم ليصبح أول شهيد في كنيسة المشرق الكاثوليكية .
فمتى كان أول أتصال بين الكنيستين الشرقية والغربية ؟ كانت كنيسة المشرق مستقلة عن باقي الكنائس الواقعة الى الغرب من بلاد النهرين ، وخاصة عن كنيسة روما البعيدة ، وذلك لموقعها الجغرافي والسياسي ، لأن بلاد ما بين النهرين التي كان فيها كرسي البطريرك الذي كان يقود كل كنائس بلدان المشرق وصولاً الى الصين . كان يحكم أرض بلاد النهرين وبلاد فارس سياسياً منذ بداية المسيحية حكومة الأمبراطورية الفارسية التي كانت تعادي الأمبراطورية الرومانية ، فكانت حدود بلاد النهرين الغربية الحد الفاصل بين الأمبراطوريتين ، فالسلطات الفارسية كانت تعتبر كل علاقة بين الكنيستين تعاون مع الطرف المعادي . وبعد مجيء الأسلام أستمرت العلاقات المقطوعة الى زمن الجاثاليق مار يابالاها في زمن هولاكو وعائلته ، فبدأ بأرسال أول مبعوث الى بابا روما في أيفاد خاص من قبل الملك المغولي أرغون الذي أراد تحرير الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين لصالحه ولمصلحة المسيحيين الذي كان يسندهم في فترة ولايته . البطريرك مار يابالاها القادم من بلاد الصين والمرسوم بطريرك على كرسي كنيسة المشرق في بلاد النهرين أنتهز تلك الفرصة التاريخية الثمينة لكي يقترب من الكرسي البابوي ومن ثم توحيد الكنيستين . أختيرالأب الراهب برصوما صديق البطريرك القادم معه من الصين وأصلهم من مدينة بكين  . أستجاب الراهب برصوما لهذا الطلب ، وقال : أنا مشتاق جداً لمثل هذه المهمة وراغبها . فكتب الملك أرغون رسائل ووصايا ومراسيم أمبراطورية للملوك الغرب والى بابا روما . أضافة إلى رسائل البطريرك ما يابالاها الى البابا .
وصل الراهب برصوما الى روما في سنة وفاة البابا هونوريوس الرابع الذي توفي في 3 نيسان 1287 م ، فأخذ صوما يتجول مع الوفد المرافق له في بلدان أوربا لمقابلة ملوكها مع تزويدهم بالرسائل التي ارسلت لهم من قبل الملك أرغون ملك المغول ومن الجاثاليق مار يابالاها ، فأستقبلوه في روما أثنا عشر كاردينالاً وسألوه عن بلاده وعن الغاية من زيارته ، وعن الرسل الذين بشروا بلاده بالمسيحية ، وعلى مذهبه . بعد الأجابة طلبوا منه بأن يعرض لهم صورة عن أيمانه ومعتقده ، فقال لهم : ( أؤمن بإله واحد غير منظور ، أزلي ، لا بداية له ولا نهاية ، الآب والأبن والروح القدس . ثلاثة أقانيم متساوية وغير منفصلة ، لا يوجد بينهم من هو الأقدم ولا الآخر . لا طفل ولا شيخ . وهم في طبيعة واحدة وجوهر واحد ، ، بثلاثة أقانيم ، الآب الوالد ، أبن مولود ، وروح منبثق . وفي ملء الزمان . واحد من الأقانيم الثالوث الأقدس ، الأبن ، لبس أنساناً كاملاً ، يسوع المسيح أبن مريم البتول القديسة ، وأتحد به فأصبح شخصاً واحداً ، وبه خلص العالمين بلاهوته الأزلي من الآب ، وفي ناسوته الزمني ولد من مريم . إتحاد لا ينفصل ولا يتجزأ مدى الدهور . إتحاد غير ممزوج ولا مخلوط ولا مركب . وإن هذا الإبن المتحد هو إله كامل ، وإنسان كامل بطبيعتين وإقنومين ، شخص واحد ) .
بعدها جرت محاورة بينهما عن الأيمان فلم يقتنعوا بكل أجاباته لأنه لم يكن يعرف بما ورد في بعض المجامع المسكونية بدقة ، لكنهم أحترموه لفصاحة كلامه . في شباط من سنة 1288م أنتخب البابا نيقولا الرابع على كرسي مار بطرس فأرسل مطراناً وجمعاً غفيراً لأستقبال الربان صوما القادم من البلدان الأوربية بعد زيارته لها مع الوفد المرافق له . بعد أيام أذن له البابا بأقامة ذبيحة ألهية ليشاهد كيف تكرس الأسرار المقدسة لدى كنيسة المشرق . فلما رأوا ذلك أغتبطوا وقالوا : أن اللغة فقط هي المختلفة ، أما الطقوس فهي واحدة ، وكان ذلك اليوم الأحد السادس بعد الصوم الكبير . وبعد ذلك أعترف عند قداسة البابا ، وتناول القربان من يد البابا نيقولا الرابع ، ونال مغفرة الخطايا . أرسل قداسة البابا نيقولا الرابع هدايا كثيرة إلى البطريرك مار يابالاها منها التاج والخاتم وبدلة القداس وغيرها .
بعد هذه الزيارة استمر تبادل الرسائل بين البابا ومار يابالاها ، كما أرسل البابا عدداً من الرهبان الفرنسيكان ولأول مرة الى كنيسة المشرق لتبدأ العلاقات بين الكنيستين نحو الوحدة ، حيث بدأت تلك الوفود البابوية تثقف الأكليروس في كنيسة المشرق التي سمعت روما بوجوها مؤخراً ، فبدأت ثمار روحية تكبر وتنمو . وهكذا استمرت المراسلات في زمن البابا اللاحق مار بندكتس الحادي عشر التي حملها له الأخ يعقوب الدومنيكي سنة 1304م . وهذا جزء من نص رسالة البطريرك مار يابالاها الى قداسة البابا :
بأسم الأب والأبن والروح القدس
الى الأب الأقدس مار بندكتس

من يابالاها الغريب القادم من بلاد بعيدة ، الذي بنعمة ربنا يسوع المسيح أختير ليكون جاثليقاً وبطريركاً للمشرق كله ، راجياً قداستكم منحنا بركاتكم ومحبتكم ، وينحني أمامكم بسلام متواضع بمراحم ربنا يسوع المسيح.
الى الأب الممتلىء قداسة ، والصالح المملوء من الهبات الروحانية ، الى وكيل ربنا يسوع المسيح ورئيس الديانة المسيحية ، والجالس على كرسي الطوباوي بطرس الرسول راعينا ورئيسنا . الى أب الآباء ، الى ملك الملوك الفائق القداسة ، البابا بندكتس ، الذي ألبسه الله بدلة القداسة والوقار والهيبة ليحفظ الله بصلواتكم ، من الأضرار والضيقات والأضطهاد جميع الذين اقتبلوا رمز الصليب وسموا به بين أعينهم . تعلم قداستكم بأن الراهب المؤمن والقديس يعقوب من جمعية القديس عبدالأحد ، سدد الله خطاه في الطريق التي اختارها ، وليثبته فيها ، قد اتانا وأعلمنا بأن الله الكلي القدرة ، الذي وهب قداستكم أعانه الله وحفظه ، النعمة التي هي أكبر من كل النعم والتي هي الكرسي الأول والعرش الرسولي ، أي أب عام لكل المطارين الذي درجته البابوية هي فوق كل الدرجات التي في الكنيسة الرسولية الكاثوليكية . هذا هو أيماننا بيسوع ربنا ، إذ نؤمن بأنه إله كامل وإنسان كامل بشخص واحد . كامل بالآب وكامل بوالدته ، نؤمن بأن مريم أمنا هي قديسة بتول حبلت وولدت إلهنا وربنا يسوع المسيح الأنسان الكامل والمتحد بإله كامل .... إلخ .

وكانت العلاقات في عهد مار يابالاها بين الكنيستين اللاتينية والنسطورية وكأنها واحدة . وفي تلك الرسائل يعترف البطريرك بسلطة البابا ، والبابا بسلطة الجاثاليق . وهكذا بيَّنَ البطريرك النسطوري عن رغبته في الوحدة وبكل صراحة . كما أرسل رسالة أخرى الى البابا بندكتس عام 1304 م عثر عليها الكاردينال تيسران في خزانة ( أرشيف ) الفاتيكان وفيها يوافق مار يابالاها الثالث على مقترحات الأتحاد بين الكنيستين ويبرز فيها قانون أيمانه الكاثوليكي ، وقد أملأه عليه من دون ريب يعقوب ده آرلس سود تيش رئيس دير مراغا ، مع ذلك يعترف البطريرك وبصراحة بضعف سلطته على أساقفته ليجتذبهم الى الأتحاد ، رغم جهوده ، يرفض النساطرة في أغلبيتها الأنضمام الى الكنيسة الكاثوليكية ، وهذا ما يحصل اليوم أيضاً ، بأن المشكلة ليست في البطريرك ، بل في الأساقفة المعارضين لهذه الوحدة . 
أعمال المجمع الذي عقده مار طيمثاوس الثاني الذي خلف مار يابالاها في عام 1318م تشجب المجمع جميع الأتصالات التي جرت بين الكنيستين . وهكذا أسدل الستار للأسف الشديد على كل ما تم أنجازه نتيجة تلك الأتصالات والتي كان يأمل بها مار يابالاها التقرب من روما وتوحيد الكنيستين  فقطعت العلاقة من قبل البطريرك مار طيمثاوس الثاني وأنقطعت المراسلات وكل الأتصالات فاجهضت كل تلك المحاولات التي كان يأمل به سلفه التقرب من كنيسة روما من أجل توحيد كنيسة الرب يسوع . والى زمن مجىء البطريرك مار يوحنا سولاقا الذي تحدى المعارضين لكي يوحد كنيسة المشرق مع كنيسة روما ونال أكليل الشهادة بسبب تلك الوحدة  .
 كما حاول البطريرك مار نخا الرابع لتوحيد الجزء الباقي من كنيسة المشرق مع الكنيسة الكاثوليكية في عهد بطريرك الكنيسة الكلدانية مار روفائيل بيداويد فقابل بابا روما وتم الأتفاق على معظم البنود الرئيسة لكن أيضاً أجهض ذلك الأتفاق من قبل معارضين من تلك الكنيسة رغم رغبة بطريركهم في تلك الفترة للوحدة قائلاً بأن المسيح يريد ان تكون كنيسته واحدة. أما في زمن البطريرك مار لويس ساكو الذي حاول منذ أول سنة لجلوسه على كرسي البطريركية الكلدانية بأن يكون موضوع توحيد كنيسة المشرق في مقدمة أعماله فذهب الى الجاثاليق مار دنخا الرابع مع وفد من المطارنة الى شيكاغو لتنشيط تلك العلاقة التي بدأوا بها من أجل وحدة الكنيسة وحتى وإن كلفته تلك الوحدة النزول من عرش البطريركية ، لكن للأسف طلب منه توحيد القومية أولاً ، وهذا الشرط لاعلاقة له بالأيمان ، علماً في كنيسة المشرق الآشورية مؤمنين من قوميات أخرى كالهنود . أجل هذا ما طرحه أحد مطارنة مار دنخا . وهكذا كان مار يابالاها أيضاً يعاني من بعض أساقفته ، فقد أعترف بكل صراحة بضعف سلطته على أساقفته ليجتذبهم الى الأتحاد رغم جهوده . وتبين لاحقاً بأن أحد معارضيه كان خلفه مار طيمثاوس الثاني .
وهذه الأيام أيضاً بدأ الحديث ومحاولات التقارب بين الكنيستين الشقيقيتين الكلدانية والآشورية بتجديد المحاولات من أجل كنيسة مشرقية واحدة أولاً ومن ثم توحيدها مع كنيسة الغرب . فنقرأ هذه الأيام عن تجديد البطريرك مار لويس ساكو لمحاولة التقارب والوحدة التي باتت ضرورية للحفاظ على كياننا اليوم ، فاستغل مناسبة ذكرى ال ( 700 ) لوفاة اللاهوتي المشرقي الكبير ( عبديشوع الصوباوي النصيبيني ) لكي يدفع عجلة الوحدة نحو الأمام مع كل أطياف كنيسة المشرق . للمزيد طالع هذا الرابط.

http://saint-adday.com/?p=26604&fbclid=IwAR2Rm4wfmIo6nin-VXDC9gopHIDNEG5mVse_hTCFJQ59wOqjZ01oxYX0bxY
كذلك الجاثليق مار كيوركيس صليو الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بدوره زار قداسة البابا فرنسيس في الفاتيكان وألتقيا يوم الجمعة 9 تشرين الثاني 2018 على مائدة واحدة في القصر الرسولي في الفاتيكان ، وأشار إلى عمل اللجان المشتركة بين الطرفين من أجل التخطي نحو الوحدة ،  وسبق وأن ألتقيا قبل عامين أيضاً . للمزيد طالع الرابط التالي
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913052.0


نطلب بصلواتنا المرفوعة كل عام من أجل الوحدة ، أن تتوحد كنيسة المشرق وكل الكنائس في العالم لتصبح كنيسة واحدة ، وهكذا يتم الفرح في السماء والأرض ويتمجد أسم الرب يسوع .
 
المصادر
1-   تاريخ كنيسة المشرق للأب د. يوسف حبي
2-   تاريخ كنيسة المشرق للأب ألبير ابونا
3-   تاريخ مار يابالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما . تعريب الشماس خيري فومية
4-   رسالة البطريرك مار ساكو التالية

http://saint-adday.com/?p=26604&fbclid=IwAR2Rm4wfmIo6nin-VXDC9gopHIDNEG5mVse_hTCFJQ59wOqjZ01oxYX0bxY
5-   لقاء قداسة البابا مار فرنسيس مع الجاثليق مار كيوركيس الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشورية .
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913052.0





37
الأفخارستيا تحقق الوحدة في أسرة المسيح

      بقلم / وردا أسحاق قلّو

الحياة في العالم الآخر ستعطي كل ما كان ينقص في الأنسان . أما في هذا العالم فلا يستطيع أي أنسان أن يحصل على كل ما يبتغيه في حياته الزمنية . بل على الناس أن يعملون معاً من أجل أنجاز ما هو أعظم كل وحسب أختصاصه ،  ومواهبه ، وقدراته . فالمطلوب من كل واحد أن يكون أميناً في أتمام دوره في العمل المناط له وهكذا يُكّمِل الجزء الكل بمحبة وحسب قول الرب ( فكونوا أنتم كاملين ، كما أن أباكم السماوي كامل ) " مت 48:5 " . وهذا يتم بالمحبة المتبادلة ، والتعاون المشترك مع الآخرين لكي يكتمل العمل . بالمحبة التي هي عطاء وأخذ . لأن الأنسان لا يكتمل في حدود ذاته . فالحب يدفع الأنسان إلى الأتصال مع الآخرين ، فمن خلال هذا النشاط المشترك للأمكانيات المحدودة لكل فرد يتكون جسداً واحداً مشتركاً ، إنه جسد المسيح السري الذي هو رأسه . وهو الذي يربط كل أجزاء الجسد في سر القربان المقدس خلال التناول المشترك من مائدة واحدة مقدسة ، أنه عربون السماء الذي يوّحِد الجميع وحدة جوهرية في الله . أي إنها ليست وحدة فرد واحد فقط مع الله ، بل وحدة الفرد مع الآخرين في الله . وهكذا يشعر الجميع بالفرح المتكامل معاً في أتحاد سري مع الله الذي قال ( فحيثما اجتمع أثنان او ثلاثة بأسمي ، كنت هناك بينهم ) " مت 20:18 " إذاً لا يخلص الأنشان معزل عن الآخرين ، لأن الخلاص يتم من خلال الكنيسة الجامعة للجميع . فوجود الجميع في الكنيسة يقربهم من الله في حبٍ مشترك ، فمن يحضر الذبيحة الإلهية ، عليه أن يشترك الآخرين في سلام ومصافحة وفرح . سلام مشترك يأتي من المذبح أولاً ، ومن ثم من المحيطين بالمؤمن . إنها الصلة المشتركة مع الآخرين . وهذه العلاقة الخاصة بتبادل السلام بين المؤمنين في القداس الألهي منذ القرون المسيحية الأولة واستمرت لحد اليوم والتي تدل على إنه ( لا لقاء مع الله إلا من خلال اللقاء بالأنسان ، مهما كانت طبقته المعيشية أو الثقافية ) . بعد أقتراب المؤمنين من بعضهم بهذه الطريقة ، بعد ذلك يستطيعون أن يقتربوا من الله فيتناولون الجسد المقدس بمحبة وأيمان , في القداس الألهي لا يوجد غريب بين المشتركين ، بل الجميع أخوة ، وأعضاء في جسد المسيح المشترك ، وهكذا يكتشف الحاضر في القداس أخوة جدد له تربطه معهم روابط الأسرة الواحدة ، وهي أسرة المسيح الجديدة . الأخوة والأخوات يشتركان مع الوالدين في الدم ، ويكَونونَ عائلة واحدة يعيشون تحت سقف واحد . كذلك أعطى المسيح دمه وجسده للمؤمنين به ليكَوِّن منهم أسرة جديدة كبيرة وهي أسرة أبناء الله ، لكي يصبح الجميع أشقاء . وبمفهوم أوسع ، المسيح حطم جدران الأسرة الواحدة المغلقة على ذاتها لكي يبني أسرة أبناء الله الشاملة في الأيمان والأنسانية ، وتجمعهم وليمة الرب في بيته المقدس  فكل من ينتمي إلى كنيسة الرب ويعمل بوصاياه يصبح له أماً وأخ وأخت ، وحسب قوله ( من أمي ومن أخوتي ؟ ثم أشار وبيده إلى تلاميذه وقال : هؤلاء هم أمي وأخوتي ) " مت 12: 48-49 " هكذا تخطى المسيح العلاقة الأسرية الضيقة ، وهكذا تخطى المنذورين كالكهنة والرهبان والراهبات حدود الأسرة العائلية لينتموا إلى عائلة كبير شاملة ، ليعيشوا أخوة وأخوات للجميع في مفهوم الأسرة الجديدة التي أشار إليها المسيح له المجد ( أنظروا أي محبة خصنا بها الآب لندعي أبناء الله وإننا نحن كذلك . إذا كان العالم لا يعرفنا فلأنه لم يعرفه ) " 1 يو 1:3 " . نشعر بتلك الوحدة أثناء المناولة بأننا قد ولدنا من جديد من دم جديد ، ومن فصيلةٍ جديدة . هكذا يجب أن نفهم هذه الوحدة من خلال عمق المحبة والتضحية في عمل الصليب والذي يحمله سر الأفخارستيا .
 ولألهنا كل المجد.
 

38
حوِّل ألمك الداخلي إلى ألمٍ محسوس

بقلم / وردا أسحاق قلو

وندزر – كندا


( المحبة تستر كثرة من الخطايا ) " 1بط 8:4 "

في حياة الأنسان آلام كثيرة بسبب ظلم الآخرين له ، ولظروف سياسية وأجتماعية ودينية وغيرها يفرض على طبقة من الناس الظلم أو الرفض والأستغلال ، فتسلب حقوقهم ، أو يجبرون إلى الهجر أو إلى غيرها من الأساليب . جميعها ستنتج معانات أليمة قد تكون داخلية تتأثر على الأنسان نفسياً وصحياً ، فلا أحد يشعر بها إلا المظلوم وحده ، فيعيش في واقع مرير وبصمت متحملاً صلبان خفية لوحده ليصبح ضحية أيمانه أو معتقده المرفوض في المجتمع . وتلك المعانات تصرخ في داخله فتشكل له جزءاً كبيراً من آلامٍ مدفونة . فالأنسان الذي يتحمل مثل هذه الآلام يستطيع أن يشترك آلام الآخرين المضطهدين مثله في آلام الأنسانية والناتج من المفارقة بين طبقات المجتمع لأسباب كثيرة عندما يفرض القوي قوته على الضعيف فتبرز المعانات فيشعر المظلوم بالوحدة كالسجين ، أو أنه هو المظلوم الوحيد ، فتطفوا عنده مشاعر الأنتقام ليصبح تعيساً أنطوائياً وأسيراً لتلك الأفكار . في مثل هذه الظروف يجب على الأنسان أن يتحمل أولاً لكي يخف من سطوة الظلم ، ولكي يستطيع أن يدرس ظروف الآخرين فيصل إلى الحقيقة بعد أن يتأكد بأنه ليس وحده المظلوم ، بل هو جزء من آلم المجتمع بأسره ، أو من جزء كبير منه . عليه أن يتحمل ويغفر ويصلي من أجل المضطهدين للمجتمع ، لأن الصلاة هي مفتاح قلب الله الذي يصغي إلى الأنسان ، وبالصلاة يستطيع المؤمنون أن يسيطروا على مصير وسياسة العالم ، وعلى قرار الله الذي جاء بتلك السلطات الظالمة لكي تسلط على ذلك المجتمع ، والمرتبة من قبله ، فليس من حق الأنسان إذاً أن يقاومها ، لأن المقاوم لها ستجلب العقاب على نفسه  ( طالع رو 13: 1 – 20 ) . فالحل الأمثل هو الصلاة والمغفرة وتحمل ثقل تلك الصلبان وكما فعل المسيح على الصليب ، قائلاً ( أغفر لهم يا أبتي لأنهم  لا يعلمون ماذا يفعلون ) " لو 23: 34 " . وهكذا شارك المسيح آلامه التي عاشها في يومه الأخير مع آلام البشرية المضطهدة وشعر بها وتحملها ، فيجب على كل أنسان إذاً أن يشعر بظلم الآخرين ويتضامن بكل محبة مع المنبوذ ، والسجين ، والمشرد ، والجائع ... الخ ، هكذا سيحوِل الأنسان ألمه إلى قوة جديدة تجعله يعيش في مرحلة الرجاء وبتلك القوة سيعمل أعمالاً صالحة في تلك الظروف كزيارة المرضى ، ومساعدة الفقراء ، والتبشير بالكلمة للعطاشى إليها وغيرها ، وبهذه الأعمال سيتحول الألم الداخلي إلى ألم محسوس ومثمر يخدم الآخر ، أي يجب أن نعيش في الألم بدلاً من التفكير به وبأسبابه . فعندما نتحمل الألم الداخلي ، فسيتحول إلى عمل مفرح يقوم به المتألم بحريته وسيتأثر على المجتمع القاسي لكي يعود به إلى أصله ، إلى محبة الجميع ، ففضيلة المحبة تتحمل كل شىء ، والذي يعيش فيها سيسلم مصيره لله وحده بشكل كامل فيسير إلى الأمام حاملاً صليبه بفرح ، فيعيش في صراع التحدي مع الظلم بمقاومة الألم بالفرح ، هكذا ستتحول الآلام الداخلية إلى عمل ملموس في المجتمع ويأتي بنتائج مرجوة بمشيئة الله ، بهذه الطريقة ايضاً نربط آلامنا العميقة بأعمالنا المحسوسة التي ترضي الله والمجتمع ، هكذا نختبر محبتنا الحقيقية لله على أرض الواقع المرير ، وهكذا نربط محبتنا بمحبة الله  بسبب محبتنا للقريب فنتمم وصيته ( أحبب قريبك كنفسك ) .

ولآلهنا المحب السجود والتسبيح   


39
تجسد الله الكلمة في المادة

بقلم / وردا أسحاق قلّو
وندزر – كندا


 ( وأما ما أقترن بالرب ، فصار وأياه روحاً واحدة ) " 1 قور17:6"                                     

نبدأ أولاً بقراءة تاريخ الكون لنلتمس منه وجود الله في عمق المادة التي خلقها بكلمةٍ منه . فمتى بدأ تجسد الله في الخليقة ؟
نستطيع أن نقول بأن التجسد بدأ من الذرة الأولى التي خلقها الله . ففي الأنفجار الكوني العظيم بدأت الخطوة الأولى في التجسد ، لأن الله كان يعمل في ذلك التكوين ويخلقه بكلمةٍ منه ، والكلمة هو المسيح الموجود منذ البداية  وكما نفهمه من أول آية من أنجيل يوحنا ، وكذلك دوَّنَ لنا في الآية الأولى  من رسالته الأولى ( ذاك الذّي كانَ منذ البدء ، ذاكَ الّذي سَمعناه ، ذاكَ الّذي رأيناهُ بِعينَينا ، ذاكَ الّذي لمسته يَدانا مِن كلمةِ الحَياة )
وكذلك نقرأ في أول آية أيضاً من سفر التكوين ( في البدءِ خلق الله السموات والأرض ) ، فلا يمكن أن ندرك عملية تطور الخليقة إلا بموجب هذا الوجود الفعال الذي جعل المخلوقات تتطور . كان لله حضوراً في كل شىء ، كما علينا التركيز على ( الكلمة) ووجوده في عملية الخلق ، أنه المسيح الذي نؤمن به بأنه الأول والآخر . كان حياً وسيزل ، والكون كان يحمل وجوده منذ البدء ، أي كان حاضراً منذ بدء العالم . وبعد أن خلق الله الأنسان ظهر له في جنة عدن فزار آدم ساعة نسيم المساء " تك 3:2" كما ظهر الله الكلمة مع ضيقين غامضَين زاروا أبراهيم وشاركوه في الطعام على مدخل الخيمة " تك 18:8" وكذلك تجسد في هيئة ملاك لكي يقاتل يعقوب الذي حاربه بقوة وفرض عليه يعقوب شروطه لكي يباركه " تك 32" إنه شرك النار ، حيث السحابة المعتمة أو المضيئة التي كانت تصاحب الشعب العبري في رحلاته ، كان رمزاً للتجسد وحضور الله بينهم " خر 21:13" وكذلك تجسد لموسى في صورة عليقة مشتعلة . في كل هذه الحالات كان الرب يظهر بنفسه ، ويختفي في الوقت نفسه ، وهكذا كان يتجسد بحضوره في خيمة المعبد التي كانت ترمز إلى بيت الله .
وفي هيكل سليمان عند أفتتاحه ظهر كسحابةٍ ملأ المكان كله ، لأن الله لا تسعه المعابد والبيوت ( فأنه هل يسكن الله حقاً على الأرض ؟ إن السموات وسموات السموات لا تسعك ، فكيف يسعك هذا البيت الذي بنيته ؟ ) " 1مل 28:8 " فالرب يقول ( السماء عرشي والأرض موطيء قدمي ، فأي بيت تشيدون لي ؟ ) " أش 1:66" . وهكذا كان وجود الله الكلمة في تابوت العهد رمزاً ، والتابوت كان رمزاً للعذراء التي حملت الكلمة في أحشائها ، بل حملت أول قربانة حقيقية لمدة تسعة أشهر . مريم كانت بيت القربان ، وفيها تجسد الكلمة تجسداً حقيقياً ، ومنها أخذ له جسداً بشرياً فبدأ تجسد الله لكي يظهر بين الناس ويعلمهم طريق الملكوت فتقدس العالم به . كما أراد الله أن يتجسد بثالوثه على جبل التجلي أمام تلاميذه ليعرفوه على حقيقته قبل أن يقدم الكلمة ذاته ذبيحة مرضية لله الآب على الصليب . قبل موته أراد أن يقدم جسده ودمه لتلاميذه في العلية على شكل خبز وخمر ، لأنه لا يمكن أن يعطي جسده الحقيقي ودمه الحقيقي لكل الأجيال ، فمَثَل الجسد بالخبز ، والدم بالخمر . وهذا  يعني حرفياً تحول الجوهر ، أو بتعبير آخر ، الخبز والنبيذ اللذَين ليسا إلا طعاماً مادياً أصبحا على أثر تقديسه لها عاملين لوجوده الحقيقي ، أي حدث تحول للجوهر فتحول من جوهرِ إلى جوهر . وهكذا يحدث عندما يرد الكاهن في القداس الإلهي نفس الكلمات على الخبز والخمر لكي يهبط عليها الروح القدس فيحولها إلى جسد ودم المسيح وليس إلى رمزهما .
نعم المادة تبقى كما هي في بنائها الذري والجزئي إذا ما تم تحليلها مختبرياً بعد التقديس . أي الخبز سيبقى خبزاً ، والخمر كذلك . من الناحية الطبيعية والكيمياوية . أما الجوهر فإنه يقف في مستوى آخر والذي يختص بمظهر هذه الحقيقة غير المادي . قبل التقديس لم يكن للخبز والخمر إلا طعاماً عادياً ، لكن بعد التقديس تغيّرَت بحسب غاية المسيح وبكلمات الكاهن إلى الجوهر ، إلى جسد المسيح نفسه ودعامة حضوره الحقيقي . هنا كل شىء يتم على مستوى الحواس .. والنية .. ومن هنا نفهم نحن المؤمنين معنى الوجود الحقيقي للرب المتجسد في القربان فلا نتجرأ بتدنيس ذلك الخبز أو الخمر عمداً لأننا نعلم بأننا سنصيب المسيح نفسه في الصميم لكوننا نعلم بأن الرب حاضر في الأفخارستيا حضوراً حقيقياً . وهذا ما نسميه منهج الأيمان بالحضور الحقيقي للمسيح في الأفخارستيا . كذلك يهين الرب الذي يتناول جسده ودمه بدون أستحقاق ، أو لكونه لا يرى فيه جسد الرب المتجسد وكما يقول الرسول ( فمن أكل خبز الرب أو شرب كأسه ولم يكن أهلاً لهما فقد جنى على جسد الرب ودمِه ) " 1 قور 27:11 " كذلك طالع الآية "29 " .
 من يأكل جسد المسيح ويشرب من دمه يشترك في آلوهته وحسب الآية ( من أكل جسدي وشرب دمي ثبت فيّ وثبتُّ فيه ) " يو 56:6" وهكذا يحصل الأنسان إلى مرتبة الآلوهية ، فالقربان هو ثمرة الحياة عكس ثمرة شجرة معرفة الخير والشر التي أوقع المجرب الأبوين بها بقوله ، إن أكلتم من ثمارها ستصبحون آلهة . علماً بأن الشجرة الأولى كانت ترمز إلى الشجرة الثانية أي المسيح ، وبالمسيح نشترك في الآلوهة  الحيقية .
الأفخارستيا نعمة إلهية مجانية في متناول كل مؤمن يريد ، والجميع مدعويين إلى تلك الوليمة وبدون مقابل  فالمسيحية في سر الأفخارستيا هي فوق كل المعتقدات لأن المسيحية هي الدين الوحيد الذي يسعى إلى تأليه الأنسان لكي يصبح سامياً ومتواضعاً ومحباً للجميع ، وهكذا تجمع المسيحية بين القمة الشاهقة والتواضع العميق ، لهذا قال الرسول بطرس في رسالته الثانية " 4:1 " ( أثمن المواعيد وأعظمها ، لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية في أبتعادكم عما في الدنيا من فساد الشهوة )  . ليس بقدرتنا ، بل بمحبة الآب لخاصته لكي يدعو أبناء الله ( طالع 1يو 1:3 ) فعلاً من يتناول القربان بأستحقاق سيصبح أبن الله ، فعلينا أن نُقَدِّر هذه النعمة السماوية ونشعر بها عندما نتقدم من سر الأفخارستيا .
ولربنا المتجسد بيننا كل المجد . 


40
 

من هو يسوع المسيح ؟
الجزء الثاني : يسوع المسيح هو "ألأعلان الكامل لله ".

بقلم / نافع البرواري

مقدمة

ما يقوله الملحدون عن الديانات بانها ظلالات وخرافات وليست حقيقة وعندهم العلم والعقل هو الحقيقة قد يكون سؤال منطقي عندما يدعي كل دين من مجموع مالا يقل عن 24 ديانة رئيسية في العالم كلٌّ يعتقد بان دينه هو الحق بينما الدين الآخر ظلال.

يقول  رافي زكريا :

" لقد سافرتُ عبر أرجاء العالم . بحثتُ عن كل شيء عن الديانات الهندوسية والبوذية ...الخ ولم اجد ما يُرضي ذهني وقلبي وأعمق اشتياقات نفسي كما يسوع . فهو ليس مجرَّد الطريق والحق والحياة ، لكنه شخصي بالنسبة لي .إنَّه طريقي ، وحقي ، وحياتي – تماما كما يمكن أن يكون لأيِّ انسان يصل اليه ...إنّه ليس بعيدا عن أيّ منا ".(1)

أمّا فيليب يانسي في كتابه المشهور "يسوع الذي لم أكن أعرفه " يقول:

"عدد الكتب التي كُتبت عن يسوع في العشرين سنة ألأخيرة ، فوجد أنّها تفوق ما كُتب في التسعة عشر قرنا الماضية . وشعرت أنَّ التعليق المذكور في نهاية انجيل يوحنا حقيقي إذ قال :" وأشياء اخر كثيرة

صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتبوبة "يوحنا 21: 25 "

كان يسوع انسانا يهوديا من الجليل له اسم وعائلة ، انسان مثل اي انسان آخر . إلاّ أنَّه –من ناحية أخرى – كان شخصا مختلفا عن أيِّ شخص آخر عاش قبله على وجه ألأرض.(2)

أمّا سي . أس . لوس يقول في كتابه "الله ألأنسان ألألم ":

"هناك رجل (يسوع) ولد بين  اليهود يزعم انه معطي" القانون الاخلاقي ", هذا الزعم صادم للغاية - انها مفارقة بل انه رعب , ان هناك وجهتي نظر فقط يمكن بهما التفكير في هذا الرجل , فهو اما انه كان مجنونا من نوع مكروه بطريقه غير عاديه يهذي , او انه كان و هو بالفعل , بالتحديد ما قاله عن نفسه ..لا يوجد شيئ في المنتصف ... فاذا كانت السجلات تجعل الفرضية الاولى غير مقبوله , فلابد لك من ان تخضع للفرضية الثانية ...و اذا فعلت ذلك فان كل شيئ اخر يزعمه المسيحيون يصبح ذا مصداقيه ...ان هذا الرجل رغم انه قُتل إلا انه حي , و ان موته بطريقه ما غير مفهومه للفكر البشري وقد احدث تغيرا حقيقيا في علاقتنا بذلك الرب "الرهيب" و "البار " و هذا التغير لصالحنا".(3)

المسيحية والديانات ألأخرى

في مناظرة بين ريتشارد دوكنز ، عالم الأحياء الملحد المشهور، و جون لينكس عالم الرياضيات المسيحي المؤمن :   

سأل ريتشارد دوكنز العالم جون لينكس :

كيف تفسر نقآط آلتشآبه بين آلآديآن ولمآذآ تظن آن آلمسيحية متفوقة على غيرهآ وهي آقدر على آلبقآء ؟

فأجاب جون لينكس : " اعتقد حين ننظر حول آلعآلم نجد آبعآد مختلفة لدى كل دين , و آحد آهمهآ هو آلبعد الآخلآقي و كمآ هو متفق بين آلكثير , ستجد منظومآت آخلآقية مشتركة .. .وأنتَ ( وهنآ يوجه كلآمه إلى ريتشآرد دوكينز )  ذكرت هذآ في كتآبك وهو إتفآق آخلآقي بين آلنآس دينين آو لآ دينين بآلنسبة لي , آلتفسير هو آن كل إنسآن يعتبر كآئناً آخلآقياً مصنوعاً على صورة الله ،
لذآ حين آنظر حول آلعآلم, سآتوقع من آلمؤمنين و غير آلمؤمنين آن يكون لديهم حس آخلآقي متشآبه على هذآ آلمستوى ولكنك ستلآحظ آلفرق بينهم في آسآس آلعلآقة مع الله و آلآختلآف آن بعض الآديآن ترى آعتمآد آلعلآقة مع آلخآلق مبنية على الآكتسآب آلبشري بينمآ آلمسيحية تقول عكس هذآ , و هو آن آلعلآقة مع الله تآتي من آلوثوق بآلمسيح , لمآ قدمه خلآل صلبه وبعثه
و هذه نعمة وليست إكتسآباً...... و آجآب مكملآ على آلشق آلثآني حول آلمميز على آلمسيحية و قدرتهآ على آلبقآء بعكس آلديآنات الآخرى 
 آعتقد آن آلسؤال بآلنسبة لي
هل آلمسيحية على حق آم لآ ؟
و آلمسيح آنه إدعى طريق آلحق و آلحيآة و لآ آعلم هل هذآ حقيقة آم خرآفة محضة ولكني مقتنع بصحته فلمآذا ؟ يجيب فيقول:

"لو آخذنآ آلآديآن آلتوحيدية آلثلآث و موقفهآ تجآه آلمسيح .. فتجد آحد الآديآن يؤمن آنه مآت ولم يرفع و الآخر يؤمن آنه لم يمت ..و آلمسيحية تؤمن آنه مآت ثم بعث وآعتقد يمكن فحص هذآ من خلآل آلتآريخ . وآلنقطة آلثآنية و آلآهم يبدو لي آن آلمسيحية لآ تتنآفس مع آلآديآن الآخرى .. لآن رأي مآ يعرضه علي آلمسيح في آلكتآب آلمقدس لآ يعرضه دين آخر ,, فأغلب الآديآن تعرض علي منهجاً آخلآقيآ لآتبعه و قد يكون هذآ ممتآزاً لكن مآ تقدمه آلمسيحية هو تشخيص مبدع يرفضه آلبعض و هو آني آجد نفسي عآجزاً مفككاً عن الآلتزآم بمقآيسي ثم آجد آيضآ آن آلعلآقة مع آلله انقطعت و آن هنآك حآجة للإصلآح وللغفرآن و آجد في موت آلمسيح و بعثه مرجعية منآسبة للغفرآن .. ويمكنني آن آكون متيقناً من علآقتي مع الله و لآ أجد هذآ في أي دين آخر ,, قد آجد آخلآقاً حميدة ومآ شآبههآ و آعتقد بوجوب آحترآم أتبآع الآديآن الآخرى .. ومآ ذكرته هو آلفرق الآسآسي بين آلمسيحية والآديآن الآخرى ".(4)

لقد أعطى بوذا تلاميذه تصريحا أن ينسوه طالما كانوا يحترمون تعاليمه ويتّتبعوها . وقال أفلاطون شيئا مماثلا لسقراط . أمّا يسوع فقد أشار الى نفسه ، وقال "أنا الطريق "...كيف يحدث أنَّ هذا الجليلي الذي له أُسرى ووطن يتعبّدون له على أنّه "اله حق من اله حق ". ألأمر بسيط : إقرأ الأناجيل وخاصة انجيل يوحنا . لقد قبل يسوع تعبُّد بطرس وتوبته بعد أن خانه. قال للمقعد وللمرأة الزانية وكثيرين ، قال لهم بكل سلطان: مغفورة لك خطاياك ". وقال لأورشليم :"ارسلتُ لكم حكماء وأنبياء ومعلمين "!!! كما لم يكن هو واحدا منهم ، ولكنه هو الله محرك التاريخ وصانعه . إنَّ تصريحات يسوع الجريئة عن نفسه تمثل المشكلة الرئيسية في كل التاريخ . وهي النقطة التي تفصل بين المسيحيين وألأديان ألأخرى . وبالرغم من أنَّ المسلمين واليهود يحترمون المسيح كمعلم ونبي عظيم ، فلا يمكن لمسلم أن يتخيَّل أن محمدا يدّعي انه يهوة . وبالمثل فإنَّ الهندوس يؤمنوا بالتجسُّد ، ولكن ليس في تجسُّد المسيح ، في حين أنَّ البوذيين ليس لهم ايّ مقولة تدَّعي أنَّ الله اصبح انسانا "(5

كيف يختلف يسوع عن غيره من القادة الدينيين أوالفلاسفة أو المصلحين؟

يقول رافي زكريا :

"استطاع موسى أن يتأمل في الناموس ، وأستطاع محمّد أن يُشهر السيف وأستطاع بوذا أن يقدّم المشورة الشخصية ، وأستطاع كونفوشيوس أن يعرض ألأقوال الحكيمة ، لكن أنَّ من هؤلاء لم يكن مؤهلا لتقديم كفّارة عن خطايا العالم ...المسيح وحده يستحق التكريس والعبادة بلاحدود .....المسيح هو الطريق والحق والحياة لأنَّه  أجاب على أسئلة الأنسان الأساسية 1- ألأصل 2- المعنى 3- ألأخلاق 4- المعايير . فهناك إجابات على خلاف إجابات أيّة ديانة اخرى ... لم يتكلم إنسان قط مثل يسوع ، ولم يجب إنسان قط على ألأسئلة كما أجاب هو، لأفتراضنا فقط ، بل شخصيا أيضا ، وجوديا يمكننا التأكُّد من ذلك ، وتجريبيا يمكننا التأكُّد من ذلك ....ليس كُلِّ دين هو على حق ، فقد يكون فيه لمحات من الحق ....ويسوع أوضح ألأمر أنَّ الحقائق ألأبدية عن الله يمكن أن تعرف يسوع مركز ألأنجيل –ففيه جاء كُلّ الحق مُعلنا- ...يسوع لم يأتي  الى هذا العالم ليجعل ألأشرار أخيارا بل جاء ليجعل الموتى أحياء "في البدء كان الكلمة ....ورأينا مجده  كما لوحيد من ألآب مملوء نعمة وحق ".(6)

أمّا مايكل نوفاك كتب يقول :" كُلِّ من أرسطو وأفلاطون إعتقدا أنَّ مُعظم البشر بالطبيعة عبيد ومناسبين فقط للعبودية ، ومعظمهم ليست لهم طبيعة تستحق الحريّة . اليونانيّون إستخدموا "الكرامة" لمجرّد القلّة لا لكُلّ البشر . وعلى النقيض أصرَّت المسيحية أنَّ كُلِّ إنسان محبوب من قبل الخالق ومخلوق على صورة الخالق ، ومحدّد له الصداقة ألأبديّة وألأشتراك معهُ...ألأفكار الحضارية للحرية ، والضمير ، والحق ، التي يمكن اسناده الى المسيحية .....وبدون ألأساسات المسيحية الموضوعية لنا في العصور الوسطى والقرن السادس عشر ، لصارت حياتنا ألأقتصادية والسياسية معا لا أكثر فقرا فحسب ، بل أيضا أكثر وحشية .(7)

أمّا ألأب تيار دي شاردن في كتابه العلم والمسيح كتب يقول :
" المسيح ليس مؤسس حركة دينية أو مبشّرا برسالة معيّنة ، بل هو الرسالة نفسها التي جاء من أجل إعلانها . والمسيحي ليس ذلك الأنسان الذي يعتنق عقيدة معيّنة أو يمارس خلقيّة مميزة ، بل هو الذي يتحد بالمسيح كليا ويصبح وإيّاه واحدا . فأن يكون ألأنسان مسيحيا فذلك يعني "أن يكون في المسيح " كما يقول القديس بولس . وهذا ما لانراه في الديانات الأخرى . فبوذا ومحمد هما مؤسسان لتيّارين دينيين مهمّين  يدعوان الى الخلاص حسب . فأن تكون بوذيا فهذا يعني ان تقبل بفلسفة بوذا وتتبع تعاليمه . وأن تكون محمدّيا فهذا يعني أيضا أن تقبل بالقرآن كتابا مقدسا وان تعمل بتعاليمه .... إنَّ المسيح التاريخي قد أعلن عن عودته في آخرألأزمنة . من هنا فإنَّ المسيحية توجه المسيحيين الى المستقبل وليس الى الماضي . إنّها تُعلِّمهم أن يعيشوا في الرجاء وعيونهم متّجهة الى المسيح المنتصر والعائد في آخر ألأزمنة لأنّه  مُكّمل التاريخ ومحقّقه ...إنَّ عودة المسيح المُظفَّرة يجب أن تُهيّء بتحقيق جسده السري لأنَّ المسيح الكلي يضمُّ الرأس والأعضاء كما يقول أغوسطينوس . فالعالم كُلُّه هو كمال المسيح الذي فيه يُفتدى كل ما في السماء والأرض ، ويوضع تحت سلطة قائد واحد هو المسيح (مسيح الكون ) الذي يوحّده الى ألأبد . وهذا ما لا نجده لا في البوذية ولا في ألأسلام ولا في أيّة  ديانة أخرى ..إن شريعة الخليقة المسيحية تُختصر بمحبة الله ومحبة القريب . فالمسيحي لايكتفي بأن لايضر قريبه وحسب هذا  ما نسمّيه بالمحبة السلبية، بل عليه أن يصنع الخير والسلام ويضع السعادة في قلب ألأنسانية جمعاء ، وهذا ما نسميه بالمحبة الأيجابية . ولقد تأثرت الهندوسية والبوذية والأسلام بهذه المحبّة ألأيجابية (اي بما جاءت به المسيحية ) الفاعلة ..فالمسيحية هي تكتمل وتكلِّل ، طبيعيَّا ، مسيرة الخلق كُلّها ...هذا الأنسجام بين المسيحية والتطور الذي يُشكِّل القاعدة ألأساسية لأكتشاف الحقيقة ...فأمام عظمة الواقع الذي يتكشّف لجيلنا ، يرى البعض (من غير المؤمنين ) يبتعدون عن المسيح لأنّهم كوَّنوا صورة عنه هي أصغر جدا من صورة العالم . وأمّا ألآخرون (كثير من المؤمنين ) وهم أعمق ثقافة ، فإنهم يشعرون بصراع مرير يتآكلهم حتى الموت . فمن سيكون ألأكبر أمامهم ، والذي تحقُّ له العبادة ؟ المسيح أم الكون ؟ .إنَّ الكون ينمو باطراد لذلك يجب حتما ، أن يكون المسيح رسميا ، وبكل وضوح ، فوق كُلِّ قياس . ولكي يبدأ غير المؤمنين ويبقى المؤمنون في ايمانهم يجب علينا ان نرفع ، أمام جميع البشر ، صورة المسيح الكوني".

ويضيف ، في مكان آخر فيقول :
إنَّ مسيح الوحي ليس سوى ألأوميغا . وبصفته ألأوميغا يبدو سهل المنال وواجب الوجود في كُلِّ شيء . وبما أنّه اخيرا ألأوميغا فعليه أن يسيطر على الكون ويروحنه بواسطة مجاهدات تجسّده ".ص 87

فالمسيح قبل كلِّ شيء قد تحسَّسة بنفسه القلب البشري الفرد ، هذا القلب الذي هو مصدر هنائنا وعذابنا . ولكن في صميمه ، لانجد انسانا فردا ، بل ألأنسان ،- وليس فقط ألأنسان ألكامل ، بل ألأنسان المثالي ،- ألأنسان الشامل الذي كان يجمع في إعماق ضميره الناس جميعا .وعلى هذا ألأساس كان عليه أن يمر بتجربة كونية (التجسد) ...إنَّ المسيح في تجربة الموت الفردي على نفسه ، وبموته ، بقدسيَّة موت العالم ، قد غيّر وجهات نظرنا ومخاوفنا . فهو قد قهر الموت وأعطاه ، طبيعا ، قيمة تبدُّل . ومع المسيح ، دخل العالم في صميم الله .

وهكذا قام المسيح من بين ألأموات..إنَّها حدث كوني هائل ،إنّها علامة تملُّك المسيح الفعلي لوظائفه كمركز كوني .يشعُّ على الكون كُلّهُ كوعي ونشاط ... وهكذا ترامى نحو السماوات العلى بعد أن لامس أعمق أعماق الأرض ..لقد نزل وصعد ليملأ كل شيء(افسس 4،10).  (8)

أنَّ أيّاً من الأشخاص، سواء انبياء العهد القديم او بوذا او زرادشت او محمد او كونفيشوس ،  لـم يدّع بأنه اللـه، لكن يسوع قال ذلك عن نفسه. وهذا ما يميّزه عن غيره من القادة الدينيين.
لـم يمض وقت طويل حتى بدأ الذين عرفوا يسوع يدركون أنه كان يقول أشياء مذهلة عن نفسه. واصبح من الواضح ان اقواله عن نفسه تجعله اكثر من مجرد نبي ومعلـم. لـم يكن هنالك شك في أنه يدّعي الألوهية. كما قدّم نفسه على أنه الطريق الوحيد لإقامة علاقة مع اللـه والمصدر الوحيد للغفران، والطريق الوحيد للخلاص.

ان اعمال يسوع وأقواله عندما كان على الارض تساعدنا على التعرف إليه جيدا.‏ كما اننا من خلال يسوع يمكننا التعرف الى الله  بشكل افضل.‏ لماذا؟‏ لأنَّ ألأبن (يسوع)  هو صورة ابيه . قال يسوع لأحد تلاميذه:‏ "مَن رآني فقد رأى الآب ايضا".

يقول الرسول يوحنا الحبيب عن المسيح  "كان الكلمة الله"(يوحنا 1  :1 ). و "الكلمة صار جسدا"(يوحنا 1 :14). وتبين لنا الآيات أن الله تجسد. عندما قال التلميذ توما للمسيح "ربي والهي" في (يوحنا 28:20)، لم يقم يسوع بانتهاره أو تصحيح ما قاله. ونجد أيضا أن الرسول بولس يصفه في (تيطس 13:2) "الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح". ويكرر الرسول بطرس الشيء ذاته بقوله ".... الله ومخلصنا يسوع المسيح" (بطرس الثانية 1:1).(9)

يقول احد الاباء القديسيين

" لو جردنا المسيح عن العهد الجديد فلا عهد جديد ،اي لن يكون للأنجيل معنى . ولو جردنا ألأنجيل عن المسيح فلا يوجد مسيح  . بينما الديانات أذا جردنا مؤسس الديانة عن تعاليم تلك الديانة ، فالديانة باقية

يقول المسيح عن نفسه فتشوا الكتب يوحنا 5:39" . (10)

تميل كتب اللاهت لتعريف الله بتعريفات خاطئة مثل : "الذي لايموت ، الذي لانراه ، غير المحدود "

يقول فيليب يانسي

الله ليس صامتا فالكلمة (يسوع) تحدَّث ليس من عاصفة  ولكن من حنجرة انسانية لفلسطيني يهودي . وفي شخص المسيح وضع الله على طاولة التشريح ممدودا للصلب لكي يُعيد ألأمل لكل من يشك عبر الأجيال بمن فيهم أنا ".

"ان التناقض الواضح بين  العمق والدهاء في تعاليم المسيح ألأخلاقية والأفراط في جنون العظمة التي لابد وانها هي التي كانت وراء كل تعاليمه اللأهوتية ما لم يكن هو الله حقا . انّ الأنسان الذي يقول "انا الطريق والحق والحياة" لن يكون معلما عظيما للأخلاق فحسب . فهو إمّا أن يكون مجنونا أو شيطانا . وعليك أن تختار ، امّا أن هذا الرجل هو أبن الله ، والاّ فانه يكون رجلا مجنونا أو أسوأ  من ذلك".(11)

يقول سي .اس لويس:  و في كتابه “المسيحية المجرّدة”

 : “البعض يقبل المسيح معلماً وداعية أخلاقياً ويرفضه إلهاً. هذا جهل وعدم فهم للمسيح. أي إنسان مهما كانت قدرته لا يستطيع أن يقول ما قاله المسيح عن نفسه. نحن أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن يكون هو ابن الله حقاً أو يكون رجلاً مختل العقل أو أسوء من ذلك. إما أن ترفضه وتدير وجهك عنه أو ترتمي تحت قدميه قائلاً: ربي وإلهي. لا يمكن أن تتظاهر باحترامه وتكريمه وقبوله على أنه معلم أخلاقي. هذه مغالطة كبيرة ".(12)

فكما كتب الكاتب سي أس لويس، أن الايمان بأن يسوع المسيح كمجرد معلم صالح هو ليس اختيار وارد. اذ أعلن يسوع المسيح بنفسه وبكل وضوح وجهارة بأنه الله. ان لم يكن هو الله، اذن فهو كاذب وان كان كاذبا فهو لا يصلح أن يكون نبيا أو معلم أوحتى رجل صالح.

وهو نفس السؤال الذي طرحه يسوع المسيح على تلاميذه عندما سالهم   ماذا يقول الناس عني؟ "وانتم من تظنون أنّي أنا ".(13)

جاري كولنز- أُستاذ علم النفس لمدة 20 عاما ، ومؤلف 45 كتابا متعلقا بعلم النفس – قال إنَّ يسوع لم يُبيّن مشاعر غير مناسبة ، بل كان  متصلا بالواقع ، وكان لامعا ذات أفكار مدهشة في الطبيعة وألأنسانية ، وقد تمتّع بعلاقات مستمرة  عميقة . واستنتج كولنز : "لا أرى علامات أنّ يسوع كان يعاني من أي مرض عقلي معروف ". وبالأضافة الى ذلك ، فقد دعم يسوع تأكيده بأنّه الله من خلال ألأعمال ألأعجازية (الخارقة للطبيعة) للشفاء ، وألأظهارات المدهشة لسلطانه على الطبيعة ، والتعليم الذي لايُنافس ، والفهم الألهي للبشر ، وقيامته التي كانت الدليل الجوهري لألوهيَّته ".

العهد الجديد يؤكِّد بشكل خاص أنَّ يسوع قد امتلك أساسا كُلِّ مؤهلات ألألوهية ، بما فيها كُلّية المعرفة ، وكلية الوجود ، وكُلّية القدرة ، والخلود، والثبات

بالرجوع الى أكثر التقاليد المبكرة ، ألآمنة بلا شك من التطور الأسطوري ، كان "بن ويزنجتون الثالث " مؤلف كتا ب

The Christology of Jesus

 قادرا أن يوضّح أن يسوع كان لديه وعي بالذات سام وفائق . وبناء على الدليل قال ويزنجتون : "هل آمن يسوع أنّه كان ابن الله ، مسيح الله ؟ وألأجابة نعم . هل رأى نفسه بإعتباره المسيا ألأخير ؟ نعم ، هذه هي الطريقة التي رأى بها نفسه .هل آمن أن أي إنسان أقل شأنا من الله يمكنه خلاص العالم ؟ لا ، لستُ أؤمن بذلك".(14)

يتسائل فيليب يانسي  قائلا :"كيف أنّ هذا النجار البسيط الذي عاش ثلاثين سنة في قرية بسيطة نائية ولم تتجاوز رسالته ثلاث سنوات ... كيف انّ هذا ألأنسان الحافي القدمين الذي لم يملك قصورا ولا جيوشا ولا قدرة ولا سلطة الا تلك القدرة الفوقية التي كانت تملئه وتملاْ كل من يسمعه ويتبعه .........وتلك السلطة الروحية التي جعلته يطئ تحت قدميه قوى الشر والجحيم ويجذب الى ذاته الشعوب والجماهير ...من ضعفاء وأقوياء وكبار وصغار ...وبسطاء وعلماء؟.

المتشككون يقولون انه كان رجل عظيم ومصلح اجتماعي اتى بمبادئ انسانية راقية ورجل غير التاريخ والمجتمعات بكاملها ولازالت تعاليمه مصدرا من مصادر التشريعات والقوانين الدولية وحقوق الأنسان ولكن ان يكون هو الله فهذا ليس حقيقته .

          أناس في عهد المسيح  عند سؤالهم فبعضهم قال أنه يوحنا المعمدان أو اليا أو واحد من الأنبياء القدامى عاد ثانية إلى الحياة. لوقا 9: 19

المسيح يسأل " ماذا عنك أنت من تظن أني أنا ؟ " لوقا 9 : 20

السؤال  للذين لايعترفون بيسوع المسيح كونه هو الله وخالق  هذا الكون :
قولوا لنا أيِّ إله لاتؤمنون به ، من المحتمل أننا ايضا لانؤمن به ؟".(15)

لمعرفة هوية المسيح هل هو الله المُتجسِّد ، كما يعتقد المسيحييون ، علينا ان نرجع الى المصادر .

النبواة عن المسيح حياته  واقواله وأعماله  وكيف اثرت في العالم كله ،

والذي أصبح   محور الجنس البشري ، لا بل هو مركز الكون .والذي غيّر مفهوم  العالم  عن الله .

وهذا ما سوف نبحثه في المقالات التالية تابعونا .

ملاحظة : المقال للكاتب نافع البرواري ، كلفني بنشره ، مع التحية

41
 

التنجيم والعرافة والبعد الرابع وعالم الأرواح

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر – كندا

( فلا تسمعوا أنتم لأنبيائكم وعرافيكم وحالميكم وعائفيكم وسحرتكم …  لأنهم إنما يتنبأون لكم بالكذب.. ) ” أر 27: 9-10″
لجأ الإنسان منذ العصور القديمة بسبب خوفه من الطبيعة والمستقبل إلى البحث عن وسائل يلجأ إليها لكي تحميه ، فظن بأن الكواكب والنجوم تسيطر على حياته ومصيره ، لهذا كانت غاية بناء برج بابل هي للوصول إلى تلك الآلهة وعبادتها ، وبهذا نقض الأنسان العهد والميثاق الذي أبرمه الله معه ، فبلبل الرب الإله ألسنتهم فتشتتوا في الأرض . بلغ أهتمام البابليين بالأفلاك إلى درجة التأليه ، فكان عطارد يسمى بإله تيبو ، وجوبيتر الإله مردوخ ، وزُحل إله نابو ( الملك البابلي نابولاسر مؤسس سلالة بابل الحديثة سمى أسم أبنه الأكبر ” نبوخذنصر ” وتفسيره هو ” أيها الإله نابوأحمي أبني ” ) .

 سبب رد الله على االبابليين في الفصل (11) من سفر التكوين  لأنهم ضلوا وعبدوا الأفلاك السماوية . كذلك الفراعنة راقبوا النجم سيريوس لتحديد المواسم الزراعية وفترات طوفان النيل ولأسباب دينية . كما أهتم الصينيين بالتنجيم لنفس الأهداف فنظموا لها الطقوس للعبادة وكانت العرافة أرثاً متناقلاً من جيل إلى جيل في خدمة البلاط الملكي  وكذلك في بلاد النهرين ومصر كان للعراف شأن كبير لأنه يؤخذ بنصائحه وأرشاداته  في الحرب ، فكان لفرعون ونبوخذنصر سحرة وعرافين ، وعند الأغريق كان النبي غالباً كاهنة أو نبية تجلس في أحد معابد الآلهة وتحمل رسالة النصح والأرشاد والتنبؤ بالغيب إلى من يتردد أليها ، فأزدهرت وتطورت العرافة في بلاط الملوك ككاهن البراهمن الذي كان خبيراً في علم الرموز والظواهر ومستشاراً لدى الملك والحاشية الملكية هكذا تمت ممارسة السحر والتنجيم وعبادة الكواكب من قبل الأمم الوثنية .  كذلك لجأ الأنسان إلى التغيير حباً للبحث عن معتقد جديد ووسائل جديدة تغنيه عن معتقداته السابقة ، وكما فعل الشعب العبراني في صحراء سيناء ، بعد صعود موسى إلى الجبل لملاقاة الله ، أجبروا هارون لسبك عجل من الذهب لعبادته بدلاً من الله الذي أخرجهم من أرض مصر بيد قوية ، كما لجأ بعض ملوك أسرائيل لعبادة الكواكب والنجوم كالملك منسى ( طالع 2 أخ 33: 2-13 ) فشيّد في بيت الرب مذابح ولجأ إلى السحرة والعرافات وأصحاب الجان وارتكب الشر والفحشاء مما أثار غضب الرب عليه فأذله ، لكنه تاب وأعترف بأن الرب لا سواه هو الله . كذلك أبنه آمون الذي سار في طريق أبيه ولم يتب فمات قتيلاً ( 2 أخ 33: 21-24 ) . كما مات قتيلاً شاول الملك الذي عصا الوصايا الإلهية وأستشار عرافة ( 1صم 28 ) .

واليوم لجأ إلى الألحاد والعولمة بدلاً عن المعتقدات الموروثة .

 لماذا كان الإنسان القديم يلجأ إلى العرافين والمنجمين ؟

 الجواب : للأعتقاد السائد آنذاك بأن الإله يحتل جسد نبي ويتفوه بفمه فيسمى ذلك النبي  بالهاتف الإلهي
السحر- مصدره –  غايته – أنواعه
ما هو السحر : السحر هو محاولة من البشر للتأثير على مجريات حياتهم وحياة الآخرين أو على الأحداث بشكل عام بطرق تعتمد على تدخل الأرواح الشريرة . فالأتكال على تلك الأرواح أو عبادة آلهة أخرى هو أقتراف خطيئة الزنى .
فمفهوم الزنى في الكتاب المقدس له ترجمتين وهي

Fornication & Adultery

فالكلمة الأولى تستخدم للزنى بين رجل وإمرأة غير متزوجين . أما الثانية فتستخدم فقط للزنى الذي يحدث بين المتزوجين ، والأثنان هو زنى جسدي ، أما الزنى الآخر فهو زنى روحي وذلك عندما يعطي الشخص ذاته لعبادة إله آخر غير الله ، لذلك نجد في حزقيال ” 23 ” يقول ( زنت يهوذا وزنت إسرائيل ) ” ويعني عبدت إلهاً آخر . فالآية تقول ( النفس التي تعطي نفسها للجان ، والشيطان ، فالله يجعل وجهه ضد تلك النفس ) ” لا 6:20-7″ .
الطقوس والممارسات السحرية منتشرة في كل أصقاع العالم قديماً وحديثاً ، ليس عند الشعوب الفقيرة فحسب ، بل حتى المتحضرة منها ، والغاية من السحر هي الوصول إلى هدف أو السيطرة وأخضاع الطبيعة أو الخصم . يتم السحر بممارسة طقوس غامضة وشعائر لها علاقة بقوى شيطانية . وغاية الشيطان منها هو أخضاع أكبر عدد من البشر لسلطته وأبعادهم عن خط الأيمان ، لهذا ندد الكتاب المقدس السحر في اسفار عديدة منها ( أح 27:20 و تث 18: 9-14 و حز 13: 8-9 و إر 14:14 وغيرها أضافة إلى العهد الجديد .
أنواع السحر:
1-    السحر الأسود : يهدف إلى التأثير على الأنسان وألحاق الأذى به وذلك بمساعدة قوة شيطانية . والسحرة أنفسهم يكونون ملبوسين بالسحر الأسود ويقترفون خطايا مميتة بسبب أيمانهم وأفعالهم . العهد القديم حرمها والقانون الروماني حارب ممارستها والكنيسة في العهد الجديد تحرم كل أنواع السحر وتنبذ كل أشكال العرافة واللجوء إلى الشيطان للحصول على قدرات فائقة الطبيعة تستخدم ضد القريب . فالأنسان الذي يلجأ إلى مداخلات شيطانية  ينكر الأيمان ويبتعد عن الله ، فمن الأفضل أن يلجأ إلى الكنيسة وإلى الطب والعلم لمعاجة الأمراض والحالات النفسية أو المشاكل الأجتماعية.
2-    السحر الأبيض : يستخدم للحصول على صحة أو لتأمين سعادة عن طريق ممارسة أعمال سحرية باللجوء إلى القوى والقدرات الخفية التي تعمل خارج قدرة الله وهي وليدة الشيطان ومخالفة لمبادىء الأيمان ومعطيات الله العادلة ، والتشكيك بعنايته لكل مؤمن . وحتى وأن قصد في هذا العمل توفير الصحة لشخص مريض ، حيث أنها مخالفة جسيمة وأهانة لفضيلة الأيمان ، فالكنيسة تحظركل الممارسات السحرية بما فيها التطيّر واللجوء إلى العرافة .

3- مناجاة الأرواح وتحضيرها : هي القيام بأستدعاء أرواح شيطانية بحجة تحضيرأرواح الموتى للدخول في تواصل معها ، ومن ميزات مناجاة الأرواح هناك الشخص المستحضر الذي يعمل بصورة مباشرة مع القوى الشريرة ، كما يستخدم معه وسيط كالطفل مثلاً يستدعي الأرواح بالممارسات الغيبية أو يقرأ للحضور ما تقوله له الأرواح أو يشاهده في المرآة . كل الأرواح التي تظهر في جلسات المنادات للأرواح تعزى إلى أرواح الشياطين . أستحضار الأرواح هو بديل الأيمان واللجوء إلى الله كما فعل الملك شاول الذي لم يسأل إلهه ، بل لجأ إلى عرافة لتحضر له أرواح الموتى ليسألها ، لهذا تعتبر الكنيسة هذه الأعمال خطيئة لأنها تنطوي مراراً على ممارسات عرافية أو نوع من السحر.
 أفلاطون تَعرَفَ على عرافين كُثراً يدخلون في حالة وساطية فتتغير أصواتهم وتتبدل معالمهم فيتنبؤون بأحداث مستقبلية . وتحدث فعلاً عن عراف أسمه ( أوربلكس ) كان يتكلم من بطنه ، وأكَدَ أن ما يتفوه به ناتج عن صوت لروح آخر يتكلم بواسطته .
أما موضوع استحضار الأرواح فما هو إلا إستحواذ شيطاني والتي يقسم عليها الكهنة من أجل الشفاء أو لغايات أخرى . فبنات الإله أبولون وزوس كن مستحوذات لهذا كانت أصواتهن تتغيّر وأجسادهن ترتجف وتنتفض مع حركات فجائية للرأس المخلوع إلى الوراء . وكانت أنفاسهن متوترة ، يلهثن منها ، وكل هذه الحالات ما هي إلا من المس الشيطاني أو حالات هستيريا . الأنسان الذي تسلطت عليه الأرواح يسمى ( بالممسوس ) أي به مس شيطاني ، لأن الأرواح الشريرة قد مسته فحولته عن الخط السوّي فيصبح مجنوناً . وكلمة مجنون أصلها من ( الجن ) أي أستحوذت عليه الجن .

 أما سلوك ذلك الأنسان فينسب إلى عوامل غيبية خارقة لأرواح خبيثة أتخذت من ذلك الأنسان مسكناً وأداة لها . لهذا كان يترك المجانين يهيمنون في البراري والأماكن المقفرة أو بين القبور كالمجنونان اللذان التقيا بالرب يسوع . كانت الأرواح الشريرة تستحوذ على الأنسان وما تزال ، لهذا فالأنجيل الذي يحتوي على الكثير من قصص طرد الشياطين والأرواح الشريرة يؤكد بأن تلك الأرواح لا تتمكن من أخضاع الأنسان وأنقياده إلا عندما يتنازل عن أيمانه أو بسبب خطاياه الكثيرة لهذا كان الرب يسوع ينذر الذين يشفيهم بأن لا يعودوا إلى الخطيئة . كما هناك من يسلمون أنفسهم طوعاً لتلك الأرواح بل يعبدونها ففي العالم اليوم الكثيرين من المنتسبين إلى عبادة الشيطان يقيمون الطقوس وأعمال سحرية مناقضة للعقل والعلم والأيمان
أسماء أشهر الكتب السحرية العربية

 

1-    شمس المعارف الكبرى :  كتاب يتعلق بالجن والسحر : كتبه الأمام أبي العباس أحمد بن علي البوني ، توفي عام 622ه  وهو من أكثر كتب السحر خطورة ، يقع الكتاب في أربع أجزاء بمجلد واحد و 600 صفحة .
2-    كتاب خواص الحروف والكواكب : نفس المؤلف
3-    السر المظروف في علم بسط الحروف : نفس المؤلف
4-    الأسماء الأدريسية : نفس المؤلف .
5-    الكشف في علم الحرف : نفس المؤلف
6-    اللمعة النورانية : نفس المؤلف
7- اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجن :يشمل هذا الكتاب على كثير من مهمات الفوائد الروحانية والعزائم والطلاسم وأبواب المحبة وحل المربوط ، وعلى خلخلة الهوى الكبرى الصحيحة المجربة .
8- الجواهر اللماعة : في أستحضار ملوك الجان في الوقت والساعة . تأليف الأستاذ الكبير الشيخ علي أبو حي الله المرزوقي .
9-    الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في السحر والطلاسم والنجوم .
. تأليف الشيخ محمد الكشناوي الغلاني ، المتوفي عام 1153. الكتاب يتحدث عن حركة الكواكب والأبراج ودرجات الفلك .
10- السحر الأحمر : عبدالفتاح السيد الطوخي
11- السحر العجيب في جلب الحبيب : نفس مؤلف السحر الأحمر وكُتُبه تسخر الجان لحل العقد والمشاكل كما يدعي المؤلف .
12- كتاب غايات الحكيم : المؤلف سهر بن بِشِر . يتطلع الكتاب إلى علم التنجيم والفلك والطالع ، ترجم إلى اللاتينية في القرن 12 وبعدها نقل الى اليونانية .
13- السحر الأسوَد : يقال بأنه كتاب فرعوني ، وجِدَ في مقبرة فرعونية باللغة العبرانية . كان لأحد الفراعنة الذي رماه في بئر جافة عندما علم بقرب وفاته لكن تم أكتشاف مكانه وأخراجه وأستخدامه لسنين طويلة إلى أن وصل إلى شخص غير معروف قام بترجمته إلى العربية ، ويقال أنه أقوى من كتاب شمس المعارف . يحتوي الكتاب على طلاسم ورموز وطقوس والتي تستدعي الأبليس وليس الجان كما الحال في باقي الكتب .

14- مفاتيح الكنوز في حل الطلاسم والرموز : المؤلف الشيخ محمود أبي المواهب الخلواني الحنفي . يركز هذا الكتاب على الطلاسم والرموز وتسخير قوى الماورائيات لخدمة البشر . يتضمن تعويذات للحظ الجيد أو ألحاق الأذى والضرر بالآخرين ، والكتاب متداول على نطاق واسع .
15- أصول علم الحرف وضوابط الآفاق : للحكيم سقراط .
الوسائل التي يستخدمها المنجمون والسحرة:
1- استخدام ورق اللعب : تستخدم أوراق اللعب لمعرفة الأحداث القريبة أو المستقبلية من خلال سحب أوراق اللعب ، وهذا النوع رائج جداً في أيامنا ، ظهرت في القرن الثاني عشر في الهند ، لها علاقة بالتنجيم وبتعاليم الخفائية ورموزها وقد تستخدم الشعوذة أحياناً بأساليب أو طقوس سحرية مدعية معرفة المستقبل .
   2- الضرب بالرمل : استخدم هذا النوع في بابل وآشور والهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوربا في العصور الوسطى  . تفرش الأرض بالرمل ويضع ضارب الرمل أمامه رقعة من الخشب أو ورق المقوّى أو الحجر ويسمى ( تختا ) حيث تجلس عليها الأرواح على حد زعمه . ضرب الرمل يعني فتح ( الأرض – الأم ) وهنا يكمن خطرها السحري ، لهذا هي من بين الممارسات التي  يحضرها الأيمان المسيحي .

   3- قراءة الكف : فن من الفنون السحرية لقراءة المستقبل وذلك بتفسير خطوط الكف الكثيرة ويميّز بينها ثلاثة خطوط رئيسية لها علاقة بالكواكب : هي خط القلب والرأس والحياة وخط النصيب وخط الأحساس . تختلف التوقعات بأختلاف أنحرافات هذه الخطوط وتتطلب هذه التقنية موهبة خاصة لا تكتسب بالممارسة ، بل تفترض أمتلاك الشخص لوساطة روحية تمكنه من قراءة هذه الخطوط التي لا تعني شيئاً في حد ذاتها وهنا يكمن الخطر الكبير من مبدأ القدرية أو الجبرية واليد اليسرى تنبىء بما هو مكتوب .
4- قراءة الفنجان : بدأت ممارسة هذه الوسيلة في القرن السابع عشر . خطرها لا يقل عن باقي الوسائل وبخاصةً عندما تستعين قارئة الفنجان بقواها الوسائطية فلا تعود هذه الوسيلة مجرد مضيعة للوقت أ بل تعاملاً غير مباشر مع الأرواح .
    5- ضرب المندل : يمارس هذا النوع من خلال التأمل بزجاجة مملوءة بالزيت أو الماء ، ويتم تبخيرها وتلاوة بعض الكلمات السحرية المبهمة لأجل أستحضار أرواح ( الجان ) كما يسمونها . هذه الوسيلة ، هي من وسائل التعامل المباشر مع الأرواح كما في الجلسات الأرواحية الأخرى .
   6- البندول الحساس :  قد يدخل عمله ضمن الخرافة إذا أدعى أكتشاف أحداث المستقبل للأنسان ، أو قراءة عمق الشخص وأكتشاف أسراره .
    7- الراديستازيا أو القنقنة : هي خاصيّة تكون في بعض الأشخاص تمكنهم من ألتقاط الإشعاعات المنطلقة من الأجسام . يستعمل عادةً للبحث عن المياه الجوفية والكنوز المخبأة وذلك بحمل قضيب من الخشب ، طرفه متشعب إلى فندين ، يمسك ويُترك الطرف أفقياً ، ومتى ما وجدت في جوف الأرض مياه ، ينحني طرف القضيب تلقائياً ليشير إليها . أستخدم البابليون الراديستازيا ، فاستعانوا بها لتحديد روزنامات فلكية فيها تحديد لأوضاع الكواكب عير المرئية ! كما عرفها أيضاً الفراعنة . تظهر رسوماتها على جدار الهياكل القديمة . اليوم ، يعرف بالقنقن النوّاس الذي يستعمل من قبل العرافين للبحث عن المفقودين فوق خريطة معينة ، أو لتشخيص الأمراض . يستعمل القنقن النواس فوق جسم المريض وحيث وجد المرض يتحرك النواس مشيراً إليه ، وفي الكتاب المقدس آية تدين هذه الممارسة ( طالع هوشع 4: 12-13) .

رأي الكنيسة بهذه الممارسات والأعتقادات وغيرها تناقض وصايا الله في الكتاب المقدس وخاصةً عندماتصبح نهجاً دائماً في حياة الأنسان لأن تلك الممارسات تبعده عن الثقة بالله وتدفعه إلى ترك الصلاة وممارسة الأسرار المقدسة فيصبح ضرباً من الخرافة .

رأي الكتاب المقدس في التنجيم والعرافة

( طوبى للأنسان الذي لا يتبع مشورة الأشرار ، ولا يقف في طريق الخاطئين .. )  مز1:1
التنجيم هو الأنحراف عن الأحساس الديني . تُعبّر عنه أعتقادات وممارسات غير عقلية أو غير منطقية يلجا إليها الأنسان الخائف من الخطر فيلجأ إلى العرافين والمنجمين . الأنسان الذي يلجأ إلى التنجيم فهو يسلم نفسه طوعاً إلى غير الله . فتصبح النجوم والكواكب آلهة له فيقتنع بأن لها سلطة عليه . فعليه أن يلتزم بالممارسات الوثنية وهي عبادة الكواكب فيلغي الله من حياته علماً بأن الله هو الذي خلق تلك الكواكب والنجوم ، فكيف يُترَك الخالق لِيعبَد المخلوق . الله خلق الكواكب لفصل النهار عن الليل ولتحديد الأزمنة والأوقات بما أن هذا الكون خاضع للزمان والمكان ( تك 14:1 و مز104: 19 ) . الله خلق الأنسان على صورته ومثاله وسَلَطهُ على الطبيعة والمخلوقات كلها ليخضعها ويقدمها ككاهن ذبيحة مُرضية تمجيداً لله العلي لأن حياته أفخارستية قربانية ، صلاة شكر وأتحاد دائم مع خالقه . لهذا حذر الله بإن لا يمارس الأنسان أعمال التنجيم أو يلجأ إلى عرافة ( أح 19 : 26 ، 31 ) و ( أح 20 : 6،27) . الأنسان المؤمن يجب أن يتحدى السحرة والعرافين والكتاب المقدس يشهد على قدرة الله العاملة في المؤمن والتي هي أكثر قوة من قدرات السحرة فمثلاً يوسف الصديق أنتصر على العرافين ( تك 41 ) وموسى على سحرة مصر ( خر 7: 10-13 ، 8: 1-3 ، 9: 8-12 ) قاوم الساحران المصريان ( ينس ويمبريس ) ( طالع تيمو 8:3 ) . أما دانيال فأفحم الحكماء الكلدانيين (دا 14:2 و 14 :5 ) وأثبت لنبوخذنصر بأن الله وحده يعرف الخفايا ، ( لا يستطيع ساحر أو حكيم أو مجوس أو منجم أن يطلع الملك على السر الذي الذي طلبه ، ولكن هناك إله في السماء يعلن الخفايا ) ” دا 27:2″ .  لهذه الأسباب أوصى الرب العبرانيين أن يهدموا مدن الأمميين عن بكرة أبيها وكل ما يمت بصلة إلى ممارستها حتى لا يتأثروا بها ( تث 20 : 16-18 ) في العهد الجديد أيضاً كان هناك سحرة معروفين كسيمون ( أع 8: 9 ) وباريشوع ( أع 13: 4-12) والعرافة في فيليبي ( أع 16: 16-18 ) كل هؤلاء وغيرهم تحَدوهم الرسل بآياتهم وقدراتهم وكشفوا للناس بأن السحرة والعرافين ووسائلهم هي من الأعمال الشيطانية الوثنية لا تتفق مع تعاليم الله ( قول 2: 8-9 ) .

قديسين كثيرين صمدوا بوجه الشياطين وتجاربهم وتهديداتهم المريعة التي كانت تداهمهم كالقديس أنطونيوس الكبير، وهناك آباء وأساقفة أختبروا وجود الشيطان ، كما أكد الروحيون مراراً أن الشيطان لا قدرة له علينا إن لم نتواطأ نحن معه ونسلمه زمام أمرنا ، أنه كالصفر لا قيمة لوحده ، أنه عدم مطلق لكن عندما تضع رقماً عن يساره فيصبح رقماً ، هكذا الشيطان عاجز حيالي إن لم أقدِم لمسعاه الخبيث فيضاعف أثرها المؤذي في حياتي وحياة من حولي .

يخصص أسقف الأبرشية كاهناً لطرد الأرواح الشريرة التي تدخل في الشخص أو في البيت ، ومن أسباب دخول تلك الأرواح النجسة هو كثرة الخطيئة المميتة أو بسبب السماح للسحرة والمتصلين بالأرواح الدخول إلى البيوت وطلب منهم تعاويذ شيطانية أو أسباب مشابهة . ويجب على كل كاهن أن يكون مهيئاً لمحاربة الأرواح الشريرة ، وطرد تلك الأرواح يتم بصلاة خاصة تسمى ( التغريم و التقسيم والتكريس ) يقوم بها الكاهن  عندما يتأكد بأن الشخص ممسوس فعلاً . يستخدم الكاهن في طرد تلك الأرواح ما يلي :

1-    الماء المقدس
2-    الزيت المقدس
3-    البخور
4-     شموع تشعل في البيت مع الصلاة
5-    صلوات التكريس التي هي درع البيت

الأرواح الشريرة تهاب من الأسرار المقدسة والمواد المستخدمة فيها كزيت الميرون وزيت مسحة المرضى المقدس والقربان المقدس .
الفرق بين علم الفلك والتنجيم

هناك فرق بين علم الفلك الفيزيائي والتنجيم ، فعلم الفلك يدرِس وضعية الأفلاك السماوية ، وتحركاتها ، وطبيعتها المادية بهدف وضع قوانين علمية لها . أما التنجيم أو ما يعرف بالأوروسكوب أو الأبراج فهو وسيلة من وسائل العرافة ، يحاول أن يعرف ويحدد تأثير حركة الكواكب والنجوم في الحياة الأرضية بهدف التنبؤ بالأحداث المستقبلية ، فهناك فرق شاسع بين علم الفلك والتنجيم . فالفلك هو علم دقيق يخضع لمنهج علمي واضح ضمن معايير علمية معترف بها هدفه دراسة الأفلاك والأجرام السماوية ولا يبحث أبداً عن تأثير تلك النجوم في الحياة الأرضية ، لذا نرى أن موقف علماء الفلك عموماً من المنجمين هو موقف عدائي ورافض ويدحضون ممارستهم التي يعتبرونها غير علمية ولا منطقية وإن أعتمدت على المنهج الأستدلالي الذي تعتمده بعض العلوم كالرياضيات مثلاً . إذا بحثنا في تاريخ العلوم سنجد أن غالبيتها كان لها أساسات أمتزجت بممارسات شعبية وأساطير وتطّير ومعتقدات لا علاقة لها بالعلم ، فمن الخيماء القديمة ولد علم الكيمياء . ومن التنجيم ولد علم الفلك مع الأشارة إلى أنه كان هناك زمن اختلطت فيه العلوم مع تلك الأساطير إلى أن تم الفصل بينها ، فعلم الفلك كان مرادفاً للتنجيم في القرون الوسطى فقد ظهرت في تلك الفترة أبحاث تنجيمية كثيرة ضلت الناس وأربكتهم مما استدعى تدخل السلطات الزمنية أولاً ثم الكنسية لأن التنجيم كان جزءاً لا يتجزأ من العلوم كالطب والزراعة والفلك وغيرها. وكان للمنجم مراكز في بلاط الملوك ولهم أدواراً كبيرة في أصدار القرار . عمدت الكنيسة مضطرة الى محاربتها فنالت عرضاً من بعض العلماء الجديين . وبعد أن تم الفصل بينهما عادت الأمور إلى نصابها وتوضحت مقاصد الكنيسة التي لم تعد تحارب العلماء ، بل شجعتهم وكما هو واضح  من الوثائق الصادرة من المجمع الفاتيكاني الثاني في دعم العلوم  . فأعتراض الكنيسة في تلك الحقبة للعالم غاليلو كان السبب ذاته ، أي الأختلاط بين العلم والتنجيم وكأنها واحد وذلك بسبب أستفحال هذه المشكلة .

البعد الرابع و عالم الارواح

     لأجل معرفة  البعد الرابع وما يحتويه من أسرار وتأثير على عالم المادة ،  وكذلك للغوص في أعماق عالم الأرواح وأنواعها ، فعلينا أولاً البحث في عالم  المادة لكي نلتمس الحوادث والخروقات ، وخاصة التي هي خارج سيطرة العلم  والمعرفة والطبيعة  ، ونبحث عن القدرات التي تتعامل معها أو تتحكم بها لكي  نستطيع الوصول الى عمق الموضوع لدراسته وفهمه والأستفادة منه .
 أننا  نعلم ونؤمن بأن الله هو الأله الواحد الفريد الخالق لكل شىء ، لهذا نضع هذه  الأفكار المزعجة أمام أنظارنا ونتأمل بها مستندين الى نور الكتاب المقدس  فيتضح لنا بأن الخليقة كلها بما يرى وما لا يرى تحتوي على ثلاث أرواح وهي
1- روح الله القدوس ( الروح القدس )   2- روح الأبليس 3 – روح الأنسان ( الأنسان الباطني )
تسمى هذه المجالات الروحية بالبعد الرابع . إذاً ما هي الأبعاد الأخرى ؟
قبل أن نتناول موضوع البعد الرابع علينا معرفة الأبعاد الأخرى ( الأول والثاني والثالث ) وبعدها ننتقل إلى البعد الرابع
   تعلمنا من علم الهندسة البعد الأول والذي هو أقصر مسافة مرسومة بين نقطتين ، أي الخط المستقيم
 أما  البعد الثاني فيتكون من أضافة عشرات أو مئات أو ألوف من الخطوط المرسومة  الى جانب الخط الأول لكي نحصل على شكلاً آخر وهو المستوي . البعد الأول دخل في البعد الثاني فصار من ضمنه وينتمي اليه ويخضع الى قوانينه  وسيطرته
وهكذا لو وضعنا عشرات أو مئات او ألوف او ملايين من المسطحات  على بعضها فسيكون لنا جسماً له حجم وهذا الشكل يسمى بالبعد الثالث الذي دخل  فيه البعد الثاني فيخضع له ويتحكم به البعد الثالث لأنه صار جزءاً منه .  ومن الأمثلة على البعد الثالث الحجر والسيارة والأنسان والكرة الأرضية  والكواكب السيارة والأجرام السماوية …الخ

 من سيتحكم على عالم المادة ( البعد الثالث ) ؟

الذي يتحكم على البعد الثالث ويسطر عليه هو البعد الرابع ، وكيف نفهم البعد الرابع من منظور الخيال العلمي ؟ تخيّلَ العالم ألبرت أنشتاين مؤلف النظرية النسبية الخاصة بأن الأبعاد الثلاثة المعروفة هي ليست ثلاثة أبعاد ، ولكنها أربعة بأضافة الزمن لها ، على أعتبار الزمن يعد موجود في الكون وإن لم نكن نشعر به ، وأعتبرت النظرية النسبية هذا البعد الذي من الممكن أن نشعر به ووضعه في الأعتبار بما غيَّرَ من القياسات التقليدية المتعارف عليها في الفيزياء . وتخيّلَ أنشتاين أن الزمن هو عامل محسوس في الأبعاد الثلاثة التي من الممكن تخيلها على أنها أبعاد رياضية . أضاف أنشتاين الزمن كأحداثي فيزيائي جديد للقيام بتلك المعادلات الرياضية التي من الممكن استخدامها في الحسابات الكونية في الفضاء الخارجي . فإذا كان البعد الرابع زماني فإننا نستطيع أن نتخيَّل الوضع كأنه سلسلة أو فلم ، فإن شكل الجسم في لحظة معينة قد يتغيَّر في اللحظة التي تليها ، وهذا البعد الذي تطرق أليه أنشتاين قد يكون البعد الرابع الذي نتحدث عنه بعداً مكانياً أي أن البعد الزمن يندمج مع الأبعاد المكانية ليشكل الزمكان .

في أوائل القرن العشرين أدرك عالم الرياضيات هيرمان منكوفسكي أن نظرية النسبية لأنشتاين وَصَفَت الكون بأربع أبعاد ، وكما يرى منكوفسكي أن البعد الزمني يندمج مع الأبعاد المكانية الثلاثة ليشكل الزمان والمكان ( الزمكان ) لهذا أسقط الزمن من الأعتبار .
وهناك أيضاً نظرية الأوتار التي تقول بأن المادة تتكون من ( 11 ) بُعد وهي ( س، ص، ،ع ، الزمان ، وسبعة أبعاد أخرى ) وهذه النظرية لا تزال قيد التطور ولم تثبت لحد الآن . كما تقول هذه النظرية بأن عالمنا المكون من ثلاث أبعاد متجاورة مع عوالم متشابهة أخرى وهو ما يكوّن البعد الرابع كما أن عالمنا ثلاثي الأبعاد ويتكون من عوالم لا نهائية ثلاثية الأبعاد . نقول وهل يمكن جمع الكواكب مع بعضها لتشكل بعداً رابعاً ، أم كل كوكب مستقل عن الآخر يشابهه لأنه ينتمي إلى عالم البعد الثالث ؟

أستحدث علم جديد يسمى ( باراسيكولوجي ) والذي يعني ( علم ما وراء علم النفس ) وهناك من يسميه بعلم ( القابليات الروحية ، أو الحاسة السادسة ، أو علم الخارقة ، أو علم النفس الموازي ) يبحث علمياً حالات إدراك عقلي أو تأثيرات على الأجسام الفيزيائية دون تماس مباشر معها لا يخضع للقواعد العلمية المعروفة . يتضمن دراسة ظاهرتي الأدراك وراء الأحساس والتحريك ( القدرات المفترضة لتحريك الأشياء عن طريق التركيز العقلي ) كما يبحث في علم الخوارق ، ويجاوب عن الأسئلة المحيرة حول المس الشيطاني . أسس أول مختبر لعلم النفس الموازي من قبل ج. ب. راين في أواخر العشرينات من القرن الماضي بجامعة ديوك بكارولاينا الأمريكية , يجب التفريق بينه وبين علم النفس طبقاً لمفاهيم فرويد لأن جمال علم النفس بعيد عن الباراسيكولوجي لأن علماء علم النفس لا يؤمنون بظواهر المس الشيطاني ، أو الجن أو البحث عن المجهول فيما وراء المادة في عالم الأرواح . إذا فشل هذا العلم أمام العلم الحقيقي ولا نستطيع بهذا العلم الوصول إلى حقيقة البعد الرابع  .
وهكذا لا نستطيع بالعلم أن نكتشف بعداً آخراً لأن كل ما يكتشفه العلم يعود الى عالم  المادة الذي هو البعد الثالث وقوانينه . علينا إذاً البحث عن الذي خلق هذه الأبعاد ويسيطر عليها ويحتويها لكي نستطيع الوصول الى البعد الآخر والذي نسميه  البعد الرابع . وهل هناك أبعاد أُخرى؟ الجواب هو : أن عقل الأنسان المحدود  لا يستطيع أن يستوعب أكثر من البعد الثالث ولا يستطيع أيضاً أن يصل الى  أعماق بعد الرابع لكي يفهم كل أسراره بما يمتلك الأنسان من قدرات عقلية محدودة تنتمي الى البعد الثالث فعليه اللجوء الى بعده الرابع الموجود في ذات الأنسان ( البعد الثالث ) لكي يكشف له هذا السر وهوالروح الأنسانية  ، والروح كما يقول لنا الكتاب المقدس يكشف لنا أسراراً في عمق الله ، وقد تكون هناك أبعاداً أخرى أعمق من البعد الرابع في الذات الألهية لا يدركها العقل الأنساني المنتمي إلى البعد الثالث .
لنلجأ إذاً إلى الكتاب المقدس ونقرأ الآية في أول سفر ” تك 2:1 ” ونتأمل بها
: ( … وكانت  الأرض خربة وخاوية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه ) .
 الأرض المغمورة تمثل البعد الثالث ، أما روح الله فهو البعد الرابع الذي كان يسيطر عليها ، ففي الّلغة اليونانية  القديمة التي هي لغة
الكتاب الأصلية  تفسر عبارة  روح الله يرف على وجه المياة التي كانت تغطي الأرض ، أي كان روح الله يحتضن لا وبل يحتوي  الأرض الخربة ( البعد الثالث ) هذا  بالنسبة الى الكرة الأرضية فقط . وهكذا كان يحتضن كل أجزاء البعد الثالث من  كواكب ومجرات أخرى في الكون كله . هذا الروح الألهي الذي خلق هذا الكون  ينتمي الى البعد الرابع ، وهو الذي يحتضن ويسيطر على عالم المادة ويخلق فيه  الخير والجمال أو الموت ، وأخيراً الزوال ( طالع 2 بط 3 ) . نعم هكذا كان روح الله الخالق يحتوي البعد الثالث للأرض ويسيطر عليه الى حين خلق الحياة  فيه والتي تنتمي الى البعد الثالث كالأنسان والحيوان والأشجار … الخ وحسب  قول الكتاب

( فخرج أمر جديد من آخر عتيق وأنبثق حياة من الموت وتكون جمال  من قبح وحل الغنى محل الدمار والخراب ).
   
 هكذا عرفنا أن البعد  الرابع هو الروح وهذا الروح الذي لا يرى ، علينا أن نؤمن به كما نؤمن بوجود الله ، والله لا يرى ، كذلك نؤمن بوجود الملائكة ، ووجود ارواح أخرى  وكلها لا ترى بعيوننا المجردة ، وهذا هو الفرق بين الأيمان والعيان .  الروح  يدخل في الإنسان أيضاً لأن كل إنسان هو كيان روحي كما هو كيان جسدي   ، فالإنسان يحتوي في كيانه على البعد الثالث والبعد الرابع  وأنه ليس مجرد  حيوان آخر ناطق ، بل يمتلك بداخله بعداً رابعاً له السلطان على البعد  الثالث ،  فعندما يستطيع الإنسان أن ينمي مجاله الروحي من خلال التركيز في  رؤيا أو حلم ما ، يستطيع عندئذ أن يسيطرعلى البعد الثالث أي عالم المادة  ويغيره ويمنح الجمال لكل قبيح والشفاء لكل مرض بالأرتقاء في الإيمان المطلوب  من كل مؤمن أن يطور فيه البعد الرابع لكي يستطيع الوصول الى الله أي علينا  أن لا نفكر في أجسادنا كيف تنمو وكيف تصح ، بل بالحري علينا أن نفكر في أرواحنا كيف تنمو وتلتصق بالله فنصارعه كما فعل يعقوب ، نصارعه بصوم وصلاة  منتصرة الى أن نأخذ منه البركة  والبر كابينا يعقوب .لهذا قال لنا الرب 
 : ( لا تفكر ماذا تأكل وماذا تشرب بل أطلب البر أولاً والباقي يزاد لكم ) 

 روح الأنسان المقيدة في الجسد ضعيفة فعليها أن تقترن بروح الله لكي تصبح قوية ومثمرةً . وحسب الآية ( وأما ما أقترن بالرب فقد صار وإياه روحاً واحداً .. ) ” 1 قور 17:6 “
وأن أشتركت روح  الأنسان مع الروح القدس ، سوف تستطيع أن تشترك الجسد معها ، وتقوده في  العمل الروحي فيسيطر على عالم المادة ، وقد يستطيع الروح أن يرفع الجسد الى الجو كما أرتفع يسوع أمام ألأنظار ، وكذلك قديسين كثيرين وهم في الحياة  وكما كان حصل مع القديسين الأيطاليين مار فرنسيس الأسيزي الذي أرتفع جسده عن الأرض وهو يصلي . كذلك الراهب الأب بادري دي بيو  ، هذه واقعة حصلت له وكما دونت في  كتاب “ القديس البادري بيو الكبوشي “:  في نهاية الحرب العالمية الثانية  قاد عميد القاعدة العسكرية الأمريكية سرباً من الطائرات ليقصف مستودعاً  للذخيرة الألمانية قرب سان جيوفاني روطوندو الأيطالية . لكن القائد فوجىء  برؤية راهب يرتفع من الأرض باسطاً ذراعيه فوق الهدف والمنطقة ، واذا بجهاز  الطائرات يتوقف ولا يلبي الأوامر لضرب الهدف . أغتاظ القائد بعد محاولات  فاشلة ، وقال من يكون هذا الراهب الذي يعرقل المهمة ؟ أبتعدت الطائرات عن  الهدف ورمت قاذفاتها في البحر . بعد فترة من الزمن سمع القائد الأمريكي عن  الراهب الكبوشي فأنطلق الى سان جيوفاني روطوندو لكي يتحقق الأمر . ما أن  دخل الى سكرستيا الكنيسة فشاهد بين الرجال وعدد من الرهبان البادري بيو  فعرفه على الفور فقال : ( هذا هو الذي شاهدته سائحاً في الجو ) لكن البادري  بيو دنى منه ووضع يده المكممة على كتفه وقال له : ( أذن ، أنت الذي كنت  تنوي أغتيالنا جميعاً ) فدهش القائد ، وتحرك قلبه عند نظرة ذلك الراهب .  كان الناس يرون ذلك الراهب في بلدان عديدة من أيطاليا وفرنسا وأميركا دون  أن يسافر الى تلك البلدان ويشتمون رائحة زكية تنبىء بحضوره . وهكذا قد  يغادر روح الأنسان الى عوالم أخرى لوحده فيسمى بالأنخطاف الروحي ، وهذا ما  يحدث لقديسين كثيرين فيشاهدون رؤى ويتحدثون بها أو يمتنعون من البوح ببعض  أسرارها .  قد يخطف الروح الجسد معه وهل يعلم ذلك الأنسان بنفسه ؟ هذا ما  حدّثَ للرسول بولس وحسب قوله

( أعرف رجلاً مؤمناً بالمسيح ، أختطف الى  السماء الثالثة منذ أربع عشرة سنة  أبجسده ؟ لا أعلم ، أم من دون جسده ؟  لا أعلم …. أختطف الى الفردوس ، وسمع كلمات لا تلفظ ولا يحل لأنسان أن  يذكرها ) ” 2 قور 12: 1-2 “

علينا أن نميّز بين الحالة التي كان فيها بولس  في هذا الحدث الذي أختطف فيه الى السماء ، وبين حدث طريق دمشق الذي تحدث  اليه القائم من بين الأموات وكل المكاشفات والأسرار التي حظي بها الرسول كانت بالروح الذي هو البعد الرابع.
 .
     هكذا نستطيع نحن المسيحيين بقوة الله أن نكشف كل  شيء بواسطة الروح الذي يكشف لنا كل شيء فنعمل أشياء كثيرة ونتحكم بها بقوة  الإيمان ، والأيمان ينتمي إلى البعد الرابع . قال يسوع 

( إذا كان لديكم إيمان بقدر حبة خردل تستطيعون أن تنقلوا الجبال ) .
أي بالبعد الرابع نسيطر على البعد الثالث وقوانينه ، كما علينا أن نعلم بأن
روح الأنسان + روح الله ، أقوى من ، روح الأنسان + روح الأبليس
روح  الأبليس أقوى من روح الأنسان لأنه الأبليس كان ملاكاً ، فعندما فقد طهارته بسبب سقوطه ، لم يفقد  طبيعته ، فلا تزال له الطبيعة الملائكية وطبيعة الملاك هي أقوى من البشر  وكما يقول يعبر الكتاب عن قوة الملائكة ( المقتدرين قوة ) فللأبليس قوة قوية أقوى من قوة الأنسان وصفها الرسول بطرس ، قائلاً
 ( أبليس خصمكم كأسد يزأر ، يجول ملتمساً من  يبتلعه هو.. ) ” 1 بط 8:5 “
يمكن الحصول على قدرات معجزية عندما تتحد روح الأنسان مع الأرواح الشريرة فتعمل معجرات ، لكنها لا تستطيع تحدي قدرات روح الأنسان عندما تتحد مع روح الله . فسحرة فرعون الذين كانوا يمثلون ( روح الأنسان + روح الأبليس ) تحداهم موسى لوحده الذي أتحدت روحه بروح الله الخالق  ، كما تحدى يوسف الصديق سحرة وعرافي فرعون في تفسير حلمه ، هكذا فعل أيضاً النبي دانيال الذي فسر حلم نبوخذنصر من دون كل سحرة والمنجمين البابليين . والبعد الرابع أستطاع الفتية الثلاثة أن يتحدوا البعد الثالث ( أتون نار ) الذي أعده ملك بابل لحرقهم لأن النار ( البعد الثالث ) لا تستطيع أحتواء البعد الرابع ، وهكذا بالنسبة إلى دانيال الذي ألقي في جب الأسود الجائعة فشلت في أبتلاع جسد دانيال الذي كان يعيش في البعد الرابع الأنساني + الألهي .

كل المعجزات والقدرات الخارقة ( الآيات ) التي صنعها تلاميذ المسيح والقديسين من بعدهم كانت نتيجة أتحاد قوة أرواحهم بروح الله القوية فسيطروا على كل قوانين البعد الثالث كالأمراض وأعادة الأرواح إلى أجساد الموتى وأخراج الأرواح النجسة من الأجساد وغيرها . وبقوة ذلك الروح الذي كان يدافع عنهم ويلهمهم في نشر الرسالة في العالم كله ، أستطاعوا أن يتحَدّوا العلماء والفلاسفة والمقتدرين من حكماء هذا العالم ومن المتكلين على الأرواح الشريرة.

الوسائل التي تستخدم عند العرافة والمنجمين

 

يستعمل المنجم عادة خارطة فلكية حيث يحدد تاريخ الولادة وموقعها الجغرافي مستعيناً بمجموعات من المعطيات والحسابات ، وهي نتيجة مقارنات لأوضاع فلكية معينة ، يبدا التنجيم عندما يحاول المنجم أن يستلخص ويستنتج التوقعات من خلال خريطة السماء وأستناداً إلى تأثيرات فلكية لكواكب ونجوم غالباً ما تكون ممتزجة ومعقدة للغاية ، فيغدو الأستنتاج وليد الغريزة السرية لدى المنجم ، أكثر منه نتيجة لحسابات هذه الأوضاع الفلكية والدليل على ذلك أختلاف التوقعات من منجم إلى آخر ، لهذا نقول : تصبح خارطة السماء وسيطاً مادياً أو ركيزة مادية كما في أوراق اللعب ( تارو ) أو فنجان القهوة وباطن الكف وغيرها من الوسائل .
دخول الوساطة من أرواح غريبة
عندما يكون المنجمموهوباً بعد أن يسلم نفسه لأرادة الشيطان يصبح وسيطاً روحياً بأمتياز بين الأنسان وتلك الأرواح الشريرة . وهذه الوساطة تكون محفوفة بالمخاطر الروحية المهلكة لأن المنجم والشخص المستشير يكونان في وضع تواصلي أتحادي على مستوى معيّن من الذبذبات الدماغية ( ألفا ) وتلك الأمواج نشبهها بموجة الراديو تمكّن من تدخل كائنات روحية غريبة ، تستغل هذا الوضع التواصلي لتُملي على المنجم أو العراف ما تريده ، لهذا نرى بأن المنجم يحدد فعلاً بعض مميزات الشخص النفسية وبعض ميوله وتطلعاته المستقبلية رغم كون تلك المعلومات محدودة تعرفها تلك الكائنات الروحية الشريرة بحكم وضعها وعلى مرأى من الرب الذي يسمح بها لحكمةٍ لديه لا ندركها . يقول الأب تورنيول دي كلو رداً على سؤال ( أي سلطة للأرواح النجسة علينا ؟ ) . الجواب : إن لهذه الأرواح سلطة ذات طبيعة ملائكية تفوق كثيراً الطبيعة البشرية ، لكن هذه السلطة محدودة وخاضعة لمدى الأذن الألهي بها . ولو لم يكن الأمر كذلك لسحقتنا هذه الأرواح وأبادتنا . فإلهنا يسمح للأرواح النجسة بتجربة جميع الناس وبتعذيب عدد كبير منهم بوجه خاص . إن إلهنا اللامتناهي الحكمة ، يدير الأمور بشكل ينجم عنه خير أكبر حين يحدث الشر . وهكذا فإن التجربة التي يتعرض لها الإنسان تتيح له الفرصة ليعرب عن حبه للرب ولينمو في نعمة هذا الحب .

كما يقول القديس توما الأكويني أن التنبؤ والتنجيم هي من أفعال الشياطين . سواء أستعان العراف مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة بالأرواح الشريرة ، ففي الحالتين هناك تدخل لهذه الأرواح ، يعلق أوريجانيس من جهته على الموضوع قائلاً : أنه أستباق معرفة الله للمستقبل هو عمل الشيطان .

يقول العلم : عندما يطلب العراف أو المنجم من عناصر مادية محدودة لصفاتها الفيزيائية مثل التارو وأوراق اللعب وخطوط الكف وخارطة الفلك … الخ معلومات تتجاوز ماهيتها الفيزيائية ، يتخطى النطاق العلمي ليدخل في نطاق الوساطة الخفائية الروحية . فالكواكب لا تستطيع أن ترد علينا الجواب إذ يأتينا بطريقة غير مباشرة من الكائنات الروحية لا نعرف ماهيتها . يحصل الأمر ذاته عندما نسائل خطوط الكف أو الفنجان وغيرها ، فهي لا تملك جواباً فالذي يجيب هو الروح التي تمكن العراف بعد أن صار وسيطاً روحياً يخضع أرادته الحرة لتدخلاتها . فالتوقعات التي يصل أليها المنجم ليس مصدرها الوسيلة التي يرتكز عليها ، بل مصدرها هو ( عالم الأرواح ) حيث قوات الشر الروحية ، وهذا يحصل عند الهندوس وممارسة اليوغا والتأمل التجاوزي فإن ترداد المانترا بأنتظام يدخل بنا على مستوى ذبذبي معيّن يسمح بتدخل قوى الهواء ، كما يسميها الكتاب المقدس ، فمراكز الطاقة الخفائية في جسم الأنسان بحسب العلوم الباطنية وعددها سبعة تقع في أسفل العمود الفقري .
 كتب الأب الكاثوليكي جوزيف ماري فرليند الذي تعرف إلى العلوم الباطنية ومارس التأمل التجاوزي ، والعرافة ، والتنجيم والسحر فبل أرتداده إلى المسيح ، يخبرنا عن أشخاص كثيرين ألتجأوا إليه بعد أن مارسوا التنجيم والعرافة ووقعوا في حبائل الشيطان فعانوا من المشاكل النفسية والجسدية التي عجز الطب عن شفائها ، ولم يبرؤوا إلا بصلوات التقسيم التي أقامها الإخوة الرهبان ، فاستعادوا تدريجياً البراءة الأصلية ، براءة أبناء الله والحرية الحقيقة بالروح القدس ، هؤلاء قد واظبوا على أستشارة الأبراج الفلكية يومياً في المجلات والصحف ففقدوا إحساسهم الداخلي بحرية القرار ليقعوا رهينة التبعية المرضية. والسبب الأساسي الذي يدفع هؤلاء إلى تلك الممارسات ، برأي الأب فرليند ، هو عدم ثقتهم بالله ، وعدم تسليمهم لمشيئته المطلقة .

كما أشار الأب فرليند إلى خطورة تفعيل القوى الخفية في الإنسان ، ويسرد قصة منجم أرتد عن أفعاله بنعمة الرب ، ولقد أخبره أنه منذ طفولته المبكرة ، راحت تراوده رؤى وظواهر غريبة عن أحداثٍ مستقبلية تتعلق بالأهل والمحيط العائلي . كذلك راودته أحلام كاشفة واحاسيس مسبقة طوّرها فيما بعد من خلال ممارسته التنجيم .

إن الكثيرين ممن يشعرون أكثر من غيرهم بقدراتهم الخفية ، غالباً ما يتمنّون ضمنياً لو يكونون مثل الأشخاص العاديّين لأن معرفتهم المسبقة لأحداث المستقبل من خلال الرؤى أو الحدس أو الأحلام ، يجعلهم يعيشون في الخوف والقلق والأضطراب ، إذاً جميع تقنيات تفعيل هذه القوى الباطنية مرفوضة مسيحياً ، كالتأمل التجاوزي واليوغا والتنويم المغناطيسي وغيرها . هناك كتب ومنشورات حديثة تدّعي تفعيل القوى لتصبح قوى خارقة كتلك التي تحددها الباراسايكولجي من تيليباتيا والمعرفة المستقبلية أو الحاسة السادسة ، وهذه الأعمال تبعد الأنسان عن الله لكي يعتمد على قدراته الذاتية . كما تقول بأن الباراسيكولوجي فشل أمام العلم والأيمان .   

رأي علماء الفلك في التنجيم

يشن علماء الفلك حرباً على المنجمين لأنهم يدعون المصداقية والمنهجية العلمية ، في حين يرون خلاف ذلك ، لأن المنجمون يستعينون بوسائل علمية كالحاسوب لأضفاء الروح العلمية على التنجيم وتدعيم توقعاتهم وتأكيد صحتها ، يكفي أن يدخل المرء الذي يريد أن يكشف طالعه بعض التفاصيل الشخصية كتاريخ الميلاد ومكان الولادة . فالحاسوب لا يبتدع شيئاً جديداً لأنه ستند أساساً إلى معطيات قديمة تعود إلى القرون الوسطى ، حتى أن بعضها قد أعتمده المنجمون منذ ألفي سنة وأكثر . فالتقنيات الحديثة ليست كافية لأعطاء التنجيم المصداقية الحقيقية ، وتبقى هذه الممارسات ضمن نطاق الخفائية والتطيّر . والمنجمون لا يأخذون بالبعد الثالث في السماء أي العمق ، وبالتالي فأن تحديدهم للأبراج مبني على تقديرات خاطئة ، فعلماء الفلك يشيرون ألى كمية المادة التي للأفلاك ويقولون انه لو كان هناك تأثيرا مزعوماً للكواكب على الحياة الأرضية بما فيها الأنسان فيفترض أن يكون نسبياً ويعتمد على بعد الكوكب وقربه من الأرض . وهكذا يتجاهل المنجمون أحداثاً فلكية مهمة جداً كالأنفجارات الشمسية وهي من الأكتشافات الفلكية الحديثة , ويتجاهلون أيضاً تغيرات كونية أخرى كالأنفجارات المجرية والنجوم وتغيرات دورية ثابتة مثل المغناطيسية الأرضية التي تكون بحسب تغييرات النشاط الشمسي دورتها 11 سنة وهذه حقيقة علمية أكيدة . كما يقول العلماء بأن هناك أختلاف في التفسير ، فيعطون نتائج مختلفة ، فتأثير الكواكب إذاً لا يتعدى مستوى الفيزيائي في الحياة الأرضية ، وهو أيضاً نسبي للغاية ومحدود ولا يطال مجال الأرادة والحرية الشخصيتين ، فكل تلك الممارسات  ليس علماً ، بل تطيراً وخرافة ، وفي كل الممارسات التي تقوم بها العرافة نجد خطر الأستحواذ الشيطاني أو المس من الأرواح الشريرة ( طالع أف 2و 6) وهي التي انتصر عليها المسيح بتجسده وقيامته ( 1بط 22:3) .

ورد ذكر الأرواح الشريرة في العهد الجديد 333 مرة وبأسماء وألقاب كثيرة منها ( الشرير ، أبليس ، الشيطان وملائكته ، ملاك الهاوية ، المضاد المقاوم …الخ ) .

 الأنسان الذي يمارس تلك الممارسات الوثنية سيعرض إلى الأستعباد من قبل تلك الأرواح ويدخل في خطر تفعيل قواه الخفية ، تلك القوى التي تتكلم عنها الباراسيكولوجيا ( التخاطر – الحاسة السادسة  ، … ) والموجودة في اللاوعي الأنساني وقد أشار إليها سيغموند فرويد ، فقال ( أن في اللاوعي نوعاً من التخاطر إذا طورها الأنسان ونماها تسمح له بمعرفة أفكار الناس ) ، كما أشار أليها برغسون في كتابه ( التطور الخلاق ) وسماها بالحدس الذي يكشف المستقبل . هي الرغبة الغريزية . عن كولن ولسون ، يقول ، تلك الرغبة السرية في الأنسان التي تحثه على كشف المستقبل والأستحواذ على القّوة والنفوذ ذو الخلود ، هي من روح هذا العالم ، هي في الحقيقة ( صدع ) في نفس الأنسان ، يستغلها الشيطان للأيقاع بنا وإيهامنا إننا نمتلك المقدرة والقدرة الكاملة التي تمكننا من التحكم بأقدارنا ، لنصير آلهة مثل الله قادرين على التمييز بين الخير والشر ( تك 5:3 ) هذه هي الخديعة الروحية . فتفعيل قوى الأنسان الخفية بتقنيات العلوم الباطنية سيسقط الأنسان في حبائلها ، نساك متدينون ألتبست عليهم الأمور فأستضافوا الأبالسة بهيئة ملائكة ( ولا عحب فالشيطان نفسه يتزيأ بزي ملاك نور ) ” 2قور 14:11″ . لذا نصح الأنجيلي يوحنا بأختبار الأرواح أكانت من عند الله أم من عند الشيطان .
تكملة الموضوع على الرابط التالي :
https://mangish.net/forum.php?action=view&id=9854

42
البحث عن المسيح في المتألمين
بقلم/ وردا أسحاق قلّو
وندزر – كندا

نحن المؤمنين بالمسيح نشكل جسد كنيسته المقدسة ، وهو حاضر فينا كحضوره في القربان المقدس ، ليس كذكرى غامضة لشخص طلب منا أن نتذكره بكسر الخبز ، بل بالحقيقة . كما أنه في وسطنا ويراقبنا ، بل يرعانا لأنه راعينا ومخلصنا ، فعلينا أن نسمع صوته ونعمل حسب أرادته ووصاياه وخاصةً أن نحب بعضنا بعضاً لكي يعرف العالم نحن تلاميذه . علينا أن نعمل من أجل الآخرين وفي خدمتهم لكي نصبح طعاماً اهم ونور ساطع في ظلمة الوسط الذي نعيش فيه . هكذا سنجلب إلى كائدتنا شعوب وقبائل من الأمم لكي نجمعهم كعائلة واحدة لإله واحد . نجد بين الجموع أفراد كثيرون متألمون ومرضى وفقراء أو مضطهدون تساء معاملتهم ويجعلونهم ضحايا لأجل المصالح الشخصية والربح القبيح . نجد أقواماً مضطهدة بسبب أعتقادهم الديني ، ومجاميع أثنية أخرى بسبب أنتمائها القومي وغيرها من الأسباب . وهناك دول تتألم بسبب موت أبنائها لفقر تلك البلدان . في كل تلك الأجساد نرى الألم ، ومن أجل هؤلاء المضطهدين والجياع والمظلومين والمساكين مات المسيح ولأجلهم قال الطوبى ، أحبهم المسيح ويحب الأيادي التي تمتد لمعونتهم وأنقاذهم وزرع البسمة والسلام والفرح فيهم . ملائين الأطفال تتعالى أصواتها ومن ثم تسكت بسبب الجوع والمرض ومن ثم الموت . أو تعيش سنين طويلة في الخوف بسبب الحروب الظالمة التي فرضت على بلدانهم بسبب فقدان العدالة . الله أمرنا أن نحب قريبنا حباً لنفسنا " مت 38:22" إذاً علينا أن لا نسأل المسيح كالفريسي فنقول له من هو قريبي ؟ قريبنا هو كل أنسان متألم نراه على قارعة الطريق ، جريح ، مريض ، جائع ، عريان ، مضطهد " طالع لو 10: 29-37" . إذاً كل أنسان نراه في حاجةٍ إلينا ، فعلينا أن لا نسأل عن هويته ، بل واجبنا أن نقدم الخدمة له ونحتضنه بعد أن نضمد جراحه ونصب عليها زيت محبتنا لكي يشعر بالسلام والفرح ونعطيه من خمر رأفتنا ونتقاسم معه الخبز ونعتني به . فواجبنا الأول هو أن نترك مصالحنا ونتفرغ لخدمة ذلك القريب . هكذا يصبح كل منا قريب من الآخر ونهدم الحواجز المبنية بين الأبيض والأسود ، بين المسيحي والوثني ، بين السليم والمريض . بين الغني والفقير ، وبين الأحرار والسجناء . طرق كثيرة كهذه يجب أن نجتازها من أجل الوصول إلى المسيح المحتاج إلينا ، وهكذا عندما يكون لدينا إيمان بقدر حبة خردل نستطيع أن ننقل الجبال ، والجبل هو الحاجز بيننا وبين الآخر ، نستطيع أزالته بقوة أيماننا الذي يثمر ثمار المحبة نغذي منها المحتاجين إلينا .  وبهذه الطريقة نمد جسور المحبة بيننا أولاً ، وبين جميع الأمم فنزيل البعد ، والحقد ، بين الشعوب وبين الأفراد الذين نعيش بينهم فنعطي أهمية لوجودنا ونكسب الضاليين إلى الله فنزرع الفرح في السماء أيضاً .
يجب أن نزرع الفرح والسلام في العالم مهما بلغت التضحيات ، علينا أن نتحمل الصعوبات وإن نصبح ضحية من أجل الآخر ، لأن الحياة تستحق العناء أيضاً هكذا نعيش حياتنا الروحية بأنضباط وحماس فلا ترهبنا التجارب والصعوبات لأننا نبحث عن المسيح المتألم في إنسانٍ محتاج إلى الرحمة . علينا أن لانسأل عن هوية المحتاج ، ودينه ، وقومه ، ومستواه ، لأنه قريبنا وبه نقترب من المسيح أكثر . أجل المسيح نقترب منه عندما نصلي أو نصوم لكي نعطي الخبز للجائع ، كما نقترب منه في قراءة كلماته على صفحات الأنجيل المقدس ، أو عندما نرفع له الشكر ، لكن علينا أن نعلم أننا بهذا نرفع أيماننا إلى أيمان فاعل ومثمر يدفعنا إلى اللقاء مع المسيح المتجسد في المريض والمحتاج والسجين والفقير ، وكذلك المسيح موجود في اللذين هم بحاجة إلى مغفرتنا .
هكذا سنلتقي مع المسيح في هذا العالم ، وفي العالم الآتي . سنلتقي به في باب الفردوس عندما يفتحه لنا ، فيقول (تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم . لأني جعت فأطعمتموني . عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني . عريانا فكسوتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إليّ ) " مت 25: 34-36 "
ليتبارك أسم الرب يسوع إلى الأبد        

43
الله يسكن في فقرنا
بقلم / وردا أسحاق قلّو                                           

((الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئاً من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه ))
” مت 40:25 “
الله هو خالق السماء والأرض ، وهو خالقنا وملجأنا الأمين . نثق به وبوعوده لنا . أنه الراعي الصالح الذي بذل نفسه من أجل أن يحيا قطيعه . فعلينا أن نسعى لنكون معه فقط . الله لا يسكن في قصور الأغنياء ، بل يبحث عن الفقراء المهمشين من قبل المجتمع الذين يرفعون له الصلواة والطلبات كل يوم ، ويقتدون بحياة أبنه الفقير الذي لم يكن له مسند ليسند عليه رأسه . فيعيشون فقر الأنجيل بفرح . الفقر هو ذلك الطريق الضيق والأقصر إلى ملكوت الله .
لنسأل ونقول : ما هو الفقر المطلوب الذي يريده الله من الأنسان المؤمن ، هل يعني به العوز إلى المال والمسكن والأمان ، أم الفقر هو الحالة المرفوضة في المجتمع العلماني ، أم هو النقص في الثقة بالنفس ؟
كل أنسان لديه مكان خاص للفقر ، قد يختلف عن غيره ، وذلك المكان هو الذي يبحث الله عنه لكي يسكن فيه فيبارك صاحبه ويتحد معه بالروح ، وعلينا نحن أيضاً أن نساهم للبحث عن الله والأتحاد به فننال منه القوة .  تقول الآية ( وأما ما أقترن بالرب فقد صار وأياه روحاً واحدة ) ” 1 قور 17:6 ” . هكذا سنعيش الملكوت في هذا العالم ، والملكوت يبدأ من قلوبنا التي يسكن فيها الله . قال الرب يسوع ( طوبى للمساكين بالروح ، فأن لهم ملكوت السموات . طوبى للجياع والعطاشى إلى البر ، فأنهم سيشبعون ) ” مت 5: 3،6 ” .
إذاً بركة المسيح تحل في فقرنا وضعفنا ، فبالضعف تكمن قوة الله . لكننا نتجاهل فقرنا ، أونغطيه ، بل نخجل منه لهذا نفقد الطريق لأكتشاف الله فينا . الله الذي يسكن في فقر الأنسان ، لا نفهم طرقه وغاياته . علينا أن نعرف ونعترف بأن الفقرهو الكنز الحقيقي المخفي في داخلنا فعلينا أن نحتفظ به ونتباهى به كالرسول بولس ، قال ( محزونين ونحن دائماً فرحون ، فقراء ونغني كثيراً من الناس ، لا شىءَ لنا ونحن نملك كل شىء ) ” 2 قور 10:6 ” . هكذا يجب ان يظهر المؤمن فقره ويتباهى به بفرح ، فالمؤمن الجرىء الذي يعترف بفقره يكون قادراً على أن يستقبل المسيح الذي يعيش في الفقر الشخصي للأنسان .
لماذا نميل إلى جهل فقرنا ، بل نميل إلى تجاهل الآخرين من الفقراء ، لهذا لا نرغب أن نرى الفقراء مثلنا ، ولا نحب أن نرى ذوي الأحتياجات الخاصة ، أو المشوهين والمرضى والمحتاجين إلى الرحمة ، فنبتعد حتى من السماع عن أخبارهم . بهذا الأجتناب والأبتعاد عن الكنز سنفقد أتصالنا مع الله الذي من خلال أؤلئك المحتاجين نستطيع اللقاء به . فعندما نرفض هؤلاء ، نرفض الله نفسه ، والله سينكرنا ويبتعد منا ، لا وبل سيطردنا من أمام وجهه ، وحسب قوله في ” مت 25: 41-43 ” ( إليكم عني ، أيها الملاعين ، إلى النار الأبدية المعدة لأبليس وملائكته : لأني جعت فما أطعمتموني ، وعطشت فما سقيتموني ، وعطشت فما سقيتموني ، وكنت غريباً فما أويتموني ، وعرياناً فما كسوتموني ، ومريضاً وسجيناً فما زرتموني ) .
 الفقير لا يمتلك شيئاً ليعطينا ، وإن بادرنا نحن بأعطاء ما يحتاج إليه ، فهو لا يفكر بأن يعيد إلينا أفضالنا ، وعلينا أن لا نذكر عطايانا له ، فكرَمِنا له هو الأهتمام الحقيقي بالمسيح الفقير . وذلك الفقير علمنا كيف نقترب من الله من خلاله فعلينا أن نعتني به كثيراً لنتمم كلام الرب القائل ( ولكن إن أقمت مأدبة فأدع الفقراء والكسحان والعرجان والعميان . فطوبى لك إذ ذاك لأنهم ليس بأمكانهم أن يكافؤك فتُكافأ في قيامة الأبرار )” لو 14 : 13-14 ” وهذا يعني بأننا عندما نعطي الفقير فإننا نقرض الله الذي سيعيد ديننا في يوم الحساب العظيم . أما عطية الفقير لنا فهي روحية ، كالفرح والسلام وحب الله ، والله سيرد المعطي المحب ويجازيه في هذه الدنيا وفي الآخرة .
ليتبارك أسم الرب المحب في كل حين
 


44
علاقتنا العمودية مع الله والأفقية مع البشر ترسم الصليب

بقلم / وردا أسحاق قلّو

http://www.m5zn.com/newuploads/2018/09/10/gif//m5zn_80b34b90d5634b4.gif
 
علاقتنا العمودية مع الله ، والأفقية مع البشر ، ترسم لنا صورة الصليب الذي سيحملنا إلى الله . فكيف نفهم هذه العلاقات من قول الرب (تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ ) " لو 27:10 ".
الله خلق الأنسان لكي يحيى حياة سعيدة وطاهرة مُلؤها المحبة ، فعلى الأنسان أن يفهم الحياة ويحب كل مافيها من أفراح وحتى الصعوبات التي قد تكون مجدية عندما يتحملها بسبب إيمانه فكل شىء سيسير نحو الأفضل ، لأن الأيمان هو منبع عمل الأنسان والأساس الذي يهبه القوة للأندفاع نحو الأمام فيتخطى الصعاب . فالأيمان بالله علاقةً شخصية ، وكنز لا يفنى ، والهدف الحقيقي للوصول أليه ، فعلى المؤمن أن يخصص لله كل حبه النابع من قلبه وعقله وقدرته . و حب الأنسان لله يجب أن لا ينفصل عن حبه لأخيه الأنسان . فالأيمان بالأنسان هو كنز رائع أيضاً . ولا يجوز أن نحب الله الذي لا نراه ونبتعد عن أخينا الأنسان الذي نراه ونعيش بجانبه . فالبشر يحتاجون قبل كل شىء أن يحبوا بعضهم بعضاً مهما كانت الفوارق بينهما كالغنى والفقر والثقافة والمعتقد واللون والجنس ، مستقيمين كانوا أم لصوصاً ، صالحين أو أشراراً ، مع أنه لا يوجد أنسان شرير تماماً كالأبليس .
المسيح الذي وُلِدَ في المذوَد تألم في حياته فأُذيق الأهانات والجروح ومن ثم الموت على صليب الجلجلة . حياته كانت ثورة ضد الواقع الفاسد . وأنتفاضة شجاعة غايتها تجديد حياة البشر نحو الأفضل ، فالمسيح الذي هو أبن الله تجسد بين البشر لكي يشاركهم حياتهم ويصير لهم قدوة ويعَلِمهُم العمل ، بدأ بالتواضع والكتمان والتضحية ، وأفضل عمل يقوم به الأنسان مع أخيه الأنسان في علاقة أفقية ملؤها المحبة المدعومة بالعمل هو أن يضحي من أجل محبيه . هكذا نخلق علاقة أفقية حميمة عابقة بالتآخي والتضامن مع الآخرين ، وهكذا يشعر كل أنسان بأخيه الأنسان بالمحبة القمرونة بالعمل الصالح لهذا يمد لغيره يد التعاون والرعاية كما ترعي الأم وليدها ، هكذا يتم المحافظة على كرامة الأنسان وحقوقه . ويجب أن تتطور هذه العلاقة بين فرد وآخر ، وبين جماعة وأخرى ، بل بين أفراد السلطة وأبنائها ، فالسلطة القابعة على كراسي الحكم عليها أن لا ترعى مصالحها الشخصية على حساب أفراد المجتمع وحريتهم ومصالحهم . فالدولة التي تشدّق بحقوق الأنسان وتجعل ذاتها حامية لأبنائها وهي تسلب خيراتهم وكرامتهم ، بل يمتد طمعها إلى إمتهان كرامة شعوب من دول أخرى بحجة الذود عن مصالحها الخاصة وبطرق مجردة من الأنسانية ومن أحترام حقوق الأنسان ، علماً بأن كل أنسان هو أبن الله ومفتدى بدم كريم وإن لم يؤمن بالله . وله الحق أن يعيش بحرية وكرامة في هذا العالم الكبير . فعلى الأنسان مهما كان معتقده في المجتمع عليه أن يجرد نفسه من أنانيته ومن حبه لهذا العالم الزائل ، فعليه أن يعلم بأن قلبه مثقوب ولا يخزن أي شىء من الماديات سوى الحب ، ولا شىء يروي قلبه لكي يقطن فيه غير الحب . وحسب المحبة التي يحملها الأنسان إلى الله سيحاسب ، أما الأنسان الذي لا يملك المحبة لبني البشر فسينكره الله ، ويقول له ( لأني جعت فلم تطعموني ، وعطشت فلم تسقوني ، كنت غريباً فلم تأووني ، عرياناً فلم تكسوني ، مريضاً وسجيناً فلم تزوروني ! ) " مت 25: 41-42 " .
فالحب هو أعظم قوة في العالم لأنه نابع أولاً من الله المحب للبشر، ومن البشر له ( عمودياً ) ومن البشر إلى البشر ( أفقياً ) . والحب لا يقتصر على جانب العمل فقط ، بل حتى في العبادة . فعندما نرفع صلواتنا وتسابيحنا إلى الله فعلينا أن نرفعها بالحب الصادق الذي عَلّمهُ لنا المسيح . فالذي يتحدث إلى الله عليه أن لا ينسى الأنسان . فمن يدع الله يعيش في قلبه وحياته وسلوكه لا يعد قادراً  على إزدراء الأنسان مهما كان خاطئاً وقاسياً وشاذاً ، فالأنسان الذي يعيش بهذه العلاقة مع الله يكون مستعداً بأن يدعو الله إلى قلبه لكي يتحد جسد الله ( الأفخارستيا ) مع جسده ، ليس في يوم الأحد فحسب ، بل في كل يوم . البابا بيوس العاشر قد صرح قائلاً ، أن كل مسيحي في حالة أستعداد حسنة يسعُهُ التناول يومياً . إذاً الله يدعونا أن نذهب إليه كل يوم ونحظر الوليمة ليس بالملابس الملائمة للوليمة فقط بل بقلب طاهر يستحق تناول جسد ودم يسوع الطاهر . يسوع الفقير ، فالذي يحب يسوع عليه أن يحب كل فقير لأن السميح هو رمزاً لكل فقير . فإذا أردنا تأسيس علاقة مع المسيح فعلينا أن نبدأها مع الفقراء ، لا مع الأغنياء الذين ليسوا بحاجة إلى ولائمنا ومساعداتنا ، لهذا يقول الأنجيل ( الويل للأغنياء ) و ( طوبى للفقراء ) فعلينا أن نجتهد في هذه الحياة لكي نعيش فقر الأنجيل . الأنجيل الذي يحتوي توصيات كثيرة تقودنا إلى الطريق القويم المؤدي إلى الله . والأنجيل يأمرنا قائلاً ( أتركوا كل شىء ، بيعوا كل ما تملكون ، ) هكذا فعل المؤمنون في عهد الرسل ، فلا مفر لكل من أبتغى أتباع المسيح من أن ينهج هذا النهج . إذاً يجب أن تلتقي وتتلاقى وتتحد علاقتنا بالله مع علاقتنا مع البشر كما تلتقي خشبتا الصليب . فالصليب يرمز إلى هذه العلاقة . فالذراع العمودي يرمز إلى علاقتنا العمودية مع الله , الصليب إذاً هو الميزان الذي يعلمنا واجباتنا نحو السماء والأرض بدقة . والذراع الأفقي يرمز إلى علاقتنا الأفقية مع البشر لكي يكتمل الهدف علينا أن نعيش العلاقتان وكأنهما علاقة واحدة .
المؤمنون جميعاً يمثلون الكنيسة المقدسة ، فالكنيسة يجب أن تكون قريبة جداً من فقرائها أولاً ، ومن فقراء العالم كله ، عليها أن تفكر بالناس الذين ينفقون جوعاً في بلدان كثيرة من العالم . فجياع العالم هم صوت صارخ في ضمير البشرية كلها . القديس فرنسيس الأزيزي كان يحسب جميع الناس أخوة ، وكذلك  قد دعى جميع عناصر الكون أخوة وأخوات ، وعاش معها في تناغم وأنسجام وحافظ على سلامة الخليقة وما فيها ، وتلمس بعمق علاقته الأفقية مع الناس والطبيعة ، وهكذا يجب أن ينهج كل أنسان من أجل نشر الحق والعدل والمحبة بين أبنار الله المنتشرين في كل مكان . فالمجتمعات التي تسودها المحبة تمد جسور التعاون مع كل الشعوب ، وتؤسس علاقة حقيقية بين المجتمعات . وواجب كل مؤمن أن يسأل نفسه ويقول ما يسعني أن أساهم لتخفيف البؤس في العالم ؟ هكذا نبدأ بالخطوة الأولى لتأسيس العلاقة بين كل طبقات المجتمع بما يرضي الله . على كل أنسان أن يؤمن بالأخر كما يؤمن بنفسه لكي يكمل وصية الله ( أحب قريبك مثل نفسك ) أي آمن بذاتك مثلما أؤمن بك . آمن بالآخر مثلما تؤمن بذاتك هكذا تتطور العلاقة فيتمدد الأنسان إلى أمام .
مساعدة الأنسان لخيه الأنسان لا تقتصر على الماديات فحسب ، بل على الصلاة المرفوعة لأجل المتألمين ، لأن للصلاة ثماراً مدهشة ، فعندما ترفع الكنيسة صوتها غلى الله لهدف ما فحتماً سيتغيّر شىء ما وحسب وعد الرب ( إن طلبتم شىء بأسمي فستنالونه ) فالسماء تستجيب في الساعة التي لا يتوقعها الأنسان . فالصلاة هي رسالة من أنسان يشكو بأسه إلى الله . أنها أتصال نابع من قلب الأنسان إلى قلب الله ، أنها علاقة روحية بين الأنسان والله فلا بد من الأستجابة . هكذا نعيش الناموس على صليب المسيح ، والصليب يرفعنا إلى عرش الله .
بصليبك المقدس خلصت العالم



45
شهادة الشهداء ... شجاعة ، تحدي ، تضحية ، محبة

بقلم / وردا أسحاق قلّو

( لا يوجد حب أعظم من هذا ، أن يضع أحد نفسه من أجل أحبائه ) " يو 13:15 "
الإنسان المؤمن بالمسيح ووصاياه ، عليه أن يحب قريبه كنفسه ، وإن أستطاع فأكثر، وذلك بأن ينكر ذاته من أجل الآخرين بسبب تلك المحبة الصادقة ، فالعطية أفضل من الأخذ ، إذا نريد أن نتعرف على قدر محبة الصديق لنا ، فعلينا أن نلتمس أستعداده للخدمة التي يقدمها ، وقمة الخدمة التي يقدمها الأنسان من أجل الآخرين هي الشهادة والموت من أجلهم كما فعل رب المجد الذي أحب العالم كله فأستشهد من أجله . بهذه الطريقة أختبر الله محبة أبراهيم له عندما طلب منه ترك أرضه وأهله وعشيرته من أجله ، وأبراهيم لَبَ الطلب عندما سمع صوت الله  في داخله . كما أختبر الله صبر أبراهيم عندما قال له سأعطي لك نسلاً ، لكنه تأخر كثيراً إلى أن شاخ أبراهيم كثيراً ، ثم أعطاه . وهكذا أستمر أيضاً بأختبار محبة أبراهيم ، فقال له : قَدِّم لي أبنك وحيدك الذي تحبه أسحق محرقةً لي . فنجح أبراهيم في هذا الأمر أيضاً .
يريدنا يسوع أن نكون له أولاً ، فعلينا أن نفضله على كل ما نملك ، فالذي يحبه من كل قلبه وفكره وقدرته عليه أن يفضله على كل ذويه وأمواله لكي يستحقه. فشرط الحب الحقيقي هو التضحية من أجل الهدف . وحتى وأن كان الطَلَب الأستشهاد من أجله . فالشهداء عشقوا هذه المحبة ورحبوا بالموت في أي لحظة وأستعدوا لها ، بل أستهزأوا بالأمراء وتحملوا كل أشكال العذابات لأنهم لن يهابوا الموت ، فكان الولاة يشعرون بتصاغر أمامهم ، تحدوا الظلم بقوة وشجاعة ، فكانت قوتهم وصمودهم أعظم من قوة الحاكم الذي كان يأمر بتعذيبهم ، فكانوا أؤلئك الأبطال في الأيمان مأسورين بالجسد أمام الوالي أما نفوسهم فكانت حرة وتسعى إلى الحرية الحقيقية كالقديس ماركوركيس الشهيد الذي أمسك منشور الأمبراطور دقلديانوس ومزقه ورماه في الطريق ، لم يبالي من قرار الوالي أثناء التعذيب .لأنه لا تهمه الحياة الحاضرة بل كان يسعى للحصول على حياة أفضل مع المسيح . فالشهداء جميعاً قدموا حياتهم بخوراً مُرضية أمام الله ومن أجل تثبيت الإيمان ونشر الكلمة في العالم أجمع لخلاص الكثيرين . الشهداء تركوا كل شىء بسرور، فهناك من يُقبض عليهِ ، وهناك من يذهب ويسلم نفسه طوعاً من أجل الشهادة ، فكانوا يتعرضون مواكب الولاة الذين كانوا يعملون بكل طاقاتهم لأبادة كل أتباع المسيح في الطريق فيصرخون إلى من يصادفوه قائلين ، أيها الوالي نحن مسيحيين ، دون خوف من التعذيب أو السجن أو الموت لكونهم لا يعطون قيمة لهذه الحياة الزائلة ، بل كانوا يسعون للحصول على آلام وأكاليل بجهادهم المقدس لكي يضمنوا لهم حياة أفضل في الآخرة . فالشهداء جاهدوا الجهاد الحسنً وقدموا حياتهم كلها لله من أجل تثبيت الإيمان ونشر الكلمة في العالم أجمع . تركوا كل شىء بفرح وساروا في ذلك الطريق الشائك ، فهناك من يُقبَض عليه وهناك من يذهب ويتحدى بتسليم ذاته طوعاً من أجل الشهادة والأستشهاد لنيل أكليل البر المعد له وكما قال الرسول بولس في ( 2تي 4 : 6-8 ).
 سبب أندفاع الشهيد إلى الأستشهاد هو للشهادة بالأيمان بالمسيح . لهذا كانوا يصرخون بوجه الحاكم مهما كان معروفاً بشدة قساوته وبطشه في التعذيب أو القتل بدون خوف ، فهناك ولاة قدموا لهؤلاء القديسين الأبطال عروضاً ووقتاً للتفكير من أجل أن ينكروا إيمانهم ، فكان رد أولئك الأبطال سريعاً ، لا حاجة لنا إلى التفكير ولا إلى المزيد من الوقت لأننا قد أنتهينا من هذا الأمر وقررنا بأن نكون للمسيح الإله وحده . كما كانوا يفرحون عندما يقبضون عليهم أو عندما يسَلّمون أنفسهم لأولئك الطغاة لرغبتهم الدخول الى الملكوت من باب التضحية والموت .
اليوم أصحاب الإيمان الضعيف في المسيحية يقولون ، لماذا ترك المسيح كنيسته لتعيش الأضطهاد المستمر ، ولماذا تركنا بدون سلام علماً بأنه قال : سلامي أعطيكم ، سلامي أترك لكم ؟ ولماذا قال ثقوا أنا غلبت العالم ؟ الجواب هو أن المسيح قال أرسلكم كخراف بين ذئابٍ خاطفة ، لكي نصبح نوراً للعالم . أرسلنا نوراً لكي نضىء ظلام القلوب . كما أن المسيح لم يؤسس كنيسة بدون صليب ، لهذا قال من يتبعني لينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني . كما قال لمؤمنيه ( لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصيته ، ولكن لأنكم لستم من العالم ، بل أنا أخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم ) " يو 19:15 " . فسبب أضطهاد المسيحيون هو لكونهم مسيحيون فقط .
 قال أحد الشهداء قبل أن يقتله أرهابي داعشي ( إننا لسنا كفرة ، بل مسيحيون ) . فأطلق عليه النار. هكذا غلب النور على الظلام فنال الفرح الدائم ، لأنه نال معمودية ثانية هي معمودية الدم التي تعمد بها يسوع على الصليب ، وأشار إليها لأبني زبدي عندما قال (...هل تستطيعانِ أن تشربا الكأسَ التي أشربها أنا ؟ أو أن تتعمّدا بالمعموديةِ التي أتعمّدُ بها أنا ؟ ) " مر 38:10 " . إنها معمودية الأستشهاد ، فالشهيد هو الذي يغلب المعركة ، لأنه ينال أكليل المكافأة  ، بينما القاتل سيكون مصيره كمصير القاتل بيلاطس البنطي الذي أمر بقتل المسيح . ودماء الشهداء ستبقى تصرخ إلى الله من أجل الأنتقام ، وكما دَوّنَ لنا يوحنا الرائي ( رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم ، وصرخوا بصوت عظيم قائلين : حتى متى أيها السيد القدوس والحق ، لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض ) " رؤ 6: 9-10 "
أجل أسم المسيح الذي نحمله هو سبب إضطهادنا . قديماً في العصر الروماني والفارسي والأسلامي وحتى اليوم ، فالذي يستثنينا من الأضطهاد والتصفية الجسدية هو أنكارنا للأيمان بالمسيح والأعتراف بعقائد تلك الخراف الضالة  . وحتى وإن كان المسيحي مواطناً صالحاً ومنتجاً ومتفوقاً بعلمهِ وأخلاقهِ ومواهبه وسيرتهِ وحاملاً كل الفضائل كالأمانة والصدق والمحبة والأحترام ، سيبقى في نظرهم كافراً وغريباً يستحق الأضطهاد . فليفرح المؤمن بالأضطهاد ، لأنه حمل الصليب ، فليتلذذ بحلاوة التعذيب والظلم والتفرقة العنصرية لأجل الذي صلب من أجله ظلماً . لا يأخذنا العجب إذاً من بُغضِ وأضطهاد العالم لنا وحتى في دول الغرب التي تركت الإيمان من أجل المصالح الدنيوية والتمتع  بالحياة الحاضرة . لهذا أخبرنا الرسول بطرس قائلاً ( أيها الأحباء ، لا تستغربوا نار الأضطهاد المشتعلة عندكم لأختباركم وكأن أمراً غريباً قد أصابكم ! وإنما أفرحوا : لأنكم كما تشاركون المسيح في الآلامِ الآن ، لا بد أن تفرحوا بمشاركته في الأبتهاجِ عند ظهورِ مجدهِ . ) " 1 بط : 12-13 " .
ليتبارك أسم يسوع المسيح بكر الشهداء



46
 

رسل وتلاميذ المسيح … تعليمهم .. واجباتهم .. أسمائهم

بقلم / وردا أسحاق عيسى

 وندزر – كندا

قال يسوع لتلاميذه ( لم تختاروني أنتم ، بل أنا أخترتكم وأقمتكم لتنطلقوا فتثمروا …) “يو16:15”

المسيح هو الذي اختار له الرسل والتلاميذ ، فقال لهم ( ..بل أنا أخترتكم .. ) . هو فرزهم من العالم . لم يختَر علماء وأثرياء ، بل فقراء وجهلاء وأنتدبهم ليشهدوا لتعاليمه ، بل أن الله قد أختار ما هو جاهل في العالم ليخجل الحكماء . أختار الله ما هو ضعيف في العالم ليخجل به المقتدرين ، لهذا قال الرسول بولس ( فانظروا أيها الأخوة إلى دعوتكم ، فليس فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر ، ولا كثير من الأقوياء ، ولا كثير من ذوي الحَسَبِ والنَّسَب . ولكن ما كان في العالم من حماقة فذاك ما اختاره الله ليُخزي الحكماء ) ” 1 قور1: 26-27 ” ” .
 ليس بالعلم يترقى الأنسان ويعلِم أسرار الله ، بل سيظل المتعلم عاجزاً عن أستجلاء أسرار الله ، في حين أنه بالأنوار السماوية التي تقرب الأنسان من الله هي الصلاة والتواضع فحسب ، هي التي تدفع الروح الساكن في الأنسان أن يكشف له أسرار الله ، فللرسل والتلاميذ الغير متعلمين قال الرب يسوع ( أنتم أعطيتم معرفة سر ملكوت السموات ، أما سائر الناس فكل شىء يلقى إليهم بأمثال ، فينظرون نظراً ولا يبصرون ، ويسمعون سمعاً ولا يفهمون …) ” مر 12:4″.
 كثيرون هم الذين يرومون الأرتقاء في سلم العلم ، ولكن طوبى لمن يزهد فيه حباً بالرب يسوع كالرسل والتلاميذ . الرب عندما يسكب حكمته على لسان أحد مختاريه فيعده لإفحام أفصح الفصحاء من المتسلحين بالعلم والمعرفة .
 قلب المؤمن عندما يتكلم بصدق ، ينفذ تأثيره إلى أبعد من كل ما يستطيعه أرباب العلم أو البلاغة . قال الرب لتلاميذه : الروح القدس يتكلم عنكم ( طالع يو 13:16 ) والروح القدس هو أعظم عطية للمؤمن . لهذا كان كلام المبشرين يخص قلوب مستمعيهم فأستولت الحيرة على أعتى المثقفين . كان يصل كلام البشارة إلى أعمق الأعماق فيصيبون المستمعون بالدهشة أولاً ومن ثم يستسلمون إلى الإيمان بعد أن كانت كلمة الحب الإلهي تلمس قلوبهم .   
العثور على الله لا يحتاج إلى دراسة مستفيضة ، ولا إلى شهادات وكتب كثيرة ، فالعلم ينفخ ، والحب يبني ، فالصلاة الخاشعة والتهجُّد ينقذان من النفوس أكثر ، بما لا يقاس ، من كلّ ما يستطيع إنقاذه أبلغ عظات اللاهوتيين . كذلك الألتزام بالسلوك وفق الأنجيل هما الطرق الأقصر إلى الله وأفضل ما يجب أن يعرفه الأنسان هو يسوع الفقير المصلوب عن العالم ويقتدي به.

أجل رسل وتلاميذ المسيح لم تكن خلفيتهم الثقافية مرموقة ، ولم يكن لديهم مناصب معروفة في مجتمعهم ، بل كانت أعمالهم معروفة في الصيد والجباية . وغاية يسوع من ذلك هو تحدي الفهماء والمتعلمين وحكماء هذا العالم . أدخل يسوع هؤلاء التلاميذ في مدرسته ولمدة ثلاث سنوات علماً بأنه لم يدرس في أي مدرسة ، ولم يحصل على شهادة من هذا العالم ، لكنه تحدى علماء اليهود فدهشوا منه قائلين ( من اين له هذه الحكمة وهذه المعجزات ؟ ) ” مت 54:13 ” . عبّرَ الرسول بولس عن مصدر حكمة المسيح قائلاً ( فأن المسيح هو قدرة الله وحكمة الله . ذلك لأن ” جهالة ” الله أحكم من البشر و ” ضعف ” الله أقوى من البشر ) ” 1 قور 25:1 ”  إذاً لنقول اليوم مع الرسول ( لنا حكمة نتكلم بها … ليست من هذا العالم ، ولا من رؤساء هذا العالم الزائلين ، بل أننا نتكلم بحكمة الله المطلوبة في سر ، … لم يعرفها أحد من رؤساء هذا العالم ) ” 1 قور 2: 6-8 ” .
 كان أسلوب تعليم المسيح لتلاميذه بالتسليم والتقليد وتنفيذ الأرساليات التي كانت تحت قيادته . فتعليم الرسل والتلاميذ كان من خلال وجودهم معه والسماع على مواعظه ، ووصاياه ، والتشرب من روحه وتعليمه وقدوته ، ومن ثم الأمتثال به وبسيرته وشخصيته ومثاله بعد أن يتجرد التلميذ من كل شىء . فثمن أتباع المسيح غالي جداً ، فعلى من يتبعه أن يحبه ويفضله على كل ما يملك من الأهل والمال وما في هذا العالم ليصير هو كنزه الوحيد ( طالع لو 9: 57-62 ) كما قال يسوع ( إن جاء ألي أحد ، ولم يبغض أباه وأمه وزوجته وأولاده وأخواته ، بل نفسه أيضاً ، فلا يمكنه أن يكون تلميذاً لي . ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يمكنه أن يكون تلميذاً لي ) ” لو 14 : 26 – 27 ” . وختم كلامه لكل من يريد أتباعه ليصبح تلميذاً له بقوله ( كل واحد منكم لا يهجر كل ما يملكه ، لا يمكنه أن يكون تلميذاً لي ) ” لو 33:14 ” فقوانين الأنتماء إلى مدرسة المسيح صارمة جداً ، ومن يريد أن أن يكون تلميذا له في أي وقت من الزمن فعليه أن لا ينظر إلى الوراء حيث الماضي ومقتنيات هذا العالم لكي يستطيع أن يتفرغ للمسيح الذي قال ( ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله ) ” لو 62:9 ” هكذا يستعد الأنسان لحمل الصليب وأتباع السيد في طريق جلجلة هذا العالم .
ما معنى التلميذ والرسول ؟ التلميذ هو من يصغي ويتعلم ويدرس عند المعلم ويسير حسب تعاليمه . وبعد أن يتلقى العلم يستطيع هو أيضاً أن يعلم الآخرين . أما الرسول فهو التلميذ الذي يرسله معلمه بعد التعليم . فكل مؤمن مسيحي بعد أن يلقي العلم من مدرسة المسيح ( الكنيسة المقدسة ) عليه أن يكون رسولاً للآخرين وهكذا سيتمم الوصية الأخيرة للمعلم الأكبر ، يسوع المسيح لكل المؤمنين ، قال ( أذهبوا إلى العالم أجمع ، وبشروا الخليقة كلها بالأنجيل ) ” مر 15:16″ فالأنطلاف في طريق التبشير هو أرسالية كما كان المسيح يرسل الرسل الأثني عشر ومن بعدهم التلاميذ ال ( 70 ) ، كان يرسلهم أثنين أثنين  . فحتى الرسل قبل الأرسال كانوا تلاميذاً في مدرسة المسيح . بعد صعود المسيح أرسل الروح المعزي الى الكنيسة فأصبح كل أبناء الكنيسة مؤهلين للأرسال . فالروح القدس هو الذي كان يعلمهم ويرشدهم ويذكرهم بأقوال المسيح . مهمة الرسول هي توصيل رسالة البشرى الى العالم والتي تختصر بقول الرب لبني البشر ( أن ملكوت الله قريب ) .
صوت الرسول هو صوت الرب الصارخ في ظلام هذا العالم ، لهذا قال يسوع لتلاميذه السبعين ( من يسمع لكم يسمع لي ، ومن رفضكم يرفضني ، ومن يرفضني ، يرفض الذي أرسلني ) ” لو 16:10 ” .
 لفظة رسول بمنظور الأنجيل تعني كل مؤمن يقتدي بالمسيح ويكرس ذاته كلياً له . أختار المسيح أثنا عشر رسولاً وهذا يناسب الأثني عشر سبطاً في العهد القديم ” طالع عدد 26″ ، وأعطى للرسل سلطة التعليم والتبشير و قيادة الكنيسة . واليوم الأساقفة هم الجالسين على كراسي الرسل وبيدهم كل الأمتيازات التي أعطاها الرب لرسله ، والرسول له أمتيازات خاصة أكثر من التلاميذ ، بل هم يقودون التلاميذ ، وتلاميذ اليوم هم الآباء الكهنة . الرسل الأثني عشر الذين دعاهم يسوع على الجبل أعطى لهم سلطان وواجبات وسماهم رسلاً وأسمائهم هي

سمعان ” بطرس “ هامة الرسل الذي أعطى له الرب بعد قيامته السلطان في قيادة القطيع وسماه أيضاً ” الصخرة “. يعقوب وأخيه يوحنا ” أبناء زبدي ” وكانوا هؤلاء الرسل الثلاثة يشكلون الحلقة الأقرب الى المسيح والمحيطة به ، وقد أختار حضورهم معه في بعض المواقف من دون الرسل . أندراوس أخو بطرس ، وفيلبس وبرثلماوس ” نثنائيل ” ومتى وتوما وهؤلاء الخمسة يشكلون الحلقة الثانية . أما الحلقة الأخيرة فهم أخوة الرب ، يعقوب بن حلفي ، سمعان القانوني ، ويهودا ” تداوس ” ويهودا الأسخريوطي .

 أما عن التلاميذ السبعين الذين فرزهم الرب من بين المؤمنين للخدمة وأرسلهم أثنين أثنين للتبشير بكلمة الأنجيل الى كل مدينة وموضع بقيادته وأرشاده ، قال لهم ( الحصاد كثير ، ولكن الفعلة قليلون ، فأطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعله إلى حصاده ، فأذهبوا 1 ها أني أرسلكم كحملان بين ذئاب … ) “ لو 2:10 ” , التلاميذ السبعين في العهد الجديد عددهم يساوي عدد شيوخ بني أسرائيل الذين فرزهم موسى من بين شعبه ، لهؤلاء  أعطى الرب مهمة صعبة أيضاً فالذي يصبح تلميذاً للمسيح عليه أن يكون مستعداً للشهادة من أجل أسمه القدوس ، وأرساليتهم إلى العالم أرسالية بشرى مفرحة وسلام وشفاء وعطاء بالمجان .
من الآيات التي توضح لنا عدد الرسل والتلاميذ في العهد القديم ، فهي ( ثم بلغوا إيليم حيث كانت أثنتا عشر عين ماء وسبعون نخلة . فخيموا إلى جوار عيون الماء ) ” خر 27:15″ . فالرقم ( 12 ) هنا يرمز إلى عدد الرسل والأسباط . أما الرقم ( 70 ) يرمز إلى شيوخ بني أسرائيل وإلى عدد تلاميذ المسيح في العهد الجديد , وبرسل وتلاميذ  روى المسيح العالم وأشبعه من كلمته وأنقذه من العطش والجوع ، والمقصود ليس الجسدي ، بل الروحي لخلاص النفوس .

العهد الجديد لم يكتب لنا قائمة بأسماء التلاميذ إلا أسماء محدودة منهم مثل ( مرقس – لوقا – اسطفانوس – برنابا – أبولس- تيطس – فيلبس- سوستانيس- سلوانس – تيخيكوس – سمعان – كلوبا- أرستارخوس – وأريستوبولس ) لكن في الكنيسة اليونانية التي تمتلك المصادر الأولى وباللغة اليونانية الأصلية لديها قائمة كاملة بأسمائهم ،

 

 ومذكورة في طبعة :

Orthodox Study Bible

في الصفحتي 818- 819

كل المصادر تشير إلى أن عدد التلاميذ هو (70 ) تلميذا عدا نسخة واحدة يونانية تحتوي على 72 وقد وضعت أثنين بين قوسين .

أدناه قائمة التلاميذ السبعين ومكان تبشيرهم :
1- مرقس Mark-the Evangelist : كاروز الديار المصرية، استشهد عام 68 بشر في لبنان وسوريا وقبرص وروما.
2- لوقا Luke : طبيب ورسام، لازم بولس في أسفاره، كتب الإنجيل وأعمال الرسل، استشهد علي يد نيرون. وهو أحد تلميذيّ عمواس.
3- برنابا / يوسف Barnabas: زميل بولس في الخدمة، استشهد في قبرص مسقط رأسه.
4- متياس Matthias : حل محل يهوذا الإسخريوطي الخائن، بشر آكلي لحوم البشر، عذب كثيرًا، تنيح بسلام.
5- يسطس Justus : رُشِّحَ ليحل محل يهوذا الإسخريوطي، بشر في بتروبوليس وأصبح أسقف لها.
6- كليوباس Cleopas : أحد تلميذيّ عمواس، بشر في بلاد عديدة ثم مات.
7- أسطفانوس Stephen :هو أول السبعين، أول الشمامسة، أول الشهداء.
8- فيلبس Philip : أحد الشمامسة، بشر في أشدود وقيصرية وأسيا، تنيح بسلام.
9- برخورس Prochorus : شماس، خدم مع يوحنا الحبيب، أصبح أسقف علي نيقوميدية، تنيح بسلام.
10- نيكانور Nicanor : شماس، استشهد رجمًا في قبرص عام 76م.
11- تيمون Timon : شماس، بشر في قبرص، أسقف علي أحد مدن البلقان، استشهد مصلوبًا.
12- برميناس Parmenas :شماس، لازم أورشليم لرعاية الفقراء والأرامل.
13- نيقولاوس Nicolaus/Nicolas : كان شماس، ضُل كيهوذا الإسخريوطي، اعتنق بدعة، أبغضه الرب.   
14- حنانيا Ananias : أسقف دمشق، عمد شاول الطرسوسي ، استشهد رجمًا.
15- لعازر Lazarus :أقامة السيد من الأموات، أسقف قبرص، تنيح بسلام.
16- أندرونيكوس Andronicus : سجن مع بولس، خدم مع يونياس الرسول، أسقف بنوتياس.
17- يونياس Junia: نسيب بولس الرسول لكنه آمن بالمسيح قبله، تنيح بسلام بعد تحمل شدائد كثيرة.
18- أرستوبولس Aristobulus: أسقف علي أحد مدن اسبانيا، استشهد رجمًا.
19- فريسكا Prisca : أسقف علي خورانياس، تنيح بسلام .
20- يهوذا / برنابا (أداي) Judas/Barsabas : بشر الأمم بقرارات مجمع أورشليم، رفيق سيلا، كان واعظ مقتدر.
21- سلوانس Silvanus : سلوانس العروف باسم سيلا، خدم مع بولس، أسقف علي تسالونيكي.      
 22- أولمبايس Olympas شارك بطرس الرسول شدائده،استشهد بعده بيوم واحد.   
23- تيطس Titus : تيطس من جزيرة كريت واسقفًا لها، خدم مع بولس.      
24- أغابوس Agabus : تنبأ عن جوع شديد واضطهاد، بشر في أنطاكية.   
25- فورس Phorus :رافق بولس وبشر في أماكن كثيرة، تنيح بسلام.   Phorus   
26- كاربوس Carpus : خدم في اليهودية، أسقفًا علي ترواس، تنيح بسلام.      
27- أبفراس Epaphras ابفراس هو خادم غيور خدم في كولوسي، لاودكية، هيرابوليس، نال إكليل الشهادة.   
28 - أبفرودتس Epaphroditus : خدم ابفرودتس في فليبي، خدم مع بولس، نال إكليل الشهادة.      
29- مناسون    Mnason : قبرصي، خدم في قبرص، نال إكليل الشهادة.   
30- أمبلياس Amplias :  خدم في رومية، أصبح أسقف علي أحد مدن روسيا، استشهد.      
31- اوربانوس Urbanus/Urban :عاون بولس كثيرًا، أسقف علي مكدونية، نال إكليل الشهادة.      
32- سمعان الدباغ Simon-the tanner : استضاف بطرس، كرز في بيزنطية، نال إكليل الشهادة.      
33- أستاخيس Stachys : خدم في رومية، نال إكليل الشهادة.         
34- أبلس Apelles :أسقف هيراكليا، تنيح بسلام بعد جهاد عظيم.      
35- أبينتوس Epenetus: خدم أبينتوس في رومية، سيم أسقفًا علي قرطاجنة، تنيح بسلام.      
36- هيروديون Herodion : ولد في طرسوس، خدم في تيراس واستشهد فيها رجمًا.      
37- قدراطس Quadratus : يوناني، بشر في مدينة مغنيسية، استشهد في آثينا.      
38- أسينكرتيس Asyncritus :خدم في رومية، تنيح بسلام.      
39- غايس Caius : خدم في تسالونيكي، بشر في أنطاكية، نال إكليل الشهادة.      
40- أرسترخس Aristarchus : مقدوني، بشر ارسترخس في اليونان، سافر مع بولس، تنيح بسلام.   
41- أفتيخوس Eutychus : خدم افتيخوس مع يوحنا الحبيب، خدم مع بولس، بشر في سبسطية، تنيح بسلام.
42- سمعان كلوبا Simeon, son of Cleopas :ابن شقيق يوسف النجار، أسقف أورشليم، استشهد عن عمر 120 عام.
43- مناين Manaen : كرز وعلم في أنطاكية، تنيح بسلام.
44- فليغون Phlegon : خدم في رومية، تنيح بسلام.
45- هرماس Hermes : أشتهر بأنه جامع الفضائل .
46- لينس Linus : أول أسقف علي رومية واستشهد هناك.
47- كوارتس Quartus :بشر كوارتس في أسبانيا، كرز مع بولس الرسول في كورونثوس، استشهد في أسبانيا.
48- بتروباس Patrobas : خدم في رومية ، أسقف برتوبياس ، تنيح بسلام.
49- زيناس Zenas : المشهور بالناموسي لعلمه الغزير، خدم في كريت، تنيح بسلام.
50- فليمون Philemon : ولد فليمون في لاودكية، خدم في كولوسي، كتب له بولس الرسول رسالة، تنيح بسلام.
51- أرخبس Archippus : أرخبس هو ابن فليمون، واسقف كولوسي، دعاه بولس بالمتجند معه.
52- أنتيباس Antipas: ذكر في سفر الرؤيا، أسقف برغامس، نال إكليل الشهادة.
53- ترتيوس Tertius : خدم ترتيوس مع بولس الرسول، صار أسقف علي أيقونيا، تنيح بسلام.
54-لوكيوس القيرواني Lucius: علم في أنطاكية، أقيم أسقف علي كنخريا.
55- أنيسيفورس Onesiphorus : خدم في أفسس وبارسنيه، والي أفسس سحله علي الصخر والشوك حتي استشهاده.
56- تيخيكوس Tychicus : خدم تيخيكوس في أسيا الصغري، رافق بولس الرسول في بعض أسفاره.
57-سوستانيس Sosthenes : سيم أسقفًا، استشهد برميه في البحر فمات غرقًا.
58- نركيسون Narcissus : خدم نركيسوس في رومية، رافق بولس، رسم أسقفًا لأثينا.
59- أخانيكوس Achaicus : خدم في كورونثوس، زار بولس الرسول في سجنه.
60 - أرتيماس Artemas : خدم أرتيماس مع بولس الرسول.
61- بوديس Pudes : خدم تروفيموس مع بولس الرسول، رسم أسقف علي روما.
62- تروفيموس Trophimus : خدم تروفيموس مع بولس الرسول، رسم أسقف علي روما.
 63-سوسيباترس Sosipater : سوسيباترس هو يوناني، صاحب بولس الرسول، رسم أسقف علي أيقونيه.
64-فرتوناتوس Fortunatus : كورونثوثي، خدم فرتوناتوس مع بولس في أفسس.
65- نيريوس Nereus : خدم في روما.
66- أرسطوس Erastus : أرسطوس هو واحد من رفاق بولس الرسول، رسم أسقف علي أورشليم.
67- أكيلا Aquila : كان اكيلا صديقًا لبولس الرسول، خيام.
68- ألكسندروس Alexander : ابن سمعان القيرواني، رسم أسقف علي افينون بفرنسا.
69- روفس Rufus : الابن الثاني لسمعان القيرواني، رسم أسقف علي تيباس.
70- ياسون Jason : طرسوسي، أسقف علي طرسوس، كرز بالمسيح في تسالونيكي.

                 
  والمجد الدائم للرب يسوع

47
شعب الله المختار في العهدين
بقلم / وردا اسحاق عيسى
وندزر – كندا
( أما الذين قبلوه ، أي الذين آمنوا بأسمه ، فقد منحهم الحق في أن يصيروا أولاد الله ، وهم الذين ولدوا ليس من دم ، ولا من رغبة جسد ، ولا من رغبة بَشَر ، بل من الله ) " يو 1: 12-13 "
الله خلق الأنسان وكوّنَ منهُ شعوباً وقبائل كثيرة . وكل تلك الشعوب هي أولاد الله . فالله لن يفرق بين أولاده ، بل يحب الجميع ويريد الخلاص للجميع ، لكن أختياره لشعب على وجه التحديد من بين الأمم فهذا عائد إلى حكمته وخطته التي تصب في محبةٍ خصوصية لزمن ما لكن هذا لا يعني بأنه لم يحب الأمم الأخرى .
أختار الله العبرانيين في العهد القديم لا لأستحقاقاتهم وطهارتهم ، ولا بسبب عددهم ، بل بسبب محبته ورحمته الخاصة ، ولكي يسلم لهم رسالة ويقطع معهم عهد ، فعلى الشعب أن يحفظ وصاياه وإلا فإنه لا يعترف بهم " تث 7 " هكذا قطع الله العهد مع الشعب العبري بدم ذبيحة " خر 8:24" فكان على الشعب أن يلتزم بوصايا الله وتعليمه . هكذا أفرز الله هذا الشعب الذي صار مملكة من الكهنة " خر 6:9" . ومهمة هذا الشعب لم تقتصر لخلاصهم فقط ، بل لكي يكونوا شهوداً للإله الواحد بين الأمم " أش 8:44 " خرج ذلك الشعب من صلب أبينا ابراهيم الذي أختاره الله من أرض أور الكلدانية ليذهب إلى أرض كنعان ، وأحفاده سيخرجون إلى مصر بسبب المجاعة ويلجئون إلى أخيهم يوسف الذي صار عوناً لهم وخلاصاً ، وهناك تكوّنَ شعب كبير قادهُ الله بيد قوية الى خارج مصر بقيادة موسى فنقله إلى صحراء أربعون سنة أستعداداً لدخول إلى أرض جديدة أفرزها لهم . وكيف أزيحت الشعوب الساكنة في تلك الأرض ؟ النصوص الكتابية تتكلم بوضوح عن أمر الله للشعب بأن يقتل أعداؤه ويبيدهم ، غير أن هذا الأسلوب لا يتفق مع عدالة الله ، بل مع عقلية الشعب العبراني ، وتم تنسيب تلك القضية إلى الله ، وإن أنتصاراتهم على الأمم تعني نصر الإله الحي على الآلهة الأخرى المتمثلة بالأصنام ولكي يملك الإله الواحد الحقيقي على الأرض الوثنية " 1مل 15:8 " وهي الأرض التي وعد الله بها آباء العبرانيين مع أنها لم تكن لهم يوماً تشجيعاً لأيمانهم بالإله الواحد والتي تُعَبِر عن فكرة لاهوتية بوعد مادي جغرافي أقليمي محدد ، فأكدوا بأن الرب وعد هذه الأرض للأجداد في تلك الحقبة الزمنية بإغراء ، حيث كان الشعب ضيّق الآفاق محدوداً ، متعصباً لأبناء قومه ، وشديد الوعي لكرامته ، وكما هو الشعب اليهودي اليوم منطوياً ، منعزلاً ، عنصرياً .
لم يتمكن العهد القديم أن يجعل ذلك الشعب كاملاً " عبر 19:7 ، 9: 9 ، 1:10 " ولم يبقى شعب العهد القديم مقدساً لكثرة خطاياه وخيانته التي جلبت عليه العقاب والجلاء والشتات ، وكما يقول صاحب المزمور " 31:89 " لهذا وعد الله منذ تلك الأيام بخلق شعباً جديداً يحمل قلوباً متغايرة " حز 26:36" ومع ذلك الشعب سيقطع الله عهداً جديداً " إر 31:31 " وسيكون شعباً مقدساً " أش 12:62 " وهذا الشعب لم يكن من الشعب العبري ، بل سينزع الكرم من ذلك الشعب ويُسَلِمَ للأمم لكي يشمل شعب الله المختار في العهد الجديد جميع شعوب الأرض " أش 2:2 " وهكذا سيشترك كل إنسان مع العبرانيين في البركة الموعودة لأبراهيم " إر 2:4" وذلك عن طريق وسيط عظيم هو عبد الرب المتألم " أش 6:42 " فإختيار الله للعبرانيين كشعب مختار كان خطوة أولى لعهد أبدي جديد مع الناس لكي يكون شعباً جديداً وأُمة جديدة تتجمع فيه كل الشعوب مع إله إبراهيم " مز 10:47 " وتولد في هذا العهد جميع الشعوب في المدينة المقدسة " مز 87 " سيجمع الله شمل البشرية بعد أن تشتت وتفرقت بسبب كبريائها في برج بابل " أش 18:66 " " زك 17:14 " .
في شعب الله المختار ستكون شريعة الرب في القلوب لا على ألواح الحجر " إر 33:31 ، مز 36: 27 " وإبن داود سيمتلك على جميع الأمم " مز 2 و 72" .
الأرض الجديدة التي وهبها الله لشعب العهد القديم ولزمن محدد هي أرض كنعان . أما الأرض التي وهبها لشعب العهد الجديد فهي أرض مقدسة " حز 34 و إر 31 " وهذه الأرض
أبدية في عالم الخلود ، عالم مخلوق من جديد " أش 17:65 " وهكذا تتوحد هناك جميع الشعوب والأوطان " هو 20:2 " " أش 65: 17-20 " .
العهد الجديد مقطوع بدم المسيح " 2 قور 61:6 و عب 10:8 " شعب مقدس قَدّسَهُ المسيح بدمه " عب 17:2 ". يدخل المرء في هذا الشعب من باب الأيمان أولاً ليصبح أبناً لأبراهيم المؤمن " غل 7:3 ، رؤ 3:8 " وهكذا نكون شعباً جديداً مختاراً ، أمةً مقدسة " بط 9:2 " وهذه الآية تقابل الآية " خر 5:19 " أبناء هذا الشعب هم أبناء أورشليم السماوية " غل 26:4 " . وبموت المسيح أزال الحاجز بين الشعب العبراني والشعوب الأخرى " أف 14 :2 " 
ولإلهنا المجد والتسبيح

48

المؤمن لايموت وليس له قيامة ثانية


بقلم / وردا أسحاق عيسى القّلو
وندزر – كندا


قال الرب يسوع ( من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية ، ولا يمثل لدى القضاء بل أنتقل من الموت إلى الحياة ) " يو24:5 "

قضاء الله وملكه يبدأ على الأنسان وهو في الحياة ، أي زمن قضاء الله قد حلّ ( رؤ 11: 15-18 " والمؤمنون بالمسيح يشاركون الله في ملكه وقضاءه العادل ويعلنوها لكل أنسان بصورة واضحة ، وهذا الواجب هو جزء من حياة كل مسيحي وكما وضحَهُ يوحنا في " رؤ 9:1" بأن يشارك المؤمنين في المحنة والملك والثبات . الأنسان الذي يؤمن بالمسيح وينال المعمودية يموت مع المسيح ، لكنه بعد أن يخرج من ماء المعمودية . يقوم مع المسيح هذه هي قيامته الأولى والأخيرة ولا قيامة ثانية له ، ولم يكن بعد ذلك أمام مواعيد محفوظة لمستقبل بعيد . وهذه هي ميزة خاصة من الله لكل مسيحي . فسفر الرؤيا لا يريد التحدث عنها ، وذلك لأن المؤمنين ينالون منذ هذه الحياة الخلاص الأبدي لكي يستثنوا من الدينونة ، لأن لا دينونة للمؤمن . فالمؤمنين يعيشون في ما وراء الدينونة فلم يعد للمؤمن أن يخاف من الموت الثاني " رؤ 11:2 و 6:20 " فموت الجدسد للمؤمن هو باب الفرح الذي من خلاله يدخل الى السعادة الأبدية  . أما الغير المؤمن فيموت الموت الأول في الجسد ، ومن ثم الموت الثاني بعد الدينونة العظيمة . فالمؤمن منذ حياته على هذه الأرض وقبل أن يموت جسدياً يعيش حياة جديدة ومنبعثة ، تجعل منه أنساناً سماوياً ، لهذا قال يسوع للمؤمنين به ( ... فها ملكوت الله في داخلكم ) " لو 21:17 " .
  وقد أكد هذه الحقيقة سفر الرؤيا في مواقع عديدة منها " 7: 9-17 و 12:10 و 14: 1-5 و 15: 3-4 ) بل هم أحياء في السماء يرتدون ثياباً بيضاء منتصرين حاملين بأيديهم سعف النخل ويهتفون لله الجالس على العرش . إذاً جميعهم قد نالوا القيامة الأولى ولا قيامة ثانية لهم في تفسير آيات سفر الرؤيا . نعم حياة المؤمن في الحياة تكون مهددة قبل موت الجسد ، لأنه قد يضعف ويسقط وينكر الأيمان . والذي ينكر المسيح سينكره المسيح أيضاً . لهذا لا يجوز للكنيسة أن تطوب المؤمن أو تعلن قداسته قبل موت الجسد . أما الذي يحيا مع المسيح في حياته الزمنية فلن يموت أبداً ، بل ينتقل إلى الحياة الأبدية " يو 5: 25-26 " .
 لا سلطان إذاً للشيطان على المؤمن الحقيقي ، بل المؤمن يعيش في السماء وهو على الأرض ، هكذا تتلاقى الكنيسة المجاهدة مع الكنيسة السماوية الممجدة ، فالمؤمنون على هذه الأرض يمارسون الدينونة والملك والكهنوت مثل المسيح ، فالمسيحيون هم المنتصرون مع المسيح الذي لم يكن من هذا العالم لهذا قال لبيلاطس ( ليست مملكتي من هذا العالم ) " يو 36:18" .
المسيح هو آدم الجديد ، فليكن كل مؤمن به آدم جديد لكي يلغي سقطة آدم القديم . هكذا يتيح للأنسان الجديد أن يقصر المسافة بينه وبين الله لكي يعود صديقاً له كما كان آدم قبل السقوط أو الموت الأول بسبب الخطيئة ، هكذا يستطيع المؤمن بالمسيح أن يحيا على هذه الأرض وكأنه في فردوس الله ، فليس للموت الأول والثاني سلطاناً عليه . فكل مسيحي وهو في الحياة يعيش الأزمنة الأخيرة علماً بأن الأزمنة الأخيرة قد بدأت منذ موت المسيح على الصليب وقيامته .
أما الزمن الذي نعيشه الآن نحن اللأحياء المؤمنين ، والألف سنة التي يذكرها سفر الرؤيا في الأصحاح العشرين فتدل على الزمن الممتد بين مجىء المسيح الأول ( بعد التجسد ) ومجيئه الثاني لكي يدين الغير المؤمنين به ، والذين كانوا موتى وهم أحياء وحسب قول الرب ( دع الموتى يدفنون موتاهم ) " لو 60:9" . فالمؤمنون الأحياء هم منذ الآن مع الحمل المنتصر . و في القيامة يأتي المسيح مع ملائكته القديسين ، سيعلن الموت النهائي للخطاة وللأرض والسماء ، ويدان كل خاطىء غير مؤمن ومصيره سيكون الهلاك الأبدي مع التنين والوحش" رؤ 3:12" والنبي الكذاب " 11:13 و 2:19 " أنه الموت ، والموت هو آخر عدو يشكل الوجه المظلم للخليقة " رؤ 4:21" وهو ثمرة رفض الأنسان لله بأرادته وحريته .
 أخيراً نقول : طوبى لمن آمن بإبن الله المتجسد ، وإن مات مثل لعازر سيحيا ، لأن جميع المؤمنون به أحياء ( طالع مت 32:22 و لو 20: 37-38 ) أما الغير المؤمنين فحتى في حياتهم الأرضية هم أمواتاً ، وفي القيامة سيقومون للقضاء ( يو 39:5 ) .
المؤمن سُجِلَ أسمه منذ الآن في سجل الحياة ، كتاب الحمل ، أنه من القديسين الذين شاركوا في القيامة الأولى ، فلا سلطة للموت الثاني عليه .
والمجد الدائم للمسيح المنتصر


49
دور الروح القدس في المؤمن وفي الكنيسة
بقلم/ وردا أسحاق عيسى القلّو
وندزر- كندا

الروح القدس هو روح الله ، وأحد الأقانيم الثلاثة في الله الواحد . يمثل هذا الروح حضور الله في الأنسان وفي الكنيسة وأسرارها المقدسة .، كما هو الذي يقود المؤمن المعمد إلى ملء الله . وهو أيضاً يقود الخليقة كُلِها وفي كل أبعادها المادية والروحية الحاضرة والمستقبلية ، الأرضية والسماوية ، وهو الذي يقود الأنسان نحو الحق والعدالة والسلام والفرح . فقيامة المسيح وحضوره بين التلاميذ كان بقوة الرب وبحضور روحه القدوس في داخله والذي نفخه في التلاميذ .
كل مؤمن بالمسيح يجب أن يعمد بأسم الآب والأبن والروح القدس ، هنا نلاحظ بأن صيغة المعمودية ثالوثية وهي موجز للكرازة التي طلبها يسوع من تلاميذه فقال ( أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم بأسم الآب والأبن والروح القدس ) " مت 19:28" فبالأيمان بالله الآب وبيسوع المسيح أبن الله وبنوال المعمودية يصير الأنسان أبن الله بالتبني ( إنكم جميعاً أبناء الله ، بالأيمان بالمسيح يسوع ، لأنكم أنتم جميعاً الذين أعتمدتم في المسيح ، قد لبستم المسيح ...وبما أنكم أبناء له ، أرسل الله إلى قلوبنا روح ابنه ، منادياً " أبا " يا أبانا ) " غل 26:3-27، و 6:4 " .
الروح القدس هو وعد المسيح للمؤمنين به أرسله لهم بعد قيامته وتمجيده لكي يرشدهم إلى الحقيقة ، ويخبرهم بكل ما يريده منهم ( يو 7:16 ) . فكل من يتوب ويؤمن ويعمد يحل عليه هذا الروح وكما قال بطرس في وعظته الأولى للشعب ( توبوا واعتمدوا تناولوا موهبة الروح القدس ) " أع 2: 38-39 " وإن عمل الروح القدس لا يقتصر على المواهب الخاصة فحسب ، بل يشمل الحياة المسيحية في جميع جوانبها . فالروح القدس هو الذي أسس الكنيسة في يوم الخمسين عندما حل على التلاميذ ورافق الكنيسة منذ ذلك اليوم وفي جميع مراحل نموها لأنه قدرة الله التي دفعت الكنيسة الناشئة الى أقاصي الأرض وحسب قول الرب لتلاميذه ( أنكم ستنالون قوة بحلول الروح القدس عليكم ، فتكونون لي شهوداً في أورشليم ، وفي جميع اليهودية والسامرة ، وإلى أقاصي الأرض ) " أع 8:1 " . فالروح القدس هو الذي قاد الرسل في تبشيرهم ، ذلك الروح قال لفيلبس أن يتقدم نحو عربة الوزير الحبشي : أع 28:8" وهو الذي خطفه من أمام أنظار الوزير . وهو الذي قال لبطرس إلا يتردد في الذهاب إلى كرنيليوس قائد المئة ، ويفتح أبواب الكنيسة أمام شعوب الأمم رغم معارضة المؤمنين " أع 10: 19-20 " والروح القدس هو الذي اختار بولس وبرنابا للرسالة " أع 13: 2-4 " . وكل الرسل كانوا يصغون لألهامات الروح القدس في عملهم الرسولي ، وفي قراراتهم ، فقالوا ( فقد رأى الروح القدس ونحن ) " أع 28:15 " الروح القدس هو امتداد ومواصلة حضور يسوع مع الرسل بعد صعوده لهذا يدعوا سفر أعمال الرسل الروح القدس أحياناً ( روح يسوع ) " أع 7:16 " وإن الرسل كانوا يعملون بأسم يسوع " أع 18:4 " فالروح القدس يعمل في المؤمن وفي الكنيسة لكي يجمع الشعب المؤمن على اختلاف فئاته في جسد واحد هو جسد المسيح " 1 قور 13:12" . والكنيسة متحِدة إتحاداً وثيقاً بالمسيح وبالروح القدس ، والمؤمنون يتبررون ويتقدسون بالمسيح وبالروح القدس ( 1 قور 2:1 و 2 قور 21:5 " .
المسيحيون هم أبناء الله وهياكل الروح القدس . يقوم عمل الروح القدس في المؤمنين على أنه يدخل لأعماق الأنسان ليجعل منه عضواً في جسد المسيح " 1 قور 16:3 " وهكذا يصير الأنسان والله واحداً كما أن المسيح والآب واحد .
يقول القديس إيريناوس ( كما أن الله نفخ روحه في الجسد الذي كوّنَهُ ، ليمنح الحياة لكل أعضاء الجسد ، هكذا أعطى الروح للكنيسة ) .
وهذا الروح الذي تسلمته الكنيسة وأعطيَ لها ونُفِخَ فيها ، هو المبدأ الحي للأتحاد الصميم بالمسيح ، هو ثبات أيماننا ، والسلّم الذي به نرتقي إلى الآب . وهو أخيراً وعلى الأخص عربون وبذار لعدم الفساد حتى اللانهاية ، حيث نعتق إلى الأبد من أنحلال الموت وجموده ، فحيث الكنيسة هناك أيضاً روح الله . وحيث روح الله ، هناك الكنيسة وكل نعمة . والروح هو حق ، لذلك فإن من لا يشترك في الروح لا يستقي من جوف أمه غذاء الحياة ، لا ينال شيئاً من الينبوع الصافي الذي يتدفق من جسد المسيح .( ضد الهراطقة 3:24 ،1 )
يقول الرسول بولس عن الحياة بالروح ، التي يجب أن يحياها أبناء الله ( إن كنا نحيا بالروح ، فلنسكن أيضاً بحسب الروح ) " غل 20:5 " فعلى الأنسان أن يموت عن الخطيئة لكي يولد ولادة جديدة بالروح ، فبالروح يصير المسيحي إنساناً جديداً ( 1 قور 15:2 ) . وبالروح يحب ، وبه يؤمن ، ويرجو ، ويصلي ، لأن الصلاة هي أتصال بالله وإتحاد به ، والله بروحه يأتي ويسكن فينا ، فصلاتنا إذاً هي  إتحاد بالروح القدس الساكن فينا ويعضد ضعفاتنا ، وإننا لا نعرف أن نصلي كما ينبغي بدون الروح ( طالع رو 8: 26-27 ) فالله الذي ختمنا بالروح  جعل عربون الروح القدس في قلوبنا ( 2 قور 22:1 ) فعلينا أن لا نحزن روح الله الساكن فينا ولا نطفىء ذلك الروح القدوس في داخلنا ( 1 تسا 19:5 و أف 30:4 ) .
فبالروح نصلي ونقدس أسم الله كأبناء ، فإتحادنا بروح الله هو في الواقع دخولنا إلى ملكوت السماوات الذي يبدأ من قلوبنا ، لهذا يقول الرسول ( كونوا مصلين في كل حال ، بكل صلاة وطلبة في الروح ، وساهرين لهذا الغرض عينه مواظبين تماماً على جميع الطلبات لأجل القديسين جميعاً ) " أف 18:6" .
وملكوت الله يقول عنه الرسول بولس ( إن ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً ، بل هو بر وسلام وفرح الروح القدس ) : رو 17:14 " .
الروح القدس يقدس ويشترك في كل أسرار الكنيسة .يسوع عندما طعن بالحربة خرج من جنبه الدم الذي هو علامة الموت ، كما يرمز الى سر الأفخارستيا ، والماء الذي هو علامة الحياة الجديدة ويرمز إلى المعمودية ، فهو إذاً علامة الحياة التي أشار لها المسيح بقوله ( من آمن بي تجريِ من داخله أنهار ماء حي ، إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب ) " يو 7: 38 ".
ختاماً نقول : من الروح القدس ننال الفرح والسلام الداخلي الذي لا يمكن أن نحصل عليه بقوتنا الذاتية ، بل بقوة الروح الساكن فينا . فكما أن النور هو شعاع من الشمس ، كذلك الفرح والسلام هي إشعاع من الروح القدس الساكن في قلب المؤمن . لهذا يتميّز المسيح بين السلام الذي يعطيه العالم والسلام الذي يعطيه هو للعالم ، وبين فرح العالم وفرح المسيح وروحه القدوس ( سلاماً أترك لكم ، سلامي أعطيكم ، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا ، فلا تضطرب قلوبكم ، ولا ترتعب . ) " 27:14 " .



50
المقصود بغضب الله وأنتقامه
بقلم / وردا أسحاق عيسى القلّو
وندزر - كندا

هل الله هو إله غضب وأنتقام ، أم إله محبة؟
لله صفاة ثابتة لا تتغير تثبت بأنه إله رحمان ، وإله مُحِب وعادل ورحوم وطويل الأناة . وكل صفاة الله تربط بالمحبة لأن الله محبة ( 1يو 16:4) فهل يمكن أن تنضح المحبة الغضب والأنتقام؟ الجواب كلا ، لكن حكم الله تجاه الخاطىء يجب أن يكون عادلاً . فعندما يخطأ
الأنسان على أخيه الأنسان ، يقول الله ( لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ) " عب 30:10" وقيل (لأن الرب يدين شعبه وعلى عبيده يشفق) "مز  135: 14 " أي أن الله العادل بحكمه هو الذي يحكم بين الظالم والمظلوم بحسب عدله الإلهي فلا يظلم أحداً ، بل يهتم بكل شىء حتى بأصغر الأمور التي قد نحسبها نحن البشر غير مهمة ، فالاية تقول ( أما أنتم فشعور رؤوسكم كلها محصاة ) " مت 30:10 " أي أنه يهتم بكل شعرة في رؤوسنا ولا تسقط ورقة من شجرة بدون علمه ، فكيف لا تسهر عين الله على الأنسان لتشهد على ذنوب الخاطئين والمسيئين إلينا . فالمحبة الإلهية عادلة وعارفة لجميع الأمور وقادرة على التحكم بالعدل والحكم الصادر علينا أن لا نفسره أنتقاماً نابعاً من غضب الله . لأن الله لا يغضب ، بل يحكم بالمساوات ، فلكي نفهم بدقة عبارة ( غضب الله ) نقول ، عندما يرفض الأنسان محبة الله المقدمة له مجاناً فيعمل ضد إرادة الله ودستوره المعلن للجميع فإنه بهذا يتمرد و يطعن الله في الصميم . فبدلاً من أن يستجيب للحب الإلهي بكل حرية يقوم برفض تلك العطية لكي يعتمد على قدراته الذاتية مما يدفع الله إلى صيغة أخرى نحوه وهي " الغيرة الإلهية " فكما أن الحب البشري مقترن بالغيرة على قدر ما يوليه للمحبوبة من أحترام وتقدير واهمية ، هكذا فالغيرة الإلهية  تطلب من الإنسان أن لا يشوِب حبه تجاه خالقه . لأن الله يريد حُباً خالصاً لا أثر للتملك فيه وحتى في وقت الضيق والآلام ،وإلا فستضعف العلاقة بين الأثنين . حب الله يحتاج إلى تضحية ، فلا يجوز أن يُفَضّل أي شىء على الله لأن الله إله غيور . فالذي يفَضِل الأهل والمال والمراكز وغيرها عليه فلا يستحقه ( طالع مت 37:10 ) . إذاً الله لا يغضب ، بل الأنسان هو الذي يقوم بتعطيل مفعول الحب الإلهي فيه نتيجة أهماله أو عدم الأعتراف به ، فالله لا يقتل ولا ينتقم من أجل التأديب ، ولم ينتقم يسوع الله المتجسد من أحد ، بل طلب الغفران حتى لصالبيه . فعلينا إذاً أن لا نشبّه الله بنا فنقول بأنه يغضب وينتقم ، فنقول ، أن الله في العهد القديم كان يبدو إلهاً منتقماً وغضوباً يبطش بالبشر ويبيد الشعوب كما فعل في الطوفان ، وفي مدينتي سدوم وعمورة وقتل أببكار المصريين واليهود الذين خالفوا قوانين موسى في برية سيناء وغيرها فغالباً مايبرر ذلك على أنها تأديب من الله للأنسان ، لكن هنا التفسير يتناقض مع الحرية التي اعطاها الله للأنسان ، فلهذا يرغمهم بالعنف للخضوع . مما يدعنا نحن أيضاً أن نحكم على الآخرين ونبطش بهم لتأكيد سلطاننا وبأسم الدين ، وبهذا نظن بأننا نقدم خدمة له . فموسى يأمر سبط لاوي بأن يقتلوا جماعة من الأسرائيلين الذين عبدو العجل الذهبي . ويشوع بن نون يبيد مدن كنعانية إبادة كاملة . وأيليا ذبح 450 كاهناً من كهنة البعل . وهكذا أبيدة شعوب في أرض كنعان وأقيمت مملكة جديدة على أشلاء جثثهم . هذه الصورة تقترن مع أقتراب عهد المسيح بصورة النار التي تحرق الأعداء ( ها هي ذي الفأس على أصول الشجر فكل شجرة لا تثمر ثمراً طيباً تقطع وتلقى في النار . .. الذي يأتي بعدي ... يأخذ المذرى بيده وينقي بيده فيجمع قمحه في الأهراء ، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفاً ) " مت 3: 10-12 " لكن المسيح في عهده الجديد لا ينتقم ، بل وضع شريعة الله الجديدة .سجن يوحنا المعمدان وكان يظن في سجنه بأن المسيح سينتقم له ، لهذا أوفد إليه بعض التلاميذ ليقولوا له ( أأنت الآتي ، أم آخر ننتظر ؟ ) " مت 11:2-3 " . يسوع أدرك مقصده فأجاب قائلاً ( أذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون أن العمي يبصرون والكسحان يمشون ، والبرص يبرأون ، والصم يسمعون ، والموتى يقومون ، والفقراء تحمل أليهم البشرى ، وطوبى لمن لا يشك فيّ ) " مت 11: 4-6 " . المسيح قلب المفاهيم الشائعة عن نمط تدخل الله في الأرض وعن موضوع الغضب والأنتقام ، فبين لنا بأن الله لا ينتقم ولا يقبل الأنتقام لهذا أنتهر أبناء زبدي الذين أرادوا الأنتقام من قرية السامريين بطلب من السماء ناراً تأكلهم ، أنتهرهم يسوع وأنتقلوا إلى قرية أخرى . وهكذا نجد يسوع حين إلقي القبض عليه في بستان الزيتون كيف تصرف بحكمة بعيداً كل البعد عن أسلوب التحدي والغضب والأنتقام فعاتب بطرس الذي أراد الدفاع عنه ، فقال له ( أغمد سيفك ، فمن يأخذ السيف بالسيف يهلك ، أو تظن إني لا أستطيع أن أسأل أبي ، فيمدني في الساعة أكثر من أثني عشر فيلقاً من الملائكة ؟ ) " مت 25:26 " . كان يسوع الأله يعلو اقتداره على العنف لأنه محبة ، والمحبة تحتوي على الحب الجنوني للمحبوب إلى حد قبول وتحمل الأهانات والمعانات من أجل محبته للجميع والمحبة لا يصدر منها الأنتقام والغضب . إنه يحب الجميع ، وعلمنا لكي نحب حتى أعدائنا ونصلي لأجلهم ، فقال ( أحبوا أعدائكم ... وتكونوا أبناء العليّ ... كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم .. ) " لو 6: 35-36 ".
فكيف نفهم غضب الله ؟ وماذا يقصد بالغضب في الآية ( من يؤمن بالأبن فله الحياة الأبدية ، ومن لم يؤمن بالأبن لا يرى الحياة الأبدية ، بل يستقر عليه غضب الله ) " يو 36:3" وهنا لا يقصد بأن محبة الله ستتحول يوماً إلى رغبة في الأنتقام من كل المخالفين لوصاياه ، بل المقصود هو أن كل من يغلق قلبه دون محبة الله المقدمة له مجاناً  ، فأنه يجعل من نفسه خارج المحبة والحياة ، وفي الأخير يصبح حب الله المرفوض منه عذاباً له ، وإن بقي على حاله سيبقى فيه العطش إلى الله الذي هو ينبوع الحياة الذي يروي الأنسان فتشمله الآية
( تركوني أنا ينبوع المياه الحية واحتفروا لهم آباراً مشققة لا تمسك الماء ) " أر 13:2 " .
كما علينا أن لا ننسب كل ظاهرة طبيعية لله ، وخاصةً عندما تكون مدمرة للطبيعة والبشر كالرعد والرياح والفيضانات والأمراض . بل علينا أن نفهم الأمور بألهام الروح الساكن فينا لكي ندرك المعنى روحياً ولا نفكر بالأنتقام والغضب ، بل بالنور والسلام والحب ، وهكذا سيتحول قلب وفكر الأنسان غلى المحبة فلا يطعن قلب الله بأصراره على أختيار طريق التمرد والموت بدل التجاوب مع نداء الحب الصادر من السماء أليه لكي يستقر فيه الفرح والحب والسرور .
رسالة المسيح الخلاصية هي للأخيار والأشرار على حد سواء ، وان الله يريد خلاص جميع الأمم ( أن الله لا يشاء موت الخاطىء ) " حز 23:8 " . إذاً الله لا ينتقم ، لا يقتل البشر في سبيل التأديب ، إنما الأنسان قد حول هذا السلطان الرهيب لكي يطعن قلب الله المحب في الصميم بأصراره على اختيار طريق الموت بدل التجاوب مع نداء الحب المجاني المعطى له من الله المحب .
ولألهنا المحب المجد والتسبيح

51
الثقة بوعد الله وسبل مواجهة العدو

بقلم / وردا أسحاق عيس القلّو
وندزر - كندا

الأنسان مدعو إلى تسليط الضوء على حياته وخاصة إلى ما في داخله ، فهو يحتاج إلى عيون تكشف له خفايا الداخل ويقرأها . وقد يتطلب الأمر بأن يختفي هو عن الأنظار ليعتكف مع نفسه بعيداً عن الأخرين فيتحدث إلى الله بصلواته وطلباته وبِصمتهِ منتظراً صوت الله في داخله ، والله يريد الأخلاء مع الأنسان في بيته أو صومعته أو في الصحاري والجبال ، لأنه ليس من السهل مطلقاً سماع صوت الله مع وجود الهواجس الخارجية والمشاكل التي يسببها الأختلاط مع العالم تفقد الأنسان ثقته بايمانه فلا يستطيع أن يفرز الصوت الداخلي فيه ، لهذا يجب الهروب والأختفاء لأجل تأمين الأتصال مع الهدف المنشود . على المؤمن أن يثق بأقوال الله ووعوده فيقرأ كلماته أو يسمع المواعظ الروحية ويبحث عن مضمونها . فالسبيل الأفضل هو سماع الصوت الصادر من داخله فيصغي أليه لكي يصل إلى الفرح عندما يفسر ويستدل على مصدر ذلك الصوت الذي يدفع الروح إلى أتباعه كما فعل أبراهيم وأنبياء كثيرين وكهنة ورهبان فلبوا طلب الصوت . يجب أخبار الأصدقاء بعد ذلك عن ذلك الصوت الجوهري الذي يدفعنا للوصول إلى الكنز الثمين . قد يواجه من يعمل لخدمة الرب أنتقادات كثيرة من القريبين فيتهموه بخسارة الوقت ، وعدم أستغلال المواهب ، وكسب الخيرات له ولعائلته إذا كان مرتبطاً بعائلة بسبب صرف قسم من وقته لله . أصوات سلبية يضعها عدو الخير في ألسنتهم لكي يقاوموا سبل الرب المستقيمة .
حب الله هو أقوى من حب الصديق والقريب . وحب الله للمؤمن قديم وموجود قبل أن يخلق ذلك الأنسان ، وكما كشف لنا الرب هذا السر للرسول نثنائيل عندما أتى به فيلبس إلى الرب . الله يدعو الأنسان وهو في رحم أمه ، فعليه أن يستلم ذلك الحب ويبقى وفياً له وقوياً أمام قوى الظلام ، ويثق بأن تلك القوة لا تستطيع أن تهيمن على حياته ، بل هو يواجهها دائماً ويحرز أنتصارات متكررة على كل تجربة كالتي أحرزها يسوع نفسه على الأبليس . لا وبل أحرز الأنتصار على الموت ، وأحرز للمؤمنين به القدرة على الموت كي يعيشوا بسلام ، فلا سلطان للموت على المؤمن لكنه يهيمن على تفكير الغير المؤمن ليعيش في صراع وخوف مستمر . الأنتصار الذي سجله المسيح على الصليب وختمه بقيامته لا يمكن لقوى الشر الهيمنة على خراف الرب لأنه الراعي الصالح الذي مات لأجلهم . فحب المؤمن لذلك الراعي الأمين هو أقوى من الموت ، لهذا يحسبون الموت ربحاً ووسيلة للعبور إلى حياة جديدة ملؤها النور والفرح والسلام ، فواجب المؤمن مع هذه الحياة هو الشهادة لحب الله ، وكما يتقدم الأنسان وينمو في هذا الطريق فحتماً سيتعرض إلى هجمات وتجارب وصعوبات التي تأتي من المقاوم الذي يشعره دائماً بأنه ضعيف وغير مستحق ولا يمتلك شيئاً يمكن أن يستفاد منه الآخرين .
كلما يتخطى الأنسان نحو الله ستزداد المعارك بين الله والشرير في أرضية قلب وفكر ذلك الأنسان. فالذي يتعرض إلى تجارب كثيرة عليه أن يعلم بأنه قوي وفي أيدٍ أمينة ، وأن الله لا يتركه لوحده ، بل يحسب خطوات مسيرة ذلك الأنسان نحوهُ ، وكما تراقب الأم مسيرة أبنها وخطواته . يجب أن يزول الخوف أولاً من قلب المؤمن أثناء المواجهة للأستعداد والمقاومة لأنه سيدخل في حروب كثيرة . والسلاح الأول الذي يجتاجه في حياته هو الحب الحقيقي ليسوع والعمل في خدمة رسالته والتضحية من أجل خدمة الكثيرين . وحب يسوع يتطلب دائماً العودة إلى العمق وسماع صوت الرب في الداخل وهذا الصوت يدعم الأنسان لمواجهة الأصوات الغريبة والمغرضة الصادرة من العدو فيرصدها قبل مروره في التجربة ، أو التجربة ستصبح سهلة له فينال منها بنجاح ليحصل على أكليل النصر .
العدو يتربص ويترتب كل خطوة ويبحث عن الضعفات للهجوم كأسد زائر يبحث عن فريسة لكن مقاومته لن تغدو بالغة الصعوبة إن سلم الأنسان نفسه في أحضان الراعي الصالح ، لأن الراعي الصالح هو الذي يدافع عنه وينقذه.
ولراعينا الصالح المجد الدائم

52
المنتصر سيكون مواطناً في أورشليم السماوية
بقلم / وردا أسحاق عيسى القلو
وندزر - كندا

المؤمنين بالمسيح يُعدون بالميليارات عبر القرون ، وكل مؤمن أؤتمن عنده الرب وزنات ليعمل بها ، فعليه أن يكون حاراً وشجاعاً لا يهاب الموت وأميناً في عمله لكي يضيف إلى تلك الوزنات وزنات أخرى رغم قساوة الحياة من الظلم والأضطهاد وحتى وإن وصل إلى ذروته فعليه أن يبقى أميناً ونور المسيح يظل فيه مشتعلاً ومشرقاً ليضيء بصيرة القابعين في ظلمة الأبتعاد عن نور الأنجيل . فالفتور في الأيمان يؤدي إلى التراخي في ممارسة الأعمال المسيحية المطلوبة مع الآخرين . فالمسيحي مدعو إلى السهر لكي يكون مستعداً لأظهار أعماله الصالحة وسيرته الطاهرة للعالم ( يع 14:2 ) ، فالأعمال الصالحة تدل على الحياة وعلى حقيقة الأيمان الصادق . لهذا دعانا الرب أن نسهر ، فقال ( أسهروا لأنكم لا تعرفون متى يأتي الرب ) " مت 42:24 " . فالسهر هو الأستعداد لمواجهة معركة الحياة لكل الأجيال وحتى عودة الرب . وهنا ليس المقصود بالسهر كالجندي الذي يقبض على سلاحه وعيونه تراقب جميع الجهات وآذانه تصغي بدقة ، كذلك لا يطلب منه بأن يعمل أعمالاً معينة لينال الفوز ، بل عليه الخروج من الموت في هذا العالم لكي يعيش حياة القداسة فيقتدي به الخاطئين ويسمعون منه وصايا الأنجيل فيصبح كالخميرة بين الناس ، خميرة صالحة ( والخميرة هي التعليم ، فيجب أن تكون صالحة لا كخميرة الفريسين ) " مت 16: 11-12 ) . ومعجزة أنتشار الأنجيل في كل أصقاع العالم بسبب أيمان وتبشير وسيرة الرسل الأطهار كسَبَت بني العالم فسمعوا أليهم وآمنوا , هكذا حصل الأنفتاح على الأنجيل في كل العالم . إذاً على المؤمن أن يبشر الآخرين لكي يسمعوا البشارة ويؤمنوا ( طالع رو 14:10 ) وهكذا يجب أن يكون أميناً ، والمؤمن الحقيقي لا ينتظرالمسيح القادم في نهاية الزمان ، بل ينتظره في حياته الزمنية ويلتقي به عندما يكون مستحقاً للقاء ، والمسيح مستعد للقاء مع كل من يفتح له قلبه ( رؤ 20:3 ) . كما أن المؤمن يلتقي بالمسيح في هذا الزمن في الأفخارستيا ، وفي الزمان الآتي ( مارن آتا ) أي تعال أيها الرب يسوع ، وأدخل في قلبي وقُد حياتي أليك.
هناك الكثير من المؤمنين لم يدنسوا ثيابهم بالخطايا فلكل منهم سيعطى ثوباً أبيضاً ، أنه الثوب السماوي ، ثوب الحياة والكرامة ، هو ثوب الخلاص والغلبة . ثياب نقاها الخروف المذبوح بدمه للمختارين الذين تحملوا الضيقات في هذا العالم ( رؤ 14:7 ) لهذا أعطي كل منهم ثوباً أبيض ( رؤ 11:6 ) فالمسيحي الأمين الذي يعيش مخلصاً للمسيح يسير من الآن مع المسيح ، والمسيح يكتب اسمه في سفر الحياة . ذلك السفر الذي يحمل أسماء المؤمنين الأبرار ، هؤلاء أخصاء يسوع وسيعترف بهم أمام عرش الله وملائكته ( مت 32:10 ، لو 8:12 ) .
 سفر الحياة ذكر أيضاً في أسفار العهد القديم ( طالع مز 29:69 و دا 2:12 ) وتبين لنا بأن الأبرار لا يذوقون الموت الثاني ، ولا يحرمون من الحياة الأبدية ، بل سيعيشون بفرح دائم . فإعلان المسيحية يبدأ من العهد القديم ، لأن إلهنا ليس بعيداً وغير منظور ، بل هو يسوع المنظور والملموس الذي تجسد وسكن بيننا ، وبما أنه أبن داود ( أش 22:22) إذاً هو الذي يمسك مفتاح الملكوت المسيحاني .
المسيح هو الباب الوحيد المؤدي إلى الآب . إنه ليس أحد من الآباء أو من أنبياء العهد القديم ، بل هو وحده الإله المتجسد ، الأقنوم الثاني الألهي .
كل مسيحي مدعو إلى الصبر في هذه الحياة وحتى الفداء ، هكذا يمارس حياة المسيح الذي ذهب إلى الصليب , يجب أن يتحمل كل مؤمن في حياته والرب سيحفظ قطيعه من هذا العالم ، وسيجعل الغالب عموداً في هيكله ، ويعطيه بيتاً في المدينة المقدسة ، وأسماً أبدياً لا ينقطع ذكره ليكون مثل بطرس ويعقوب ويوحنا الذين كانوا أعمدة لكنيسته ( غل 9:2 ) .
 وضع الأسم الألهي على الإنسان يعني أن ذلك الأنسان يخص الله ، أي مكرس لله ( 17:6 ) ويضع على جبهته صورة الختم ( رؤ 3:7 ) وأسم المدينة ويصبح مواطناً في أورشليم السماوية ( عب 10:11) والذي يعد الغلب هو المسيح نفسه . فالغالبون الذين يتبعون المسيح سيحملون اسمه المكلل بالمجد المخفي والذي يكمن فيه ليصبح واقعاً في الخليقة الجديدة التي يدل عليها سر المعمودية . مفتاح الملكوت هو بيد المسيح المنتصر ، لهذا نقرأ في الرسالة إلى كنيسة فيلادليفيا ( أليك ما يقول القدوس الحق ، الذي بيده مفتاح داود ، يفتح ولا أحد يغلق ، ويغلق ولا أحد يفتح .. ) " رؤ 7:3 " .
ختاماً نقول : علينا نحن المؤمنين أن نسهر ونحيي أيامنا الباقية بأعمال البر والصلاة والبشير والتذرع قبل أن يداهمنا الموت الذي سيباغتنا في ساعة لا نتوقعها ، وهكذا بالسهر والصلاة وتقوية جذور إيماننا سنكون مع الغالبين المختارين ,
ليتمجد إلى الأبد أسم الرب الكائن والذي كان والذي سيأتي


53
الفقر والخفاء هما طريق الوحدة مع الله
بقلم / وردا أسحاق عيسى القلو
وندزر – كندا

( وكان يسوع ينفرد لوحده في الجبل ليصلي ) " مت 23:14 "
لأجل أن يحافظ المؤمن على نقاوته الروحية الطاهرة  والسلام مع يسوع في هذا العالم فعليه أن يقتدي به ويعيش حياته كما كان يسوع يعيش في الفقر والخفاء عن الناس .
عندما نبحث عن حياة المسيح في الأناجيل المقدسة فنجد بأن معظم حياته كان مختفياً عن البشر بعيداً عن الأحداث فختى أبناء بلدته الصغيرة لن يعرفوأ عنه إلا القليل لهذا قالو ( من أين له هذه الحكمة وهذه المعجزات ، أليس هو أبن النجار ؟ ) " مت13 " . عاش يسوع مع مار يوسف والعذراء وتحت أمرتهم ووصاياهم في الناصرة " لو 51:2 " وفي تلك السنين كان ينمو ويتسامى في القامة والحكمة والتقدم نحو الله . عاش مع الناس القريبين منه فقيراً بسيطاً متضعاً في حياة خفية في تلك البلدة الصغيرة بعيداً عن الحكماء والمسؤولين وعلماء الدين ومن كل شىء ذي شأن . كان لخفائه كل تلك السنين هدف مهم لحياته الروحية الزمنية الخاصة . فكل من يريد أن يسلك طريق الوحدة مع الله عليه أن يعيش تلك الحياة التي كانت تحمل البساطة والتواضع والعزلة في أوقات كثيرة لكي لا يكون المؤمن مثيراً للعجب أو مذهلاً أو باحثاً عن مقاماً رفيعاً أو شهرة في وسط المحيط الذي يعيش فيه ، بل أن يجعل أكثر حياته خفية عادية وبسيطة ومثمرة لكي يؤثر على المحيطين به ، ولقلة الأختلاط بسبب الأختفاء يبتعد الأنسان عن التجارب كالغضب والعداء والعنف والحقد والكراهية وحب الأنتقام . كل هذه وغيرها سيتجنبها لأنه لن يختلط بها ويعيشها أو يشاطر الآخرين بها فلا تمس حياته الخاصة ومن هذه المبدأ ولدت فكرة الرهبنة لكي يعيش الناسك بعيداً عن فوضى هذا العالم الصاخب . هكذا سيعيش بسلام وفرح ، وحتى التبشير بالأنجيل الذي يحمل الأخبار السارة للعالم تصبح أخباره عند الناس سيئة عندما تُعلَن من قبل مبشرٍ أو واعظ لا يحمل السلام والفرح . فكل مبشر لا يتصف بصفاة المسيح هو شاهد زائف للكلمة الألهية . الجميع مدعوون إلى شهادة عظيمة صنعها يسوع وسلمها لنا ، لكن هذه الشهادة يجب أن تخرج من قلوب ملؤها المحبة والبساطة وتعطى للناس بدون مقابل وحسب قول الرب ( مجاناً أخذتم مجاناً تعطوا ) هكذا يجب أن نعلن حب المسيح للعالم بدون شروط . كما علينا أن نعلم الغبطة في العطاء أكثر من الأخذ كما علمنا الرسول بولس .
الرب يسوع علم تلاميذه تعليماً خاصاً لكي يسيروا على طريقٍ أمين نحو الوحدة مع الناس والله . فعندما أرسلهم لكي يبشروا بالأنجيل ، قال ( وأية مدينة أو قرية دخلتم ، فأستخبروا عمن فيها أهل لأستقبالكم وأقيموا عنده إلى أن ترحلوا ، وإذا دخلتم البيت فسلموا عليه ، فإن كان هذا البيت أهلاً ، فليحل سلامكم فيه ، وإن لم يكن أهلاً ، فليعيد سلامكم إليكم )" مت 10: 11-13 "    .                                     
وما يقدم لتلاميذ من طعام في ذلك البيت يجب أن يرضوا به لأنهم يستحقونه ( العامل يستحق أجرته ) .
حياة المسيح مدرسة لنا لأنها كانت شهادة لحب وطاعة للآب السماوي ، ويدعونا لكي نحمل تلك الشهادة إلى العالم ، فيجب أن نكون رموزاً منظورة في العالم لحب الله غير المشروط ، وحبنا بعضنا للبعض . إذاً محكوم علينا أن نرضى بخبز الكفاف لكي نفرح بالفقر ونتذكر قول الرب:
"ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله" (مرقس23:10)
، وهذا الحب يجب أن يكون ظاهراً بين المؤمنين بالمسيح الفقيرالمحب لكي يقول الناس عنهم ( إنظروا كيف يحبون بعضهم البعض ) أي أنهم يتممون وصية سيدهم في محبتهم لبعضهم ، وهكذا سيرى بنوا العالم أتباع المسيح بأنهم ينظرون بلمحةٍ خاطفة ملكوت الله الذي أعلنه المسيح لهم ، والملكوت سيجذبهم إليه ، لا وبل سيبدأ من قلوبهم ويتوحدون مع الخالق لكي يصبحوا نوراً للعالم .
ليتمجد أسم الرب   

54
عيد العنصرة ولاهوت الروح القدس

 
بقلم / وردا أسحاق عيسى القلو
وندزر - كندا

تحتفل الكنيسة المقدسة بمناسبة حلول الروح القدس يوم الخمسين بعد قيامة الرب من بين الأموات فخصصت في يوم العنصرة صلوات ووعظات وترانيم لكي يفهم المؤمن علاقة الروح القدس وأهميته في حياتنا وخلاصنا . ففي لاهوت الروح القدس دروس كثيرة ورموز وأسماء ، كما له ثمار وأعمال ومواهب كثيرة ذكرت في أسفار الكتاب المقدس . كما كان الروح القدس يعمل أيضاً في العهد القديم ، والفرق بين تأثير الروح القدس في العهدين هو أن الروح القدس كان يفارق الأنسان الخاطىء كما فارق شاول الملك فباغته روح نجس ( 1صم 14:16) والروح النجس قاده إلى أن يترك الله ويلجأ إلى عرافة لكي تخبره عن مصيره في حربه ضد الفلسطينيين . كما نقرأ في العهد القديم عن هذا الروح القدوس ، يقول المرنم (لا تطرحني من أمام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني ) " مز 11:51 " . لكن في العهد الجديد الروح القدس الذي يناله المؤمن في سر التثبيت ( مسحة ميرون ) فيسكن الروح القدس في الأنسان المعمد ولا يفارقه وحتى وإن عاش في الخطيئة ، بل يعمل فيه ويبكته لكي يتوب ويغيّر مسيرة حياته الخاطئة ، لأن المؤمن المعمد قد ختم بختم الروح القدس الأبدي الذي لا يزول وحتى وإن نكر المسيح وتحول إلى معتقد آخر ، فعندما يتوب ويعود الى الكنيسة لا يجوز تعميده . أي المعمودية سر لا يعاد وكذلك الميرون ، بل على ذلك الأنسان ألذي أنكر المسيح وعاد تائباً ان يعترف عند الكاهن لكي يحصل على حلَة فيعود إلى قطيع الرب .
 الأنسان الذي يعيش في الخطيئة يُحزِن الروح القدس الذي فيه ويطفي عمله إذا أصر على البقاء في الخطيئة ، لهذا يقول الرسول بولس ( لا تطفوا الروح .. ) " 1تس 19 :5" .
يوم حلول الروح القدس على الرسل الأطهار وبحضور العذراء مريم ولدت الكنيسة وأمتلأ التلاميذ بالروح القدس الذي نزل عليهم على شكل ألسنة نارية عندما كانوا يصّلون بنفس واحدة كانوا يمتلئون بالروح القدس " أع 31:4 " كما كان اسطفانوس مملوءً بالروح القدس " اع 5:6 " . وبرنابا الرسول كان رجلاً صالحاً وممتلئاً بالروح القدس " أع 24:11" . وكذلك بطرس الرسول " أع 8:4" وشاول الطرسوسي أيضاً أمتلأ من الروح القدس " أع 71:9 ، 9:13 " وتلاميذ أنطاكية بسيدية " اع 52:13 " ونحن أيضاً يمكن أن نمتلىء بالروح القدس عندما نترقى بحياة البر والقداسة والنقاوة ، وحتى الجنين في بطن اليصابات أمتلأ من الروح القدس ، فالحياة المسيحية الطاهرة ليست فقط تؤهل صاحبها للأمتلاء من الروح القدس بل تعاين الله " مت 8:5" .
عيد العنصرة هو يوم ولادة الكنيسة المقدسة ، فكما يولد المعمد ولادة جديدة من الماء والروح ليصبح أبناً لله هكذا بنزول الروح القدس على أبناء الكنيسة ولدت الكنيسة وتأسسها الروح القدس . قال الرب لنيقوديموس ( إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ) " يو 5:3" فالمعمودية هي ميلاد روحي سماوي من الروح القدس ، وشرط أساسي للخلاص ( طالع مت 19:28 . أع 38:2 ، 38:8 ، 18:9 ) .
الروح القدس يقود المعمد الممسوح إلى الأيمان بالمسيح ، لهذا قيل ( ليس أحد يقدر أن يقول يسوع الرب إلا بالروح القدس ) " 1قو 3:12 " والروح القدس الذي نؤمن به هو رباً وإلهاً ومساوي للآب والأبن في الجوهر ، وهذا ما نقوله في قانون الأيمان ، كما نقول ( انه الرب المحيي ) .
عندما نزل الروح القدس على العالم أبكته على الخطيئة " يو 8:16 " وبدون هذا التبكيت لا يتوب الأنسان الخاطىء وإن لم يتوب فيهلك في خطيئته حسب قول الرب ( إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون ) " يو 58:13 " . لهذا ففي يوم العنصرة عندما حل الروح القدس على التلاميذ أبكت الجموع المحتشدة على خطاياها عندما سمعوا وعظة الرسول بطرس فسألوا ماذا نعمل أيها الأخوة . فأجابهم بطرس  ( توبوا وليتعمد كل واحد منكم بأسم يوع المسيح ، فيغفر الله خطاياكم وتنالوا هبة الروح القدس ) " أع 37:2 " . وهكذا بمقتضى نعمة الله المجانية ورحمته ولطفه وأحسانه قد خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس .
الروح القدس هو معلمنا ومرشدنا وحسب قول الرب يسوع ( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمي فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم ) " يو 26:14" ولا تكفينا الولادة الجديدة من الروح القدس بل نتجدد به ونسلك الطريق ونكمله بالروح فنعيش لا حسب الجسد بل حسب الروح لذلك فهذه هي العلامة التي تثبت بأننا أولاد الله بالروح ، لأن الله روح فعلينا أن نسلك حسب ما يقودنا الروح في الطريق القويم ( لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ) " رو 14:8" وهكذا يقودنا الروح القدس نحو طريق القداسة والكمال ، وهذا الروح دعي في الكتاب المقدس بأنه روح القوة ، وروح القداسة ( أش 1:11 ، رو 4:1 ) لهذا قال الرب لتلاميذه ( لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم ، وتكونون لي شهوداً في أورشليم ... ) " أع 8:1 " وبسبب الروح القدس نثمر ثماراً روحية لأنه هو دليل للحياة الروحية ، لهذا يقول الكتاب ( واما ثمر الروح فهو محبة وفرح وسلام وطول أناة ، لطف ، صلاح ، أيمان ، وداعة ، تعفف ) غل 22:5 ، 23 " وبدون هذه الثمار لا خلاص للأنسان . كما يعطينا الروح القدس روح الحكمة ومخافة الله لأنه هو روح النعمة والصلاة والشفاعة ، فليس الرب يسوع هو شفيعنا الوحيد عند الآب ، بل الروح القدس أيضاً . لهذا يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية ( الروح أيضاً يعين ضعفاتنا لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها ) " رو 26:8".
فلا خلاص بدون قوة الروح القدس الذي هو روح النعمة والصلاة . وبالروح القدس أيضاً نصبح اولاد الله بسبب أيماننا بالمسيح والميلاد من الروح القدس في المعمودية وصرنا أولاد الله ( وأما كل الذين قبلوه فقد أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون بأسمه .. ) " يو 12:1 " .
أما الرسول يوحنا فيقول ( وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس .. والمسحة تعلمكم كل شىء وتثبتكم ) " 1 يو 20:2 ، 27 " .
 وختاماً نذكر قول الرسول بولس عن عمل الروح القدس فينا للتثبيت في المسيح ، قال ( الذي يثبتنا في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضاً وأعطى عربون الروح في قلوبنا ) " 2قو 21:1 ، 22 " ولذلك يسمى سر مسحة الميرون ، وهو بمثابة وضع يد الرسل على المؤمنين المعمدين فكان يحل الروح القدس عليهم ويثبتهم في المسيح ، وهكذا كل من ينال مسحة الميرون المقدس .
نطلب من الرب يسوع أرسال روحه القدوس لكي يتجدد وجه الأرض ويفتح بصيرة الكثيرين .


55
النار الألهية المحرقة
بقلم / وردا أسحاق قلّو
وندزر – كندا
( ألهنا نار حارقة )
" عب 18:12 "
هناك وسائل طبيعية قد تتحول إلى قوة عدائية تدمر الحياة في الكرة الأرضية  فيها مثل الماء والنار والرياح ، إذا ثارت هذه بقوة ستلحق الدمار والموت والفناء . نار هذا العالم يلحق الأذى والتدمير فيحرق الغابات والمدن والقرى وحتى البشر والحيوان ، وهذه النار تحتاج إلى وقود لكيتستمر ، لكن نار الله لا تحتاج إلى مادة لكي تشتعل . نار الله إذا دخلت في المادة لا تحرقها وتفنيها لأنها نار خلاقة لكونها من الله الخالق ، فالله لا يصدر منه أي شر ضد الطبيعة التي خلقها في الحسن والجمال ، فمثلاً النار التي كانت تشتعل في العليقة على الجبل رآها موسى كمنظر غريب ومذهل وذلك لأن النار لا تحرق العليقة ( خر 3:1-6 ) فدخل موسى في التفكير الذي دفعه الى العجب والذهول من ذلك المنظر العجيب ، فبدأ يفكر بنوع النيران المشتعلة في العليقة والتي لا تحرق ، بل كانت تنير العليقة وبسبب النار تميّزت عن العليقات الكثيرة المحيطة بها ! ولماذا لن تحترق العليقة ، وبماذا يرمز هذا المنظر ؟ أنها نار الله العجيبة والتي ترمز إلى وجوده ، كما كانت تظهر ليلاً على شكل عمود مشتعل أمام شعب أسرائيل في البرية لكي تنير لهم الطريق وتقودهم الى الهدف . العليقة المشتعلة دون أن تحرق كانت بسبب وجود نار الله فيها وهو الذي كان يحميها علماً بأن إلهنا نار آكلة ( تث 24:4 و عبر 29:12 ) والعليقة كانت ترمز الى العذراء مريم التي حبلت من نار الروح القدس منذ أن سلم الملاك عليها . ونار الروح القدس عندما يحل في المؤمن بعد المعمودية والتثبيت يجعل قلب الأنسان كالعليقة المشتعلة فيحرق قلبه القديم دون أن يستهلكه مادياً فيتحول إلى قلب نقي طاهر بقوة نار الله الخلاقة . الله يغفر ويحرق الخطايا بنار محبته ، وهكذا تغفر كل خطايا الأنسان المعمذ مهما كانت بسبب تلك النار الألهية اللتي لا تحرق أحساناته وعاداته الفاضلة في شجرة حياته ، بل كل غصن يابس به يحرق لكي يعود اليه الأنسان الأول قبل الخطيئة ، هكذا يتحول بسبب النار الألهية الى شخص آخر ، بل يولد ولادة جديدة من الماء ونار الروح القدس الذي تعمد به  . وكما شهد يوحنا المعمدان قائلاً عن نارالمسيح ( أنه سيعمدكم بالروح القدس والنار ) "لو 16:3 " .  ومن يذق نار الله ويختبرها سيشعر بأنه تغيّر ونضج روحياً فيسلم ذاته لله كعجين طري ليخبزه كما يشاء فيصبح ثمراً ناضجاً .
نار الروح القدس لطيف ووديع وشفاف ، لكن عندما يتذمر الأنسان ويشتكي سينطفي ذلك النار المقدس في عمقه ، لكنه لا يتركه إلى الأبد ، فعندما يعود الخاطىء إلى رشده ويصلي ويطلب المغفرة سيعود يشتعل لكي يرشده النار إلى الطريق القويم . لكن هذا النار سيتحول في يوم الدينونة إلى نار آكلة ، فمخيف هو الوقوع في يد الله الذي سيحاسب كل أنسان بحسب عدله حساباً مجرداً من الرحمة .
نار الروح القدس التي حلت على التلاميذ يوم الخمسين على شكل ألسنة كأنها من نار ، كانت نار إلهية فأمتلأوا جميعاً منها فسلحهم ذلك الروح بمواهب كثيرة فتغيروا كلياً وتشجعوا وبدأوا يتحدثون بلغات أخرى وينشرون الكلمة بكل جرأة وبحكمة إلهية تحدّوا بها قادة اليهود والحكماء وخرجت منهم آيات كثيرة نالت إعجاب الجميع فتغيروا كما تغيروا أولئك الشاردين من بستان الزيتون تاركين إلههم لوحده . أولئك الرجال تحولوا إلى أبطال غلبوا العالم كله . الله لا يريد الأنسان الخائف البارد في إيمانه ، لأن الخوف هو أساس لكل الشرور وبسبب الخوف أنكر بطرس ربه ثلاث مرات .
بنار محبة الله يتحول الأنسان الى شخص آخر فعال لا يهاب الموت ليتأكد ذلك الأنسان بأنه تحول كالعليقة في البرية إلى عليقة مشتعلة دون أن تحترق وبقوة تلك النار المشتعلة في قلبه سيتكلم بجرأة وينشر الرسالة بدون خوف لهذا نقلوا الرسل البشارة  إلى كل أصقاء العالم فغلب المسيح العالم بهم .
كما نقرا عن النار الإلهية التي تغيّر الإنسان عندما نقرأ موضوع دعوة الله لأشعياء النبي حين وضع ملاك الرب جمرة على فمه كي يسخِرهُ في إعلان كلام الله لشعبه . فاللسان والنار يرمزان لتكريس الرسول للتبشير ، وكل مسيحي بعد المعمودية ينال قوة الروح القدس لكي يتهيأ وينطلق للتبشير .
أخيراً نقول : يارب أضرم فينا نار محبتك وأسكن في قلوبنا كما في العليقة لكي تطهرنا وتحرق فينا بنارك المقدسة كل شىء لا يليق بالقداسة ، هكذا نعيش مسيرة الأحتراق الداخلي بنارك التي تحرق خطايانا كما تحرق النار كل الشوائب الملتصقة بالذهب بينما لا تحرق النار الذهب في البوتقة ، بل تنقيه ، لنتذكر إذاً بأننا معمذون بالروح والنار ، وتلك النار هي نار حبك الألهي لنا وستبقى تتقد فينا لكي تحرق في عمقنا كل الأفكار الخاطئة لنبقى معك ولك.
هكذا نطلب منك أن تجعل قلوبنا كالعليقة المشتعلة بنار محبتك لنتحدث من خلالها إلى الآخرين فيكون لهم الخلاص . نار الروح القدس الذي ينير طريقنا إليك ينشلنا من حب الأرضيات لنسعى للوصول إلى كنوز السماء وربنا يسوع هو كنزنا الأعظم الذي يقود فكرنا وقلبنا نحو السماء ( لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً ) " مت 21:6" .
فليتقد نار روح الله القدوس في قلوبنا ويطهرنا من كل دنس


56
من أشهر حقائق التاريخ حول صلب المسيح

بقلم / وردا أسحاق عيسى



الأيمان المسيحي يرتكز على حقيقة واحدة وهي صلب وموت المسيح على

 الصليب . وعلى الصليب دفع يسوع الفدية لله الآب فتمت المصالحة وعادت العلاقة بين الله وبني البشر ، لهذا فعقيدة الصليب المقدس هي عصب المسيحية ، يجري فيها النفس والحياة كما يجري الدم في أعصاب الأنسان . عقيدة الصليب ثابتة ومنتشرة في كل الطوائف المسيحية وتدخل في طقوسها وتمتد في كل أسفار الشريعة والأنبياء وصولاً إلى كتب العهد الجديد ، فالذي ينكر عمل الفداء على الصليب ، ينكر موت المسيح وصلبه أي ينكرالذبيحة الكفارية فلا يؤمن بموت المسيح فيتحجج بموت الشبيه له . فاليهود الذين ينكرون هذه الذبيحة الألهية بدورهم ينكرون كل نبوءة جاءت في كتب شريعة موسى والأنبياء والتي شهدت للمسيح ، أي أن أنكار موت وصلب المسيح هو أنكار لكل ما ورد في كتب العهدين القديم والجديد والتي تدور حول محور الصليب . الصليب الذي يحتل مساحات كبيرة في أجزاء الكتاب المقدس ، سواء أكان الحديث عنه عن طريق الرمز أو الأشارة أو التصريح به بوضوح . هنا نتذكر بعض الشهادات المكتوبة في كتب مشاهير المؤرخين الوثنيين واليهود المعاصرين لفترة الصلب والذين يذكرون في كتبهم حقيقة صلب الشاب يسوع الناصري . وهذه بعض الشهادات التي تؤيد موضوع الصلب من الناحية التاريخية :

1-    تاستوس المؤرخ الوثني الشهير الذي وضع تاريخ الأمبراطورية الرومانية من موت أغسطس قيصر إلى موت نيرون من سنة ( 14- 68 ) م قال في الفصل الخامس عشر من كتابه عن المسيحيين ما يأتي : هذا الأسم مشتق من المسيح الذي قتل بأمر بيلاطس البنطي الوالي في حكم طيباريوس ، ومعلوم أم تاستوس هذا وهو يكتب عن حادثة صلب المسيح التي كانت ماثلة في أذهان الجميع كان متصلاً بسجلات الرومانيين الرسمية وكانت هذه الأخبار ترد من كل مقاطعة وضمنها مقاطعة فلسطين التي ورد منها ذلك التقرير المشهور الذي رفعه بيلاطس الى الأمبراطور في رومية عن حادث صلب المسيح وموته وهو محفوظ في سجلات رومية .

2-    الفيلسوف اليوناني سلسوس ألف كتاباً في ذلك الوقت سداهُ الأعتراض على المسيحية ولحمته الأنتقادات عليها وعلى صاحبيها قال ضمن ما كتب هازئاُ بالمسيح :  بأنه هو الإله المتجسد أنكره أحد تلاميذه وخانه آخر منهم وحكم عليه بالموت أخيراً وكان يدعوه في كتابه ( المصلوب ) .

3-    لوسيان الفيلسوف اليوناني كان أحد المعاصرين للفيلسوف سلسوس هذا وضع كتاباً أسماه ( دي مورتي بوكريني ) ملآه بالسخرية والأستهزاء بالمسيحيين ومسيحهم فقال ضمن ما قال عنهم : قد رفضوا الآلهة اليونانية وصاروا يعبدون سفسطياً مصلوباً ويعيشون بحسب شرائعه .

4-    وهذه شهادات مؤرخي اليهود وعلى رأسهم يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير الذي وضع تاريخ الأمة اليهودية في عشرين مجلداً . هذا المؤرخ العظيم الذي حضر خراب أورشليم بعد صعود المسيح بأربعين سنة كتب عن المسيح وعن سابقه يوحنا المعمدان فقال : ( أن بيلاطس حكم على المسيح بالصلب حسب رؤساء الشعب والذين أحبوا المسيح أولاً لم يتركوه وها هم باقون إلى الآن مسيحيين نسبة أليه )

5-    الحاخام اليهودي يوحنان بن زكا ، تلميذ هليل الشهير ، ألف كتاباً بالعبرانية دعاه

6-     ( سيرة حياة يسوع الناصري ) كله شتائم وسب في يسوع الناصري جاء فيه : أن الملك وحكماء اليهود أو حاخاماتهم حكموا على يسوع بالموت لأنه جدف بقوله ، أنا أبن الله ، أنا الله ، أنا قد أتيت إلى أورشليم لأبطل الأعياد والمواسم المقدسة ولأضع شريعة جديدة لأورشليم وأنا سأكفر بموتي عن كل الخطايا والذنوب وأقوم من الأموات … ولما أقتيد يسوع للموت في مساء يوم الفصح كان يصرخ اليهود أمامه : ( فلتهلك كل أعدائك يا رب ) وأنهم وقتئذ علقوا يسوع على شجرة خارج أورشليم حسب أمر الملك ورؤساء اليهود فكل أسرائيل نظروا هذا .

7-    وفي التلمود في النسخة المطبوعة في أمستردام سنة 1640 م ص 43 في الفصل المعنون ( سانهدرين ) كتب ما يلي :

أن يسوع قد صلب قبل الفصح بيوم واحد ونودى أمامه مدة أربعين يوماً بأنه سيقتل لأنه ساحر وقصد أن يخدع ويضل أسرائيل . وأنه إذا كان أحد عنده شىء للدفاع عنه فليقدمه وبما أنه لم يتقدم أحد للدفاع عنه صُلبَ في مساء الفصح .

ختاماً نقول ، أن المسيح مات حقاً ويقيناً على الصليب ، أما لاهوته فلم يمت . الإهانات والآلام والعذاب وقع على جسد ناسوته الذي حل فيه كل ملء اللاهوت الذي لايموت ، وفي اليوم الثالث  وطأ الموت بموته عندما قام منه منتصراً وأرتفع أمام الأنظار إلى عرشه السماوي . لتشرق علينا وعلى العالم أجمع أنوار الصليب المقدس ، ومجداً للمصلوب الذي صالح السماء والأرض ، فكل من يعمل بوصاياه ويؤمن بعمل صليبه ينال الخلاص .

فنحن المؤمنين بعمل الصليب نفهم معناه على ضوء الأحداث التاريخية التي سجلت لنا بعد الصلب وهي القيامة ولقاءات القائم مع الرسل والنسوة ، ومن بعد الصليب والقايامة بدأت المسيحية بقوة ، لهذا قال الرسول بولس للمؤمنين ( إذا لم يكن المسيح قد قام ، فإيمانكم باطل ، ولا تزالون بخطاياكم … ) ” 1قور 15:17″  كان الصليب قبل القيامة مجرد أداة تعذيب وقتل وأنتقام ، لكن بعد القيامة صار راية الدين الجديد وفخر لكل مؤمن ، وعلامة الخلاص . فالمسيح صلب على الصليب وآلامه على تلك الخشبة كانت تمهيداً لتمجيده ، لهذا لا يجوز فصل آلامه على الصليب عن مجده ، فالمسيح الحي الذي غلب الموت على الصليب بالقيامة ، فالصليب لم يعد رمزاً للموت ، بل دخل في تاريخ جديد وفي ولادة جديدة ليصبح علامةً للخلاص والأنتصار وفخر . لهذا نقول مع الرسول بولس :

( مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا ، بل المسيح يحيا في ) ” غل 20 :2″

 

57
 
كيف نفهم أيقونة مار كوركيس في ضوء ما اعتمده الفنان روفائيلو لرسمها

بقلم الفنان التشكيلي / وردا أسحاق عيسى قلّو

  لوحة مار كوركيس في الرابط التالي - بريشة الكاتب

http://www.m5zn.com/newuploads/2018/04/21/jpg//m5zn_a2d749558418929.jpg

       
غالباً ما يطلق على هذا القديس بأمير الشهداء . أستشهد في عهد الأمبراطور دقلديانوس . لديه معجزات كثيرة ، وهو شفيع لبلدان كثيرة ، والكنيسة الكاثوليكية جعلته نصيراً لها فأعلنت قداسته في مجمع عام 404 م الذي أقيم في روما في عهد البابا جلاسيوس الأول .
في فرنسا نجد كنائس كثيرة باسم هذا القديس ، وفي روسيا القيصرية رسموا صورته على حصون كثيرة وأنشأت الأمبراطورة كاترين وساماً رفيعاً سمته وسام جاورجيوس ، وكان على شكل صليب منقوش في وسطه صورة القديس ، كان يمنح للقادة المنتصرين في المعارك . كما أتخذته روسيا شفيعاً لها قبل الثورة البلشفية 1923م . ومن ثم أعادته روسيا الجديدة بعد الشيوعية شفيعاً لها .
أما بريطانيا ففيها 152 قرية بأسمه ، وصورته منقوشة على الجنيه ، وتعتبر عيده عيداً قومياً وعطلة رسمية تسمى ( جنيه الذهب البريطاني ) . أما في لبنان فهناك خليجاً بأسمه تقع عليه مدينة بيروت .وهكذا يكرم في اليونان وجورجيا المشتق اسمها من أسم القديس وزامبيا والبرتغال وفلسطين والنمسا وأيطاليا . أما في العراق فللقديس النصيب الأكبر في عدد الكنائس والمذابح التي سميت بأسمه تكريماً له .كما له أسماء كثيرة منها كوركيس ، جاوروجيوس ، جاؤرجيوس ، جرجس ، جريس ، جورج وغيرها .
بعد أن نتمعن بجدارية مار كوركيس  جيداً لنسأل ونقول من أين أخذ الرسام الأيطالي الموهوب روفائيلو فكرة رسم الأيقونة بهذا الشكل ؟ طبعاً لا توجد أيقونة مرسومة بطريقة كيفية وبحسب ذوق وتفسير الفنان لوحده ، لأن الأيقونة بحد ذاتها هي قصة لموضوع ما من الكتاب المقدس أو سيرة ذاتية لقديس ، ففكرة رسم أي أيقونة يجب أن تدرس دراسة دقيقة من قبل آباء الكنيسة مع الرسام قبل الشروع في رسم الأسكيتشات التخطيطية للموضوع والتي تقدم الى اللجنة مرة أخرى للأتفاق الأخير عليها بعد دراسة الموضوع من الناحية التفسيرية واللاهوتية وكذلك الفنان يبدي بآرائه لشرح موضوع الألوان وتوزيع المساحات والمنظور وغيرها قبل أن يبدأ بالرسم .
أيقونة مار كوركيس جاءت فكرتها من سيرة حياة القديس الذي كان ضابطاً في الجيش الروماني ، فعليه أن يرتدي قيافة عسكرية كاملة ويكون بحالة أستعداد للقتال . لكن الحروب التي يخوضها أبناء الكنيسة ليست
مع ذوي الدم واللحم ، بل مع أجناد الشر الروحية " أف 12:6 " لهذا يجب أن يعبر الرسم عن الأثنين ، ملابس الجندي الروماني الذي يرتدي الخوذة والدرع والبدلة العسكرية ونطاق على الخصر ، أضافة إلى تقلدهُ للسيف والرمح ، وإلى ركوب الحصان لكونه ضابطاً . كل هذه التجهيزات والأسلحة فسر غاياتها الرسول بولس كالآتي : الخوذة التي تؤمن سلامة الرأس ترمز إلى الخلاص الذي يتحكم على أفكار الأنسان . اما الدرع الذي يغطي منطقة الصدر فيرمز إلى البر والقداسة لأنه يعطي القلب الذي هو نبع القداسة وحسب قول الرب (... من القلب الطيب يخرج الطيب .. ) وكلمة الرب التي في القلب تمنحه وتنقيه لأنها فاحصة القلب والأفكار " عبر 12:4" وكذلك تغسله وتطهره من كل عيب " أف 26:5 " .
أما الحزام الذي يحيط وسط المحارب ليشد قامته لكي يكون قادراً على السيطرة والتحكم في كامل بدنه ، يعني أن المؤمن يمنطق حقويه بالحق والصدق والأمانة ، ومطلوب منه أن يكون مستعداً لمساعدة المحتاج كما قال داود النبي ( إنما خير ورحمة يتبعاني كل أيام حياتي ) " مز 6:23 " .
 السيف الذي يحمله القديس فيرمز إلى كلمة الله التي هي أقوى من السيف ذو الحدين ، أنه كلمة الله التي حملها مار كوركيس لهدم معاقل الأبليس ، فسيفه لم يكن سيف الحروب الجسدية ، بل سيف الحروب الروحية ، أي الصليب المقدس الذي رسمه الفنان على جنب القديس ، أنه سيف المحبة الذي به غَلِبَ العالم .
أما الفتاة والبيت التي رسمها الفنان خلف الفارس فيرمزان إلى عروس المسيح ، أي كنيسته المقدسة التي حاربها تنين الوثنية وبحث عنها ليلتهمها " رؤ 13:12" .
مار كوركيس هو الرمز للرب يسوع الراكب على الحصان الأبيض الذي يقصي ويحارب ممالك الأمم بالعدل ، تقول الآية ( ثم رأيت السماء مفتوحة ، وإذا حصان أبيض يسمى راكبه الأمين الصادق الذي يقضي ويحارب بالعدل ) " رؤ 11:19" . فالحصان الأبيض بين ألوان الأفراس الأربع في سفر الرؤيا يدل على أنه المناسب للمسيح ، كما نرى فيه الكرازة الأنجيلية التي كان يكرز بها القديس مار كوركيس ، بل يرمز إلى المسيح نفسه ، ثم نقرأ عن الحرب والجوع والوباء في سفر الرؤيا ، وفرادة الفرس الأبيض ، فالقوس بيد الفارس ( الرمح بيد مار كوركيس ) نقرأ عنها في العهد القديم قوس الله وسهامه ، أي أحكام الله وعقوباته ( طالع عنها في تث 32: 41-42 . حب 3: 8-9 ) وفي ( حز 5: 16-17 ) ( أرسل عليهم سهام الجوع القاتلة ، سهام التدمير والوحوش الضارية وأنزل فيهم الوباء والدم بسبب الحروب ) . كذلك في ( رؤ 8:6 ) نجد نفس الرمز وهو القوس ( السهام ) المرتبطة بالنكبات عينها . وهكذا نستنتج رمزاً من الفارس الأبيض وهو دينونة الله الأخيرة . والفارس الأبيض هنا معه أكليل يجسد أحكام الله ، ويوضح أن وظيفة الفارس الأبيض ( المسيح ) الرئيسية هي أن يحارب ويدين وفي نهاية الوحي نرى بوضوح أن الديان هو المسيح نفسه ( رؤ 2:6) وفي ( رؤ 19 : 11-16 ) يدعى راكبه الأمين الصادق ويسمى بعد ذلك ( حكمة الله ) " رؤ 13:19 " ( وكان يرتدي ثوباً مغمساً بالدم ... ) وهكذا رسم الرسام عباءة حمراء للقديس . العباءة الحمراء التي يرتديها القديس ترمز إلى ثياب الرب المخضبة بالدم ، وكما أن المسيح لوحده داس المعصرة وحسب قوله في أش 3:63 ( دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد ، وطئتهم بسخطي ودستهم بغضبي فأنتضح عصيرهم على ثيابي فلطخت ملبوسي كله ) هكذا نرى القديس الذي يرمز الى المسيح هو وحده قضى على التنين الذي يمثل الوثنية التي كانت تسجد لأصنامها الشعوب . التنين في " رؤ 20:1-3 " يدخل في ضمن المثلث الشيطاني ( التنين 3"12 ، وحش البحر 1:13 ) وحش الأرض أو النبي الكذاب ( 11:13 ، 20:19 ) إلا أن التنين الذي هو الحية الجهنمية والشيطان . جائت ساعته ، كان حاضراً في التاريخ منذ السقطة الأصلية " تك 1:3 " . كان تدخل المسيح الفارس السبب في هزيمة الحية القديمة ( التنين ) . فكرة الموضوع أخذت من هذه الآيات ، فصارت أيقونة جميلة وشعاراً لهذا القديس العظيم وأبرز تكريم  يخلد نضاله  البطولي .
نطلب شفاعة مار كوركيس الشهيد وصلواته ليحفظنا جميعاً

   



58
على الصليب التقى اللص كياسا مع المسيح وتعمد


وردا أسحاق عيسى
وندزر – كندا

في العهد القديم والى يوم صلب المسيح كان يعتبر الصليب أداة لعنة يستخدم للأنتقام من المجرمين الخارجين عن القانون . لكن الرب يسوع حوله الى أداة خلاص ، الى مذبح جديد أختاره لكي يقدم ذاته فدية عن العالم أجمع . وعليه التقت السماء مع الأرض فحدثت المصالحة وأنتصر الحب الإلهي العجيب ليعطي الحياة لكل من يؤمن بالمصلوب وبعمل الصليب الكفاري المقدس . لقد فتح باب الرجاء وحتى للذين تملكهم اليأس وتسلط عليهم الأبليس وأغلق عليهم بالخداع والوهم والتضليل لكي يقطعوا كل الأمل فيسيروا في الظلمات . لكن عمل المسيح على الصليب فتح للجميع باب الرجاء والحياة الأبدية وباب النصرة والخلاص . فهل هناك حباً أعظم من هذا ؟ من أجل هذا الحب أُهين رب المجد وبصق عليه وتحمل كل العذابات كالجَلِد وأكليل الشوك ، وحمل الصليب في طريق الجلجلة الطويل ، سمر على خشبة الصليب ، أرادوا أن يسقوه خلاً ، وأخيراً فتح جنبه بالحربة لكي تخرج منه آخر قطرة دم فيطهر بها البشرية من الخطيئة .

صلب المسيح بين لصين لكي يحسب مع الأثمة ( مر 27:15 ) . تحت الصليب كان الحضور والمجتازون  يجذفون على المسيح المصلوب ومعهم كهنة اليهود قائلين ( يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك أن كنت أنت أبن الله فأنزل عن الصليب ) ” مت 39:27″ . لا يعلمون ماذا يقولون . لا يعلمون أنهم بصلبهم للمسيح نقضوا هيكل جسده . فهيكل سليمان كان رمزاً لهيكل جسد الرب ، فعلى الصليب هدموا ذلك الهيكل وأنه فعلاً سيقيمه بعد ثلاثة أيام وبعد قيامته سينتهي مفعول هيكل سليمان والرومان نقضوا ذلك الصرح العظيم بعد عدة سنوات وألى الأبد لكي يبني له المسيح صرحاً بديلاً وهي الكنيسة المقدسة جسد الرب الجديد في عهد جديد . رغم أقوالهم وتجديفهم على الرب تحت الصليب أستشفع لهم عند الآب قائلاً ( يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ) ” لو 34: 23″ . وهذا هو الفرق بين الظلمة والنور ، بين الحقد والمحبة ، بين الخطيئة والبر .

   صراع عظيم حدث بين الصليبين المحيطة بيسوع . أتفق اللصان معاً برأيِ واحد في ساعتهم الأخيرة ، ساعة الظلام كما عبر عنها الرب في ( لو 53:22 ) فشتموا وسخروا وعيّروا المصلوب بينهم وكأنهم مع اليهود اللذين صلبوهم  ( مت 27: 42-44 ) . دفعهم المجرب في تلك الساعة لكي يهينوا هم أيضاً رب المجد ، لهذا كان اللصان يعَيران المسيح  . لكن صمت المسيح وتأثير أكليل الشوك على رأسه ضَغَطَ بشدة على ضمير وعقل وفكر وقلب أحد اللصين ، وهو المصلوب على يمينه فحدث تَغيير ، لا وبل تطهير في قلبه القاسي ، فوقع أنقلاب سريع في هذا المصلوب الذي كان يعيش في يأس عظيم فاقد الرجاء والذي كان بينه وبين الموت لحظات لكي تنقل روحه من على الصليب الى الموت الأبدي . كان الموت يتشبث جداً به ، بينما بصيص الرجاء كان يصارعه أيضاً في الداخل من أجل أنقاذه ، نور المسيح الذي بقربه بدأ يعطي له الرجاء فبدأت معركة في داخله بين الحياة والموت . كان الصراع في قمة الشراسة بضراوةِ بالغة لم يشهد التاريخ من قبل تحدياً سريعاً كهذا وأصراراً من أجل الأنتصار ومن أجل قتل الموت الذي كان يتحدى تلك النفس . أستمد مصلوب اليمين قوته وقدرته وثقته من الدم البرىء المسفوك على صليب الوسط وكما أعترف ببراءة المسيح لصديقه ، وفجاة وبسرعة خاطفة ومذهلة !! وقبل أن ينال الموت منه حدث شىء جديد لم يخطر على بال أحد ، فإذا بلص اليمين ينقلب على لص اليسار ليحسم الصراع بينهما لصالح المصلوب في وسطهما ، فالتفت الى اللص الآخر وانتهره بشدة وبصوت مسموع لكل الحاضرين قائلاً ( أحتى أنت لا تخاف الله ، إذ أنت تحت الحكم بعينه ، أما نحن بعدل لأننا نلنا أستحقاق ما فعلنا ، وأما هذا فلم يفعل شيئاً ) ” لو 40:23″ . لقد أعترف بأنهم مستحقين العذاب والموت ، أما المسيح فهو برىء لأنه لم يفعل ما يستحق الصلب . ولم يكتفي بتوجيه كلامه الى لص اليسار والذي عبر أولاً من خلال صليب الوسط لكي يسمع يسوع هذا الكلام بوضوح . بل أراد أن يقدم أعتذاره وتوبته وأيمانه للمصلوب الى يساره معبراً عن ندمه قائلاً :

( يا يسوع أذكرني عندما تجيء في ملكوتك ! ) ” لو 42:23 “

حدث تغيير في داخل لص اليمين فأنكسر قلبه القاسي فأستبدلت قسوته بالرقة ! وبغضه بالحب ! وحقده وكراهيته وشراستة بطلب التسامح والغفران !

وهكذا يأتيه الرد السريع من الفادي الذي أهانه هو وصديقه قائلاً :

( الحق الحق أقول لك : إنك اليوم تكون معي في الفردوس ! ) ” لو 43:23″

 يا للبهجة والفرح … والرجاء والأنتصار بسبب الحب الألهي العجيب ، وهكذا حصل فرح في السماء بتوبة خاطىء ومهما كانت خطاياه وجرائمه ، لا وبل كلمات المصلوب التائب أصبحت كصلاة ترددها الأجيال فتقول للرب ( أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك ) . وهذا اللص هو أول من دخل الفردوس قبل أن يصّعِد الرب النازل الى الهاوية آبائنا الأبرار الى الفردوس المعد لهم .

طوبى للص الذي نال الخلاص . يقال أن أسمه كان ( ديماس ) وفي كنيستنا الشرقية نسميه ( كياسا ) . تنظم كنيستنا في اليوم الثاني من عيد القيامة وأثناء القداس مسرحية كياسا تحمل في مضمونها خلاص لص اليمين ودخوله الى الفردوس كأول مؤمن بالمصلوب الألهي ، وأول من مات معه . أجل آمن ذلك اللص في لحظاته الأخيرة قبل أن ينال الموت الأبدي منه . قبل المسيح توبته وأيمانه فنفذ له طلبه بأن لا يذكره في ملكوته فقط بل سيكون معه في فردوس النعيم بعد لحظات . فعلى كل من فقد الرجاء في الخلاص أن يقرأ قصة هذا اللص ويتمسك بالرجاء ويؤمن برحمة الله الواسعة ومهما كانت حلكة الظلام التي تحيط به .

هناك من يخطىء يتفسير قصة خلاص ( كياسا ) بأنه خلص بدون نوال سر المعمودية ، لهذا يقللون من أهمية هذا السر متحججين بهذه القصة وبالآية التي تقول ( آمن فقط ) متناسين الآيات التي تدعوا الى المعمودية ( من آمن وتعمد خلص ) ( فأذهبوا إذن ، وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ) . إذن لنسأل هذا السؤال ونقول ، هل أعتمد لص اليمين فنال الخلاص ؟ الجواب : نحن نعلم بأن في المسيحية سر العماد يناله المؤمن أما بمعمودية الماء والروح القدس ، أو بمعمودية الدم ، أو بمعمودية الأشتياق الى العماد . فأي نوع من المعمودية نال الطوباوي ديماس أو كياسا وهو على الصليب ومن عمده ؟

نقول أولاً حدث تغيير في قلب ديماس الخاطىء فغيّر موقفه الهجومي على المسيح لكي يهاجم صديقه ، لا وبل لكي يهاجم الشيطان وخططه وطرقه وكأنه فعلاً أمام الكاهن لينال العماد فيكفر بالشيطان وسبله لأنه عرف الحق والحق حرره . والحق هو المسيح المصلوب بجنبه ( أنا هو الطريق والحق والحياة ) فبدأ يرى بصيص النور في الأفق وهذا النور دفعه الى الأعتراف بالمسيح المصلوب ، فبدأ يهاجم الشر والشرير وكأنه يمارس فعلا طقس المعمودية بمهاجمة طرق الأبليس فيعلن أمام الناس وأمام المسيح جحده للشيطان كما يفعل كل من يريد أن ينال المعمودية كشرط أول لأكمال المرحلة الأولى من سر العماد . المرحلة الثانية أعترف بخطاياه لمصلوب اليسار بصوت مسموع للجميع ومنهم الرب يسوع حيث النداء الموجه من لص اليمين الى لص اليسار كان أولاً يمر من صليب الوسط فسمعه الرب ، بعد الأعتراف بخطاياه ، ترك مصلوب اليسار لكي يلجأ الى مصلوب الوسط ليقول له ( اذكرني في ملكوتك ) أنه أعتراف صريح بآلوهية المسيح ومملكته السماوية . هكذا أكتمل طقس المعمودية بعد أعترافه بالمسيح رباً وألهاً وملكاً بقوله ( ملكوتك ) وهذا ما قاله المسيح في نفس اليوم لبيلاطس ( مملكتي ليست من هذا العالم ) . كان كياسا يعني بكلامه للرب : نجني يا رب . وهكذا يأتي دور الكاهن في المعمودية لكي يكتمل هذا السر وينال العماد والخلاص بعد الأعتراف بالخطايا وأعلان الأيمان وتسليم الذات الى يسوع المخلص . والكاهن الأعظم هو المسيح الرب على رتبة ملكيصادق الذي قال ( … اليوم ستكون معي في الفردوس ! ) ” لو 43:23″ وهكذا تحول اللص الى أبناً لله فأنكسرت شوكة الموت وحصل فرح في السماء ، بعد المعمودية تمسح كل الخطايا ، وبعد كلام يسوع للمصلوب ( اليوم ستكون معي في الفردوس ) تعني غفرت كل خطاياك ، لأنه لا أحد يدخل الى الفردوس دون أن يتطهر من كل الخطايا ، أي نال المعمودية . ونوع هذه المعمودية هو الشوق ، أي شوق المؤمن الى العماد لهذا فالكنيسة الكاثوليكية تعتبر كياسا معمداً بمعمودية الشوق . فما هي معمودية الشوق ؟ هي الايمان الحقيقي والوجداني بالمسيح ، لمن لم تتح له الفرصة لتحقيق المعمودية بالماء. أو يستشهد من أجل أيمانه قبل العماد فينال معمودية الدم ، فمعمودية الشوق تجعله يَخلُص بسبب إيمانه وحبه للمسيح.

وهكذا أحتوت أحداث ذلك اليوم العظيم قصة أخرى تحت الصليب والخاصة بخلاص قائد المئة الوثني الذي تأثر بتلك الوقائع المرئية والمسموعة فأعترف بالحقيقة بعد أن طعن جنب الرب بالحربة فخرج في الحال دم وماء ، والتي هي رمزاً للمعمودية والأفخارستيا فأعلن هو الآخر شهادته وأيمانه بقوله ( بالحقيقة كان هذا الأنسان باراً ) ” لو 47:23 ” ويذكر التاريخ بأنه آمن واستشهد حباً لمخلصه .

وهكذا سيقول يسوع لكل من تعلقت نفسه بالرجاء ويعلن أيمانه بالمصلوب الإلهي ومهما نال منه الفساد بسبب خطاياه الكثيرة ( الحق الحق أقول لك ، ستكون معي في الفردوس )

ليتبارك أسم الرب المصلوب

 

59
أول قداس ألهي أقامه يسوع لتلميذي عماوس بعد القيامة
بقلم/ وردا أسحاق عيسى
 
http://www.m5zn.com/newuploads/2018/03/23/jpg//m5zn_888e40ffc4d0652.jpg

القداس الألهي الذي يقام في كل كنائس العالم اليوم أسسه الرب يسوع في علية صهيون بعد أن بيّنَ لتلاميذه الأثني عشر كلمته الألهية ، أخذ رغيفاً وبارك ، وكسرً ، وأعطى لتلاميذه ، وقال ( خذوا ، كلوا : هذا هو جسدي ! ) . ثم أخذ الكأس ، وشكر ، وأعطاهم ، قائلاً ( أشربوا منها كلكم ، فإن هذا هو دمي الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ) " مت 26:26-27" .
وهكذا أسس الرب يسوع هذا السر العظيم وأمر المؤمنين بتكراره ، فقال ( أعملوا هذا لذكري ) . لهذا تقام الذبائح الإلهية في العالم أجمع ، وفي اليوم التالي من خميس الفصح قدّمَ ذاته طوعاً على الصليب لكي يعطي جسده ودمه فدية عن خطايا البشر في العالم كله .
بعد ثلاثة أيام ورغم إخبار التلاميذ من قبل النسوة بخبر قيامة المسيح من بين الأموات ، ترك تلميذي عماوس ( وهم من التلاميذ السبعين ) أورشليم متجهين إلى قريتهم عماوس التي تبعد نحو سبعة أميال من أورشليم فأصبحت أورشليم خلف الظهر ، وهذا يعني الأبتعاد عن مركز الهدف ، والسبب يعود إلى ضعف الأيمان فقطعوا الأمل بسيدهم . أجل غادرا أورشليم مدينة الخلاص والفداء ليعودوا إلى قريتهما ، أي إلى وضعهما السابق الذي كانوا به قبل لقائهم وأيمانهم بالمسيح . فقدوا الأمل بالخلاص والفداء ( لو 21:24 ) .
إن عمل أسرار الكنيسة يمكن تصورها على مثال عمل المسيح مع هذين التلميذين ، ومن هذه الرواية نستطيع أن نستلخص العناصر الهامة التي تتضمنها الأسرار . بالأسرار نلتقي مع المسيح ليفسر لنا نحن أيضاً أحداث حياته ويساعدنا في العيش في ضوء حياته وموته وقيامته . كما أن هذه الأسرار تأتي من الله . فالمسيح الإله هو الذي جاء إلى التلميذين وسألهما ، وفسر لهم الكتب ، وكسر لهم الخبز ليتناولا ، وهو الذي فتح بصيرتهما ليعرفاه . التلميذان لم يعرفاه عندما تراءى لهما ، بل عرفاه عند كسر الخبز . فلكي نقتدي بالتميذين لأجل اللقاء مع الرب ، هو أن نصغي نحن أيضاً إلى كلام الله ونسلم ذواتنا له ، ومن ثم الأنفتاح على عمله والتماس حضوره فينا فاتحين له قلوبنا كما فعلوا ( فألحا عليه قائلين ، أقم معنا ... فأستلما سر الأفخارستيا ) .
 وهكذا خارج أورشليم ألتقى المسيح مع الرجل الحبشي عندما أرسل يسوع وبقوة الروح القدس فيلبس نائباً عنه لكي يلتقي به وكما ألتقى هو بالتلميذين ( أع 26:8 -27 ) فعندما نال الحبشي سر المعمودية أختفى فيلبس كما أختفى المسيح عن تلميذي عماوس .
كذلك خارج أورشليم ألتقى الرب مع شاول الطرسوسي وقاده إلى من ينيب عنه ليعمده وهو حنانيا في دمشق ( أع 9: 1-9 ) وبعد نوال بولس سر المعمودية ولد ولادة جديدة وتغيرت حياته لكي يعود إلى أورشليم كتلميذي عماوس بعد أن تغيرت حياته .
كذلك يعمل يسوع القائم والمنتصر معنا في الداخل لكي يغيّر نظرتنا ويميل أفكارنا لكي يساعدنا على أكتشاف ما لم ندركه . كل أسرار الكنيسة المقدسة لها فاعلية تكمن في تقريبنا من الرب يسوع ، ليس فقط لأنه هو يحبنا ، بل أولاً لأننا نحن نريد أن نقترب منه ونلتقي به .
تلميذي عماوس كانوا يسيرون في الطريق المدبر لأورشليم لوحدهم لضعف أيمانهم وهما يجران ورائهما أذيال الفشل بسبب خيبة الأمل بأقوال سيدهم لهم قبل الصلب ، عائدين إلى قريتهما كالذين يعودون من المعارك الخاسرة لأيمانهم بأن الرب الذي آمنوا به قد رقد في القبر فأنقطع الرجاء ، فمات الأيمان في القلب وأندثر . لكن سرعان ما يظهر لهم رجل غريب ، بل يتظاهر أنه غريب لكي يرافقهم في مسيرتهم وتظاهر بشكل عجيب وكأنه لا يعلم بما حدث في أورشليم ! هذا الغريب أقام لهم أول قداس ألهي بعد القيامة ، أنه الرب يسوع .
فإذا أردنا التعرف على مراحل القداس الذي نمارسه اليوم ، فنقول ، القداس يتكون من ثلاث مراحل ، وهي : المرحلة الأولى ، مرحلة القراءات والوعظ ، والتي تأخذ الجزء الأول للقداس . وتليها المرحلة الثانية ، مرحلة أعلان الأيمان . ومن ثم الدخول الى المرحلة الثالثة والأخيرة وهي الأفخارستيا ، لتناول جسد الرب . نلاحظ بأن هذه المراحل قد تمت فعلاً بحضور الرب نفسه وكان التلميذان ( كليوباس ) وصديقه ملتزمين الصمت يصغيان بدقة الى القراءات الكتابية التي كان يقرأها لهم الرب ، فبدأ بالعهد القديم الذي تنبأ بتجسد وصلب وموت المسيح ، ومن ثم العهد الجديد وكيف تمت النبؤات ، وبعدها الوعظ حيث فسر لهما كل سر.
أما المرحلة الثانية فهي ، عندما ، أقتربا من قريتهما فتظاهر المسيح بأنه ذاهب إلى مكان أبعد ، لكن بسبب أيمانهم بكلامه أثناء الطريق قرروا أن لا يفارقهما ، بل أن يدخل لينزل عندهما ، وهذا بمثابة الأعتراف بما سمعوه منه ، أو أعلان أيمانهم له لهذا لا يرغبون الفراق ، أنه أعلان أيمانهم بكل ما قاله لهم ، لهذا أرادوا أن يبقى معهم ففتحوا باب بيتهم وقلبهم لكي يدخل ويتعشى معهم ، وبهذا يطبقون طلبه في " رؤ 20:3 " ( هاآنذا واقف على الباب أقرعه ، فإن سمع أحد صوتي وفتح ، دخلت إليه لأتعشى على قرب منه ، وهو على قرب مني ) .
أما المرحلة الثالثة والأخيرة من القداس ، دخل لينزل عندهما وحسب أيمانهما ، بل ليدخل معهم إلى مرحلة الأفخارستيا . فأخذ الخبز ، وبارك ، وكسر ، وأعطاهما ، وكأنه يقول لهما بعد أن أعطاهم الخبز ( خذوا ، كلوا ، هذا هو جسدي ! ) وفي هذه المرحلة أنفتحت أعينهما وعرفاه ، لأن جسد الرب الذي هو العشاء الحقيقي صار بأيديهم ، فأنفتحت أعينهم لكي يؤمنوا بأن رب المجد ليس في القبر ، بل معهم لأنه قام من بين الأموات.   
إذاً عليهم العودة إلى أورشليم مركز الأيمان وبعد أن أستلموا من المسيح جسده المبارك الذي قدمه لهم بيديه المباركتين . بواسطة مادة الخبزالمبارك برز الأيمان الحقيقي فيهم وأستوطن المسيح في قلوبهم التائقة لعيش النعمة الألهية .
وهكذا أنتهى القداس الألهي وتحولت خيبتهم الى فرح وهيبة وقوة وأندفاع وحماس ، لأن يسوع القائم شق بنوره ظلمة قلوبهم وزرع فيهم الرجاء فقرروا في الحال العودة إلى أورشليم لكي يخبروا الرسل بلقائهم مع الرب وسماعهم لكلمته المقدسة ، وتناولهم للخبز الذي قدسه وباركه ومن ثم قدم لهما . هكذا نحن أيضاً يجب أن لا نفقد الأمل في طريق حياتنا بالمخلص بسبب التجارب والضيقات والأمراض وغيرها ، بل لنرى بعيون الأيمان المسيح الذي يرافقنا ونشعر بخطواته لكي تحترق قلوبنا في صدورنا كتلميذي عماوس فنعيش مع المسيح السائر معنا في الطريق المؤدي إلى الملكوت لأننا نحن أيضاً لا نستطيع أن نراه إلا إذا صمتنا لكي نسمع إلى صوته الصادر من أعماقنا فتتحول خيبتنا نحن أيضاً إلى هيبة فيضرم فينا نار الخلاص . إذاً على كل مؤمن أن يفتح للمسيح باب قلبه ويصغي لصوته كتلميذي عماوس وهو واقف على الباب يقرع لكي نفتح له فيدخل . وبعهدها يعطي الوعد في السماء للذين يطلبونه بإيمان ، لهذا قال ( من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيضاً وجلست مع أبي في عرشه ) " رؤ 21:3" .
 وهكذا ستصل وعود الرب لتلاميذه في العشاء الأخير إلى كل مؤمن لكي يتعشى معه في ملكوته وحسب قوله ( وأنا أعين لكم ، كما عين لي أبي ملكوتاً ، لكي تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي ) " لو 29:22" .
 هكذا الغالب سيجلس على عرش المسيح المنتصر ويشترك في ملكوته . ومن هم الذين سيغلبون هذا العالم ويلتقون بالمسيح غير المؤمنين به بأنه هو أبن الله ( طالع 1 يو 4:5-5) ويعملون بوصاياه ، هم الذين يلتقون به ، لا في طريق عماوس ، بل في ملكوته الأبدي .
ولربنا القائم من بين الأموات المجد كل المجد


60
اليهود هم الذين دمروا الهيكل
      بقلم / وردا أسحاق عيسى
[/color]وندزر – كندا
( أنقضوا هذا الهيكل ، وأنا أقيمه في ثلاثة أيام ) " يو 19:2 "
 
الهيكل الذي بناه سليمان الملك كان صرحاً عظيماً يتباهون به اليهود لعظمة أبنيته . تم بنائه في عام 970. ق . م  وقد أستغرق في بنائه 46 سنة حسب قول اليهود للرب يسوع الذي تنبأ بزواله ، عندما كان ينظر أليه الرب مع تلاميذه ، قال لهم ( ... لن يبقى هنا حجر على حجر إلا ويهدم ! ) " مت 2:24 " . دَوّن الرسول متى هذه النبؤة بعد تهديم الهيكل من قبل القائد الروماني تيطس . سمع اليهود بتفاصيل نبؤة يسوع وتفاصيل الحصار على مدينتهم ودمار الهيكل قبل أن تكتب في كتب العهد الجديد ، أو قبل أن يهدم الهيكل ، لكنهم لم يكترثوا ، ولم يبحثوا كهنتهم في الكتب لكي يتأكدوا من قول الرب ، لهذا حزن المسيح ( طالع لو 41:19 ) . حزن لأنهم لم يفهموا معنى قوله ، ولم يسعوا لمعرفة زمن مجيئه اليهم ، ولا عن مصيرهم ! لهذا كانت خطاباته نحوهم قاسية للغاية .
 كان يوبخهم على ريائهم وقساوة قلوبهم وطيشهم لما مارسوه هم وأجدادهم من جرائم قتل بالأنبياء والمرسلين أليهم ( مت 23 ) . لهذا قال عنهم الرسول بولس ( ... اليهود الذين قتلوا الرب يسوع والأنبياء وأضطهدونا نحن أيضاً ، وهم لا يرضون الله ويعادون الناس جميعاً .. ) " 1تس 2: 14-15 " . لقد ندد يسوع الرؤساء وأنبأهم بالعقاب القادم وزوال الهيكل تأكيداً لما أعلنه لهم أرميا النبي في كتابه ، قال ( ولكن إن عصيتم هذه الوصايا ، فقد أقسمت بنفسي يقول الرب أن يتحول هذا القصر إلى أطلال ٍ ) " أر 5:22 " لهذا أكد يسوع قائلاً (هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا ) " لو 35:13 " . كما تحدث  يسوع عن موضوع تنجيس المكان المقدس بعبارة ( رجاسة الخراب ) الموجودة في سفر دانيال " 27:9 " حول السبعين أسبوعاً . أما البشير لوقا فلن يتحدث عن التنجيس لكنه أكتفى بكلمة ( خراب ) ويعني بها الدمار لأورشليم مع هيكلها فقال ( وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا ) " لو 20 21 " نفهم من نبؤة دانيال بأن المقصود يرتبط بأحداث سنة 70 م التي دمر فيها الرومان الهيكل . أما البشيرين متى ومرقس فيتحدثون أيضاً عن علامات تنجيس الهيكل المقدس فترتبط كتاباتهم مع نبؤة دانيال حول موضوع مجىء أبن الأنسان على سحاب السماء ( دا 7: 13-14 ) أي نهاية العالم ، والأسئلة المطروحة من قبل التلاميذ للرب  كانت تنعكس إلى أحداث ما وراء تدمير الهيكل ، أي نهاية العالم ومجىْ أبن الأنسان الذي سيقيم مُلك الله . وهذا موجود عند دانيال الذي يتحدث عن مجىء المسيح على سحاب السماء ، فكان جواب الرب يسوع لهم يتناول موضوع مجيئه ونهاية العالم ، بل ندد يسوع بأن سبب تدنيس الهيكل هو اليهود أنفسهم قبل أن يأتوا الرومان إلى الهيكل  وذلك بسبب المشاريع المادية التي أسسوها في ساحة الهيكل للبيع والشراء من أجل الربح المادي ، لهذا طرد الباعة وقال للكهنة ( جعلتم بيت أبي مغارة للصوص ) " مت 13:21 " وهذا ما تنبأ به أرميا في " 11:7 " كما أشار يسوع إلى موضوع آخر وهو تذكيرهم بجرائمهم المتعلقة بسفك دماء الأبرار والأنبياء في الهيكل ( طالع 23 : 23-35) . إذاً الموضع تحول من رجاسة الهيكل إلى القتل المتعمد ، هذا بعد أن تحدث عن موضوع رجاسة الهيكل وتدنيسه ، لهذا سيكون مصيره ليس فقط التدنيس والتدمير المادي فحسب ، بل نهاية العبادة فيه ، لهذا لا يعني المسيح في تدمير الهيكل ومدينة أورشليم والهروب منها بعد أن تحاط المدينة بالجيوش الرومانية ، بل قصد الهروب من العبادة في الهيكل الذي أنتهى دوره في تقديم العبادة لله لكي يحل محله معبد آخر وهو كنيسته المقدسة التي ستكون جسده المبارك ، أي أنه لم يأمر بمغادرة أورشليم المحاصرة ، بل مغادرة اليهودية كديانة وترك طقوسها .
اليهود لم ينجسوا الهيكل فقط ، بل هم الذين هدموه . والمقصود بالهيكل في قول يسوع ليس هيكل سليمان الذي دمره تيطس وفسباسيانس بعد أن تخلى الله عنه ، بل المقصود هو جسد المسيح نفسه ، فالمسيح هو هيكل الله الحقيقي النازل من السماء ، وجسده المبارك هو مكان حضور الله بين البشر ، وهو الذي جاء ليدعو الجميع ليشاركوه هم أيضاً في جسده لكي يصبح هو رأس الجسد ، ولكي يصبحوا هم معه هيكل الله على الأرض ، أي الكنيسة المقدسة بديلة هيكل سليمان . فالكنيسة اليوم هي خادمة لبني البشر كمؤسسها يسوع ، وهذا هو سر وسبب وجودها ، وهي أمتداد للكنيسة السماوية . فالمسيح إذاً عندما قال لليهود ( أهدموا هذا الهيكل وأنا أقيمه بثلاثة أيام ) لم يقصد بكلامه هيكل سليمان الذي أنتهى دوره بعد المسيحية ، ولا تأثير له حتى لو بقي ، أو حتى لو شيدوه يهود اليوم للمرة الثالثة وببناء أكثر جمالاً ، لأن اليهودية قد أنتهت ، لكن اليهود لم يفهموا معنى قول المسيح لهم ، لهذا قالوا له وهو على الصليب ( يا هادم الهيكل وبانيه ... خلص نفسك ) . لم يحصلوا منه الرد على الصليب ، بل تحداهم بقيامته بعد ثلاثة أيام فأكد لهم ببناء هيكل جديد وهو جسده القائم من بين الأموات لكي يثبت لهم وللبشرية كلها بأنه سيد الحياة والموت ، وكذلك سيقيم جسد أبناء الكنيسة لكي تحيا معه حياة أبدية . والكنيسة تسير في درب الصليب ، درب الآلام لتعيش كلامه الذي ( إن كانوا أضطهدوني ، فسوف يضطهدونكم أيضاً ) " يو 20 :15 " فالمسيح قصد هيكل جسده هو الذي سيهدم من قبل اليهود ، أجل هم الذين دفعوه للصلب رغم معارضة بيلاطس البنطي ، بل رغم دفاعه عنه ، لأنه لم يجد فيه ذنب . هم كانوا السبب في صلبه وموته . فعندما مات على الصليب تمزق حجاب هيكلهم  ، أي تمزقت اليهودية إلى الأبد ( طالع مت 27: 51 ، مر 38:15 ، لو 45:23 ) .
 المسيح مات وقام قبل هدم الهيكل . أنه الهيكل الحقيقي للعهد الجديد الذي يسكن فيه الله كما كان في الهيكل القديم . والمؤمنون به هم حجارة حية في هذا المعبد الجديد الذي لن تصنعه الأيادي ، والذي ليس لملكه أنقضاء . ليعلم اليهود جيداً بأن المسيح الذي دفعوه للموت ، هو نفسه مسيحهم المنتظر والموعود ، لكنهم أصروا على قتله فدمروا هيكلهم الحقيقي , أنه الحمل المذبوح الذي رآه يوحنا الرائي واقفاً بين الشيوخ ( رؤ 6:5) أي المسيح الممجد الذي سيأتي في يوم الحساب المخيف ليدين بحسب عدله الألهي كل أنسان وله ستسجد كل ركبة ،
وللمنتصر القائم من بين الأموات المجد الدائم في كل أوان


61
الغاية من غسل أرجل التلاميذ في خميس الفصح
بقلم/ وردا أسحاق عيسى

 
http://www.m5zn.com/newuploads/2018/03/18/jpg//m5zn_5397dfea8937236.jpg
قال بطرس ليسوع ( يا رب ، لا قدميّ فقط ، بل يدي ورأسي أيضاً ) " يو 9:13 "
أراد يسوع في يوم الخميس السري أن يصل بالمؤمنين إلى فهم درس الأسرار الكنسية التي أسسها . سميت بالأسرار لأنها لا ترى بالعين المجردة ، فالمعمودية التي نتعمد بها بالروح والنار ، غير مرئية ، يجب أن ترافقها مادة مرئية وملموسة وهي الماء لكشف الحقيقة حسياُ ومرئياً . وهكذا بالنسبة الى الزيت المستخدم في سر التثبيت ( الميرون ) .  وكذلك الزيت المستخدم في سر مسحة المرضى ، والخبز والخمر في سر الأفخارستيا وغيرها .
أستخدم يسوع تلك المواد دون أن يخبر تلاميذه برمزيتها منتظراً حلول الروح القدس عليهم والذي أرسله لهم يوم الخمسين ، أنه ذلك المعين الذي يعينهم ويعطيهم القدرة الفائقة على فك شفرات تلك الرموز للأستفادة منها وفهم غاياتها .
عندما أسس سر الأفخارستيا  في يوم خميس الفصح كسر الخبز الذي يشير إلى كسر جسده المبارك على الصليب في اليوم التالي . والخمر الذي يشير به إلى دمه الطاهر الذي سيسفكه على عتبة الصليب كعلامة لعهد جديد أزلي بين السماء والأرض من خلال الكنيسة التي أسسها ، وبذلك الدم ستحدث المصالحة بين السماء والأرض .
أما في هذا الموضوع الذي نتناول فيه غسل أرجل التلاميذ والغاية من غسلها ، فيشير إلى تأسيس سر الكهنوت الذي يحتاج إلى تواضع ووداعة وخدمة وتضحية . كتواضَعَ يسوع الذي قام عن العشاء وخلع ثوبه وأخذ منشفه وأتزر بها ، ثم صب الماء في مغسلة ، وبدأ بغسل أرجل التلاميذ وبمسحها بالمنشفة التي أتزر بها , ثم قال لهم : ( أتفهمون ما عملته لكم ؟ ... أنا السيد والمعلم غسلت أرجلكم ، فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أرجل بعض ، وأنا أعطيتكم ما تقدرون به ، فتعلموا ماعملته لكم ) " يو 13" . أنه درس عميق في معنى الخدمة والتواضع بأبهى صورها . أراد يسوع في هذا المشهد أن يكشف لتلاميذه عن موته القريب بحركةٍ رمزية طالباً من الجميع غسل رجله ، تلك الأرجل المباركة التي غسلتها أمرأة بدموعها ومسحتها بشعر رأسها ، وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب ( لو 38:7 ) .
كان يقصد المسيح بغسل أرجل تلاميذه  بأن يشاطروه هم أيضاً في آلامه بنشر رسالة أنجيله في العالم كله ، وهو يعلم جيداً عن الأضطهاد والعذاب ينتظرهم بعد أن يذهبوا إلى العالم عندما ينالون الروح القدس ليبدأوا بالتبشير ونشر رسالة الملكوت . بهذا العمل قدم للتلاميذ مثالاً لكي يقتدوا به ، وقال لهم ( الحق الحق أقول لكم ، ليس عبد أعظم من سيده ، ولا رسول أعظم من مرسله . فإن كنتم قد عرفتم هذا ، فطوبى لكم إذا عملتم به ) " يو 15:13
 أما الغاية الثانية لغسل الأرجل فهي تعميذها بعلامة ملموسة هي الماء لكي تتطهر قبل الأنطلاق في رحلة التبشير ونقل كلمة الأنجيل إلى العالم كله .
عند صعوده إلى السماء قال لهم ( أذهبوا إلى العالم أجمع ، وبشروا الخليقة كلها بالأنجيل ) " مر 15:16 " .
أما الوجه الثالث لموضوع غسل الأرجل فيتجلى في التواضع وخدمة الآخرين والتي كشفها لهم يسوع عندما لامست ركبته الأرض والنزول إلى أدنى مستوى من الجسم وهو ( القدمين ) ويبدأ بغسلها . كما كان يفعل العبد في المجتمع اليهودي للضيف الداخل إلى بيت سيده ، وقد ذكر هذا الموقف الرسل بولس ، قائلاً :
( هو في صورة الله ، ما أعتبر مساواته لله غنيمة له ، بل أخلى ذاته وأتخذ صورة العبد  صار شبيهاً بالبشر ، وظهر في صورة الإنسان ، تواضع ، أطاع حتى الموت ، الموت على الصليب ) " في 2: 6-8" .
 بهذه الوجوه الثلاثة لغسل الأرجل نفهم معنى غسل أرجل المختارين للتبشير للمضي قدماً في درب أعلان البشارة بأقدام طاهرة . أما وصيته لتلاميذه بأن يغسلوا أرجل بعضهم ، فتعني الخدمة والمغفرة بعضهم لبعض . هكذا تطبق الكنيسة اليوم هذا الطقس في خميس الفصح أبتداءاً من قداسة البابا والأساقفة والآباء الكهنة في كل كنيسة لكي يرى الجميع ويفهم هذا الدرس المهم في التواضع والخدمة ، ومن ثم التهيئة للأنطلاق إلى العالم وحسب وصية الرب .
المجد الدائم لألهنا المحب والمتواضع

62
يسوع واهب الحياة أقام لعازر المنتن
بقلم/ وردا أسحاق عيسى
http://www.m5zn.com/newuploads/2018/03/17/jpg//m5zn_6df75662300c6ce.jpg
( أنا هو القيامة والحياة ، من آمن بي وإن مات فسيحيا ) " يو 26:11 "
خصصت الكنيسة المقدسة يوم الجمعة الأخيرة من الصوم الكبير تذكاراً لأقامة يسوع صديقه لعازر من بين الأموات . وفي الأحد التالي تحتفل بيوم النصرة يوم دخول الرب الى أورشليم وبعدها تدخل الكنيسة في أسبوع الآلام المقدس .
كان لعازر من قرية بيت عنيا القريبة من أورشليم ، أخواته مريم ومرثا اللواتي تحدثنا مع المسيح أكثر من مرة ، أما لعازر فلم يدوّن لنا الأنجيل أي حديث له مع الرب أو الرب معه لأنه كان ينتمي إلى مدرسة الصمت والأصغاء إلى صوت الرب كما كان البتول مار يوسف .
أنفرد الرسول يوحنا في سر قصة أقامة لعازر من بين الأموات ، أما الأناجيل الأزائية الثلاثة فلم تذكر شىء عن هذه المعجزة .
كان الرب يسوع يحب عائلة لعازر التي كانت تستقبل يسوع وتلاميذه في بيتها وتقدم له ولتلاميذه الخدمة وتستمع إلى كلمات رسالته السماوية . ومن ذلك البيت كان يسوع ينطلق إلى أورشليم .
عندما أقتربت ساعة يسوع لكي يسلم نفسه طوعاً للموت ، أراد أن يثبت لليهود والعالم بأنه هو المسيح المنتظر ، وهو الإله واهب الحياة ، وله سلطان حتى على الموت . فأحيا الموتى وأحيا نفسه فغلب الموت بموته .
قبل موت يسوع مَرِض صديقه لعازر ، وبدأ المرض يهدد حياته وفي وسط تلك الآلام أرسلت مريم ومرثا رسالة إلى يسوع لكي يحضر لينقذ حبيبه لعازر فجاء في تلك الرسالة ( يا سيد هوذا الذي تحبه مريض ) عندما نتأمل بهذه الكلمات نلتمس عدم وجود طلب ألحاح يأمر المسيح بالحضور رغم شدة المرض ، والسبب يعود إلى فهم الأختين لرسالة المسيح ظناً منهن من أن تكون خدمته في نشر الأنجيل أكثر أهمية من طلبهن ، وبالرغم من العلاقة التي بين الجانبين . فمريم هي التي دهنت الرب بالعطر ومسحت قدماه بشعرها ( يو 2:11) وهي التي جلست عند قدميه في دارها لكي تستمع إلى أقواله عندما كانت تخدمه مرثا . لكن رغم تلك العلاقة كان الطلب لا يتعدى حدود أخبار المسيح بالمرض فقط ، علماً  بأن المسيح يعلم بكل شىء وحتى وإن لم تصل له الرسالة لأنه الإله العالم بكل الخفايا ، لهذا عندما مات لعازر قال لتلاميذه ( لعازر حبيبنا رقد ) .  لم يرد على الرسالة ، ولم يشأ الذهاب لأنقاذه من المرض ، بل سمح للموت لكي ينال منه . وبعد موته أخبر الرب تلاميذه بأن لعازر قد نام ، لم يقل مات . وكذلك قال للذين كانوا يبكون وينوحون على بنت يائيرس رئيس المجمع المائتة ( لا تبكوا ، لم تمت ، إنما هي نائمة ) " لو 52:8"  . لماذا كان يسوع يدعوا الموت نوماً ؟ الجواب ، لأنه كان يقلل من حجم الموت فيسميه نوماً أو رقاداً ، ولكونه قادراً أن يعيد الحياة لمن يشاء وكما أعاده للشاب الوحيد لوالدته الأرملة . كما كان يقصد في قوله أنه نائم وذلك لكي يخفف من ثقل الحزن على أهل الميّت . .
أكمل يسوع الحديث مع تلاميذه قائلاً ( لكني سأذهب لأوقضه ) . إذن المسيح لن يذهب إلى لعازر عندما كان مريضاً ، بل أنتظر موته لكي يصل إلى قبره بعد أربعة أيام . وبعد ذلك قال لتلاميذه " لعازر مات " وكيف علم بأنه مات ؟ لأنه في لاهوته كان يعيش كالحاضر الغائب ، لأنه إله موجود في كل مكان ، لهذا كان يعلم بموت لعازر دون أن يخبره أحد .
عدم وجود يسوع في بيت عنيا لشفاء لعازر كان خيراً للتلاميذ لكي يقوّي إيمانهم بعد أن يروا المعجزة . كان بأمكانه أن يشفيه بكلمة منه عندما قرأ الرسالة دون أن يذهب ، لكنه أراد أن يموت لكي يكرمه ويعمل له الأفضل وهو أعطاءه بركة الأقامة من بين الأموات ولكي يكون خبر أقامته تأثيراً وسبباً لأيمان الكثيرين . وبهذا يثبت المسيح قوته وقدرته في أيامه الأخيرة وسلطانه ولاهوته للجميع بأنه هو الإله الخالق . أما سبب بقائه أربعة أيام فلكي يتحدى معتقد اليهود الذين كانوا يؤمنون بأن روح الميت تحوم حول الجسد ثلاثة أيام ويمكن أن تعود اليه لهذا قصّد بأن يقيمه في اليوم الرابع لكي يقطع كل الحجج ، أضافة إلى أن الجثة تبدأ بالتفسخ وكما قالت مرثا ليسوع ( يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام ) أي من الناحية الطبية نقول بأن كل خلية في جسد لعازر قد ماتت وأنقطعت كل الآمال ولا مجال للعلم أن يعطي تفسيراً أو تبريرا لعودة الحياة إلى تلك الجثة إلا إذا خلق من جديد . فنقول هل أقام الرب يسوع لعازر ، أم خلقه من جديد وأعاده كما كان ؟ الجواب ، خلقه لكي يقوم بكامل عافيته وبرهن لكهنة اليهود وللعالم وللتاريخ بأنه الرب الإله واهب الحياة . وكذلك سيفعل مع كل الموتى في يوم القيامة العظيم .  قال القديس أوغسطينوس ، يسوع يشير بقيامة الأشخاص الثلاثة الذين أقامهم إلى قيامة نفوسنا لكي يهبنا القيامة والخلاص .
أبنة يايرس ، لم يناديها بأسمها لكي تقوم " مت 9" ولا أبن ارملة نايين " لو 7" بينما لأقامة لعازر صرخ بصوت عظيم ، لماذا هل ليسمع لعازر في القبر ، أم ليسمع كل الواقفن ويجذب أليه أنظارهم وأفكارهم ؟ أما لماذا ناداه بأسمه " لعازر " فيقول القديس أغسطينوس : لو لم يقل يسوع " لعازر " لكان كل الأموات الذين في القبور قد قاموا ز وهكذا في يوم القيامة عندما ينادون الموتى بالقيامة فذلك الصوت سيسمعه كل الموتى ويقومون .
كان لأقامة لعازر تأثيراً كبيراً في المجتمع اليهودي ، فكثيرون من اليهود الحاضرين في وقت أقامته آمنوا بالمسيح ، أما البقية الباقية فلن يؤمنوا لقساوة قلوبهم فذهبوا بالخبر إلى قادة اليهود الذين قرروا الأجتماع في مجمعهم لكي يخططوا لقتل المسيح بسبب أعماله الخارقة ، وآياته الكثيرة وخاصةً بسبب أستقطاب الناس أليه ، وهذا ما أخافهم ، فقالوا ( ماذا نصنع ، بأن الأنسان يعمل آيات كثيرة ؟ ) وهذه المعجزة تفوق كل المعجزات ولا يمكن مقارنتها بغيرها من المعجزات لأن لعازر المنتن قد عاد إلى الحياة والناس يتحركون نحو المسيح لكي يبايعوه ، وهذا ماحصل في يوم يوم دخوله إلى أورشليم راكباً على جحش أبن أتان ، وبدأ قادة اليهود يخافون على مناصبهم وسلطانهم وهيبتهم ، لهذا حولوا الموضوع إلى سياسة فقالوا عنه ، يريد أن يصبح ملكاً . هكذا ولأجل التخلص منه كانت هذه حجتهم لبيلاطس بأن يريد أن يصبح ملكاً ونحن لا ملك لنا إلا قيصر رغم كرههم لقيصر وللأستعمار الروماني . وكل هذا الأعتراف والتنازل أمام بيلاطس كان لأجل التخلص من وجود المسيح بينهم . كذلك أقنعوا الشعب الذي بايعه بمقاومته بقولهم لهم ( أن تركناه هكذا ، يؤمن الجميع به ، فيأتي الرومان ، ويأخذون موضعنا وأمتنا ) لهذه الأسباب قرروا الخلاص من يسوع ، وكذلك قتل لعازر أيضاً لأن جوده في الوسط اليهودي خطير لهذا يقول الكتاب ( فقرروا رؤوساء الكهنة أن يقتلوا لعازر أيضاً ، لأن كثيرين من اليهود كانوا يهجرونهم بسببه ويؤمنون بيسوع ) " يو 12: 10-11 " .
ختماً نقول : المسيح هو واهب الحياة لأنه هو ( الطريق والحق والحياة ) لهذا قال لمرثا ( أنا هو القيامة والحياة ، من آمن بي وإن مات فسيحيا ) " يو 27:11 " كما كرر كلامه ، فقال ( ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله ؟ ) " يو 41:11 " فنادى يسوع لعازر بصوت عالٍ قائلاً ( لعازر أخرج ) سمع الميت صوت الله ، وهكذا سيسمعون كل الموتى صوته في يوم القيامة لكي يقوموا كلعازر من قبورهم .
خرج لعازر والأكفان تشّد جسده والمنديل رأسه ، فأمر يسوع لمن حوله ( حلّوه ودعوه يذهب ! ) وهكذا تم أطلاق لعازر من قيود الكفن وقيود الموت ومن سجن القبر لكي يحيا مع المسيح وفي المسيح الذي أقامه ، ونحن أيضاً سيقيمنا في يوم الدينونة الأخير لكي نجتمع معه على السحاب فنبقى معه إلى الأزل في السماء ، قال الرسول بولس ( أما نحن ، فإن وطننا في السموات التي منها ننتظر عودة مخلصنا يسوع المسيح ، الذي سيحول جسدنا الوضيع إلى صورة مطابقة لجسده المجيد ، وفقاً لعمل قدرته على إخضاع كل شىء لنفسه ) " في 3: 20 -21 " .

ولربنا يسوع المسيح المجد دائماً
 

63
         فإن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة
بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا

قال الرب ( وأعطيكم قلباً جديداً ، وأجعل روحاً جديدة في داخلكم ... ) " مز36:36 "
خلق الله الأنسان على صورته ومثاله ، خلقه حرا ، لكن ليس بكمال الحرية ، بل وضع له وصايا ، لكن الأنسان خالف وصايا الخالق فسقط . بعد السقوط كان الأنسان بدون شريعة فضميره كان شريعة له ، وكما تعيش أمم ملحدة كثيرة اليوم في العالم بدون شريعة ، فالله سيحاسب كل منهم حسب ضميره ، والضمير يعتبره لهم الله شريعة . الأنسان خالف الشريعة التي وضعها له الله في عهد موسى ، فكان ينتظر مجىء المخلص ، فكتبت آيات كثيرة في العهد القديم عن مجيىئه لكي يصحح مفهوم الشريعة وطريق الخلاص ، فعلمهم كيف يجب أن
يحب الأنسان جميع الناس بالتساوي ، وليس حسب الجنس والعقيدة ، بل لكل أبناء آدم ، فأكد لهم بأن الذي يعيش في شريعة الله هو ذلك الأنسان الذي فيه روح المحبة والأعمال الصالحة ( طالع مثل السامري الصالح ) . كما دخل في عمق المحبة لكي يعلم الأنسان كيف يقابل الأساءة بالأحسان ، فالمفهوم الحقيقي للشريعة هو أن يتفق مع الضمير البشري أولاً ، وهذا ما ساروا عليه الآباء الأتقياء ، قبل وبعد شريعة موسى .
بعد المجىء الأول للمسيح ، قام يسوع بتجديد العهد فأعلن الملكوت بين البشر، ومات وقام لكي يؤسس عهداً جيداً ، وتعلماً جديداً يكمل الشريعة ، عهد النعمة والمصالحة بين الناس والله ، وبين جميع الأمم . فبين مجيئه الأول والثاني ، تم الظفر والأنتصار على الشيطان وأعوانه ، فعلينا أن لا ننتظر أنتصاراً آخر . المطلوب من كل أنسان أن يدخل في طريق المسيح الذي هو ( الطريق ، والحق ، والحياة ) كما قال في " يو 6:14" . أنه الطريق المؤدي إلى الحياة الأبدية ، فكل من يتبع مسيرة يسوع سيغلب وينتصر ويأكل من شجرة الحياة .
الأنسان العتيق اليوم يستطيع أن يتجلى ليصبح أنساناً جديداً مع المسيح وفي المسيح ، والتجلي هو مجد الله ، هو القداسة التي يستطيع كل مؤمن أن يغذيها ويسمو بها . المسيحي الذي يؤمن يدخل في الميثاق مع الله ، والله معه . حينذاك يستطيع بالمسيح أن يقول ( عمانوئيل ) أي الله معنا ، ويصبح أبناً وريثاً لله  فيقول لله ( أبانا ) ، هكذا يحدث أنقلاباً روحياً في ذات ذلك الأنسان القديم لكي يصبح أنساناً جديداً ينبذ الكراهية والأنتقام ، ومحبة الذات ، والزنى ، وكل عمل يهين الذات الألهية ، فيكره الخطيئة ويقاومها وينصح الذين يقترفونها ، وهكذا سيبدأ بالعيش في أطار جديد من الحياة النقية . فيعطى له أسماً جديداً ويعيش في عالم جديد يمارس فيه العبادة الحقيقية لله ، فيصبح في المسيح خليقة جديدة . كما يقول الرسول ( فإنه إذا كان أحد في المسيح ، فهو خليقة جديدة . إن الأشياء القديمة قد زالت ، وها كل شىء قد صار جديداً ) " 2 قور 17:5 " .
الأنسان الجديد الذي نال المعمودية يصبح عضواً في الكنيسة المقدسة ، بل في أورشليم السماوية ، لأن الأبدية حاضرة منذ الآن ، كما أن الملكوت يبدأ من قلوبنا ونحن في الحياة . فالمسيحي يعيش منذ الآن في السماء ، بل منذ الآن هو مواطن في أورشليم السماوية ( طالع رؤ 12:3" وهذا ما يؤكده لنا القديس بولس في " غل 4: 26-27" ( أما أورشلين السماوية العليا فهي حرة ، وهي أمنا ) . كما أكد في " فل 20/3 " قال ( أما نحن فموطننا في السموات التي منها ننتظر مخلصنا ، الرب يسوع المسيح ) . إذن مسكننا من الآن هو أورشليم السماوية ، بل نقترب منها كل يوم ، لهذا نقرأ في " عب 22:12" ( دنوتم إلى صهيون ،إلى جبل الله الحي ، إلى أورشليم السماوية ) . فالكنيسة اليوم بأبنائها تكتشف هذا السر ، هناك علاقة بينها وبين الكنيسة الممجدة في أورشليم السماوية ، التي هي عروس المسيح كما هي كنيستنا الأرضية ، أي نحن أبناء الكنيسة المقدسة سننتقل من الكنيسة المضطهدة المجاهدة إلى الكنيسة الممجدة  في أورشليم السماوية ، أورشليم هي علامة تجديد العهد في حب تام وكامل . كما أن المسيح الآن تزوج عروسته أورشليم السماوية ، هكذا يسر الرب ويقترن مع كنيستنا ، أي يتحد بها ، لأنها عروسته ، كما أن العريس يتزوج عروسته بكراً . ها هو الآن مسكن الرب بين البشر في الكنيسة الأرضية التي هي أمتداد لأورشليم السماوية ، يقول الرب ( يكون مسكني معهم وأكون لهم ألهاً ويكونون لي شعباً ) " حز 27:37 " . الأشياء القديمة ستزول ، فلا يكون هناك ألم ، أو دمعة ، أو موت " رؤ 17:7" . فالأنسان الجديد في المسيح هم خليقة جديدة ، يقول الرب ( هاءنذا أجعل كل شىء جديداً ) " رؤ 5:21 " ويقول أيضاً ( لا تتذكروا من بعد الأحداث الأولى ولا تتأملوا في الأمور القديمة ، فها أنا آتي بالجديد وهو يبرعم الآن ، أفلا تعرفونه ؟ ) " أش 43: 18-19 ) .
في أورشليم السماوية لا يكون ألماً وسقطة أخرى للأنسان ، ولا وجود للمجرب ، وسيقبل البشر بشكل نهائي في ذلك المكان ، تقول الآية ( فليس بعد الآن من هلاكٍ للذين هم في يسوع المسيح ، لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حررتني من شريعة الخطيئة والموت ) " روم 1:8" . فالأنسان الجديد ( الخليقة الجديدة ) يكون أسمه على جبهته ، فكل مسيحي سيحمل هذه العلامة ، علامة الأنتماء والتكريس ( طالع رؤ 12:3 و 3:7 و 1:14 " . وهذه العلامة تتعارض مع علامة الوحش " رؤ 16:13 " .
ختاماً نقول : أن المسيحيين يستطيعون أن ينتظروا النهاية بثقة وفرح لأنهم يذوقون منذ الآن الخيرات الأبدية الموعود بها ، لأنهم يعيشون للحمل فيشعرون بهجة الأبدية في زمن البشر منذ الآن ، لأنهم وصلوا إلى شجرة الحياة " رؤ 7:2 و 14:22 " أنهم يعلنون مسبقاً ويصورون قرب الأنسان من الله كما كان آدم في جنة عدن ، أنهم صورة حية عن شفاء يقدم الآن إلى جميع الأمم ، السماء لفظة لاهوتية مصورة تحاول أن تعبّر بواسطة تكديس الكلمات والرموز ، عن واقع ألهي يتعدى الأدراك البشري ةعدد التشابيه المستعملة يكفي ليبين أن سرالسماء وسعادتها لا ينحصران في لفظة واحدة . قال بولس الرسول ( إن معرفتنا ناقصة ... فمتى جاء الكامل زال ما هو ناقص ) " 1 قور 13: 9-10 " وفيما يخص السماء يبقى كلامنا عنها تمتمات أطفال ألذين لم يصلوا بعد إلى ملء النطق .
هنا على الأرض يجب أن ندرك حضور السماء ، وهذا الأيمان يبدل نظام الخليقة القديمة والمدلول المعروف للزمن ، هذا هو قلب تعليم الأنجيل ، فنهاية الزمان لم يكن رهيباً للأنسان الجديد ، بل ظهور الكنيسة ( أورشليم السماوية النازلة من السماء ) والتي أقتناها الحمل بدمه وأعاد خلقها على صورته ، سيكون يوم فرح عظيم لكل مؤمن يراها ، وفي ذلك اليوم لا دينونة للذين آمنوا بالحمل ، بل تكون لهم حياة أبدية .
وللحمل النازل من السماء كل المجد



64
المؤمن يتحدى لدغة الموت بفرح
      بقلم / وردا أسحاق عيسى
( أما الآن فالمسيح قد قام من بين الأموات بكراً للراقدين )  " 1 قو 15: 20 "
ما هو الموت ؟ في المفهوم المسيحي الموت أنواع ، فهنا لا نتطرق على موضوع أنواع الموت ، بل سنتناول موت الجسد الطبيعي ومستقبل البشر ما بعد الموت .
هناك من يحسب الموت بأنه العدو الأكبر للأنسان لأنه ينهي حياته على هذه الأرض ، فكل شىء يهدد الحياة يهاب منه الأنسان ويرتعد . أما الأنسان المؤمن فلا شىء في هذا العالم يخيفه . فسّم الأفعى مثلاً يدفع الأنسان الى الموت ، لكن الرسول بولس عندما تعلقت بيده الأفعى التي دفعتها حرارة النار اليه ، ظن الحاضرين بأن بولس حتماً سيموت ، لكنه لم يكترث وذلك بسبب قوة أيمانه ، بل نفض الأفعى في النار دون أن يصيبه ضرر أو يمسه الموت لأنه مؤمن بأقوال المسيح بأن سموم العقارب والحيات لا تضر المؤمنين . لهذا لم يخف من الموت . ، بل كان يحسبه ربحاً ، لأنه الوسيلة التي تحرره من هذه الحياة الى الحياة الأبدية . لهذا طلب الموت من الرب وكان ذلك تحدياً واضحاً للموت . يجب أن نصمد أمام الموت مهما كانت التحديات كثيرة وكبيرة وكما حصل لتلاميذ المسيح في عرض البحر عندما هاج عليهم والأمطار والرياح تعصف بهم ، فضعفوا في التجربة ونسوا أيمانهم الذي هو سر قوتهم علماً بأن الرب كان بقربهم نائماً في القارب ، لهذا لامهم بشدة لقلة أيمانهم .
الموت للمسيحي هو الصديق الذي يفتح له أبواب الأبديّة ، ويساعده للتقرب من ساعة جني المكافأة النهائيّة التي يسعى أليها في حياته الزمنية . لذا لا يخشى المسيحيّ المؤمن من الانطلاق إلى عالم أفضل حيث الغبطة الدائمة الموعود بها في الكتب الإلهيّة. وبهذا المعنى يقول القدّيس كبريانوس:
 ( دعونا نفكّر، أيّها الإخوة الأعزّاء ، بأنّنا منذ الآن قد زهدنا في العالم ، وتخلّينا عن مسرّاته ، وبأنّنا نعيش على هذه الأرض كضيوف وغرباء ، لا بل كنزلاء وقتيّين . لا بدّ لكم، يا إخوتي ، أن تقتنوا فكراً حازماً ، وإيماناً ثابتاً أكيداً غير عابئين بالخيرات الزائلة الفانية، إيماناً شجاعاً يتصدّى لأضطرابات هذا العالم، و يتحدّى أوهامه الكاذبة ، لأنّه بإيمان كهذا يصون المؤمن ذاته من الغرق في صعاب هذه الحياة . لنتقْ إلى اليوم الذي فيه سيُحدَّد لكلّ منّا مسكنه الخاصّ ، إلى اليوم الذي نعود فيه إلى الفردوس وإلى ملكوت السماوات ، وقد حُرِّرنا من قيود هذه الدينا) .
الموت هو العودة الى البيت الحقيقي الدائم ، وهذا كان هدف القديسين الذين فهموا الأيمان والمستقبل الأفضل لهذا كانوا يطلبون من الرب الموت السريع لأنهم كانوا يرون بعين الروح جمال وحلاوة الحياة في الآخرة عندما يلتقون بوجه مخلصهم وألاههم . أما الغير المؤمن فلا يتجرأ أن يقطع علاقته من هذا العالم وإن كانت ظروف حياته قاسية وصحته متقهقرة ، أو يعيش في فقر متقع ، أو في السجن لأنه لا يتحمل لدغة الموت ولا يؤمن بالمسيح الذي دفع ثمن الخطيئة لكل من آمن به وبعمل صليبه المحيي . موت الجسد يقود روح المؤمن الى مكان أفضل يعيش فيه بسلام وفرح دائم . الموت هو عبور إلى ما هو أسمى ، لكن قليلون لديهم الرغبة للعبور علماً بأن هدف حياتنا الأخير هو العبور . الشعب العبري خاف العبور من بحر السوف علماً بأن عبورهم سيحررهم من العبودية إلى أرض أفضل تعطي لهم لبناً وعسلاً وحرية ، وذلك العبور هو رمز عبورنا نحن بعد الموت إلى أرض السعادة الأبدية .
حياتنا نحن كلها عبور منذ ولادتنا عندما عبرنا من الرحم حيث السجن والظلام إلى حياة أفضل فيها النور والحرية  . انتقلنا من العيش في بطن الأم إلى العيش مع الأم والعائلة ، وهكذا عندما ذهبنا إلى التعليم في المدارس فخرجنا من بيوتنا إلى عالم أوسع . وعندما تزوجنا ، تركنا بيت الطفولة إلى بيت العائلة الجديدة . وهكذا عندما ندخل في الشيخوخة نتقاعد لكي نهجر عالم العمل . وأخيراً أن نستعد لهجرة هذا العالم وكل ما فيه لكي نعبر إلى عالم آخر عن طريق الموت ، فالموت هو العبور الى مستقبلنا الأفضل الذي فيه حياة جديدة ، فلماذا لا يزيد فرح الأنسان عندما يعبر كل تلك المراحل إلى مرحلة الموت الذي يعبرنا إلى عالم أوسع .
نعم من الصعب قبول الموت المبكر . فعندما يموت الأنسان في عمر المراهقة ، أو عندما يكون شاباً في مقتبل العمر سيشعر الجميع بالحزن والأسف على شبابه وعلى أنفصاله من عائلته ، فيلوم البعض الخالق الذي أنهى حياته بتلك السرعة ، لكن في الحقيقة الشىء الأكثر أهمية في حياتنا لا يكمن في عدد السنوات ، بل في نوعية الحياة التي يعيشها الأنسان . يسوع الأنسان مات شاباً ، وكذلك القديس فرنسيس والقديسة تريزية الأفيليلة وغيرهم كثيرين ، فعلينا أن نفهم بأن لا قيمة للعمر مهما طال لأن الأنسان مدعو للعبور فلا بد من الدخول في باب الموت إلى الحياة الأبدية التي هي الأفضل . نعم يتألم الزوج عندما تتركه زوجته . أو عندما يموت الطفل أو الولد الوحيد لوالديه ، أو صديق عزيز ومحب . وهكذا نتجنب ألم الرحيل عندما نفهم الدرس ، فنحن المؤمنين علينا أن لا نقيس طعم الحياة الأبدية بعد الموت بهذه الحياة المليئة بالمصاعب وآلام وحزن ، فالحياة الأبدية هي أقوى من الموت ، والرجاء الذي عشناه بسبب أيماننا هو أقوى من اليأس وما سنحصل عليه في الحياة الجديدة لا يقاس بما نقتنيه في هذا العالم ، فعلينا أن نتحدى ألم الرحيل للوصول إلى الديار التي وعدنا بها رب المجد والمنازل التي أعدها لمحبيه في الحياة الأبدية .
ولمخلصنا المجد الدائم 

65
سر الله أعلن بالمسيح وبه تم مشروع الخلاص
بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر – كندا

أولاً نعني بالسر ما هو مخفي . وسر الأشياء هو حقيقتها العميقة المخفية على الأنظار . فالكون فيه بُعدَين ، ظاهر ومخفي . فالأشياء المخفية التي تحمل أسرار الكون كله لا يستطيع عقل الأنسان أن يدركها لوحده إلا عندما تعلن له من فوق , ومن يعرف أسرار الله غير الأبن النازل من عنده ، فالمسيح هو سر الله المعلن للبشر ، أعلن لنا هذه الحقيقة الرسول بولس بقوله   ( أني أريد أن تعلموا أي جهاد من أجلكم ومن أجل الذين هم في اللاذقية ومن أجل سائر الذين لم يروني بعيونهم ، كيما تتشدد قلوبهم وتتوثق أواصر المحبة بيهم فيبلغوا من الإدراك التام أعظم مبلغ يمكنهم من معرفة سر الله ، أعني المسيح ، فقد استكنت فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة ) " 2 قول 2: 1-3 "
  إذاً المسيح هو سر الله المعلن للبشر . لم يعلنه عن طريق الآباء والأنبياء في العهد القديم ، بل أعلنه في العهد الجديد  . ( ... إذا ما قرأتموني ، أن تدركوا ما هو فهمي لسر المسيح ، فهذا السر لم يُعلن لبني البشر ، في الأجيال السابقة ... ) " أف 3: 2-10 " ومن هنا نستنتج أن المسيح هو سر الله ، أي أن في المسيح تجلى سر الله وقصد الله وحكمته ، وفي المسيح تحقق هذا السر وهذا القصد وهذه الحكمة ، وبه تحقق أيضاً مشروع الله الخلاصي لبني البشر .
سر الله أعلن للبشر في ثلاث درجات : الأولى في الكون والمخلوقات ، وقد أدركته الديانات القديمة كلها حيث كشفت بعض من سر الله ، والثاني أعلن في الوحي الكتابي في العهد القديم . أما الثالث فتحقق في ملء الزمان ( غل 4:4 ) عندما تجسد يسوع الرب .
كل الأسرار الكنسية تمارس علناً وليس في السر ، لكنها تحمل أسراراً غير منظورة حيث يرسل يسوع روحه القدوس الغير المنظور ليتمم عملها .
يسوع المسيح هو تجسد الله لبني البشر ، ومحبته هي التجسيد البشري لمحبته لأجل خلاص البشر وذلك ضمن خطة مرسومة مسبقاً في مشروع مجىء الله الى العالم بصورة منظورة ، فتحققت أعمال الله في صورة تجلِّ بشري تمتلك في جوهرها قدرة الهية لخلاص البشر . فالأعمال التي قام بها يسوع بين البشر . كانت أعمال خلاصية تمنح الخلاص ، وتلك القدرات الألهية ظهرت لنا في صورة أرضية منظورة ، فكل أعمال المسيح الخلاصية تحمل سراً ، والسر هنا يعني عطية مجانية خلاصية منحها لنا الله بشكل ظاهري ملموس نستطيع أدراكه . فسر الخلاص كان عطية حصلنا عليها بشكل منظور منذ ملْ الزمان لحد اليوم .
فسر الله كشفه لنا المسيح نفسه . والرسل قد أئتمنوا ليوضحوا هذا السر ويحققوه في الكنيسة وأسرارها ( رو 16: 25-27 ) فالسر الألهي الذي تحقق بالمسيح ، هو عمل خارجي منظور ومحسوس ، فيه يعلن لخلاص الأنسان عمل الله غير المنظور وغير المحسوس ، أي أن الله تجلى في أعمال المسيح البشرية المنظورة ، يمكن أن نحدد هذا البر لاهوتياً بقولنا ، أنه عمل مقدس يمنح للمؤمن بالمسيح من خلال علامة منظورة ، وبنعمة الله غير المنظورة ( بواسطة الروح القدس الغير المنظور الذي يقدس الأسرار المنظورة )  . فغير المنظور وغير المدرك يستطيع الأنسان المؤمن الوصول اليه والأتحاد به من خلال علامة منظورة كعلامات أسرار الكنيسة المقدسة المنظورة .
فكَما أن المسيح هو سر الله المنظور ، فالكنيسة أيضاً هي سر المسيح المنظور  . أي أستمرار حضوره على مدى الزمن . وهذا ندركه من خلال أقوال المسيح لتلاميذه ، قال ( من سمع منكم ، فقد سمع مني ، ومن نبذكم فقد نبذني ، ومن نبذني فقد نبذ الذي أرسلني ) " لو 16:10 " . كذلك ( من أبى أن يسمع للكنيسة ، فليكن عندك كالوثني والعشار ) " مت 17:18 " أما بعد القيامة ، فقال الرب ( كما أرسلني الآب ، كذلك أنا أرسلكم ، ولما قال هذا نفخ فيهم وقال لهم : خذوا الروح القدس ، فمن غفرتم خطاياهم غفرت لهم ، ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت ) " يو 20: 21-22" فللكنيسة أيضاً أسرار . وأسرار الكنيسة هي أستمرار لحضور المسيح الخلاصي في أقوالها وأعمالها وحياتها وأسرارها السبعة . المسيح أعطى جسده ودمه للبشر ، هكذا تستمر الكنيسة في أعطاء ذلك في سر الأفخارستيا . كان يسوع يغفر الخطايا . كذلك بأسمه راحت الكنيسة تغفر الخطايا . وهذه الأعمال ليست أنسانية تستطيع الكنيسة القيام بها بجهودها البشرية ، بل هو عمل المسيح نفسه الذي يرسل روحه القدوس ليتدخل في كل أسرار الكنيسة . فالمسيح حي بيننا بروحه القدوس ألى أنقضاء الدهر . لهذا نقول : جاهل هو الذي يسأل ويقول لِمص الأسرار الكنسية وما الهدف منها ؟ نقول ، الأسرار أسسها المسيح المتجسد بشكل مباشر أو غير مباشر ، وتهدف إلى متابعة تجسد كلمة الله في العالم من خلال حياة الكنيسة المقدسة .
فأسرار الكنيسة تسهم في تحقيق المسيح الكوني والأبدي أستناداً إلى قول الرسول عن كون أعضاء الكنيسة تشكل جسداً في المسيح ( 1 قو 12:12-30 ) وقصد الله هو ( أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كل شىْ ، ما في السموات وما على الأرض ) " أف 10:1" فالمسيح هو عنصر تحرير البشر من الخطيئة . والرأس الذي يوّحد البشرية ، وهذا ما أراده المسيح ، والذي هو بعد من أبعاد آلوهيته : دخول المطلق والمتسامي والعنصر البشري لتاليه وتوحيد البشر ، وهذا ما يسعى الى تحقيق الأسرار التي يستمر من خلالها تجسد الإله الكلمة .
ولألهنا المتجسد في أسرار الكنيسة المقدسة كل المجد


66



للكنيسة وجهان ... طاهر وفاسد

بقلم / ورداأسحاق عيسى
وندزر – كندا

http://www.m5zn.com/newuploads/2018/02/14/jpg//m5zn_405221e10ccde0e.jpg
( وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تتقوى عليها ) " مت 16 :16"
الكنيسة التي أسسها الرب يسوع هي مؤسسة بشرية تحتوي على نعمة الله وشعبه المقدس . لها رئيس واحد وهو الرب يسوع ، وفي أسرارها المقدسة تكمل حضور المسيح على الأرض ، لهذا يجب أن تكون الكنيسة أيضاً واحدة موحدة لأن رأسها واحد ، المسيح الذي مات من أجلها . فالكنيسة هي شعب الله المختار المدعو الى الخلاص ، وهي التي تجعل لله حضوراً محسوساً في هذا العالم على مدى القرون . أنها تدعو العالم للتعرف على شخص يسوع المخلص والأيمان به وبعمل صليبه المقدس ، فهي التي تهيأ المبشرين بالأنجيل ، كما هي وسيلة لنقل الأيمان ونور الأنجيل إلى العالم ، أنها موضوع الأيمان الكامل والمطلوب . وفي الكنيسة يعلن شعبها أيمانه في قانون أيمان الرسل الأطهار ، فيعلنون أيمانهم بإله واحد ، الآب ، والأبن الوحيد ، وبالروح القدس المحي ، وبكنيسة واحدة مقدسة ، وبغفران الخطايا ، وأخيراً بقيامة الأجساد والحياة الأبدية في الدهر الآتي . لا تفرض الكنيسة على مؤمنيها بأن يعلنوا أيمانهم هذا ، بل هم مدعوون كي يعلنوا ذلك الأيمان بالكنيسة وبالله . ويجب أن لا نفصل بينهما لأن الله هو الذي أسس الكنيسة وأعطانا أياها لكي تكون بيتنا الثاني ، أنها الكنيسة المجاهدة المضطهدة ( ها أنا أرسلكم مثل الخراف بين الذئاب ... ) " مت 16:10" ، كما أنها الصورة المرئية للكنيسة السماوية الممجدة . فيها سرَين رئيسين بين أسرارها ، هما أعمدتها الروحية ، وبها ننتمي إلى جوهرها ، هما سر المعمودية التي نعلن من خلاله أيماننا بأسم الآب والأبن والروح القدس فنموت في الرب ونقوم معه ، وسر الأفخارستيا ، حيث تتهيأ الكنيسة أبنائها المؤمنين للأجتماع حول مائدة المسيح المقدسة لتناول جسده المبارك ودمه الغافر للخطايا ، فمن خلال المعمودية والأفخارستيا يصبح الشعب كله جسداً واحداً مع جسد يسوع السري فيربطه في عهد الحب وسر الوحدة . فالكنيسة التي لا تقدم لشعبها هذه الأسرار ليست كنيسة رسولية . لأن الكنيسة الحقيقية تقدم لشعبها جسد المسيح المكسور للعالم كطعام روحي أبدي ولكل الأجيال إلى يوم مجيئه . لكن رغم ذلك فأن لتلك الكنيسة الطاهرة التي هي عروس المسيح والذي غسلها بالماء  وأخذها لنفسه عروساً ( ليقدسها مُطَهِراً أياها بغسل الماء بالكلمة ) " أفس 26:5 ". للكنيسة أيضاً وجه فاسد ، فيها ابناء قديسين وآخرين خاطئين يرتكبون الخطايا المميتة بسبب ضعفهم في مقاومة التجارب المستمرة التي يدفعهم اليها قائد الشهوة ، والطمع ، والحسد ، والكراهية ، وحب الأنتقام ، والمال الذي هو أساس لكل الشرور، وهو الإله المنافس لألهنا الحقيقي ، فلا نستطيع أن نخدم سيدين ( مت 24:6 ) .
من بين الخاطئين نجد بعض آبائنا الروحيين الذين يشوهون صورة الكنيسة المقدسة ، فبسبب حبهم للمال يبيعون أسرار الكنيسة المقدسة بالمال ، بل يحددوها بأسعار ، وكلام المسيح واضح ( مجاناً أخذتم ، مجاناً أعطوا ) " مت 8:10 " . أو يشوهون وجه الكنيسة أمام العالم بسبب أعمالهم المشينة كالتحرش بالأطفال مما يضعون المراجع الكنسية أمام المحاكم لتدفع الثمن ، أو تواجدهم في أماكن واللهو والقمار . وهكذا تشَوّه صورة الكنيسة في الأعلام العام بسببهم. والى غير ذلك من الأعمال التي تعكس سلباً على الكنيسة المقدسة .
   كذلك العلمانيون ، فكل مسيحي معمد ومثبت بمسحة الميرون هو كاهن ، فعليه واجبات كهنوتية يقدمها في حياته وأعماله كذبائح روحية والشهادة للمسيح الرب في كل مكان  ، لكن هناك أعداد كبيرة من المؤمنون الضعفاء يشوهون صورة الكنيسة بأفعالهم الخاطئة والتي بسببها يبقون بعيدين عنها زمناً طويلاً ، وهكذا يفسدون صورة وجه الكنيسة أمام العالم . وقد يعود البعض إلى قطيع الرب بعد التوبة والمصالحة كما فعل الأبن الشاطر .
كتب المونسيور الدكتور بولس الفغالي في كتابه ( رؤيا القديس يوحنا ص262) ما يلي :
الكنيسة في وضعها الحالي مسلّمة إلى الأمم ، وترتبط في الوقت عينه بعالم السماء والملائكة كما بعالم الأرض . أجل هناك وجهان للكنيسة : نراها بوجه المجد والأمان إن نظرنا اليها على ضوء مخطط الله . بينما نجدها مذلولة ومتألمة وفي خطر قتال غير متكافىء إن تطلعنا فقط الى ظروف حياتها الحاضرة . والكتاب المقدس يقول لنا ، الكنيسة هي هنا وهناك . هي الكنيسة عينها ، وهذه الأزدواجية التي تصلها هي جزء مكمل وضروري لكيانها في زمن النبؤة هذا . هذا هو وضعها الحالي.
إذن علينا أن نعترف بما مكتوب لنا عن هذا الموضوع في الكتاب المقدس ولا نخاف لأن وكما تقول الآية ( حيث كثرت الخطيئة ، تتوافر النعمة أكثر جداً ) " رو 20:5" . فحيث تكون الوعود مكسورة مراراً يقف وعد الرب ثابتاً لكي ينقذ المؤمن الضعيف ويدعوه الى المشاركة بالمائدة وبأستحقاق . علينا أن نغفر للخاطىء وحتى وإن كان أباً روحياُ ، الكنيسة هي مؤسسة بشرية ، لهذا ليست معصومة عن الخطأ ، وهي بحاجة إلى مغفرة مستمرة ، والمسيح الحي فيها يقبل المغفرة وكلنا ضعفاء وليس هناك طاهراً كما قال الرسول في " رو 10:3 " ( أنه ليس بار ولا واحد ) ونحن جزء من أؤلئك الذين نلتقيهم وبهم نلتقي مع المخلص بمغفرتنا لهم ومساعدتهم للعودة الى طريق الصواب . فإذا كان بيننا كاهن خاطىء فعلينا أن لا نتحداه ، بل علينا أن نتحمله ونسمع أقواله المأخوذة من تعليم الكنيسة ، لا ندينه ونشهره لكي لا ندان ، بل تحدينا له يكمن في تحمل أخطائه وأعطائنا له الصورة المسيحية الحية الحقيقية في حياتنا . المسيح كان يعلم بخطايا يهودا الأسخريوطي وبكل أعماله لكنه تحمله ولم يطرده رغم علمه بخيانته .
 من خلال السلطة الدينية قد نجد من يجرحنا في كلماته أو أفعاله أو في طلباته ،  ونحن لدينا حساسية عالية لكي ننقد ونهاجم ونتأثر سلباً على خدام الكنيسة فنتظاهر بالتحدي ، والعناد ، والتمرد ، والرفض ، فننسى المحبة والمغفرة والمصالحة والعمل من أجل وحدة الصفوف ، كما ينبغي لمن لديه سلطة في الكنيسة أن يكون حكيماً ورحوماً ومحباً وغافراً من أجل ردم كل هِوة تظهر بين الجماعة .
ختاماً نقول ، للكنيسة وجهان ، وجه يصلي ويعلم ويبشر ويدعوا إلى التوبة والمصالحة والأعتراف من أجل التطهير والأستعداد للمشاركة في مائدة الأفخارستيا فيرتبطون مع الجماعة في عهد المصالحة والوحدة , وكذلك الكنيسة ترسل المؤمنين في خدمة وتعطي لهم الأسرار المقدسة لكي يكونوا دائماً مستعدين لملاقاة العريس .
أما إذا كان هناك أعضاء خارجين من حرية الأيمان الصادق إلى العبودية من أجل ممارسة الخطيئة فعلينا أن لا نحسبهم أعداء ، بل أخوة ، فنعمل من أجل أعادتهم الى أحضان الكنيسة لكي يكونوا من نصيب الرب لا من نصيب الشرير الذي يسعى الى هلاكهم . هكذا نحصل للسماء فرحاً عندما نعيد خاطىء إلى التوبة والمصالحة والوحدة مع جماعة الكنيسة المقدسة . لنتذكر قول الرب ( ثقوا ، أنا قد غلبت العالم ) " يو 33:16" .
ولراعيها الصالح يسوع المسيح المجد دائما


67
الفقراء هم المركز الأول في الكنيسة
بقلم/ وردا أسحاق عيسى
وندزر – كندا

الفقراء هم جزء من الكنيسة ، لكن يجب أن نسأل أولاً ونقول ، ما هو الفقر ، ومن هم الفقراء في الكنيسة ؟
الفقر هو العوز إلى شىء ، قد يكون طعاماً أو بيتاً أو حرية أو عقل أو صحة . فكل هؤلاء يعيشون في فقر تلك الحالة . ومن هم الفقراء ؟ هم الذين يتناولون أو يلبسون ما يقدم لهم من قبل الآخرين . نجدهم في الأحياء الفقيرة ، أو في الشوارع على قارعة الطريق لأنهم لا يمتلكون مسكناً . أو في السجون لأنهم لا يمتلكون الحرية ، وهم بحاجة أليها ، أو إلى زائر يتفقدهم ، أو هو ذلك المريض الراقد في المستشفى بسبب مرضه فيحتاج إلى من يأتيه ويجلس معه ويزرع فيه البسمة والأمل . كل هؤلاء يشعرون بأنهم مهملين أو مرفوضين أو ليسوا بمستوى المجتمع ، فعلينا أن نتعرف عليهم ونكفكف الدموع من عيونهم محاولين زرع البسمة والأمل والفرح فيهم . فعلينا أن نختبر حالتهم في الجوع بالصوم وما نصوم منه نقدمه لهم بمحبة وفرح ، هكذا نداوي آلامهم ونشاركهم في خبزنا وفرحنا ، وهم يعطون لنا من آلامهم دروساً عميقة نُميّز بهم المسيح الفقير الذي صار فقيراً من أجل أن يغنينا . علينا أن لا نسأل لماذا هم فقراء ، هل بسبب الظلم ، أو الأعاقة ، أو قلة التدبير ، بل علينا أن نحبهم ونشفي أوجاعهم ونشاركهم دائماً بوجودنا معهم لكي لا يشعروا بأنهم يعيشون كمواطنين مهمشين في المجتمع ، هكذا نعطي لهم أهمية بأنهم أخوة مؤمنين وهم أعضاء في كنيسة المسيح ، وهم النواة التي تشكل الحلقة الأولى في الكنيسة ، بل هم مركزها ، لأن كنيسة المسيح هي كنيسة الفقراء أولاً . والمسيح يأتي ألينا من خلال الفقير . فالفقير الذي نخدمه بعطايانا وأهتماماتنا ، هو يغنينا أكثر مما يأخذ منا لأنه يقربنا من المخلص الذي سيقول لنا ( لأني جعت فأطعمتموني ، عطشت فسقيتموني ، كنت غريباً فأويتموني ، عرياناً فكسوتموني ، مريضاً فزرتموني ، سجيناً فأتيتم أليّ ! ) " مت 25: 25- 26"  .
 هكذا يتقوى جسد الكنيسة المتكونة من أعضاء مختلفة في المال والثقافة والأيمان واللون . لكن الأعضاء الأكثر أهمية عند المسيح هم الأعضاء الأقل شأناً وجمالاً ومظهراً وأحتراماً . هذا هو سر الكنيسة ، فعلينا أن نميّز هذا الهدف ، بأن الأضعف فينا يشكل المركز الحقيقي للكنيسة ، فعلينا أن نكرمه تكريماً لائقاً .
لذلك على آبائنا الكهنة أن يعتبروا الفقراء بعهدتهم على وجه خاص . مقتدين بالرب يسوع الذي أظهر نحوهم موضع همه ، ولا سيّما في تقدمهم الروحي من أجل منفعة الكنيسة كلها.

حتى أجسادنا تحتوي على أعضاء مختلفة وأحقرها نعطي لها أهمية أكثر ونكسيها بأحترام أكثر من الأجزاء الباقية ، وكما يقول الرسول بولس ( والتي نحسبها أخسها في الجسد هي ما نخصهُ بمزيد من التكريم ) " 1 قو 23:12" . فالكنيسة كشعب الله تستطيع أن تجسد المسيح الحي في وسطنا عندما نضع الفقراء في مركز الأعتزاز والأهمية بين أعضاء الكنيسة . والأهتمام بهم يجعل أيماننا فعلاً ومرضياً عند الرب ، فنعيش سر الكنيسة الفقيرة . فعندما تفتقر الكنيسة من الفقراء ستفقد هويتها الروحية ، هذه هي الرؤية الحقيقية للكنيسة كجسد المسيح الفقير ، هو يريدها هكذا ، وهكذا يجب على الأعضاء جميعاً أن يعقدوا آياديهم مع بعضها كأخوة محبين ، ويعترف كل منهم بضعفاته وأنكساراته الشخصية ، ويغفر ويساعد الآخرين لكي تشفى الجروح وتمسح الدموع من عيون البائسين المتألمين فنعيش معاً مختبرين مشاكل بعضنا البعض ، وكما علمنا الرسول بولس ( فإذا تألم عضو ، تألمت معه سائر الأعضاء ، وإذا أكرم عضو ، سُرّت معه سائر الأعضاء ) " 1 قو 26:12" .
هكذا تظهر المشاركة والأتحاد بين كل الأعضاء ، وبواسطتها يشعر الجميع بآلام الآخرين ، فيهب الخيّرين المؤمنين لمساعدتهم والتقرب منهم ويشعرون بمشاكلهم وآلامهم العميقة فيعملون من أجل دفعهم إلى مستوى الفرح . فيفرح الجميع معاً ، وهذا الفرح يكون مخفياً في الألم ، فعندما نشاركهم آلامهم سنشاركهم الفرح أيضاً النابع من محبتنا الصادقة لهم فيشعرون هم أيضاً بالسعادة . هكذا تلتف كل أعضاء الكنيسة حول مركزها المتمثل بالفقراء لكي يشترك الجميع فقر الأنجيل المقدس .
ولربنا يسوع المجد دائماً

68
فضيلة التواضع
بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر – كندا

( لم يحسب مساواته لله ربحاً ، بل أخلى ذاته متخذاً صورة عبد وأطاع حتى الموت على الصليب ) " فيل 2: 6-8"
تعلمنا من الأنجيل المقدس أسماء مواهب كثيرة مختلفة والنابعة من روح واحد هو الروح القدس الذي يوهبها للمؤمنين من أجل المنفعة والخدمة العامة . علينا أن نطلب من ذلك الروح السماوي لكي يصبح لنا نوراً ويرشدنا دوماً على الطريق الصحيح لكي لا نضل ، بل يهدينا بخطوات ثابتة في طريق الخلاص .
هناك مواهب كثيرة كالحكمة والمعرفة وشفاء المرض وعمل المعجزات والتنبؤ وغيرها ومن يحمل هذه المواهب عليه أن لا يفتخر متكبراً على الآخرين ، بل عليه أن يكون متضعاً وخادماً للجميع . وأسلوب العيش في فضيلة التواضع يُختَبَر عن طريق الشعور بمحبة الله له فيتحسس تلك اللمسة في قلبه , وهذا يتم من خلال عمل مشترك بين الله والأنسان . لأن لا يمكن الحصول على هذه النعمة بالقدرات الذاتية إن لم يصاحبها غرض ألهي في ذات الأنسان فيظهر تواضعه بين الناس بتجليها في أعماله وسلوكه مبتعداً عن أنا الأنانية . أنه جهاد أيماني شخصي يحتاج الى الصلاة والأتكال على الله معطي المواهب لكي يحافظ على سيرة الأتضاع ، فبالأستمرار تصبح للمؤمن خبرة روحية تدفعه كل يوم الى التنازل من أجل الآخر فلا يكترث من الذي يهينه ولا يرد عليه بالمثل بل يتحمله بصبر لكي لا يخسره ، وبهذا سيصفعه على خد قلبه لكي يشعر بخطأه فيعود الى التوبة .
بعد الأيمان نطلب الدخول في سر المعمودية بأتضاع لكي ندخل من خلال مياه المعمودية الى قبر المسيح فنصطبخ بآلامه ونسير في طريقه ، طريق الآلام فلا يفرح إلا بمصلحة الآخرين ، ويشاطرهم أحزانهم وإن كانوا أعدائه ، ويصلي من أجلهم هذه هي أساليب المحبة الغير مشروطة وبلا حدود . كما علينا البحث عن أساليب المحبة والتواضع من اللذين أقتدوا هذا الطريق فنالوا القداسة ، والعذراء مريم خير مثال لنا في مدرسة التواضع ، وبسبب تواضعها اختارها الله . كان جوابها للملاك الذي بشرها مشيداً على صخرة الأتضاع ، فقالت له ( ها أنا أمة الرب ، ليكن لي كما تقول ! ) " لو 38:1" وهكذا كانت تحفظ كل شىء في قلبها وتتحمل كا الأحداث بخبرة متواضعة وبطعم الخضوع التام لأرادة الله فتحملت بصبر السيف الذي أخترق قلبها في حياتها كما أخبرها سمعان الشيخ ، فتحملت منظر موت أبنها على الصليب ، هذا الذي علمنا طريق الطاعة والأتضاع منذ ولادته في المذود كأفقر الفقراء وحتى موته على الصليب متخذاً صورة عبد ، وهكذا صارللجميع مثالاً في الأتضاع والطاعة والمحبة والمغفرة .
المؤمن المتضع يقدم للناس ثماراً من شجرته الصالحة من خلال سلوكه وأعماله وخدمته للآخرين . كذلك صلاته لهم والنابعة من قلب متضع ومحب .
 الأتضاع نعمة يغتني بها الأنسان فيصبح أميناً لخدمة رسالة المسيح ، وبتواضعه سيشعرون به الآخرين بطعم القداسة ، وهكذا يتميّز المسيحي المتضع عن الآخرين في كل أعماله وسيرته المتشحة بالتواضع ومخافة الله فيصبح حكيماً في تطبيق وصايا الله في حياته بخوف ، وكما تقول الآية ( رأس الحكمة مخافة الله ، والعاقل من يعمل بوصاياه ) " مز 111: 7-8" . التواضع إذن فضيلة تقودنا في الطريق الصحيح الذي يجعلنا متحدين بخطة الله في حياتنا ، فيتحقق حدث سري لملكوت الله على الأرض من خلالنا بسبب التواضع والطاعة . كل مؤمن عليه أن يرفع صلواته الى الله طالباً منه النعم بأتضاع لكي يرتقي في سلم القداسة . لا يجوز للمتضع أن يفضل ذاته على الآخرين وحتى وإن كان مستحقاً . وكذلك عليه أن لا ينتظر مديح الناس له ، بل أن يتنازل أو يرفض كل مديح صادر من محيطه له لكي لا يظهر متعالياً وممدوحاً فينال حقه من الناس .
كذلك الصلاة يجب أن تكون بخشوع وأتضاع كصلاة العشار لا كصلاة الفريسي . هكذا تصبح حياة المؤمن مبنية على الأتضاع ، فالحياة بدون أتضاع ستير نحو الضياع .
فلنصلي كل يوم طالبين من الرب يسوع نعمة التواضع قائلين :
( يا يسوع الوديع والمتواضع القلب ، أجعل قلبنا شبيهاً بقلبك الأقدس )


69





بداية الأنسان وطفولة يسوع ووجوده في الهيكل

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر – كندا


http://www.m5zn.com/newuploads/2018/01/20/jpg//m5zn_5c61c737059ae8b.jpg




" وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح، ممتلئا حكمة، وكانت نعمة الله عليه ) " لو ٤٠:٢)

أولاً لنعود ونتأمل بلوحة الخلق للأبوين آدم وحواء ، كيف خلقهم الله أبرياء من الخطيئة ، فكان آدم بسبب طهارته صديقاً لله ، ودعي أبن الله " لو 38:3" . لكن صورة تلك اللوحة الجميلة تشوهت بسبب أرادة الأنسان الحرة بعد أن أراد أن يبني حياته على أسس ذاتية ليقود حياته ومستقبله بنفسه . بسبب تلك المحاولة ، تمرد عن الله فقطع الله تلك العلاقة الحميمة لأن آدم أصبح منافساً له بعصيانه لأوامره ، فأصيب آدم بالخيبة والفشل والمرارة وطرد من الفردوس الأرضي عرياناً ، ففقد صحبة الله ، هذه كانت لوحة العهد القديم .

أما العهد الجديد فرسم لنا لوحة جديدة وكاملة لأنسان جديد مرتبط مع الله . فصورة آدم وحواء محتها صورة آدم الجديد ( المسيح ) والحواء الجديدة ( العذراء مريم ) . فبالمسيح أفيض علينا النعمة والخلاص ، وبيّن لنا المسيح بمثاله الصالح وأعماله الخارقة ، وصبره ، وقوة تحمله في وقت التجارب والمصائب بسبب أتكاله على أرادة الله فأصبحت أرادة الله أرادته ، أي أرادة أنسان . لذلك يتحدى الموت بموته على الصليب ، وختم التحدي بقيامته منتصراً على الشر .

أما مريم فكانت عذراء من الخطيئة بسبب نمط حياتها الذي لم يختلف عن أبنها وخالقها ، أختارها الله منذ القدم لتكون أماً لأبنه الوحيد الإله . فتميّزت بالطاعة لأوامر الله فلم يعصف بها الضعف والغرور كما حصل لحواء ، بل عملت بحسب مشيئة الرب فسلمت حياتها له بكل تواضع ، فقاومت رياح التجارب كلها وخاصة عندما علق وحيدها وخالقها على الصليب . أيضاً أخضعت نفسها لأرادة الله . فآدم وحواء الجديدين هما ( يسوع والعذراء ) وهما المثل الصالح لكل أنسان في العهد الجديد لكي يخضع كل مؤمن خضوعاً كاملاً لله ويلتزم بوصاياه ويعمل بها . أدركت مريم عمق حب الله للأنسان فعاشت حياة البتولية فشعرت بفرح كبير لم يخلى من الألم والسيف . تجسد الإله الكلمة في أحشائها وهي عذراء ، ثم ولدته وهي عذراء ، لأنه خرج منها كما خرج من القبر المغلق والمختوم ، لأنه الإله القادر على كل شىء .

 الله عمل مخططه من خلال مريم التي حملت المسيح وجسدت حضوره في بيت زكريا ، فتقدس يوحنا في بطن أمه بهذه الزيارة ، وأشاع الفرح في قلوب الجميع . أثناء وجود يسوع في بطن مريم ، تحولت مريم إلى هيكل الله المقدس الذي يحمل القربانة الحية الحقيقية ، أي أبن الله ، وكما كان تابوت العهد على شكل صندوق خشبي يحتوي على وصايا الله التي كانت ترمز للعهد الجديد ، عهد الأتفاق والمصالحة بين الله والأنسان ، هكذا كانت مريم عندما كان المسيح في ببطنها .  فعندما ندعو مريم بتابوت العهد ، فيعني أننا نعلن حقيقة حملها لرب العهد الجديد .

أمام تابوت العهد رقص داود الملك فرحاً وأحتفاءً بحضور الرب . وهكذا فعلت أليصابات أمام مريم عندما ألقت عليها السلام ، وأعترفت قائلة ( من أين لي أن تأتيني أم ربي ؟ ) أي أليصابات تمثل النسب الجديد الذي يستقبل ربه بفرح وبهجة ويعلن أيمانه .

ولد يسوع ولادة عجائبية تليق بأبن الله . وبولادته أفاض الله علينا أسراراً ألهية ورجاء للخلاص , أصبحت مريم أماً لله وأماً لجميع الذين يؤمنون بأبنها . أنهم لم يولدوا من زرع بشر ، بل ميلاداً ثانياً ، بالماء والروح . فيسوع بميلاده صار أخاً لكل منا ، لأن كل مؤمن به أصبح عضواً في جسده . وهكذا أصبحنا أولاد الله .

في اليوم الثامن أختتن الطفل الإله كعادة اليهود ، وبعد أربعين يوماً قُدِمَ إلى الهيكل لأنه بكر ، فعلى يوسف ومريم أم يخضعا للشريعة ويقدما فرخي يمام أو حمام لكونهما فقراء . وتقدمة البكر هذه تذكر اليهود بأعتاقهم من العبودية في أرض مصر .

بعد أن بلغ الطفل أثني عشر سنة كان عليه أن يحج مع أهله إلى أورشليم في عيد الفصح اليهودي ، وعيد العنصرة ، وعيد المظال . فصعود يسوع إلى أورشليم كان رمزاً إلى صعوده إلى الصليب الذي مات عليه . فمعنى صعوده إلى أورشليم من يوم تقدمته إلى الهيكل إلى صعوده في عيد الفصح وضياعه عن أهله ثلاثة أيام ، كان صورة رمزية كما كان في القبر ومن ثم صعوده الأخير ، كل هذا يدل على أن المسيح سيشهد في أورشليم عن محبته للآب ( يو 31:14) فيترك والديه حتى يكون له بكليته .

وجود يسوع بين العلماء في الهيكل أكتشف لهم عن رسالته بطريقة مستترة ، لهذا يقول الأنجيل ( أنه كان جالساً بين العلماء يستمع أليهم ويسألهم ) وهذا ما عمله في حياته التبشرية ، كان يعلم في المجامع وفي الهيكل .

بحثا يوسف ومريم عن يسوع الضائع فوجداه في الهيكل ، فلما أبصراه دهشا ، فقالت له أمه ( لمَ صنعت بنا ذلك يا بني ؟ ) فقال لهما ( ولم بحثتما عني ، ألم تعلما أنه يجب أن أكون عند أبي ) . كلامه واضح جداً وصريح لكن لماذا لم يفهما والداه تلك الكلمات في حينها ؟ ألا يعلمان أنه أبن الله ، والله هو رب ذلك البيت ويجب أن يكون فيه ؟ تلك الكلمات وضعتهما في حيرة من أمرهم ونقلتهما من مستوى الإنسان إلى مستوى الله ، من واقع عائلي ضَيّق ، إلى رساة ألهية لم تكتشف للعالم بعد . ومن هنا حارت الأم المتأثرة دون أن تفهم بأن أبنها الإله نقلها بسرعة إلى مستوى الحياة الإلهية . جواب يسوع لمريم كان بمثابة أمتحان لأيمان مريم ويوسف الصامت دائماً بدون كلام ، لأنه مدرسة الصمت والأصغاء لكلام الله . هكذا نقلهما يسوع من عالم المادة ، إلى عالم الأرواح ، حيث بيت الآب ، من الأرضيات ، إلى السماويات . لقد أنطلق يسوع من عالم الناس ومن بيت العائلة وجَوِّها ليصل بسامعيه إلى عالم الله . من الواضح جداً أن يسوع وضع العلماء في الهيكل في جو من الدهشة والحيرة والأعجاب فبهتوا من فهمه حائرين ، من أين لهذا الطفل هذا العلم والحكمة والثقة للجدال والمناقشة معهم ولمدة ثلاثة أيام ؟!

عاشت مريم هذا الحادث كأختبار قاسٍ وتجربة مريرة ، لكنها أحست بأن أبنها بدأ ينفصل عنها ليأخذ أستقلاليته ، وذلك لأنها تعلم جيداً أبن من هو ، وأن رسالته ألهية سماوية ، لأنه أبن الله القادر على كل شىء ، وهو سيكون مخلص العالم

ولألهنا الطفل يسوع كل المجد .    

 


70
هكذا عاش يونان ثلاثة أيام في جوف الحوت

بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا
 http://www.m5zn.com/newuploads/2018/01/15/jpg//m5zn_cf4339a13e6881c.jpg
فَقَالَ الرب   ( ... لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ .. ) مت 12: 40
لنبحث أولاً عن شخصية يونان النبي وعن أفكاره وأيمانه ، فنكتشف بأنه كباقي اليهود يمتاز بالعنصرية ، لأنهم يؤمنون بأن الخلاص هو لشعب الله المختار فقط ، فأبى أن يذهب إلى نينوى ليحذر شعبها من خطاياهم التي وصلت إلى محضر الله ، ولكي لا يتوبوا فيغفر لهم ، بل أراد أن يهلك الشعب الآشوري الذي تعدى مرارا على شعبه وأخذوا الكثيرين منهم سبايا إلى أرض آشور . لهذه الأسباب قرر يونان أن ينطلق بعكس الأتجاه ، نحو الغرب ، إلى مدينة ترشيش فتبقى نينوى في خطيئتها ، والله سيدمرها كسدوم وعامورة ، وبحسب عدله الألهي لأن ( أجرة الخطيئة هي الموت ) .
إذن كان يونان في الظاهر يمتاز بشخصية ذات صفات لا تليق بنبي مختار لما كان يحمله من الحقد وحب الأنتقام ، والتمرد ، والعصيان ، وروح التحدي والأنتقام ، كما كان مقاوماً لأرادة الله ووصاياه . وكان عديم الشفقة حتى على الأطفال الأبرياء والحيوانات لذلك أشعره الله بقساوة القلب . برز ضعف وأيمان يونان بأستغلاله لمحبة الله وطول أناته ، فصاغ يونان هذه الكلمات بقوله لله ( لأني عرفت أنك إله رحيم رؤوف بطىء الغضب كثير الأحسان ، ترجع عن العقاب ) " يون 2:4".  ومن جهة أخرى كان يونان النبي رمزاً للمسيح ، فهناك أوجه التشابه كثيرة بين يونان الرمز ويسوع المرموز إليه . قال يسوع لليهود ( لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى ، كذلك يكون أبن الأنسان لهذا الجيل ) " لو 30:11"كذلك ( ... لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ .. ) " مت40:12". للمزيد عن هذا الموضوع طالع مقالنا ( يونان النبي رمزاً للمسيح ) على الرابط:
https://mangish.net/forum.php?action=view&id=1364
كان الله بأستطاعته أن يختار رسولاً آخر في هذه المهمة ، لكنه أراد أن يكون يونان هو المخبّر لا غيره ( أنه لصراع بين الله والأنسان ) هكذا تصرف مع يونان بدقة وترتيب ، فأظهر له قوته الخارقة للطبيعة وقوانينها المسيطرة على البحر وما فيه ، وعلى العاصفة والقرعة الوثنية لكي يؤمنوا أؤلئك الوثنين بقدرته ووجوده ، وهكذا كانت يد الله وأرادته واضحة في دوران نينوى وسكونها ، وهكذا بالنسبة الى اليقطينة التي أفرحت يونان . لهذا تحداه ورصد مسيرته وبسببه هيّج البحر فقام جميع الركاب ليصلوا إلى آلهتهم ، أما هو فلن يكترث حتى من الموت ، لأن موته سيقابل موت كل أهل نينوى .
أعترف يونان أمام قبطان السفينة بعد أن وقعت القرعة الخرافية عليه ، وقعت بحسب أرادة الله ، قائلاً ( خذوني وألقوني في البحر فيسكن البحر عنكم فإني عالم أن هذه الزوبعة إنما حات بكم بسببي ) . ألقي يونان في البحر فنزل في المياه ( كمن ينزل في مياه المعمودية ) . أمر الرب حوتاً كبيراً ليبتلعه . صار الحوت بالنسبة له كالقبر لمدة ثلاثة أيام ( وهكذا يغطس المعمد في الماء ثلاثة مرات) . وهناك صلى إلى الله القدير لكي يسمع صلاته، فسمعه الله ليكشف به للأجيال سراً وهو آلام يسوع في الجلجلة وعلى الصليب ومن ثم بقائه في القبر ثلاثة أيام ليخرج منتصرا على سلاح الموت . بعد خروج يونان من المياه إلى اليابسة تغير كمن يخرج من مياه المعمودية.
نهض ضمير يونان في جوف الحوت فتاب وصلى ، مسلماً أرادته إلى الله الذي سمع صلاته من جوف الحوت أو كمن هو في القبر . لم يمثل يونان المسيح في القبر بالجسد لأن يونان لم يمت ، بل بالروح ، لأن روح المسيح بعد الموت نزلت إلى الهاوية ثلاثة أيام . " أع 27:2" .  وهكذا نقول أن الضربات التي كانت معدة لنينوى أن لم تتب ، تم توجيهها إلى اليهود بسبب رفضهم للأيمان بالمسيح ، وجهت إلى اليهود من قبل جيوش تيطس وفسباسيانس سنة 70 م .
أمر الله الحوت لكي يقذف يونان  إلى اليابسة ، فخرج كمن يخرج من جرن المعمودية لكي ينطلق مبشراً لكلام الله . ذهب الى نينوى وعمل بحسب أرادة الله .هكذا فشلت أرادة يونان وتنازل عن كرامته وأفكاره وحقده لكي يعمل بحسب خطة وأرادة الله لكي يكون الخالق هوالغالب المنتصر .
كيف بقي يونان ثلاثة أيام وثلاثة ليالٍ في جوف الحوت ؟
كيف عاش يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام بلياليها ؟  " يون 17:1" .
قد تبدو القصة للبعض أسطورة لا يمكن تصديقها . كتابياً نقول ( الله هو الذي حفظ  يونان حياً في بطن الحوت ) . أما علمياً فنقول ، يجوز بقاء الأنسان حياً في جوف الحوت  لهذه الأسباب : كتبت أحدى الجرائد الأمارتية في مطلع الألف الثالث قصة عنوانها ( نبي يونس من جديد في بطن الحوت ) وكذلك أحدى الجرائد الفرنسية ، بالأضافة إلى الصحف الأسكتلندية في حينها . هذه القصة واقعية فعلاً وعجيبة ، ملخصها : كان أحد قادة قوارب الصيد في أسكتلندا المسمى ( جيمس بارتلي ) يصطاد في البحر فأبتلعته أحد الحيتان ، وبعد ثلاثة أيام ذهبت نفس المجموعة إلى نفس المنطقة فوجدوا الحوت ، فقام أحد الصيادين بألقاء قنبلة عليه فمات . تم سحبه إلى السفينة لأجل تقطيعه ، فلما فتحوا فاه وجدوا صديقهم حياً بعد مرور 36 ساعة على أبتلاعه ، فسمي ب ( يونان الثاني ) وهكذا أخمدت القصة النيران الموجهة ضد قصة يونان النبي .
وفي عام 1953 م حدثت قصة مشابهة لبعض البحارة في بحر الشمال  بين هولندا وأنكلترا حيث ألتقوا بحوت ضخم ، دخلوا في معركة معه وفي الأخير تمكنوا من قتله وأخراجه ، ومن ثم حقنه بمواد خاصة حتى يحتفظوا به من الفساد . كلن طول الحوت 84 قدماً ، أي ما يزيد عن 25 متراً . قلبه كان بحجم بقرة ، أما رأسه فكان يشكل ثلث طوله ، وكان بمثابة غرفة طولها نحو ثمانية أمتار . أحضروا فتاة بالغة فنزلت إلى فمه وأختفت تماماً في فكه الأسفل ليبرهنوا للعالم أنه من الممكن أن يبتلع الحوت لا شخصاً واحداً ، بل عدة أشخاص . أطلق على الحوت ( حوت يونان ) وقد خصص له سفينة لتحمله وتطوف به العالم كله .
 في عام 1955 تم أحضاره إلى مصر ، فعرض في ساحة التحرير في قلب القاهرة داخل سرادق كبيرة برسمٍ قدره خمسة قروش مصرية .
أما عن طرد الحوت ليونان بعد ثلاثة أيام فهذه الحقيقة يؤكدها العلماء أيضاً ، قائلين : أن طبيعة الحوت في الصيد ، هي أن يفتح فمه ليبتلع أشياء كبيرة ، ورغم ذلك فإن أمعاءه دقيقة جداً لا تسمح بمرور شىء غير صغار السمك ، فلهذا يبلع الحوت أشياء كثيرة مع كميات ضخمة من المياة وبنوع من الضغط يطرد الماء من فتحة في أعلى الرأس ليبقى في فمه ورأسه الأجسام الصلبة فينسحب منها الأسماك الصغيرة إلى أمعائه ويقذف الأجسام الكبيرة . لذلك كان لا بد من قذف الحوت من يونان للتخلص منه .
 لكن المعجزة الحقيقية هي أن يبقى يونان حياً ويعيش في وعي وصلاة تأملية في داخل الحوت ثلاثة أيام محفوظاً بلا شك بقدرة سماوية من الموت ، ومن خطيئة تمرده لكي يتوب إلى الله أولاً ، ومن ثم يخرج من جوف الحوت حياً معافاً ليكمل أرادة الله من أجل خلاص شعب نينوى .
ولألهنا المجد الدائم

71
المعمودية هي ولادتنا الجديدة لنصبح أولاد النور
بقلم / وردا أسحاق عيسى
 وندزر – كندا

http://www.m5zn.com/newuploads/2018/01/08/jpg//m5zn_dd4875575b80064.jpg
 
قال الرب لنيقوديمس ( الحق الحق أقول لك : ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا ولد من الماء والروح ) " يو 5:3"
    ولادة الأنسان من الجسد هو جسد ملوث بالخطيئة الموروثة ، فلكي يتحرر ليصبح أبن النور عليه أن يمر بولادة جديدة ، وهي الولادة بالروح ، فالمولود من الروح هو روح " يو 6:3" ، فكل أنسان مولود من الجسد يحتاج إلى ولادة جديدة ، هذا ما قاله الرب يسوع لنيقوديموس الذي كان أحد أعضاء الفريسيين في المجلس اليهودي . فمعمودية الماء والنار تحتلق الأنسان من جديد ليولد ولادة جديدة متحرراً من قيود الخطيئة ليلبس المسيح ( يتمثل به ) الذي آمن به . المعمودية هي السر الأول التي تخلق الأنسان الجديد وقد أوصى المسيح تلاميذه بهذا السر قبل أن ينطلق إلى السماء ، قائلاً (  فأذهبوا ... وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم بأسم الآب والأبن والروح القدس ) " مت 19:28 " .
غاية يسوع من العماذ هو لكي ندخل في شركة مع كل أقانيم الله الثلاثة لكي نصبح أولاد الله ، فلم نبقى أولاد الظلام ، بل أولاد النور لأننا أولاد الله ، والله هو نور العالم ، هذه هي الغاية من العماد ، ولا بد أن نمر منها كما مر الشعب اليهودي من مياه البحر الأحمر متجهين إلى أرض الميعاد ، وكان ذلك العبور رمزاً لمعمودية العهد الجديد ، وأرض الميعاد كانت رمزاً إلى البيت السماوي الذي أعده لنا الرب . كذلك الطوفان كان رمزاً للمعمودية " تك 8 ".
في المعمودية ينال المؤمن الختم الذي لا يُمحى أبداً . لهذا لا يجوز تكرار المعمودية التي هي بديل الختان في العهد القديم الذي كان يسحب مرة واحدة فلا يتكرر. إذن المعمودية هي الختم الأبدي الذي يختم به المختارون . والختم هو أيضاً العلاقة التي تحمي المعمد ساعة الدينونة.  نقرأ في " رؤ 12:3 " عبارة ( سأكتب عليه أسم ألهي ) فهي تلميحاً إلى المعمودية ، بالمعمودية هي تطهير بالأغتسال كما يقول العهد الجديد في ( أع 16:22 و 1قور 11:6 و أف 26 :5 و، في 5:3 و، عب 22:10 )
 
قد يحل الدم محل الماء في المعمودية ( طالع مر 10 : 35-39 ) الرب يسوع نال المعموديتين . إذن المعمودية هي الحرية التي نحصل عليها من الموت لننتقل إلى الحياة الجديدة . فالذين ينزلون في المياه هم أمواتاً في خطاياهم ، لكن عندما يخرجون منه يصبحوا أحياء لأنهم يقومون مع الرب القائم . الرسول بولس أستخدم أحدى مفردات العماد ، فقال ( إن الذي يثبتنا وأياكم في المسيح ويعطينا المسحة هو الله الذي طبعنا بختمه وجعل في قلوبنا عربون الروح ) " 2 قور 1: 21- 22" . فالختم هنا يدل على حق الملكية التي لله على الأنسان ليصبح خاصته في المعمودية . كما أن المعمودية هي عهد للحياة مع المسيح وللمسيح فيصبح المعمد سكنى للروح القدس ، لهذا يجب على الوالدين أن يعمدا أطفالهم لكي يتحرروا من دنس الخطيئة الموروثة وبهذا يضعونهم على طريق الحرية ليصبحوا أولاد النور . فمعمودية الصغار والكبار هي دعوة سماوية إلى حياة النور وللدخول في قطيع الجماعة المؤمنة ، تلك الجماعة المولودة من فوق بسبب العماد ، وهذه الجماعة تشكل جسد المسيح الحي وهو رأسها ، وهكذا كل فرد في التشكيل الجديد هو مدعو الى بلوغ الكمال ، والعماد هو الباب المفتوح الى الأسرار الأخرى وخاصة الأفخارستيا لكي يصبح المسيح طعاماً وشراباً للمخلصين ، فيتحد معهم أتحاداً أبدياً فتصبح أجسادهم المائتة في الخطايا التي أقترفوها متحدة مع المسيح القائم والغافر لتلك الخطايا فتتجدد حياتهم مع المسيح , وهكذا يتقدمون في الفضائل ، وفي حياة نقية طاهرة وسط أناس أحياء في الجسد وموتى في الروح . فالذين لم يتقبلوا المعمودية هم موتى ، لهذا قال الرب يسوع للذي أراد أن يتبعه ( دع الموتى يدفنون موتاهم ... ) " 60:9 " كما أن المعمودية أبطلت الختان ، لهذا قال الرسول بولس :
 ( وبه أيضًا ختنتم ختانًا لم تجره الأيدي ، إذ نزع عنكم جسد الخطايا البشري وهذا هو ختان المسيح : قد دفنتم معه في المعمودية ، وفيها أيضاً أقمتم معه ، عن طريق إيمانكم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات ، فأنتم ، إذ كنتم أمواتاً في الخطايا وعدم ختانكم الجسدي أ أحياكم جميعاً معه ، مسامحاً لنا جميعاً بالخطايا كلها )
 " قول 12:2"

ولربنا يسوع المجد دائماً




72
هكذا نفرز الأنبياء الكذبة
بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا

قال الرب ( أحترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب حملان ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة ومن ثمارهم تعرفونهم ) " مت 15:7
لنتعرف أولاً على كلمة ( نبي ) ومصدرها . النبي هو الأنسان الذي يقرأ المستقبل ، فلا يعرف بالغيب بقدراته الذاتية ، بل بتأكيد من الروح القدس الذي يعطيه روح النبوة . فالنبوة غايتها ليست التنبؤ بالمستقبل وكشف أسراره فحسب ، بل النبي هو من ينطق ويتكلم بأسم الله بألهام من الروح فيكشف بالروح له عن سر تدبير الله في الظروف الراهنة والمستقبلية كما يجب أن يكون المثل الصالح فيعض ويساعد الآخرين ويقودهم نحو الله فيكون هو الواجهة في عصره.
وبتلك القدرات الألهية سيتحدى الأنبياء الكذبة بأقوالهم وأفعالهم وأعمالهم المدعومة بمعجزات خارقة ، لهذا يقول النبي أشعياء في " 41: 21- 23" ( قدموا دعواتكم يقول الرب . أحضروا حججكم ، يقول ملك يعقوب ، ليتقدموا ويخبرونا بالحوادث أخبروا بالسالفات ما هي فنتأملها ونعلم منتهاها أو أسمعونا المستقبلات . أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعلم أنكم آلهة ) .
إذاً ليس من يدعي النبوة يصبح نبياً ويصدق به الناس العقلاء ، بل قد يصدق به الجاهل والأحمق . النبي الكاذب هو عدو الأنسان وصديق الشيطان لأنه يريد أن يبعد الناس من الله الحقيقي فيتظاهر بأنه على حق ، لكنه رسول دجال بكلامه الكاذب فيصبح كالشيطان الكاذب الذي قال عنه يسوع ( كذاب وأبو الكذاب ) أما الرسول بولس فقال عن هؤلاء الرسل الدجالين الذين يقتدون سبل الأبليس ( فإن أمثال هؤلاء هم رسل دجالون ، عمال ماكرون ، يظهرون أنفسهم بمظهر رسل المسيح ، ولا عجب ! فالشيطان نفسه يظهر بمظهر ملاك نور ) " 2 قو 11: 13-14" . لهذا السبب أعطانا الله في أنجيله المقدس مقاييس ومعايير واضحة من خلالها نميّز الأنبياء الكذبة ، ومنها التنبؤ بالمستقبل ، ويجب أن تتحقق نبؤاته ، فالذي يتنبأ بالكذب لن تتحقق نبؤته فليس نبياً من عند الله ، أو ليس لديه القدرة على التنبؤ وعمل المعجزات ،  قال الله في سفر التثنية " 20:18" ( وأما النبي الذي يتجبر فيتكلم بأسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به ، أو الذي يتكلم بإسم آلهة أخرى فأنه حتماً يموت ) .
كما وضح لنا الكتاب المقدس في هذه الآية ( فإن قلت في قلبك كيف أعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب ؟ فإن كل ما يتنبأ به النبي بأسم الرب ولا يتحقق يكون أدعاء منه لم ينطق منه الرب ، بل يطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه ) " تث 18: 21-22" . فنبؤة النبي ليست منه ، بل من الله الذي فرزه لنقل كلامه لبني البشر ، لهذا قال الله ( إن كان بينكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له وفي الحلم أكلمه ) " عد 6:12" .
ومن المقاييس التي تؤيد النبي الحقيقي قدرته على عمل المعجزات والآيات الخارقة للطبيعة تحدث على يد النبي بسبب تأييد الله له فيعمل تلك الأعمال التي لا يستطيع الناس أن يتحدوه بمثلها كما أيد النبي موسى الذي تحدى كل سحرة فرعون ، هكذا سيثبت النبي صدق نبؤته ، أما الذي يخدع الناس بنبؤات كاذبة كسيمون الساحر فسيعرف الجميع أن أعماله تلك هي من ذاته ، أو من الشيطان الذي يغويه ويدفعه الى الكذب .
أنبياء من الله كثيرون عملوا معجزات خارقة كموسى الذي شق البحر . وأيليا الذي تنبأ بالمستقبل وأقام الموتى وتحدى الملك آخاب وإيزابيل وأخزى أنبيائهم الكذبة . كذلك دانيال النبي الذي عرف أسرار المستقبل وتحدث بها ، كما عضده الله عندما ألقي في جب الأسود الجائعة دون أن تقترب منه فنال أعجاب الملك فأعفى عنه وأعاده الى وظيفته وهو الذي فسر حلمه وتحدى كل سحرته . وغيرهم كثيرون .
نقرأ في العهد القديم عن أنبياء كثيرين تنبئوا بمجىء المسيح فوصفوا كل الأحداث التي ستسبق مجىء المسيح ، وعن تفاصيل الأحداث التي ستحدث منذ تجسده حتى صلبه وموته وقيامته ودخولع في المجد .
ومن مواصفات النبي الحقيقي نميّزها من خلال سيرته الذاتية وصفاته التي تتصف بالمحبة وطول الأناة والتضحية والتقوى والزهد والقداسة والصدق والعمل في نشر السلام بين الناس وروح الخدمة وغيرها . أما النبي الذي يتميّز بالعنف ومحبة الذات والشهوات وحب الأنتقام وعمل الشر وغير ذلك فليس من الله المحب لكل البشر ، بل هو خادم مطيع بأعماله وصفاته للشرير لأن صفات الشيطان تظهر فيه . قال الرب يسوع ( من ثمارهم تعرفونهم ) " مت 5:7 " فثمار النبي الطيبة يجب أن تفوق ثمار الآخرين . أما الذي تكون ثماره مرفوضة لدى المجتمع ، فتلك الثمار ستشهد له بأن الروح السكن فيه  ليس من الله ، لهذا أنذرنا الرسول يوحنا لكي نتعلم درس تمييز تلك الأرواح ، فقال ( أيها الأحباء ، لا تصدقوا كل روح ، بل أمتحنوا الأرواح لتتأكدوا من كونها أو عدم كونها من عند الله ، لأن عدداً كبيراً من الأنبياء الدجالين قد أنتشر في العالم ، وهذه الطريقة التي تعرفون بها كون الروح من عند الله فعلاً ، إذا كان ذلك الروح يعترف بأن يسوع المسيح قد جاء الى الأرض في الجسد ، فهو من عند الله ، وإن ينكر ذلك فليس من عند الله ) " 1يو 4: 1-3 " .
إذاً أعتراف ذلك النبي بتجسد المسيح الإله شرط من شروط الأعتراف بذلك النبي . كما يجب أن تكون رسالة ذلك النبي ، أو نبوته تتفق مع كلام الله المدون في الكتاب المقدس والذي هو كلام الله ، فإذا أختلفت رسالة ذلك النبي فإنه نبي كاذب لهذا قال الرسول بولس ( إن بشركم أحد أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن ملعوناً ) " غل 8:1 " .فعلينا أن نحترس من الأنبياء الكذبة اللذين سيدَعوا النبوة من بعد المسيح متذكرين قوله ( أحترسوا من الأنبياء الكذبة ، ياتونكم بثياب الحملان ، وهم في باطنهم ذئاب خاطفة ) " مت 15:7 "
     أما اليوم فنرى كنائس ضالة ترسل مضلليها الى الساحات العامة ، أو يقرعون الأبواب كما نجدهم في المطارات والساحات والأماكن العامة ومعهم كتبهم ورسائلهم المزيفة ، ولهم وسائل حديثة للنشر ، وأذاعات وفضائيات ينشرون بها سموهم ، غايتهم كسب المؤمنون الى طريقهم الملتوي ،. يغيّرون مظهرهم الى رسل ودعاء وكما يغير سيدهم الأبليس مظهره الى ملاك نور وهكذا يتقنون خدمته كما يشاء ، وكل هؤلاء تابعين الى كنائسه المزيفة مثل ( شهود يهوه ) أي شهود زور . وكنيسة ( المورمون ) كنيسة آخر الزمان . و ( الكنيسة التوحيدية ) وغيرهم من اصحاب البدع والهرطقات التي تنشر تعاليم غريبة لا تتفق مع نصوص الكتاب المقدس . في الأخير نقول لمثل هؤلاء الكذبة ، تذكروا يوم الدينونة العظيم ، فبالرغم من كل الطاقات والأموال والجهود التي تبذلونها بأسم المسيح لنشر ضلالكم فأن المسيح لن يخدع بأقوالكم وأعمالكم ، بل تذكروا قوله الصريح ( كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم ، يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا ؟ (لاحظ الفعل "تنبّأنا" أي جعلوا من أنفسهم أنبياء ) وباسمك أخرجنا شياطين ؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة ؟ ) " مت 22:7" . يقولون هذا بكثير من الطمأنينة ظنّاً منهم أن الرب سيوافق عليهم وعلى أعمالهم . ولكن طمأنينتهم الزائفة لن تجديهم نفعاً، لأن الرب سيصرّح لهم قائلاً ( إني لم أعرفكم قط ) . وهناك سيكون البكاء وصرير الأسنان .
كيف يصنعون هؤلاء قوات كثيرة أو معجزات علماً بأنهم كذبة ! تعليم الكتاب المقدس واضح نتعلم منه بأن الأنسان بأيمانه القوي الخالي من الشكوك يستطيع أن يصنع المعجزات ، لكن ذلك الأنسان قد يكون مجرد من الأعمال الصالحة التي تحتاج الى المحبة ، فلا تكن قدراته مقبولة عند الرب ، بل يعتبر كفاعل خطيئة . لهذا قال الرسول بولس ( إن كانت لي نبوة ، وأعلم جميع الأسرار وكل العلم ، وإن كان لي كل الأيمان حتى أنقل الجبال ، ولكن ليست لي محبة ، فلست شيئاً ) " 1 قور2:13 " . فكل من يؤمن بقوة الله وقدرته على كل الأشياء ، وبسبب هذا الأيمان يصنع آيات ، لكن في حياته الروحية ضعف لا يتقبله الله ، فأجر الأعمال الصالحة التي عملها بسبب أيمانه سيأخذه على الأرض والله سمح له أن تجري على يده تلك الآيات من أجل الآخرين ، أو المعجزة تحدث على يده لا بسببه هو بل بسبب أيمان المحتاج الى تلك المعجزة ، لهذا كان الرب يسوع يقول لبعض الذين ينالون الشفاء على يده ( أيمانك قد خلصك ، أو ليكن لك بحسب أيمانك ) . إذاً ليس كل من يعمل المعجزات هو نبي صادق وسيكون له الخلاص ، بل النبي الكاذب في النهاية لا يجد له رصيداً في خزائن السماء ، لأن كل ما عمله على الأرض فقد أستوفى أجرته منها ( طالع مثل الغني ولعازر في لو لو 16 )
لنتذكر إذاَ قول الرب يسوع ( كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تُقطع وتُلقى في النار) " مت 19:7 "
ليتمجد أسم الرب يسوع الى الأبد.

73
الأنسان ولد إلاهاً ورأينا مجده


                                       بقلم/ وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا
http://www.m5zn.com/newuploads/2017/12/26/jpg//m5zn_b1f8e536c7aaa1e.jpg

 

( والكلمة صار جسداً وخيّم بيننا ونحن رأينا مجده .. )
" يو 14:1 "
أخباراً سعيدة وأسرار ألهية عميقة دوّنها لنا الرسول يوحنا تُعِبٍرعن محبة الله للأنسان بواسطة أبنه الكلمة الأزلي الذي ظهر بالجسد وأظهر محبة الله الكبيرة لبني البشرلكي يعطيهم الحياة . إنها البشرى التي دونها لنا يوحنا في أنجيله ورسالته الأولى ، فسطورها تعلن للبشرية ملء اللاهوت الذي جاء في ملء الزمان فظهر في جسد ، فقال ( ذاك الذي كان منذ البدء . ذاك الذي سمعناه ، ذاك الذي رأيناه بعيوننا ، وشاهدناه ، ولمسناه بأيدينا ، فإن الحياة تجلت أمامنا ، وبعدما رأيناها فعلاً نشهد لها الآن ) " 1يو 1: 2-3 " . كيف رأينا الله بأعيننا ؟ وهو الذي قال في العهد القديم ( ... لأنه لا يراني أنسان ويحيا ) " خر 20:33" . هنا يحدث العكس ، من يراه ويؤمن به هو الذي سيحيا . والحية النحاسية المصلوبة على خشبة كانت رمزاً لذلك . رفعها موسى في البرية لكي يحيا كل من ينظر اليها فينقذ من الموت الجسدي بعد أن تلدغه الحية ( طالع عد 9:21 ) . هكذا كل من ينظرالى أبن الله المصلوب سيحيا من لدغات الخطيئة . أنه الرب يسوع واهب الحياة الذي يقول عنه يوحنا : سمعناه ، ورأيناه ، ولمسناه .
تجسد الله لكي يصبح ملموساً لحواسنا . أنه لأمر عجيب ! لأننا نعلم بأننا محدودين في الأدراك والفهم لهذا نزل الى عالمنا وصار واحداً منا في كل شىء خلا الخطيئة . فاللاهوت الذي حل فيه يعني بأنه حل في الأنسانية . فالشركة بين الأقانيم الألهية الثلاثة أصبحت شركة بيننا نحن البشر بالمسيح الأنسان .
الله هو الذي خلق كل شىء ومنها البشر ليصبح أباً لكل أنسان ، لهذا نصلي له قائلين ( أبانا الذي في السموات .. ) لكن في التجسد أنقلبت الآية لكي يأخذ الأنسان دور الله في الولادة . فالله هو الذي يولد من الأنسان . وهذا المبدأ قد لا يفهمه الكثيرين ومنذ مجمع أفسس في القرن الرابع حيث رفض البعض تسمية العذراء بأم الله لفهمهم المحدود بأن الله هو أباً وخالقاً للجميع فكيف تصبح العذراء أماً لخالقها ؟ لكن أغلب أعضاء المجمع المقدس أكدوا على وجوب المحافظة على هذا اللقب ، أي ( مريم أم الله ) ، لنقول : الأنسان ولد ألاهاً . وهذه الحقيقة لا يستطيع الأنسان أن يدركها بقدراته الذاتية إلا بالأيمان . وكما يقول الكتاب ( ... كل شىء مستطاع لدى المؤمن ! ) " مر 23:9 " .
لنسأل ونقول : من أين جاء المتجسد الألهي ، أمِن السماء أم من الأرض ؟
موضوع تجسد المسيح الإله هو أنفجار لطاقة ألهية عظيمة موجودة في الطبيعة ، لأن المسيح الإله موجود في كل مكان . نحن نتصور دائماً بأنه نزل من السماء وحل في أحشاء مريم . فهل هو هذا الأحتمال الوحيد بأن التجسد يجب أن يكون من خارج هذا الكوكب ؟ كما نقول أين هي السماء التي أتى منها ، هل هي في الأعالي فعلاً ؟
لنتأمل بنبؤة أشعيا النبي التي تتناول موضوع تجسد المسيح والذي يقول ( أقطري أيتها السماوات من فوق ، ولتمطر الغيوم البّر ، لتنفتح الأرض وليبرعم الخلاص وليِنبت البر أيضاً ) " أش 8:45 " . نجد في هذه الآية تضاد في معاني كلماتها عندما تقول ، لتمطر السماوات من فوق . ومرة أخرى لتفتح الأرض وليبرعم الخلاص . فهل جاء المسيح من السماء أم من الأرض ؟ هل نستطيع أن نقول بأن نزول المسيح هو أنفجار لطاقة كانت موجودة داخل الأرض وفي داخل الأنسان نفسه فخرجت في عملية تشبه المخاض ؟ نقول بأن العذراء تمخضت في ولادتها ليسوع ، فأنه يعبّر عن تمخض الأرض كلها التي تلد المخلص يسوع . المسيح لم يأتي الى الأرض كالغريب ، بل أتى إلى بيته وخاصته لأنه كان في العالم ، وكما يعبّر عنه الرسول يوحنا ، فكتب ( كان في العالم ، والعالم لم يعرفه ) " يو 10:1 " وهكذا نفهم من هذه الآيات وغيرها بأن هناك جذور وأدلة قاطعة وبراهين أنجيلية تؤكد بأن المسيح كان في هذا العالم ، وبين الناس وداخل الطبيعة عندما تجسد وظهر للجميع مُذِل في المذود . لكن حين تجلى على الجبل ظهرممجداً لتلاميذه الثلاثة كما كان قبل التجسد . وكل ما فعله هو فتح بصيرة البشر لكي يروه على حقيقته الألهية كما فتح عيون تلميذي عماوس وعيون باقي الرسل في العلية بعد القيامة .  الخلاص أيضاً موجود في داخل كل أنسان وفي العالم ، وما للأنسان إلا أن يقبله إلى أن يتحقق له  . وهكذا موضوع عمل المعجزات كالشفاء من الأمراض فهو موضوع موجود في داخل الأنسان إذا آمن بأن الله سيلبي طلبه بدون شك . لهذا قال الرب لمن يشفيه ( أيمانك شفاك ) " طالع مت 22:9 .مر 52:10 . لو 50:8 " وغيرها . فالأيمان إذاً هو أساس لتفعيل طاقة موجودة في داخل الأنسان . وهكذا العلم يعترف بشفاء الأنسان بدون عقاقير لأمتلاك الأنسان قدرات ذاتية تشفيه من مرضه بدون دواء وذلك بأبراز وتفعيل تلك الطاقات الكامنة بداخله وبدون اللجوء الى طبيب . المسيح لم يستخدم أي قوة خارجية في شفاء المرضى ، بل كان يستخرج القدرة الأيمانية النابعة من داخل المريض . ونحن للأسف لا ندركها لنعود الى موضوع التجسد ونقول بأن الطبيعة لها دور في تجسد المسيح بكل ما فيها من أنسان وحيوان ونبات وجماد ، كلها أشتركت في أبراز هذا الحدث العظيم .
يقول الرسول يوحا ( فيه كانت الحياة ) أي هو حياة العالم من البشر والنبات والحيوان ، ففي واقعة التجسد تمضخت الحياة كلها حتى تبرز خالقها . الخالق الذي اعطى لها الحياة الجديدة سمح لها أن تخرجه كثمرة . هكذا أعطى الله الكرامة للمخلوق لكي يلد من خلقه . نقرأ في المزمور 148 ( سبحيه أيتها الشمس والقمر ... الجبال وجميع التلال ... الوحوش وجميع البهائم ... والطيور المجنحة .. ) كل الطبيعة اشتركت في مجيئه الأول ، وهكذا تنتظر مجيئه الثاني كما جاء الأول من أحشاء البشرية ، من داخل الأرض ، سيأتي بقوة عظيمة .
من خلال التجسد دخل الله في الأنسان لكي يبقى معه الى الأبد وكما قال ( وهاء نذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم ) " مت 20:28 " .
 الله موجود بيننا وفينا يفجر بداخلنا طاقات كامنة تعمل بقوة أيماننا ، فالأيمان يسيطر على طاقات كبيرة في داخل كل أنسان .
البشرية تتقدم وتتطور بأنجازاتها لأن الحياة التي وهبت لها من التجسد هي حياة ألهية ، والأنسان مدعو إلى ملء الكمال ، بل الى الآلوهة التي لا حدود لها . أنه سعي مستمر وكل من يؤمن ستحقق من خلاله هذه المعجزات لهذا شجعنا يسوع قائلاً ( من آمن بي يعمل هو أيضاً الأعمال التي أعملها أنا ، بل أعظم منها ) " يو 12:14" .
ختاماً نقول : المسيح تجسد فينا ، فعلينا أن نعيد ولادته فينا لكي يعيش معنا وفي داخلنا ، وذكرى ميلاده التي نحتفل بها كل عام أكراماً ليوم تجسده ، وهو يريد أن يعلن رغبته في أن يولد مجدداً بكل ملء لاهوته في كل أنسان غير مؤمن . أما نحن المؤمنين فعلينا أن نظهر أيماننا دائماً منتظرين ميلاد المسيح الأخير الذي سيأتي بمجد عظيم مع ملائكته القديسين .
يوجد بين ميلاد يسوع الأول والثاني مسيرة قائمة والبشرية في حالة ميلاد مستمر ، والطبيعة تنتظر ولادة المسيح الثاني ، بل تنتظر ولادة أرض وكون جديد وحياة جديدة .
ليتمجد أسم الرب المتجسد بيننا .


74
تجسد الكلمة ( الله ) وتحويل كلمتنا الى جسد
بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا
( عظيم هو سر التقوى ، الله ظهر في الجسد ) " 1 تيمو 16:3 "
منذ الأزل يسوع المسيح هو الكلمة الناطقة لله الآب . حوّلَ الله كلمته اللا مرئية الى جسد مرئي وملموس فأصبح المسيح الذي تجسد بيننا لأجل خلاصنا ( يسوع ) لكي يعيش معنا الله وحسب قول الملاك ( عمانوئيل ) . فالمسيح الكلمة هو الله ( وكان الكلمة هو الله ) " يو 1:1" .
 وأيضاً حول المسيح المتجسد جسده ( اللحم والدم ) الذي صلب على الصليب الى خبز وخمر في تحويل سري يحدث بقوة الروح القدس الهابط من السماء في القداس الألهي ليحول الخبز والخمر الى جسد ودم يسوع الحي ، أنه ليس تحويل مادي ظاهر للعيان ، بل هو سر غير منظور ، كما لا يجوز أن نفهم كلام الأنجيل بالحرف ، بل بالأيمان فنؤمن به كما آمن التلاميذ به عندما قال ( هذا هو جسدي ... هذا هو دمي  ) كما لا يجوز أن نقول أنه رمز لجسد ودم المسيح ، بل هو حقيقة وكما يؤكد لنا الرسول بولس أنه جسد المسيح الحقيقي في رسالته الأولى الى أهل قورنتوس ؟ إذن علينا أن نؤمن بتجسد المسيح الحقيقي في القربان أيضاً . التجسد عقيدة مسيحية وخلاصية للأنسان ، فلم يكن تجسد أبن الله هدفاً لذاته بل لفداء البشر وتجديد خلقة الأنسان وتهيئة ذهنه وأعداده لكي يعود الى الطريق القويم فيتجدد في العهد الجديد لكي يسير نحو الكمال كما كان آدم قبل السقوط . لهذا تجسد الإله وصار أبناً للأنسان لكي يجعل الأنسان أبناً لله ، فالمسيح المتأنس ليس إنساناً تأله ، بل إلاهاً تأنس لخدمتنا.
كيف نسطيع إذن نحن البشر أن نتحول إلى كلمة تخدم الآخرين كما فعل يسوع ؟ أو كيف نحول كلماتنا إلى واقع متجسد لها تأثيراً في المحيط الذي نعيشه ، ولكي نصيغ كلمتنا في وعظةٍ أو محاضرة أو موضوع يقرأ فيغيير الواقع إلى أفضل ، فالواقع الذي نعيش فيه هو أكثر أهمية مما ننطقه بالكلام وذلك لأن الطريق الصحيح في الحياة يقودنا إلى السبيل الصحيح في التحدث . فلكلماتنا علاقة مرتبطة مع الواقع ، لهذا يجب أن تكون واضحة ومثمرة لأنها تخرج من قلوبنا وأفكارنا وتعبر عن حقيقتنا وفكرنا ، فعندما نتظاهر بأننا سعيدين ، فكلماتنا يجب أن تتصف بالتفاؤل والسرور ، وعندما ننطق بآرائنا ، فيجب أن يتلائم كلامنا مع حقيقتنا لكي لا نعطي للعالم صورة مزدوجة وغير واضحة فنخلق الشك وعدم الثقة بسبب كلامنا فنصبح مرائين أمام المجتمع ، فعندما نتكلم يجب أن ننقل الصورة الحية التي نعيشها . وإذا تحدثنا عن أخلاقنا وأيماننا وعن سيرتنا فإننا مدعوون على إعلان حقيقتنا كما هي بمحبة الله ،  وهكذا نحاول بكلماتنا الناطقة أو بكلمتنا المكتوبة أن نغير ونؤثر على الآخرين بمستوانا وقدراتنا لأنه لا يوجد من يعيش تماماً بمستوى الكمال ، ولا يوجد أحد صالح أو يمارس الصلاح ( رو 12:3) فعلينا أن نستمر تدريجياً في إعلان الحقيقة بالكلمة التي نتحدث بها ما دمنا نعرف أن حياتنا مدعوة الى التكلم . كما يجب أن تتصف تلك الكلمات دائماً بالتواضع كما كان يتصف الكلمة الإله المتجسد بيننا منذ ولادته في المذود .
كلماتنا مهمة فيجب إعلانها ، وبدونها فأعمالنا تفقد معناها وتصبح بدون معنى ، بها نعلن أيماننا فنعزز أعمالنا . يجب أن تكون كلماتنا مؤثرة لكي نأتي بنتائج مرجوة فيها التشجيع والتعزية والرجاء ، لهذا يجب أن تنطق بشجاعة وبدون خوف أو شك ، بل لنثق بأن كلماتنا تزرع المحبة المصالحة وتوّحد الصفوف ، وبها نغفر ونزرع المحبة والسلام والفرح ، وبها نشكر الله والبشر ، وبأختصار كلماتنا تستطيع أن تزرع الحب والبسمة في حياة الآخرين ، هكذا نغيّر المحيط والعالم . عبارة ( يسوع هو الكلمة الذي صار جسداً ) ستبقى كلاماً عابراً لا فائدة منها بالنسبة لمن يقول للجائع أنا أحبك لكنه لا يطعمه لكي يثبت صدق كلامه ، فأي نفع من كلماته ( يع 2 ) الكلمات الصادقة النابعة من القلب الصادق يجب أن تخلق حياة جديدة لأنها لم تفقد أتصالها مع مصدرها ولها أصول ثابتة وقوية فتستمر وتثمر فترضي الآخرين . أما اللذين لا جذور لكلماتهمم فلا نفع منها . فعلينا أن نتأكد بأن كلماتنا هي متأصلة في قلوبنا ونابعة من أخلاقنا وقلوبنا ، فكل أنسان هو كالشجرة التي تعرف من ثمرها ، فقلب الأنسان هو كنزه ، ومن كنز الأنسان الصالح الذي في قلبه يطلع ما هو صالح ، أما قلب الشرير فمن كنزه الشرير يطلع ما هو شرير ، لأنه من فيض القلب يتكلم فمه ( طالع لو 45:6 ) . كما يجب أن يرافق كلامنا وأعمالنا الصلاة والتذرع الى الله الكلمة لكي تتحد كلمتنا بكلمته فتصبح قوية ومؤثرة وناجحة ومثمرة للآخرين . كما يجب أن نتكلم لكي لا تفقد حياتنا حيويتها ، ولكي تكون مبدعة وإنسانية وننقلها لكي تصل وتُغيّر . ننقلها بالكلام الناطق أو بالكتابة أو الرسم أو بوسائل أخرى وهكذا نجعل حياتنا في خدمة الآخرين ونشترك معهم ونضحي من أجلهم ونشاركهم في حياتنا ونحن في حياتهم لكي نصبح جسداً مسيحياً واحداً ، أجل عندما نحول جسدنا الى كلمة لخدمة الآخرين فأجسادنا تصبح جزءاً من جسد الجماعة ونشترك معهم في حياة أفضل ملؤها المحبة أما رأسنا فهو المسيح المتجسد فينا .
ولألهنا المتجسد المجد دائماً

75
لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر – كندا

 

كل مؤمن أمام إختبار التحدث الى الله في صلاة المخدع ، أو في تأمل ما ، وبعدها عليه أن يصغي الى صوت الله في عمق الذات . كما عليه أن يميّز صوت الله من صوت المجرب وذلك بالخبرة الأيمانية . لا يجوز أن نكون نحن المتحدثين الى الله في صلواتنا فقط ، بل يجب أن نصمت قليلاً لكي ندع الله يتحدث فينا فنقول له كصموئيل النبي ، تحدث يا رب وعبدك يصغي . الله موجود في عمق الأنسان ، فعليه أن يتحدث الى عمقه ويصغي الى الصوت الصادر من الداخل حيث الله موجود .

عندما نشعر بالألم أو الفشل أو الهزيمة ، فرَد فِعلنا الداخلي نعبر عنه بالتنهدات والآهات والضجر رغم كونها غير مسموعة أو محسوسة من قبل الآخرين ، علينا في تلك الأحوال أن نلجأ الى الله الساكن في عمقنا فهو سيخاطبنا بكلمات الشفاء والصبر والتعزية ويعطينا الأمل . من الضروري أن نبحث في داخلنا عن الجزء الجريح لكي نكشف من خلاله عيوبنا وأخطائنا وضعفاتنا التي تدفعنا للسقوط في تجارب شتى . فعلينا أن نحددها ونحاربها لكي ننهض بقوة لكي نتذكر بأن الله دعانا الى الخدمة لنبشر العالم أجمع بكلمته الألهية ( مر 15:16) وهذا الواجب يجب أن لا نضعه في الفكر في موضع الأنتظار والتأجيل ، بل علينا أن ننطلق لكي لا نترك الحقيقة التي تكمن في داخلنا بسبب أيماننا بكلام المسيح ووصاياه . وصوت اله الصارخ في داخلنا يدعونا الى الأنطلاق . ذلك الصوت الذي سمعه أبراهيم وأنطلق ، يجب أن نميّزه عن سائر الأصوات التي تتعشعش في مخيلتنا لكي نكون أمينين في دعوتنا بلا يأس أو خوف أو تردد لكي نتهيأ لحمل الرسالة التي قد تكون صعبة لكن نتائجها ستكون مفرحة . يجب أن لا نشك بأننا لسنا مؤهلين أو بمستوى التبشير ونقل الكلمة كما فعل موسى فعارض الله قائلاً ، أنني لست فصيح ُ الكلام ، فلماذا لا ترسل أخي هارون . مثل هذا الشعور لا ينحدر من الله ، بل من أمير الظلام . فغلينا أن لا نسمح لهذه الأفكار أن تقودنا الى مرافىء الضعف والسكون ومن ثم رفض دعوة الله ، لأن الله هو الذي أمرنا بأن ننطلق في طريق الدعوة كما أمر الرسل الأثني عشر للأنطلاق للتبشير في المدن والقرى وفي أقاصي الأرض ، وكذلك بالنسبة الى التلاميذ الأثنين والسبعون وأخيراً لكل المؤمنين ، فكل مؤمن مدعو الى الأنطلاق بدون خوف أو تردد من عواقب التبشير وتحدي معتقدات الآخرين ، لأنه قال لكل منا ، أنا المتحدث فيك . فالروح القدس الساكن فينا هو يضع الكلمة على لساننا لنتكلم في أحلك الظروف والمناسبات . إذاً علينا أن لا نتردد ونرتبك ونخطط ، بل أن نعهد كلشىء الى الخالق فلا يجوز أن نسأل ونقول ماذا سأفعل أو بماذا سأتحدث ، وهل سأنجح ؟ علينا أن لا نركز على الحواجز التي تعيق عملنا فتصبح حملاً ثقيلاً يحدد مسيرتنا ، بل علينا أن نتحمل كل الصعوبات بصير ليصبح حملنا خفيفاً ونيراً لطيفاً ( مت30:11) كل ألم داخلي يجب أن نحوله الى قوة بسبب الرجاء الذي نؤمن به . فالمشاكل والعقبات ومطبات الحياة يجب أن لاتسيطر علينا لأننا مؤمنون بأننا ضعفاء وقوة الله الساكن فينا تكم في ضعفاتنا كي تحولها الى قوة تتحدى الخصومات . الله محبة ، فعلينا أن نمتلىء من تلك المحبة لكي تثبت فينا . فالله الثابت فينا هو يقودنا الى العمل ، وهو المتحدث فينا كما قال (...لأن لستم أنتم المتكلمين ، بل الروح القدس ) " مر 11:13 " لأننا سلنا ذواتنا له بشكل كامل وبثقة تامة فنؤمن بأننا نحن المنتصرين . علينا أن نعطيه قلبنا وأرادتنا وفكرنا فهو سيوجهنا الى الهدف ويدفعنا اليه ويضع كلمته على ألسنتنا لكي نتحدث عنه فنغدوا أقوياء قادرين للتحدي وحكماء في تصدي الأعداء وأخضاعهم لآرائنا ، ومن ثم إقناعهم للأيمان بما نحن نؤمن به ، وتلك الكلمات الإلهية ستصبح نوراً تنير ظلام الآخرين لكي يتوبوا ويعترفوا ومن ثم يعلنون أيمانهم فيحصل الفرح في السماء والأرض .

ولألهنا كل المجد


76
الصوم أجمل هدية نرفعها الى الله

بقلم / وردا أسحاق عيسى
وندزر - كندا

( فالآن يقول الرب : أرجعوا أليّ بكل قلوبكم ، وبالصوم والبكاء والأنتحاب . مزقوا قلوبكم لا ثيابكم وأرجعوا الى الرب ألهكم فأنه حنون رحيم طويل الأناة كثير الرحمة ونادم على الشر ) " يوئيل 2: 12-13 )
بمناسبة دخولنا في شهر التبريكات المقدس ، فعلينا أن نعيش هذه الأيام المباركة الى يوم ميلاد الرب بالصوم والصلاة والتأمل بكلمة الله ، لهذا أرتأينا الى تدوين هذه السطور لكي نوضح الغاية من صومنا وصلواتنا وتأملنا في هذه الأيام المباركة .
الصوم هو أستعداد وتهيئة وأول فريضة أيمانية فرضها الله على الأبوين في جنة عدن لكي يصوموا من ثمار شجرة معرفة الخير والشر ، فعلى المؤمن أن يختبر الصوم أختباراً جيداً بعد أن يدرك أبعاده جيداً وأهميته وغايته ، وفي فترة الصوم يجب أن يخصص جزء منه للصمت وخاصةً بعد الصلاة لكي يتأمل صوت الله الذي ينطق بلغة الهدوء السماوي في عمق الأنسان . وهكذا عندما يتحد الصوم مع الصلاة والصمت يرتقي الروح قمة السماء ، وهذا ما يُجنى من ثمار الصوم . كذلك يجب أن نعلم بأن هناك خمسة طلبات مهمة يجب أن يطبقها الصائم أثناء الصوم لكي يكون الصوم مثمراً وكل الطلبات تبدأ بحرف الصاد وهي ( صوم – صلاة – صمت – صفح – صدقة ) . أثناء الصوم تكثر تجارب المجرب فعلى الصائم أن يمتحن أيمانه وقدراته وقوته لمجابهة حروب العدو الذي يشجع الصائم الى حب الذات كوسيلة للتغلب على الصوم كما فعل مع الرب يسوع فطلب منه أن يحّول الحجارة الى خبز أي يدفع الأنسان الى شهوة الطعام وكذلك الى شهوة الخطيئة . فلأجل تطهير النفس في وقت الصوم يجب أن تبدأ الخطوة الأولى بأعلان التوبة والصلاة الحارة والصوم من عمل الخطيئة في فترة الصوم لكي يكون الصوم طاهراً ومقبولاً .
الصوم هو الجوع والتقشف لكي يشعر الصائم بالفقير الجائع فيمد له يد العون بصدقته ، كما عليه أن يصفح للذين أسائوا اليه وهكذا يبرز الأيمان بالأعمال ، فبسبب الأيمان نصوم وبأعمالنا الصالحة نعطي للمحتاجين ونتصالح مع الآخرين . ماذا ينفع الصوم الذي يمارس مادياً ومعنوياً دون مساعدة الفقير ؟ مثل هذا الصوم يصبح ممارسة تقليدية مجردة من غايات الصوم التي يطلبها منا الله ، لكن عندما نقرض للجائع ما يحتاجه فإننا نقرض الله نفسه وكأننا نقدم له تقدمة وذبيحة مرضية . أما الذي يبرر نفسه بأنه صائم لله دون أن يساعد الفقير فإنه يتحايل على شر