عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - أدب

صفحات: [1]
1
خسوف بدر الدّين- جدوى الدّوران والتّأرجُح بين الأقطاب

1* لا شكّ أنّ هذه الرّوايةَ تصطفي في مراتب الأعمال الرّوائيّة الفلسطينيّة الّتي استطاعَ كاتبُها أن يفيدَ من تقنيّات العملِ الأدبيّ، وأنْ يُجنّدَ هذه الأساليبَ في سبيلِ الوصول بعملِهِ الأدبيّ إلى هذهِ الهيئة الأدبيّة.
2* نلمح، لا سيّما في الآونة الأخيرة، نزعةً لدى أدبائِنا الفلسطينيّين، في التّعريج على التّاريخ بشكلٍ عامّ، والتّاريخِ الصّوفيّ بشكلٍ خاصّ؛ أذكرُ على سبيلِ المثالِ روايات: راكبُ الرّيح ليحيى يخلف، الصّوفيّ والقصرُ لأحمد رفيق عوض، ولا ننسى تجربةَ شعرائِنا محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، في اعتمادِ التّوجّهِ ذاتِهِ في الشّعر، خاصّةً الأشعار المتأخّرة؛ ولهذا أسبابُهُ، ففي هذا التّعريج والاستخدامِ خطابٌ يرنو إليهِ أدباؤُنا، يجدونَ في الحُلّةِ الصّوفيّة، أو المُرقّعةِ الصّوفيّة، إن صحّت الاستعارة، إطارًا يفيدون منه.
3* يتطلّبُ هذا المَنحى جهدًا كبيرًا مِن المؤلِّفِ الّذي يخوض في عالمٍ واسعٍ جدًّا هو عالمُ الصّوفيّة، إضافةً إلى دراسةِ التّاريخ. في هذا التّوْليف إنجازٌ كبيرٌ، لكنّ هذا الإنجازَ يتطلّبُ جهدًا مَهولًا، فبُورِكَ أصحابُه.
في محاولةٍ لرصدِ بعضِ الحركاتِ في "رواية خسوف بدر الدّين" أشير بدايةً، إلى أنّ الرّوايةَ تستحقّ دراسةً سأسمّيها في هذا المَقام بالدّراسة النّورانيّة، لتِبيانِ انعكاسِ المفاهيمِ الصّوفيّةِ فيها، وتَحليلِها وِفقَ الأنساقِ الصّوفيّةِ كوْنَها زاخرةً بها، وهي دراسةٌ لن تَفيها الدّراسة الأدبيّة النّقديّة اللغويّة كاملَ حقِّها. فقد دأبَ باسم خندقجي على تذويتِ المُعجم الصّوفيّ في بنيانِ الرّوايةِ ونسيجِها. ومنها المَنهجُ العرفانيّ الّذي يعتمدُهُ مَسارًا في بناءِ شخصيّةِ بدر الدّين: وقد اعتبرَ العرفانَ أحدَ المناهج المُتّبعةِ في الوصول إلى الله، إلى جانبِ المَنهج العقليِّ والمَنهجِ النّقليّ أو النّصّيّ. ويُفارقُ المنهجُ العرفانيُّ غيرَهُ مِن المناهج الآنفةِ الذّكر، أنّهُ لا يعتمدُ في إنتاجِ مفاهيمِهِ على العقل، ولا على ظاهرِ النّصّ الدّينيّ، بل يُرجعُها إلى الإلهامِ والتّلقّي مِن مَصدرٍ مُتعالٍ. فالمعرفةُ حسبَ طرائقِ العرفانيّةِ تَنشأُ عن مُكاشفةٍ وعيانٍ، لا عن دليلٍ وبرهان.
يمكنُ قراءةُ هذه الرّوايةِ بتوجّهاتٍ عدّة، والتّركيزُ على نَواحٍ عدّةٍ فيها أيضًا. اخترت، هنا، التّركيز على حركيّةِ الرّواية، وهي حركيّةٌ أسمَيْتُها بـ:”الدّوران وَالتّأرجُح بين الأقطاب"، وفي هذه التّسمية توازٍ بينَ حركةِ العملِ الرّوائيّ، وبينَ حركةِ المريدِ الصّوفيّ في دورانِهِ وتأرجُحِهِ واتِّباعِهِ أقطابَ المعرفةِ اللّدُنيّةِ والنّورانيّة. فكما يدورُ الصّوفيُّ دوْرتَهُ تدورُ أحداثُ الرّواية، فيتركُ بدرُ الدّين سماونة مسقطَ رأسِهِ، ويجوبُ بلدانَ العالم مُتأرجحًا بينها، لكنّه يعودُ إلى هناكَ بحركةٍ دائريّةٍ كدوْرةِ الصّوفيّ. في سيماونة يبني مَجْدَهُ، يقول ص304: "ها أنتَ قد عدتَ إلى سيماونة شيخًا، لا بل مُعلّمًا، لا بل ثائرًا، بل ممسوسًا"، ويدورُ بهِ القدَرُ والزّمنُ فينهارُ المجدُ، بخسوفِهِ بدرًا مِن النّور إلى العتمةِ، في دورةِ الزّمن تنهارُ مملكتُهُ، وهي أشبهُ بالكومونا الّتي يبناها ثوّار إبّان الثورة الفرنسيّة، أو اليوتوبيا وفقَ الأيديولوجيّة الاشتراكيّة الشّيوعيّة، حتّى وإن بدا التّوازي بينهما عسيرًا. أمّا الدّوران الأكبر فهو في عنوان الرّواية: خسوفُ بدر الدّين، ففي خسوفِ القمرِ حركةٌ دائريّةٌ أدّتْ إلى حدوثِهِ، ولولا الدّوران لربّما بقيَ الخسوف، أو لربّما ما كانَ أصلًا. لهذا فالرّوايةُ تقومُ على حركيّةِ الدّوران وما يَحملُهُ مِن تغييرٍ قد يكونُ ذا حدّيْن، ويبقى السّؤال: هل هناك [إرساء] مِن جدوى للدّوران، أم أنّ الجُمودَ أفضلُ في بعضِ الحالات؟
أمّا التّأرجُحُ فينعكسُ في المَحاورِ الثّلاثةِ الّتي تتناولُها الرّواية، وهذهِ المحاورُ الأساسيّةُ هي الصّراع بمختلفِ أطرافِهِ، ثمّ التّقاطُبُ كشكلٍ مُتطوّرٍ للصّراع، والخيبةُ كنتيجةٍ له، وتتلاحقُ الأحداثُ راسمةً صورةً لهذه المَحاور، لنجدَ الشّخصيّةَ الرّئيسيّة بدر الدّين، وما يحيط به/ ها مِن شخصيّاتٍ قريبةٍ، يَدورونَ ويتأرجحونَ في دائرةِ هذه المَحاور، بُغيةَ البحثِ عن إجاباتٍ وافيةٍ لأسئلةٍ لا إجاباتٌ شافيةٌ لها.
الصّراع: في الرّوايةِ عددٌ هائلٌ مِن الصّراعاتِ الّتي تذهبُ بعقل القارئِ بعيدًا، إلى تلكَ الحقبةِ التّاريخيّة، وتَدَعُهُ يتساءلُ ليسَ عن الصّراعاتِ فقط، بل وعن طبيعةِ الجنس البشريّ الّذي لا يَستكينُ، إلّا إن رأى الدّماءَ مَسفوكةً، والحياةَ مُستباحةً أمامَ نداءِ الموت؟ فيتساءلُ عن جدوى كلِّ هذا. خندقجي يقودُ قارئَهُ بحنكةٍ، ليُوصلَهُ إلى هذا التّساؤل، وذلكَ مِن خلالِ العددِ الهائلِ واللّامُتناهي مِن الصّراعاتِ المُختلفة، والّتي يُغيّرُ فيها البشرُ مواقفَهم، كما تتبدّلُ الفصولُ أو الشّهور. وفي هذا تلميحٌ وإيماءٌ لِما نُعايشُهُ، لكنّه هنا مُركّزٌ مُشدّدٌ بشكلٍ لا يتركُ مجالًا لخديعةٍ فكريّة. ومِن هذهِ الصّراعات: صراعُ الهُويّة لدى طورة، وصراعُ الجيوش، والسّلاطين، والأمم. يقول على لسان ابن خلدون ص97:”حلِّقْ في سماءِ الزّمان، ترَ الأرضَ ترتجفُ بزلزلةِ جيوشِ السّلاطين".
الأقطاب: نلمحُ في الرّوايةِ تأرجُحًا شديدًا وحادًّا تتخابط بينها الشّخصيّات، كأنّها الكُرةُ الّتي تتقاذفُها جِهتان، فمِنْ قطبٍ إلى قطبٍ تجدُ نفسَها الشّخوصُ في حركةٍ مِنَ الحيرةِ، أو القراراتِ المُتعاقبةِ تحتارُ بين قطبيْن، أو تنتقلُ بينهما، مِن صورةٍ مكنونةِ المزدوجة الّتي تُمثّلُ الطُّهرَ والعفّةَ والنّورَ والرّوحَ تارةً، والشّهوةَ والجسدَ والشّبقَ تارةً أخرى، بشكلٍ مُتقطّبٍ يدعو إلى الذّهول؛ مِن العِلم مقابلَ السّيف، مِنَ الواقع مقابلَ الغيب، والدّينِ مُقابلَ الكُفر، مِن تجاذُبِ الذّكرى أمامَ الواقع مِن ترجيح القوّةِ على العدلِ أو العكس، مِنَ الانقيادِ إلى النّقائض، الموتِ في سبيلِ الحياة. هذا التّقطّب يُسارعُ مِن حركةِ التّأرجُح، لتَخرجَ منهُ الشّخصيّاتُ مُنهَكَةً، وقد تفتّتَ فيها الجسدُ والفِكرُ، وطَرحتْ سؤالَ الجدوى مُجدّدًا حيالَ اختيارِها، أو اتّجاهِها. فهذا بدر الدّين، وأنا أقرأ ص 212: "فمَن الّذي كان ممسوسًا بالاضطرابِ والقلق، وذلكَ المزيجِ الغامضِ مِنَ السّرورِ والأسى والفرحِ والحزنِ سوى بدر الدّين؟". وينجلي التّقطّب جليًّا في التّعابير الإكسومورونيّة (الإرداف الخلفيّ الّذي يجمعُ بينَ نقيضيْن مُتلاحقَيْن) الّتي يُفاجئُنا بها خندقجي حين يقول ص95: "وأنتَ الغريبُ الوحيدُ، القلِقُ المُبصِرُ، الأعمى المُتمرّد الخانعُ، الضّالُّ المُؤمِنُ، المُخطِئُ التّائب، المُعلّمُ الجاهلُ، الفتى الكهلُ، عبدُ الشّهوةِ وعبد التّوبة".
الخيبة: الرّوايةُ تمتلئُ بالخيبةِ والانكفاءِ، وتَبدُّدِ الآمالِ في فضاءِ الرّغبةِ والتّوْقِ والحُلم. تسعى الشّخصيّاتُ إلى تحقيقِ ما تصبو إليه، لكنّها تنكفئُ مُجسِّدةً مثالَ اللّابطل، وهو تلكَ الشّخصيّةُ الّتي لا تتمكّنُ مِن تحقيق أهدافِها ولا طموحاتِها، بل تنكفئُ على نفسِها، وخيبتُها على مستوى الرّغبة، والعمل، وحتّى الشّعور...، وهناكَ الكثيرُ مِنَ الخيباتِ: السّلطانة أمّ فرج لا تُحقّقُ مأربَها مِن بدر الدّين. علي باي الخازندار يفشلُ في الانقلابِ على الملكِ برقوق. مكنونة الّتي تفشلُ في تحقيقِ الجاه، مِن خلالِ صوْتِها والتّقرّبِ إلى أصحاب السّلطة والنّفوذ، فتدفعُ روحَها ثمنًا لذلك. لكن يبقى السّؤالُ: هل تجدُ الشّخصيّاتُ نفسَها قد قامتْ بدوْرِ البطلِ أم لا؟ هل ترى جزءَ تحقيقِ المأرب، أم جزءَ الانكفاءِ ودفْعِ الثّمن؟ أيّ جزءٍ مِن الكأسِ ترى؟ وهل دفْعُ الثّمنِ كفيلٌ بإعادةِ التّفكير، أو بزَمّ الشّفتيْن والضّربِ على الصّدر ندمًا.
الرّوايةُ تعجُّ بالخيبات؛ ما قد يدفعُ القارئَ إلى التّساؤل عن جدوى الحُلم. لماذا نحلمُ إن كانت الخيبةُ تتربّصُ بنا هناك في طرفِهِ؟ وهل هي إلى هذا الحدّ، واهنةٌ واهيةٌ تلكَ الخيوطُ الّتي ننسجُ منها أحلامَنا هذه؟ يُوجّهُ خندقجي القارئَ بفِطنةٍ إلى التّساؤل عن جدوى الإقدام، والتّغيير، والرّفض، والنّيّةِ في البناء، وكأنّي به يُحمّلُ الخيبةَ خطابًا مِن نارٍ يُشعلُ سؤالَ الجدوى مِن جديد، كما جاء على لسان بدر نفسِه ص122: "ما الجدوى من حياةٍ عجزت فيها"؟ وينبشُ في أعماقِ التّوْقِ (بالتاء) سلاسلَ طوْق (بالطاء)، قد تجعلُ الباحثَ المُكدَّ يتوقّفُ عن سَعيِهِ، فيَقبلُ الواقعَ كما هو طائعًا، مسلّمًا، ممتثلًا، راضخًا، مستجيبًا، شاكرًا، راضيًا، قانعًا، قنوعًا، صاغرًا، صغيرًا، منكفئًا، عاجزًا، مُغلِقًا مَنافذَ حواسِّهِ بيديْهِ، كتمثالِ القِرَدَةِ الثّلاثة.
ونتساءلُ حيالَ حركاتِ الدّورانِ والتّأرجُح، وحيالَ ما ينتهي به الصّراعُ مِن خيباتٍ مارّةٍ بفعلِ التّقطّب، هل يكتفي خندقجي فعلًا بسرد الحدث التّاريخيّ، مُطعّمًا بالأجواءِ الصّوفيّة مِن كشف، وأحوال، وانخطاف، وحقيقة، ونور (تكرّرت الكلمة مئات المرّات)، معتمدًا على شخصيّة بدر الدّين الّتي احتارَ التّاريخُ والمُؤرّخون بأمرِها، أم يقومُ الخطابُ الرّوائيُّ في هذا العمل، على الإحالةِ إلى الحالةِ العربيّةِ الفلسطينيّةِ أو الإنسانيّةِ عامّة، في السّؤال حولَ ما نبحثُ عنه مِن مَعانٍ، في تمرّدنا ورَفضِنا للأمر القائمِ ولواقع الحال؟ هل هناك جدوى مِن الرّفضِ والتّحدّي، وصفِّ الصّفوفِ وتجنيدِ النّاس وراءَ فكرٍ، مَهما كان ساطعًا مشرقًا إنسانيًّا وعادلًا حتّى، أم أنّ في الدّنيا توازنًا ما يفرضُه الأقوياء؟
عندها هل تبقى لجذوةِ الكفاحِ الجدوى نفسَها؟ هو سؤالٌ يخترقُ التّاريخَ والمستقبلَ، ويَجثُمُ على كاهلِ الحاضر. إنّه سؤالٌ يُحرجُ الأيديولوجيّات المختلفة، ويضعُها عاريةً أمامَ النّتائج، كما عرّت الخيبةُ الصّراعاتِ، وكما تأرجحتْ على حوافِّ الأقطاب. والمقصودُ أيديولوجيّات مَذهبيّةً وسياسيّةً علمانيّةً ودينيّة، هو ليس بالسّؤال الوجوديّ فقط، والدّائر حول جدوى الحياة وما فيها من رغبات وأهداف يسعى الإنسان إلى تحقيقها، بل ويسألُ عن هذه الجدوى مقابلَ مبدأ النّهاليّة ”النّهاليزم"، وهو مبدأ رفض القِيم القائمة، كما قال نيتشة: "الإيمانُ يعني عدمَ الرّغبة في المعرفة". فهل نحن أمامَ خطاب كهذا؟ عندها تحملُ الرّوايةُ أبعادًا خطابيّةً وجوديّةً ومنهجيّة وحياتيّة ووطنيّة، تدعو إلى قراءتِها بتَرَوٍّ كبير، وتأنٍّ، وبحزمةٍ كبيرةٍ مِن النّور.
فإنّ كان الأمر كذلك، فهذه الرّواية هي كشف حساب عميق للحركة والحركات الّتي ينتهجها المرء، وهي سؤال مفتوح لجدوى التّأرجُح مقابل القبول، وجدوى الرّفض مقابل الرضوخ، وتقبّل الواقع كما هو.


2
د. عادل الأسطة بعنوان: سطوة الشّاعر باسم الخندقجي في "نرجس العزلة".


باسم الخندقجي شاعر وروائيّ يقبع في الأسر من سنواتٍ طويلة، وهو محكوم بغير مؤبّد. صدر له حتّى الآن، ديوانا شعر وروايتان ومنثور روائيّ. بدأ باسم يكتب الشّعر ثمّ تحوّل إلى كتابة الرّواية التّاريخيّة، فصدرت له روايتان هما "مسك الكفاية" و"خسوف بدر الدّين"، والرّوايتان يعود زمنُهما الرّوائيّ إلى فترة العبّاسيّين وما تلاها.
تجربة باسم تجربة تُلفت النّظر لغير سبب، فهو يقبع في السّجن ولا يكتب عن تجربته فيه، وهو بذلك يختلف عن سجناء كثر كتبوا عن عالم السّجن وتجربتهم فيه، وتكاد أعمالهم تقتصر على تجربتهم ومحيطها، ومنهم وليد الهودلي، عصمت منصور، هيثم جابر وعائشة عودة، ومن قبل هشام عبد الرّازق.
ويحقّ للمرء أن يتساءلَ عن السّبب: لماذا يكتب باسم عن عوالم لم يعشها، ويلجأ إلى التّاريخ ولا يكتب عن عالمه؟ هل قرأ نتاجات أدب السّجن، ورأى أنّه لن يضيف إليها أيّ شيء جديد؟ هل يعتقد أنّ القارئ أشبع قراءة عن حياة السّجن، وأنّه بحاجة إلى نصوص مختلفة؟ هل هو شخصيّا مُغرم بالتّاريخ وبالرّواية التّاريخيّة؟ وهل تربّى في أحضان الرّواية التّاريخيّة، فقرأ جرجي زيدان وأمين معلوف وغيرهما، فأراد مواصلة الكتابة في هذا النّوع من الرّواية؟
ولكن باسم قبل أن يكتب الرّواية والرّواية التّاريخيّة، كتب الشّعر وأصدر فيه ديوانيْن، وتحوّل بعد كتابة الشّعر إلى كتابة الرّواية، وهو في هذا الجانب ليس استثناء. الشّعراء العرب الّذين أخذوا يكتبون الرّواية، وغدوا يُعرفون على أنّهم روائيّون أكثر مما يُعرفون شعراء، كثيرون.
ظاهرة كتابة الشّعراء الرّواية وهجران الشّعر تُحيل إلى كتب نقديّة لنقّاد بارزين التفتوا إلى هذا، وقد أصدر النّاقد المصريّ المعروف جابر عصفور كتابًا نقديًّا عنوانه "زمن الرّواية"، ويتزامن مع سؤال زمن الرّواية سؤال آخر هو سؤال موت الشّعر، وليس هذا السّؤال مقتصرًا على الأدب العربيّ، ففي فرنسا كتب مرّة ناقد في ثمانين القرن 20: "إنّهم يَدقّون آخر مسمار في نعش الشّعر".
في الأدب الفلسطينيّ التفت دارسون ونقاد إلى الظاهرة، وكتبوا عن شعراء معروفين غدوا يكتبون الرّواية، ومن الشّعراء سميح القاسم وإبراهيم نصر الله وأسعد الأسعد وزكريا محمد، وظاهرة إبراهيم نصر الله تُعدّ الأكثر بروزًا، وهو يكاد الآن يُعرف روائيًّا بالدّرجة الأولى، فرواياته هي الّتي جلبت له الجوائز في الفترة الأخيرة لا دواوينه الشّعريّة.
باسم مال مؤخّرًا إلى الرّواية، وآخر أعماله الصّادرة هذا العام في بيروت هي روايته التّاريخيّة "خسوف بدر الدّين"، وقبل عاميْن ونصف العام صدر للكاتب نصّ عنوانه "نرجس العزلة" 2016، وقد أدرج على غلاف الكتاب دال "رواية"، لكنّ الصّفحات الدّاخليّة الّتي احتوت على تصنيف المؤلف لا النّاشر، اعتمدت عبارة "منثور روائيّ، ولم تعتمد دال رواية، وإذا نظر المرء في متن النّصّ، فإنّه سيقرأ عن تجربة فلسطينيّ يكتب الشّعر، ولكنّه بدأ يحاول كتابة الرّواية، وقد كتب رواية للفتاة الّتي أحبّها في أثناء دراسته الجامعيّة، ثمّ أهداها المخطوط، ولم يعد يملك نسخة عنه، ولا يعرف صاحبه ماذا فعلت به، بعد أن تزوّجت وسافرت إلى دولة نفطيّة.
"منثور روائيّ" عبارة لافتة تُحدّد جنس "نرجس العزلة"، وفيه مزج بين النّثر والشّعر. كما لو أنّ ما كُتب هو شعر نثر. و"منثور روائيّ" تُذكّرنا بعباراتٍ عرفها الأدب العربيّ، هي نثر المنظوم أو نظم المنثور.
والصّحيح أنّ الأدب الفلسطينيّ لم يَخلُ مِن نصوص نثريّة غلب عليها روح الشّعر. من "يوميّات الحزن العادي"، إلى "ذاكرة للنّسيان"، إلى "في حضرة الغياب" لمحمود درويش،  إلى "دفاتر فلسطينيّة" لمعين بسيسو، إلى "إلى الجحيم أيّها اللّيلك" لسميح القاسم، إلى شعراء كتبوا الرّواية مثل محمد القيسي و.. و..
من بين الأسماء السّابقة الذكر يستحضر قارئ "نرجس العزلة" كتب محمود درويش النثريّة المشار إليها، وأبرزها "في حضرة الغياب"، وكأنّ سطوة الشّاعر درويش سطوة لا يقدر كثيرون على مقاومتها، وأنا طبعًا في مقالاتي منهم.
هل قرأ باسم للتوّ "في حضرة الغياب" و"يوميّات الحزن العادي" و"ذاكرة للنّسيان"، ثمّ شرع في الكتابة؟
ما يغلب على نصوص درويش في كتابيْن من الكتب الثلاثة، هو توظيف الضّمير الثاني في الكتابة، وهو ضمير الأنا أنت، حيث يُجرّد من نفسه شخصًا آخر يُخاطبه، وتغدو الكتابة مونولوجًا طويلا، وقد توقّف الدّارسون، وأنا منهم، أمام هذا الأسلوب، بل إنّني وجدتُني أوظّفه في أكثر ما كتبت، ولسوف أجتهدُ في إيجاد مبرّرات ومُسوّغات للّجوء إليه، في حالة لجأ إليه كاتب، ومثل نقّاد كثر لم أرَ فيه لعبة شكليّة أو نزوعًا نحو التّنويع في أساليب القصّ والكتابة ليس إلّا.
يبدو نصّ "نرجس العزلة" مونولوجًا طويلا، وكاتبُه الّذي يدرس الأدب في جامعة النّجاح، خلافًا لرغبة أبيه، وظّف ضمير الأنا أنت، وان كان في صفحات مُعيّنة يستخدم الضّمير الثالث وأحيانا الضّمير الأوّل، فنصغي إلى ساردٍ يقصّ بصيغة الفعل المضارع عن الشّاعر الشّاعر، وهو يحلم بكتابة رواية (ص88 وما بعدها)، ونصغي إليه يتحدّث عمّا يُلمّ به، ويورد الكاتب هنا كلام الشّخصيّة بين علامات تنصيص.
يلجأ الشّاعر إلى العزلة، ويكتب نصّه الأقربَ إلى سيرته الذاتيّة، ويعترف الشّاعر أنه شيوعيّ فلسطينيّ ينتمي إلى حزب الشّعب الفلسطينيّ، ويُقرّر العزلة الشّخصيّة لمدّة مُحدّدة، وللعزلة أسباب، فقد شعر بالضّجر والقرف ممّا آلت إليه أوضاع الفلسطينيّين، بعد نهاية الانتفاضة الأولى الّتي يتغنّى بها كثيرًا، ومع توقيع اتّفاق (أوسلو) ومجيء السّلطة، ويُقدّم نقدًا عنيفًا لمَن سار في رِكابها مِن مناضلي الأمس ويسخرُ منهم، ويظلّ يتحسّر على الشّهداء، ومنهم صديقه أمجد الّذي استشهد في الرّصاصة الأخيرة الّتي أطلقها جنود الاحتلال، قبل انسحابهم من المدن الفلسطينيّة بعد توقيع الاتّفاقيّة.
ويكون لأمجد حضورٌ كبيرٌ وتأثيرٌ بارز في ذهن الشّخصيّة المُتكلّمة في النّصّ، فقد كان صديقَهُ المُقرّبَ فكريًّا وشخصيّا، ويمكن القول إنّه مرجعيّته الّتي يتكئ عليها في رفض ما آلت إليه الأوضاع، ولم يكن المتكلم ليصدّق ما يجري، حيث النّقاء الثوريّ الّذي كان هو وأمجد وجيل الانتفاضة يتمتّعون به قد غدا من الماضي، وحلّت مَحلّه الانتهازيّة والمشاريعُ التّنمويّة المُموّلة من جهات غربيّة، لا يَهمُّها المشروع الوطنيّ، على أنّ السّببَ الأساسَ للعزلة يكمنُ في الرّغبة بالإبداع. "نعم، ستُجدّدُ عزلتك، ستفضّ المَطالع وتكتبها، ستمارس فوق الصّفحات عشق قصائدك، ستكتب نصًّا، ستبدع".
والشّخصيّة الرّوائيّة صاحبةُ المونولوج تُقرّ بأنّها شخصيّة مُتناقضة مع نفسها، فهي شخصيّة يساريّة تشرب الخمر، ولكنّها تفكّرُ في الارتباط بفتاة جامعيّة مُحجّبةٍ ومتديّنة، وهذا ما لفت نظر الأستاذة الجامعية بربارة الّتي رغبت فيه واشتهته، إذ تقول له: "لكنّها مُتديّنة أيّها الأحمق، وأنت كومونست شيوعيّ؟" (ص60).
ويعترفُ هو بأنّه شخصيّة متناقضة: "تضحك بصوت عال من تناقضك" (ص57).
ويبدو هذا اليساريّ الشّيوعيّ نرجسيًّا حقّا، فهو مثل عمر بن أبي ربيعة ونزار قبّاني. إنّه مطلوبٌ من النّساء، وهو ما يقوله العنوان عموما "نرجس العزلة"، وهو ما تلاحظه الفتاة الّتي أحبّها، وظلّ يَنعتُها بـ"امرأة البدء" الّتي كانت تلاحظ بصمت مدى ازدحامهنّ حول عاشقها".
تغيب امراة البدء عنه جسديّا، لكنّها تظلّ ذاتَ تأثيرٍ وحضور، فهي لم تختفِ مِن حياتِه، وتدخل امراةٌ ثانية من حيفا في حياته، وتكون هذه المرأة امرأةَ الهُويّة والانتماء، وغالبًا ما يُلصق بها عبارة "الهُويّة والانتماء"، كما ألصق بالأولى عبارة "امرأة البدء"، المرأة الأولى هي حبُّه الأوّل، والمرأة الثانية هي فلسطين في امتدادها التّاريخيّ: "ها أنتِ مع نون من حيفا، حيفا الّتي تَسكنك، امرأة من وطن ووطن بلا امرأة، كنت تودّ لو تحضنها باكيًا في ذلك المساء. عذرًا أيّها الوطن، لقد خذلتك".
طبعًا هناك نسوة أخرياتٌ في النّصّ، مثل الأمّ الّتي لها حضورٌ لافتٌ ومُؤثّرٌ في حياته، فمنذ طفولته كانت تعرفُ تفاصيلَ حياته، وتهتمّ بها من الحمام إلى الطعام، وهناك أخته ليلى الّتي تقوم علاقتُهما معًا على أساس الصّراحةِ التّامّة، ويغلب عليها أمر المكاشفة، فهو مرجعها حتّى في أمورها العاطفيّة، وهناك فادية الصّديقة الّتي تهتمّ بأمره وتسأل عنه حتّى في عزلته، وهناك السّكرتيرة أمّ الياس الّتي تعمل معه في المؤسّسة الّتي يُديرها، واللّافت هنا نموذج المرأة الّتي تبدو شهوانيّة "أمّ صبحي"، وهي امرأة مُتزوّجة ولها غير عشيق، تحبّ الحياة وتمارس الجنس لانشغال زوجها عنها بالتّجارة والمال، مع أنّها أمّ، وابنها شاب وصديق للمتكلم ولصديقه أمجد.
هل يمكن المُطابقة بين كاتب النّصّ الحقيقيّ والشّخصيّة الرّوائيّة؛ المُؤلف الضّمنيّ الّذي نُصغي إليه مباشرة؟ أعني؛ هل النّصّ نصّ سيرة ذاتية؟
العقد الّذي أبرمَهُ الكاتبُ مع قارئه هو "منثور روائيّ" لا سيرة ذاتيّة، وإذا ما طابقنا بين باسم وكاتبه، فسنجد تقاطعات واختلافات. كلاهما ينتمي إلى حزب الشّعب الفلسطينيّ ويعتنقان الماركسيّة، لكنّ باسم حتّى الآن، لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر، في حين تجاوز بطله السّتين، وكان تخرّجه من الجامعة في الانتفاضة الأولى الّتي شارك فيها، وأمّا باسم فقد شارك في الانتفاضة الثانية. تبقى المطابقة غير مُجدية، بخاصّة أنّ الكاتب صدّرَ نصّه بالآتي: "إنّ هذا المنثور لا يمتّ إلى الواقع بأيّة صلة، وإن حدث، فهذا محض صدفةٍ أو محض عشق".
والسّؤال هو: كيف يُصدّرُ كاتبٌ يساريّ يعتنقُ الماركسيّة نصًّا أدبيًّا بالعبارة السّابقة؟ هل أذهب بعيدًا، إذ أزعمُ أيضًا أنّ باسم كان واقعًا تحت تأثير نصوصي الرّوائيّة؟ في كتابتِهِ عن نابلس المدينة المحافظة الّتي يتلصّصُ أبناؤها بدافع الفضول على خصوصيّات الأفراد، كنتُ أقرأ ما كتبتُه عن المدينة، فهل مرّ بطلُ منثور باسم بما مررت به؟
ولنابلس حضور يشغلُ صفحات من "منثور روائيّ"، نابلس في فترة الاتفاضة الأولى الّتي أغلقت فيها الخمّارات، لكنّها لم تكن تخلو من أشخاصٍ يُوفّرون المشروبات الرّوحيّة لمَن يتعاطاها سرّا. ونابلس مدينة ليس فيها أماكن "تصلح لامرأة وشاعر".
وحين يُقرّر لقاء فادية وحيدين، "لم يكن يعرف أين يمضي بها، كلّ الأماكن محاصرةٌ في المدينة، كلّها تتلصّص على كلها"، و”أخذ يتجوّل في السّيّارة دون أدنى وجهة محدّدة"، واكتشفت هي مدى ضياعه فضحكت قائلة: "ألم أقل لك إنّ المدينة لا تصلح؟"، وفي النّهاية لا يجد مكانًا يجتمعان فيه، سوى دكان العائلة التّاريخيّ شرق المدينة.
طبعًا، علينا ألّا ننسى أنّ هذا كان في فترةٍ سابقة، فنابلس مع مجيء السّلطة الفلسطينيّة اختلفت في هذا الجانب، وصار فيها أماكن يمكن أن يجتمع فيها شاعر وامرأة، إن لم يكونا تحت المجهر.
ونابلس كما يقول عنها أمجد مدينة أحبُّ الأشياء إلى قلبها الإشاعات، ومع ذلك يحنّ أبناؤها إليها وهم بعيدون عنها، فالمتكلم وهو في عزلته في مدينة ثانية، يتذكر ساعات خاصّة بها، وبخاصّة وقت الأصيل، فهذا الوقت هو "وقت مدينتك البعيدة، دكان أبيك، رائحة السّوق العتيقة، ما بعد صلاة العصر بقليل، رشرشة مياة تمتزج مع صوت فريد الأطرش الّذي كان أبوك يهوى صوته، كنت تتّحد في تلك اللحظات، وعندما تفاجئك الذاكرة بها الآن، تتّحد بها وتعشقها أكثر... هي مدينتك وشارع حبّك الّذي كان وطنًا لحبك وقت الأصيل، بضع حميميّة غريبة عن مدينة لا تحبّذ الأشجار كثيرًا، بقدر ما تحبّذ صناعتها المحليّة والتّرويج لها ولهمومها اليوميّة".


3
صدور
[ الأعمال الكاملة – الرواية القصيرة ]
للروائي هيثم بهنام بردى

بدعم من برنامج إبداع الثقافي لمجلس الأعمال العراقي في الأردن، وعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وبواقع 415 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف أنيق معبّر صممه الفنان والأديب العراقي بيات مرعي، صدرت (الأعمال الكاملة / الرواية القصيرة) للروائي العراقي هيثم بهنام بردى. وهي حصيلة اصداراته في الرواية القصيرة NOVELLA على التوالي: (الغرفة 213، الأجساد وظلالها، الطيف، أَبراتُ) التي أصدرها خلال الأعوام السابقة.
ومما جاء في الغلاف الخلفي:
- ولقد لمع اسم القاص والروائي هيثم بهنام بردى في عالم السردية العراقية المعاصرة، بعد أن بانت كتاباته عن مخيلة خصبة هي وليدة مخاض واقعي اشتبكت فيه الواقعيات المعهودة كالواقعية الفوتوغرافية والواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية، فكانت واقعيته خاصة ذات ملامح مبتكرة تبتدع الفنتازيا وتستلهم الأسطورة وتوظف الحكاية ببراعة فنية لازمها كثير من الصبر بغية الإتقان والمعاناة بغية النجاح والاكتراث بغية النضوج والارتقاء. هكذا راح يجرب سردياً، فاستقى من واقعية ماركيز السحرية أطياف شخوصه، وأخذ من واقعية بورخس الغرائبية أوصاف أمكنته، واعتمد على واقعية كافكا الفنتازية في صنع عوالم أزمنته بتماه لا تحده حدود، والنتيجة أنه اصطنع لنفسه ومنذ منتصف العقد الثامن من القرن الماضي واقعيته الخاصة التي بانت عوالمها واضحة مختمرة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين..
                                                                    أ. د نادية هناوي سعدون
- يراهن هيثم بهنام بردى في محاولاته المتعددة لتجديد النص الروائي العربي المعاصر على قضية جوهرية ومغايرة للسياق التاريخي والجمالي المعروف من خلال التركيز على مسألة حجم النص أولاً (الرواية القصيرة) بما يتوافق مع التطور الحياتي الهائل ومزاج القارئ... ومناقشة وعرض القضايا الإنسانية الهامشية ثانياً.... تلك القضايا التي تحتاج رؤية فكرية عميقة وإنارة ساطعة حتى تزيح عنها عتمتها... هيثم بردى مازال مستمراً بمشروعه الرائد (الرواية القصيرة) وأتوقع أن يقدم لنا مشروعاً متكاملاً وفريداً من نوعه في تاريخ الرواية العربية...
أ. د. فيصل غازي النعيمي
- السارد هيثم بهنام بردى صاحب صنعة ومحترف في صنعته... هو يهندس معمارية سرده في رواياته القصيرة، بتقانة فريدة جعلت بصمته واضحة وعميقة في السردية العراقية... لغته الشعرية المتصوفة وشخصياته والأمكنة والأزمنة والأحداث جعلت من سرده متماسكاً... المدهش في نتاجه أنه لا يكرر نفسه ففي كل عمل ينتجه تجد شيئاً مختلفا عن العمل السابق فهو لا يدور في حلقة مفرغة في أعماله. هو مؤسس لسرد جديد عراقي يتمظهر بتوظيف المسكوت عنه بصورة جمالية غير مباشرة.
د. مثنى كاظم صادق
***
شكراً لمجلس الأعمال العراقي في الأردن.
شكراً للأستاذ سعد ناجي.
شكراً للأستاذة عبير النائب.
*

4
أدب / حقل فوكو - تشارلز ليمرت
« في: 18:20 10/11/2018  »
حقل فوكو - تشارلز ليمرت

 مدارات ثقافية :ترجمة : خالدة حامد

ما ميشيل فوكو ؟ هل هو ماركسي ؟ بنيوي ؟ سيميائي semiotician ؟ فهو يستعمل مصطلحات ماركس : الطبقة ، الاقتصاد السياسي ، الإنتاج ، رأس المال ، سلطة العمل ، الصراع . لكنه وإن كان ماركسيا ، تبدو صلته بالماركسية غير واضحة . إذ نلمس اهتماما بنيويا بالأشكال الشمولية من الثقافة في حديث فوكو عن ” النظام في حالته الأولية ” وفي محاولته ” كشف أعمق طبقات الثقافة الغربية (1)”.
إلا إنه ينكر اتجاهه البنيوي ، على الرغم من ذلك ، ويبدو دوره السيميائي واضحا في دراساته للنحو العام في ” الكلمات والأشياء “ Les mots et les choses وللعلاقة بين العلامات signs والأعراض symptoms في ” مولد العيادة ” (2) Naissannce cliniqne . لكنه يبدو على الرغم من ذلك أكثر من محض سيميائي .
إن الماركسي ، البنيوي ، السيميائي صفات يلصقها به قراؤه وليست صفاته شخصيا . فنحن حينما نقرأ له نراه يواجهنا في كتاباته بالجديد والغريب ، ونفعل ما يفعله بقية القراء أي نقرأ من المألوف إلى الغريب . ونظرا إلى أنه مفكر فرنسي يكتب بعد الحقبة الوجودية existentialist period ، نفترض أنه لابد أن يكون ماركسياً أو بنيوياً أو سيميائياً . فما الذي يمكن أن تجده في فرنسا هذه الحقبة عدا ما ذكرناه ؟ إن افتراضا من هذا النوع يثير مشكلات كثيرة . وقد تفيدنا مثل هذه الستراتيجية في القراءة فائدة كبرى في حالات معينة لكنها تخذلنا في حالة فوكو . فبعض المؤلفين يميل إلى ملاءمة المقولات بينما لا يفعل فوكو ذلك.
تدفعنا كتابات فوكو بعيدا عن المألوف باتجاه الغريب ، ويكون القارئ عارفا بالسور المتين الذي يحيط بما لدينا من خزين المعرفة المألوفة ، والذي لا تنحل أواصره حينما نقرأ . فنحن لا نستطيع استغلال معرفتنا بالماركسية والبنيوية والسيمياء بل نحن مجبرون على الانتهاك وتجاوز حدود معرفتنا وفسح المجال أمام أنفسنا للسقوط في غياهب لغته وفكره الغريبين والتساؤل عما إذا كان لما نقرأه أية قيمة أصلاً ، إذ تبدو القواعد اللازمة لقراءة فوكو على النحو الآتي : لا تجعل منه شخصا آخر ، تعلّم أن تعيش معه كما هو ، توصلّ إلى أحكامك بعد قراءة الكثير . ومما لا شك فيه إنك ستتعلم الكثيرعن سوسيولوجيا العقاب في ” المراقبة والمعاقبة” Discipline and punish ، وأبستمولوجيا العلوم الإنسانية في “الكلمات والأشياء” ، والتفكيك الفلسفي لنظرية السلطة في ” تاريخ الجنس ” The History of sexuality الجزء الأول ، والفلسفة الشارحة للمعرفة التاريخية في”حفريات المعرفة” Archaeology of Knowledge ، ونظرية الفكر السياسي في” الحقيقة والسلطة” Truth and power (3) ، والدراسات الأدبية لباتاي وبلانشو وفلوبير وروسيل ونيتشه في ” اللغة والذاكرة المضادة والممارسة (4) ” Language , counter –memory , and practice ونجد الكثير من هذه الموضوعات قائمة بذاتها ويمكن أن تذوب في موضوعات هي خارجية بالنسبة لفوكو إلا أن كل من لديه رغبة بفهم فوكو عليه أن لا يحوله إلى شيء آخر ، بل ينبغي له رؤيته من منظور مصطلحاته الصعبة الخاصة به.
يبدو أن أحد الأسباب التي تدفع فوكو إلى إقصائنا خارج حدود المألوف هو أنه باريسي . فالمفكرون الباريسيون يعملون في حقل القوى الفكرية المعقد والمتغير بسرعة . (5) فالأفكار تغدو وتروح ، والنجوم الفكرية تبزغ وتأفل ، وقد يحدث ذلك في غضون أسابيع . ولا يوجد أي مكان فكري آخر في العالم الحديث يماثل باريس تماما ، فهي البؤرة التي تتمركز فيها معظم قوة ثقافة العالم وبالتالي صار لزاما على المؤلفين ، وعلى أفكارهم ، التنافس لاحتلال موقع في هذا الحقل ، وقلة هم الذين يحتفظون بمكانتهم لفترة طويلة . وينبغي للكتاب تلبية حاجات الجمهور الأدبي الملح والمتقلب . كما يكون المفكرون تحت أنظار صفحات جريدتي ” اللوموند ” أو ” النوفيل أوبزيرفاتور” ، وعلى شاشات التلفزيون الفرنسية ، وعلى منصات الكوليج دي فرانس . وقلما نجد مخبأ من باريس كلها لأن القبول الأدبي علامة على القيمة الفكرية . فحالما يعرض الكاتب نفسه لهذا الجمهور تعصف به عندئذ قوة ذلك الجمهور . ولكي يتفادى المفكرون الباريسيون الإحراج يكونون تحت طائلة الضغط للبحث عن ملاذ لهم في ما هو غريب وجديد وهذا هو السبب وراء قلة شروحات الأدب الفرنسي والعلم الإنساني وغزارة شفراته (6) codes . وتعمل الابتكارية الأسلوبية والفكرية على حماية موقع المؤلف الثمين في مناخ ثقافي متأجج . ويشعر القراء الأجانب ، لا سيما الأميركان ، بهذا الأمر أولا . فنحن نكتشف ميرلو بونتي ، سارتر ، ليفي شتراوس ، التوسير ، غورفتش، بارت ، دريدا ، كرستيفا ، هنري ليفي ثم نندفع إلى باريس لزيارة هذه النُصُب لكننا لا نجد سوى الحجارة . فقد اكتسحتنا العاصفة نحن أيضاً ، والنجوم أفلتْ أو انتقلت إلى مجرة معجمية lexical أشد غرابة ، ولا أحد في باريس يرغب بالحديث عنها ، فقد وجد الفرنسيون أن اهتمامنا بالنصب التذكارية غريب تماما.
يعد فوكو جزءا من هذا الحقل . وعلى الرغم من أنه لم يفقد مكانته الأدبية في باريس حتى الآن ، يبدو أن مؤلفاته تحمل علامات ضغوطها . وربما كان هذا الأمر غريبا إلى الحد الذي جعل فوكو يحتفظ بهذه المكانة عشرين عاما ، أي منذ نشر كتابه ” تاريخ الجنون “(7) Histoire de la Folie في 1961 . ومع ذلك ، يوجد تفسير جوهري لغرابة فوكو . فهو قد حول شروط الفكر الباريسي المعقدة إلى منهج وضعي . لكن ينبغي لنا القول أن فوكو ليس ذا مزاج عابث . ومهما يكن حكمنا النهائي على عمله ، لابد من التشديد على أن فوكو يقصد الكتابة والعمل على النحو الذي يمارسه هو . وتؤكد نظريته الاجتماعية انتهاك الحدود المألوفة على نحو واضح.
فوكو الحدث : إن إطلاق اسم ” الحدث “event على فوكو لا يعني الاحتفاء به أو جعله أكثر مما هو عليه ، بل يعني دراسته بمصطلحاته الخاصة ، فهو يرفض التاريخ التقليدي للأحداث الكبرى (الحروب والمعاهدات والاتفاقيات الدبلوماسية ، وما إلى ذلك ) ويقترح بدلا منه تاريخا يضفي صفة الحياة على الفهم الاعتيادي للأحداث التاريخية . فنجده يهتم بالأحداث القليلة الشأن في التاريخ أكثر من اهتمامه بالأحداث الكبرى : إذ يعنى بالراويات المنسية ، بتقرير عن جريمة ما ، بقصة خنثوية ، بمشهد واحد من الأعمال الكاملة لماغريب (8) . فالحدث لا يقاس بما يحمله من معنى أو أهمية ، بل بمكانته في مجال القوة الاجتماعية . فهو بؤرة لقلب المصادفة Chance reversal : ” علينا أن نتقبل إدخال المصادفة بوصفها مقولة category في إنتاج الأحداث(9) ” . فحدث فوكو لا يشكل المصدر الآني للتغير ، بل هو اللحظة المنفصلة المحدودة حينما يتضح التحول . ولهذا السبب فإننا حينما نتحدث عن فوكو ، فإن الحدث لا يعني السؤال عن المعاني المهمة أو المقاصد الخاصة أو الكليات totalities الاجتماعية التي يمثلها الحدث ، بل ينبغي لنا أن نضع جانبا الأسئلة الاعتيادية المتعلقة بخلفية فوكو وتراثه ومصادره وتأثيراته ، وخط اتصاله وأهميته ومعناه الأعمق . بل لا يتطلب الأمر سوى وضع كتاباته في محل تكون فيها مختلفة ومحددة بخصوص ” شروط وجودها الخارجية (10) “.
يعد فوكو حدثا يمكن فيه رؤية الانقلابين اللذين حلاّ في الفكر الفرنسي مؤخرا ، وإن لم يكن هو السبب وراءهما ، ولا ممثل لهما تماما ، بل كان بمثابة المركز البؤري لهما . ومع ذلك يمكن أن نلحظ من اختلافه عن الحقول التي كان جزءا منها مدى تجسيد [عينية] concreteness موقفه والسمات العامة للحقل الذي اشترط هذا الموقف.
وقد مثلت الحركة البنيوية أول التحولين . إذ ظهر كتاب فوكو ” تاريخ الجنون ” 1961 في خضم الجدل البنيوي ، وكان عنفوان البنيوية واضحا في المدة المحصورة بين 1955 ( ” المدارات الحزينة ” Tristes Tropigues لليفي شتراوس) ومنتصف الستينيات ( من أجل ماركس ” For Marx لألتوسير 1966 ، و”علم الدلالة البنيوي “Structural Semantics لغريماس 1966 و”السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية ” Political Power and Social Classes لبولانترة 1968)(11) . وعلى الرغم من أن البنيوية شكلت حركة متعددة الجوانب ، ولا شك أنها كانت النشاط الفكري الوحيد المتميز آنذاك ، نجدها طرحت أسئلة فصلتها عن وجودية وظاهراتية phenomenology ما بعد الحرب العالمية الثانية تماما : هل أن التاريخ يقبل التحول إلى أفعال actions تقوم بها الذات التاريخية ؟ ألا تفسر اللغة العقل الإنساني أفضل من الوعي ؟ كيف تكون دراسة الإنسان علمية ؟ يبدو جليا تداخل الأسئلة وإجاباتها . واستطاعت البنيوية تحويل الفكر الفرنسي ضمن الأنشطة المتراوحة بين استخدام ليفي شتراوس للسانيات linguistics ياكوبسن في نقد النزعة التاريخية historicism الماركسية . لكن على حين غرة ، اكتنف الشك الذات التاريخية وميتافيزيقيا الوعي ، ومسألة إعلاء شأن الهرمنيوطيقا hermeneutics (12) في العلوم الإنسانية . وحلت محلها أسئلة مختلفة تماما : ألا تعد الذات نتاج القوى الاجتماعية ؟ ألا يمكن قراءة الوعي من اللغة ؟ ألا يمكن وجود علم شكلي ، شامل في الأقل ، للإنسان من دون التأويل interpretation أو اللغة ؟ ما معرفة الإنسان ؟ وهكذا نجد أنها نشرت تعاقبية synchrony سوسير بإزاء النزعة التاريخية ، وأعلت شأن اللغة على الذات المتكلمة بإزاء الظاهراتية ، وعادت إلى تحليل الشكل والعام بإزاء الهرمنيوطيقا.
كان فوكو حدثا ضمن هذا الجدل ، وطرح الأسئلة ذاتها إلا أنه رفض البنيوية قبل انصرام العقد(13) ، لأنه عمل في كتب تلك الحقبة ” تاريخ الجنون ” و ” الكلمات والأشياء” و ” حفريات المعرفة ” في المجال الفكري ذاته الذي عملت فيه البنيوية ، وإن لم يكن يحمل صفة البنيوي . وحدث التحول الثاني في الفكر الفرنسي الحديث داخل البنيوية ذاتها . فقد ظهرت البنيوية كتكيف من الداخل ، إلا أن الأمر تحول على نحو أنذر بنهايتها ، وما بين كتب دريدا الثلاث في 1967 ( ” الصوت والظاهرة “Speech and Phenomena و” الكتابة والاختلاف “ writing and Difference ” و ” في الغراماتولوجيا (14) “ Of Grammatology ) وكتاب دولوز وغواتاري ” نقيض أوديب : الرأسمالية والشيزوفرينيا ” Anti – Oedipus : Capitalism and Schizophrenia في 1072 ، وكتاب بورديو “نظرة في نظرية الممارسة “Outline of a Theory of Practice في 1973(15) ، جوبهت البنيوية في أضعف مواضعها : حيث تكمن آثار النزعة الإنسانية والتمركز حول الصوت phoncentrism عند سوسير وليفي شتراوس ، وعجز البنيوية عن تقديم تفسير سياسي للثقافات التاريخية ، ونزعتها الوضعية ، ولاسيما تغاضيها عن الذات الراغبة ، الممارسة . ولم يكن الانقطاع هنا واضحا على النحو الذي توضح فيه مع الوجودية . وأن ما يسمى بما بعد البنيوية قد سلَّم برفض البنيوية للميتافيزيقا واهتمامها باللغة والأدب ورفضها تحويل الإنسان إلى ذات مثالية . إلا أن هذه الحركة ما بعد البنيوية أفادت من الانبعاث اللاكاني(16) ، إلى حد ما ، ومن القراءات المستقلة لفرويد ونيتشه وماركس (وغيرهم) ، وتمكنت من إحياء قضايا الذاتية subjectivity والفعل التاريخي والممارسة . ولم تعد الذات تمثل ذاتية الوعي القديمة المتعالية ، بل أصبحت ذاتية الرغبة المتوسطة بين اللغة والأدب . وما عاد الفعل التاريخي يمثل مشاركة إنسانية بل صار سياسة الكتابة والجنون . وما عادت الممارسة تعبيراً عن المقاصد ، بل أصبحت استراتيجيات يحددها اتحاد القوى الاجتماعية والرغبة الإنسانية(17). وينبغي ألاّ نندهش إذا علمنا أن التحول الأخير أكدته سنة الثورة 1968 . ومن هذه اللحظة ، ما عاد بالإمكان التفكير ، على نحو تجريدي ، بالتعاقبات الجامدة ، بالإنسان التاريخي ، بالبنى الاجتماعية (بضمنها البنى اللسانية) بوصفها محددات ، أحادية الجانب ، للفعل الاجتماعي أو للذوات التي بلا رغبات أو التي لا تخشى تهديد الموت ، فإذا وضعت البنيوية حدا للبرالية الوجودية السرية فستمد الحركة ما بعد البنيوية حبالها إلى النزعة التجريدية abstractionism وإلغاء النزعة السياسية الكامنتين في البنيوية.
ولا شك في أن فوكو يُعد حدثاً في هذا التحول الثاني وقد وضح في كلمته الافتتاحية التي ألقاها في الكوليج دي فرانس ، دور النقد في الدراسات التاريخية (18). إلا إنه كان بعد ذلك ، أي في ” المراقبة والمعاقبة ” 1975 و ” تاريخ الجنس ” 1976 ، حذرا في محو آثار نظرية السلطة التحديدية غير المباشرة كلها . إذ ما عادت السلطة تأتي من الأعلى ، أي ما عادت تمثل فعل البنى الإقصائي على الأفراد ، بل صارت سيرورة محايثة immanent process مرتبطة بالمعرفة والخطاب بإحكام ، وتعمل بصفة تقنية على مستويات المجتمع كافة(19). وكان الفرد الراغب نتاجا للجنس ومنتجا له . ولم يكن الفكر السياسي الحَكَم الذي يتحدث إلى الجماهير وينوب عنهم ، بل أصبح الفكر العيني الذي يشترك في دراسات إقليمية (20) . لكن علينا توخي الحذر من احتمال إثارة جدل يشترك به فوكو مع نفسه . إذ لا يوجد فوكو مبكر وفوكو متأخر بالمعنى الذي اكتشف فيه فوكو ، بعد 1970 ، كلية وجود السلطة وسياسة الحقيقة [ أي أنها موجودة في كل زمان ومكان ]. فمنذ البداية كان ثمة نيتشه وباتيل وآرتو وفرويد(21). فلو لم يتغير فوكو ، لكان قد تميز بأحداث 1968 ، في الأقل . وهذا لا يعني أن فوكو ، الحدث ، بنيوي وما بعد بنيوي ، وإن كان لا يمثلهما معاً . فهو حادث في هذه التحولات إلا إنه يحتفظ بخصوصيته على الرغم من ذلك ومثلما إن هذين الانقلابين كانا أعظم من فوكو ، كان هو ، بالمقابل ، يزيد من وقعهما . وقد أفرزت هذه التحولات قضايا التاريخ واللغة والمعرفة ، وأخيراً ، السياسة . وكاد فوكو أن يكون حدثاً في عصره إلا إنه يشكل ، إلى جانب تلك القوى ، أعضاء في سلسلة الأحداث ، أي السلسلة التي سبقت البنيوية والتي لا شك في أنها سوف تدوم بعد زوال ما بعد البنيوية.
وهكذا ، لا نستطيع التحدث عن خلفية فوكو ، بل عن مكانه ، بوصفه حدثا في السلسلة التي تظهر كقوى فكرية . ويرى فوكو أن قضية التاريخ من وضع ماركس ونيتشه ومؤرخي ” الحوليات “ Annals .
كما يرى أن قضية المعرفة طرحها ، إلى حد كبير ، باشلار وكانغيلم ، وغيرهم بينما طرح قضية اللغة باتاي وبلانشو وآرتو ونيتشه وفرويد ، فحينما تقرأ فوكو تصل إلى سلسلة أسماء ، كتلك المذكورة آنفا . وتتباين هذه السلسلة وتتداخل عناصرها ، ولا تمثل هذه الأسماء مصادر فوكو ، بل هي طبقات متنوعة من الأحداث التي يعد فوكو عضوا ملائما فيها.
فنحن إذا بدأنا بتسميات مألوفة ماركسية ، بنيوية ، سيميائية ثم ننبذها ، فإن هذا يعني الدخول في غرابة عينية فوكو ، فالأحداث العينية المتجسدة ، ضمن خصوصيتها ، تكون مألوفة أقل من الرموز التي نحاول تنظيم الأحداث من خلالها . ولا شك في أن فوكو يتميز بالماركسية والبنيوية والسيمياء إلا أن خصوصيته تبرز في تداخل هذا الاتجاهات معا والإسراف فيها ، أي في طريقته التي يستجيب فيها إلى قضايا التاريخ والمعرفة واللغة.
التاريخ : إذا اعتمدنا على المألوف ، يبدو فوكو ماركسيا عندئذ . فهو يُعرف ماركس بأنه نقطة التحول الحاسمة في المنهج التاريخي (22) . فماركس هو قائد المنهج التفسيري الوضعي ومحرره من الإطار الأخلاقي (23) . ويشير فوكو في ” المراقبة والعاقبة ” بتحليل ماركس لرأس المال الثابت والمتغير في كتابه ” رأس المال “ Capital الجزء الأول لغرض توضيح السجن الحديث بوصفه أداة السلطة الانضباطية ” . والحقيقة أن من غير الممكن الفصل بين عمليتي تراكم البشر وتراكم رأس المال ، ولعله كان من المتعذر حل مشكلة تراكم البشر من دون تطور أدوات الإنتاج القادرة على الإبقاء على هاتين العمليتين واستخدامهما . وعلى العكس من ذلك ، أدت التقنيات ، التي جعلت من كثرة البشر التراكمية مفيدة ، إلى تصعيد رأس المال “(24). وهذه واحدة من أبرز إشاراته إلى منهج ماركس ولا توجد أية إشارة غيرها . كما أن سجن المجانين في المصحات asylums ، في كتابه ” تاريخ الجنون ” ، والفقراء في العيادة التعليمية ، في كتابه ” مولد العيادة ” ، كلاهما مرتبط بنظرية العلامات الإنتاجية وإيجاد العمالة الفائضة واقتصاد الفقر السياسي . وقد اختلفت المصحة عن أشكال السجن الأخرى عند النقطة التي ” أصبح فيها الفقر ظاهرة اقتصادية”(25) ولهذا السبب ، مع حلول القرن التاسع عشر تم فصل المجانين عن الفقراء والعاطلين غير المنتجين ، واحتاج الفقراء إلى معامله خاصة لأنهم كانوا يمثلون الفئات السكانية غير المنتجة على نحو يتعذر تغييره . وهنا ظهرت المصحة الحديثة ، وظهرت معها بداية علم النفس الإصلاحي الحديث. وعلى هذا الغرار ولد المستشفى التعليمي مع ظهور العصر اللبرالي من أجل الإفادة من أجساد الفقراء.
” لقد مثلت هذه الأحداث بنود العقد الذي اشترك فيه الأغنياء والفقراء لتنظيم التجربة العياداتية [الإكلينيكية] . ومع نظام الحرية الاقتصادية وجدت المستشفى طريقة لفائدة الأغنياء ، إذ أن العيادة تشكل الانقلاب التقدمي للطرف الآخر في العقد . فهي تمثل الفائدة التي يدفعها الفقراء على رأس المال الذي وافق الأغنياء على استثماره في المستشفى … فتحديقة gaze الطبيب تعد ادخاراً saving صغيراً جدا في تبادلات العالم اللبرالي المحسوبة(26).
وفي ” تاريخ الجنس” ارتبطت الميكانزمات الاجتماعية الخاصة بالانضباط وتنظيم الجنس بالاقتصاد السياسي الذي يحتاج الأجساد من أجل قوة العمل . ” إذ أن مسألة تكييف تراكم البشر مع تراكم رأس المال ، ربط نمو الجماعات البشرية بتوسع الإنتاجية والتخصيص المتفاوت للربح ، أصبحت ممكنة إلى حد ما ، من خلال ممارسة نهج القوة الحياتية بمختلف أشكاله وأنماطه التطبيقية(27) “. لكن الأعم من ذلك هو أن المرء كثيرا ما يشعر بوجود صلة حميمة مع ماركس في نقد فوكو المتواصل للقرن التاسع عشر ، ذلك النقد الذي قدمه على نحو مدمر في إعلانه الشهير في ” الكلمات والأشياء ” عن موت اللبرالي . ويبدو تاريخ فوكو ماركسيا جدا في مفرداته كما في منهجه ، لكننا نجده يحافظ ، على الرغم من ذلك ، على المسافة التي تفصله عن ماركس.
” أنا أرى أن ثمة لعبة من نوع ما تخص بما أقوم به . فأنا كثيراً ما اقتبس من ماركس مفاهيم ونصوصا وعبارات من دون أن أشعر بأني مضطر إلى إضافة هامش محقق أو عبارة إطراء تصاحب اقتباسي . لأنك إذا فعلت ذلك سيشار إليك بوصفك شخصا يعرف ماركس ويعكسه وستكون موضع تبجيل ما يسمى الماركسية . إلا أني اقتبس من ماركس من دون أن أقول أني اقتبس منه ، ومن دون أن أضع علامات الاقتباس
ونظرا إلى عجز الناس عن التعرف إلى نصوص ماركس ، تراهم يعدونني شخصا لا يقتبس من ماركس . فهل يشعر الفيزيائي بضرورة الاقتباس من نيوتن وانينشتاين حينما يكتب بحثا في الفيزياء ؟ يستحيل ، في الوقت الراهن ، كتابة التاريخ من دون استخدام سلسلة كاملة من المفاهيم التي ترتبط بفكر ماركس ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، والتحليق في أفق الفكر الذي عرفه ماركس ووصفه . وقد يتساءل المرء عن الاختلاف الذي قد يظهر بين كون المرء مؤرخا وكونه ماركسيا(28)”.
ولم يتمكن فوكو من تعيين هويته بوصفه ماركسيا مثلما إنه لم يتمكن من الانفصال عن الماركسية الفرنسية بوضوح أكبر وانحراف أكثر . وهذا أمر معتاد بالنسبة لمنهج فوكو ، فهو ليس ماركسيا وليس لا ماركسيا بل كليهما معا . وهكذا تجده يهاجم الشيوعية والنزعة الاقتصادية (29) . فقد تمثل التحول الأساس في فكره ، أي ظهور مفهوم سلطة المعرفة في كتابه ” المراقبة والمعاقبة “، بنقد النزعة الاقتصادية الماركسية والتحليل الطبقي التقليدي . فالسلطة ، بوصفها سلطة معرفة ، لا تمثل هيمنة الطبقات الحاكمة.
” إن السلطة تصدر من الأسفل ، أي ليس ثمة تعارض ثنائي وشمولي بين الحكام والمحكومين من جهة ، وأصل علاقات السلطة من جهة أخرى ... بل ينبغي لنا أن نفترض أن علاقات القوة المتعددة التي تتخذ شكلها وتبدي فعلها في آلية الإنتاج والعائلات والجماعات المحدودة والمؤسسات تشكل الأساس الذي تقف عليه آثار الانقسام الواسع المدى الذي يظهر على الهيكل الاجتماعي كله (30) “.
لاشك أن مرد هذا الاكتشاف قناعة راسخة تتخلل عمله كله .” لنوضح القضية على النحو الآتي : يتمتع السجن النفسي ، والتطبيق السايكولوجي للأفراد ، والمؤسسات الجزائية بأهمية محدودة إذا ما نظرنا إلى دلالتها الاقتصادية ، إلا أنها تكون أساسية ولا ريب ضمن السياق العام لآلية السلطة (31) “.
ويعد فوكو ماركسيا واكثر من ماركسي . وهذا هو السبب وراء لا جدوى الحديث عن مصادر . فهو لا ينتمي للتراث بل يعمل بالمادة الخام الخاصة بالحاضر ، بالأحداث الخطابية الحاسمة . إذ إنه لا يكتب ضمن تراث ماركس بل أرجأ التفكير فيه بعد ماركس . ولهذا فهو يرى أن مواجهة التاريخ تتأتى من مفهوم اللامفكر فيه unthought (32) والمستحيل التفكير فيه unthinkable في الماركسية ، ومن مفهوم اللامفكر فيه في تراثين تاريخيين فرنسيين : ” حوليات ” التاريخ الاجتماعي وتاريخ العلم الباشلاري . وهو يرى أن النهج التاريخي محصور في الفضاء الواقع بين فكرتين : التاريخ الطويل الأمد والانفصال discontinuity . الأولى معروفة جيدا في الفكر الفرنسي المعاصر وفي كتاب فرناند برودل ” المدة الطويلة ” La longue duree ، والأخرى معروفة في كتاب لويس التوسير ” القطيعة الابستمولوجية ” coupure epistemologique (33) وكلا الفكرتين لهما سوابق : مارك بلوش ولويس فيفر في قضية برودل وغاستو باشلار وجورج كانغيلم في قضية التوسير . وتلتقي البنى المستقرة والانفصالات والتاريخ الطويل الأمد وتاريخ القطائع raptures عند فوكو . ويُقصَد بالالتقاء هنا أنها تشكل مجموعة جديدة من القضايا للتاريخ (34) . ويتحدى فوكو مفهومي السببية والاتصال في التاريخ التقليدي بصورة خاصة . ويكمن خلف هذين المفهومين بديهة مثالية تخص التاريخ المعنوي . وباختصار نقول إن فوكو يعمل بين ” الحوليات ” وباشلار ويقدم نقدا ماديا للتاريخ الميتافيزيقي وللتواريخ التي تفترض قوة سببية بين عظماء الناس أو الحضارات أو الأحداث ، أو تفترض ، بدلا من ذلك ، اتصالا ذا معنى يرتكز على اللوغوس المتعالي . لهذا السبب ينظر فوكو إلى التاريخ بوصفه ” يحول الوثائق إلى نُصُب تذكارية “(35). ولا ينبغي تأويل وثيقة المؤرخ لكشف أسرار المقاصد الإنسانية ، بل أنها تتحول إلى نصب تذكاري جامد ينبغي ربطه بالنصوص بصورة مادية.
وبناءً على ما سبق ، يعد منهج فوكو مدينا بالكثير لنقد ” الحوليات ” لموضوع ” التاريخ التوثيقي”. ولا تدرس الأحداث الإنسانية الكبرى إلا ضمن السياق الأوسع للبنى المادية والاقتصادية الطويلة الأمد . فكتاب برودل “البحر المتوسط ” (36) ، مثلاً ، يقع في ثلاثة أجزاء : “دور البيئة ” ، وهو يمثل دراسة للجبال والسهول والأنهار والمسالك البحرية والمناخ ، و”المصائر الجماعية ” وهو يمثل تاريخ اقتصادي لمنطقة البحر المتوسط ، و ” الأحداث والسياسية والناس ” . وتوضح الأحداث الاجتماعية والسياسية إلى جانب البنى المادية والاقتصادية والطويلة الأمد . ولا يسير التاريخ على طول المسار الخطي للفعل الإنساني لأن الإنسان مشروط بالعالم المادي . ولذلك يعد منهج برودل وثيق الصلة بالموضوع إلا أن كتاب ” البحر المتوسط ” دراسة تذكارية في أرشيفات أوربا كلها . وقد تم أخذ الحسابات الإحصائية والبيانات الملاحية والخرائط القديمة والتقارير الزراعية ، وغيرها من الوثائق ( الرئيسة والثانوية ) ، وقسمت إلى أجزاء ثم رتبت في سلسلة . فالخارطة تكون ضمن سلسلة إلى جانب البيانات الإحصائية وتقارير الرعي وحقائق المناخ . كما لا تمثل الهجرة طريقة حياة حسب ، بل هي أحداث تقع ضمن بنى طويلة الأمد يُعاد بناؤها من الوثائق . ولا تتشكل السببية في التاريخ من حدث إنساني معين لتتحول إلى حدث آخر ، بل من الحدس بالقوى المادية الاقتصادية والاجتماعية . ولا يسير التاريخ عبر الزمن بل يكون في زمن الديمومة . وفي النهاية يكون الزمن متماكنا.
لقد ترك منهج ” الحوليات ” بصماته على فوكو ، إذ ترتبط الحوليات الاستطرادية بحقولها الاستطرادية في ” حفريات المعرفة ” ويرتبط النحو العام ، وهو حدث في معرفة المنطق واللغة ، بالاستيمية [الوحدة المعرفية] المسطحة للعصر الكلاسي في ” الكلمات والأشياء ” . وتم تفسير السجن في ” تاريخ الجنون ” و ” المراقبة والمعاقبة ” بأنه راجع إلى الدوافع الاقتصادية للرأسمالية المبكرة ، أما في “مولد العيادة ” فقد ارتبطت مراقبة الجسد بالتحولات الحاصلة في بنى العصر اللبرالي في مطلع القرن التاسع عشر ، إذ أصبحت البنية تفسر الأحداث الإنسانية . إلا أن بنى فوكو ليست ستاتيكية ، فهو لا يضع التحليل الزماني موضع التحليل المكاني ، كما أن الحفريات “لا تحاول تجميد الزمن واستبدال تدفق أحداثه بالارتباطات التي تحدد الشكل الساكن “(37) ، وتجده ، بدلا من ذلك ، يرفض ميتافيزيقا الزمن الإنساني السرية ويسمح لطبقات التشكل الاجتماعي كلها بتكوين أزمنتها الخاصة . وبذا ، يمكن أن يحصل تكرار وعودة وانفصال تماما مثل امكانية وجود اتصال . ولهذا السبب لا يتحدث فوكو عن التغيير الاجتماعي ، بل عن التحول(38) . وما عاد التاريخ يمثل قضية تقدم ، بل إعادة ترتيب للعلاقات بين قوى عدة مادية ، اقتصادية اجتماعية تتوسط عملية التشكل الاجتماعي.
هوامش :
* هذا الفصل مترجم عن كتاب “ميشيل فوكو : النظرية الاجتماعية بوصفها انتهاكاً” Social Theory as Transgression تأليف : تشارلز ليمرت و غارت غيلان Charles Lemert and Gart Gillan . ( المترجمة )
1- فوكو ، ” الكلمات والأشياء ” ، ص 21 26 .
2- ينظر دراسة فوكو السميولوجية للوحة مارغيت ( 1973 أ ) وعرضه لكتاب ج . ب بريزة ” علم النحو المنطقي ” ( 1970 ) ... الخ .
3- فوكو ، ” الحقيقة والسلطة ” (1977أ ) ، وهناك الكثير من المناقشات لفوكو عن السياسة في ” عن اتيكا” (1974 أ) ، ” السلطة والجنس ” ( 197 غ ) ومختلف المقالات والترجمات التي جمعها دونالد بوشار في تحريره لكتاب ” اللغة والذاكرة المضادة والممارسة ” .
4- ينظر :عن بلانشو ” اللغة إلى التناهي ” ( 1963غ) ، وعن فلوبير ( فنطازيا المكتبة ” ( 1967 ج ) .. الخ.
5- لمعرفة اثر باريس على المفكرين الفرنسيين ينظر : تشارلز ليمرت ” قراءة في علم الاجتماع الفرنسي ” (نيويورك : مطبعة جامعة كولومبيا ، 1981 ) .
6- ان كتابات فوكو مثال واضح على ذلك ، وتحديدا : “ حفريات المعرفة ” ( 1969 أ ) .
7- في الحقيقة ، كان أول كتاب لفوكو يحمل عنوان ” المرض العقلي والشخصية ” ( باريس : مطبعة جامعة فرنسا ، 1954 ) الذي تم تنقيحه وأعيد صياغة عنوانه في 1962 وتُرجم إلى المرض العقلي والسايكولوجيا ( نيويورك : هاربر ورو ، 1976 ) . أما اعظم أعماله الأولى فهو ” تاريخ الجنون في العصر الكلاسي ” ( 1961 أ ) .
8- ينظر مناقشة فوكو للأحداث المهملة في : حديث السجن ( 1975 ج ) وتاريخ الجنس الجزء الأول (1976أ) ، (1980ء ) ، ” أنا بيير ريفيير قتلت أمي وأختي وأخي ” ( 1973 ب) (1973أ)
9- فوكو ، ” خطاب في اللغة ” (1971)، في ” حفريات المعرفة ” ص 231 .
10- فوكو ، ” حفريات المعرفة “ص 229 .
11- كلود ليفي شتراوس ، ” المدارات الحزينة ” ، لويس التوسير ” من اجل ماركس ، أ . ج . غريماس “علم الدلالة البنيوي ” ، بولانتزة ، نيكولاس ” السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية ” .
12- الهرمنيوطيقا Hermeneutics اسم لفلسفة ألمانية عريقة فرضت نفسها في أوساط الفكر الفلسفي العالمي . ويشير أصل هذه الكلمة إلى صلتها الواضحة بهرمس Hermes رسول الآلهة عند الإغريق الذي أنيطت به مهمة فهم وتأويل ما تريد الآلهة نقله للبشر . ومن دلالة هرمس الأصلية صار هرمس نفسه مفهوماً يرمز إلى الوسيط بين الآلهة والبشر، فقد كان يوضح أفكار الآلهة ، ويترجم اللامتناهي إلى المتناهي؛ ولهذا السبب كان لوجوده دلالة لأنه يشير إلى التحليل والقياس والتخصيص ويُعزى له اكتشاف كل ما أصبح مفهوماً ، ولا سيما اللغة والأدب . وقد استعمل المصطلح في البدء في ” محاورات أفلاطون ” ، إذ أطلق على الشعراء تسمية hermenes ton theon أي مفسريّ الآلهة . ثم استعمله أرسطو في كتابه Per Hermeneias (أي الهرمنيوطيقا ) الذي ترجم إلى الإنكليزية On Interpretation ( في التأويل ) . وكان هدف التأويل يتمثل باكتشاف حقائق وقيم العهدين القديم والجديد من خلال اللجوء إلى مختلف الوسائل والمبادئ ، بمعنى أن الهدف هو الوصول إلى الحقائق القيم الإنجيلية بواسطة التفسير النزيه . وهكذا يتمثل حقل الهرمنيوطيقا بالكشف عن عدد من التأويلات المختلفة لنص معين ، تبعاً للافتراضات التفسيرية والتقنيات التي تم تطبيقها عليه . وقد أصبحت الهرمنيوطيقا حقلاً مهماً مارس تأثيراً كبيراً في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة لدورها الفاعل في نظريات مختلف الحقول النقدية ومنهجياتها. وتنامى الاهتمام بالهرمنيوطيقا في العقود الأخيرة ، كما أخذ استعمال هذا المصطلح وتفرعاته يتزايد يوما بعد يوم على يد ممثلي العلوم الاجتماعية والإنسانية . واليوم يشير مصطلح ” هرمنيوطيقا ” إلى الاهتمام الذي تشترك به حقول واسعة النطاق ، مثل الفلسفة ، السوسيولوجيا ، التاريخ ، اللاهوت ، السايكولوجيا ، الفقه ، النقد الأدبي ، والإنسانيات عموماً . كما يمكن تعريفها بأنها نظرية تأويل أو فلسفة تأويل المعنى . وقد ظهرت بصفة موضوع مركزي في فلسفة العلوم الاجتماعية وفلسفة الفن وفلسفة اللغة وفي النقد الأدبي بصورة خاصة . ( المترجمة )
13- فوكو ، ” حفريات المعرفة ” 15 .
14- يُعرف جاك دريدا هذا المصطلح في كتابه ” في الغراماتولوجيا ” [في علم الكتابة] بأنه دراسة للأدب ولحروف الهجاء ولمقاطع الكلمات والقراءة والكتابة ” قائلاً إنه يستند في ذلك إلى تعريف ليتريه Littre ، وأنه لم يعثر على هذا المصطلح في هذا القرن إلا في كتاب غيلب Gelb الذي يحمل عنوان ” درس في الكتابة : أسس الغراماتولوجيا ” A Study of Writing: The Foundations of Grammatology (1952) /د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة / وسيرمز له المؤلف بالرمز OG (المترجمة).
15- جاك دريدا ” الصوت والظاهرة ” ، وكتب أخرى ، دولوز وغواتاري ” نقيض أوديب : الرأسمالية والشيزوفرينيا ” ، بورديو ” نظرة في نظرية الممارسة ” .
16- ينظر : توركل ” علم السياسة السايكوتحليلي ” .
17- لمناقشة هذه الأحداث وعلاقتها بالتغيرات الطارئة على علم الاجتماع ، ينظر : ليمرت ” علم الاجتماع الفرنسي ” ، المقالة الأولى .
18- فوكو ،” خطاب في اللغة “، ص 232 233 .
19- فوكو،” تاريخ الجنس “، ص 92 102 ، وسنشير من الآن إلى الجزء الأول من هذا الكتاب .
20- فوكو ،” الحقيقة والسلطة ” ( 1977أ) ص 301 307 ، اما بخصوص المكانة النظرية للفرد بوصفه ذات السلطة والتحول التاريخي ، ينظر ” اعترافات جسد” ( 1977) ص 23 .
21- فوكو ، ” المرض العقلي والسايكولوجيا ” ( 1954 أ ) ، ص 86 88
22- فوكو ،” في تاريخ الكتابة ” ( 1967 )
23- فوكو ، ” السلطة والجنس ” ( 1977غ) ص 153 .
24- فوكو ، ” المراقبة والمعاقبة : مولد السجن ” ( 1975 أ ) ص 221 ، قارنها مع ص 218 224 .
25- فوكو ، ” تاريخ الجنون ” ص 229 .
26- فوكو ، ” مولد العيادة ” ( 1963 ب) ص 85 .
27- فوكو ،” تاريخ الجنس ” ( 1976 أ ) ص 141 .
28- فوكو ، ” حديث السجن ” ( 1975 ج) ص 15 ، أما المادة التي أوردناها في هذه المقالة فهي ترجمة المؤلف لطبعة 1975 ج .
29- المصدر نفسه ص 15 ، و” الحقيقة والسلطة ” ( 1977 أ ) ص 294 295 .
30- فوكو ، ” تاريخ الجنس” ( 1976 أ ) ص 94 .
31- فوكو ، ” الحقيقة والسلطة ” ( 1977 ء ) ص 298 .
32- للاطلاع على مناقشة فوكو لمفهوم ” اللامفكر فيه ” ، ينظر : ” الكلمات والأشياء ” ص 322 328 و الجزء الأول .
33- فرناند برودل ، ” البحر المتوسط ” ( جزأين ، نيويورك : هاربر ورو ، 1972 ) ص 11 24 ، وينبغي على القارئ ان يلاحظ هنا اننا لا نتحدث عن تأثيرات شخصية مباشرة على فوكو لانه شخصيا مدين كثيرا لثلاثة معلمين جان هيبوليت وجورج دوميزي وجورج كانغيلم ( ينظر : خطاب في اللغة ( 1971 ) ص235 237 ).
34- فوكو ، ” حفريات المعرفة ” ( 1969 ) ص 3 10 .
35- المصدر نفسه ص 7 .
36- برودل ” البحر المتوسط ” الجزأين الأول والثاني .
37- فوكو، ” حفريات المعرفة ” ص 169 .
38- المصدر نفسه 166 167 .


5
تحليلُ قصيدة "بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ"!  للشاعرة آمال عوّاد رضوان
بقلم الناقد د. عبد المجيد جابر اطميزة
أوّلًا: النّصّ
مهداة إلى شرقِنا اليتسربلُ برفيرَ غُروبٍ/ في مهرجانٍ دمويٍّ ليسَ يُحَدُّ!
بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ!

مَذْهُولًا..
تَقَافَزَ بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ
يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي
وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي
تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ
كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيحِ!
*****
خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ .. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ
غَــيَّــبَـــنِــي
فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ
مَجْبُولٍ؛
بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ
بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ
وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ .. تَكَلَّسَ
عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!
*****
كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ
قُرْصُ فَرَاغِكِ
أَ شَ عَّ نِ ي
بَتلاَتِ مَسٍّ مُقَدَّسٍ
يَلْجُمُ .. ثَرْثَرَةَ لِسَانِي الثَّقِيلِ!
*****
يَا مَنْ بِقَبْضَةِ فَقْدِكِ .. الْمَسْفُوكِ بِي
أَرْخَيْتِ .. صَمْتَ إِغْرَائِكِ
عَلَى ثَغْرِ غَدٍ حَالِمٍ
كَمْ غَفَا
بِشِرْيَانِ وَرْدِكِ النَّرْجِسِيِّ!
*****
كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي
وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ
تَــتَـــهَـــجَّــــى
مَبَاهِجَ غُمُوضِكِ؟
*****
أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ
يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني
أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ
يَرْتَسِمُ عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ؟
إلامَ
أَ
قْ
طُ
رُ
نِ
ي
رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ
عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي
لِأَطْـــفُــــــوَ هَـــــشِـــــيـــــمًا
عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟
*****
أَمَا لِلْغَدِ عَيْنُ حَيَاةٍ
تُذْعِنُ لِدُخَانِ الذُّنُوبِ؟
*****
أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ .. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ
حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي!
تَـــــجَـــــلْـــــبَــــبِــــي
بِوِشَايةِ بَحْرٍ
وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيِّ
غَـــيْـــبُــــوبَـــــتِــــي
وَدَعِينِي .. أتَخَايَلُ مُخْتَالاً
لأَمِـــــــيــــــــــسَ
فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!
*****
نُبُوءَاتُ نَقَائِكِ النَّدِيَّةُ .. جَدَاوِلُ
تُــزَمْـــــزِمُـــــــنِـــــــي
تُـــغـــافِـــــلُ
بَلاَهَةَ مَوَائِدِي الْمُوحَشَة
تُــــــكَـــــــــمِّـــــــمُ
أَفْوَاهَ أَشْبَاحِ مَوَاقِدِي الذَّاهِلَة
وَتَـــخْــــتَــــلِـــسُـــنِي
مَشَارِفُ الارْتِجَافِ الْمَثْلُومَة
بِـــــــــوَاااااااابِـــــــلٍ
مِنْ قُبَلٍ مُتَبَتِّلَةٍ
تُـــــعَــــسْــــــعِــــــسُ
سَحَابَ صَلَوَاتِي الْفَاتِرَة
بمِشْطِ لَوَاعِجِ سَمَاوَاتِكِ!
*****
أَكَأَنَّمَا
تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء
ضَفَائِرَ ضَوْءٍ
يُـــنَــــمّــــِشُــــــنِـــي
بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟
أَتُـــمَـــهْـــرِجُــــنِــــي
بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ؟
من الديوان الشعري الثالث (رِحْلَةٌ إِلَى عُنْوَانٍ مَفْقُودٍ)
ثانيًا: تحليلُ القصيدةِ
الإهداء: تستهلُّ الشاعرةُ قصيدتَها بقولِها: مُهداةٌ إلى شرقِنا اليتسربلُ برفيرَ غُروبٍ/ في مهرجانٍ دمويٍّ ليسَ يُحَدُّ!
مَذْهُولًا../ تَقَافَزَ بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ/ يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي/ وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي/ تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ/ كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيحِ!
العنوان: بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ!
وتُهديها الشاعرةُ إلى شرقِنا الّذي يتسربلُ الدّماءَ، والعنوانُ مُعبّرٌ ودالٌّ على محتوى القصيدة، و"البرفير" لونٌ مُركّبٌ مِن الأحمرِ والأزرق، ولْنتفكَّرْ معًا في ساعةِ الغروب، وصورةُ ساعةِ الغروب في أيّ مجتمعٍ، تسلِبُ الألبابَ بروعةِ جمالِها، حيثُ يلتقي اللونُ الأحمرُ المُتمثّلُ في النورِ والضياءِ المُنبعثِ مِن أشعّةِ الشمس، مع زرقةِ لونِ السماءِ الصافيةِ ببهائِها وروْنقِها، فتنبثقُ صورةٌ جماليّةٌ ساحرة، لكن في بلادِنا وفي شرقِنا ويا للأسف! تتشكّلُ صورةٌ مغايرةٌ، تتكوّنُ مِن اتّحادِ اللونِ الأحمرِ المُنبعثِ من نورِ الشمسِ مع لونِ زرقةِ السماء، ليتشكّلَ لونٌ أرجوانيٌّ، هو لونُ جريانِ الدمِ والقتلِ والفجيعة.
ولعلّ شاعرتَنا تقصدُ بالبرفير اللباسَ المُلوكيَّ (الأرجوانيّ والأزرق)، الّذي ألبَسَهُ اليهودُ للسيّدِ المسيح قبلَ صلبِهِ، (برفيرًا كاذبًا تَسربلَ)، وتَوّجوا رأسَهُ بإكليلِ الشوكِ، مِن أجلِ أن يَسخروا منه قائلين: يسوع الناصريّ مَلكُ اليهود! وهنا تناصٌّ دينيٌّ يَتقاطعُ عمّا جاء في الإنجيل.
وترمزُ بالغروب بألوانِهِ الذهبيّةِ الحمراءِ المُتداخلةِ الرومانسيّةِ وقتَ العشّاقِ والحالِمينَ مِن اليهود، يحلمونَ بأرضِ فلسطين، ويرَوْنَ أنّها أرضُ السّمنِ والعسل.. والغروبُ وقتَ اختفاءِ الشمسِ خلفَ الأفقِ؛ لتنتقلَ إلى الطرفِ الآخرِ مِن الكرةِ الأرضيّةِ، والغرباءُ همُ اليهود القادمونَ الجُدُدُ مِن أصقاعِ الأرض والغربِ إلى فلسطين، الّذين وفدوا إلى فلسطين، لبناءِ صرح المملكة اليهوديّةِ على أنقاض شعب فلسطين.
وتحرصُ شاعرتُنا على توظيفِ اللونِ في عنوان القصيدة، "إنّ الصورَ والألوانَ تنطلقُ مِن جوانيّةِ الشاعر، وخبرتِهِ البصريّة، ووعيِهِ التاريخيّ، وحفريّاتِهِ الأسطوريّة، وتجربتِهِ النقديّة، وتجوالِهِ ومشاهداتِهِ التشکيليّة، وتتنوّعُ اهتماماتُهُ بينَ الفنون، بحيث تصبحُ الصورةُ ليستْ مجرّدَ أداةٍ للمعرفةِ فحسْب، وإنّما أداة للحرّيّة أيضًا"(1).
فالحرّيّةُ في شرقِنا بعيدةُ المَنال، ويُعدُّ اللونُ الأحمرُ مِن أوائلِ الألوانِ الّتي عرفَها الإنسانُ في الطبيعة، "فهو مِنَ الألوانِ الساخنةِ المُستمَدّةِ مِن وهجِ الشمسِ واشتعالِ النارِ والحرارةِ الشديدة، وهو مِن أطولِ الموجاتِ الضوئيّة"(2)، وهو لونُ البهجةِ والحزن، ولونُ العنفِ ولونُ المَرَحِ والحزن، ومِن أکثرِ سِماتِ هذا اللون ارتباطُهُ بالدم، فهو لونٌ مُخيفٌ نفسيًّا ومقدّسٌ دينيًّا.،ويرمزُ الأحمرُ في الدياناتِ الغربيّةِ إلى التضحياتِ في سبيلِ المبدأ والدين، وهو رمزٌ لجهنّمَ في کثيرٍ مِن الدياناتِ، ويرمزُ اللونُ الأحمرُ عندَ الهندوس إلى الحياةِ والبهجة، وله علاقةٌ بالدمِ عندَ ولادةِ الطفلِ وتَدفُّقِ الدماءِ، وبعضُ القبائلِ تُلطّخُ المولودَ بالدم، حتى يکون له فرصةٌ في العيش مدّة طويلة (3).
يُعتبرُ العنوانُ علامةً دالّةً على النصّ، تتصدّرُهُ، وتُعرّفُهُ، وتُؤطّرُ كيانَهُ اللغويَّ والدلاليّ، بل هو بمثابةِ لافتةٍ إيضاحيّة تُضيءُ مدلولاته، وتكشفُ إيحاءاتِهِ، "فالعنوانُ هو المفتاحُ الذهبيُّ إلى شفرةِ التشكيل، أو الإشارة الأولى الّتي يُرسلُها المبدعُ إلى المتلقي"(4).
وتحرصُ شاعرتُنا في انتقائِها للكلماتِ لتتشكّلَ اللغةَ الشعريّة، "إنّ الكشفَ عن الجوانب الجديدةِ في الحياة، يستتبعُ بالضـرورةِ الكشفَ عن لغةٍ جديدة"(5).
ويحرصُ الشعراءُ على لغتِهم، "فمنزلُ اللغةِ كمنزلةِ الكائن البشريّ، وهي مـرآةُ فكرِ الشاعر، يلجأُ إليها لتأكيدِ وجودِه، وينطلقُ بها لتحقيقِ رغباتِه"(6).
"يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي/ وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي/ تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ/ كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيح"!
الصهيونيُّ قدِمَ إلى فلسطين ببراءةِ الأطفال، مُخفِيًا أحلامَهُ بتأسيسِ وطنٍ قوميّ لهُ على حساب شعب فلسطين. وتتوالى الصورُ الشعريّةُ: فللغربةِ حذاءٌ يجمعُ بأطرافِ أصابعِهِ أو لهُ وثبةٌ كالكائنِ الحيّ، وللغصّةِ شِعابٌ، ولملامحِ الفجرِ طفولةٌ وبراءة، وللخطوِ فصاحةٌ، والسطرُ كنايةٌ عن براءةِ اليهوديّ عندَ مَقدَمِهِ لفلسطين، رغم إخفائِهِ هدفَهُ الحقيقيّ، وعدمِ مَقدرتِهِ على إخفائه!
النصُّ يَزخرُ بألفاظِ الغربةِ والضياع: "بِرْفِيرُ، غُرُوبِكِ، مَذْهُولًا، غُرْبَتِي، غصَّة، اضْمِحْلاَلِي، أَخْفَقَ" .. وتجربةُ الغربةِ والضياع، والكلامُ يَجيءُ على لسانِ الفلسطينيّ المُعذَّب.
وِمن السّماتِ المُتلازمةِ في الشعرِ الحديث: الغربةُ في الكوْن، والمدينة، والحبّ، والكلمة، إضافةً إلى الغربةِ في المكانِ، والزمانِ، والعجز، والحياة، والموت، والصمت.
ونلحظُ ظاهرةَ تَطوُّرِ اللغةِ في القصيدة، والبُعدَ عن لغةِ الحديثِ اليوميّ، والتمسُّكَ بالسياقِ الدراميّ للغةِ الشعرِ الحديث، والتعبيرِ بالصورة في هذا الشعر، ويَزخرُ المقطعُ بالصورِ الفنّيّةِ المُتلاحقة: فلونُ الدم والغربة أحمرُ ممتزجٌ مع اللون الأزرق، فكأنّ هذا المزيجَ شخصٌ يَجمعُ أو يَقفز ويتوثّبُ، وكأنّ للغربةِ حذاءٌ يَجمعُ الأشياءَ بأطرافِ أصابعِهِ ويَتقمّزُ، وللغصّةِ في الحلقِ شعابٌ وأماكن، وللفجرِ الطفوليّ ملامح كمَلامح الرجل الضائع، ولهُ قلبٌ يَخفقُ وينبضُ ويتحرّكُ ويمشي ويَخطو كخطو الإنسان..
وتستمرُّ الشاعرةُ في إنشادِها: "خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ.. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ غَـيَّـبَــنِي/ فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مجْبُولٍ/ بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!
وتزخرُ الانزياحاتُ وتتزاحمُ في هذا المقطع، والانزياحُ الإضافيُّ في قوْلِها: (خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ)، وفي قولها (مَنَافِي لَيْلٍ)؛ وفي عبارة (بِغُبَارِ حُلُمٍ)، وفي سطر (بِنُورِ خَيَالٍ)، وفي جملة (وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ)، وفي سطر (عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي).
وفي الانزياحِ الإضافيِّ نجدُ المفاجأةَ الّتي يُنتجُها حصولُ اللّامُنتظَر مِن خلال المُنتظر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليه يتلاءمُ والمضاف، كأنْ تتوقّعُ بعدَ كلمة (خِنْجَرُ) كلمة (حادّ) مثلًا، لكنّنا نُفاجأُ بوجودِ كلمة (يَقَظَتِكِ) وهكذا دواليك، حيثُ يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شعريّ بحت في السطورِ الّتي تحتَها خطّ السابقة.
وتكثرُ أيضًا في السطور ظاهرةُ الانزياح الدّلالي، في نحو :"خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ .. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ وفِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مَجْبُولٍ/ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ
وفي السطورِ السابقةِ نجدُ انزياحَ النعوتِ الّتي تحتَ كلٍّ منها خطّ عن منعوتِها المتعارَفِ عليها، وإذا كانَ الانزياحُ أو الانحرافُ عن المعيارِ مِن أهمِّ الظواهرِ الّتي تُميّزُ اللغةَ الشعريّةَ عن السرديّة، مع منحِها شرف الشعر وخصوصيّته، فإنّ هذا النوعَ من الانزياحِ يتّسمُ ببعضِ الثيماتِ المُصاحِبة له، كالابتكارِ والجدّةِ والنضارةِ والإثارة.
فتقول: فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ: (أعزل) صفة والموصوف (ليل)، والسامعُ عندما يسمعُ كلمةَ (ليل)، يتوقّعُ أن يسمعَ موصوفًا مناسبًا له ككلمة (مظلم)، لكنّهُ يُفاجأ بسماع كلمة (أعزل)، وهكذا دواليك في الصفاتِ السابقةِ التي تحت كل منها خط.
والشاعرةُ تُوظّفُ أسلوبَ الانزياحِ الدلاليّ، وتَهدفُ إلى إبهارِ المتلقِّي وشدِّهِ لقصيدتِها، مُستعملةً عددًا من الوسائل في تحقيقِ غايتِها، وما الانزياحُ إلا وسيلة من هذه الوسائل، بل هو أشهرُها وأهمُّها، وجامعُها وبوتقتُها الّتي تنصهرُ فيها؛ فالانزياحُ من الظواهرِ المُهمَّة في الدراساتِ الأسلوبيّةِ الّتي تُقاربُ النصَّ الأدبيَّ عمومًا، والنصَّ الشِّعريَّ على وجهِ الخصوص، باعتبار أنّ النصَّ الشعريَّ يُميِّز نفسَهُ بالخروج عن المألوف.
خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ.. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ غَــيَّــبَـــنِــي/ فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مَجْبُولٍ/ بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!
فالصهيونيُّ قدِمَ لفلسطين مُتسلّحًا يقظًا ليُحقّقَ حلمَهُ، والفلسطينيُّ البسيطُ أذهلَهُ ما يحصل.
بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ وَبِنُورِ خَيَالٍ: كنايةً عن الحلمِ الصهيونيّ.
غَــيَّــبَـــنِــي: كنايةً عن ذهولِ الفلسطينيّ بما يحصل.
فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ: كنايةً عن عدم يقظةِ الفلسطينيّ بادئ الأمرِ واضطرابه.
وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!: كنايةً عمّا لحقَ بالفلسطينيّ مِن ظلمٍ وهوان في وقتِ غفلته.
وتنشد في المقطع الثالث: كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ/ قُرْصُ فَرَاغِكِ/ أَ شَ عَّ نِ ي/ بَتلاَتِ مَسٍّ مُقَدَّسٍ/ يَلْجُمُ.. ثَرْثَرَةَ لِسَانِي الثَّقِيلِ!
كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ: وتسند الشاعرةُ ضميرَ المخاطبةِ الكاف إلى كما في قولها (كماك)، وهذا اختراقٌ في اللغة، وتقول: (وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ) صورةٌ شعريّةٌ تُصوّرُ فيها الشاعرةُ السماءَ برجُلٍ لهُ عينٌ تُبصر، والسطرُ كنايةً عن عالم المُخاطَبِ ومُحيطِهِ، وهو الصهيونيّ الّذي يسعى لتحقيقِ حُلمِهِ، وتتوالى الصورُ الفنّيّةُ، فللفراغ قرصٌ يدور، وهذا القرصُ يُشعّ الشاعرة، ويُقدّمُ لها الضياءَ بل يكادُ يَحرقُها، وهذا الشعاعُ كما بتلات الزهور المقدّسة، وذكرت الشاعرةُ اللسانَ وأرادت به الكلام، مجاز مُرسل علاقتُهُ الآليّة، وتعتبرُ الصورةُ الشعريّةُ مِن أهمّ مُقوّماتِ الشعر، فهي الّتي تجعلُ المُتلقّي يذهبُ في عوالم الشاعر وخيالِه، وهي الّتي ترسمُ الحالةَ الجماليّةَ البديلةَ لمكنوناتِ الشاعر النفسيّةِ والاجتماعيّةِ والتاريخيّةِ وغير ذلك، إضافةً إلى أنّها أكثر الأسس والمقوّماتِ حضورًا في القصيدةِ الحديثة.
وعن أهمّيّةِ الصورة الشعريّةِ في القصيدةِ الحديثةِ قال الدكتور الناقد غسّان غنيم: إنّ الصورةَ مفردةٌ قد تحملُ أكثرَ مِن دلالة، بحسب الحقل الّذي يتناولُها، فهي في حقلِ علم النفس تدلُّ على إعادةِ إنتاج عقليّةٍ أو استعادةٍ لذكرياتٍ مُدرَكة، أو تتعلّقُ بالوجدان، أو مجموعة مشاهد بصريّة يمكن للمرء استعادتها بدرجاتٍ متفاوتة، وهي استعادةٌ ترتبط بنوع من الأحاسيس.‏ أمّا الدلالةُ الأكثرُ شيوعًا، فهي تلك التي تتعلّقُ بالحقل الأدبيّ من زاوية التعبيرِ المجازيّ، وتنقسم إلى عدّة أشكالٍ منها: البلاغيّة المُتمثّلة بالبيان أو البديع، أو أشكال المجاز اللغويّ أو العقليّ، والأشكال الصوريّة الحديثة المُتمثّلة بالانزياح والرمز والأسطورة.‏
واعتبرَ أنّ التعبيرَ المجازيَّ تركيبٌ لغويّ يتوسّلُ المجازَ أو الانزياح، بشكلٍ يستخدمُ علاقاتِ المشابهة أو المجاورة أو الرمز أو المنافرة، عبرَ التخيُّلِ الذي يستطيعُ جمعَ المتنافراتِ والمتباعدات لبناء تركيبٍ قادرٍ على الإيحاء.
ولفت غنيم  إلى أنّ النقّاد والدارسين القدماءَ قاموا بدراسةِ الصورة البلاغيّةِ في النصوص الأدبيّة والدينيّة، فدرسوا الكنايةَ والتشبيهَ بأنواعه، والاستعارةَ والمجازَ والصورة البديعيّة، التي تعتمد العلاقاتِ اللغويّةَ أو المعنويّةَ كالجناس والمقابلة وسواها، ويمكن التمثيلُ لذلك بأنماطِ النصوص المختلفة الدينيّةِ والأدبيّة والشعريّة‏ (7).
وتستمر الشاعرة في مقطع القصيدة الرابع: يَا مَنْ بِقَبْضَةِ فَقْدِكِ.. الْمَسْفُوكِ بِي/ أَرْخَيْتِ .. صَمْتَ إِغْرَائِك/ِ عَلَى ثَغْرِ غَدٍ حَالِمٍ/ كَمْ غَفَا/ بِشِرْيَانِ وَرْدِكِ النَّرْجِسِيِّ!
وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ أيضًا، والنداءُ يُفيدُ الأسى والحزن، بسبب أحلام الصهاينة وأطماعهم، وما يُخطّطونَ له من استيلائهم على فلسطين وسيطرتِهم على الشرق، وللصّمتِ إغراءٌ، وتُصوّرُ الغدَ الحالمَ رجلًا ينامُ ويغفو، وللورد شريانٌ كما للإنسان. وتتوالى الانزياحاتُ والصورُ الفنّيّة تتزاحمُ، فصمت الحلمِ يُرخي ويُغري، وللغد الحالم ثغرٌ ينطق ويبتسمُ ويتكلّمُ ويُكشّر ويغفو وينام، وله وردٌ وللورد شريانٌ نرجسيّ.
والمقطعُ كنايةً عن الحلم الصهيونيّ بتحقيق وطنٍ قوميّ في فلسطين على حساب الشعب الفلسطينيّ، وتصوير مأساة الفلسطينيّ.
والصورة الشعريّةُ لا تقف عند حدّ الدوْر البنائيّ في النصّ الشعريّ، وإنّما تتعدّاهُ إلى التمايز بين الشعراء في كيفيّةِ بنائها، باعتبارها عنصرًا حيويًّا من عناصر التكوين النفسيّ للتجربةِ الشعريّة (8)، التي تختلف من مبدعٍ إلى آخر، ومن ثمّ يكون بناؤُها عندَ كلٍّ منهم متضمّنًا لعناصرِ التميّز والتفرّد، وتغدو الصورة من ثم- مقياسًا تُقاس به موهبةُ الشاعر، وموضع الحكم عليه(9) ؛ لأنّ نجاحَ الشاعر وفشله قرينُ ما يتمتّع به من قدراتٍ تصويريّة، تُمكّنُهُ من نقل تجاربهِ وأحاسيسهِ إلى المتلقي بواسطة مَلَكَةِ الخيال (10).
وفي المقطع الخامس: كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي/ وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ/ تَــتَـــهَـــجَّــــى/ مَبَاهِجَ غُمُوضِكِ؟
كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي: وتبدأ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يفيدُ التعجّبَ، فتتعجّبُ الشاعرةُ مِن فقدِها لوطنِها وضياعِ فلسطين، فحلّ مَحلَّهُ في منطقتِنا وشرقنا واقعٌ أليم.
وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ: أباطرةُ ضيائي الأحول كنايةً عن حكّامِ الدولِ العربيّةِ المُؤتمنين على الكعبة والقرآن واللغةِ العربيّة، والمُقصّرين عن نصرةِ فلسطين، وبعضُهم متآمرون، والكثيرُ من حكّام الدول الكبرى ساهموا وساندوا في تحقيقِ الحلم الصهيونيّ.
فضياءُ الشاعرة ليس مُكتمِلًا، بل هو كالرّجلِ الأحول، وضياؤُها له أباطرةٌ تتهجّى، كما يتهجّى تلميذٌ حروفَ كلماتٍ يقرؤُها، ولغموضِ الحلم مباهجُ تُبهجُ وتُسرُّ القلب.
وتهتمُّ الشاعرةُ بانتقاءِ ألفاظِها، فالألفاظُ يجبُ أن تكونَ مألوفة، والجُملةُ يجبُ أن تكونَ فصيحةً لتكوين البناءِ الفنّيّ القويّ، وتحقيقِ الارتباطِ بين الفقراتِ داخلَ البناءِ العامّ للنّصّ الأدبيّ. والأفكارُ هي فلسفةُ النصّ، هدفُ النصّ، المدلولُ العقليّ للنصّ، والعواطفُ تثيرُ النفس، فعاطفة النصّ تُثيرُ عاطفةَ المتلقي وتأجيج تلك العواطف، والخيالُ هو القوّةُ الّتي تجعلُ المبدعَ يربط بين الأشياء المختلفة. (11).
وتستمرُّ في قصيدتِها: أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ/ يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني/ أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ/ يَرْتَسِمُ عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ؟
إلامَ
أ
قْ
طُ
رُ
نِي/ رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ/ عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي/ لأَطْـفُــوَ هَــشِـيــمًا/ عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟
وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ، وهو الاستفهامُ الّذي يُفيدُ التعجّبَ والأسى والحزن، والمتكلّمُ هو الإنسانُ الفلسطينيُّ المُعذّبُ يُخاطبُ الصهاينة:
أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ/: وتتساءلُ الشاعرةُ على لسانِ الفلسطينيّ المسحوق، أتتلوكَ الأباطرةُ مزاميرَ وصلواتِ استغفارِ الأمس للمملكةِ اليهوديّةِ السالفة؟
والمزاميرُ كنايةً عن صلواتِ استغفار النبيّ والملك داود لربّه، بعدما استفحلتْ خطاياه.
وتتوالى الصورُ الشعريّة: فللأمس مزاميرُ تتلو، وتستعمر، وهنا تلجأ الشاعرةُ لتفكيكِ صوامت كلمة (يستعمرني)، لإطالةِ زمن الاستعمار، ولخلقِ نغمٍ يُناسبُ إيقاعَ القصيدة، وللوجدِ تسابيحُه، والتسبيحةُ تطغى وتسيطر، والوجدُ يرتسمُ على أقنوم شخصٍ، ولليلِ شخصٌ سوسنيّ، وفي كلمة (سوسنيّ) انزياح دلاليّ، و(الأقنوم) كلمةٌ سريانيّةٌ وجدتْها الشاعرةُ مُواتيةً لها في سطرِها.
عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ: كنايةً عن حياة الفلسطينيّ المأساويّةَ السوداويّة، الفلسطينيّ المُرابط والمهجَّر المُشرّد، مُنتشرًا في معظم بقاع العالم كانتشارِ عبقِ السوسن.
وتُفكّكُ الشاعرةُ كلمةَ (أقطرُني)، لتزيدَ مِن زمنِ إسالةِ القطراتِ الحارقة.
رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ: كنايةً عن ضياعِ وطنٍ بفعلِ القوّة الغاشمة.
عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي: كنايةً عمّا حاقَ بالشعب الفلسطينيّ من أذًى وظلمٍ وطردٍ واحتلال.
لِأَطْـــفُـــوَ هَـــشِـــيـــمًا : كنايةً عن الحالةِ النفسيّةِ والمعيشيّةِ للشعب الفلسطينيّ بعدَ فقدِهِ لوطنِه.
عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟ كنايةً عن جبروتِ وصلافةِ المُحتلّ.
وتعودُ الشاعرةُ للأسلوب الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التعجّب، فتتعجّبُ الشاعرةُ مِن رشح رثاء فردوسٍ ناريّ، فللفردوس رثاءٌ يقطرُ، وفي كلمة (فردوس) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (ناريّ) انزياحٌ دلاليّ، وفي كلمة (براكيني) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (صخرك) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (المائج) انزياحٌ دلاليّ، حيث انزاحت الصفةُ عن الموصوفِ (صخرك)، وتُنوّعُ الشاعرةُ في أساليبها، فالأسلوب هو طريقةُ الكتابة، طريقةُ اختيارِ الألفاظ، للتّعبير عن المعاني بهدفِ التأثير والتوضيح (12).
ويتكوّنُ المضمونُ مِن الأفكارِ والعواطفِ والأخيلةِ والحالاتِ النفسيّة (13). والمقطعُ يحوي الكثيرَ مِن ألفاظِ وتراكيبِ الأسى والحزن والفقدِ والضياع، ويشي بعاطفةٍ حزينةٍ باكية:
يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني / أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ/ أُقْنُومِ لَيْلِي/ إلامَ أقْطُرُنِي/ رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ/ وَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي/ لِأَطْـــفُــــــوَ هَـــــشِـــــيـــــمًا/ على صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ!
عاطفةُ الشاعرة قوميّةٌ صادقةٌ عميقةٌ وثائرة، قدّمتْها في إطارٍ إنسانيٍّ تُعبّرُ عمّا يختلجُ في نفسها من مشاعرِ الألم والمعاناة؛ ولِما يتعرّضُ له وطنُها من احتلال، وما نتجَ عنه من قتلِ الأحرار وانتشارِ السجونِ والمعتقلات، وفيها مشاعرُ الألم والأسى ممزوجةٌ بمشاعرِ الاعتزاز بصمود الأحرار والتحدّي للمحتلّ، وقد استخدمت في التعبير عن مشاعرها ألفاظًا وتراكيب، تحملُ طاقاتٍ شعوريّةً مُكثّفةً عمّا تُعانيه، وكشفت عن مشاعرها، وقد استخدمت الخيالَ المُجنّحَ في رسمِ صورٍ تُظهرُ شعورَها وأحاسيسَها، وقد تدرّجَ الخطُّ الانفعاليُّ في النصّ، فبَدا هادئًا، وأخذ يرتفعُ مع دفقات الشاعرة الشعوريّة، وهو تعبيرٌ عن رفضِها للمحتلّ وشنيعِ أفعالِه، واعتزازِها بأرضِها وشرقها، وقد استطاعتْ أن تُؤثّر في المتلقي بما يحمله النصُّ من مشاعرَ صادقةٍ، تشعرُ بها الأديبةُ تجاهَ وطنِها، وتجعلُ المتلقّي يعيشُ الحالةَ الانفعاليّةَ التي أرادت الأديبة نقلها.
وتستمرُّ الشاعرةُ في شدوِها: أَمَا لِلْغَدِ عَيْنُ حَيَاةٍ/ تُذْعِنُ لِدُخَانِ الذُّنُوبِ؟
وتستمرُّ الشاعرةُ في استهلالِ مقاطعِها بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التقرير، وتتوالى الصورُ الفنّيّة، فللغدِ عينُ حياة، تُذعنُ للدّخان، وللذّنوب دخانٌ يَصدرُ عنها، وتنشدُ في المقطع الثامن:
أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ.. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ/حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي!/ تَـجَـلْـبَــبِي/ بِوِشَايةِ بَحْرٍ/ وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيّ/ غَــيْــبُــوبَــتِـي/ وَدَعِينِي.. أتَخَايَلُ مُخْتَالًا/ لأَمِـيـسَ/ فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!/ أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ.. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ/ حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي
وتبدأ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ أيضًا، والنداءُ يفيدُ الأسى والحزنَ، والحديثُ على لسان الفلسطينيّ المغلوب على أمره، والخطابُ مُوجّهٌ للدّولةِ الصهيونيّة، فالصهاينةُ قدِموا بقوّةٍ إلى فلسطين، مُسلّحين بالمالِ والترفِ والفكرِ والتخطيط، بفعل التنظيم الصهيونيّ الفتيّ حينها.
تَـجَــلْـبَـبِـي/ بِوِشَايةِ بَحْرٍ/ وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيّ/ غَــيْــبُــوبَــتِي/ وَدَعِينِي .. أتَخَايَلُ مُخْتَالا/ لأَمِـيــسَ/ فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!
وتتوالى أفعالُ الأمر في هذا المقطع ثلاثَ مرّاتٍ: (تَـــجَــلْـبَــبِــي) و (وَشْوِشِي) و (وَدَعِينِي)، والأمرُ في كلٍّ يُفيدُ الأسى والحزنَ بما يحيقُ بفلسطين.
وتتوالى الانزياحاتُ وتتزاحمُ الصورُ الفنّيّةُ، فالموجُ بتولٌ كما الأزهار، وللموجةِ جناحٌ كما الطائر، والمترفةُ تحطّ على شفاهِ الزبدِ كما تحطّ الطائرةُ في مدرجها، وللشّفاهِ زبدٌ كما البحر أو الإنسان الثائر، وللبحرِ وشايةٌ كما الواشي، ولوشايةِ البحرِ جلبابٌ كما المرأة، وللخلخالِ وشوشةٌ توشوشُ الشاعرةَ الغائبةَ عن وعيها مِن هوْلِ ما ترى وتعيش في محيطِها، والشاعرةُ الغائبةُ عن وعيها تتخايلُ مختالةً وتميسُ كما المجنونة في محيط عالم ظلوم، وللمجهولِ هيكلٌ، فهو كبناء تارةً، وكرجُلٍ نمّامٍ تارةً أخرى.. وقد يَشي الهيكلُ هنا بهيكلِ سليمان المزعوم.
ولعلّ أهمّيّةَ الانزياح لدى الباحثِ تكمنُ فيما يُحدثُهُ مِن الدهشةِ والمفاجأة، نتيجةَ خروجِ التعبير عن المألوف في التركيب والصياغةِ والصورة واللغةِ، وكأنّ الانزياحَ إنّما يكتسبُ أهمّيّتَهُ من العلاقاتِ الجديدةِ الّتي يُقيمُها التعبيرُ بينَ العناصرِ اللغويّةِ المختلفة، حتّى يَستثيرَ دهشةً، أو لذّةً فنّيّةً تغمرُ النفسَ – لحظة التلقي – بفيضٍ مِن الأنس والسرور.
اللغةُ الشعريّةُ تستندُ في نظرتِها إلى هذه العلاقاتِ على خرقِ السائدِ والمألوف، وتَعمدُ خلقَ فجوةٍ بين اللفظ وتوقّعاتِهِ مِن خلالِ تحطيمِ الانسجام المتوقّع، وعدم الملاءمةِ في العلاقاتِ الإسناديّة، وقيمةُ كلّ خاصّيّةٍ أسلوبيّةٍ تتناسبُ مع حدّةِ المفاجأة الّتي تُحدثُها طرديًّا، بحيث كلّما كانت غير منتظرة، كانَ وقعُها على نفس المتقبّل أعمق(14).
كما أنّ للغةِ الشعر القدرةَ على الإيحاء بما لا تستطيعُ اللغةُ العاديّةُ أن تقوله: فالأدبُ بقدرٍ ما ينجحُ في قول ما لا تستطيعُ اللغةُ العاديّةُ أن تقوله، ولو كان يعني ما تعنيهِ اللغةُ العاديّة، لم يكن مُبرّر لوجوده. (15)
وفي المقطع قبل الأخير تقول: نُبُوءَاتُ نَقَائِكِ النَّدِيَّةُ.. جَدَاوِلُ/ تُـزَمْــزِمُـنِـي/ تُـغـافِـلُ/ بَلاَهَةَ مَوَائِدِي الْمُوحَشَة/ تُـكَمِّمُ/ أَفْوَاهَ أَشْبَاحِ مَوَاقِدِي الذَّاهِلَة/ وَتَخـتَــلِــسُنِي/ مَشَارِفُ الارْتِجَافِ الْمَثْلُومَة/ بِوَاابِلٍ/ مِنْ قُبَلٍ مُتَبَتِّلَةٍ/ تُعَــسْعِـسُ/ سَحَابَ صَلَوَاتِي الْفَاتِرَة/ بمِشْطِ لَوَاعِجِ سَمَاوَاتِكِ!
وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الطلبيّ، للكشفِ عن مكنوناتِ نفسِها وتصويرِ مأساتِها، فتُسندُ الجداولَ للنّبوءات، فللنّقاءِ نبواءاتٌ نقيّةٌ تُزمزمُ وتُغافلُ الشاعرة، والموائدُ تستوحشُ وتُغافل ولهًا بلاهةَ وتُكمِّم، والمواقدُ يُصيبُها الذهولُ كما الإنسان، وللمواقدِ أشباح، وللارتشافِ مشارف مثلومةٌ تختلس كالمختلس وتُقبِّل، وللصّلواتِ الفاترة سُحبٌ تُعسعسُ، وللسّمواتِ لواعج، وللّواعج مِشط، وتُكرّرُ الشاعرةُ الصائت التاء في هذا المقطع عشر مرات، ويَتكرّرُ صوتا العين والسين مرّتين في كلمة تُعسعس، ويُعدُّ تكرارُ الحرف- عند شعراء الحداثة المعاصرين- ظاهرةً فنّيّةً تبعثُ على التأمُّل والاستقصاء، لاسيّما إذا أدركنا أنّ تكرارَ الحروف ينطوي على دلالاتٍ نفسيّةٍ معيّنة؛ منها التعبيرُ عن الانفعال، والقلق، والتوتُّر، وهذا يُدلّلُ على الحالةِ الشعوريّة لدى الشاعر، ومنعرجاتها النغميّةِ ضمنَ النسقِ الشعريِّ الّذي يتضمّنُه، وأبرز ما يُحدثُهُ مِن أثر في نفس السامع، أنّه يُحدثُ نغمةً موسيقيّةً لافتةً للنّظر، لكن وقعَها في النفس لا يكونُ كوقع تكرارِ الكلمات، وأنصافِ الأبيات، أو الأبياتِ عامّة، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ تكرارَ الصوت يُسهمُ في تهيئة السامع للدّخول في أعماق الكلمة الشعريّة(16).
فتكرارُ الحروف مثلًا يَخلقُ نمطًا من الجَمال تألفُهُ العينُ وتأنسُهُ الأذن.. (17) من جهةٍ، ويعبرُ جسريْن أساسيّين، جسرَ المَخارج وجسرَ الصفات، وهذان العنصران أبرزُ ما يمكنُ أن نبحث من خلالِهِ الإيقاعَ الداخليَّ للحرف.. (18)
إنّ للغةِ الشعرِ دورًا هامًّا في بناء القصيدِة في الآداب الإنسانيّة، ولم يبتعد كولوريدج عن الحقيقة عندما قال عن لغة الشعر، إنّها أعظمُ عنصرٍ في بنائيّةِ القصيدة في الآداب جميعِها، ففي أرضِها تتجلّى عبقريّةُ الأداء الشعريّ، ومِن لبناتِها تُبنى المعمارات الفنيّةُ التي تتآزر على إبداعها مجموعةُ عناصرٍ مُتعاضدةٍ مُتلائمة. (19)
وتنهي الشاعرة نصها بقولها: أَكَأَنَّمَا/ تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء/ ضَفَائِرَ ضَوْءٍ
/يُـنَـمّـِشُـنِي/ بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟/ أَتُـمَهْـرِجُـنِـي/ بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ
تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء: كنايةً عن يهود أوروبا الذين وفدوا لفلسطين محتلين، وشَعرُهم أشقر لا يُناسب أجواء فلسطين، ويتساءلُ الفلسطينيّ قائلًا: كأنّما تصرعُني أيّها اليهوديّ بمجيئِك وسلْب أرضي ووطني.
ضَفَائِرَ ضَوْءٍ: كنايةً عن أنّ هذا اليهوديَّ بقدومِهِ يكادُ يحرقُ الفلسطينيَّ المغلوبَ على أمرِه.
/يُـــنَــــمّــــِشُــــــنِـــي/ بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟
أَتُـمَـهْـرِجُـنِـي: كنايةً في كلٍّ عن التشويشِ والاضطرابِ الّذي حصلَ في عقلِ الفلسطينيّ، فاليهودُ قدِموا إلى فلسطين بادئَ الأمرِ بصورةٍ تُخفي مَطامعَهم، والاستفهامُ هنا يُفيدُ النفي.
بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ: للأقحوان معنيان، الأوّل: الأقحوان بلونهِ الأحمر، وهو زهرةٌ تعني الحياةَ والبعثَ والتعاطفَ والاحترامَ والحبّ والفرحَ والإخلاصَ والسعادة، وهذه الصورةُ الّتي كان يُبديها اليهوديُّ للفلسطينيّ أوّلَ الأمر وقبلَ تمكُّنِهِ، والصورة الثانية: الدمُ ومهرجانُ المفرقعاتِ الناريّة والغازيّة، وهي الّتي انتهجَها اليهودُ في فلسطين عندما شعروا بتمكُّنِهم، وتُصوّرُ الشاعرةُ الأقحوانَ بأمٍّ رؤوم لها حضن.
وتُكرّرُ الشاعرةُ الفعلَ المضارعَ في هذا المقطع والمقطع السابق ثماني مرّات: تُــزَمْـزِمُـنِـي، وتُغـافِلُ، وتُـكَــمِّـمُ، وَتَـخْــتَــلِـسُـنِي، وتُــعَــــسْــعِــسُ، يُــنَــمّــِشُــــنِــي، وتَجْدِلُنِي، وتُـــمَـهْـــرِجُــــنِــــي.
وإنّ الفعلَ المضارعَ يمتلكُ الاستمراريّة، ويبثُّ الحيويّة، ويمتلكُ صفةً أساسيّة وهي التصريفُ الّذي يوحي بالحركة الّتي هي صميم الإيقاع، وهي التناسُلُ المُفضي إلى ممكناتٍ لا حصرَ لها، وإذا كنّا لا نستطيعُ وضعَ قوانين ثابتةٍ للأسماءِ لكثرتها، فإنّ الأفعالَ يمكنُ فيها ضبط ذلك من خلال الثنائيّات لازم/ مُتعَدّ، ثُلاثيّ/غير ثلاثيّ، مجرّد/ مزيد، تامّ/ناقص. ثمّ أيضًا عبر اتّصالها بالضمائر.. (20)

6

صدور المجموعة الشعرية " أنتظر شحوب الوقت " للشاعر جميل الجميل

صدرت المجموعة الشعرية الرابعة للشاعر جميل الجميل بعنوان "أنتظر شحوب الوقت" يوم الثلاثاء المصادف 29 أيار 2018 عن دار نون للطباعة والنشر.
ضمّت المجموعة الشعرية أكثر من عشرين قصيدة تناولت عدّة مواضيع منها الحرب والسلام والتهجير وهي قصائد نثر مع قصيدتين "تفعيلة" .
ومن أحدى هذه القصائد :

كيس من اللعنات
لدينا مدينة لا تثمر
المطر لا يلقّح أغصانها
لقد ملأوا بياضها بالفوسفات مدّة خمسة أعوام
نغطّيها بمظلّات ونحمل أكياس النارنج لنعصر عليها
في العام الماضي
حمل عجوز كيسا مليئا باللعنات وأسقى أغصانها
كلّ المدينة تشيّعه في تمثال
كلّ الأمّهات ينشدن تعويذاتهن للشجرة شرط أن تتريّث من السكون
والنهر يغادره المنفى في أبّهة الضجيج
نعم
لا زلنا نحمل البلابل المشنوقة الموعد بأكتاف المدينة
لا زالت المدينة تقينا من برق ينزوي تحت بيوتاتنا
لا لم تكن مدينة
كانت تحمل صوراً لأسرى
وأخرى شيّدها (مار يوحنا) في حرب إيران لكنّها سرعان ما نشفت من الأسلحة
لا لم تكن قرية
كنّا نحتفي بالأسماء الكاذبة
لنشرب عرق العصرية
ونرجم القنطرات التي زقرها خيّا بقطر على أفئدتنا
لا زلنا الآن في طريق العودة
نصلّي للظواهر الطبيعية
ونتكلّم بقلق الأم التي تخاف من عمليات الجراحة
نلوك الأسماء الدينية لنهضم مرارات أجسادنا
نعم هذه المدينة شاخت
جدرانها منذ آلاف الكليومترات من السنوات الضوئية
نعصر الأراضي المليئة بالطحين
نختزل المناجل في زمن الحصار
ونصرخ مع الموتى
ميخائيل' عادل ' بولص ' شمّة' باهي' مرزينا' صليوا' شربل' منصور' زريفة' روفو' أمّو' كُتّا' مزّو' بحّو' نجيب'
بصوت جهوري نحيل
حتى يرجع صداهم وتزيّفنا التعاسة!




صدّر للشاعر جميل الجميل المجموعة الفائزة بجائزة ناجي نعمان الأدبية "ما تركه جندي في بغديدا" عن مطبعة الدباغ في أربيل عام 2015 ومجموعة أخرى باللغة السريانية " ما دشبقلي بلخا كو بغديدا " عن دار إنخيدوانا للطباعة والنشر في لندن عام 2016 ومجموعة "النازح رقم 7" عن دار نون للطباعة والنشر عام 2017.

وجميل الجميل هو جميل صلاح الدين جميل بهنام من مواليد نينوى – بغديدا عام 1990 حاصل على شهادة البكالوريوس من جامعة الموصل , عضو اتحاد ادباء والكتاب السريان , عضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق , رئيس ومؤسس منتدى بغديدى الأدبي , عضو مؤسسة ناجي نعمان الثقافية , عضو تجمع ناشرون للثقافة والأدب في عمان , عضو المركز العراقي لمهارات التفاوض وإدارة النزاع , عضو شبكة مبادرون لحقوق الإنسان والديمقراطية الدولية , عضو تجمع نشطاء ومدافعي حقوق الإنسان في العراق.
مدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وناشط في مجال المجتمع المدني وله بحوث قيد الإصدار في مجال حقوق الإنسان :
التغير الديموغرافي في سهل نينوى ، انتهاك الهوية وتأثيره على وجود المسيحيين في العراق ،
التميز العنصري ، نحو بيئة متماسكة (دراسات وتحليلات حول بناء السلام في سهل نينوى) ، تجنيد الأطفال في نينوى ، دراسة غير منشورة.

شارك في برامج عديدة في مجال حقوق الإنسان وموثّق للكثير من الانتهاكات مع الادلة والإفادات, وشارك في ورش حول التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي وبناء السلام  والصحافة والإعلام والنزاعات الدولية.
شارك في مؤتمرات خارج العراق خاصة بحقوق الإنسان والأقليات.
نظّم لأكثر من أربعين مهرجانا وآماسي شعرية وثقافية وأدبية.
شارك في الكثير من البرامج الإغاثية التطوعية مع منظمات محلية ودولية.
نُشرت أعماله وقصائده في الكثير من المواقع المحلية والدولية والجرائد والمجلات.
شارك في الكثير من المهرجانات العراقية منها مهرجان المربد الشعري ، مهرجان الجواهري ، مهرجان جواهريون ، مهرجان التنوع، مهرجان الثقافة السريانية ، ومهرجانات أخرى.




7
صدور ديوانين بالفرنسية لسمير درويش

صدرت في فرنسا، بالتزامن مع معرض باريس الدولي للكتاب، الترجمة الفرنسية لديوانين في مجلد واحد للشاعر سمير درويش، هما: "في عناق الموسيقى"، و"مرايا نيويورك"، "Dans l'etreinte de la musique" et "Les Miroirs de New York"، عن هيئة الشارقة للكتاب بالاشتراك مع دار نشر وتوزيع فرنسية، ضمن مشروع طموح تتبناه الإمارة لترجمة مختارات من الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية.
يذكر أن الديوانين صدرت طبعتاهما العربية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، عامي 2015 و2016 على التوالي، وقد انتهت المترجمة اللبنانية سوسن الفقيه من ترجمتهما إلى اللغة الإنجليزية، ومن المتوقع صدورهما قريبًا -في كتاب واحد أيضًا- عن دار أوستن ماكولاي الإنجليزية العريقة، التي تولت إصدار ديوانين آخرين للشاعر، في مجلد واحد كذلك، هما: "تصطاد الشياطين"، و"أبيض شفاف".
الديوانان هما الأخيران في إصدارات درويش، وفيهما الملامح العامة لتجربته التي تنحو إلى التكثيف الشديد، واعتماد المشهدية كمنطلق جمالي، حيث يبدو الشاعر –ظاهريًّا على الأقل- ساردًا خارجيًّا محايدًا، بالإضافة إلى حضور المرأة بشكل لافت، بنفسها أو بصورها، بحيث تصنع القصائد جدلاً معها يكشف حاجة كلاهما للآخر.
سمير درويش أحد وجوه شعراء الثمانينيات، اصدر 16 ديوانًا، أولهم بعنوان "قطوفها وسيوفي"، صدر عن سلسلة أصوات أدبية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وآخرها "ثائرٌ مثل غاندي.. زاهدٌ لجيفارا" الذي يصدر خلال أيام عن منشورات بتانة، كما أصدر روايتين: "خمس سنوات رملية" 2004، و"طائر خفيف" 2016، وكتاب سياسي في نقد تجربة عام حكم الإخوان المسلمين لمصر، وصدر عام 2014 عن دار دلتا للنشر.

8
الشِّعْرُ، مشفى الحياة الأوّل والأخير: قراءة في ديوان (نوبات شعرية) للدكتور صالح الطائي/
بقلم الدكتورة أسماء غريب
ثمّة كُتبٌ تفرضُ عليك نفسها منذ الغلاف، أو لنقل بعبارة أدقّ؛ منذ العنوان: تُشَوّشُكَ، تُرْبِكُكَ وَتُقْلِقُكَ، ثُمَّ تُفَجِّرُ بِدَاخِلِكَ سيْلاً عارماً مِنَ الأسئلة التي لا تُفَارِقُكَ إلى أنْ تجدَ أجوبةً تكون مُقْنِعَةً عنها أو شافيةً إلى حدّ ما، وجديدُ إصدارات الباحثِ والأديب صالح الطّائي هو منْ هذا النوع منَ الكُتُبِ، لأنّهُ لمْ يُمْهِلْنِي حتّى ألتقطَ أنفاسي مِنَ العمَل والجُهد المضنيّ الذي بذلتُه طيلة الفترة الماضية منْ أجل أن يرى النّورَ في مطلع هذه السنة الميلادية الجديدة (2018) الجزءُ الأوّلُ من كتابي النّقديّ (كواكب على درب التبانة) (1)، بلْ وجدتُ نفسي أبدأُ مرّةً أخرى رحلةَ الرّكضِ وراء حرفٍ ومعنًى جديديْنِ ولسانُ حالي يقول: يا إلهي، ماهذا العنوانُ العجيبُ: نوبات شِعريّة؟! نوباتٌ وليست نوبة واحدة، ثمّ أنّها شعرية! أنا أعرفُ الطّائيَ باحثاً في مجال الدّراسات الدّينيّة والفلسفيّة، فما لهُ والشّعر اليوم؟ جديدٌ عليّ لباسُه هذا! فهل عليّ أن أنسى ما قرأتُ لهُ سابقاً من بحوث وكتب فكريّة كمثلاً (عوالم الحكومة المهدوية / غزو الفضاء وفتح المجرّات في عصر الظهور) (2) و(خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم عليه السلام) (3) و(الحسن بن علي عليه السلام والإمامة المنسية) (4) وغيرها كثير؟ وهل عليّ أنْ أرتديَ الآن بدلةَ الطّبيبة قبل النّاقدة لأقرأَ حرفَهُ، أَوَلَيْسَ الكاتبُ نفسُه من يقولُ "نوبات"؟ ثمّ ألا تُعرِّفُ القواميسُ العربيّةُ النّوبةَ بالنّازلة والمصيبة، وفي حالات أخرى تقولُ إنّ الأمرَ قد يتعلّق بنوبة قلبية، وأخرى عصابية، وثالثة غضبيّة أو جنونيّة أو بكائيّة؟! يا لطيف الطف بنا جميعاً، ولنفتحِ الكتابَ على وجه السّرعة لنعرفَ حقيقةً هل صاحبُ النّوبات هو نفسُه الذي قرأتُ لهُ فيما مضى كُتباً في البحث الديني والفلسفيّ، أم أنه شخص آخر غيره، ومن يدري فقد نتوصّلُ أيضاً إلى دواء يشفيهِ من كلّ ما قد يكون بهِ من علّةٍ أو داء!
فوقَ سرير الكشف ومنذ أولى الصّفحاتِ ينطقُ الدّيوانُ بين يديّ ويقولُ على لسان صاحبهِ:
((كنت في بداية شبابي قد كتبتُ شعراً، وألقيتُ بعضه في مناسبات خاصّة، حيث كنتُ قد تأثرتُ بالشعراء الكبار، فحاولتُ تقليدهم، ثم حاولتُ الانفراد لأعلن عن شخصيتي، فوجدتُ من يستحسن أشعاري. بعد حين أخذتني شواغل الدّنيا وهمومها، ففارقتُ الشِّعْرَ، إلى البحث في الفكر الدّيني؛ الذي شغل وقتي كلّه لدرجة أنه شغلني حتى عن قراءة الشعر إلا ما ندر.
وبعد التغيير في عام 2003، والأحداث الدموية المؤسفة التي رافقته، يوم بدأت الأحداث تعصف بوطننا العراق وعالمنا العربي والعالم كله، فأخذت تعتصرني، فتحيلني لهبا يتشظّى قهرا، وبدل أن أسكب الماء لأطفئ ناري، تحشدت رؤاي مزمجرة، لتتحول إلى شعر أو مايشبه الشعر، يزاحمني ليرى النور، واكبته وكتمته لكي لا يشغلني عن أهدافي المرسومة، لكنه مع هذا وذاك كان يتشيطن بل يتعفرت وينط خارجا بين حين وآخر.
أغلب تلك القصائد جاءت كردّ فعل مفاجئ، فكانت مفاجئة، ومن هنا ستجدونها وكأنها مجرد محطات وجع سرمديّ، بعثتها في خاطري نوبات من الغضب القهريّ، فكانت وليدة الارتجال وبنت لحظتها، فأخفيتها حينا، وأعلنتها حينا آخر بتشجيع وحث من شعراء ونقاد استهوتهم، فشجعوني على طباعتها)) (5).
في هذه الكلمات يكمنُ سرّ الديوان؛ إنها تصفُ بشكْلٍ دقيق حالةَ الكاتب عبر مراحل ثلاث هي مرحلة الشّباب، ومرحلة البحث الدينيّ، ثم مرحلة الحرب أو غزو العراق سنة 2003. ففي المرحلة الأولى اكتشفَ الكاتبُ الشِّعْرَ ونظمه وألقاه في مناسبات عدّة، دون أن تكون لديه القناعة الكاملة بأن الذي كان يكتبُه أو يقرأه هو شِعر حقيقة، وهذه ملاحظة تؤكّدها عبارات ((حاولت / فوجدتُ من يستحسن أشعاري)) وهي العبارات التي يجبُ التوقف عندها مليّاً، لأنّ ما تختزنُه من حقائق ربّما يفوقُ ما تظهره من قناعات خاصّة أو وجهات نظر لدى الكاتب نفسه: فهل ياترى تركَ الكاتبُ الشّعْرَ منذ يفاعة الشباب لأنه وجد فقط من يستحسنُه بدون دعم ولا اعترافٍ حقيقيّ وصريح بقوّته ومتانته ورصانته، أم أن مرحلة البحثِ الدّيني الثانية في حياته هي التي أخذتْهُ من بين أحضان الشّعر فحرمتهُ منه حرماناً كاملاً، أمْ ثمّة أسباب أخرى ما زلنا لم نقف عليها بعد، ذلك أنني أشمُّ من كلماته هذه وكأنّهُ هو نفسُهُ غير مقتنع بالكتابة الشّعريّة وجدواها في الحياة، فهو يعتبرُها مجرّدَ كائنٍ يتشيطَنُ ويتعفرتُ وينطّ خارجا بين حين وآخر، وهو بقوله هذا يزجُّ بي في لجّة بدون قرار، بل لجّة من الكلام عن الشِّعر لَمْ يفصلْ فيها لليوم أحد من كبار المفكّرين والفلاسفة، وأعني بهذا أنه قذفَ فوق مائدتي بِكُرةٍ من لهب سأسمّيها: إشكالية الطبيعة الإبداعية الشّعريّة، وعلاقتها بإبليس والجنّ، وهي كما يعلمُ الجميع إشكالية قديمة قدم الإبداع الإنسانيّ في العالم كافّة، إذ ثمّة من يعتبرُ الشّعرَ كما الموسيقى هديةَ إبليس للبشريّة، وفيه من الترف ما قد يشغل عن أمور الحياة الجدّية والإبداع الهادف الملتزم، وإني لأضعُ خطّاً عريضاً تحت مصطلح (الترف)، لأنّ صالحاً الطّائيّ سيستخدمُهُ فيما بعد وهو بصدد شرح ظروفِ وملابسات إصدار هذا الديوان ولكن هذه المرّة في مقالة نشرَها على موقعه الشخصيّ قائلاً: ((ثم بعد أن بدأتُ بالكتابة فعلا في الفكر الدّيني، وبعد أن أصدرتُ مجموعة من مؤلفاتي، تعقّدتْ أموري أكثر، فتخلّيتُ كلّياً عن جميع أنواع الترف الأدبي، لأتفرّغَ كليا لمجال تخصصي، مع أني كنت أشعرُ بجذوة أدبية تتأجّج في داخلي، تستعر أحيانا، فتدفعني مرّة لأصوغ كتاباتي بأسلوب أدبيّ مستخدما الطباق والجناس والبلاغة، ومرة لأكتب مقطوعات شعرية سرعان ما أمزّقها، ربما لأني أشعر بأنها دون المستوى المطلوب، ولا تملك قدرة مجاراة ما ينتجه الشعراء)).
إنّ الكاتبَ يعيش حالةَ صراع بين ما يجبُ أن تكون عليه صورتُه، وبين ما يريد أن يكونَ هو حقيقة بعيداً عن الصورة الأولى، أيْ بين الباحث الدّينيّ، وبين رجل الشّعر والمشاعر الدافئة الجيّاشة، ومن هذا الصّراع ظهر مصطلح النّوبات التي هي على أنواع ودرجاتٍ عنده بين نوبة كينونيّة قهريّة، وأخرى غضبيّة، وثالثة شعريّة ورابعة تدرُّجِيّة معراجيّة، والتي من خلالها يسعى إلى الإجابة عن السّؤال الوجوديّ الكبير: لماذا أكتبُ؟ وماذا وكيفَ أكتبُ؟ وهو السّؤال الذي يصبح الطّائي به ومعهُ تلميذَ عقله (6) ليتخلّصَ من إرث الماضي السّحيق الذي كانَ يربطُ الشِّعر بإبليس وما إليه من عوالم الجانّ والعفاريت، وليلقيَ بفكرهِ بدون خوف ولا تردّد في بحار القصيدة مستجيباً بعقل الفيلسوف لنداءات ربّاتِ الشّعر لا شياطينها، وآلهاتِ الكلمة والحكمة الطّيّبة النيّرة لا عفاريتِها عبر رحلةٍ عميقة من التأمُّلِ الباطنيّ ليسمعَهَا وهي تقول له بصوت حنون ودود: إنّك أيّها الباحثُ صديقُ نفسكَ فلا تعاديها، ولا تبحث عن صديق آخرَ يُبْعِدُكَ عنها، ولتحمِلْ بها ومعَها نبراسَ الحرف، لتُظْهِرَ لكَ أنّ الجهل هو عدوّ الإنسان لا خطيئتُه الأولى، ولا تكُنْ كمعظم النّاس في حالة من الغفلة والنوم العميق، دعِ الشِّعْرَ يأخذْ بيدك، دعْ جذوته المشتعلة في أعماقك تُطهّركَ من آلامك وتمسح عن قلبكَ صدأ الهموم وشواغل الدّنيا، فما الوجود سوى كابوسٍ يرى النائمُ فيه أحياناً أنّ الوحوش تطاردُه، أو أن أحداً يريد قتله، أو أنه يطيرُ في الهواء بغير أجنحة، أو أنه يسقط من جبل شاهقٍ، ولكنّه حينما يستيقظُ يتلاشى كلّ شيء!
القصيدةُ أيها الباحثُ المثابرُ الصّبور استيقاظ وحريّة وإقبال على عالم جديدٍ، وغد أفضل وصباح أكثرَ نورا وإشراقا، فاكتبْ ما استطعت أشعاركَ، ولا تخبّأها في الأدراج، ولا تمزّقها أو تحرقها ظنّا منكَ أنها ليست بالمستوى المطلوب، فلستَ أنت من يحكمُ على نفسك، ولكن دعْ أهل المحبّة يقرأونها ليكتبوا عنها بماء الحكمة والوعي بمدى قدسيّة القصيدة، فالشّعْرُ ليسَ ترفاً وإنما هو أيضاً وجهُ تلك الشمس التي أهديتَ لها ديوانكَ هذا، حبيبَتَكَ وزوجتَكَ التي هذّبَتْ هذيانكَ وجعلتْكَ شاعراً، ووجهُ ذاك الوطن الذي شذّبَ جنُونَكَ وجعلك ثائراً (7).
القصيدةُ سفرٌ في العتمات، وسعيٌ نحو الضّوء والحكمة، وهي أيضا لجام عليكَ أنْ تُمسكَه بيديك ليدلّكَ على مُرشدك ومُعلمّك الحقّ، فنفسُكَ قويّة وعقلُك أقوى، أنِرْهُ بالشِّعْرِ واقرع بابَ ذاتكَ وامشِ فوق دروبها، وثِقْ بأنّكَ إذا فعلتَ هذا فإنّك لن تضلّ أبدا، فنفسُك إلاهيّة بيضاء لا شيّة فيها، وما دامَ الخالق هو منْ غرسها فيكَ، فأنتَ مثله؛ نورُ الحياة، لأنك صدرتَ عنْهُ، فلا تجعل وجودَكَ الإنسانيّ موتاً روحيّاً، واعتنق القصيدةَ الحقّة تنقلك إلى مدارج القيامة والكشف والاستنارة وتبعثْكَ وأنت حيّ تُرْزق، ولن تكون في حاجة إلى أن يموتَ جسدُك لتتحقَّقَ لك الرؤيا، فقُمِ الآن وانزل عن سرير الكشفِ مشافًى معافًى من كلّ غضبٍ أو قهر أو تشظٍّ، وافتح ديوانكَ واقرأ عليّ منهُ ما كتبتَه في قارورة عمركَ وشمسِ حياتك ونورها التي بها اهتديتَ إلى الشّعْرِ ونفضتَ غبار الأيّام والمحن والحروب، فالمرأة أيّها الطّائيُّ هي قصيدةُ القصائد الكبرى، لأنّها قدّيسة القدّيسات التي بها تُسحقُ رأس التنّين، ويُنْسَفُ إبليس من الأعماق، ولأنّها مشفى الحياة الأوّل والأخير، وشعلةُ العشق التي تقهرُ الجهلَ كما الحرف الذي بهِ أخرج الخالقُ الإنسانَ من دياجير الظلم والظّلمات:
قليلاً من الحبِّ أهدي إلى توأم روحي:
منذ نيف وأربعين عاماً
إلى التي يزداد حبّها في قلبي شموخاً
مع كلّ لحظة تمرُّ من عمرنا
إلى التي صرتُ أنا هي، وهي أنا!
قليل من الحبّ، هو كلّ الحبّ.
إليك وحدكِ، أقول:
إن الإبحار في عينيك الزرقاوين الصافيتين النقيتين
كمثل إبحار بزورق صغير وسط عاصفة هوجاء
مصحوبة بمطر،
لكنه لا يتهدّدني
إنّما يمدّني بالحياة!
تقبّلي قليل حبّي
فهو كلّ ما أقدرُ عليه
بعد أن أنهكتني السنين العجاف (8).
الهوامش:
(1) د. أسماء غريب، كواكب على درب التبانة، ج1، ط1، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2018.
(2) د. صالح الطّائي، دار العارف للأعمال، بيروت – النجف الأشرف، ط1، 2012.
(3) د. صالح الطّائي، خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم عليه السلام، دار المرتضى، بيروت، 2013.
(4) د. صالح الطّائي، الحسن بن علي عليه السلام والإمامة المنسية، العتبة العباسية المقدسة، كربلاء، 2015.
(5) د. صالح الطّائي، نوبات شعرية، ط 1، دار ليندا، سوريا، 2017، ص 5 / 6.
(6) المصدر نفسه، ص 108 / 111.
(7) المصدر نفسه، ص 3.
(8) المصدر نفسه، (قارورة عمري)، ص 139


9


مخاض رائع / قراءة في مجموعة نوبات شعرية للدكتور صالح الطائي

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون الحسني

الشعر ما لم تحتضنه الموسيقى مغامرة غير مجدية. في القصيدة تتحول كل التفاصيل إلى قيم نغمية تحدث هذا التآلف والانسجام المذهلين فتنصهر الفكرة والخيال والكلمة محدثة أشبه ما يكون بسيمفونية تترافد فيها آلات كثيرة، ولكن تصنع لحنا واحدا منسجما. ولا يقصد بالموسيقى ذلك البناء اللحني الظاهر الممثل بالبحور، بل هذه البحور تدخل جزءا في نغمية الشعر، ولا تصنع بمفردها شعرا.
 إن التصدي لكتابة قصيدة ناجحة يحتاج إلى إحساس مرهف بالنغم وذوق سمعي رفيع، وعلى هذا الأساس يصنف الشعراء كبارا أو صغارا؛ فالشاعر الكبير يختار له طبعه كلماته فتأتي متناغمة، متآلفة مع أجزاء القصيدة ومتلابسة كالسبيكة . والشاعر الصغير هو الذي يختار كلماته بوعي تام ليقطّعها على قوالب موسيقية معدة سلفا فتأتي قصيدته مفككة غير متلابسة كذرات الرمل . وهذا يفسر لنا كيف أن كبار الشعراء كانوا على درجة غير اعتيادية من الموسيقية كالأعشى الذي سموه لنغمية أشعاره العالية بـ(صناجة العرب)، وكقمم شعراء الأمس واليوم الذين ابتكروا ألحاناً وأنغاماً تنسجم مع الصوت العربي فأبدعوا.
في مجموعة الدكتور صالح الطائي يبدو الظهور الموسيقي جلياً.. فنحن نتفاعل مع الأفكار والمفردات من خلال النغم فنعيش أجواءه.. فإذا كنا نريد التأكد من أن صالح الطائي شاعر أم لا، أو البحث عن الشاعر في الباحث الإسلامي صالح الطائي، فالقراءة الموسيقية تبرز حقيقة انه (شاعر) بالفعل. نجد ذلك في شعره العمودي، الذي كتبه بطريقتين: الشطرينية المعتادة، أي قصائد ذات شطرين متقابلين، وقصائد شطرينية وزع كلماتها بطريق الشعر الحر. وكذلك نجد الموسيقى في شعره النثري.
ومن الأمثلة الموسيقية في شعره العمودي قوله:
هل الجراح الشمُّ يا ضيغمُ      أسياف مجد يعتليها فمُ
تهجّد الدين على صوته      وسار في صراطه معلمُ
وقوله:
رتل تواشيح الهوى
فالحشد
قد رفع اللوى
والشعب هبَّ جميعه
ومشى يطهّر نينوى
فالموسيقى تظهر بسيطة عفوية منسابة، وكأنَّ الشاعر قالها وهو تحت وطأة غيبوبة خالية من صحو الوعي، وألا لجاءت مفتعلة. وهذه سمة بارزة في شعره، اقصد العفوية والطبع وعدم التكلف.
وكقوله من قصيدة نثر بعنوان (يا سجدة العمر النبيل):
إليك يا سيدتي
يا من تنوئين بحمل اشتياقي
يا سجدة العشق النبيل
في محراب دنياي
يا لوعة عاشرتني سنين
تملأ قلبي حنين
فيلاحظ أن الشاعر يستحضر سمة موسيقية هي (القافية) فضلا عن التقطيع، وانسجام الكلمات، وتآلف حروف الكلمة الواحدة نفسها، كل هذا يصنع موسيقى فاعلة في النص والنفس، تعوّض الوزن الخارجي الذي هو طفيف الموسيقية، كما تشي بذلك قصائد الشعر التعليمي التي تكتب على بحر الرجز وغيره ولا يحس القارئ بأي موسيقى فيها .
صالح الطائي شاعر.. نعم شاعر جيد، ليس شاعراً كبيراً وليس شاعراً خاملا في نتاجه إذا قيس بجمهور الشعراء الموجودين في المشهد الواسطي أو العراقي.. في اختيار اللفظة الشاعرة، والأسلوب الشاعري، والأساليب والأدوات وطرح الأفكار والصور والفذلكات والقفشات.. الخ في كل ذلك هو لا يتخلف عن الشعراء، بل واحد منهم. نعم في بعض القصائد يظهر تعب المخاض، وألفاظ هاجرة، وصور لم تكتمل، وهذا أمر طبيعي يحصل لدى الكبار. أما الطائي فله العذر فإنه قام باستيلاد جديد لشاعر قديم في أغوار نفسه أخفته السنين والظروف، حيث أخذته الحياة. وعندما ظهر باحثاً ومفكراً، ظلَّ يلح عليه الشاعر الأمسي البعيد ليخرجه.. ثمّة شواغل عطلته.. إلا أن صدق الشاعرية هو الذي نجح أخيراً في إخراج هذا الشاعر المكبوت أو الامسي في نفسه... فكان ظهوراً يستحق العناء.
هو شاعر إذن، وله تاريخ قديم، وثمة قصائد قديمة تجاوزت المحاولات التجريبية. وهو شاعر جيد مؤثر ويمتلك الفعل الشعري، وإذا لم يكن في المقدمة فالأمر راجع إليه؛ فالشعر يختلف عن التأليف والتفكير العقلي، الشعر يعطي قياده للمتفرغ له.. فإذا أراد التفرغ له فليس عسيراً عليه مع امتلاكه الموهبة والأدوات أن يتقدم متخطياً الرقاب إلى الصفوف الأولى، وقد سئل الشاعر خليل مطران عن سبب تقدم احمد شوقي على شعراء جيله فقال: (لقد أعطى شوقي نفسه للشعر، فأعطاه الشعر ما لم يعط غيره). وشاعرنا مفكر وبحاثة وعلامة من الطراز الأول، فهل سيوازن بين العاطفة والعقل، أم سيضحي بالتفكير لصالح التشعير.. معادلة صعبة.. فنحن نعرف أن أبا العلاء المعري حين أصرَّ على أن يكون شاعراً وفيلسوفاً دون التضحية بأي منهما أصيب بخيبة أمل شعرية في أن يكون ثاني المتنبي، وقصرت يده عن اللحاق بالقمة، إلا انه وجد في أشعاره الفلسفية الراحة والرضا والعوض.
نبارك لواسط وللعراق خروج الشاعر من جوانح الباحث الكبير صالح الطائي، بمجموعة شعرية رائعة طافحة بالشعرية والصور الجميلة، في موضوعات وطنية وعاطفية اسماها الشاعر (نوبات شعرية) لتأكيد أن هذا الشاعر كان يفاجئ الباحث فيدق عليه قلبه وعاطفته ومشاعره، وهذه النوبات هي الخروج الميمون والظافر للشاعر أخيراً. فمبارك للشاعر صالح الطائي خروجه في هذا المخاض الشعري الجميل.



10
للأديب الشاعر عصمت شاهين دوسكي
أمسية أدبية في قاعة كاليري
جمال بروارى

أقامت مديرية الثقافة في دهوك قسم النشاطات الأدبية بعد أربع سنوات توقف بسبب الأزمات المالية أمسية أدبية للأديب والناقد والشاعر عصمت شاهين دوسكي  في قاعة كاليري عصر يوم الخميس 21 / 12 / 2017 م  عن روايته " الإرهاب ودمار الحدباء " وحضر الأمسية نخبة من الشعراء والأدباء والإعلاميين والمثقفين ومنهم الدكتور حميد بافي كذلك حضرت لجنة الشباب والمجتمع المدني في شبكة الإخاء للسلام وحقوق الإنسان بتوجيه من رئيسها الباحث في الشؤون الشرق اوسطية الأستاذ سردار علي سنجاري وفي مكتبها في دهوك الأستاذ لقمان عيسى ، ورئيس مجلة جامعة شعراء الأبجدية الثقافية الشاعر وليد مصطفى الدوسكي  والأستاذ شفان القيصر ، أدار الأمسية الأستاذ قهرمان عكيد وكانت الأمسية باللغة العربية، هذا وقد تحدث الأديب عصمت شاهين في الأمسية عن روايته الإرهاب ودمار الحدباء . الفكرة منها وأسبابها ومعالجاتها برؤية عصرية في هذا الوقت حيث تعتبر رواية أدبية توثيق وسردية تاريخية لفترة زمنية صعبة ومؤلمة حدثت في الموصل تحت ظل الإرهاب  وتتضمن الرواية عشرة فصول " قبل البداية ، من وراء الحدود ، دهوك المنطقة الآمنة ، احتلال الموصل ،منهج ورؤية ، الانكسار ، إعلان ساعة الصفر ، دمار البيت ، البحث عن مكان ، رحلة بلا نهاية " وهي رمز لدمار الإنسان والبنيان بصورة عامة تحت الإرهاب الدولي علما إن بطل الرواية هو نفسه الأديب عصمت شاهين دوسكي وعائلته ، وبعد شرح موجز للرواية فسح مجال للمناقشة الأدبية والفكرية وكانت هناك أفكار مهمة في المناقشة الأدبية وبعدها ألقى الأديب الشاعر عصمت شاهين دوسكي قصيدة " كوردستان "  يوصف حبه وعشقه وأفكاره بوصف جميل التي نالت إعجاب الحضور ، ويشيد الكاتب بدور الصديق الدكتور حميد بافي الذي كان أول المستقبلين له عندما وصل إلى دهوك كما أشاد بدور الأستاذ سربست ديوالي أغا الذي مد له يد العون والمساعدة للاستقرار في مدينه دهوك وقدمت للشاعر عصمت شاهين دوسكي شهادة تقديرية من شبكة الإخاء للسلام وحقوق الإنسان من قبل السيد لقمان عيسى مسؤول منظمات المجتمع المدني والشباب في شبكة الإخاء وكذلك تم تقديم شهادة تقديرية إلى المديرية العامة للثقافة في دهوك ، وخلالها تم إهداء نسخ من الرواية للحضور الكرام ، ونرجو أن تتجدد مثل هذه اللقاءات الأدبية في دهوك لخلق روح التواصل الفكري والإنساني بين الأدباء والمجتمع ، لتطوير الحركة الأدبية وبث فيها روح الحياة الفكرية والإبداعية . ...
شكرا جزيلا للأديب عصمت شاهين دوسكي لهذا الجهد الذي يؤرخ حقبة زمنية مليئة بالمعاناة والمآسي البشرية
شكرا لكل من يكتب للإنسانية ليكونوا سفراء محبة وسلام

11
الإرهاب ودمار الحدباء
رواية الشاعر عصمت شاهين دوسكي

بقلم : نجاح هوفك

   

رواية ( الإرهاب و دمار الحدباء ) رواية واقعية من رحم المأساة هكذا وصف الكاتب والشاعر والناقد عصمت شاهين دوسكي روايته... وحين تقلب صفحات الرواية تجد نفسك منسابا مع أحداثها فقد استخدم الكاتب أسلوبا سرديا مميزا توثيقيا للأحداث عرضها لنا بصدق وبإحساس عميق في الألم..ربما نحتاج هكذا روايات لاسيما الأحداث التي تناولها الكاتب بتفاصيلها توثق تاريخا مؤلما للناس الأبرياء الذين ابتلوا بإرهاب العصر واستخدموا أجمل القيم الدينية التي يعتز بها هؤلاء الناس ضدهم وحرفوها لتكون أداة لممارساتهم الهمجية ، يستخدم الكاتب أسلوبه الأدبي المعروف وبلاغته التصويرية كما في قصائده ولم يلجأ للخيال واختراع شخصيات تجذب القارئ ، فما بين يديه من أحداث بشخوصها الحقيقيين مادة كتابية غنية عرف الشاعر عصمت كيف يحركها و يتنقل بين الأحداث كما هي ليوصل إلينا الصورة بكل تجلياتها وأحاسيسها ، فها هو يروي مأساة أبناء مدينته الموصل التي آثر الرجوع إليها في بداية الأحداث بالرغم من المخاطر المحتملة له ولعائلته واحترامه لرغبة شريكة حياته التي تجذرت في المكان الذي يحمل أحلامهم وذكرياتهم وسنين عمرهم وبيتهم الذي يأوي أرواحهم والذي دمر بصواريخ استهدفت داعشيا ولم يأبه من أطلقها لمصير العائلة التي تسكنها  .. يروي الشاعر أحداث حقيقية من واقع المأساة التي كانت تعيشها المدينة من فوضى أمنية وانفلات عسكري ومظاهر سلطوية هدفها تعجيز المواطن وسلبه وليست خدمته ، وتركت حدود المدينة مفتوحة لقدوم الغرباء وهنا تحديدا في هذه النقطة وضع الكاتب يده على كيفية احتلال المدينة من قبل داعش بتلك السهولة وقدم الكثير من الأجوبة من خلال سرد مجريات الأحداث بطريقة درامية سلسة وجميلة بالرغم من تقديمه لنا وجبة من الأحاسيس المحزنة والجراح والصبر والانتظار والترقب والمعاناة والمليئة بالألفة وهو ينتقل بين الأهل والجيران مع عائلته يتقاسمون الخوف والأمل والدعاء ويتشاركون الطعام والمأوى .. يقدم الكاتب نموذجا حيا للإنسان الأصيل همه الأمان والعيشة الكريمة بدون خوف .. ذاك الخوف الذي رآه بأم عينه من قتل و تعذيب وتشرد وخراب لمعالم مدينته الجميلة من قبل أناس مختلفي الجنسية قدموا من بلاد بعيدة ليدمروا الفكر والثقافة والاقتصاد والتاريخ العريق والجمال والحب ، و يترك مساحة واسعة للتساؤل .. هل تم بيع الموصل.. ؟ هل باعوا العراق.... ؟ كل هؤلاء الناس البسطاء كانوا ضحية لصفقات خبيثة همهم النفط أو الاستحواذ بالسلطة على حساب الناس وحضارة عمرها آلاف السنين دمروها و كما دمروا الثقة والأمان في نفوس أهلها ، أبدع الكاتب بتصور المأساة بصدق ووثق في روايته ظلم هذا التنظيم الأرعن وايديولويجيته البعيدة عن الدين الذي نكل بالناس بدون رحمة و استخدم كل الأساليب الوحشية من ذبح ورجم ورمي بالرصاص ، ورمي الناس أحياء من فوق البنايات وهم يتلذذون بتعذيب الناس علنا ، رحلة موجعة وصفها لنا الكاتب من خلال شخصية أبو سيلين بطل روايته والمحيطين به ثم وصف رائع لرحلة الخلاص يبرع في سرد تفاصيلها بكل آلامها ومصاعبها لينتهي به وعائلته قي مكان أمن في مدينة ( دهوك ) ولكنها خلفت وراءها ذكريات مؤلمة ، و لا ينسى الكاتب الخيرين ممن ساعدوه وقدموا له يد العون ليقول لنا .." أخيرا " في روايته الإنسانية التي تغدو نموذجا حيا واقعيا لإرهاب عالمي ، وتكون شاهد عيان لمرحلة مؤلمة مرت بخوف وألم ودموع وترقب ، ستبقى رواية ( الإرهاب ودمار الحدباء ) للشاعر عصمت شاهين دوسكي على مدى الأجيال مصدرا أدبيا وتوثيقيا وتاريخيا وإنسانيا مهما .. تحررت مدينته وبالرغم من كل التخريب والدمار سيكون النصر دائما للخير ولابد أن يعم السلام والأمان مهما طال عمر الظلم والظلام  .
*****************************
رواية الإرهاب ودمار الحدباء – رقم الإيداع في مكتبة البدرخانيين في دهوك ( 2184 ) لسنة 2017 م – مطبعة محافظة دهوك .

12
سيرينيات ايمومو
مجموعة شعرية لزهير بهنام بردى

 
سيرينيات ايمومو مجموعة شعرية جديدة للشاعرزهير بهنام بردى صدرت عن دار ازمنة للنشر والتوزيع في عمان بعد عدة مجماميع شعرية وتضمنت نصوصا شعرية منها الهواء( يبصرني ويتعجب , استعين بوفرة مني , بصري وفير يركض خلف حياتي ,انا نفسي دون استثناء , وعلى غراري مخلوقاتي ) والسيرينيات كما اوردها في المقدمة فتيات يخرجن للبحر والبحارة بالغناء والرقص  حين وصول السفن مما حدا بايزيس ان تضع القطن في اذن البحارة اما ايمومو فمعناها النهار باللغة السريانية هذا وبلغ عدد صفحات المجموعة 106 من القطع المتوسط وبغلاف فني رائع من تصميم الاديب الاردني المبدع الياس فركوح تتصدره لوحة القبلة للفنان النمساوي غوستاف كليمنت كما اشرفت على الاخراج الداخلي للكتاب  نسرين العجو
نقرا في نص حفل توقيع افعالي
وقفتُ في بابِ الموت
يودّعني الموتى بلا نعي
لأنَّ الميّتَ يلبسُ الحذاء
لا يحتاجُ أنْ يعيشَ كثيرا
يقولُ
عليَّ ان البسَ النظّارات
لأرى الظلامَ قليلا



13
صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، رواية "في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا" للروائية الجزائرية ياسمينة صالح، وتأتي الرواية في 242 صفحة من الحجم المتوسط، تتناول فيها الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية التي مرت بها الجزائر في السنوات الماضية في قالب روائي مشوق.
ياسمينة صالح من مواليد 1969 بالجزائر العاصمة، واحدة من الروائيات الجزائريات الجادات في مجال الكتابة الروائية، رغم غيابها عن الساحة الأدبية الجزائرية في السنوات الماضية، حظيت بقراءات نقدية كثيرة لأعمالها، ترجمت روايتها الأولى "بحر الصمت" إلى الفرنسية في طبعتين، كما حظيت روايتها "وطن من زجاج" على جائزة القراءة في تونس عام 2009. قال عنها الروائي العراقي الراحل "عبد عون الروضان" بأنها واحدة من ضمن أفضل الأقلام الروائية التي قرأ لها. يذكر أن غلاف الرواية للفنان التشكيلي السعودي "أحمد البار".

14
صدر حديثا "أخبار أخر العُشَّاق" للاديب العربي برهان الخطيب

عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدرت رواية « أخبار أخر العُشَّاق » للأديب والروائي العربي الكبير المقيم في السويد " برهان الخطيب ".
الرواية التي تقع في 300 صفحة من القطع المتوسط، تصدر في العام الذي يمرُّ فيه نصف قرن على صدور أول كتاب لـ" برهان الخطيب " مؤلف "شقة في شارع أبي نؤاس"، "الجسور الزجاجية"، "الجنائن المغلقة"، "ليلة بغدادية"، "نجوم الظهر"، وأكثر من ثلاثين رواية مؤلفة ومترجمة من الروائع المعروفة في أرجاء الوطن العربي...
« أخبار أخر العُشَّاق » رواية مستقلة ومكمِّلة لروايته السابقة "أخبار آخر الهجرات" الصادرة قبل عامين... العنوان يقدِّم الرواية بوضوح إلى القارئ، من ناحية المضمون، ثلاثة شبان من عائلات غنية، متوسطة، فقيرة ، تتقاطع حيواتهم على منعطفات عامة خطرة، يتغيّر عندها الزمان، المكان، تفترق في الوطن، تلتقي في الغربة، في مواجهة خيارات دامية أحيانًا، خلاصاتها تحولات ريادية نهاية الرواية، منها أن أكثرنا إحساسًا بالبراءة إزاء ما يجري من تدهور في الحياة الخاصة والعامة قد يتبدى الأكثر مشاركة في التدهور...
إنها بانوراما أدبية واسعة تصورها الكلمات في تلقائية شاعرية محكمة تكشف أعماق عالمنا الراهن المفعم مشاكل.
الشكل الروائي جديد على مستوى الإبداع العربي في رأي نُقَّاد معروفين منهم د. علي ابراهيم، د. صالح الرزوق، د. نجم عبدالله كاظم ، الباحثة مروج حسين، يعتمد على مزاوجة فن القصة القصيرة مع فن الرواية، يمكن قراءة فصول الرواية (أخبارها المتصلة) قصصًا منفصلة، كذلك تُقرأ حدثًا كبيرًا واحدًا متعدد الأوجه، الانعكاسات، يُكثف فنيًا التعبير الروائي يعمِّقه في سطوع يجلي زوايا عالمنا الراهن المعقدة المليئة تفاصيل، منها ما نراه عادة، أيضا ما لا نراه، من ظاهرة انقلاب اجتماعي جديد، في امتدادها الإقليمي، العالمي، بعد انقلاب ربيعي ساخن عابر. أحداث فصول أو أخبار روايتنا هذه تبدأ في الوطن تنتهي في الغربة معبِّرة عن تشظي التاريخ على رقعة حرجة من جغرافيتنا الفسيحة.
الروائي العربي الكبير " برهان الخطيب " يستثمر في الرواية بعض قصصه السابقة يعيد كتابتها، يزيل عنها غشاء البراءة السابق الذي يسربل تجارب الكتّاب الأولى، آن يكونوا مطلع الشباب غيرهم بعد نضج في المراحل المتقدمة من العمر، يتجلى غير المألوف فيها فوق مألوفها الظاهر منطقيًا ضروريًا، الخطيب يستخلص: لا قيمة لرواية بريئة في عالم غير برئ، مفتتحا، على حد تعبير أحد النقاد، عالمًا استثنائيًا جديدًا للسرد، رؤية صاحية بعيدة عن رؤية أحزاب، تجمعات، إلى الإنسان، الوطن، ضيقة مؤدية إلى خراب تتصدى الرواية له تحفّز قارئها إلى تجاوزه.
إذاً بعد نصف قرن تتوج أعمال برهان الخطيب رواية جديدة، تحكي عن تداخل مصائر الأفراد في مصير الوطن، عن صعوده صعودهم في آنٍ، أو العكس... دماره دمارهم لو يغلّب الأفراد نزعات طموحات مشبوهة على مصيرية نبيلة.
Al Bawaba

15


غدير حدادين تكتفي بالعيون لتمنحها زوّادة الطريق
عمّان-
في ديوانها الجديد الصادر مؤخراً عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان، تعلي الشاعرة غدير حدادين من قيمة ومكانة العيون، إذ ترى فيها الطاقة الكافية التي تحتاجها في طريق الحياة والسعادة، بل قد تمنح العيون  الحياة. ولشدة عشقها للعيون منحتها عنوان كتابها: "سأكتفي بعينيك قمحا للطّريق". ويتأكد أن العيون بالنسبة للشاعرة هي الحياة بكل ما فيها، ففي قصيدة" أكتب لعينيك..." تقول:
أكتب للوردة المغروسة في عنق الحياة،
أكتب للفراشات التي  لونت شفاه الأحلام،
أكتب لراحلين عن قصائدنا،
للذين ضلوا في شواطئ الغيابْ ..
للمتعبينَ، للجرحى،
لمن خذلتهم يدُ الأمنياتْ ..
أكتب كي أتلمّسَ حدود داخلي
وآخرَ ميناءٍ يحضن كفي ..
أكتب كي ترتفع ضحكة الأطفال كالمآذن،
أكتب للصفحات المحناة بالقصائدِ
ومواويل الطيبين  ..
أكتب للأسماء التي كبرت معنا ولنا،
أكتب لعينيكَ التي سافرتُ إليها سراً
ولم أعد حتى الآن!
ويبدو أن العيون تشكل عالما خاصا بالنسبة للشاعرة، عالما يختصر العالم، وحياة تختصر الحياة، تقول في قصيدة "عيناك":
ليتني أكتبكَ فتقرأُني من دون ضبابْ
ليتني أعيشُ الزمنَ بذكرى واحدةٍ وأعوامٍ منكْ
ليتني أُعانقُ أسرابَ الحزنِ التي تمضي معَكَ دوني!
خذْ شيئاً من حنيني لتلمسَ وَحشةَ اﻻنتظارِ
وبرودةَ المساء!
خذْ من شُطآنِ الغيابِ
قُبَلاً لم ترحلْ معَها مراكبُ الذكرياتْ ..
خذْ وردَ اشتياقي وتشمم عطرَ أطيافكَ الذائبةْ
خذ وجعي منِّي ولا ترحلْ،
سأكتفي بعينيكَ قمحاً للطريقْ ..
وتتكرر صورة وثيمة العيون لدى الشاعرة في أكثر من قصيدة، فتقول في مقطع آخر:
سيدُ النسيان قلبكَ
وعيناكَ عواصفُ يلوذُ بها الظمأ
مثل رحيل الحقول
وانكسار الوتر كدمعة!
وبدرجة عشقها للعيون التي ترى فيها الحياة ذاتها، هي تعشق الوطن درجة التقديس، في ترفض أن تتعامل معه كمحطة عبور، أو شيئا بروتوكوليا، فهو بالنسبة لها ملح حياتها الذي لا غنى عنه،
لستَ محطةً أعبرها وأبكيها حنيناً،
ولستَ "كوفيةً" أرتديها لمناسبةٍ عابرةْ ..
ولا نشيداً يُسمعُ في الصَّباحْ ..
حبيبي أنتَ، ومِلحُ أيامي وصبرُ الأمهاتْ ..
منكَ ، وفيكَ ، وإليكَ أعبرُ كلَّ حينْ ..
في سهرِ الجنودِ على حدودِ الورد،
في تعبِ الكادحينَ لبسمةِ أطفالِهمْ،
في سُكَّرِ التِّينِ وصَلاةِ الزيتونْ،
وفي مُستقبلِ الرَّايةِ الجامعةْ ..
فدُمْ مُـحبَّاً أيها الوطنُ المقدَّسْ ..
ولعمان تغني بكل الحب:
كنتِ .. فكانَ الحبّْ!
وتوضَّأتِ .. فصلَّى القلبْ
وأضاءَتْ في العشقِ دموعي!
تقول الشاعرة عن تجربتها الشعرية "الشعر حال وجدانية إنسانية تثير في دواخلنا الرغبة بالبوح الشفيف والذي يبعدنا عن الواقع ليصنع واقعه الخاص. وأنا أكتب كي أتنفَّس، أقول بالكلمة هواجسي التي ترافقها صوَر شعرية أرسمها بالكلمات ونبض القلب".
وتقول: "حين يتملّكني إحساس بالتعب أحتاج للكتابة، أحتاج لتفريغ ما في داخلي من مشاعر، وأرتاح حين تلامس فضاء الأبيض معلنةً ولادة قصيدة. أبتعد مع الشعر، مع كلماته التي تتسلَّق الروح كنبات الجداريات تاركةً خلفي ماضياً لا أعود إليه. فالكتابة برأيي تصريح واضح عن الأمل والاستمرار، تصريح أنّ بعد الحزن هناك أملاً يتململ تحت الرماد".
يذكر أن الشاعرة غدير حدادين من مواليد سنة 1977، حاصلة على ماجستير تربية رياضية من الجامعة الأردنية عام 2001،  تعمل مديرة للتطوير والتسويق والإعلام في "مركز روح الشرق للتدريب والتطوير لذوي الاحتياجات الخاصة"، أطلقت مبادرة إنسانية إجتماعية "لوِّنها بالأمل" التي تعنى بالطفل المصاب بالسرطان وذوي الاحتياجات الخاصة.
وهي بالإضافة إلى كونها شاعرة وعضو رابطة الكتاب الأردنيين، فهي فنانة تشكيلية وعضو رابطة التشكيليين الأردنيين. صدر لها مجموعتان شعريتان : "أُشبهني"، 2014، و"أحلمُ كما أشاء"، 2012. كما أقامت العديد من المعارض الفنية الشخصية والجماعية.








16


نجوم الظهر تسطع في سماء بغداد*

 
عن دائرة الشؤون الثقافية في بغداد - وزارة الثقافة والفنون صدرت أمس رواية الأديب العراقي برهان الخطيب الموسومة (نجوم الظهر) تصميم الغلاف للفنان د. رائد مهدي، في أكثر من 300 صفحة، ذلك في صيغتها النهائية  أخيرا  بعد مرور ثلاثين عاما على نشرها أول مرة مسلسلة على امتداد عام كامل في مجلة (أوراق) الأدبية الأسبوعية من الإمارات، الرواية سبق أن نشرت أيضا طبعة تجريبية في موسكو عن دار أوراسيا بداية التسعينات في ثلاثة ألاف نسخة كما هو مثبت على الصفحة الأخيرة من الرواية، تحوز على شهرة واسعة في عموم الوطن العربي، لكنها مثل معظم روايات الخطيب لا تصل القارئ العراقي حسب تقدير الباحثة مروج حسين مؤخرا في دراستها الأكاديمية عن الأديب. دائرة الشؤون الثقافية منذ مطلع الألفية الجديدة بل قبل ذلك أيضا تسعى، ضمن سعيها خدمة الثقافة العراقية، إلى  توفير روايات ب الخطيب للقارئ العراقي خاصة، العربي عموما، تنشر أوائل ثمانينات القرن الماضي كتابه (الشارع الجديد) تتبعه بعد ربع قرن روايته الملحمية الكبرى (الجنائن المغلقة) في جزئين، الفرق في نشر الثمانينات عن نشر ما بعد الألفية الثانية أن الرقيب حينه يستبعد من مجموعة قصص (الشارع الجديد) جزءً مهما منها، قصة عنوانها (الطلقة)، فتصدر الدائرة المجموعة ناقصة من غير العودة إلى المؤلف أو استشارته، بينما لا تغير الشؤون الثقافية اليوم في نص (نجوم الظهر) الحالية المذكورة، غير كلمتين، رغم ذلك لا من غير استشارة المؤلف والحصول على موافقته.
أيضا تدرس دائرة الشؤون الثقافية حاليا مشروع إصدار بقية روايات الخطيب بعد عمل المؤلف عليها طويلا، السنوات الخمس الماضية، يغير أسلوبها، يكمل صياغتها، صورة نهائية صالحة لقراءة الأجيال الآتية تحقيق متعة جمالية فكرية تنويرية عالية، الاطلاع في آن على خفايا التاريخ العراقي في أدق تفاصيله أحيانا، أي ما يُخفى كما يقال وراء كواليس.
على غلاف (نجوم الظهر) طبعة موسكو يكتب المؤلف:
كل مرة أكتب رواية يلازمني خوف من الموت قبل إنهاء العمل، وكل مرة أنتهي من رواية يلازمني خوف آخر من العيش بلا كتابة. حين بدأت كتابة (نجوم الظهر) كنت شبلا في قفص، بعد أشهر هرمت، ورحت قبيل خاتمتها أتوسل إلى رب العالمين يمنحني يوما آخر أضع فيه آخر كلمة لها.. أنا انتحر وأنقذ نفسي بالكتابة. في يوم نفض يدي من الرواية سقطت صريع صداع قاتل وانقذتني سيارة اسعاف. نجوم الظهر رواية منحتني حبا باقيا ساعدني في كتابتها..
اليوم على غلاف طبعة بغداد نقرأ من لجنة التأليف والنشر:
ضمن هذه السلسلة روايتنا الحالية (نجوم الظهر) للكاتب المتميز برهان الخطيب التي كتبت بحرفية عالية، اظهرت تمكن المؤلف من أدواته الفنية حيث اعتمد السرد الحر الذي جعله طليقا في الزمان والمكان معززا بثقافة ودراية سياسية واجتماعية، مكنته من ايصال الفكرة ورسم ملامح الشخصية الخارجية والداخلية، وحيث يحافظ على ايقاع السرد يذكرنا بوظيفة الحكواتي، و توظيف الجمل والكلمات العامية والامثال والحكايات الشعبية..
 
 أخيرا، جسار بطل الرواية في محاولته رفع حاله، فهم العالم، لا يهادنه القدر، ينتقل من امرأة إلى أخرى،  يهرب مضطرا من مدينته إلى الريف، إلى العاصمة، يلتقي أناسا نماذجهم تشكل مجموع الشعب في مغامرة روحية واقعية تكشف ما في أعماق وآفاق العراق، مغامرة جلجامشية عصرية قلما نجد لها نظيرا في آداب الأمم الأخرى، ما يدفع أشد النقاد العراقيين تزمتا إلى الاعتراف بأن مؤلف الرواية يصنع منها: عمارة فنية في غاية الجودة. كذلك تكتب مجلة (أوتلاندسكا بوكر) السويدية الرسمية الخاصة بالمكتبات عن (نجوم الظهر) حين تُعرض في مكتبات السويد العامة تقدمها إلى قارئ العربية: يعرض الكاتب في هذه الرواية بعاطفة عميقة وقوة تصويرية بيئتين مختلفتين، إنه يتكلم عن سكان المدن والبدو وبموازاة ذلك يقارن بين نمطي حياتيهما المختلفين، ويعالج الصراع بين الخير والشر، بين المدينة وسكانها، وبين الأغنياء والمضطهدين. إنها رواية مثيرة وواقعية. 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن صحيفة العالم العراقية 



17


 تَوَجُّس

د. ابراهيم الخزعلي


إستيقظ صباحا كعادته ، فرآها ليست كما هي ، كانت تتأمل، مع حزن شفيف  يشوبها، فيما الغيوم المدلهمة  تحجب السماء تماما، إلاّ فسحة صغيرة  تخللت  منها الشمس لتبعث رسالة حب صباحية  اليها ، وهي تركن في زاوية  من النافذة .
شيئا فشيئا راح يدنو منها ، وقبل أن ينحني ليشم عطرها ، إمتدّ قلبه من بين أضلعه اليها ليدرك كنه كآبتها ، فاستشف  خلجاتها ، تقول له ، ان عالم غربتك الضيّق الذي يعدّ أنفاسك ، كالأناء الذي أنا  صُلبْتُ به ، معزولة عن عالمي الذي ولدتُ فيه ، النهر والشجر والفراشات والفضاء الرّحب ، بينما  هو يصغي الى هسيس احاسيسها ، وإذا بصوت  ينطلق من داخل القفص المعلق على الجدار  قائلا : وأنا كذلك . وساد التأمل جو الغرفة!


موسكو
2.02.2017

18
أدب / كافر
« في: 16:44 28/02/2017  »
كافر

ذات مساء..

قالت أُمّي :

أنا أُؤمن بالرّبِّ ،

وأُؤمِنُ باليومِ الآخر

فلماذا ولدي كافر ؟

فَقُلْتُ :

يا أُمّي أَنا شِيوعي ،

وأنا لَسْت بكافر

قالت:

ولماذا أَنت تُغامر؟

فَقُلْتُ:

لأنّكِ أَوّل مَنْ عَلَّمَني

ماذا تُعني الشُيوعِيّهْ
 
بوَجْهي اصْطَدَمَتْ دَهْشَتها ..

أنا ؟!! قالت

نَعَمْ يا أُمّي أَنتِ

أَنتِ مَنْ عَلَّمَني ..

في البَدءِ مَعَ نَفْسي

أَن أَصْدُق
 
ومَعَ الناسِ ..

هي أَسْمى المِصْداقيّهْ

وأَنتِ مَنْ عَلَّمَني
 
أَن لا أَسرق

أَن لا أَكذُب

أَن لا أأكل

إلاّ من عَرَقِ جَبيني


وأَنتِ مَنْ عَلَّمَني
 
أَنْ أَعْمَل

وأَنتِ مَنْ عَلّمَني
 
أَنْ أَبني

وأَنتِ مَنْ عَلَّمَني

أن لا أهْدم

وأَنتِ مَنْ عَلَّمَني

كيف أكون

ودوداً

خَلّاقاً

معطاءا

وأَنتِ مَنْ عَلّمَني

كيف أكون إنساناً وعصاميّا

وأَنتِ مَنْ عَلّمَني

بالعَدْلِ والأنصافِ والحرية

تحيا الدنيا والبشرية

وأَنتِ مَنْ عَلّمَني
 
كيف أذودُ عن الفقراء

وعن المحرومين

 والضعفاء
 
وأبناء الطبقة المنسيّة

 وأَنتِ مَنْ عَلَّمَني
 
أن لا أَغدر

وكَيْفَ أَكون وفيّا

وأَنتِ مَنْ عَلَّمني

حُب الوطن

وحُب الناس

وأَنتِ يا أُمّي

رَسَمتِ لي دَرْب الخير جميلاً
 
فَوَجْدتُ نَفسي

شيوعيّا

أَجَلْ يا أُمّي  قُلْتُ

أنا كافر بالطاغوت

حاكم  رأس المال

وأنا كافر

بالفُجّار

وأَنا كافر

 بالظّلْم

وأَنا كافر بالأنذال

والمُحْتال

وأنا كافر ، لا بالدّينِ

 بَلْ بالسّمسار

والخَوّان

والغدّار

وأَنا كافر يا أُمّي

 باعداء المُثُلُ العُلْيا

وأَعداء الأنسانية

فابْتَسَمَت أُمّي قائلة :

ياولدي أَنّي أَعرف

لكنّي أَخافُ عليك
 
من هذا الدّربِ الصّعْبِ

وعيونِ الأشرار الوحشيهْ
-----------------------
الدكتور ابراهيم الخزعلي
22.02.2017
 

19
الى الشهيد  البطل عبد الكريم قاسم
وكل شهداء الصبح الأسود
 
طقوسٌ تأمُّليةٌ عند بَوّابة الغائب الحاضر

لَمْلَمْتُ ما تبقى مِنْ
مٍسْبَحَة الآلهة المغدور
واقتَبَسْتُ مِنْ
فَيْض روحه
النور والعطور
أبدء الصلاة في مِحْرابِهِ ،
فساعة أُسَبّحُ
وساعة بحُبّهِ مخمور
زرَعْتُ في عتبةِ انتظارهِ
  الأمل والحب والزهور
وشربْتُ من صبرهِ المُعَتَقُ
المُرُّ، في لقائه عسل
 أحَلّقُ في فضائهِ
ثُم أغفو
ثُم أصحو
ثُم  أغفو
ثُم أصحو
عدد النجوم
آحلامي الخضراء،
وآهة تنفخ في المساء
 في موقد الضلوع
في سَماواتِ الأماني
حمامةٌ تَنوحْ
لحظة تَحُطُّ  بالقرب من جراحي
ولحظةٌ تطيرُ أو تدور
الشوق يعلو
ثُم يعلو ، ثُم يعلو
سحائبٌ حبالى
 إشراقة تمطرُ من نور
ذا أنت على صهوة بيضاء جئت
وحيدا ولم يأت العراق؟!!
_  ..............
وعلى الوسادةِ  تشتعل
آهة حرّى
والأدمع مدرارة تفور
سيّدي ..
البُعْدُ طالْ
البُعْدُ طالْ
وطالَ طالَ الأنتظارْ
الزمنُ الرّثُ
 ريحٌ وأشرعةٌ
السفن المبحرة 
 تبحث عن شواطئ الأمان
وهي بلا رُبّان
عيونٌنا الحالمة
 ذاب المدى فيها
 والأفق النائي
تسمّر في الجفون
بيوتات الكادحين
تندبُ حظها
ثمة جرذان خرافية ،
تقرض
 اعمدة السماء
الذؤبان تعوي
ولا قمر منير
عشتار تبحث في الفصول
عن ابجدية الحياة
تبحث في الحروف عن معاني
تبحث في الفضاء عن سماء
تبحث في الذاكرة
عن عالم الخلود
ولحظة البداء
تبحث في النفوس
عن ومضة من نور
تبحث عن مسلة العطاء
تبحث عن تلك اللواتي
ألْبَسَهُنَّ الغدر،
الحزن والسواد
تبحث عن مفتاح
 بابها المفقود
تبحث عن تموز
فليس سوى صدى
 عواء سربروس
في جنة النهرين
في جنة الفردوس
والحالمون هاهنا
أو هناك في الأكواخ
في البيوت
في المدن التي
رسمها تموز من شموس
أطفالها
نساؤها
اشعلوا الرموش ،
 كالشموع
والحلوى والنذور للقاء
فعسى تموز أن يعود
ويبعث الحياة في الوجود
ويطرق  الأبواب
  الأملُ، والبشرى والحبور
من أي السماوات ستأتي،
من أي الفصول قادم ،
يا سيد الفصول ؟
وأنت أدرى ..
ما يجري أو يدور
بعد اللتيا والّتي
والسموات السود
 الصباحات، تئن من جراحها
تنهشها ..
أنياب سربروس
 اوباش ما
 حوت القرى
من قاص
ومن دان
ووجها العبوس
صباحات شباط الراعفة
تأريخ دم وطقوس
ونزيف وجراح
أفعى الظلام
ليلنا طويل
أشباح الأساطير
في كل حيّ
 كل درب
والبيوتات..
خراب
رسموا على ابوابها
أحلامهم ذئاب
وطلاسم ملغومة
هي إرث الأولين

الدكتور ابراهيم الخزعلي
9.02.2017
موسكو

20


الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب


بغداد ـ العالم
نصف قرن وكاتبنا العراقي برهان الخطيب يواصل إبداعه، أخيرا تصدر مؤسسة شمس المصرية روايته (أخبار آخر العشاق). الخريف الماضي تناقش كلية الآداب ببغداد (الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب) دراسة ماجستير للباحثة مروج حسين، دراسة لها هيكل دقيق، التمهيد عن مفهوم الفضاء في الخطاب النقدي وتقسيماته: الفضاء النصي، الدلالي، الجغرافي، والفضاء كمنظور أو رؤية. تحت عنوان وظيفة الفضاء تتحدث الباحثة عن علاقته مع شكل الرواية، مع المضمون، عن تطور البناء الفني في روايات الخطيب، تقنياته السردية، موظفة في دراستها اثنتي عشرة رواية له، بدءا من (ضباب في الظهيرة) رواية عام 1968 عنها يكتب سعد البزاز، غسان كنفاني، حسن النجمي، إلى (اخبار اخر الهجرات) ثم (غراميات بائع متجول) من اعماله الحالية، مع تركيز على تشريح المكان، الزمان، علاقتهما بالشخصية. تقول الباحثة: لم يعد مصطلح الفضاء، اشكالية تحديده بمفهومه الواسع، مقتصرا على الزمكان الذي يركز عليه جيرار جينيت ومن يتبعه من الدارسين العرب. المكان له دور رئيس في حياة الانسان، منه ينطلق إليه نعود، أو ليست حياتنا ككل رحلة مكانية تبدأ برحم الأم تنتهي بالقبر، نقرأ ذلك عند نجيب محفوظ في صيغة (جئنا من ظلام نعود إلى ظلام) كاتبنا العراقي برهان الخطيب يختصر ينقل تلك الرحلة الوجودية شبه المحدودة للإنسان في روايته (الجسور الزجاجية) إلى صعيد الرمز الواقعي، من ظلام إلى ظلام نعم لكن من سجن حيث تبدأ الرواية إلى سجن آخر حيث ينتهي بطلها مزعل. في بدايتها (ولادة روحية) له وبعد رحلة ألم قصيرة بين المدن والتحديات والذوات يعود إلى الظلام مرغما محبطا مع حصيلة تجربة تلخص مسيرة وجود إنساني عريض يكسبها المرء خلال عمر طويل.
في روايته (ليلة بغدادية) يواصل الخطيب استلهام تجربة العراقيين في الشقاء يجدد رسم تلك الدورة الحياتية، من ظلام إلى ظلام، من عراك إلى عراك، تبدأ تنتهي بمطاردة سياسية لا تنتهي، ملخصا نمط العيش في منطقتنا نتيجة تغليب انفعالات على العقل، سهو على يقظة، محدودية تفكير على انفتاح.. ص 7 الأطروحة.
يؤثر المكان عند ب الخطيب على تركيب الاشخاص، ابن البادية غير ابن المدينة، ابناء المدن يختلفون باختلاف المدن، تغير المكان يؤثر على الشخصية، احسان مثلا في رواية الخطيب الجديدة (اخبار اخر العشاق) يتغير بعد انتقاله من العراق إلى المهجر، يمسح المهجر الفروق بين ابناء البلد الواحد حسب تعبير احسان: تتساوى القرعة مع أم شعر في الغربة.. تبهذلنا.. لا يتركوننا نعمر بلدنا يحركون غرور زعماء، أطماع أتباع، يثيرون الحروب نتشرد نقع في شِباك.
في التمهيد تستعرض الباحثة وجهات نظر نقاد معروفين في موضوعة الفضاء الروائي، ارتباطها بالمكان، من ياسين النصير، حميد لحميداني، ميشال بوتور، حسن بحراوي، عبد الصمد زايد، عبد الملك مرتاض، مراد عبد الرحمن، شاكر النابلسي، محمد شوابكة، محمد عزام، حسن نجمي، كريستال شولز، غيرهم، تؤيد تدحض تصل إلى استنتاج: مجموعة برهان الخطيب القصصية (الشارع الجديد) تشكل بمجموعها رواية، مؤلفها يفطن مبكرا إلى الفرق بين المكان والفضاء جيدا، في قصصها التسع عشرة (قدمها للوزارة عام 1979 "عشرون قصة" حذف الرقيب واحدة") ينوع المكان، مسرح الأحداث، عامدا متعمدا حسب تنوع جغرافية العراق، ينتقل عبر قصصه من حي المدينة في قصة (الشارع الجديد) إلى البادية في قصة (الهدف) إلى مواقع الفيضان في (الطوفان) إلى مواقع الجفاف في (أم الوز) إلى مكان تدريب العمال في (بأمر السيد المدير) إلى مواقع الغجر في (ولكن ليس كالريح) إلى القرية في (جزيرة الواق واق) إلى حمام المدينة في (سر اللعبة) إلى بيت لغز في (المأدبة) إلى البحر في (البحر) إلى مدينة ثلج متخيلة في (طائر الثلج) إلى مضيف العرب في (المضيف) يغطي جغرافية العراق برمتها خالقا من تنويع المكان فضاء فسيحا يسهل تحويله إلى روايته (أخبار آخر العشاق) هنا نرى العلاقة وثيقة متبادلة رغم التنوع بين الجزء (المكان) والكل (الفضاء) احدهما يؤثر في الآخر على خلق التنوع تناغمه لصالح الطرفين.. كأنه يقول تحت النص ان أي انفصال لأي جزء من تلك الفسيفساء الباذخة يدمر الصورة الكلية كما يضيّع الجزء ذاته صورته. تلك فكرة يضعها الخطيب في أساس عمله يكتشفها الباحث في يسر عند الانتهاء من قراءته، إنما يمكن لقارئ ذي خيال أبعد الحصول على امتدادات لها أبعد.   
الفصل الأول من الدراسة مكرس الى المكان الروائي، مبحثه الأول عن ثلاثة مواضيع: أهمية المكان في العمل الروائي، وظائف المكان، الوصف والمكان. تعرّف الباحثة المكان الروائي: هو العمود الفقري الذي يربط أجزاء العمل بعضها إلى بعض، أحيانا يكون الهدف، يجسد رؤى الكاتب. تحلل الباحثة آراء النقاد بهذا الشأن من سيزا قاسم، عبد الصمد زايد، سمر روحي الفيصل، صلاح صلاح، طاهر عبد مسلم، منال بنت عبد العزيز، محمد برادة.. تصل إلى القول أن برهان الخطيب يتمثل ذلك في رواياته، في رواية (شقة في شارع أبي نؤاس) بدءأ من العنوان حتى الانتهاء منها نجد المكان رمزا للعراق كله في فترة زمنية محددة عام 1963 لها تأثير كبير في تأريخ العراق، وجود الشقة ذاته في شارع اشتهر شارع حانات وملاه يبرز ما يمكن ان يخبر عنه المكان، في صور غير مباشرة، خلاله يوحي المؤلف قبل قراءة الرواية أنها تجسد حقبة استثنائية خارج نطاق تاريخ العراق المحافظ المعتاد. قراءة الرواية توضح بشكل ملفت جريمة اغتصاب، اعتقال، أحداث تنتهي بانقلاب أواخر عام 1963 مؤثرا مباشرة على شخصيات الرواية ومصائرهم، بل ان تنوع تلك الشخصيات من كردية وعربية، طلبة لهم انتماءات سياسية مختلفة، يعيشون في مكان واحد، شقة واحدة، عن اختيار بعد تمحيص من المؤلف، يجعلهم ممثلين للشعب العراقي برمته، هكذا يحصل المكان أقصى قدرة على استيعاب وظيفته الفنية في دعم السرد، إيصال الافكار إلى القارئ، من غير أن يبقى المكان منعزلا عن باقي عناصر السرد. على ذلك النهج يواصل الكاتب الخطيب باقي رواياته الأخرى، يختار لكل منها مسرح أحداث ذا دلالات متنوعة، يعبر عن أعمق وأوسع ما يريد توصيله من تجارب العراقيين. (بابل الفيحاء) مسرحها مدينة الحلة، يمكن عدها رواية الحدث العالمي، المعد محليا، إعداد حلف بغداد مع امتداده اليوم. أولا العنوان ذاته من شطرين، بابل أي التاريخ ضمنا المكان، يعقبه الحاضر أي الفيحاء، أي الزمن ضمنا المستقبل، تأكيدا على امتداد الحدث الروائي من حاضنته التاريخية إلى حاضنته في الاتجاه المقابل، ديمومة الخير. تستنتج الباحثة: المكان في هذه الرواية وغيرها من روايات الخطيب هيكل عظمي لبدن المجتمع العراقي، ذلك ربما لتطور تجربة الخطيب الروائية منطلقة من تجربة نجيب محفوظ وغيره ما يدل على ان العملية الابداعية في عموم الوطن العربي متصلة متصاعدة، بل تتصاعد حين تكون متصلة، متفاعلة ايجابيا. ثم تعرج الباحثة إلى رواية (ذلك الصيف في اسكندرية) للخطيب تبين اهمية احداثيات المكان الجغرافي، ضرورة تطابقها مع الواقع حين يجري السرد على تضاريس معينة، لا مجازية. عن قصة (سامية الاسكندرانية) تذكر: لقد قام شخص مبعوث من معهد الاستشراق الموسكوفي إلى الإسكندرية من قِبل مترجم القصة بوريس جوكوف بمطابقة اسماء المناطق والمحلات المذكورة في النص العربي وهي كثيرة مع اسمائها كما هي في الواقع، وجدها ذات مصداقية كاملة.
تنوع المكان في العمل الروائي يؤدي إلى تعدد وظائفه، إلى توسيع رقعة السرد، من وظيفة إيهامية، إلى تعبيرية، إلى تفسيرية، إلى رمزية.. المكان يُستحضر بواسطة الوصف غالبا، تراه الباحثة قد يقترب أحيانا إلى الوثائقية عند الخطيب دون الخروج عن السياق الفني، حتى أن قراء (بابل الفيحاء) و (الجسور الزجاجية) يتعرفون على مدينة الحلة من خلال الروايتين كأنهم يعيشون مع أهالي المدينة عمرا طويلا، ذلك كما جرى التعرف على الحي اللاتيني في باريس وغيره من خلال كتب سارتر، مونترلان، هيغو،  كما على اسبانيا من خلال همنغواي، كما على الصين من خلال اندريه مالرو، كذلك على الاسكندرية المصرية من خلال ما تقدمه عنها رواية الخطيب (ذلك الصيف..) أيضا على موسكو في روايته (حب في موسكو).. على المسيب وكربلاء اللتين يذكرهما في (نجوم الظهر) على الشام والسويد في (الجنائن المغلقة) غير ذلك مما يصل إلى حدود الرصد الطبوغرافي كما في روايته (غراميات بائع متجول) مع تحرك المكان وانتقالاته من خلال ترسباته في الشخصية الروائية، ذلك يتجلى في روايته (أخبار آخر الهجرات) حيث يحمل يوسف وزوجته تأثيرات المكان معهما إلى أرض الغربة، يبدأ صراع جديد، يصرخ يوسف فيها: اخرسي يا ساقطة.. ليس للسقطة حق الكلام! ترد زوجته: لا انت تقرر مَن الساقط مَن الشريف.. أنت لست رب العالمين.
ـ أنا رب هذا البيت في الأقل أقرر فيه ما السقوط ما الشرف.. فتنخرط زوجته في البكاء:
ـ اعترف يوسف لم تعد ربا لأي بيت ولا سيد نفسك ولا لي منذ لا تتمكن حماية بيتك القديم، منذ نترك الوطن!
 هكذا يتضح جبروت المكان، أهميته كجذر مغذ للإنسان، تفاعله سلبا ايجابا مع الشخصية الروائية، المؤلف يبقى على حياد المهندس إزاءه، تضيف الباحثة: ذلك غير جديد على الروائي الخطيب فهو مهندس في الأصل، تخضع كل رواياته إلى خطة، إلى بناء هندسي واضح الملامح، لا مساحة تخلو من فائدة لمجمل البنيان، ذلك جلي في روايته (ليلة بغدادية) يضغط كل أحداثها الجسام في ليلة واحدة، في بيتين متجاورين، في أشخاص لا يتجاوز عددهم خمسة أو أربعة، مقدما مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث.

21


الستينيون.. الروح العراقية المبدعة


بغداد ـ العالم


على منعطفات التاريخ تطل ظاهرة الفورة الأدبية في آداب العراق، العالم، قد تعقبها ثورة على محيط السياسة، فورة تستحدثها كوكبة ثرة من الكتاب، منفعلة أو فاعلة في الأحداث تتفاعل مع التغيرات، حاملة معها ارهاصات، قلة منها يلاحظ نقاد يمكنها التعبير في فصاحة في رجاحة عن جوهر وأبعاد تلك التغيرات، تعبيرا لا يتجلى بالضرورة ناضجا في الحال. نضج ذلك الجيل، أي جيل، يحتاج غالبا أكثر من عقد ليشع ألقه، من تلك النخبة  يبقى على الساحة الأدبية عدد أقل .. يسطع نجوما مع أنواره الإبداعية منيرا سماء الثقافة، زمن بوشكين، دستويفسكي، شكسبير، همنغواي، فلوبير، أو ستندال، غيرهم، هناك العشرات من الكتاب  يصخبون، يملئون المجالس نقاشا، كتابات، يبقى اليوم من إبداعهم بيننا الأكثر قدرة على التعبير عن روح زمنهم، عن تطلعات الناس.
عبر تأريخ العراق تنشأ أكثر من فورة أدبية، خاصة في الخمسينات، في الستينات، ترافقها فورة أخرى في مجالات الإبداع الأخرى، الرسم، النحت، التمثيل، تؤدي إلى تحولات سياسية عميقة، أحيانا يحصل العكس.. تغيرات السياسة تستحدث فورة أدبية ثقافية.. إنما على السطح.
اليوم تتعرض ثقافتنا، بل الحضارة برمتها، إلى انقلابات مرئية، غير مرئية، بتأثير من الداخل كماً، من الخارج نوعاً، في العراق تكتمل تجارب كتابنا في العقود الماضية، منها تجربة قصاصي وروائيي ستينات القرن الماضي. على منعطف الستينات إلى السبعينات يتحدث شيخ النقاد العراقيين المرحوم د. علي جواد الطاهر عن الكتّاب الجدد حينه، في مقابلة إلى مجلة ألف باء العراقية، يفهرسهم في تيارين أو خانتين، تجريبية متأثرة بالأدب الغربي عبر تراجم عنه، الفرنسي خاصة، تضم عبد الرحمن مجيد الربيعي، محمد خضير، زملاء لهما، الثانية واقعية على نهج الأدباء العراقيين والعرب السابقين، يمثلها الراحل خضير عبد الأمير، غازي العبادي، وآخرون. الطاهر يفرز برهان الخطيب عن التيارين، يصفه: هو نسيج نفسه. بداية الثمانينات الماضية يكتب المستشرق الروسي المعروف بوريس جوكوف دراسة عن الرواية والقصة العراقية، يترجم نماذج منها إلى أكثر من كتاب وموسوعة، يصف الخطيب تحديدا روايته (ضباب في الظهيرة) نوعا جديدا من الفن الروائي يتطور في أوربا يمكن تسميته (الرواية الضد). نهاية القرن الماضي، آذار 2000 تنشر بروفسورة مارينا ستاغ السويدية كلمتها عن رواية الخطيب (الجنائن المغلقة) على آخر صفحة منها تنهيها قائلة عنها: الرواية سياسية تحبس الأنفاس، لها أعماق وجودية، تستحق القراءة جدا. قبل ذلك، يمنع نظام حكم الحزب الواحد في بغداد تداول روايات الخطيب كما هو معروف منذ مؤلفه (شقة في شارع أبي نؤاس) يحظر أيضا الكتابة عنها أكاديميا، يبقى الحظر قائما حتى يتغير النظام. في تصريح للأكاديمي المعروف د. صالح هويدي يقول: لم يكن هذا الموقف هو الوحيد الذي كاد يعصف بمشروع أطروحة نيفت على السنوات الثلاث، وكان للأستاذ المشرف دور واضح في طمأنة صاحبها. فبعد أن أقرت الأطروحة أكاديميا، أحيلت إلى جهة ما يعرف بالسلامة الفكرية. ولم يدر في خلدي أن الأمر سيعنيني أو أنه سيتجاوز الحدود الروتينية. لكن ظني اهتز تحت دواعي الدهشة التي فاجأني بها أستاذ السلامة الفكرية، عضو فرع التنظيم الذي أخبرني أن في الأطروحة ما يمنع إجازتها في شكلها الحالي، وأنه لا بد من تخليصها من أعمال كاتبين في الأقل هما: غائب طعمة فرمان وبرهان الخطيب. ولم تجد حججي معه كثيرا؛ من القول بأن الأعمال موضوع الدرس مطبوعة في بغداد، ولا في أن التناول النقدي اهتم بالبعد الأدبي ولم يتجاوزه إلى ما عداه... بل وأحالني إلى قصة لبرهان تصور عائلة تسمى بآل يعرب تصويرا ينال منهم في دلالة رمزية مقصودة على حد زعمه، كان حدثا عصيبا، فليس الأمر هذه المرة مما يتصل بالمنهج أو القيمة العلمية التي يمكن أن تناقش، بقدر ما هو موقف يهدد المشروع بالمصادرة والإلغاء."
ينتهي الاقتباس عن الدكتور الجليل هويدي من موقع: http://ittijahat.info/articles/salih_alhwaidi.htm
الملاحظ إن شيوعيي موسكو تبين مؤخرا من حديث أحدهم أيضا يقاطعون الخطيب حينه، لكن غائب طعمة فرمان من غير إعلان لا يلتزم بذلك يزوره يوميا في شقته المجاور لشقته، الناقد الراحل قاسم عبد الأمير يكتب عن أحدى تلك الزيارات، يخرق الحظر أدباء وأساتذة شجعان مثل الأديب عبد الرحمن مجيد الربيعي يكتب عن الخطيب في الصحافة اللبنانية، كذلك الناقد عبد الجبار عباس، د. باقر جواد، د. علي عباس، غيرهم. حتى اليوم يبتعد بعض المحافل.. بالوراثة، متحدثين عن سلبيات المحاصصة، عن ابداع الخطيب الوفير، حين يتبادلون المديح بينهم. عدم الاستقرار في العراق، العالم، يؤثر سلبا على كافة أصعدة المجتمع العراقي من سياسية إلى اقتصادية، ثقافية، أكاديمية، إنما تبقى العقول العراقية العالية، مراكز  بحث فيه، تسعى إلى تجاوز المحنة وتنجح في ذلك، تحقق نتائج طيبة مع الاصرار والتعاون بين مخلصين إلى ثقافة الوطن. الخريف الماضي في كلية الآداب بجامعة بغداد يتم إقرار وإعداد ومناقشة رسالة ماجستير السيدة مروج حسين، الموسومة (الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب) تحت اشراف أ. م. د. كرنفال أيوب محسن بناء على توصية من رئيس قسم اللغة العربية في الكلية المذكورة أ. م. د. عقيل رحيم علي. تنجح الباحثة في الدفاع عن أطروحتها تنال درجة جيد جدا عنها بعد نقاش حامي الوطيس مع ناقديها، أ. د. فليح كريم الركابي، أ. م. د. باسم صالح حميد، م. د. حيدر فاضل عباس، مع أساتذة متشددين يقفون بالمرصاد لدراسات لا على هواهم ربما، يتم تصديق الرسالة من قبل مجلس كلية الآداب بجامعة بغداد بتوقيع عميد الكلية المذكورة أ. د. صلاح عايد الجابري. الرسالة أو الدراسة تتناول إلى الفحص والتحليل الأدب الروائي لأحد أهم كتاب الرواية العربية منذ منتصف ستينات القرن الماضي رأينا آن تبدأ مرحلة تجديد الأدب العربي على أسس حديثة متحررة، تجربة حيوية تقطع شوطا طويلا تنتج الكثير من الأعمال الروائية والقصصية الباهرة، منها يُترجم إلى لغات أجنبية، يدخل موسوعات كبرى، روسية، ألمانية، أمريكية، هنغارية، سويدية، مثل سامية الاسكندرانية، الفيضان، دولاب الهوا، السحب الخريفية من قصص ب الخطيب، أو ينتج إلى السينما كقصته الشمس السوداء.
رغم ذلك تجد الباحثة مروج حسين الدراسات العراقية تحديدا، أكاديمية أو صحافية، قلما تتعرض لأدب الروائي برهان الخطيب، يصير ذلك أحد أسباب تحفيزها إلى اعتماده موضوع دراستها الأكاديمية، تقسمها إلى ثلاثة فصول، لكل منها مبحثان، مع مقدمة وتمهيد مسهبين، مع خاتمة، يعقبها سجل مصادر ومراجع مختلف النقاد، خلاصة الاطروحة باللغة الانكليزية. غدا نستعرض أفكار ومضامين دراستها الأكاديمية.

22

ديوان ( أحلُمُ أن أعود)

للشاعر/ صباح سعيد الزبيدي


 مع إطلالةِ عامٍ جديد (عام 2017) يهلّ علينا هلال (أحلمُ أن أعود) الذي أبدعهُ شاعرنا العراقي (صباح سعيد الزبيدي) وهو يرسمُ لوحاتٍ بألوانٍ تأخذُ بصرنا وبصيرتنا نحو عوالمَ عاشها ويعيشها ويحلمُ بها الشاعر.
    ونحن بدأنا بسنة وتأريخ ميلادي جديد، فالأعوام والزمان يأخذ مكانه في حياتنا التي أصبحت أرقاماً، نحفظها كرقمنا العسكري الذي كُنّا نرددهُ أكثر من اسمنا في الحروب. فمن (1977- 2017) أربعون سنة، أربعونَ عالماً، شمساً، بحراً، نعم أنهُ عمر!!، وهكذا مع هذه وتلك ، قبل وبعد عام (1980) هاجر نخل العراق، العراق الذي كان يتنفس أكثر من (30) مليون نخلة، من أجمل وأطيب نخيل العالم ، فأصبحت كل نخلة تحت نجمة (كما يقول مثلنا العراقي)، فتفرقتْ الأحبة في أصقاع الأرض، وفي دول كُنّا لا نعرفها إلا في خريطة العالم أو ما نسميه (الأطلس).
   أربعونَ عاماً وأكثر منها، صارتْ لكل عراقي قصصٌ ورواياتٌ، شاءَ أم أبى، أربعون عاماً ومع الثلج وبرودة الغربة والاغتراب لم ينسَ الشاعر (الزبيدي) كل شارع وحي و(دربونة) ومقهى، تكتنزهُ ذاكرتهُ وهو يتنفسُ شبابَ مراهقتهِ في قصة حب، أو مشروع حياة، لم تشغلهُ دوّامة المكان الجديد الذي كان طارئاً في حياته. نعم يظلّ المكانُ يلقي ظلاله على الديوان، بدءًا من العنوان (أحلمُ أن أعودَ)، وهي العودةُ للمكان الأول، وكما قال الشاعر العربي:
كم منزلٍ للمرء يألفهُ الفتى      وحنينهُ أبداً لأولّ منزلِ
يظلّ المكانُ والمكانُ وارفَ الظلال، وتظل محلة السّراي، وعوّاشة، والدّبيسات، والحلفاية، و..و.. أماكن تصارع طرقات وبارات ومقاهي بلغراد ورييكا، بل تتسابقُ في خيالهِ موجات المشرح والمجر والهور مع موجات نهر الدانوب، ونهر السافا.. وكلي يقين يظل الهور هو المنتصر والذي يسبح في بحر أفكار وآمال شاعرنا.
   وقد أثّرتْ ثقافة المكان الأولى في ذات الشاعر، الثقافة المنفتحة على العالم ففي شارعٍ واحد وحارةٍ واحدة تلتقي كل الثقافات والأديان السماوية وتنمو ثقافة التسامح والمحبة مع الآخر، ففي (عكد التوراة) تلاحظُ وجود تعايش الحضارات والديانات ففي شارع واحد تجد كنيس يهودي، وكنيسة أم الأحزان المسيحية، مع جامع للمسلمين، وفي جانب آخر وطرف مقابل في مدينة (العمارة) مدينة الشاعر، تجد مكاناً لتعبّد الصابئة على شاطيء النهر.. هكذا عاش شاعرنا وسط هذه الأجواء، ومع مرافقته لأصدقاء من ألوانٍ شتى ، كلها تصبّ في صميم ثقافته وذاكرته التي لن تهدأ..
   بعد أربعين عاماً من سفرٍ طالَ، أحسّ السندباد بالتعب، التعب الممتزج بالخوف من الموت، أنهُ كأسٌ يشربهُ نخبَ العمر. وهكذا جاءت نصوصه الشعرية وهي تحمل هذا الحنين لداره الأولى والى أصدقاء الصّبا، الى كلّ شارعٍ ومحلّة ومقهى ونهر. قسّمَ الديوان على أربعةِ أجزاء:
 فكانَ الجزء الأول: (الى مدينتي العمارة الحبيبة، وتجليات أخرى). والجزء الثاني: (الى وطني الغالي العراق الجريح وشعبي المظلوم). والجزء الثالث: ( الى أعداء الانسان والانسانية وطواغيت هذا الزمان). وأخيراً الجزء الرابع : ( قصائد كتبتُها بالصربية وترجمتُها الى العربية).
    أنهُ ذخيرةٌ حيّة من الوجدان والاحساس المرهف، وسيظل هذا الديوان مع دواوين شعراء عراقيين آخرين في المنفى أو المهجر مشروعاً للنّقاد وللباحثين والدارسين للوقوف مع النتاج الأدبي للعراقيين الذين تغرّبوا وطافوا وساحوا في أرض الله.. أترك صفحات الديوان للقاريء والمتلقي الكريم ليقفَ على تجربةِ هذا الشاعر ، وأتمنى للشاعر التوفيق في طريق الابداع..
د. وليد جاسم الزبيدي
شاعر وناقد عراقي
* لوحة الغلاف الاول بريشة الفنان الكبير الدكتور صبيح كلش ... بنت العمارة أو فتاة الريف ...... أقتناها السفير الروسي في تونس.

23


اختيار شاعر عراقي للجنة التحكيم بماراثون شعري في صربيا

بلغراد / خاص

اختير يوم السبت المصادف 2016/12/17 الشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي المقيم في بلغراد – صربيا عضوا في لجنة التحكيم  للماراثون الشعري الرابع لعام 2016 ، والذي اقيم في احدى صالات اعدادية تشوبريا التي تم تاسيسها عام 1909. بدا هذا الماراثون الشعري منذ 19 عاما في مدينة تشوبريا – الجسر وبتنظيم من قبل النادي الأدبي "دوشان ماتيتش" حيث يقام في كل عام 4 مرات في السنة والذين يتم اختيار قصائدهم من قبل لجنة التحكيم سيتنافسون العام القادم 2017 لاختيار افضل قصيدة لعام 2016.
يذكر ان قصيدته " لهيب البعد " والتي كتبها باللغة الصربية قد فازت بالمركز الاول كافضل قصيدة لشهر آيار – مايس 2016 وسيشارك بها في العام القادم 2017 لاختيار افضل قصيدة لعام 2016.
كما حصل من قبل النادي الأدبي "دوشان ماتيتش" لمدينة تشوبريا على هدية للتعاون في مجال الادب والشعر وهي عبارة عن قطعة فخارية من الطين الاحمر ( حذاء الفلاح الصربي التراثي) ، والذي يعتبر جزء من الأزياء الشعبية التراثية عند الصرب.
هذا وشارك في الماراثون الشعري شعراء وشاعرات من كافة انحاء صربيا.

24


غسّان عبد الخالق يستعيد تجربته القصصية في (لذّة السّرد)


عن دار فضاءَات للنشر والتوزيع والطباعة في عمّان، صدر للقاص والناقد والأكاديمي الأردني الدكتور غسان إسماعيل عبد الخالق، كتابه الأحدث (لذّة السّرد: النصوص القصصية ومراياها)، الذي يستعيد فيه كل ما كتبه ونشره من قصص منذ عام 1984 وحتى عام 2011.
الكتاب الذي يقع في 280 صفحة من القطع المتوسط وصمّم غلافه الفنان (نضال جمهور) موشَّحًا بلوحة بديعة للفنان (صلاح شاهين)، ضمّ المجموعة القصصية الأولى لغسان عبد الخالق (نقوش البياض) التي صدرت عن دار الكرمل في عام 1992 والمجموعة القصصية الثانية (ليالي شهريار) التي صدرت عن دار الينابيع في عام 1995، وقصة طويلة أو رواية قصيرة (ما تيسّر من سيرته) نشرت في مجلّة (أفكار) الأردنية في عام 2011، وقصة مُمَسرحة (شهريار والرّاوي) نشرت في مجلة (أفكار) الأردنية عام 2000.
(لذّة السّرد) يضم أيضًا فصلاً بعنوان (مرايا نقوش البياض) يضم أحد عشر مقالاً نقديًا نشرت في أعقاب صدور (نقوش البياض)، من منظورات متعدّدة؛ نقدية وسينمائية وأوتوبيوغرافية وسيكولوجية وسوسيولوجية وشعرية، لعدد من النقاد والمبدعين مثل: د. يحيى عبابنة، وفاء القسوس، وديع العبيدي، د. تيسير مشارقة، محمد هديب، محمد المشايخ، حسّان أبو غنيمة. وأما (مرايا ليالي شهريار) فقد ضمّ أربع مقالات نقدية نشرت في أعقاب صدور (ليالي شهريار) من منظورات نقدية وتراثية، بأقلام عدد من المبدعين والنقاد مثل: علي العامري، د. زياد أبو لبن، ياسين النصير، عبد الله رضوان.
كتاب (لذّة السّرد: النصوص القصصية ومراياها) الذي يتطلّع مؤلّفه إلى أن يكون مختبرًا للمزاوجة والمقارنة بين الفعل الإبداعي القصصي ورد الفعل النقدي في آن، قدّم له غسّان عبد الخالق بمقدّمة عنوانها (عود على بدء) واستهلها قائلاً: "لم تجر العادة بأن يتولى القاص مهمّة التقديم لقصصه، لكنني سأغامر بتقديمها، اقتناعًا مني بأن هذا النكوص يشتمل على كثير من التطهريّة الزائدة؛ فما أجمل العودة إلى القصص الأولى وما أقساها! جميلة لأنها تعيدك إلى زمن البراءة والحماسة والانطباعات الأولى في الكتابة، وقاسية لأنها تذكرك بعدد السنوات التي انقضت والتجارب المرّة التي طردت الأحاسيس البريئة. ولعلّني، ما كنت لأجرؤ على استعادة ماضيّ القصصي بعد أن أقمت في منازل النقد والنقّاد، لولا أن ثلّة من الأصدقاء والصديقات، شعراء وقصّاصين وروائيين ونقادًا، لم يتوقّفوا عن الإعراب عن عتبهم الشديد عليّ، لأنني هجرت كتابة القصة القصيرة بوجه عام، ولأنني لم أبذل ما يكفي من الجهد لإعادة طباعة مجموعتيّ القصصيتين (نقوش البياض) و(ليالي شهريار) بوجه خاص، بعد أن مرّ على طباعة الأولى 24 عامًا ومرّ على طباعة الثانية 22 عامًا، ونفدت نسخهما".
ويتابع غسّان عبد الخالق الإفصاح عن بواعث إقدامه على استعادة تجربته القصصيّة فيقول: "وعليّ أن أعترف بأن سحابة من النشوة ما زالت تظلّلني، كلّما فاجأني أحد الأصدقاء قائلاً: أعدت قراءَة (نقوش البياض) أو (ليالي شهريار) قبل أيام، واستمتعت جدًا بقراءَتها، لكنني عاتب عليك لأنك توقفت عن كتابة القصة القصيرة. أو كلّما استوقفني كاتب أو قارئ شاب ليؤكّد لي سعادته بأنه عثر على نسخة من هذه المجموعة أو تلك في إحدى أكشاك الكتب القديمة. ولولا خشيتي من عتب الأصدقاء والصديقات، لعدّدت أسماءَهم التي لن أنساها ولأوردت أقوالهم التي قد يُعدّ بعضها ضربًا من ضروب البوح الشخصي الذي لا يحسن إفشاؤه".
وأما بخصوص مسوّغات اكتفائه بنشر خمسة عشر مقالاً نقديًا من أصل حوالي خمسين مقالاً نشرت عن (نقوش البياض) و(ليالي شهريار) فيقول: "وقد اخترت منها خمس عشرة مقالة وأثبتّها في هذه الطبعة، لتكون مرآة ممثلة لإيقاع النقد والتلقّي الثقافي قبل عشرين عامًا، ووثيقة مفيدة للباحثين والدّارسين والنقّاد الجدد. وسوف يلاحظ القارئ المنصف الرّصين أن هذه المقالات قد اختيرت لأنها تشتمل على وجهات نظر وأطروحات متماسكة ومتنوّعة، رغم أن بعضها انطوى على انتقادات لاذعة. ولست بحاجة للقول بأنني قد استبعدت ما يقرب من خمس وثلاثين مقالة لأنها جاءَت مثقلة بالثّناء الفاقع أو بالوصف أو بالتلخيص أو بالتفسير أو بالمتابعة الإخبارية الصحفيّة التي لا طائل تحتها".
الناشر الشاعر والروائي جهاد أبو حشيش اختار أن يوشّح الغلاف الخلفي لكتاب (لذّة السّرد) بالمقطع الأول من قصة (ليالي شهريار) على هذا النحو: "أنا شهريار،،، وقد حدث هذا قبل أن ينصّبني الناس مليكًا في الحكاية بزمن طويل؛ ما إن بلغت الثامنة عشرة، حتى أهاجت خاطري حكايا العيّارين والشطّار، فعزمت على السفر إلى دار السلام، وقد نفضت رغبتي هذه إلى أمي، فلم تشأ مخالفتي رغم حبّها لي وتعلّقها بي، فهيّأت لي حاجتي ودعت لي، ثم إني سرت أيامًا بلياليها، حتى إذا صرت على مشارف بغداد، أحاطت بي كوكبة احتملتني إلى مقدّم الجند، وإذا بي بين ليلة وضحاها، حارسًا من حراس مولانا الخليفة، أعز الله ملْكه وأيّده بنصر من عنده، فما دريت أأفرح لهذا العارض أم أحزن، إذ هو جعلني بعيدًا عن مبتغاي كلّ البعد، وأقرب إليه من حبل الوريد، وظلّ هذا دأبي حتى قضى الله فيَّ أمرًا كان مفعولاً، مما ستعلمونه من خبري، فالحمد لله الذي بيده الملْك، وهو على كل شيء قدير".
واختار المؤلّف أن يهدي كتابه إلى الشاعر (صلاح أبو لاوي الذي ما زال يعتقد بأنني قاص موهوب)! وأردفه بمقتطفات تسلّط الضوء على تجربته القصصيّة من منظور عدد من النقاد:
-   الناقد ياسين النصير: "البناء الفني عند غسّان عبد الخالق، يعتمد الرؤية التشيخوفية، لأنه يغلِّب الأنا على البنية، فتصبح ابتداءات قصصه ونهاياتها مرتبطة به فقط".
-   الناقد حسّان أبو غنيمة: "إن حداثية اللغة السينمائية التي تعبّر عنها أفلام رينيه وغودار وانتونيوني وآلان روب غرييه، تظهر بوضوح في قصص غسّان عبد الخالق؛ فإيقاعه القصصي وبنيته السرديّة تنتميان إلى الحداثة بحقيقة مفهومها، لا بالتجريب المضلِّل وغير المفهوم".
-   الناقد تيسير مشارقة: "غسّان عبد الخالق في مجموعته القصصية الأولى (نقوش البياض)، لم يخرج كثيرًا عن (ميثاق لوغون الأوتوبيوغرافي)، وكان جريئًا ومغامرًا بالإفصاح عن طفولته ومخزون ذاكرة الصّبا".
-   الناقد محمد المشايخ: "قصص غسّان عبد الخالق، مواكبة لنوع محدّد من القصص الذي بدأ يظهر في الأردن بعد النصف الثاني من الثمانينات، على يدي محمد طمليه وطلعت شناعة وغيرهما، هذا مع التأكيد على أن لكل منهم تميزه وتفرّده في الأسلوب، ولأن الموضوعات الملقاة على قارعة الطريق مشتركة كما قال الجاحظ، فإن اللمسات الطفوليّة والأجواء المدرسيّة وظروف التشرّد والفقر والحرمان والدغدغات العاطفيّة، تكاد تكون موجودة عندهم جميعًا".
-   الناقد زياد أبو لبن: "اكتفى غسّان عبد الخالق في (ليالي شهريار) بالقصة الإطارية، وأحال سائر القصص المروية داخل هذا الإطار السردي، إلى مرجعية القارئ التراثية".
-   الناقد عبد الله رضوان: "مع أن معظم قصص (ليالي شهريار) تحاول أن تمتد لتغطّي فترة طويلة زمنيًا، إلاّ أن قدرة القاص على إيجاد تناغم بين الزمن الفني والوقائعي ظلّت قائمة. إن هذا الإتقان في التعامل مع الزمن الفني وترابطه مع الزمن في حركته الواقعية يؤكّد قدرة القاص على التعامل مع تقنيات فنّه".
ويذكر أن لغسان عبد الخالق –الذي يشغل منصبي عميد كلية الآداب والفنون بجامعة فيلادلفيا الأردنية ورئيس جمعية النقاد الأردنيين- خمسة عشر كتابًا في حقول النقد والفكر أبرزها: (الزمان والمكان والنص) و(مفهوم الأدب في الخطاب الخلدوني) و(الأخلاق في النقد العربي) و(الدولة والمذهب) و(الموروث والنهضة والحداثة) و(الغاية والأسلوب) و(تأويل الكلام) و(الأعرابي التائه) و(الرمز والدلالة) و(الصوت والصدى)، وقد أصدر مؤخرًا الجزء الأول من سيرته الذاتية بعنوان (بعض ما أذكره).

25
القصة القصيرة جداً
الريادة العراقية
إصدار جديد لهيثم بهنام بردى

           بطباعة أنيقة وغلاف موحٍ، صدر عن دار غيداء للنشر والتوزيع في الأردن  كتاب [ القصة القصيرة جداً/ الريادة العراقية ] لهيثم بهنام بردى، وهو يتناول موضوعاً حساساً وحاسماً يؤكد فيه المؤلف بالدلائل والبيّنات، الريادة العراقية لجنس ((القصة القصيرة جداً)) عبر تجربة الرائد العراقي القاص نوئيل رسام، راداً فيه على المحاولات التي حاولت عن عمد أو دونه، سحب البساط من هذه الحقيقة ونسب الريادة إلى قصاصين من دول عربية أخرى.
وإن كانت ريادة الرسام ومجايله القاص عبدالمجيد لطفى تاريخية (نشر رسام قصصه الثلاث عام 1930، ونشر لطفي قصصه السبع في مجموعته الموسومة "أصداء الزمن" عام 1938))، فإن كوكبة من الأسماء العراقية اللامعة (( إبراهيم أحمد، أحمد خلف، بثينة الناصري، حسب الله يحيى، خالد حبيب الراوي، عبدالرحمن مجيد الربيعي)) رسخت الريادة الفنية لها إبان ستينات القرن الفائت من خلال تجاربهم الناضجة التي فتحت الطريق ومهدت لتجارب عربية قادمة جعلت القصة العربية القصيرة تقف في مقدمة التجارب العالمية في كتابة هذا الجنس السردى. 
يتوزع الكتاب على العناوين التالية:
-   ما يجاور التقديم.
-   رؤى.
-   القصة العربية القصيرة جداً/ البواكير
-   الريادة: نوئيل رسام/ قصص مختارة
-   الريادة الرديفة: عبدالمجيد لطفي/ قصص مختارة
-   الجيل الستيني/ التأسيس
-   معنى الجيل وكينونته
إبراهيم أحمد/ قصص مختارة
أحمد خلف/ قصص مختارة
بثينة الناصري/ قصة مختارة
حسب الله يحيى/ قصص مختارة
خالد حبيب الراوي/ قصص مختارة
عبدالرحمن مجيد الربيعي/ قصص مختارة
-   استبيان
وسبق لهيثم بردى وأن أصدر كتاباً توثيقياً عن هذا الجنس أسماه [القصة القصيرة جداً في العراق ] وصدر بطبعته الثانية عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 2015. وطبعته الأولى عام 2010.
***


26
(ثقافات – لندن) –

اصدار جديد باللغة الإنكليزية:

Pages From The Biography Of An Exile

أوراق من سيرة تأبَّط منفى

للشاعر عدنان الصائغ
http://uploads.ankawa.com/uploads/147478995431.pdf
عن دار نشر آرك ARC Publications البريطانية؛ الرائدة في نشر الشعر المعاصر (تأسست قبل أكثر من 40 عاماً)، صدر ديوان Pages From The Biography Of An Exile "أوراق من سيرة تأبَّط منفى" للشاعر العراقي عدنان الصائغ Adnan al-Sayegh. بـ 133 صفحة، باللغتين: الانكليزية والعربية. ترجمة الشاعر البريطاني ستيفن واتس ومارغا برغي ارتاخو، Stephen Watts & marga Burgui-artajo مع مقدمة طويلة لستيفن. لوحة الغلاف للفنان العراقي كريم الوالي Karim al-Wali (أمريكا). تصميم: توني وورد Tony Ward ، وبين ستيايلس Ben Styles. مراجعة: انجيلا جارمان Angela Jarman.

ضم الديوان 36 قصيدة منها: "نص"، "كأس"، "الحلاج"، "العراق"، "يوليسيس"، "هذا الألم الذي يضيء"، "سماء في خوذة"، "تحت سماء غريبة"، "خرجتُ من الحرب سهواً"، و6 مقاطع من "نصوص مشاكسة قليلاً"، و17 مقطعاً من "أوراق من سيرة تأبَّط منفى"، ومقطعاً من "نشيد أوروك"، وقصائد أخرى.

أقيم أول حفل توقيع للديوان يوم 16/9/2016، في الليلة الدولية للشعر في مدينة مالمو – السويد، والتي حملت اسم الشاعرة السومرية - الأكدية انخيدوانا Enheduanna،

كما ستقام قراءات شعرية وحفل توقيع في مقهى الشعر في لندن يوم 28 أكتوبر 2016، وأخرى في مدينة ليندبري، ومدينة بترسفيلد.

_________ https://twitter.com/alsayeghpoet/status/775739324767825921

* https://en.wikipedia.org/wiki/Arc_Publications

*

https://www.arcpublications.co.uk/ebooks/

*

https://www.facebook.com/arcpublications/gb-

https://twitter.com/arc_poetry?lang=en

*

27
عن دار ضمة بمصر ( القاهرة) صدر ديوان شعري مشترك بين الاديبة المصرية ( د. عايده بدر ) وبين ( جوتيار تمر) من كوردستان .. بعنوان ( ومضات حوارية )....

28



شاعر عراقي يفوز بالمركزين الأول والثاني في مسابقة شعرية بصربيا
بلغراد / خاص
فاز الشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي  بالمركز الثاني وبقرار من لجنة التحكيم عن قصيدته " الحـــــبُ قـــــدرٌ " والتي كتبها باللغة العربية وترجمها والقاها باللغة الصربية وذلك خلال انعقاد المهرجان الشعري بمدينة تشوبريا الصربية والذي نظمه النادي الادبي " دوشان ماتيتش" في مدينة تشوبريا ( الجسر ) الصربية امس السبت المصادف 28.05.2016 وتم اختيار القصيدة من بين افضل القصائد لعام 2015.
هذا وسبق للقصيدة فوزها بالمركز الثالث في المسابقة الشعرية لشهر ديسمبر – كانون الاول 2015.
وفي الجزء الثاني من المهرجان اطلق الشاعر الزبيدي العنان لحنجرته حين القى قصيدته " لهيب البعد " والتي كتبها والقاها باللغة الصربية وسط تصفيق متكرر من قبل الجمهور والذي بدا متكيفا تماما مع نبرة الشاعر وباللغة الصربية حيث حصد المركز الأول وبقرار من الجمهور و تم اختيار القصيدة كأفضل قصيدة لشهر آيار 2016.
يذكر ان الشاعر صباح سعيد الزبيدي عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق و اصدر لحد الآن 8 مجموعات شعرية وباللغتين العربية والصربية و 4 كتب شعرية لشعراء من صربيا ودول يوغسلافيا السابقة مترجمة الى اللغة العربية. ولد في مدينة العمارة – محلة السراي عام 1956 وهو الآن مقيم في بلغراد - صربيا منذ عام 1977 .

29
عبدالكريم الكيلاني :الموت هو ابرز دعائم هذه الحياة
حوار:ابتسام انطون
مابين الفسحة والصمت، لغة لها بلاغة حد الصمت، بعد ان قرأت اجاباته على أسئلتي المتواضعة، أدركت سر الكوردي المثقف الممتلئ  حباً، ربما تشبهنا الفصيلة كوننا فلسطينين نعيش هذا الحال في الداخل، يأخذنا الميل العاطفي لمن يشبهوننا في الحياة من أقليات، في أوطان ليست اوطانهم،ونشيدهم الوطني مخنوق من رجفة الارض تحت اقدامهم، عبد الكريم الكيلاني، ليس شاعراً واديباً فحسب،أنه فنان في رؤاه الحياتية، وترتيب أولويات الحزن واولويات الفرح، لرسم الحياة، سلوكه حروف أنيقة، توازي مرايا المرأة في قمة جمالها، وتؤازر الشريد حتى الوصول لملاذه، للكيلاني كم من الحياة السخية لمحيطه، أرى الاوطان في وطنه وارى وطنه في ملامحه، كان لي شرف اللقاء مع هامة أدبية من كوردستان العراق.

عبدالكريم الكيلاني شاعر وكاتب وروائي  من أصول كوردية ،اين تسكن الآن ؟

الآن انا اسكن في دهوك، تلك المدينة الهادئة الواقعة بين جبال ثلاث، وهي احدى مدن اقليم كوردستان العراق التي تتمتع بمناظر خلابة وسياحية، وهي احدى المدينتين اللتين اسكنهما، الأخرى هي مدينة الشعر والادب والخيال، أسكنها منذ أول حرف، أختال في شوارعها حاملا ابتساماتي واحزاني واحلامي ، أتوق الى أزقتها كل لحظة، لأنها تحتويني بصدق كلما هبت ريح عاصفة على مدن روحي.

ماذا انتج هذا الصراع غير الشرخ؟


أي صراع تقصدين ياسيدتي، أن كنت تقصدين الصراع بين المخيلة والواقع فهو صراع أزلي، تسوق المخيلة جيشها العرمرم الى رحى هذا الصراع والقتال المشرف ليكسر شوكة الواقع المر، هذا الواقع الذي نعيشه بشق الانفس، والذي لا يمنحنا سوى الحروب والجوع والمآسي والخراب، أما المخيّلة فهي الملاذ الآمن الذي يستريح الانسان تحت سمائه الشاسع وسقفه المفتوح، وأما أن كنت تقصدين صراع الأجناس الأدبية فهناك أشكال واضح في هذا المصطلح، إذ كيف سننظر لهذه الاشكالية، وهل أن الأدب بشكله العام وليد للواقع الذي نعيشه أم  أنه انعكاس لرؤية الكاتب والموقف الآني له تجاه الواقع، وفي الحالتين هناك انتاج ثر للادب الانساني بكل اجناسه واشكاله وهذا الانتاج يولد الصراع الايجابي الذي يحتاجه الادب بصورة عامة.

لشعرك لون داكن يميل للأحمر،هل هو لون الحياة ما بعد الموت ام لون التماوت في حياة واحدة لا غيرها؟

باعتقادي ان الحياة بصورة عامة جميلة لكنها غير منصفة، والموت هو ابرز دعائم هذه الحياة، فالحروب والاحداث الدامية تنخر جسد التكوين الاستراتيجي لشرق اوسطنا المبتلى بهذا السواد، والشعر هو محاكاة للواقع بشكل أو بآخر، لهذا فأن ما كتبته من نصوص شعرية او مقطعات أدبية يعبر عن هذا الواقع برؤيتي، وبما أن الاحمر هو السائد في الواقع، فأن نصوصي تقع تحت تأثيره وتصبغ بلونه، بالرغم من محاولاتي للخروج من شرنقة الحزن الا انني لم افلح فأنا جزء من هذا الواقع والموت هو المشهد اليومي الذي يتكرر أمامي، لكنني أأمل واتطلع الى مستقبل خال من العنف والموت.

لست شفافا في شعرك، ثوب الغموض يلبس الكلمات، لماذا هذا الجدار العازل بينك وبين القصيدة؟.

أعتقد أن العكس هو الصحيح، فاللغة تمثل الوعي والبناء الشعري يحتاج الى لغة رصينة تؤسس لهذا البناء وتحمله على اجنحتها، لتدخل القلوب وتبقى لمدى أطول ولأجيال أخرى، ربما يرى أحدهم أن هناك جدار عازل بيني وبين القصيدة ، ويرى آخر بأن نصوصي تخلو من الاسوار والجدران والابواب المغلقة، وهذا يعتمد على نوع القراءة والوعي القرائي، لا اعتقد بأن الغموض هو السائد في نصوصي الشعرية لكن بالتأكيد الأمر السائد فيها هو اللغة والبناء اللغوي الذي يشكّل في النهاية اسلوبي الكتابي،.

كم هو تأثير شرذمة الكيان على قصيدتك؟

للكيان أو البنية أو الهيئة تأثير كبير على الانسان بغض النظر عن كونه كاتباً أم شاعراً أم فناناً أو أي مبدع في أي مجال آخر، وربما هذا المصطلح مشاع جداً فالكيان يتبع الوطن في اغلب الأحيان، والقصيدة هي الوطن الأم للشاعر، لذا فأن الشعر مرآة ناصعة للكيان الشعري، وهو الداعم الأول لتأثيث الكيان بالحداثة والاسلوب والمحتوى الذي تضخه المخيلة وتلبسه ثوب القصيدة.

هل انت معي ان من يعتلي منصبا يفقد ماهية التقشف في الشعر،،كيف تمكنت من التوازن بين عملك والقصيدة المجردة؟

أنا اؤمن بأن هذه المقولة صحيحة لحد ما، لكنها ليست قاعدة، الشعر هي حاجة انسانية لا ترضخ للمعايير ولوظيفة الانسان، فالشعر ببساطة هو الثوب الذي يرتديه الشاعر وبدونه يشعر بانه عارٍ، والعري الروحي يفقد الانسان رغبته في الحياة، اعتقد أن على الشاعر او الكاتب ان يجد متسعاً من الوقت للقراءة والكتابة وممارسة طقوسهما بغض النظر عما يمتهنه الانسان كوظيفة، فالشعر هو الخالد وبقية الامور تفاصيل تنتهي.

 هل الادب له منظور جنسي برأيك ؟؟ له انتماء ذكوري او انثوي؟


لا اعتقد بأن الأدب يجب أن يصنف الى أدب نسائي أو رجالي، ذكوري أو أنثوي، فالأديب يستطيع أن يكتب على لسان المرأة كما أن المرأة تستطيع أن تكتب على لسان الرجل، فالأديب المتمرس يستطيع أن يتقمص مايشاء ويخلق حيوات مختلفة والا فأنه لا يرتقي الى مصاف المبدعين، وهنا نعطي مثالا بسيطاً، لقد كاتب جورج اورويل رواية شخوصها من الحيوانات ( مزرعة الحيوانات ) ، اذا باعتقادي لا يصنف الادب على هذا الشكل وكل الادب واحد.

كم انت متصالح والمفاهيم المتوارثة حول الانثى ومكانتها في المجتمع الذكوري،،خلف الخلف؟ لك حكاية والموت؟؟

انا اؤمن ايمانا تاما بان المراة والرجل هما ركيزتا هذا العالم، وبدون احدهما لايمكن للحياة ان تستمر، ودائما وفي كل كتاباتي اقف مع المرأة وادافع عنها لانها سر جمال الحياة، ولا يمكن للحياة أن تسير بدونها، لايجب أن تكون المرأة خلف الخلف، عليها أن تكون في المقدمة، عليها ان تكافح وتناضل من اجل الاستحصال على حقوقها، من الخطأ مخاطبة المرأة على أنها هامش في الحياة، المرأة والرجل صنوان لايمكن أن يهمش احدهما على حساب الآخر.

كم انت حر منها الآن وبقاياها أسرة دون زوجة؟


لا يمكن للرجل أن يتحرر من المرأة، المرأة هي الأم والأخت والزميلة، والصديقة، والشريكة في الحياة، نعم انا بلا زوجة لكن المرأة موجودة في قصائدي وكتاباتي ولا يمكن أن أحيا بدونها.

تورين الرواية عماذا تتحدث وكيف ولدت ؟


روايتي تورين وليدة التغيير الشامل الذي حصل بعد احداث 2003 وهو يرصد الواقع الذي انتج عن هذا التغيير، وطريقة الحياة المعاشة في الموصل ودهوك، تورين الرواية هي صرخة لكل ماسبق، ورؤية لما سيأتي في القادم من الأيام، وقد ترجمت الرواية للغة الكوردية وطبعت أيضاً، ونفذت نسخها من السوق وأنا الآن أخطط لطبعها ثانية ورفدها للاسواق.

كيف ترصد الحال الأدبي في آننا؟

اعتقد بأن المشهد الأدبي ضبابي بسبب انتشار وسائل الاتصال والعالم الرقمي، لكن الابداع يفرض نفسه بالرغم من كل هذا، انا اؤمن بأن الادب سيتعافى رويدا رويداً، وسيتخلص من الشوائب العالقة في ثوبه، ففي النهاية لا يصح الا الصحيح.

ما هي وثيقة عبدالكريم الكيلاني  فيما بعد الحياة؟


سؤالك فلسفي وصعب جداً، بعد الحياة يأتي بعد الحياة، الآن نحن نعيش الحياة، وان كانت هناك حياة أخرى سنتحدث عن هذا الأمر ياصديقتي. وشكرا لك على هذا الحوار الممتع

 

سيرة ذاتية

عبدالكريم الكيلاني
مواليد الموصل 18 - 4 - 1969
المؤلفات :
- ( ترانيم في الغربة ) مجموعة شعرية - 1995
- ( بقاياي ) مجموعة شعرية صدرت 1998
- ( عري القناديل ) مجموعة شعرية 2008
- مقالات نقدية في نصوص كوردية 2006.. مع مجموعة من الكتاب .. صادرة عن اتحاد الأدباء الكورد _دهوك
- ( خربشات على الهواء) كتاب نقدي 2009
- ( تورين ) رواية 2011
- ( فيض ) مجموعة مشتركة عن اتحاد الأدباء والكتاب فرع نينوى 1995
نشر العشرات من المقالات الادبية في مختلف الصحف العربية والكوردية

30
أدب / خوفناك كهوست .. الدهشة
« في: 19:25 08/02/2016  »

خوفناك كهوست .. الدهشة
 
أسامة العمري  الكاتب عندما ينغمس في أرواح شخصياته
أسامة العمري كاتب بدرجة حكاواتى

 
حين تطالع  المجموعة القصصية"خوفناك كهويت"  للكاتب اسامة العمري في جناح دار اطلس للنشر في معرض القاهرة للكتاب ولابد أن  تعتريك الدهشة للوهلة الاولى وأنت تقلب صفحات تلك المجموعة القصصية فلا تستطيع أن تتكشف شخصية الكاتب المنغمسه في أرواح شخصياته فهو المدير العصامي الناجح الواثق من نفسه الى حد الغرور الذي بدأ من الصفر وهو يحدث ضياء في " بضعه أنفاس " 
أما زلت تسأل ؟! إنها الكاريزما يا صديقى التى تحيل الفشل إلى نجاح !
الإ تذكر؟ لم أتول مشروعا! في هذه الشركة الإ وتكللت بالنجاح الالمعية ليست حكرا على أحد . لكنها تورث في عائلتنا توريثا ..!
وهوالإبن المتبصر المتمسم بالعلم المغرق في المادية  في  " الحضرة " يخاطب الحيرة في نفسه
مازلت أذكر شغفي بالبساطمي وابن عربي والحلاج والحسن البصري والغزالي والجلياني مما  زاد رقعة الحيرة في ذهنى ، من هؤلاء ..؟! هل هم اصحاب علم حقيقى ؟ أم اصحاب بدعة ؟ هل لديهم علم خفي يتجاوز عفولنا ؟ أم هم باطنية ؟ لم تنتشلنى قراءاتى إلى شط الامان بل خاضت بي إلى لجاج الحيرة وتنكرت الي ؟
 
وهو سعيد الشاب الطموح الذى هرب من المسئولية ينشد  السكينة في الغربة فكانت الغربة له سوطا يلذع ظهره بالانكار والجحود كان صوت سعيد صارخا  عندما تم القبض عليه ظلماً في متباينه المتناقضات ؟
ماذا فعلت ؟
أخبروني ؟
أين حقي في الحديث ؟
أين حقى كعربي في بلد عربي ؟
اين حقي كمسلم في بلد يدين بالإسلام
أين حقى كإنسان في عالم يتشدق بالانسانية
اسمعوني ؟ جادلوني ؟ ناقشوني ؟
بأى لغة احدثكم ؟
 
واختار الكاتب اسم مثير يلفت الانتباه ليكون لعنوان مجموعته القصصية فظهر لنا ملثماً وقد تأبط مشاعر الاقصاء في مجتمع يؤمن بالقبلية ويصنف الناس بناء على الوانهم وقبائلهم في لغة مشوقة اجاد فيها وابدع ليسبر أغوار القارئ في حالة من الترقب والفضول لمعرفة ما ستؤول اليه الاحداث " خوفناك كهوست "
 
الجميع يحبس أنفاسه وإن عانق الترقب داخلهم نشوة مسعورة في الاستمتاع بما يحدث .. العقول شاردة والابصار شاخصة .
الاحداث تتوالى دون توقف والتركيز هو البطل الاوحد لا ينافسه سوى بعض من شهقات اعجاب !
 
( أنت طرش بحر .. ) !!
هذه العبارة عادة ما يطلقها الناس على أمثالي ممن كانوا نتاج زواج ليس أحادي الجنسية .. فأنا خليط .. هذا ما همس به المدير عندما رفض طلب توظيفى في العمل ، متعللا بعدم كفاءتي ( خضيري اتركك منه ) نفس العبارة التى استخدمها مدير الابتعاث في الجامعة مع التحجج بإن عدد المبتعثين قد اكتمل .
 
من يقرأ المجموعة القصصية يجد إن الكاتب يقدم قصصه محملة بالكثير من القضايا والافكار، فهو كالحكاوتى الذى يعبر عن مكنونه ببساطة الكلمة دون تكلف أومعاناه يطلق افكاره كعصافير تنشد الحرية من قفص التقليد والنمطية ليتلقفها كل من يمعن النظروالتفكير ،
المجموعة تزحم بالكثير من الافكار  كالتفحيط والانجذاب الدينى واقصاء المرأة في لغة سلسلة ومشوقة  خوفناك كهوست وإن كانت الباكورة السردية لإسامة العمري الإ إنها جعلتنى  كما قال الكاتب عثمان الشال في المقدمه من الحريصين على متابعة هذا الكاتب  في اعماله القادمه .


31


منشورات دار صافي
سياتل ــــواشنطن

بعد جهودٍ مكثّفة على مدى أكثر من عام وبضعة شهور، ونحن على وشك أن نودّع عام 2015، أنهى فريق دار صافي مشروعه الضَّخم، بترجمة أوَّل مجلَّد شعري من العربيّة  إلى الإنكليزيّة بهذه الضَّخامة والفرادة الشِّعريّة، حيث يضمُّ المجلّد الأوَّل عشرة أجزاء لقصيدة شعريّة واحدة، نصٍّ مفتوح، بعنوان "أنشودة الحياة" للشاعر والأديب التَّشكيلي السُّوري السُّويدي الأستاذ صبري يوسف.
يتألّف هذا المجلّد الكبير من 776 صفحة من القطع المتوسِّط، (والنَّص الأصلي بالعربيّة يتألّف من 1000 صفحة من القطع المتوسّط)، والكتاب حالياً أصبح تحت الطّبع. وقد قام بترجمة الكتاب المترجم الأستاذ سلمان كوريمون، وقام فريق العمل في دار صافي بترجمته على مدى ستَّة شهور وقد تمَّ تدقيقه عدّة مرّات من قبل ورشة التَّدقيق، وقد ساعدنا الأستاذ صبري يوسف بصبره الَّذي لا حدود له وبحرفيّة من خلال مراجعته لوضع لمساته الفنِّيّة في مراحل التَّدقيق والتّصميم والإخراج الخاص بتموضع العناوين الفرعيّة، الّتي كانت على مراحل كثيرة وعديدة إلى أن وصلنا بصيغته النَّهائيّة ودفعه إلى بهاءِ النّور.
إنَّ رسالة الشّاعر صبري يوسف عبر نصّه المفتوح، الَّذي حمل عنوان: "أنشودة الحياة" وعناوين فرعيّة لكلِّ جزء من أجزاء الأنشودة، هي رسالة إنسان محب للحياة، ومركّزاً على ترسيخ إنسانيّة الإنسان عبر آفاق نصّه المفتوح على مدى أجزاء الأنشودة، وهي رسالة شاعر يريد أن يرسم العالم بفرشاته أحياناً وبكلماته وصوره الشّعرية أحياناً أخرى، وهو القائل: "الشِّعر والرَّسم وجهان لعشقٍ واحد هو الإبداع"!
ودار صافي لها الشَّرف في ترجمة ونشر هذه الرِّسالة الإنسانيّة الجّانحة نحو مرافئ السَّلام والوئام بين البشر كلّ البشر، وكم نحن بحاجة لهكذا رسالة نقدّمها للعالم وخاصة في هذا الوقت بالذَّات.
هذا المجلّد الفريد في مضمونه ومواضيعه الإنسانيّة العميقة، يضم أسماء ودلالات ثقافيّة عن المجتمع الشَّرقي بكلِّ أطيافه وآفاق تطلُّعاته، وقد تمَّ توضيح الكثير من التَّعابير وأسماء الأمكنة وأسماء الشُّعراء من قبل الشّاعر عبر الهوامش لمعظم الدّلالات والتَّرميزات وقد تمَّ شرحها بشكل مبسَّط كي تتوضَّح أبعاد معانيها ودلالاتها في سياق النّص.
نحن فخورون بإنجاز هذا العمل الجَّميل والخلَّاق مع فريق عمل دار صافي ومع جهود الكاتب المميّزة وصبره معنا خلال مراحل التَّرجمة والتَّدقيق. ولنا الشَّرف بأن نكون جزءاً من هذه التَّجربة الإنسانيّة الأدبيّة لنشر قيم التَّسامح والسَّلام والحب في العالم وهذا هو هدف دار صافي في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

مبارك لنا وللشاعر والأديب والفنّان الأستاذ صبري يوسف، لهذه الأنشودة الَّتي تناجي قلوب البشر، كأنَّها أنشودة الزّمن الآتي، زمن التَّركيز على نشر ثقافة السَّلام والمحبّة عبر الكلمة الجّانحة نحو العمق الإنساني في شتّى أصقاع المعمورة!.

32
القيسي يصدر روايته الثالثة " الفردوس المحرّم " في بيروت وعمّان

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت تصدر خلال الأيام القليلة المقبلة رواية " الفردوس المحرّم " للأديب والإعلامي الأردني يحيى القيسي، وهي رواية يتوقع أن تثير الكثير من الجدل حول نصها السردي المفخخ بالدلالات والأسرار لا سيما ما يتقاطع من ذلك مع الجانب المخفي والمسكوت عنه في العلم والدين، وكتب ناشر الرواية على غلافها الأخير يقول:
 تحتفي " الفردوس المحرّم " بعوالم وشخصيات تبدو للكثيرين قادمة من الخيال لكنها كما يحاول الروائي أن يقدمها مغرقة في واقعيتها وتعيش بيننا دون أن نقوى على استيعابها، فالواقعية السحرية ليست حكراً على أدب أميركا اللاتينية بل لها بعد عميق في التراث العربي القديم، وأيضا في تفاصيل حياتنا المعاصرة، وتحتاج فقط إلى من ينتبه إليها.
ربما تكون هذه الرواية بما فيها من غريب وعجيب مصدر قلق للقارىء والمؤلف معاً، فهي تسعى إلى زلزلة الطمأنينة التي تبدو راسخة في مجتمعاتنا تجاه العديد من القضايا، وتواجه التضليل الكبير الذي حدث للبشر، والأكاذيب التي يقتاتونها صباحاً ومساءً، وهي أيضاً من جهة أخرى تناقش رواية سبقتها وتحاول تصحيح مسارها، فشخصيات روايته السابقة " أبناء السماء " تطارد مؤلفها في هذا العمل الجديد وتتغلغل بشكل مفرط في ثنايا شخصيات" الفردوس المحرم ".
رواية يمكن أن نقول عنها باختصار أنها تكشف الكثير من الأسرار، وتضيء الكثير من الأنوار، لاسيما في هذا الزمن المعتم ..!

يذكر أن القيسي من مواليد قرية " حرثا " شمال الأردن في العام 1963، وقد عمل في الإعلام الثقافي وفي الإدارة الثقافية صحفياً ومحرراً ومديراً في الأردن وتونس والإمارات منذ العام 1990 وما يزال حيث يعمل حاليا نائبا لمدير عام هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، وهو مؤسس ورئيس تحرير موقع " ثقافات " العربي للفكر والإبداع والفنون، كما أنجز 20 فيلماً وثائقياً تلفزياً بعنوان " سيرة مبدع " وأعدّ أفلاما أخرى، أما اصدارته الأدبية في القصة والرواية فهي:
-   أبناء السماء – رواية – المؤسسة العربية للدراسات 2010
-   باب الحيرة – رواية – المؤسسة العربية للدراسات 2006
-   رغبات مشروخة- مجموعة قصصية- عمّان – 1996
-   الولوج في الزمن الماء – مجموعة قصصية – إربد 1990
-   حمّى الكتابة – حوارات أدبية – أمانة عمّان – 2008

33


جائزة إمتياز لشاعر عراقي في ملتقى أدبي باللغة الرومانية
بلغراد / خاص

تم منح جائزة إمتياز من قبل جمعية اللغة الرومانية لإقليم الفويفودينا في جمهورية صربيا للشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي المقيم في بلغراد عاصمة جمهورية صربيا وذلك لمشاركته في ملتقى الكتاب الرومانيين من صربيا وللفترة من 12.11.2015 ولغاية 13.11.2015 والذي نظم من قبل هذه الجمعية وبالتعاون مع المركز الثقافي لمدينة فرشاتس الصربية وبدعم مالي من بلدية فرشاتس حيث القى قصائده باللغات العربية والصربية والرومانية وكانت لغة الملتقى هي اللغة الرومانية والتي يتحدث الزبيدي بها بطلاقة.
يذكر ان الشاعر صباح سعيد الزبيدي عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق و يكتب الشعر باللغتين الصربية والعربية وترجم من العربية الى الصربية ومن الصربية الى العربية قصائد لشعراء عرب وصرب ومن جمهوريات يوغسلافيا السابقة وهو الآن مقيم في بلغراد - صربيا منذ عام 1977.

34


الروائية وفاء شهاب الدين
العلاقات الإنسانية هي أفضل الموضوعات التي تجذبني للتعبير

ما زلت أعيش تلك العصور التي تحتفي بالقيم الإنسانية النبيلة
*
أطالب الوسط الثقافي بأن ينقي نفسه بنفسه وأن تقود دور النشر ثورة التصحيح للحد من عمليات التسويق الاحتيالية لكتب لا تستحق ما يثار حولها من ضجيح
القاهرة –
اختارت الرومانسية طريقاً لقلمها لأنها تؤمن بأن الحب يصنع المعجزات مهما طرأ على الزمان من اختلافات، وما شابه من تشوهات بسبب التقدم العلمي وفوضى المعلومات تراهن على الإنسان، وتوقن أن معدنه هو الثابت وفطرته هي الأساس والمتحكم الرئيس في الحياة وليست مغريات التقدم العلمي.
إنها صاحبة «سندريلا الحافية» الكاتبة وفاء شهاب الدين، التي التقينا بها في حوار عن أعمالها التي تنوعت بين الرواية والمجموعة القصصية، ورأيها في الحب، ولماذا اختفت الرومانسية في هذا العصر.
* ما جديدك؟
- أكتب رواية لم أختر لها اسماً، أما آخر ما كتبت فرواية «الأمطار لا تغرق الآلهة»، لكنني لن أنشرها الآن، أعتقد أنها جوهرة أفضل الاحتفاظ بها إلى أن تتاح الظروف فأضعها في علبتها القطيفة وأعرضها على الناس، كما سأعيد طبعات جديدة لأعمالي السابقة، فستصدر قريبا طبعة ثالثة من «مهرة بلا فارس»، وطبعة ثانية من «تاج الجنيات».
* ما الصعوبات التي واجهتك ؟
- أنا من جيل محظوظ نوعاً ما، فقد بدأت الكتابة وهناك عدد من دور النشر تقبل النشر للشباب، صادفتني بعض الأمور، لكن فضل الله كان علي كبيراً حينما عملت في بداياتي مع إحدى دور النشر الشابة، ثم حين تركتها عملت بإحدى دور النشر العريقة. لا أعتقد أنني عانيت كثيرا سوى في بداياتي الأولى، لكن هناك صعوبات أخرى حين أكتب المشروع الروائي، أعاني كثيراً من مزاجيتي، لا أكتب إلا في ظروف معينة قد أمسك بالقلم كثيراً من دون أن اكتب كلمة، وذلك يزعجني.
* لماذا تميل كتاباتك إلى الرومانسية؟
- لا أدري، أكتب كثيراً لكنني لا أجد نفسي ككاتبة إلا بين ذراعي اللون الرومانسي، قد تكون العلاقات الإنسانية هي أفضل الطرق التي تجذبني للتعبير، وربما لأنني ما زلت أعيش تلك العصور التي تحتفي بالقيم الإنسانية النبيلة. الرومانسية أراها هي المبالغة في كل شيء، وما أجملها من مبالغة في تعظيم قيمة جميلة مثل الحب.
سحر الحب
* هل مازال للحب وجود؟
- الحب موجود ولن ينتهي أبدا ً، حتى لو تعلل الناس بضغوط الحياة لتبرير جفاف قلوبهم، فهو الدواء الوحيد لتلك الضغوط، وهو السعادة التي تمد الإنسان بالصبر والتحمل.
* إلى أي مدى فقد الحب بريقه في ظل ثورة المعلومات؟
- لقد سددت ثورة المعلومات للحب طعنة قوية ففقد رقته، صعوبته، وكيانه، هذه هي الحقيقة ، وشتان بين حاله الآن وحاله في الماضي ، فالحب في الماضي كان شيئا غاليا وصعباً جعل الجميع يتغنون به وفي النهاية لا يفيقون إلا على الوهم، لكنه الآن أصبح مبتذلا ، في الماضي كان الحب ثنائياً راقياً، ثالثه الإخلاص، الآن أصبح شبكة من العلاقات تفتقد الإخلاص والاحترام، وتضاعف عدد المخبولين الذين سهلت لهم وسائل الاتصال السريعة كل الطرق للخداع ثم التخفي بعد ذلك بلا مسؤولية.
* ما الحب المستحيل؟
- ليس هناك ما يسمى بالحب المستحيل، فنحن من نضع القواعد والقوانين المنظمة له، ونحن أيضا من نطوع العالم لاستمراره، ونضع الأسباب والمبررات، وفي نفس الوقت نضع العراقيل والمبررات السخيفة لإنهائه، لذلك أرى أن الحب لم يكن يوما مستحيلا، لقد وضعه الله سبحانه وتعالى بداخلنا كي يكتمل، لكن الطبيعة البشرية المراوغة تتحكم بمصيره.
*هل ما زال هناك من تستحق أن تسمى «سندريلا» ؟
-طبعا، ما زالت السندريلا تعيش بعالمنا، إنها تلك الفتاة المقهورة التي تعيش حياتها بحثاً عن الأمير الذي سينقذها من الظلم. كلنا في حقيقة الأمر سندريللا، منا من تعترف ومنا من ترفض.
* هل توافقين على تصنيف الأدب إلى جريء ومحافظ؟
- لا أميل إلى تصنيف الأدب عموما، فالعمل الروائي حالة قائمة بذاتها لا يمكن أن ننقدها من أجل مشهد أو أكثر.
* كيف ينجو الكاتب من فخ الإسقاط الشخصي الذي يتعرض له مع كل عمل؟
- مهما حاولنا فلن ننجو، العمل الأدبي جزء عزيز من روح الكاتب، قد لا نكتب أنفسنا لكننا نعيش نفس التجربة مع شخصياتنا ونحن لا نتجزأ عنها خصوصا ًمع العمل الأول. أحاول كثيراً أن أشرح لمن يقرأ لي أنني لست «مهرة «مثلا في قصة «مهرة بلا فارس» أو «سندس في طوفان اللوتس»، مهما شرحت فلن يصدقني أحد، لذا ابتسم بصمت وأعتبرها حالة من النجاح أقنعت القارئ بما كتبت.
الوضع الثقافي
* كيف ترين الوضع الثقافي المصري؟
- هناك حراك كبير في الوضع الثقافي، التبس فيه الأفضل بالأسوأ، لكنها ظاهرة طيبة، فبعد مدة سينقشع الغبار ويذهب الزبد وسيبقى الأفضل.
* ما رأيك في ظاهرة الأكثر مبيعاً؟
- كـــأي ظاهرة ستختفي حـــين يقرر القارئ ألا ينخدع بالبروبوغاندا وحيل التسويق التي تتحكم في المبيعات فترفع أعمالا لا تستحق وتأخذ فرصاً أقوى من أعمال قد تكون الأفضل والأرقى.
*هل اختلف قارئ الأمس عن اليوم؟ ولماذا؟
- طبعا، اختلف كل شيء، في الماضي كان القارئ يقرأ ليستمتع، ولديه عادات للقراءة، موسيقى هادئة، وكوب من القهوة، ومكان منعزل، الآن الشباب يقرأ على الآيباد، التابلت، والموبايل، يريدون شيئاً سريعاً لا يهتمون بالتفاصيل الداخلية الدقيقة التي يتعب الكاتب في تصويرها، لابد أن نعترف بذلك.
* ما القضية التي تتمنين تناولها في عمل أدبي؟
- قضية الدين، هاجسي الحالي، أحاول الآن كتابة رواية لشخص يبحث عن الحقيقة بعدما شوه الناس الدين بتصرفاتهم واعتقاداتهم وتفاسيرهم التي تتواءم فقط مع مصالحهم حتى وإن أضرت بالدين والأخلاق.
* هل تؤيدين ثورة التصحيح الأدبي؟
- ثورة التصحيح لا ينبغي أن تأتي فقط من مجموعة من الكتاب والقراء الناقمين على دور النشر وأساليبهم الرخيصة، الثورة يجب أن تأتي من دور النشر ذاتها، من القراء، من المكتبات، والمسؤولية الكبرى تقع على دور النشر التي تنشر لأي شخص كان طمعاً في المال، هناك العديد من دور النشر المحترمة لكنها منخفضة الصوت، تعاني في صمت، كذلك المكتبات التي لا تهتم سوى بالاكثر مبيعا ويجب على الوسط الثقافي أن ينقي نفسه بنفسه، وأن ينضم له فقط دور النشر الملتزمة والمكتبات التي تهتم فعلا بالمحتوى وليس المال

35


أحفاد أورشنابي
إصدار روائي جديد لهيثم بهنام بردى


عن دار "ثقافة للنشر والتوزيع في (أبو ظبي– دبي– بيروت) صدرت للروائي العراقي هيثم بهنام بردى رواية جديدة بعنوان (أحفاد أورشنابي) التي جاءت ب (135) صفحة من القطع المتوسط وبغلاف أنيق معبّر تتوسطه لوحة للفنان التشكيلي العراقي لميع نجيب.
و "أورشنابي" هو ملاح "أوتونوبشتم" الذي عبّر ملك أوروك "كلكامش" بطل الملحمة المسماة باسمه، بزورقه من مياه الموت قبل وبعد حصول "كلكامش" على عشبة الخلود.
وجاء في الغلاف الخلفي للرواية أن:

التأريخ ذاكرة الزمن، – لا مراء، ولا جدال فيها، ولا مناص من تقبلها باعتبارها حقيقة ثابتة -، هذه بديهية مكرسة. والأدب، بكل أجناسه سواءً كان بالأسطورة المتداولة المتناقلة عبر الأحقاب شفاهاً أو على الرقيمات أو الرقوق أو الصحائف، حاول أن يتماهى مع التأريخ ويسّطر الأحداث بشفافية ومصداقية، فأفلحت بعض الأساطير والقصص والروايات والأشعار الملحمية، فسجلت لنفسها مكانة في المشرق من السرد القصصي والشعري المدون وتناقلته الأجيال تلو الأجيال، فيما ذهبت الأخريات التي تعمدت تزييف الوقائع أدراج الرياح والإهمال والنسيان، فلا عجب أن تبقى بعض الأساطير والقصص والسير، مثل العنقاء تحترق وتولد برمادها، عبر الزمن، متجددة متسربلة بالحياة.
وتأسيساً على هذا الفهم، نسجت روايتي (أحفاد أورشنابي) حين نقلت وبكل أمانة، أحداث قرية في شمال وطني العراق، أيام الحرب العالمية الأولى، التي اكتوى بنيرانها أبناء العراق والشام ولبنان وسواها،... حين سيق أولادها وشبابها، رجالها وكهولها ليكونوا حطباً لنيران أشرس حرب ضروس إستعّر أوارها لأربعة أعوام، والتي أطلق على هذه الممارسة الشنيعة (السفر برلك) أي (السفر براً)... وتجولت عبر ذاكرة شيخ في حوله الثمانين بتفاصيل تلك الأيام الممهورة بالحزن والفجيعة والموت، لضيعة هاجعة هادئة في شمال وطني، والتي ثكلت بالاحتلالين، العثماني الذي اقتطع من الزمن أربعة قرون ونيّف وحوّل ربوع هذا الوطن الثري الأصيل إلى خراب ينعب في جنباته التخلف والفاقة والجهل. ورديفه الآخر، الاحتلال البريطاني عقب الحرب التي تكللت بمعاهدتي سايكس بيكو وسان ريمو اللتين رسفتا بموجب تفاصيلهما بلداننا تحت نير الانتداب والاحتلال.
وتزخر أحداث الرواية التي لم ألتزم في كتابتها بالطرائق الكلاسيكية السردية (البداية، الذروة، الخاتمة) بل أنشأتها بطريقة من يقوم بوضع كرة من خيوط مبعثرة في علبة، ثم يسحب الخيوط رويداً رويداً، حتى تتشكل بالتالي معالم طرفي الخيط، وحاولت في نحت لغتها أن أزاوج بين اللغة المعاصرة بكل إرهاصاتها وبنيويتها التركيبية المعقدة، وبين طريقة (الحكواتي) ودكته الأسطورية، جاعلاً من القارئ أنفاساً متقطعة تتماهى في فضاء مقهى الذاكرة، وبذلك – برأيي – لم أقطع مع المتلقي سبل التلاقي والتسامي.
(أحفاد أورشنابي)....
              ذاكرة زمن، لما يزل حياً في وجدان شعب حي.

**********

ولشراء الرواية عن طريق التسوق الإلكتروني، ندعوكم لزيارة موقع (نيل وفرات كوم) على الرابط التالي:
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb249804-231303&search=books



36
" النـــــورس الجـــــريح " مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي صباح سعيد الزبيدي

بلغراد / خاص

صدرت في بلغراد  للشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي مجموعة شعرية جديدة كتبها باللغة الصربية حملت عنوان " النـــــورس الجـــــريح "  تُضاف إلى مجموعاتة الـ 7 السابقة .
يذكر ان الشاعر العراقي المغترب صباح سعيد الزبيدي ولد في مدينة العمارة جنوب العراق عام 1956 و يكتب الشعر باللغتين الصربية والعربية وصدرت له ايضا 4 كتب شعرية مترجمة لشعراء من صربيا وجمهوريات يوغسلاقيا السابقة وهو الآن مقيم في صربيا – بلغراد منذ /38/ عاما.
تجدر الاشارة ان المجموعة الشعرية طبعت في مطبعة غورا برس / زيمون - بلغراد / صربيا
رقم الايداع في المكتبة الوطنية الصربية ببلغراد :
821.163.41-1
COBISS.SR-ID 217840908
الترقيم الدولي :
ISBN 978-86-89695-10-6
تصميم الغلاف : المؤلف
الطبعة الاولى : 2015
ومن منشورات مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.
sabahalzubeidi@yahoo.com
*****


37


أُدَمـْـــوِزُكِ.. وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن ..

إصدار شعري جديد للشاعرة آمال عوّاد رضوان



أَيَا عَرُوسَ شِعْرِي الْأَخْرَس!.. إِلَيْكَ .. مُهْرَةَ بَوْحِي فَتِيَّةً.. بِفَوَانِيسِ صَفَائِهَا .. بِنَوَامِيسِ نَقَائِهَا.. حَلِّقْ بِبَياضِهَا .. صَوْبَ ذَاكِرَةٍ عَذْرَاءَ.. وَتَطَهَّرْ .. بِنَارِ الُحُبِّ .. وَنورِ الْحَيَاة!
بهذا الإهداء وبهذه الحروفُ استهلّت الشاعرة آمال عوّاد رضوان مجموعتها الشعريّة الجديدة بعنوان "أُدَمـْـــوِزُكِ.. وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن"، والّتي صدرَتْ عن دار الوسط اليوم للإعلام والنشر، ويتضمّن خمسين قصيدة في 152 صفحة من القطع المتوسط، فيما حملت لوحة الغلاف إبداع الفنّان الفلسطينيّ محمّد شريف من عرّابة جنين.
يأتي إصدار المجموعة الشعريّة الجديدة "أُدَمـْـــوِزُكِ.. وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن" للشاعرة الفلسطينية آمال عوّاد رضوان بعد ثلاثة إصدارات شعريّة سابقة لها، وهي "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج" صدر عام 2005، و "سلامي لك مطرًا" صدر عام 2007، والإصدار الشّعريّ الثالث "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ" صدر عام  2010. 
بالإضافة إلى خمسة إصداراتٍ أخرى في القراءات النقديّة، واالتوثيق والبحث والمقالات.
"أُدَمـْـــوِزُكِ.. وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن" – عشقيات، حملت في بطنها خمسين قصيدة، كلّها جاءتْ بلغةِ عشقٍ روحيٍّ صوفيّ أسطوريّ، نحتتها ما بين آلهة الشعر "ديموزي" و "عشتار"، لتسمو مِن خلال حروفها إلى أرفع مراتب العشق الصّافي والوله النقيّ!
كما تضمّنت المجموعة الشعريّة الجديدة "أُدَمـْـــوِزُكِ.. وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن" نبذةً من السيرة الذاتية للشاعرة، وبلغةٍ شعريّة فتقول: آمال؛ ليست سوى طفلةٍ خضراءَ انبثقتْ مِن رمادِ وطن مسفوكٍ في عشٍّ فينيقيٍّ منذ أمدٍ بعيد! أتتْ بها الأقدارُ، على منحنى لحظةٍ تتـّقدُ بأحلامٍ مستحيلةٍ، في لجّةِ عتمٍ يزدهرُ بالمآسي، وما فتئتْ تتبتـّلُ وتعزفُ بناي حُزْنِها المبحوحِ إشراقاتِها الغائمةَ، وما انفكّتْ تتهادى على حوافِّ قطرةٍ مقدَّسةٍ مفعمةٍ بنبضِ شعاعٍ، أسْمَوْهُ "الحياة"!
عشقتِ الموسيقا والغناء، فتعلّمتِ العزفَ على الكمانِ منذ تفتّحتْ أناملُ طفولتِها على الأوتار وسلالم الموسيقا، وداعبتْ الأناشيد المدرسيّةُ والتّرانيمُ حنجرتَها، فصدحتْ في جوقةِ المدرسةِ، إلى أنِ اتّشحَ حضورُها بالغيابِ القسريّ مدّة سنوات، لتعاودَ ظهورَها في كورال "جوقة الكروان" الفلسطينيّة!
عشقتْ أقدامُها المعتّقةُ بالتّراثِ الرّقصَ الشّعبيّ، وكانَ لخطواتِها البحريّةِ نكهةً مائيّةً تراقصُ ظلالَ شبابٍ طافحٍ بالرّشاقةِ في فرقةِ دبكةٍ شعبيّةٍ، إضافةً لنشاطاتٍ كشفيّةٍ وأخرى، تزخرُ بها روحُ فتاةٍ تتقفّزُ نهمًا للحياة!
أمّا لمذاقِ المطالعةِ والقصصِ والرّواياتِ فكانَت أسرابُ شهوةٍ؛ تحُطُّ فوقَ أنفاسِها حدَّ التّصوّفِ والتّعبّد، منذُ أن تعلّقتْ عيناها بسلالم فكِّ الحروفِ، وكانَ للقلمِ المخفيِّ في جيبِ سترتِها وتحتَ وسادتِها صليلٌ يُناكفُها، كلّما
شحَّ رذاذُ نبضِهِ في بياضِها، فيفغرُ فاهَهُ النّاريَّ مُتشدِّقًا بسِحرِهِ، كأنّما يحثّها لاحتضانِهِ كلّما ضاقتْ بهِ الأمكنةُ، وكلّما تعطّشَ إلى خمْرِها، فتُحلّقُ به في سماواتِ فيوضِها، وما أن تصحُوَ مِن سكرتِها، حتّى تُمزّقَ ما خطّتْهُ ونسجَتْهُ مِن خيوطِ وجْدِها، لتمحوَ كلّ أثرٍ يُبيحُ للآخرَ أن يُدركَ ما يعتملُ في نفسِها، ولأنّ مكانةً سامقةً وأثرًا جمًّا ومهابةً للأدب، تخشى أن تتطاولَ إليهِ، أو تُقحمَ نفسَها في ورطةٍ لا خلاصَ منها.
ما بعدَ الفترةِ الثّانويّةِ حلّتْ مرحلةُ منفاها عن طفولتِها الزّاهيةِ، حينَ استلبتْها مخادعُ الدّراسةِ الجامعيّةِ الثّلجيّةِ مِن أجيجِ نشاطاتِها، ومِن ثمّ؛ تملّكتْها مسؤوليّاتُ الزّواجِ والأسرةِ ومهنة التّدريس، واقتصرَ دورُها الأساسيُّ على مرحلةٍ جديدةٍ؛ هو بناءُ عالمٍ محبّبٍ آخر بعيدًا عنها قريبًا جدًّا منها، الأسرةُ بكاملِ مسؤوليّاتِها الجمّةِ، وفي الوقتِ ذاتِهِ وبفعل سحر الأمومةِ، نما في قلبِها عشقٌ جنونيٌّ للعطاءِ، رغمَ طراوةِ الحياةِ وقسوتِها، وكانَ بخورُ الذّكرياتِ يعبقُ بكبريائِها، ويُمرّغُها بعطرِ الطّفولةِ الهاربةِ!
ما بينَ رموشِ نهاراتِها ووسائدِ لياليها، ساحتْ آمال في عُمقِ بُوارٍ لا يَحدُّهُ خواء، تارةً، تأخذُها سنّةٌ مِن سباتٍ في استسقاءِ الماضي، وتارةً، تستفيقُ مِن قوقعةِ أحاسيسِها الذّاهلةِ، حينَ تهزُّها الفجوةُ الدّهريّةُ بينَ الأنا والآخر والكون، وبينَ مجونِ الضّياعِ المُزمجرِ فتنةً، وبينَ حاناتِ الخطايا المشتعلة كؤوسُها بلا ارتواء، والوطنُ يرتعُ في شهقاتِ ألمٍ تعتصرُ أملًا مِن كرومِ المستحيل!
لم تفلحْ شفافيّةُ الواقعِ المُرّ حلوُهُ، ولا مهرجاناتُ الحياةِ مِن صَلبِها على أعمدةِ مدرّجاتِ ومسارحِ الحياةِ، بل التجأت بصمتٍ وهدوءٍ إلى كهفِ الأبجديّةِ، واعتكفتْ فيهِ كناسكةٍ تحترفُها فتنةَ التـّأمـّلِ، حيثُ تصطفي نيازكَ حروفٍ متلألئةٍ بالنّضوج، كادتْ تسقطُ سهوًا في محرقةِ الألمِ، أو كادتْ ترجُمها إغواءاتُ الدّروبِ بحصًى يتجمّر، لكنّها حاولتْ أن تلتقطَ بأناملِ خيالِها تلك الحروفَ اللاّسعةَ الكاويةَ، كي ترطّبَ وجدَ آمالِها الموشومةِ بنشيجِ خلاصٍ قد يأتي!
كم تماوجتْ في طُهرِ روحِها شعاعاتُ إيمانٍ، صاخبة بفصولِ التّوغّلِ وبوجوه الجمال في غدٍ دافئٍ، وكم نقشَتْها أنفاسُها تنهيدةً منحوتةً ومُشفّرةً، على شاهدةِ عمرٍ يلاحقُها، ويُولّي في صحْوتِهِ، ولا يلوي على التفاتةٍ تكتظُّ بالحسرة!
"سحر الكلمات" هو عجوزي المستعارُ، وراعي انتظاراتي المؤجّلةِ بفوّهةِ مغارتِهِ الخضراء، يحرسُ بتمائمِهِ ومشاعلِهِ عرائشَ كرومي، عندما تسلّقتْ عليها دوالي قلبي وذاكرتي المنهوبةُ، ونصوصي الوجدانيّةُ المكدّسةُ على رفوفِ فسحاتٍ تعذّرَ التقاطُها، وبعشوائيّةٍ لذيذةٍ انفرطتْ قطوفُ أساريرِها على أطباقِ البراءة عبْرَ صفحاتِ النّت، لتؤبّدَ دهشةَ صمتٍ عبَرَتْ كالرّيح، فوقَ ظلالِ الفصولِ والعمر، إلى أنْ كانتْ ومضةٌ مخصّبةٌ بأحضانِ سحابةٍ متنكِّرةٍ، تراذذتْ من جلبابِها الشاعرة "آمال عوّاد رضوان".


38
"أخبار آخر العشاق" للخطيب تصدر من مصر قريبا

 
رواية برهان الخطيب "غراميات بائع متجول" الجديدة، عن مغامرات وتعقيدات حياة عربي في روسيا،  لم تصل يدي مؤلفها بعد، لا من الناشر ولا من غيره، حتى اليوم رغم مرور أكثر من عام على ظهورها في مصر، كما يدعي ناشرها مؤسسة نوافذ، ويوقع المؤلف عقدا جديدا مع دار شمس المصرية لإصدار روايته الأخيرة "أخبار آخر العشاق" .. الرواية الأخيرة لبرهان الخطيب يمكن اعتبارها جزءا ثانيا لروايته السابقة الصادرة قبل سنتين بعنوان "أخبار آخر الهجرات" وهي كما يوحي العنوان عن حال ومآل الناس المتغربة عن أوطانها في بلدان المهجر، الجديدة "أخبار آخر العشاق" أيضا عنهم، لكن المؤلف يعود فيها إلى فيافي الشباب الأولى يتتبع قصص الحب الأولى لهم وما بقي منها وترتب عليها في بلدان الشتات لاحقا، حيث يدوي تفجير في نهاية الرواية يعلن عن نهاية حياة وبدء حياة جديدة. لبرهان الخطيب عدد كبير من الروايات المنشورة وغير المنشورة، حوالي العشرين، وأكثر من اثني عشر كتابا مترجما.

39


عن دار فضاءات للنشر والتوزيع
رواية مياه متصحرة
للكاتب حازم كمال الدين

مياه متصحّرة
Desertified Waters
دار فضاءات
تأليف: حازم كمال الدين
Hazim Kamaledin
صدر مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع رواية مياه متصحرة للكاتب حازم كمال الدين وقد جاءت في 200 صفحة من القطع المتوسط
حين تقرأ حازم كمال الدين عليك أن تستدعي كل شخصياتك التي بعثرتها قبلاً حتى لا تجد نفسك غير قادر على العودة من داخل النص، نعم فحازم كمال الدين الروائي والمسرحي المتميز ليس حريصاً على عودتك إليك من عوالمه كما دخلتها، بل ربما جعلك تستلذ ذلك الجنون المنثور على طول صفحات روايته، خاصة وأنت تفكر كيف يكتب كاتب عن جثته المتنازع عليها من قبل الطوائف، بشكل يدفعك للاقتناع بأنه يكتب عنه هو بالذات ، عن حازم كمال الدين الذي تعرف، هي رواية ستدخلك إلى عوالم مجنونة في واقعيتها وفانتازياها لا يمكن أن يرسمها إلا حازم كمال الدين ولا يستطيع جعلك تؤمن بكونها واقعاً سواه، إلى الحد الذي يغافلك فيه ويجعلك تؤمن بعقلانية الجنون.

ما هذه الرواية؟
إنها رواية عابرة للطوائف تسائل اندحار العلمانية وتضعنا في تساؤل: هل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية أو جزء من مسؤولية نكوص الشعوب وانتشار سرطان الطائفية الذي يبدو حتى الآن مستعص على الشفاء؟ هل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية هزيمتها الذاتية المروعة واندحارها؟
بهذا المعنى تسلّط الرواية نقدا ساخرا لضمور القوى العلمانية التي التحق بعضها بالتركيبات الاجتماعية الجديدة في الوقت الذي تؤرخ فيه لعمليات تفكيك البنى الاجتماعية القديمة وإعادة تركيبها وفقا لما هو قابع في عتمة التاريخ.
القصة:
حازم كمال الدين، بطل الرواية، علماني يساري وجد نفسه في عالم تتصاعد فيه قوى أصولية ظهرت من دياجير الطوائف بعد أن بعثتها سلسلة عمليات أهمها احتلال العراق.
حازم كمال الدين يُقتل.
لا أحد يعرف حقيقة مقتله. البعض يقول غيلة على أيدي قوى الإرهاب والبعض يقول إنه راح ضحية قصف عشوائي على سوق شعبي أقدمت عليه قوى الاحتلال أو أدواته.
حازم كمال الدين سينمائي شهير جدا ومنسي "جدا" في ذات الوقت!
هو شهير لحصوله على أرفع وسام إبان حكم صدام حسين عن فيلم اسمه "مياه متصحّرة". فيلم كان يريد معارضة النظام غير أنّ الرقابة قامت بتقطيعه وحذف مشاهد منه وأعادت تركيبه ليؤدي عكس الهدف الذي أراده السينمائي.
وحازم كمال الدين منسي بسبب حصوله على ذلك الوسام أيضا. فعلى الرغم من معرفة الوسط الفني بحقيقة تحوير الفيلم إلى عكس ما كان يريده إلا أنّ الجميع يخشى فتح ملفات الماضي. فقد أعاد الاحتلال تأهيل رقابة العهد السابق ومنحها السطوة والقوة في العهد الحالي.
حين كان القتيل على قيد الحياة لم يكن يتذكره سوى حفنة من الأصدقاء. إلاّ أنّ موته أعاده للحياة! هكذا هو الحال في بلاد الرافدين؛ يظلّ الإنسان نسيا منسيا حتى يموت، ليصبح فجأة أسطورة تتغلغل في الذاكرات الجماعية التي تسعى لتعويض ضآلتها بأسطرة تواريخ الموتى.
الاختلاف على مكان دفن القتيل يخلق تجاذبات عائلية لا تتوقف حتى وهم يرون الجثة تتعفن وهي لمّا تُدفن بعد. فعلى الرغم من علمانية ويسارية أبواه إلا أن كلا منهما يصرّ على دفنه في المقبرة العائدة لطائفته؛ مقبرة الأعظمية أو مقبرة النجف، حتى ليبدو وكأنّ الأبوين العلمانيين أصيبا بدورهما بلوثة الطائفية. الأب من أصول شيعية والأم من أصول سنية. هكذا تتمزق جثة حازم كمال الدين، بعد تعفّن، لتدفن في شتى المقابر (الواقعية وغير الواقعية).
ولأنه يدفن في أماكن عدة فإن كل مكان يصنع من مقتله وتاريخه الشخصي أسطورة تناسبه. حازم كمال الدين ينظر أو يراقب ما يحدث دون أحاسيس ميلودرامية. إنه يعايش فقط ذاكرة غير مترابطة تقوده لمغادرة الحياة في رحيل إلى عدم مُعبّد بحكايات شعبية وميثولوجية وواقعية. رحيل يسمى علميا تجربة المشارفة على الموت، حيث يجد نفسه في نفق حلزوني تنهشه فجوة هناك هنا وتسجنه فجوة هناك. بيد أن الكاتب لا يقترب من حقائق التجارب العلمية المعروفة إلا لكي يمنحها أبعادا خلّاقة.
فالكاتب يرسم حلزونا متخيّلا لا تظهر فيه صور الماضي الشخصي فقط، بل تظهر فيه أيضا أحداث المستقبل والحاضر.
في الطريق إلى العدم يرى القتيل المستقبل ويستشرف ما سيحدث في صورتين أصل الأولى في الماضي الذي يحضر وكأنه مستقبل والثانية في مستقبل متخيَّل، حتى لتبدو صورة الماضي وكأنها أسطوانة مكرورة مشروخة هنا، وتأويل للماضي بصيغة المستقبل هناك، وبؤرة توليدية جوانية في موقع ثالث.
وفي الطريق إلى العدم يرى القتيل ما حدث في الماضي بصيغ متنوعة منها ما هو ميثولوجي ومنها ما هو واقعي فقد بريق الواقع.
رواية ما بعد حداثية:
الرواية مزيج من تقنيات انصهرت في بوتقة سردية واحدة: تقنيات الدراماتورغيا المسرحية، والسيناريو السينمائي، وفن القص الشفاهي العربي، وتقنية الكلاسور التشكيلية التي ابتكرها الفنان الفلاماني الهولندي يان فان آيك Jan Van Eyck في القرن الخامس عشر. أنّها "نموذج لأطروحات ما بعد الحداثة واختلاط الأنواع الأدبية وتمازجها لإنجاز بنية النص وهيئته ودلالاته." بحسب الناقد د. حاتم الصكر.
يعتمد معمار الرواية على ثلاثة أصوات أولهما للسينمائي المحلق داخل الحلزون أو النفق، وثانيهما صوته الذي يرى المستقبل بعد موته وثالثهما صوت جدّه البالغ من العمر نفس سنّه(!).
صوت السينمائي المحلق داخل الحلزون سرد فاعل (زمن قراءة المتلقي للرواية)، وصوت السينمائي في الفجوات المنبثقة داخل الحلزون سرد إخباري (زمن المستقبل مفرداته الماضي والمستقبل)، وصوت جدّه سرد إخباري (زمن الماضي).
إنّ "أية قراءة بلا مرافقة لخيال الكاتب وإيقاع عمله والفانتازيا التي يصورها لن تنتج شيئا. القارئ هنا مساهم في العروض والعذابات وحفلات الموت والضغينة الأسرية والوطنية. وطن يتحول كل شيء فيه إلى رماد يوازي مصير مُخرِج مياه متصحرة وكاتبها وربما قارئها أيضا." هكذا يكتب الناقد د. حاتم الصكر ويضيف أن "الفانتازيا ركيزة العمل ولكنها تتسع لترينا مشاهد من واقع أغرب من الخيال."
شيء عن مؤلفات حازم كمال الدين:

حازم كمال الدين روائي ومسرحي وباحث في شؤون الاستشراق والاستغراب المسرحيين يعيش في بلجيكا منذ عام 1987. حصل عام 2014 على الجائزة الأولى كأفضل مؤلف مسرحي عربي للكبار عن مسرحيته (السادرون في الجنون). منحت الجائزة من قبل الهيئة العربية للمسرح.
إضافة إلى نشاطه في الصحافة الفلسطينية (من عام 1979-1987) أصدر حازم كمال الدين الكتب التالية: رواية مياه متصحّرة عن دار فضاءات عام 2015، ورواية كاباريهت عن نفس الدار عام 2014. أما رواية أورال فقد صدرت باللغة الهولندية عام 2010 عن دار النشر البلجيكية Beefkacke publishing.
إلى جانب الرواية أصدر الكاتب مجموعتين قصصيتين مشتركتين: عام 2008 بلح رائع (عربي/هولندي) عن المؤسسة البلجيكية Cactusbloem، وضريح الصمت عن مؤسسة Woestijn‘93 عام 1993.
في مجال المسرح نشر عام 2011 أربع مسرحيات تحت عنوان عند مرقد السيدة عن دار الغاوون اللبنانية، ومسرحية العدادة (باللغة الهولندية) عام 2000 عن مؤسسة Woestijn’93.
ولم تقتصر مؤلفات كمال الدين على العمل الإبداعي، بل وامتدت لتشمل البحوث النظرية والترجمة، حيث أصدر على الصعيد التنظيري عام 2015 كتاب بيت القصب عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، وهو بحوث في تجربته المسرحية في الغرب لربع قرن وهو كتاب نقدي يتصدى للاستشراق والاستغراب في المسرح، كما أصدر كتابا بحثيا مشنتركا تحت عنوان المسرح والهوية عام 2013 عن وزارة الثقافة والإعلام في الشارقة وهو يعنى بقضية الهوية وإشكاليتها وتجلياتها.
وعلى صعيد الترجمة والتحرير نشر عام 2007 كتاب حرير للشاعرة البلجيكية إيفا كوكس والشاعر المصري عماد فؤاد، كما نشر عام 2008 كتاب إله قديم للشعراء طه عدنان، وماجد مطرود، وسعيد أونوس عن مؤسسة Cactusbloem.
أما في مجال العروض المسرحية فقد كتب وأخرج حازم كمال الدين ما يزيد عن الثلاثين مسرحية ومن بينها في العقدين الأخيرين مسرحيات: ربيع أسود عام 2013، والمنواليزا البابلية 2011، وأوديب 2011، وعند مرقد السيدة  2009، والبرق 2009، وأورال 2008، والأسفار 2004، وبيت القصب 2003، والعدادة 2003، وعاصفة من اللوحات 2002، ورأس المملوك جابر إخراج 2001، وعين البلح 2000، وساعات الصفر 1998، وسلالم الصمت 1997، وزرقة الرماد 1994،
إن المؤلف العربي حازم كمال الدين عضو فاعل في المؤسسات الثقافية التالية: مؤسسة القلم الدولية PEN-Vlaanderen، ومؤسسة ZebrArt، ومؤسسة Cactusbloem، ومؤسسة ثقافة 11، واتحاد الكتاب البلجيك SABAM، ومؤسسة Woestijn’93. كما أنه عمل محاضرا زائرا في جامعتي Antwerp وGhent البلجيكتين ومشرفا للدراسات العليا في DasArts الهولندية.


40

أغنية محمد متولي على بحر إيجة أحدث إصدارات كتاب الشعر




صدر العدد السادس والسبعون من سلسلة كتاب الشعر الإلكترونية
ديوان أغنية على بحر إيجة للشاعر محمد متولي
وقد صدرت النسخة الورقية من الديوان فى القاهرة  عام 2015عن دار آفاق
ومحمد متولى مواليد القاهرة 1970 حصل على ليسانس الآداب فى اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة.
كما حصل ديوانه الأول "حدث ذات مرة أن.." على جائزة "يوسف خال" للشعر عام 1992 وطبع عن دار رياض الريس،
اشترك فى إنشاء مجلة (الجراد) الأدبية والتى نشرت مطبوعاتها ديوانه الثانى "القصة التى يرددها الناس" عام 1998، ا
أختير محمد متولى لتمثيل مصر فى مؤتمر "الكتابة الدولي" بجامعة إيوا الأمريكية عام 1997،
قام بتأليف مادة كتاب (أصوات غاضبة) أنطولوجيا الشعر المصرى الجديد والذى صدر من جامعة أركنسو عام 2002.
نشرت له مطبوعات "الكتابة الأخرى" ديوانه الثالث (النزهات المفقودة) عام 2010 وأعادت الهيئة المكصرية العامة للكتاب نشره فى مكتبة الأسرة عام 2013
يعد "أغنية على بحر إيجه" ديوان محمد متولى الرابع
وقد صدر الديوان ورقيا فى القاهرة عام 2015 عن دار آفاق



سلسلة كتاب الشعر الإلكترونية
تصدر عن موقع كتاب الشعر الذى أسسه عام 2012 الشاعر المصري هشام الصباحي
وبدأت السلسلة فى الصدور شبه اسبوعى منذ عام 2012
وقد صدر عنها دواوين لرموز الشعر العربى والعالمى منهم
محمد عيد إبراهيم,عزمي عبد الوهاب,وليد الشيخ,
منذر مصري,وديع سعادة,سعدي يوسف
إبراهيم المصري
وغيرهم

يمكن قراءة الديوان كاملا على هذا الرابط

http://bit.ly/1GjiXjX
أغنية على بحر إيجة | محمد متولي | العدد السادس والسبعون | سلسلة كتاب الشعر


--
هشام الصباحى
www.poetrybook.biz
www.poetrybook.info

41

صدور كتاب كافيه فيروز: رواية باستثناء فصل واحد لعلي شاكر

صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت كتاب كافيه فيروز: رواية باستثناء فصل واحد لعلي شاكر ... الرجاء التفضل بالاطلاع على ملخص الحبكة مع تعريف موجز بشخصيات الرواية وسيرة المؤلف
 مع الشكر وفائق الاحترام
سيرة المؤلف:
علي شاكر، مهندس معماري وفنان تشكيلي عراقي/ نيوزلندي، مؤلف كتاب  A Muslim on the Bridgeله العديد من مقالات الرأي والأعمال النثرية منشورة باللغتين العربية والإنكليزية في صحف ومجلات أدبية في العالم العربي وبريطانيا والولايات المتحدة ونيوزلندا
ملخص الحبكة
 تدور الأحداث في مقهى يحتل الطابق العلوي من بيت قديم في جبل عمان ... مضى عامان على هبوب عاصفة الربيع العربي، حماسة الشعوب للتغيير بدأت بالفتور ليحل محلها خوف وتوجس من القادم من الأيام ... تقع الرواية في خمسة فصول يتمحور كل منها حول شخصية من الشخصيات المتواجدة في المقهى الذي يضج بالمهاجرين الحاملين معهم ذكريات عن مدن تغيرّت معالمها وأحباء غيّبهم القدر والمهمومين بحاضر غير مستقر ومستقبل مجهول.
الأحداث تستوحي مشاعر وآمال وخيبات أجيال متعددة تعيش صراعا بين عالمين متصارعين ومنظومتين ثقافيتين مختلفتين، ترصد الرواية تعاطيهم، أيجابا وسلبا، مع التغيرات السريعة التي شهدتها بلدانهم في السنوات الأخيرة ... فصول الرواية تكاد تكون مستقلة بذاتها، تجمع بينها بعض القواسم المشتركة كصوت السيدة فيروز وأغانيها التي تتردد في جنبات المقهى كما تتقاطع المسارات الرئيسية والثانوية في الكتاب مع عدد من الشخصيات العامة، سياسية وفنية واجتماعية، الغرض من ذلك، كما ورد في المقدمة هو تجذير الأحداث وربطها بالتربة التي يُفترض وقوعها عليها والزمان الذي دارت فيه ولا يقصد به الاساءة الى أي من تلك الأسماء كالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، رفعت الأسد، الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، الدكتور محمد البرادعي، عمرو موسى، الشيخ محمد متولي الشعراوي، دانييل ميتران وسواهم
 
فصول الرواية الخمسة (شخوصها) هي:
نادين
مصورة ومراسلة صحفية من لبنان كانت تعمل مع وكالة الأنباء الفرنسية قبل أن تقرر التقاعد والاستقرار في العاصمة الأردنية حيث تفتتح مقهى يحمل اسم مطربتها المفضلة ويتيح لزائريه سماع أغانيها ريثما يحتسون فناجين القهوة، شخصية نادين كارهة لكل مظاهر الزيف ومتمردة على السائد من التقاليد
وليد
عازف بيانو فلسطيني الأصل مولود لأسرة فقيرة في مخيم البقعة للاجئين في ضواحي عمان، الألحان التي يعزفها وليد في المقهى تثير شجونه فهو لم يتعاف بعد من انهيار علاقته بفتاة أحبها حد الجنون وقرر الارتباط بها قبل أن يكتشف حقيقتها المريعة
ربى
الابنة الوحيدة لواحد من أكثر الرجال نفوذا في سوريا وزوجته الحسناء سليلة العائلة الدمشقية العريقة تسافر الى عمان في مهمة غير معلنة، وجودها في الأردن وتماسها مع معاناة اللاجئين السوريين فيه يؤديان الى اقدامها على خطوة ستغير مسار حياتها بل تقلبها رأسا على عقب
محمود
رجل أعمال مصري يصل الى الأردن في زيارة عمل قصيرة يلتقي خلالها بنادين التي تدعوه الى زيارة مقهاها، معارضة محمود لمحاولة زوجته الايطالية التأثير على طفلتهما في الوقت الذي يرقب فيه التعصب الديني وهو يجتاح القاهرة مدينته الحبيبة تكلفه ثمنا باهظا
علي (شخصية المؤلف الحقيقية)
كاتب عراقي مغترب يقوم بزيارة الأردن لمتابعة بعض الشؤون العائلية ويتخذ من كافيه فيروز مقرا لتأليف روايته الأولى باللغة العربية، الأغاني التي تتردد في المقهى تثير ذكرياته عن حياته في بغداد وبداية تعرفه على صوت فيروز وتجعله يسترجع ملامح العيش في ظل نظام شمولي والفوضى التي أعقبت الاطاحة به
 


42


قراءةٌ نقديّة في قصيدةِ (مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي) للشّاعرة آمال عوّاد رضوان


 هيام مصطفى قبلان


مُزنّرٌ بمِئزرِ ملاكي!/ آمال عوّاد رضوان

مَفتونٌ أنا.. بلَيلِكِ العاري يَلبسُني عَهدًا
يتأبَّطُني على حافَّةِ الأُفُقِ
أَنا المَسكونُ بِمَلامحِ براءتِكِ!
لكِن وَحْيكِ الأَرعنَ.. راعٍ وَحشيٌّ ثائرٌ
يَ تَ وَ ا ثَ بُ
مِن
مَرعًى
إلى
مَرمى
يُطاردُ قطعانَ تراتيلي
في مَعابرِ مَعابدي
يُثيرُ غُبارَ أَنفاسِكِ
على مَرمى خُطى القُرنفلِ!
يا البرِّيَّةُ الشّهيّةُ
بِرِئَةٍ مَفتونةٍ.. شَهقتُكِ حُبّا
لِمَ زَفرْتِني هزيمةً مُحرَّمةً.. في أَزقّتِكِ الزّهراءِ
تُطوِّقينَني بِأَزيزِ الرّموزِ؟!
كنتُ حلزوْنةً.. تغُطُّ بسُباتِكِ
بابَ قَوْقَعَةٍ.. قرعتِ
غِشاءَ دهشَةٍ.. شققتِ
تُنبينَها بشذراتِ رِهامِكِ الأَوّلِ
وَهادرةً
سرَتْ بِعوْسجي حرارةُ رذاذِكِ المُترنِّم
أَعرى مِن مِغزلٍ انزلقتِ
إلى محبرتي البيضاء
حُروفًا رثّةً.. ا نْ تَ ثَ رْ تِ
تتدَحرجينَ
على أَشواكِ نِداءاتي الموشومةِ..
بِالفقدِ!
بِأَقْلامِ تَمَرُّغِكِ الْوَدِيعِ
قَ لَّ مْ تُ .. أمْواهَ خُطاكِ
و ا قْ تَ فَ يْ تُ
سُلالةَ خوفي المَخبوءِ
بزهرِ الزّعرور!ِ
أنا الطّاعنُ بالمآسي
بأَسفارِ صُفصُفِ الفِراخِ
هَ رَّ بْ تُ كِ.. زقزقةَ إيمانٍ
وَبرحيقِ توْبةٍ.. رقّيتُكِ
لِتُموْسقيني بغيبوبَتي
غديرًا يُناهِدُ غديرَكِ
لكِنّكِ..
مَضيتِ بطباشيري الحزينةِ
تترَصّدينني
تَرسُمينَ أَنينَ أحلامي الزّرقاءَ
سَيفًا.. يُغازلُ صيفًا ماضيًا في قلقي!
يا المُعجزةُ المُزدهرةُ في ثنايا بَعثي!
بتُؤدةِ الشُّموسِ المُبتلّةِ بالضّياءِ
امْتشقتِ شقاوةَ طاؤُوسِكِ
لتَغزِلَ عُيونُ أرياشِكِ قصائِدي المَخروطيّةَ
أنجُمًا مَسحورةً
تُ
عَ
لِّ
قُ
نِي
في رِقعةِ سمائِكِ سَريرًا 
مَــــثــــ   ــــــقُـــوبًــــا
تَغفو فيهِ حسَراتي!
أَلا يَبزُغُ لحدي الماكرُ مُكلّلًا
بقزَحِكِ التَّوأم!؟

في المجموعةِ الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، تنهضُ طفلةُ الرّمادِ لتُلملمَ حلمًا سُفِكَ على أعتابِ وطنٍ صعقَهُ النّزفُ، وتثاءبَ على دمعِهِ الانتظار، تحمِلُ نايَ الحزن لتصنعَ مِن المستحيلِ إشراقاتِها المجنّحة، فتتصاعدُ بها إلى لغةِ الجنون والحُلم، تُمارسُ هناكَ طقوسُ التّطهيرِ مِن أجل ولادةٍ نقيّة، تطلُّ ببهجتِها مِن نافذتيْن، تهشّمَ على زجاجِهما الممنوع والمغيّب، باعتبار أنّ الجنونَ والحُلمَ يُشخّصانِ عالميْنِ مِنَ المُحرّم والمحظور، قد تعتبرُهما الشاعرة مُحفّزيْن للتمرّدِ والتّعبيرِ عن الفقدِ والغياب.
الجنونُ في رحلةِ آمال هو التّحرّرُ مِن النّمطيّةِ، والانطلاقُ في الإيقاع الذي شكّلَ في قصائدِها لغةً إبداعيّة مغايرة، تجاوزت المألوفَ عليه مِن أبعادٍ وانزياحات، وصورٍ شعريّة، ومِن تغريبٍ للذات المتكلّمةِ التي استبدلتْها بصوتٍ ذكوريٍّ في قصائدِها. وعلى حدِّ تعبير ميشال فوكو:   "إنّ الجنونَ يُعدُّ أحدُ أشكالِ العقل، حين يندمجُ فيهِ صانعًا إحدى قواهُ الخفيّة، أو لحظةً مِن لحظاتِ التّجلّي وبشكلٍ متناقض".
ولا ننسى أنّ الكتابةَ بلغةِ الجنون والحُلم تُثري مِن الدّلالاتِ والرّمز، لتعديلِ المُنكسِر والمُهشّم الذي تراهُ الشاعرة، فالحُلمُ يأخذنا إلى البحثِ عن الذاتِ الحقيقيّة، كي نستطيعَ أن نُشيرَ إلى أماكنِ الضّعفِ فينا مِن خيبةٍ وفقدان وخسارة، فيتّحدُ الحُلمُ بالجنون رغبةً في المغامرةِ في لحظاتِ رحيلِ الرّوح مِن الجسدِ أثناءَ النّوم، فإنّهُ أشبهُ بتعويضٍ عن الواقع المُعاش في الحُلم الكتابيّ الإبداعيّ وحلم اليقظة، ومِن هنا تحاولُ آمال خلْقَ توازنٍ نفسيٍّ للذّاتِ لتنقيّتِها، مِن خلالِ التّخيّلِ الأفضلِ، ومن خلال اللّجوءِ إلى حضنٍ ومكانٍ تُحقّقُ فيهما رغبتَها المتمرّدة.
أعودُ إلى مقولةِ ماكسيم جوركي: "جئتُ للعالم لكي أختلفَ معه"، وذلك يقودُنا إلى اللّغةِ المتمرّدةِ بشهوةِ الكلام المتزنّرةِ بمفرداتٍ تجاوزت الجُملة العاديّة، ومِن هذا المنطلق فضّلتُ أن أتناولَ قصيدةً مِن المجموعة، قد تتوافقُ بصورةٍ أو بأخرى معَ الرّغبةِ بالخروج عن المألوفِ لتحقيقِ المستحيلِ عندَ الشاعرة، مُزّنَّرٌ بِمِئْزَرِ مَلاَكِي ص91:
مفتونٌ بليلِكِ العاري يَلبسُني عَهدًا/ يَتأبّطُني على حافّةِ الأفق/ أنا المسكونُ بِملامحِ براءتِكِ! لكِن/ وَحْيَكِ الأرعنَ راعٍ وَحشيٌّ ثائر/ يَ تَ وَ ا ثَ بُ/ من مرعًى إلى مرمى/ يُطاردُ قطعانَ تَراتيلي/ في معابرِ معابدي/ يُثيرُ غُبارَ أنفاسِك/ على مَرمى خُطى القرنفلِ!
لغةٌ ساخنة تلتقطُ تمزّقاتٍ جريحةٍ بضميرِ المتكلّم الرّجل في القصيدة، وبتوجّهِ الدّالّ للمدلول بكتابةٍ تدهشُ بمتناقضاتِها، حين يكون الفاعلُ المتكلّمُ هو المفتونُ بليلِها العاري، ليتحوّلَ اللّيلُ إلى فاعلٍ آخرَ يُرخي على المتكلّمِ رداءً يلبسُهُ، كما وثيقةُ التّعهّدِ إلى الأبد، بالرّغم مِن أنّهُ مفتونٌ بالعُري، إلاّ أنّهُ يقودُنا إلى اللّذةِ، حين يتأبّطُ اللّيلَ صديقًا له ليصلَ إلى حافّةِ الأفق، لتبدُوَ اللّذةَ هنا وليدةَ الرّغبة، بتفادي لحظاتٍ قادمةٍ تُراودُ المسكونُ بملامحِها البريئة، و"لكن"؛ المَفصَلَ بينَ الشّعورِ باللّذةِ وبين وحْيِها الأرعن، إذ تتغيّرُ لهجةُ الخطابِ في النّصّ، حيث لحظة الكشْفِ تُثيرُ في القارئِ الخوْفَ مِن هذهِ اللّغةِ الحَرونِ المُتمرّدةِ للشّاعرة، فالوحيُ ما هو إلاّ "راعٍ وحشيٌّ ثائر"، أمّا ملامحُها البريئة التي سكنت العاشقَ، فتتحوّلُ إلى ملامحَ ثائرةٍ هائجةٍ تتواثبُ لمطاردةٍ وحشيّةٍ، مِن المرعى الوديع إلى المرمى، حيثُ يُطاردُ الرّاعي قطعانَ تراتيلِهِ في معبدٍ، يتحوّلُ إلى ساحةِ معركةٍ شبيهةٍ بمطاردةِ ثيرانٍ يَعلوها الغبار، وما الغبارُ الاّ أنفاسها الثائرة، فيناديها: "يا البريّة الشّهيّة"، التي ليست على مرمى حجر، بل على بُعدِ خطوةٍ مِن القرنفل، بينَ لحظةِ الحُلم وتحقيقِهِ، تنفلتُ "الشّهقة مِن رئةٍ مفتونةٍ حُبّا بها "، وهي "تزفرُهُ هزيمةً مُحرّمة":
يا البرّيّةُ الشّهيّةُ/ بِرئةٍ مفتونةٍ شهقتُكِ حُبّا / لِمَ زفرْتِني هزيمةً مُحَرّمةً في أزقّتِكِ الزّهراءِ/ تُطَوّقينني بأزيزِ الرُموزِ؟
وكأنّ الرّموزَ في لغةِ الجنون والحُلم تُطلقُ رصاصاتِها، مُعلنةً عن الحدّ الفاصلِ بين المُحرّمِ والمرغوب. وهنا لا بدّ أن أتوقّفَ للتنويهِ، بأنّ آمال أكثرتْ مِن استخدام حرف الزّاي، الذي يُعدُّ مِن الحروفِ الأسليّة، ومصدرُها مِن "أسلة" اللّسان؛ أي طرفهُ الآخَر؛ إذا كانَ يابسًا على النطقِ بحروفِ الصّفير، مثل "السّين والصّاد والزّاي"، وهي الحروفُ الأسليّة.
وفي بحثِ الصّوتيّاتِ لابن جني في كتابه "سرّ صناعةِ الإعراب" عرض، ذكرَ أحوالَ الحروفِ منفردةً، أو منتزعة مِن أبنيةِ الكلمةِ التي هي مصوغة فيها، ودراسةُ الحروفِ يَعتبرُها ابنُ جني علمًا قائمًا بحدّ ذاتِه، لا يقلُّ أهمّيّة عن الصّرفِ والنّحو، واكتفى ابنُ جني بذِكر الأعضاءِ التي تؤلفُ الجهازَ الصّوتيّ على حدّ قوله: "الصّدر والحلق والفم والأنف".
وكانَ العربُ قد خصَّوْا كلَّ قسمٍ مِن أقسام اللّسانِ باسمٍ خاصّ فقالوا:"عكدة اللسان" أيّ أصله، "أسلة اللسان" أيّ طرفُه الآخر اليابس عن النطق بحروف الصّفير، وهذا ما نحن بصددِهِ هنا.
هكذا بتكرارِ حرفِ الزّاي في الأبيات التي أمامَنا دلالةٌ، على أنّ الحلمَ والأملَ كالفرحِ المكبوتِ المبحوحِ اليابس تحت اللسان، فحرفُ الزاي كالصّاد والسّين، حيثُ يلتقي طرفُ اللّسان بالأسنان، بغضّ النّظرِ من التقاءِ مقدم اللّسان باللّثة، وهذا الالتقاءُ هو الذي يُحدِثُ احتكاكًا يُؤدّي إلى النّطق بالزّاي والصّاد والسّين، حيثُ أنّ حرفَ الزاي المتكرّرَ حرفٌ مجهور، أي في حالِ النّطقِ بالصّوتِ المجهور، تقتربُ الأوتارُ الصّوتيّة أثناءَ مرورِ الهواء، فيضيقُ الفراغ ولا يَمرُّ النّفَسُ إلاّ باهتزازِ الأوتار، فتحدثُ عندَها ظاهرة "الجهر،sonorite"، والتي يُرافقها ما يُشبه "النفخ" دونَ أن يكون لها الضّغطُ نفسُه، كحرف الزاي والظاء والذال والضاد، وجميعُها حروفٌ مجهورة كالتي وردت في الأبياتِ الشّعريّة وأقتبس:
"زفرْتِني، أزقّتُكِ الزّهراء، بأزيز الرّموز".. وهي طبعًا عكسُ الصّوتِ المهموس الذي لا تهتزّ له الأوتارُ الصّوتيّة في حالةِ النطق، وهنا النّشيجُ والتشنّجُ الوتريُّ أدّى إلى ضيقٍ في النّفس، يكادُ يصلُ إلى الاختناق والتقطّع، دلالةً على الصّوتِ الأخرس نطقا.
كذلك أكثرتْ مِن الأوصافِ والانزياحاتِ لخرْقِ جدارِ الرّموز، وتذويتِ اللّغة ببصمةٍ تُحيلُنا إلى مُعجمٍ خاصّ بالشّاعرة، مِن نحْتٍ في الجَمال والأنين والحزن والألم.
أمّا الزّمنُ فمُتحوِّل، نرى المتكلّمَ يعودُ إلى الماضي، فيأخذنا إلى عالمٍ تقاطرَ فيهِ الحُلمُ الورديّ برغم الحزن، بتوظيفِ رموزٍ تزحفُ بنا إلى تصويرٍ لانفعالٍ داخليّ، منحَ الضّميرَ المتكلّمَ رؤيةً أخرى، تلاقحت فيها المجازاتُ والأبعادُ لحدِّ السّعادةِ الوهميّة، وبجُنوحٍ وصْفيٍّ لمشهدٍ يُصوّرُ تلكَ المُتخيّلة.
للشّاعرة آمال عوّاد رضوان مفرداتٌ شعريّةٌ خاصّة مثل: "القوقعة، الغشاء، الشذرات، العوسج، المغزل"، فترسمُ مشهدًا رائعًا لعمليّةِ ألمٍ لذيذٍ بكلّ مُعاناتِه، استحضرت فيهِ "الحلزونة" كرافدٍ مُحرِّكٍ لتعريةِ النّداءاتِ الموشومةِ بالفقدِ والحرمانِ وانزلاق المشاعر فتقول:
كنتُ حلزوْنةً تغُطُّ بسُباتِكِ/ بابَ قوقعةٍ.. قرعتِ/ غِشاءَ دَهشةٍ.. شققتِ/ تُنْبينها بِشذَراتِ رِهامِكِ الأوّل، وَهادرةً/ سرَتْ بعوْسجي حرارةُ رذاذِكِ المُترنّم!
لماذا اختارت آمال الحلزونة؟ مِن المعروفِ أنّ القواقعَ تعيشُ داخلَ أصداف، وأصدافُ القواقع تُماثلُ في التركيب أصدافَ المَحارِ واللّزيق، ويوجد داخل القوقعة قلبُها ورئاتها وجميعُ أعضائِها الهامّة، ويستطيعُ القوقع عادة إصلاحَ الصّدفة إذا كُسرت، ولكن إذا كان الكسْرُ خطيرًا ولم يستطع القوقع إصلاحَهُ، فانّه عادةً يموت.
لقد وظّفت شاعرتُنا في هذه الأبياتِ أفعالًا لاءمت الإيقاعَ الرّاقصَ السّريعَ، في وصفِ صورةٍ شعريّةٍ لانزلاق الحبيبة إلى عالم العاشق الذي اخترقتْ بابَ قوقعتِهِ، بعدَ أن كان في سباتٍ عميق، وشقّتْ غشاءَ دهشتِه، والغشاءُ في الحلزونة متواجدٌ على فتحةِ القوقعة، ليحمي الحلزونة مِن الجفافِ عند سباتِها، لذا فقد كانت الحبيبةُ بالنّسبةِ له رذاذَ المطرِ الأوّل الهادر الذي شقّ غشاءَ قوقعته برذاذِهِا الحالم المترنّم، لتُرطّبَ جفافَ عمْرِهِ، وانزلقتْ بهدوءٍ إلى "محبرتِهِ البيضاء النقيّة:
أَعرى مِن مِغزلٍ انزلَقتِ/ إلى محبرَتي البيضاء/ حُروفًا رَثّةً/ ا نْ تَ ثَ رْ تِ/ تتدحرجينَ/ على أَشواكِ نداءاتي الموْشومةِ بالفقد/ بأقلامِ تَمرُّغِكِ الوديعِ / قَ لَّ مْ تُ/ أمواهَ خُطاكِ/ و ا قْ تَ فَ يْ تُ / سُلالةَ خوْفي المخبُوءِ بزهرِ الزّعرور!ِ
إذن؛ لقد كانَ لها المخلّصَ مِن سيْرِها على الأشواك، حينَ انزلقتْ إلى محبرتِهِ النّاصعةِ النّقيّةِ بحروفِها الرّثّةِ، وبأقلام تمرُّغِها الوديعِ الجميلِ السّاكن، حين قلّمَ مياهَ خطواتِها واقتفى أثرَها.
هنا في هذه الصّورة؛ "قلّمتُ أمواهَ خطاك"، تناصٌ من عجائب السّيّد المسيح حين مشى على سطح الماء، فالسفينة التي كان تلاميذه في داخلها قد صارت في وسط البحر، ويظهر أن الريح كانت مضادّة، فكانت تعاكس السفينة وتلعب بها، حتى كادت تنقلب، فخاف التلاميذ خوفًا عظيمًا، وظنّوا أنّ نهايتهم قد اقتربت، وعندما رأى المسيح تلاميذه في خوفهم، أراد أن يهدّئ من روعهم، فذُهل إليهم ماشيًا على الماء، "فلما أبصره التلاميذ ماشيًا على البحر اضطربوا قائلين: إنه خيال.. ومن الخوف صرخوا، فللوقت كلّمّهم يسوع قائلًا: تشجعوا أنا هو.. لا تخافوا (متى 14: 26-33).
وتضيفُ الشّاعرة: و ا قْ تَ فَ يْ تُ / سُلالةَ خوْفي المَخبوءِ بزهرِ الزّعرور!
وكأنّه الأبُ المُخلّصُ الذي جاءَ إلى الكينونةِ، ليقتفيَ أثرَ سلالةِ خوفِهِ مِن المخبوءِ له "بزهر الزعرور"! الزّعرورُ نبتة كانت تُعرَفُ في القرون الوسطى كرمزٍ "للأمل" وتأخيرِ العِلل، وتستخدمُ اليومَ أيضًا لاضطراباتِ القلب ودورانِ الدّم وبخاصّةٍ الذّبحةِ الصّدريّة، وتزيدُ مِن تدفّقِ الدّم إلى عضلاتِ القلبِ، وتُعيدُ الخفقان السّويّ إليه.
الزّعرورُ مِن فصيلةِ الورديّاتِ، وهي أشجارٌ حُرجيّةٌ متوسّطةُ الحجم فروعُها تنتهي بشوك، وأوراقُها مُجنّحةٌ صلبة كالجلد، تزهرُ أزهارًا بيضاء، وأوراقُ الطّلع فيها ورديّةٌ أو حمراء، وأثمارُها كرويّةٌ حمراء، تنبتُ في أسيجةِ الأشجارِ والغاباتِ الصّغيرة، وهناك خبّأ العاشقُ خوفَهُ، وبحثَ عن الأملِ داخلَ زهرةِ الزّعرور، ويُقالُ أيضًا أنّ للزعرورِ فائدةٌ تداوي مرضَ الشّرج والشّفاء منه، وفي الحالتيْن؛ فانّ هذه الصّورةَ بمثابةِ تأكيدٍ على حبِّهِ وتضحيتِهِ في سبيلِ إنقاذِها، هو الذي كانَ يُؤمنُ بها وقد تابَ على يديْها، بعدَ أن غرفَ مِن مآسي الحياة أشقاها:
أَنا الطّاعنُ بالمآسي/ بأسْفارِ صُفصُفِ الفِراخِ/ هَ رَّ بْ تُ كِ/ زَقزقةَ إيمانٍ/ وبرَحيقِ توْبةٍ رقَّيتُكِ/ لتُموْسقيني بغيبوبَتي/ غديرًا يُناهِدُ غديرَكِ!
هذا هو المفتونُ بليلِها العاري قاسى المصاعبَ والمآسي بأسفارِهِ، منذ أن كانَ فرخًا يرفرفُ ولم ينبتْ زغبُهُ بعد، وهي تأتي تخترقُ حياتَهُ، لتعلّمَهُ كيفَ يتوبُ على يديْها، هي القدّيسة التي رقّاها مِن العين، لتتموسقَ في داخلِهِ في لحظاتٍ مِن غيبوبةِ الحلم، فيُناهدُ غديرُها غديرَه، ويُردّد: لكنّكِ/ مضيْتِ بطباشيري الحزينةِ.. تترَصّديننِي/ ترْسمينَ أنينَ أحلامي الزَرقاءَ/ سيْفًا../ يُغازِلُ صيْفًا ماضيًا في قلقي!
كالفرسِ الحرون تمضي تترصّدُهُ ، ترسُمُ لهُ أحلامَهُ التي تئنّ، وكأنّها السّيفَ الحادّ القاطعَ الذي يُغازلُ صيفًا يَمرّ في قلق.
يا المُعجزةُ المزدهرةُ في ثنايا بعثي!/ بتُؤدةِ الشّموسِ المُبتلّةِ بالضّياءِ/ امْتشقتِ شقاوةَ طاؤوسي/ لتَغزلَ عُيونُ أَرياشِكِ قصائدي المخروطيّةَ/ أنجُمًا مَسحورةً/ تُ عَ لِّ قُ نِي/ في رِقعةِ سمائِكِ/ سريرًا  مَثــ  ـــــقوبًا/ تغفو فيهِ حسَراتي!
كالمعجزةِ هي.. ستزهرُ أيّامَهُ، هي البعثُ الذي سيُعيدُهُ للحياةِ مِن جديد، وببطءٍ تتحرّكُ الشّموسُ التي تبلّلت بالضّياء، هكذا وبكلِّ مراوغةٍ وبشقاوةِ الطاؤوس الذي بعيونِ أرياشِهِ أثّرت على قصائدِهِ، لتغزلَها وتجعلَها أنجمًا مسحورة. وقد وظّفت الشّاعرةُ الطاؤوسَ رمزًا للشّقاوةِ بعرْضِهِ المُخادع، وهو ينشُرُ ذيلَهُ على شكلِ مروحةٍ، كأنّهُ يُقابلُ أنثاهُ، ويُحاولُ أن يُريَها وسامتَه حتى تُغرَم به، وقد اختارت الشاعرةُ ذكرَ الطاؤوس، لأنّهُ حين ينشرُ ذيلَهُ، تظهرُ العيونُ الكثيرة ببريقِها السّاحرِ على ذيلِهِ، فالألوانُ الزّاهية التي نراها هي نتيجة انعكاس الضّوء، وانكسارِهِ على السّطوح المختلفةِ للرّيش، ممّا يمنعُ لونُهُ الحقيقيّ البنيّ مِن الظّهور، وهذا دلالة على العرض السّحريّ المُخادِع منها، والذي رفعَهُ كالأنجم، وعلّقَهُ في رِقعة سمائِها، وألقاه على سريرٍ مثقوبٍ مهترىءٍ تغفو عليه حسراتُهُ، بات يهدّدُهُ بالسّقوطِ مِن عليائِها والموت، و(سريرًا  مَثــ  ـــــقوبًا) رسمٌ بالكلمات، فيتساءلُ متحنّنًا: أَلا يَبزُغُ لحدي الماكرُ مُكلَّلًا/ بقزحِكِ التّوْأمِ!؟
حتّى وهو على فِراشِ الموت يَحملُ الأملَ، بأن يبزغَ قوسُ قزحِها ثانية، ليُكلّلَ بهِ لحدَهُ! صورةٌ مدهشةٌ لانكسارِ الحُلم، واحتقانِ الأملِ داخلَ روحٍ تتزنّرُ بمئزرِ ملاك.
وبعودةِ إلى عنوانِ القصيدة "مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي" أتساءل: هل يمكنُ للعنوانِ أن يتنبّأ بحقلٍ دلاليٍّ للنّصّ؟ هنا أعتقد أنّ العنوانَ يَدرجُ في بابِ العناوينِ التّأويليّةِ، والّتي هي أكثرُ الأنواع قدرةً في تنبّؤِ الحقلِ الدّلاليّ، وقد نجحت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في اختيارِ العنوان، الذي شكّلَ محورًا أساسيًّا في مبنى القصيدة التأويليّ، وبرسْمِ مساحةٍ شاسعةٍ مِن الرّموزِ والإيحاءاتِ والأبعادِ الدّلاليّة.

43


أُسْكبيكِ في دَمي خمْرَ طُهْرٍ!

فاطمة يوسف ذياب

عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان.. أتناولُ قصيدتَكِ (أُسْكبيكِ في دَمي)، وأنتِ مِن فيروزِ الحُروفِ تصنعينَ عقدَ الكلماتِ، فنُعاقرُها بغزَلٍ فوضويٍّ يَتماهى مع مخزون الوجعِ ومَكدوس الأماني، فنحلُمُ كما تَحلُمينَ، بغدٍ يَخرُجُ مِن شرنقةِ حُلمٍ لذيذٍ، يَفردُ أجنحتَهُ بلوحاتٍ فنّيّةٍ تأخذُنا إلى النّصِّ، وتَسحَبُنا إلى عالمِكِ المُترَعِ بالتّجلّي، فنرى اللّوحاتِ جزءًا مُتناغِمًا معَ حُروفِكِ، وندخلُ دائرةَ السّؤالِ؛ مَن جاءَ أوّلًا، اللّوحةُ أم النّصوص؟
عزيزتُنا الشّاعرة آمال، سيَظلُّ الهَمُّ ذاتُهُ يَتقلّبُ على جمرِ النّصوصِ الّتي تُميّزُكِ ببلاغتِها وشدّةِ غموضِها، والّذي مِن جهَتي، كنتُ أُفضّلُ أن يُسلّمَني ذاتَهُ مِنَ المُعاشرةِ الأولى، فهذهِ لغتُكِ العصيّةُ المُستعصيةُ كما نوارس أحلامِنا، لها فضاءاتُها وعوالمُها، فتحيّة أختي الشّاعرة، وتحيّةً لمَداد حِبرِكِ الماسيٍّ المائيّ.
(1)* نَسائِمُ شُرودٍ.. تُحَلِّقُ/ تَصْفَرُّ أَعْوادُها .. تَصْفِرُ ناياتُها/ و.. تَسْفَحُ غَمامَ مُنىً/ عَلى .. أُفُقِ الصَّباحاتِ البِكْر
أسكبيكِ في دَمي؟ نَسائمُ تصفَرُّ أعوادُها؟ ياااااااااااااه، حينَ تَجفُّ الكلماتُ، وتُورقُ الأماني مِن ثنايا صُفرةِ أعوادٍ تعّرّتْ مِن وُريقاتِها، وشَلحَتْ براعمَها، في زمنٍ تئنُّ فيهِ النّاياتُ، ويَشلحُ الفجرُ بكارتَهُ مُرغمًا، ويُعلّقُ ثوبَهُ العُذريَّ على سفحِ الغمام!
عزيزتي الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، الفاردةُ جَناحيْ أبجديّتِها ومَشاعرِها في أفقٍ يُراودُها وتُراودُهُ، مُترعًا بأماني العذريّةِ المُتمنّاة، معك نحن أيضًا، نبحثُ عن فجرِنا البكرِ، ونَمضي إلى فقراتٍ أخرى مِن صُورِكِ الإبداعيّةِ، علّنا نجدُنا بينَ ستائرِ ليلِكِ وليلِنا الأزرق!
(2)* أَمِنَ المُنْتَهى.. / تَنْقَشِعُ طُفولَةٌ/ غافِلَةٌ.. عَارِيةٌ/ تَخْتَبِي.. / في أَغْلِفَةِ عَبَقٍ عُذْرِيّ؟
هكذا نولدُ مِن رحمِ العبقِ العُذريِّ، ونَحسَبُ أنّنا باقونَ بعُذريّتِنا وطهارتِنا وطُهرِنا، لكنّنا عند المنتهى نكونُ قد فقدناها عذريّةَ الفكرِ والمقاصدِ والمرامي! وكأنّنا نحِنُّ إليها، كلّما غرَزَ الزّمنُ أنيابَ دنسِهِ وخِزيِهِ وعارِهِ في جلودِ واقعِنا العاري، مِن عبَقِ العذريّةِ التائهةِ في مَلاهي الطفولة؟ عزيزتي آمال، أنظلُّ هكذا قابعينَ في رحم حُلمٍ ما بينَ القوافي، نرسمُنا في حدودٍ ضيّقةٍ، تكادُ لا تتّسعُ لمَسافات أحلامِنا وآمالِنا؟ نرانا هنا في تجَلٍّ عذريٍّ يَسحبُنا إلى حدودٍ لم تُحدَّدْ بعد، وما زلنا على أكفِّ أمّهاتِنا نرنو للفضاءِ الرّحبِ الّذي يَرسُمُ لنا الوطن الآخر، كما كلّ أجنّةِ العالم.
(3)*  أَرْياشُ عَينَيْكِ../ تُرْبِكُ.. وَهْجَ مَوْجِيَ العاصِفِ/ تَسْرِقُ.. وَمْضِيَ السَّاهي/ لتُشْرِقَ..
هَمْسَةً بَيْضاءَ/ ضَمَّخَها.. طَلُّ حَياءٍ

هكذا نمضي نستوطنُ الأهدابَ والعيونَ، نبحثُ خلفَ الأرياشِ عن وجودِنا المُرتبكِ مِن وهج موْجِنا العاصف، والمَدى ومضٌ ساهٍ يُغافلُنا، يُصادرُ منّا الحنينَ والأملَ بفجرٍ أبيضَ، ولو كانَ بحياءٍ واستحياءٍ، يُطِلُّ علينا مِن شبابيكَ طُرّزتْ بأنياب، وتَضمّخت بدمِ عذريّةٍ كنّا نملكها، لكن! أيّتُها الشاعرةُ، أراها ريشتُكِ ترسُمُ أهدابَها سياجًا، أتبغيهِ لُحمةَ وطنٍ مُستباحٍ، أم سِياجًا يُقيّدُ مدى الحُلم ومَدى الوطن؟ وتظلُّ لنا فرصةٌ للتّجلّي خلفَ مَرامي النّصّ، تتعلّقُ بأهدابِ الحُروف أمنيةٌ ترنو إلى وطنٍ مِن غيرِ أسوارٍ وسياجٍ، لكن شتّانَ ما بينَ الأهداب وما بينَ قسوةِ الأسوار!
(4)* هِيَ ذي حُروفُك/ تَتَهادَى.. عَلى سَحابَةِ جُنونٍ/ تُذيعُ بَوْحَ اللَّيْلَكِ.. في مَنافِيَ لَيْلِكِ/ وَ.. تَتَسايَلينَ.. في ثُقوبِ الرُّوحِ
معَ حُروفِكِ تتهادى حُروفُ أبجديّتي، تكادُ تُعلنُ جُنونَها مِن غموضِ مَغازيكِ وما الوراء، وفي فيافي النّصّ أسطورةُ الأساطيرِ مُبهَمةٌ، تتمنّعُ بعنادٍ وكبرياء، وأطرحُ شالي الحريريَّ مِنوالًا يُدغدغُ اللّغةَ العَصيّةَ المُستعصيةَ، في مُحاولةِ الوُلوجِ إلى نصِّكِ، ولو جاءَ مِن بينِ ثُقوبِ الرّيح! ألعلّي أعتذرُ وأمضي في مَنافي اللّيلكِ، أبحثُ عن زمنٍ مِن غيرِ ثُقوب؟ أيّتُها المُسافرةُ إلى الما وراء، هي ذي حُروفُكِ تتهادى كالوطن في أرجاءِ حُلمٍ، تقفُ على متنِ سحابةِ جُنونٍ، بانتظارِ نسمةٍ باردةٍ تُسقِطُها مَطرًا، يُنبِتُ واقعًا مَنشودًا قد تَرَيْنَهُ بعيدًا، ولكنّنا نَراهُ بينَ أرجاءِ القصيدةِ، في قبضةِ اليَدِ وفي بوْحِ اللّيلك يتنفّسُ الفجْرَ، وإنْ كانَ الفجرُ يَتسَحّبُ مِن بينِ ثُقوبِ الرّوح!
(5)* هِيَ ذي رُموشُكِ/ تَخْتَلِسُ قَميصِيَ البَحْرِيَّ/ تَتَماوَجُ في هالاتِ العَوْسَجِ/ تَتَوالَدُ نَعيمًا../ تَكْوينًا يَتَخَلَّدُ..
ترى هل ذهبْتِ في حُرقتِكِ إلى حدودِ اللّومِ والعتاب، أم تجاوزْتِ إلى حدِّ الاتّهامِ لهذا السّور الّذي توخّيْتِ أن تجعَليهِ حارسًا، يَحرُسُ العيونَ وكلَّ ما تحت الجفون؟ أهي صرخةٌ مُتفجّرةٌ أم همسةٌ مِن عتابِ حانية؟
سيّدتي الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، لا يَحمي الجَنينَ غيرُ رحمِ أُمٍّ أنجَبتْ، وكلُّ ما هو مُستورَدٌ يَظلُّ يَتماوجُ ويتلوّنُ، ويَقطُرُ بمِلحِ صمْتِهِ وتَخلّيهِ، لأنّهُ يَظلُّ كما الأهداب مُعرَّضًا للكسَلِ والتّكاسُل! عزيزتي، أينَ نحنُ مِن هالاتِ العوسجِ المًخلَّدِ، وقد تقصّفتِ الأهدابُ واكتوَتِ العيون، فلا نعيمَ ولا يحزنون، وربّما نَظلُّ نَحضُنُهُ حُلُمًا يولدُ في طيّاتِ الجفونِ وما تحتَها، نستمرئُ العيشَ معَهُ ومُعايشتَهُ، لكن هيهات أن يَتساوى الواقعُ بأرتالِ الظنون! بقدرِ ما يَستفزُّني غموضُ قوافيك،فأراني مُجبرَةً أن أخاطبَكِ بصراحةٍ جَماليّة، أما حانَ الوقتُ أن تكونَ لغتُنا مُباشرةً، مادامَ الغموضُ يتسربلُنا حتّى لم نعُدْ نَرانا؟ فكم هم الّذين يُتقنونَ الماوراء؟ ألا تكونُ أبجديّتُنا أقلَّ تعقيدًا، ما دُمْنا مَجبولينَ بطينِ عُقدِنا، وكالنّعامة بتنا لا نريدُ رؤيةَ صيّادٍ بحُلمِنا الأزرق؟
(6)* بِأَعْشَاشِ فَرَحي الآتي/ دَمْعَةٌ.. شااااارِدَةٌ.. / تَتَفاقَسُ مَبْهورَةً.. بِمَنْحوتَةِ ابْتِهاجٍ/ تَحُطُّ.. عَلى أَجْنِحَةِ بَسْمَةٍ شَفيفَةٍ/ تَهْمِسُ بِضَوْءٍ قُدْسِيٍّ:/ ما مِنْ حَمائِمَ تَسْتَوي/ عَلى بَيادِري/ إِلاَّك../ أشْتاقُك/ وَالشَّوْقُ إِلَيْك.. مَعْصِيَةٌ/ لا تُغْتَفَر!
نعم، مُؤلِمٌ ومُوجِعٌ أن نراهُ فرحَنا القادمَ على عتباتِ حُلمٍ أزرقَ يُغادرُنا إلى الفضاءاتِ الأخرى، يَبحثُ عن عُشٍّ آخَرَ، والأعشاشُ سيّدتي مِلءَ السّمعِ والبَصر! فهل تَملكُ العَصافيرُ منعَ الذّئابِ والرُّماةِ والصّيادينَ مِن اصطيادِ زَغاليلِها وفِراخِها؟ مُوزّعونَ نحنُ على مساحاتِ أغصانٍ جافّةٍ، وكلّما بنيْناهُ عُشًّا يَطالونَهُ بألفِ بندقيّةٍ ومكنسة، فمَن تبقّى للعصافيرِ الشّاردةِ كي تُراودُهُ على ظلِّ عُشٍّ، وربّما على قشّةٍ بينَ أمواجٍ عاتية؟
(7)* مُلْهِمَتي/ طِبْتِ.. بِفَيْضٍ مِنْ إبْداعٍ/ اِسْطَعي أُنْشودَةً/ تَذْرِفُ نوَّارِيَ الشِّعْرِيَّ/ بَعْثِريني في لُجَّةِ الشِّعْرِ حَدائِقَ بَرِّيَّةً/ تَغْمِسُ حَبَقَ عَبَراتِي الفَوَّاحَةِ/ بِأَثيرِ أَحْلامِيَ العَذْبَةِ
مُلهِمَتي آمال، وما ظَلَّ في المَكانِ ولا الزّمانِ فرصةٌ واحدةٌ للإبداع، ولا حتّى لِحَلٍّ نَرجسيٍّ، فباقاتُ الحُلولِ كلّما أينعتْ في خواطرِنا، وجَدَتْ مَن يَنثرُها وينعفُها على الطّرقاتِ ويَدوسُها تحتَ الأقدام، ونحنُ نبحثُ في دوائرِ الحُلمِ عن بارقةِ حَلٍّ، تُعيدُ للعصافيرِ بقعةً مِن فيْءٍ وضوْء!
(8)* عَباءاتُ نَواطيرِكِ.. تُهَفْهِفُ/ فَوْقَ .. مَساماتِ وَجْدي/ تُحَلِّقينَ.. مَغْمورَةً / بِشُعاعٍ .. مِنْ ظِلِّ دُعائي/ وأُرَقِّيكِ.. مِنْ كُلِّ يَبابٍ/ بِاُسْمِ أَشْجارِيَ الوارِفَةِ/ فَلْتَحُلَّ عَلَيْكِ بَرَكَةُ خُضْرَتي/ مُبارَكَةٌ أنْتِ بي/ مُبارَكَةٌ هِيَ أَنْساغُكِ .. أَجْراسُكِ/ وَمورِقَةٌ هِيَ الحَياةُ .. بَيْنَ كَفَّيْكِ
عباءاتُ نواطيرِكِ؟ تُضحِكُني الجُملةُ الوهميّةُ، حينَ ظننّا أنّ عباءاتِ العروبةِ ستُظلّلُنا، وتشتري لنا غابةً مِن وطنٍ نُزاولُ فيها عيْشَنا وحُلمَنا، ونُحلّقُ في الفضاء، كما كلّ عصافير الدّنيا فوقَ أرضٍ وتحتَ سماء، فلا العباءاتُ المُهفهفةُ أسْمَنَــتـنا ولا أغنـتـنا من جوع، ولا آمَنـتـنا مِن خوفٍ، والشّعاعُ لم يَزلْ بعيدًا، أبعدَ مِن مَدى أحلامِنا وتَصوُّرِنا في اليقظةِ والحُلم؟
(9)* نَضارَةَ الحُبِّ.. أَعيديهَا / في جُذوعِيَ العَلِيلَةِ/ بأَغْصانِيَ العارِيَةِ/ لِتورِقَ.. لِتُزْهِرَ/ وَأَتَذَوَّقَكِ ثِمَارًا.. / تُونِعُ في فَمي
مُتجذّرونَ نحنُ في أرضِنا وحُلمِنا بكلِّ ما فينا مِن كُهولةٍ وطفولةٍ، ولم نزلْ نُصلّي ونرفعُ الأيادي والعيونَ والقلوبَ، وبأطرافِنا المَبتورةِ نَحلُمُ برحمةِ السّماءِ ورَبٍّ السّماء، وأن تسقطَ علينا غيمةٌ حُبلى بمَطرِ الكرامةِ حدّ الامتلاءِ والارتواء، كي تتورّقَ أغصانُنا الجافّةُ، وننهَضَ مِن رُكامِ ذُلِّنا، ونُواصِلُ كخلقِ الله عيْشَنا فوقَ أرضٍ وتحتَ سماء!
( (10* يَا مَنْ بَحَريرِ حَرْفِها وخوْفِها/ تَغْزِلُني.. شَرنَقَةً/ تَبْعَثُني نَحْلَةً.. في صَوْمَعَةِ اللَّيْلِ/ هِي ذي أَطْرافُ الدَّهْشَةِ/ تَسْتَعْسِلُني/ كُلَّما ساحَ في مُقْلَتَيْكِ.. رَقْراقُ عَيْنَيَّ
حَريرُ حرْفِها وخوْفِها؟ ببلاغةٍ مُتناهيةٍ تستخدمُ شاعرتُنا آمال عوّاد رضوان حروفَ أبجديّتِها، فيُصبحُ الحرفُ والخوفُ لديها كما الحرير ناعمًا، يَرتدينا ونَرتديهِ ويسكُنُنا،ويتجمّلُ بنا ونتجمّلُ به، ونظلُّ مسكونينَ به، ونسكُنُ على أطرافِ دهشتِنا، نغازلُ ونُهادنُ صمتَنا، ونُراوغُ كلَّ ما حولَنا مِن عبثيّةِ الحُلولِ وفرَضيّةِ المُستحيل، وتتجذّرُ الدّهشةُ فينا قدَرًا لا يُفارقنا؟
(11)* لَوِّنيني.. بِعَبَثِيَّتِكِ/ اُنْقُشي هَمَجِيَّتَكِ.. دُروبًا/ عَلى تِلاواتِ نَشيدي/ اُسْكُبيكِ.. في دَمي/ لأَخْمَرَ.. لأَسْكَرَ بِسِحْرِ طُهْرِكِ!
أختي آمال القابضةً بأصابعِ أبجديّتِها المُتعلّقةِ بأمانيها السّرمديّةِ، هل مازالَ في علبةِ الأماني ألوانٌ أخرى، لم تَتناوَلْها العقولُ ولم تتفتّقْ عنها الأذهانُ؟ كلّا، لم يتبقَّ للحُلمِ لوحةٌ لم تُستهلَكْ، فكلُّ لوحاتِ العرضِ والطلب تطايرَتْ تحتَ فضاءِ الفرقةِ المقصودةِ وغيرِ المقصودة! لكن لا بأس، نحنُ ماضون نسكُبُ نشيدَنا الأبديَّ صلاةً فيروزيّةً على عتباتِكِ يا قدسُ مدينةَ الصّلاة، وإنّنا نُصلّي والطّفل في رحمِ أُمِّهِ وبين ذراعيها، تحملُهُ حُلمًا يُراودُها في غفلةِ الضّمائر!

أُسْكُبيكِ في دَمي/ آمال عوّاد رضوان
(1)* نَسائِمُ شُرودٍ.. تُحَلِّقُ
تَصْفَرُّ أَعْوادُها .. تَصْفِرُ ناياتُها
و.. تَسْفَحُ غَمامَ مُنىً
عَلى .. أُفُقِ الصَّباحاتِ البِكْر
(2) * أَمِنَ المُنْتَهى..
تَنْقَشِعُ طُفولَةٌ
غافِلَةٌ.. عَارِيةٌ
تَخْتَبِي..
في أَغْلِفَةِ عَبَقٍ عُذْرِيّ؟
(3) * أَرْياشُ عَينَيْكِ..
تُرْبِكُ.. وَهْجَ مَوْجِيَ العاصِفِ
تَسْرِقُ.. وَمْضِيَ السَّاهي
لتُشْرِقَ..
هَمْسَةً بَيْضاءَ
ضَمَّخَها.. طَلُّ حَياءٍ
(4)* هِيَ ذي حُروفُك
تَتَهادَى.. عَلى سَحابَةِ جُنونٍ
تُذيعُ بَوْحَ اللَّيْلَكِ.. في مَنافِيَ لَيْلِكِ
وَ.. تَتَسايَلينَ.. في ثُقوبِ الرُّوحِ
(5)* هِيَ ذي رُموشُكِ
تَخْتَلِسُ قَميصِيَ البَحْرِيَّ
تَتَماوَجُ في هالاتِ العَوْسَجِ
تَتَوالَدُ نَعيمًا..
تَكْوينًا يَتَخَلَّدُ..
(6)* بِأَعْشَاشِ فَرَحي الآتي..
دَمْعَةٌ.. شااااارِدَةٌ..
تَتَفاقَسُ مَبْهورَةً.. بِمَنْحوتَةِ ابْتِهاجٍ
تَحُطُّ .. عَلى أَجْنِحَةِ بَسْمَةٍ شَفيفَةٍ
تَهْمِسُ بِضَوْءٍ قُدْسِيٍّ:
ما مِنْ حَمائِمَ تَسْتَوي
عَلى بَيادِري.. إِلاَّك..
أشْتاقُك
وَالشَّوْقُ إِلَيْك.. مَعْصِيَةٌ
لا تُغْتَفَر!
(7)* مُلْهِمَتي
طِبْتِ.. بِفَيْضٍ مِنْ إبْداعٍ
اِسْطَعي أُنْشودَةً
تَذْرِفُ نوَّارِيَ الشِّعْرِيَّ
بَعْثِريني في لُجَّةِ الشِّعْرِ حَدائِقَ بَرِّيَّةً
تَغْمِسُ حَبَقَ عَبَراتِي الفَوَّاحَةِ
بِأَثيرِ أَحْلامِيَ العَذْبَةِ
(8) * عَباءاتُ نَواطيرِكِ.. تُهَفْهِفُ
فَوْقَ .. مَساماتِ وَجْدي
تُحَلِّقينَ.. مَغْمورَةً
بِشُعاعٍ .. مِنْ ظِلِّ دُعائي
وأُرَقِّيكِ.. مِنْ كُلِّ يَبابٍ
بِاُسْمِ أَشْجارِيَ الوارِفَةِ
فَلْتَحُلَّ عَلَيْكِ بَرَكَةُ خُضْرَتي
مُبارَكَةٌ أنْتِ بي
مُبارَكَةٌ هِيَ أَنْساغُكِ .. أَجْراسُكِ
وَمورِقَةٌ هِيَ الحَياةُ .. بَيْنَ كَفَّيْكِ
(9) * نَضارَةَ الحُبِّ.. أَعيديهَا
في جُذوعِيَ العَلِيلَةِ
بأَغْصانِيَ العارِيَةِ
لِتورِقَ.. لِتُزْهِرَ
وَأَتَذَوَّقَكِ ثِمَارًا..
تُونِعُ في فَمي
(10) * يَا مَنْ بَحَريرِ حَرْفِها وخَوْفِها
تَغْزِلُني.. شَرنَقَةً
تَبْعَثُني نَحْلَةً.. في صَوْمَعَةِ اللَّيْلِ
هِي ذي أَطْرافُ الدَّهْشَةِ
تَسْتَعْسِلُني
كُلَّما ساحَ في مُقْلَتَيْكِ.. رَقْراقُ عَيْنَيَّ
 (11) * لَوِّنيني.. بِعَبَثِيَّتِكِ
اُنْقُشي هَمَجِيَّتَكِ.. دُروبًا
عَلى تِلاواتِ نَشيدي
اُسْكُبيكِ.. في دَمي
لأَخْمَرَ.. لأَسْكَرَ بِسِحْرِ طُهْرِكِ!
من ديوان (سَلامِي لكَ مَطرًا/ آمال عوّاد رضوان)

44


آمال عوّاد رضوان وتطويع اللغة في شعرها

أ.د فاروق مواسي-أكاديمية القاسمي


بلغتني رسالةٌ مِن الأستاذ بروفيسور فاروق مواسي تقولُ: آمال عزيزتي، لكِ محبّتي قبل تحيّتي. أنتِ لا تعرفين كم أثارتْ ورقتي من نقاشٍ في الجلسة، وحتّى الساعة الأخيرة من المؤتمر، في الأمسيات وفي الحافلة، مُذها وعلامات الإعجاب بالمحاضرة لا عهدَ لي بمثلها. النقاشُ بينَ مُهاجمٍ تقليديٍّ وبين مُؤيّدٍ مُتحمّسٍ فماذا أحدث؟ أُرفقُ لكِ النصّ فانشريه.
أ.د فاروق مواسي شارك في مؤتمر جامعة جدارا- الأردن بين 24-26 آذار 2015، حول المرأة في الخطاب الأدبيّ الإبداعيّ والإعلاميّ والثقافيّ والفنّيّ والفكريّ، وكانت مُقرّرة المؤتمر: د. خولة شخاترة، ورئيس اللجنة التحضيرية: د. هيثم العزام. وقد أثارَ البحث نقاشًا جادًّا ومثيرًا، بسبب جرأةِ آمال عوّاد رضوان على الخروج عن المألوف الصّرفيّ والتركيبيّ النحويّ، ودهشة انزياحاتِها.
مداخلة أ.د فاروق مواسي جاءت بعنوان: "آمال عوّاد رضوان وتطويع اللغة في شعرها":     
آمال عوّاد رضوان شاعرةٌ مِن الجليل، لها في قصائد النثر: "بسمة لوزية تتوهج" ، "سلامي لك مطرًا" ، "رحلة إلى عنوان مفقود" ، كما أنّها نشطت في إعداد مجموعاتٍ أدبيّة: "الإشراقة المُجنّحة"  وهو كتابٌ يَجمعُ لحظاتِ البيتِ الأوّلِ لدى شعراء كثيرين، "نوارس من البحر البعيد" ، وهو  كتابٌ يتناولُ المشهدَ الشعريَّ الجديدَ في الجليل والمُثلث، و"محمود درويش- صورة الشاعر بعيون فلسطينية خضراء" ، و"رؤى" كتابٌ في المقالةِ والأبحاث، كما أنّ لها دراساتٌ أخرى في المَجلّاتِ والصّحف. ولن تتوقف هذه الدراسة على العناوين، سواء في أسماء المجموعات أو في أسماء القصائد، فهي وحدها دالّةٌ موحيةٌ تَشي بأكثرَ مِن دلالة، وتتوسّعُ فيها، بل هي بحاجة إلى دراسةٍ خاصّةٍ في سيميائها.
لكنّي هنا سأتوقف على مغامراتِ تطويع اللغة، ممّا يُحسَبُ عادةً بأنه لحنٌ أو خطأ، سواء في استحالةِ المعنى، أو في الصّرف أو النحو. بالإضافة إلى المغامراتِ اللغويّةِ التي تعمَدُ إليها الشاعرة آمال، فثمّة ما يدعو إلى الاهتمام بهذه القراءة، وهو الربط بين المرأة الشاعرة، من حيث كونها امرأة تتلمّسُ طريقها ووجودَها في مجتمعِنا العربيّ، وبين جموحِها اللغويّ،  وبالتالي فهو نوعٌ من التمرّد، والخروج عن المألوف المتبع، فالمرأة في الأدب هنا رياديّة، تشقُّ طريقها، تبتكرُ، ترفضُ المألوفَ، وتبتدعُ، وربّما تعكسُ بذلك شخصيّتها هي. تقولُ آمال وهي تعتزّ بامتلاكِها القياد:
أهيمُ بِرَجُلٍ قلبُهُ مُلكي/ وأنا القابِضَةُ على أقفالِهِ/ مَرْهونٌ بأسْري .. / يَلْتاعُ بِسِحْري ../ قلمُهُ يَنْبِضُ بِحِبْرِ حُروفي/ قلبُهُ يتلوَّنُ بِخَمْرِ قطوفي
المرأةُ الشاعرةُ حتّى في عنفوانِ غزَلِها تشعرُ بقوّتِها، مِن خلالِ تأكيدِ ذاتِها وكينونتِها. إنّ لديها الشعورَ بأنّها قويّةٌ مالكةٌ بيدِها الزمام:
أَشتاقُكَ ../ أيُّها المَجنون/ إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أَشتاقُك ../ وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ/ كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ/ أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر"
في مجموعةِ الشاعرةِ الثانية (سلامي لك مطرًا)، مضت الشاعرة تُعنونُ قصائدَها، بمَعانٍ فيها الغرابة والخروجُ عن المألوف، ولأنقلَ لكم عناوين النصوص، نموذجًا لِما انطلقت فيهِ في مجموعاتِها الثلاث، وهي في هذه العناوين توقفُ المتلقي أمامَ أكثر مِن سؤال:
خُرَّافَةُ فَرَحٍ، حورِيَّةٌ تَقْتاتُ مِنْ ضِرْعِ النُّجومِ، سَماوِيَّةُ غُوايَتي، فِتْنَةُ رُؤًى عَذْراء، نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ، أنّى يُبَلِّلُني غُبارُ التَّثاؤُبِ جَذِلا؟ شاهِدَةٌ فَوْقَ لَحْدِ النَّهار، اُسْكُبِيكِ في دَمِي، إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا، زَغَبٌ شَمْعِيّ، في مَلاجئ البَراءَة..إلخ
ولا شكّ أنّ هذه العناوينَ وغيرَها، تثيرُ في المتلقي تداعياتٍ وتساؤلاتٍ، وتعكسُ أمامَهُ ملامحَ غامضةً كثيرة مُتراكبة ومُتفاعلة.
*بالإضافة إلى الانزياحات  الأخرى الكثيرة التي تفاجئ المتلقي بالدهشة، وتدعوه لأن يُعمل الخيال نحو:
"لاَ تَجُزّي لُؤْلُؤُ نَبْضِي" (رحلة..ص126)، "وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي" (رحلة..ص107)، "مُطَعَّمَةً بِبَيَاضِ وَفَائِكِ!" (رحلة..ص119)، "رِمَالِ الآهِ" (رحلة.. ص121)، "أَمْوَاهَ نَارٍ" (رحلة.. ص121)...... إلخ
*وثمّة تراكيب فيها الإضافات غريبة تبعث على التعجّب، نحو "فِي أُفُقِ وَشْوَشَاتِ اللَّيْلِ" (سلامي...، ص 29)، "بِتسابيح نَوافيرِ أنْفاسِكِ!" (سلامي...، ص 41).
ونحن هنا لا نتساءلُ عن منطقيّةِ كلّ انزياح ومدى التلويح فيه، والبُعد الكنائيّ، كما لا نعمدُ  إلى محاولةِ شرحهِ وتأويلهِ،  ذلك لأنّ الانزياحَ ظاهرةٌ، تُترك للمتلقي ليعالجها قبولاً أو رفضًا. ولكن ما يهمّني هنا انسياقُ الشاعرة نحوَ مَداليل، تؤكّدُ استقلاليّتها في الخلق، ومكانتها مجتمعًا وأدبًا.
*يرى الكاتب عبد المجيد إطميزة أن وظيفة الانزياح الرّئيسةُ "ماثلةٌ فيما يُحدِثُهُ مِنْ مُفاجأةٍ، تُؤدّي بالمُتلقّي إلى الغِبطةِ الذّهنيّةِ، والإمتاعِ الوجدانيّ، والإحساسِ العذب بالأشياءِ إحساسًا مُتجدّدًا. والغايةُ مِن لجوءِ شاعرتِنا لأسلوبِ الانزياح، أنّها ارتأتْ في عصْرِنا الحاليِّ، أنّ الشِّعرَ لمْ يَعُدْ وسيلةً رئيسةً في حِفظِ الموروثِ القبَليِّ والدّينيّ والاجتماعيّ، معَ دخول وسائلَ أخرى وأساليبَ أكثرَ مُرونةً وقبولًا لدى النّاس، فاتّجهَتِ الشّاعرةُ لقضايا أكثرَ حميمةً وقُربًا مِن نبْضِ الشّارعِ وضميرِ الأمّة، كالقضايا الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ والسّياسيّة {........}، ومُحاولتِها خرْق سُننِها العاديّةِ، والتّحليق في فضائِها الرّحب، وكلُّ هذا يَحتاجُ لفنونٍ أخرى غيرِ الدّارجةِ والمُتعارَفِ عليها، فاعتمدَتْ أساليبَ الانزياحاتِ؛ لتُلبّي رَغبتَها، وتُشبعَ روحَها وغريزتَها، بابتكارِ لغةٍ شِعريّةٍ عذبة المَذاق".
إذن؛ فالانزياحُ يُثيرُ التداعياتِ لاستيعاب كثافةِ العبارةِ، وزخم المَعاني التي تتواشجُ معَ مَعانٍ أخرى، وبالتالي تتواصلُ وِفقَ مَناظير جديدة، ورؤى تبحث عن تأويل وتعليل.
*ثمّ إنّ الاشتقاقاتِ الصّرفيّةَ تظهرُ بارزة، وتشي بهذا الجنوحُ إلى التجدّدِ والانطلاقِ نحوَ لغةٍ جديدة. ومن طبيعةِ اللغةِ، كلّ لغةٍ، أن تستوعبَ في كلِّ عصرٍ محاولاتٍ تجديديّة، وإلّا، فكيفَ تتطوّرُ وتصبحُ كالشجرةِ تسقط منها أوراقٌ، وتنمو مكانها أوراقٌ جديدة. ورغم ذلك، فالطفرةُ في التجديداتِ تدعو لدى البعض إلى النفور والاستهجان، بينما تتحمّسُ القلّة القليلة لها، لأنّ اللغة المعياريّة هي الأوجبُ في رأي المجتمع في السائدِ والإعلام.
*تابع كلٌّ من  د. فهد أبو خضرة  والباحث محمد عدنان بركات نوعيّاتِ المغامرةِ اللغويّة لدى الشاعرة، وكنتُ قبلَ ذلك وقفتُ على بعضِها في محاضرةٍ ألقيتها حول مجموعتها الأولى في الناصرة سنة 2005، وإليكم مختارات منها: تقول : "اسْتدِرْ حَيْثُكَ" (رحلة الى عنوان مفقود. ص 122) أي حيثُ أنتَ، فهذه إضافةٌ لا عهدَ لنا بمثلِها في اللغة.
وتقول: "مَاضٍ تَحَلْزَنَ بِالْحُزْنِ" (ص 122) ، "زَوْبَعَتْنِي" (ص 112)، "كَمْ شَعْشَعَ مُتَفَيْرِزًا" (ص 122)، "كَوْثِرِي نَهْرَ قَلْبِي" (ص 119)،  "تُسَدِّرُنِي بِدَعْواتِ مَلائِكَتِكِ" – (أي من سدرة المنتهى-ص 119). فهذه اشتقاقات مستحدثة ومثيرة للتساؤل حول إمكان قبولها أو رفضها أو الحيادية فيها.
*بالإضافة إلى ذلك استخدامُ الضمير المتصل، على طريقة أفعال القلوب وتقبلها الضمير المتصل مفعولاً به، نحو (حسبتني، خلتني)، فتكتب: وأَرْسُمُني (ص74)، "ظَننتُني أحملُ كلماتٍ يُفتّقُها شِعري" (ص67)، " .. وأذرفُني نردينًا رقراقا" (ص40)، "كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ؟" (ص 22)، "أُلَمْلِمني لكَ ظِلالاً" (ص17)، "أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ" (ص17)، "بنسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي"، "وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي" (ص21)، "أتنهَّدُني ... أعزفُني"(ص 84)، وغيرها كثير.
*ولا تكتفي بياء المتكلم، بل يمكن استخدام أي ضمير آخر: "نرسمُنا قِصَصًا تَتلوَّى لَوعةً" (ص25)، "أنولَدُ فِينَا؟" (ص15)، "أَنَا مَنْ طَرَّزَتْنِي عَيْنُ إِبْرَتِي قَلْبًا يَتَثَاءَبُكِ" (رحلة الى عنوان مفقود ص105).
*بل تجعل الفعل اللازم متعديًا: "يَنْبِضُنِي جُنُونُ ضَوْئِهِ فِي خِيَامِ الْعَتْمَةِ!" (رحلة الى عنوان مفقود ص 106)، "فيتسربلُني عِطرَ حروفٍ وسِحرَ كلمات (بسمة لوزية تتوهج ص 71).
*ثم إن تكرار الحروف لترسيخ الكلمة معنى وصوتًا ظاهرة قد سُبقت فيها الشاعرة،  حيث تكتب "درررررر" (ص122)، "آآآآآآآه" (ص105)، "رحمااااااك" (رحلة..ص 122) "  ومثلها شااااردة، تطووووووف، تخوووووور....إلخ.
*أما الحروف المتقطعة أفقيّا وعموديّا فقد وردت في شعر كمنجز (Cummings) الأمريكي، ووردت كثيرًا في العربية في أشعار مجلة شعر البيروتية، ولدى أنطون شماس  في الشعر الفلسطيني كذلك، ولكنها لدى الشاعرة تكثر بصورة لافتة باعثة على التساؤل، والشرح، والإبانة: "وَ... نَ فِ ي ضُ صَلاَةَ صَمْتٍ! (رحلة الى عنوان  ص119). ومثلها أ حِ بُّ كِ (بسمة لوزية.. ص72)، حيث نحسُّ وقعَ هذا الحبِّ وشدّتهُ، ومثلها: تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي! (رحلة..108)، وكذلك: لِتَعْتَلِيَ عَرْشَ فَ ر ا ق، أَأَقْتَرِعُ...عَلى كِ سْ رَ ةٍ مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟ أَأُقامِرُ على نَ غْ مَ ةٍ مِنْ ماءِ هَذَيانِكِ؟ أَتُبَعْثِريني بِـ حَ فْ نَ ةٍ مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟ (سلامي لك مطرا).
 *والنماذج الأخيرة وردت مقطعة بصورة عمودية للتدليل على التقطير والفرط  والتوزيع الحركي. إلامَ
أَ
قْ
طُ
رُ
نِ
ي
رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي (رحلة الى عنوان مفقود ص109). 
ومثلها: بِوَدَاعَةِ غَيْبُوبَةٍ مَحْمُومَةٍ تَ نْ فَ رِ طُ عَنَاقِيدُ لَهِيبِهَا (سلامي لك...، ص28).
ومثلها أيضا: مِنْ مِعْصَمَيْكِ عَ لَّ قْ تُ كِ نَجْمَةً (رحلة الى عنوان مفقود ص113).
*وجرأة الشاعرة آمال عوّاد رضوان تتجلّى في خلق اشتقاقاتٍ ضمنَ هذا التوزيع الحرفيّ فتكتب: تَ ر ا مَ حْ تِ بِبَاحاتِ بَوْحي (رحلة ...، ص 95)، والفعل مرتبط بالرمح، كما تكتب...
أَ ...
... رْ ...
...جَ ...
...حْ ...
                              ... تِ ...
    ... نِي...
عَلَى بَارِقَةِ عَرْشٍ بَيْنَ أَسْنَانِ أُكْذُوبَةٍ" (رحلة... قصيدة "على مرمى خيبة")، وغيرها.
*تنهج الشاعرة مذهب من استخدم (ال الطائية) في اللغة، وقد وردت في الشعر القديم، حيث اشتهر في ذلك بيت الفرزدق:
مَا أَنْتَ بِالحَكَمِ التُرْضَى حُكُومَتُهُ * وَلاَ الأَصِيلِ وَلاَ ذِي الرَّأْيِ وَالجَدَلِ
فتقول الشاعرة: "ومِن على بُرجِ عشقي اليتصدَّع/ أترقّبُني" (بسمة لوزية تتوهج ص69)،  "المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي" (ص 18)، " تعزفُني زفراتُك الْتَلْهَثُ/ حفيفَ تَميمةٍ مُقدّسةٍ" (ص 72)، "لأظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرَ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ "(سلامي...، ص 36)، ومثلها  التترعين "أيَّتُها الغابَةُ التَتْرعينَ بِوَحْشِيَّةِ الجَمَالِ(ن.م، ص 36)، و "يَدْرُجُ نَوْمُكِ اليَتَّكِئُ/ عَلى عُكّازِ صَحْوَتي" (ن.م، ص 36)، ومثلها "لِسانَ القَلَم اليَصْهَلُ: أُحِبُّكِ. (ن.م، ص 39، 46).
*أما النعوت فمنها ما هو غير مألوف: " أَيَا أَيُّهَا الْبَحْرُ الْعَارِي/ مِنْ مَوْجِكَ العشتار" (رحلة..، ص123) ، وعشتار كما نعلم هي إلهة الحب والخصب عند شعوب كثيرة، وهذا التعبير لا عهد للعربية فيه، ونحو ذلك كثير ممّا فيه تخريجات نحوية وشواهد نادرة.
*من الخارج عن مألوف اللغة استخدام (كماي) بمعنى كمثلي: وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ (بسمة لوزية تتوهج ص14)، ""أنا لَسْتُك.. وَما كُنْتُك" (بسمة لوزية..... ص67)،  " مَا من أحدٍ يعرفُني/ إلاَّيَ وروحُ الشَّوق" (ن.م- ص46)، " كيفَ.. وأنا مَن كُنْتُكَ../ وَجُلُّ كلِّي فِيك ؟" (ن.م. ص67)، " وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني/ ولا أُريدُ الشَّوقَ يُؤطِّرُني" (ن.م ص16). و "كماك": مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟! (سلامي لك... ص108).
*كما تجمع قُزح على (قزحات- "تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً/ تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي" بسمة لوزية تتوهج ص13)، وتبتدع/ تبدع إضافة "مئة عيونك" وَمِئَةُ عُيونِكِ تُلاَقِحُ عَيْنِي/ وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟ (رحلة الى عنوان مفقود ص112) مع عدم تقيدها بالنحو المعروف.
*إن عناوين النصوص لدى الشاعرة كما أشرت، تثيرُ تداعياتٍ وتساؤلاتٍ شتى، ولعلّ ما يهمّنا هنا، أنّ بعضَها ينمُّ عن موقفِ الخروج عن السائد، منها قصيدة "عُصفورَةُ النَّار" ، و"أَنفضُ الغُبارَ عَن مَتحفِ فَمِك" (ص30)، ففي نحوهما نلمسُ شخصيّة الشاعرة غيرَ المستكينة، رغم ما تملي سيرورة الحب.
*في نصّها "سيرة ذاتية""  ما يُعبّرُ عن هذا الواقع المُدهش الذي تمرُّ به، بل تجد هناك تعابيرَ غيرَ مألوفةٍ لغويًّا، وتلمسُ أنّ لديها شخصيّةً مستقلّةً، تتعهّدُ نفسَها بنفسِها. تقولُ: "سِحرُ الكلمات" هو عجوزي المستعارُ، وراعي انتظاراتي المؤجّلةِ بفوّهةِ مغارتِهِ الخضراء، يَحرسُ بتمائمِهِ ومشاعلِهِ عرائشَ كرومي، عندما تتسلّقُ عليها دوالي قلبي وذاكرتي المنهوبةُ، ونصوصي الوجدانيّةُ المكدّسةُ على رفوفِ فسحاتٍ تعذّرَ التقاطُها.
بعشوائيّةٍ لذيذةٍ انفرطتْ قطوفُ أساريرِها على أطباقِ البراءة عبْرَ صفحاتِ النّت، لتؤبّدَ دهشةَ صمتٍ عبَرَتْ كالرّيح، فوقَ ظلالِ الفصولِ والعمر، إلى أنْ كانتْ ومضةٌ مخصّبةٌ بأحضانِ سحابةٍ متنكِّرةٍ، تراذذتْ من جلبابِها "آمال عوّاد رضوان"، ومنذُها، وآمال لمّا تزل آمالُها حتّى اللّحظة تتلألأُ بـ :
*بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/ عام 2005.
*سلامي لك مطرًا/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/عام  2007.
*رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود/ كتاب شعريّ/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2010.
*كتاب رؤى/ مقالاتٌ اجتماعية ثقافية من مشاهد الحياة/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2012.
*كتاب "حتفي يترامى على حدود نزفي"- قراءات شعرية في شعر آمال عواد رضوان 2013.
وبالمشاركة مع الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة كانت الكتب التالية:
*الإشراقةُ المُجنّحةُ/ لحظة البيت الأوّل من القصيدة/ شهادات لـ 131 شاعر من العالم العربيّ/ تقديم د. شاربل داغر/ عام 2007
*نوارس مِن البحر البعيد القريب/ المشهد الشّعريّ الجديد في فلسطين المحتلة 1948/ عام 2008
*محمود درويش/ صورة الشّاعر بعيون فلسطينية خضراء عام 2008
صفوة القول:
*آمال عوّاد رضوان في نصّها الشعريّ تقتحمُ عوالمَ جديدة، تتّجهُ إليها المفرداتُ باشتقاقاتٍ غير مألوفة، وبسياقاتٍ مُستجدّة، فإذا بالمتلقي يَقفُ حائرًا أمامَ موسقةٍ ما، ويَرى تشكيلًا لغويًّا لا عهد له بهما. ومن هنا، فليسَ مِن اليسيرِ أن يَنفرَ المتلقي أو يُلغي نصَّها، ويَضربُ عنه كشحًا، فهذه النّصوصُ تجمعُ بين الواقع والفانتازيا، وتلعبُ فيها الذاكرةُ مع الانطلاق، كما تلعب هي بالكلمات، فإذا استخدمت (تنـَـيْرنت") أو (تحلزن)، (فردِسـي)، (فيرزي) فهي تدهش وتفاجئ.
*إضافةً إلى استخدامها (الـ؛ الهمزة واللام) مع الفعل المضارع، أي الـ الطائية، وذلك من غير ضرورة وزنية- كما ورد في الشعر القديم، وهي بمعني الذي، نحو: "اليكمن"، "اليتصدّع"، "التـتكئ"، وهي كثيرة، وكأنّها تريدُ الاختزالَ ورفضَ الزوائدِ وإيجازِ الموجز.
*ومِن دوالّ المعاني التي تتمثلُ في التشكيل البصريّ إيحاءٌ؛ صورةً وصوتًا، ما سبقها إليه (كمنجز) الأمريكي، فكلمةُ (تطوف) تجعلها في كتابتِها (تطوووووف)، وكأنّ الواو تدلُّ على التكراريّة في الطواف صوتًا ومعنى، وكلمة (شاردة) تتعدّد ألِفاتُها حتى تشردَ الكلمة مع المعنى. بل إنّ السطرَ الشّعريَّ يَحفلُ أحيانًا بهذه الوسائلِ الفنيّة:
رأفةً بي/ أيقظيني مِن حُلُمٍ تَغُطِّينَ في شَهدِهِ/ لِأَنسِجَ/ مِنْ توَهُّجِ عينيكِ العسليّتيْنِ/ شمـوووسًا / يااااااانعةً بِكِ/ أو أقماااارًا  / تغسِلُ العتمةَ عن رمشِ حُلُمٍ بحجمِ دمعة!
*ومن مغامراتِها اللغويّة استخدام ياء المتكلم مع الفعل، وذلك على غرار أفعال القلوب، فإذا صحّ لنا أن نقولَ: "أحسبُـني"، "خلتُـني"، فهي تكتب: "أُلملمُني لك ظلالاً"، "أَسْكُبُني رعشاتٍ".. إلخ.
كما أشرت– أعلاه- إلى ملامحَ لغويّةٍ أخرى فيها غرائبيّةُ المبنى على ما ألفناهُ، نحو الإضافات المستجدّة، نحو: "اسْتدِرْ حيـثُـكَ"!"، "مائة عيونك"، "كماك"!
*ومثلُ هذهِ الابتكاراتِ اللغويّةِ الّتي ذكرتُها، استخدمت الشاعرة انزياحاتٍ مدهشةً لا أقلّ، وذلك في استعاراتٍ غريبةٍ نحو: "أشجار توهُّجي"، "مَناقيرُ فراخِ الحنين"، "إبط القمر"، "تسابيح نوافيرِ أنفاسك".
والسؤالُ الّذي نسألُهُ هنا: هل نُفسِحُ مجالًا لهذه المغامراتِ اللغويّةِ الجريئة، وهذا الاقتحامَ الذي تحاولُ الشاعرةُ مِن خلالِهِ، أن تَربطَ بينَ انفعالاتِها وبينَ أدائِها؟ وأيًا كانت الإجابة، فإنّ الشاعرةَ لها شخصيّتُها وحضورُها وجرأتها، تنتزعُ مكانةً لها عبرَ لغتِها، وعبرَ الانزياحاتِ المُثيرةِ للتّساؤل، ووفقَ مَنظورِها، حيثُ أنّها امرأةٌ عاشقةٌ تُرسلُ سلامَها مطرًا، وتُطلِقُ بسمةً لوزيّةً تتوهّجُ، وباحثة عن العناوين المفقودة.
جاء في صحيفة الدستور/عمان/ عمر أبوالهيجاء: لقد استطلعت "الدستور" آراء كوكبة من الأدباء والنقاد الأردنيين والعرب، حول القاموس الشعري ومدى تأثيره في سياق البنية الشعرية أو الإبداعية للمثقف، من خلال القاموس اللفظي الذي يستند إليه، ويغرف منه معانيه وألفاظه، فجاء في رد د. فاروق مواسي:
أرى أن "القاموس الخاص" له علاقة وثيقة بالأسلوب، وإذا كان بوفون قال: "الأسلوب هو الكاتب"، فإن المعجم الشعري أيضًا يحدد تعريف الشاعر من خلال نصه الشعري. والمعجم الشعري هو روح النص، تجد في تضاعيفه الألفاظ واختيارها، وتجد الانتقال وتراسله، كما تجد طريقة الإيقاع الموسيقي أو الدلالي، أو النزول في المعنى، بمعنى طرح العبارة من دون سياق وتقديم. إنه "روح النصّ"، و"الروح" هنا من أمر الشاعر.
وكنتُ قد وقعت في أكثر من امتحان لمعرفة من هذا الشاعر أو ذاك- من شوقي إلى السياب إلى نزار، عبد الصبور..إلخ. فما كاد القارئ يقرأ بضعة أسطر حتى أقول: هذا والله شعر يوسف أبو لوز، أو هذا شعر يوسف عبد العزيز، أو شعر يوسف الصايغ، بالطبع يجب أن تكون هناك قراءة ومتابعة ومعرفة أولية لن أغامر في تحديدها، وأنا أزعم لنفسي أنني أتابع، وأن لدي مسبارًا للصدق في النص، فهل أدعي وأغالي؟ أترك ذلك للقارئ لتصديقي أو للشك فيما خطر لي بالقول!
تنتبه كاتبة لقصائد الشاعرة آمال عوّاد رضوان، فتقول: اُنظروا إلى نصّها، ففيه عَناصرُ الوُجودِ والحياةِ: "ندى، ضفاف، سدود، أخاديد، فيضانات، بحر، تجلّدَ، قوسك القزحي، يفيضُ، يغسلُ، موجات وشلّالات"، فأقول: هي بينت سمات ودليلا أو مفتاحا لنصوص الشاعرة، ومن حقها أن تتيقن أن عالم الشاعر يتراوح ويتجلى بين مفردات تشكل لوحة نسميها باسم الشاعر.
أعود إلى الأسلوب لأسأل: هل كان النص ساخرًا أم ساردًا؟ هل هو يستخدم اللفظة الشعبية أم يتعمد العبارة القديمة؟ هل هو يتفلسف ويفكر أم يكتب شعرًا رعويًا؟ هل يكرر أم يقطّع الكلمات أم يتخيرها منغومة؟ الأسلوب هو الكاتب، والمعجم الشعري هو الشاعر، ولكن ليس كل منا يهتدي، فالأمر يحتاج إلى متابعة ومعرفة وتدبر وأصول.


45

قراءة في المشهد الشعري الكردي – نصوص- عدي العبادي

تختلف الرؤى من شاعر لشاعر، كما تختلف الايدولوجيات والمفاهيم والأفكار والقناعات من شخص لآخر، وقد تجد شاعرين من نفس الجيل ولهما نفس التجربة، ولكن لكل واحد منهما نظرة خاصة بالحياة والحب، بل حتى بالوطن نفسه، وهذا لا يعود للذات الشاعرة التي يملكها المبدع، بل حسب ما يصل له من قناعات شخصية، فبشار والمعري شاعران من نفس العصر، وكانا أعميين، لكن بشارا كان متفائلا، إما أبا العلاء المعري فمتشائم وكئيب ونجد أن للشعراء الكرد وجهات نظر تختلف، فكل مبدع منهم يترجم الحياة والحب حسب نظرة شخصية خاصة به قد لا تنتمي بجذورها لتجربة غيره من الشعراء، فالشاعرة لازو تجد ان الموت قريب والسماء قريبة ولكنها لا تجد حبيبها الوطن والذي تشير إليه بطريقة الترميز حين تقول في أحد نصوصها
لماذا الموت قريب؟
لماذا السماء قريبة؟
لماذا أنت بعيد؟
جُرحنا ولمع دمنا
ذبُل عشقنا وارتدينا السواد
تشردنا في المساءات
وكنا نردد معاً:
الوطن لهم.. والوطن لهم
ليس بالضرورة أن نعيش تجربة الشاعرة كي نشعر بروعة ما كتبت أو نشاركها همومها، كل ما يعنينا كمتلقين هو ما يطرح الصورة الإبداعية التي يحملها كل النص، فالمبدع وحده يتفرد بحسن الوصف وسعة الخيال، ومع ان لازو وصفت حزنها بدقة وجمالية وهي تعبر عن وطنها وما جرى فيه من نكبات أعطت دلالات عدة على مرحلة زمنية مر بها العراق، وستظل هذه الصورة الشعرية خالدة، وقد وثّق الكثير من الشعراء العرب والكرد الزمن المظلم الذي مر به العراق بسبب حكم الطاغية الذي خرب البلاد كلها، والشعر حاله حال كل الفنون التي يعبر بها المبدع عما في دواخله أو ما يحيط به، ولكن كما قلت فقد تختلف الرؤى، فلو أخذنا تجربة لشاعرة كردية ثانية وهي زاوين شالي، وهي من نفس جيل الشاعرة، أي الثمانينيات، ومن نفس بلدتها السليمانية سنجد اختلافاً شاسعاً بالطرح مع ان الشاعرتين ذات تجربة متقاربة ولكن كل شاعرة تكلمت بشكل مختلف وأعطت مفهوماً مغايراً.
تقول الشاعرة زاوين شالي:
أشك في بياض الثلج
رقة الماء
زرقة الموج
والرسائل البيض للرياح
أعلم.. سيأتي يوم
يصبح فيه اليمين يسارا
واليسار يميناً
الأبيض أسود.. العلو إنخفاضا
سيأتي يوم أيها الحبيب
تنعكس فيه الأشياء جميعها
سيصبح البكاء ضحكا.. الضحك بكاء
أنت ستصبح «أنا»
سأعود «أنا» لذاتي
ليس هناك تعريف محدد أو متفق عليه للجمال أو كيفية تعريفه، فلكل مبدع إحساس يتفرد به عن غيره، فالشاعرة زاوين شالي تختلف مع الشاعرة لازوفي تصوير الحياة والمستقبل، وتعتقد إن الأيام القادمة ستكون أجمل مما فات وأن هناك املاً وتغييراً سيحدث وقد برعت في الوصف بطريقة حداثوية معتمدة على الضربة الشعرية وبين حزن لازو وسعادة وأمل زاوين شالي نتناول تجربة ثالثة للشاعر الكردي ئاوات حسن أمين الذي يعبر عن مفهومه للحياة في أحد نصوصه الجميلة يقول فيه:
العصافير أسراره …
لا أعرف لم لا يفهمونني
الشوارع تنصت إلي
الأشجار تمسح دموعي
العصافير تصون أسراري
ولكن الأقربين مني , هنا ..
لا يفهمونني !
يعتقد الشاعر آوات حسن أمين أن ليس هناك صعوبة في الحياة أو التعامل معها ولكن المشكلة أن الحياة نفسها لم تفهمه وهذا كبرياء الشعراء الذي يجعلهم يعتقدون أن الحياة هي فهم واحترام أطروحاتهم وقد حمل نص الشاعر الكثير من الصور مع الحفاظ على وحدة البنية الداخلية، والشعر الكردي مثل الشعر الأوربي يعتمد على الصورة، عكس الشعر العربي الذي يكون فيه جانب من السرد، كما ان الشعر الكردي اشبه بقصيدة النثر وقصيدة النثر كما تقول سوزان برنار أنَّ قصيدة النثر هي: (قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور… خلق حرّاً) وقصيدة الشاعر آوات حسن أمين من جنس النثر تحمل الكثير من المشاكسة، فهو يقول: (الشوارع تنصت إلي) وهذه الدلالة السيميائية فالشوارع عند آوات حسن تملك صفة الإصغاء وتجيد الاستماع والأشجار تمسح دموعه وهذه الدلالة السيميائية الثانية فالأشجار خرجت من حيز كينونتها كنبات لتواسي الشاعر، ويعود سبب توظيف الشاعر للشجر انه يعيش في مدينة كلها أشجار، أما الشوارع فالمدلول السيميائي هو ان آوات حسن أمين تربطه علاقة روحية بالطرقات، فالسيميائية التداولية بتصورها الشمولي والدينامي للعلامة، لما ينتجه المبدع. ان الشعر عبارة عن إرهاصات، اما داخلية يعيشها الشاعر او خارجية، وتحيط بعالمه الخارجي يترجمها على شكل نثر فالشاعر الكردي شيركو بيكه س لا يتحدث عن نفسه بل عن الذين من حوله ويصف ألمهم في واحدة من روائعه حيث يقول:
أنا لا أقْدُرُ أنْ
أُكلّم أحزانكُم ْ
هَمْسا ً …
فَدوي ّ ُ وأنينُ الدّور ِ والزّمان ْ
قد أثقلا أسماعَكُمْ
تــُرى …
كيف تًسْمَعُونَني ؟ !
إذا أنا
لم أصْرُخْ مِلْ ءَ فَمي
يحاول الشاعر شيركو بيكه س خلق ثورة وهو يتحاور مع مجموعة يخاطبهم ويشير إليهم ويطلب منهم الحرية بالصراخ وهذا التعبير والترميز يعني الحرية التي طالما طالب بها الشعب الكردي الذي تحمل الكثير من الظلم والاضطهاد على مر عصوره ولم يحدد الشاعر من هم الذين خاطبهم كي يخلق عند المتلقي تساؤلات وتكون هناك علاقة مفتوحة بين النص والمتلقي الذي ينتهي اليهالخطاب الشعري، كل مشروع شعري او غير شعري، كالقصة والرواية والرسم فكل الفنون يشتغل فيه المبدع على منظومة الذائقة العامة التي تكون له الحكم ولهذا يقال ان المتلقي مبدع حين يختار ما يقرأ اما الناقد فتكون مهمته ترجمة المطروح وتبييناً لجوانب الجمال والضعف، يقول رائد الحداثة في مصر الدكتور والناقد الكبير جابر عصفور ان الناقد حين يكتب عن عمل فهو يخلق لنا عملاً ثانياً أي يكون عملاً مستقلاً في ذاته. وكما قلت ان الشاعر قد يتحدث عن نفسه او عن واقعه الخارجي الذي يحيط به ونحن كل ما يعنينا الجوانب الإبداعية فكما تحدث الشاعر الكردي شيركو بيكه س عن الآخرين وطلب منهم البوح بحزنهم تتحدث الشاعرة الكردية شرين ك عن نفسها وتخاطب حبيباً أو شخصاً ما ابتكرته من بنات أفكارها وجعلته بطل نصها حين تقول:
ها هو ذا المشهدُ
لختامه يميل
لم يتبق إلا بضعة سجال
ُفتات كلمات
نُتف إبتسامات
غداً ترحل
أم أرحل أنا
وما الفرق؟
سأغدو بذاكرتك شبحاً
طيف خيالك
ثم أسطورة ماضيك
لكني
لست من ماضيك راحلة
سأمكث تحت قبتها الهنية
لتسمع صوتي
همسي
يلومك أبداً
أنت لم تحبني بما يكفي!
ان جمالية نص الشاعرة شيرين ك تكمن بدقة الوصف وروعة المباشرة، فالمباشرة تنقسم لقسمين، إما واضحة تكون أشبه بالخواطر أو غير مباشرة.. الضربة الفنية التي لا يستطيع ان يكتبها غير المبدع الذي يتميز عن الإنسان العادي، ومباشرة الضربة التي اشتغلت عليها شرين ك هي الواقعية السحرية التي كتبها كتاب الرواية، وقد عرف هذا الفن في الخمسينيات واشتهرت بهأمريكا اللاتينية، وهذا الفن الراقي يتحدث عن الواقع بطريقة سحرية، أي يخلق لغة ثانية، وهناك لون من الحزن والشجن في النص وحديث عن الرحيل مع وجود دلالة لغوية..ان الشعر الكردي يعتمد على الصورة، وأغلب ما وصل لنا من الأدب الكردي القديم هو الشعر وأغلبه وجداني او يحمل هموم الأكراد، وهذه الشفافية سببها الظلم الذي عاشه الأكراد ومع ان الشاعرة شرين ك تحدثت عن نفسها وما تعانيه من ألم وغيره يطل علينا الشاعر الكردي مؤيد الطيب بنص يتحدث فيه عن الحاكم الطاغية الذي يحكم شعبه بالنار والحديد يقول فيه:
تهيجت كلاب السلطان المسعورة
يسكبون الدماء في الأزقة
قالوا:
العجائز الشمطاوات
تنخرن جسدك
وترعشن اوصالك
قالوا:
مهما أظلمت ليلة السلطان
فنارك ستظل نيرة,
ولن تفر مشاعلك وقناديلك
قالوا:
غدوت مدينة كبيرة
لكني !مهما عبرت الشهور والسنين
وكبرت…
وظل الشعر الصوت العالي المسموع، وقد كان للشعر الفضل الكبير في معرفة التاريخ القديم فكان الشعراء لا يتركون شاردة او واردة، وأول ما وصلنا من التاريخ القديم هو شعر مثل ملحمة كلكامش الشهيرة وهي قصيدة موزونة، ومن خلال ما طرح عرفنا أن مؤيد الطيب يتكلم عن الحاكم وكلابه وقد رمز للقتل والتشرد والشاعر في كل نظام يكون حالة خاصة متفردة فهو صوت الشعب وينقل همومهم وأكثر الشعراء يكرهون السلطة والســــــلطان وقد استطاع مؤيد الطيب ان يرسم لنا فكرة انطـــــــباعية عن واقع تعيشه كثير من الأمم، واختزل الطيب الكثير بكلام من خلال الانزياح الذي رسمه، وهذا الانزياح يجعل النص مفتوحاً أكثر عــــــــند الذائقة العامة وقد عرفنا من كل ما طـــــرح مدى الاختلاف بين النظرة والمفهوم عند الشعــراء الكرد ولكن في النهاية نقول إن كل ما طرح كان جميلاً وإبداعاً حقيقياً خلقه نخبة من المبدعين.
تختلف الرؤى من شاعر لشاعر، كما تختلف الايدولوجيات والمفاهيم والأفكار والقناعات من شخص لآخر، وقد تجد شاعرين من نفس الجيل ولهما نفس التجربة، ولكن لكل واحد منهما نظرة خاصة بالحياة والحب، بل حتى بالوطن نفسه، وهذا لا يعود للذات الشاعرة التي يملكها المبدع، بل حسب ما يصل له من قناعات شخصية، فبشار والمعري شاعران من نفس العصر، وكانا أعميين، لكن بشارا كان متفائلا، إما أبا العلاء المعري فمتشائم وكئيب ونجد أن للشعراء الكرد وجهات نظر تختلف، فكل مبدع منهم يترجم الحياة والحب حسب نظرة شخصية خاصة به قد لا تنتمي بجذورها لتجربة غيره من الشعراء، فالشاعرة لازو تجد ان الموت قريب والسماء قريبة ولكنها لا تجد حبيبها الوطن والذي تشير إليه بطريقة الترميز حين تقول في أحد نصوصها
لماذا الموت قريب؟
لماذا السماء قريبة؟
لماذا أنت بعيد؟
جُرحنا ولمع دمنا
ذبُل عشقنا وارتدينا السواد
تشردنا في المساءات
وكنا نردد معاً:
الوطن لهم.. والوطن لهم
ليس بالضرورة أن نعيش تجربة الشاعرة كي نشعر بروعة ما كتبت أو نشاركها همومها، كل ما يعنينا كمتلقين هو ما يطرح الصورة الإبداعية التي يحملها كل النص، فالمبدع وحده يتفرد بحسن الوصف وسعة الخيال، ومع ان لازو وصفت حزنها بدقة وجمالية وهي تعبر عن وطنها وما جرى فيه من نكبات أعطت دلالات عدة على مرحلة زمنية مر بها العراق، وستظل هذه الصورة الشعرية خالدة، وقد وثّق الكثير من الشعراء العرب والكرد الزمن المظلم الذي مر به العراق بسبب حكم الطاغية الذي خرب البلاد كلها، والشعر حاله حال كل الفنون التي يعبر بها المبدع عما في دواخله أو ما يحيط به، ولكن كما قلت فقد تختلف الرؤى، فلو أخذنا تجربة لشاعرة كردية ثانية وهي زاوين شالي، وهي من نفس جيل الشاعرة، أي الثمانينيات، ومن نفس بلدتها السليمانية سنجد اختلافاً شاسعاً بالطرح مع ان الشاعرتين ذات تجربة متقاربة ولكن كل شاعرة تكلمت بشكل مختلف وأعطت مفهوماً مغايراً.
تقول الشاعرة زاوين شالي:
أشك في بياض الثلج
رقة الماء
زرقة الموج
والرسائل البيض للرياح
أعلم.. سيأتي يوم
يصبح فيه اليمين يسارا
واليسار يميناً
الأبيض أسود.. العلو إنخفاضا
سيأتي يوم أيها الحبيب
تنعكس فيه الأشياء جميعها
سيصبح البكاء ضحكا.. الضحك بكاء
أنت ستصبح «أنا»
سأعود «أنا» لذاتي
ليس هناك تعريف محدد أو متفق عليه للجمال أو كيفية تعريفه، فلكل مبدع إحساس يتفرد به عن غيره، فالشاعرة زاوين شالي تختلف مع الشاعرة لازوفي تصوير الحياة والمستقبل، وتعتقد إن الأيام القادمة ستكون أجمل مما فات وأن هناك املاً وتغييراً سيحدث وقد برعت في الوصف بطريقة حداثوية معتمدة على الضربة الشعرية وبين حزن لازو وسعادة وأمل زاوين شالي نتناول تجربة ثالثة للشاعر الكردي ئاوات حسن أمين الذي يعبر عن مفهومه للحياة في أحد نصوصه الجميلة يقول فيه:
العصافير أسراره …
لا أعرف لم لا يفهمونني
الشوارع تنصت إلي
الأشجار تمسح دموعي
العصافير تصون أسراري
ولكن الأقربين مني , هنا ..
لا يفهمونني !
يعتقد الشاعر آوات حسن أمين أن ليس هناك صعوبة في الحياة أو التعامل معها ولكن المشكلة أن الحياة نفسها لم تفهمه وهذا كبرياء الشعراء الذي يجعلهم يعتقدون أن الحياة هي فهم واحترام أطروحاتهم وقد حمل نص الشاعر الكثير من الصور مع الحفاظ على وحدة البنية الداخلية، والشعر الكردي مثل الشعر الأوربي يعتمد على الصورة، عكس الشعر العربي الذي يكون فيه جانب من السرد، كما ان الشعر الكردي اشبه بقصيدة النثر وقصيدة النثر كما تقول سوزان برنار أنَّ قصيدة النثر هي: (قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور… خلق حرّاً) وقصيدة الشاعر آوات حسن أمين من جنس النثر تحمل الكثير من المشاكسة، فهو يقول: (الشوارع تنصت إلي) وهذه الدلالة السيميائية فالشوارع عند آوات حسن تملك صفة الإصغاء وتجيد الاستماع والأشجار تمسح دموعه وهذه الدلالة السيميائية الثانية فالأشجار خرجت من حيز كينونتها كنبات لتواسي الشاعر، ويعود سبب توظيف الشاعر للشجر انه يعيش في مدينة كلها أشجار، أما الشوارع فالمدلول السيميائي هو ان آوات حسن أمين تربطه علاقة روحية بالطرقات، فالسيميائية التداولية بتصورها الشمولي والدينامي للعلامة، لما ينتجه المبدع. ان الشعر عبارة عن إرهاصات، اما داخلية يعيشها الشاعر او خارجية، وتحيط بعالمه الخارجي يترجمها على شكل نثر فالشاعر الكردي شيركو بيكه س لا يتحدث عن نفسه بل عن الذين من حوله ويصف ألمهم في واحدة من روائعه حيث يقول:
أنا لا أقْدُرُ أنْ
أُكلّم أحزانكُم ْ
هَمْسا ً …
فَدوي ّ ُ وأنينُ الدّور ِ والزّمان ْ
قد أثقلا أسماعَكُمْ
تــُرى …
كيف تًسْمَعُونَني ؟ !
إذا أنا
لم أصْرُخْ مِلْ ءَ فَمي
يحاول الشاعر شيركو بيكه س خلق ثورة وهو يتحاور مع مجموعة يخاطبهم ويشير إليهم ويطلب منهم الحرية بالصراخ وهذا التعبير والترميز يعني الحرية التي طالما طالب بها الشعب الكردي الذي تحمل الكثير من الظلم والاضطهاد على مر عصوره ولم يحدد الشاعر من هم الذين خاطبهم كي يخلق عند المتلقي تساؤلات وتكون هناك علاقة مفتوحة بين النص والمتلقي الذي ينتهي اليهالخطاب الشعري، كل مشروع شعري او غير شعري، كالقصة والرواية والرسم فكل الفنون يشتغل فيه المبدع على منظومة الذائقة العامة التي تكون له الحكم ولهذا يقال ان المتلقي مبدع حين يختار ما يقرأ اما الناقد فتكون مهمته ترجمة المطروح وتبييناً لجوانب الجمال والضعف، يقول رائد الحداثة في مصر الدكتور والناقد الكبير جابر عصفور ان الناقد حين يكتب عن عمل فهو يخلق لنا عملاً ثانياً أي يكون عملاً مستقلاً في ذاته. وكما قلت ان الشاعر قد يتحدث عن نفسه او عن واقعه الخارجي الذي يحيط به ونحن كل ما يعنينا الجوانب الإبداعية فكما تحدث الشاعر الكردي شيركو بيكه س عن الآخرين وطلب منهم البوح بحزنهم تتحدث الشاعرة الكردية شرين ك عن نفسها وتخاطب حبيباً أو شخصاً ما ابتكرته من بنات أفكارها وجعلته بطل نصها حين تقول:
ها هو ذا المشهدُ
لختامه يميل
لم يتبق إلا بضعة سجال
ُفتات كلمات
نُتف إبتسامات
غداً ترحل
أم أرحل أنا
وما الفرق؟
سأغدو بذاكرتك شبحاً
طيف خيالك
ثم أسطورة ماضيك
لكني
لست من ماضيك راحلة
سأمكث تحت قبتها الهنية
لتسمع صوتي
همسي
يلومك أبداً
أنت لم تحبني بما يكفي!
ان جمالية نص الشاعرة شيرين ك تكمن بدقة الوصف وروعة المباشرة، فالمباشرة تنقسم لقسمين، إما واضحة تكون أشبه بالخواطر أو غير مباشرة.. الضربة الفنية التي لا يستطيع ان يكتبها غير المبدع الذي يتميز عن الإنسان العادي، ومباشرة الضربة التي اشتغلت عليها شرين ك هي الواقعية السحرية التي كتبها كتاب الرواية، وقد عرف هذا الفن في الخمسينيات واشتهرت بهأمريكا اللاتينية، وهذا الفن الراقي يتحدث عن الواقع بطريقة سحرية، أي يخلق لغة ثانية، وهناك لون من الحزن والشجن في النص وحديث عن الرحيل مع وجود دلالة لغوية..ان الشعر الكردي يعتمد على الصورة، وأغلب ما وصل لنا من الأدب الكردي القديم هو الشعر وأغلبه وجداني او يحمل هموم الأكراد، وهذه الشفافية سببها الظلم الذي عاشه الأكراد ومع ان الشاعرة شرين ك تحدثت عن نفسها وما تعانيه من ألم وغيره يطل علينا الشاعر الكردي مؤيد الطيب بنص يتحدث فيه عن الحاكم الطاغية الذي يحكم شعبه بالنار والحديد يقول فيه:
تهيجت كلاب السلطان المسعورة
يسكبون الدماء في الأزقة
قالوا:
العجائز الشمطاوات
تنخرن جسدك
وترعشن اوصالك
قالوا:
مهما أظلمت ليلة السلطان
فنارك ستظل نيرة,
ولن تفر مشاعلك وقناديلك
قالوا:
غدوت مدينة كبيرة
لكني !مهما عبرت الشهور والسنين
وكبرت…
وظل الشعر الصوت العالي المسموع، وقد كان للشعر الفضل الكبير في معرفة التاريخ القديم فكان الشعراء لا يتركون شاردة او واردة، وأول ما وصلنا من التاريخ القديم هو شعر مثل ملحمة كلكامش الشهيرة وهي قصيدة موزونة، ومن خلال ما طرح عرفنا أن مؤيد الطيب يتكلم عن الحاكم وكلابه وقد رمز للقتل والتشرد والشاعر في كل نظام يكون حالة خاصة متفردة فهو صوت الشعب وينقل همومهم وأكثر الشعراء يكرهون السلطة والســــــلطان وقد استطاع مؤيد الطيب ان يرسم لنا فكرة انطـــــــباعية عن واقع تعيشه كثير من الأمم، واختزل الطيب الكثير بكلام من خلال الانزياح الذي رسمه، وهذا الانزياح يجعل النص مفتوحاً أكثر عــــــــند الذائقة العامة وقد عرفنا من كل ما طـــــرح مدى الاختلاف بين النظرة والمفهوم عند الشعــراء الكرد ولكن في النهاية نقول إن كل ما طرح كان جميلاً وإبداعاً حقيقياً خلقه نخبة من المبدعين.

46

القضية في شعر فوزي الأتروشي
تحولات الشاعر عبر ثلاثة مستويات

عدي العبادي

ارتبط الأدب والفن بكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية على اساس ان الأدب والفن إنتاج فكري أنساني خالص فالأديب والفنان واحد من الناس يعيش معهم ويشاركهم في فرحم وحزنهم ويجري عليه ما يجري عليهم ويظهر لنا هذا من خلال المنتج الأدبي والفني والأديب والفنان يختلف عن غيره من الناس بطريقة التفكير والرؤية و الإحساس والمشاعر.
فهو كائن شفاف ذو حسية عالية ويعتبر صوت الناس والمعبر عن مشاعرهم فهو ينظر لكل شيء في محيطه بطريقة خاصة أو يحس بما حوله بخاصية ثم يترجمه الى عمل إبداعي ولهذا كثير من الإعمال الفنية والأدبية كانت عبارة عن أحاسيس او تعبير عن حالة مر بها المبدع او حدث مهم اثر في المجتمع فصوره الأديب على شكل عمل مثل لوحة الفنان الايطالي الشهير دافنشي العشاء الأخير صور فيها دافنشي الخيانة الدينية التي قام بها يهودا الذي كان احد حواريي المسيح لكنه خان و باع المسيح (ع) وهناك إعمال فنية وأدبية تحدث عن هموم الناس فظهرت مسرحيات وقصص وروايات ولوحات تتحدث عن كوارث و نكبات مرت بها البشرية بتاريخها الطويل كما ظهر ادب الحرب الذي تناول مجموعة من المعارك وكان للشعر حضورا مميزا على اعتبار انه اكثر من باقي الفنون التصاقا في المجتمع فقصيدة الشاعرة نازك الملائكة النهر العاشق تجسيد لحادثة غرق بغداد بفيضان دجلة الشهير الذي اغرق بغداد كلها عام 1954، وشعر بدر شاكر السياب ولوركا ومحمد الماغوط شعر يحمل الكثير من القضايا وهموم الناس والشعر الفلسطيني ذو نبرة جهادية ودعوة للمقاومة بسبب احتلال بلدهم وفي شعر فوزي الاتروشي تتضح القضية ليس من خلال نصوص فقط بل حتى من تفكيره فهو يقول في احد مقالاته الأدبية معرفا الشعر .. (الشعر ليس نظماً ولا هو مجرد كلام مقفى وموزون، وليس قصة مدائحية على باب الحاكم او شعاراً مناسباتياً سرعان ما ينطفئ لهيبه ليستحيل إلى رماد.انه في الأساس رغبة تمرد على السائد المألوف وأداة تحفيز نحو الأجمل والأنقى، وتأهيل للمتلقي لمقاومة القبح من حوله والطموح اللامتناهي للخير والحق والجمال في تعريف لوظيفة الشعر قاله اليونانيون منذ أقدم الأزمان. وهو شاعر يصادق ضميره الحي ومشاعره وأحاسيسه ولا يجامل خارجها اياً كان, ويكتب للالم والجراح الغائرة والمعاناة المستديمة للمواطن العراقي لا تشفياً ولا انتقاماً من جهة، او تقرباً من جهة أخرى, بل يكتب وبالأحرى ينزف على الورق لوقف أنين الجراح وإعادة الدموع الى المآقي املاًفي رسم بسمة وفتح كوّة أمل وإشعال شمعة فرح لنا جميعاً,,
مفاهيم جميلة
من هذه المفاهيم الجميلة التي طرحها الشاعر الاستاذ فوزي الاتروشي في مقاله .. عرفنا كيف انه يعتبر الشعر ثورة ولا يكون في خانة النظام العروضي القافية والوزن فقط بل هو اكبر من هذا كله و لم يعبر الاتروشي في كتابته فقط بل ترجم أفكاره على شكل نصوص شعرية جميلة تتسم بالشفافية
صباغون شحاذون
يتامى
في بطونهم غصة ندامى
يظلوا يتمنون أو تبني لهم وطنأ
يمنحهم كسرة خبز
وشيا من الحرية والسلامة
*****************
صباغون شحاذون
يفترشون ارصفة الشوارع
ينهمرون قبل المصلين
على مداخل الجوامع
لعلهم يتهأون بأيد
تبعد فأل الشر عنهم
وتنبؤهم بحسن طالع
صباغون ولدوا وعاشوا
على الطرقات
لم يتعلموا سوى
فن تلميع احذية الآخرين
برع الشاعر في التعبير عن الطبقة الكادحة الفقيرة واستطاع الحديث ليس عن همومهم فقط بل حتى أحلامهم التي يحلمون بها وهذا يدل على قدرته في التعبير وعلى شعوره اتجاه هذه الطبقة المسكينة التي يعد الحديث والدفاع عنها قضية سامية فهم طبقة بسيطة تعيش ظروف صعبة بسبب من سرق حقوقهم لا يجودون ما يسد جوعهم وقد أبدع الشاعر حين ربط بين حلمهم بالخبز والوطن أي المسكن والأمان ولكنه خلق مشاكسة شعرية جميلة حين رفع من سقف مطالبهم فبعد الخبز و الوطن يحلمون الفقراء بشيء من الحرية والسلامة ثم عرف أماكن تواجدهم واي مقصد يتجهون اليه وشرح في نصه جزء مهم من حياة الفقراء الذين يهرعون للجوامع في الصباح ليس للصلاة بل من اجل ان يتصدق عليهم المصلين ومفهوم الفقر كما جاء في الموسوعة المعرفية على أنه حالة من الحرمان المادي الذي يترجم بانخفاض استهلاك الغذاء، كما ونوعا، وتدني الوضع الصحي والمستوى التعليمي والوضع السكني، والحرمان من السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى، وفقدان الضمانات لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة وغيرها. وللحرمان المادي انعكاسات تتمثل بأوجه أخرى للفقر كعدم الشعور بالأمان ضعف القدرة على اتخاذ القرارات وممارسة حرية الاختيار ومواجهة الصدمات الخارجية والداخلية. وبمفهوم مبسط للفقر يعتبر الفرد أو الأسرة يعيش ضمن إطار الفقر إذا كان الدخل المتأتي له غير كافٍ للحصول على أدنى مستوى من الضروريات للمحافظة على نشاطات حياته وحيويتها. للفقر العديد من التعريفات تبعث من منطلقات إيديولوجية واقتصادية وثقافية, وهو بشكل عام لا يمثل ظاهرة في المجتمع بل يترجم خلال ما في تنظيم هذا المجتمع. والفقر ليس صفة بل هو حالة يمر بهاالفرد تبعا لمعايير محددة, وقد اختصر الشاعر فوزي الاتروشي كل هذه المفاهيم في نصه وحدد أهم النقاط التي يتمركز عليها معنى الفقر وما هي أحلام وطموحات الفقراء فكانت قراءة لحياتهم جيدة ومنطقية مقنعة في أسلوب شعري نثري وذو رسالة حقيقية وقد أخذت قضية الطبقة الفقيرة أخذت حيزا كبيرا في الأدب والشعر وظهر شعراء اختصوا في الكتابة عن الفقراء مثل الشاعر المصري الشعبي أحمد فؤاد نجم.. ذلك الشاعر الذي كان نجما لامعا في عالم الأدب الشعبي العربي، واحتل بعد ذلك مكان الصدارة في قلوب الفقراء ولكن يظل الباب مفتوحا في هذه القضية المهمة التي كتبت عنها الشاعر فوزي الاتروشي ولم تكن هذه المسألة الوحيدة بل كان يتنوع بطرحه حيث كتب عدت نصوص في السياسة وهو رجل سياسة كما هو شاعر يقول في احد نصوصه
وطني الذي أرهقته
البنادق والخناجر
تفتحت على جبينه اليوم
حقول وبيادر
وكلما قرأ المصلون سورة الأنفال
تذكروا المدائن
التي صارت مقابر
وطني اليوم محمل بنبض عاشق
وصلاة قديس
وصحوة ثائر
وطني دمرته الحرائق والخرائب
لكنه اقسم ان لا يهاجر
هرع الكثيرون الى البوابات
حاملين حقائبهم
لكنه وطير الخجل الذي بين اثوابه
بقى عالقأ بالأرض لا سافر
وطني الذي أثخنته
الجراح والحروب
وسدت عليه المنافذ والدروب
وصف الشاعر حالة وطنه العراق وما جرى عليه وكما هو معروف إن الشاعر وثيقة تاريخية لنقله للإحداث والتاريخ بطريقة فنية وقد عرفنا الكثير من تاريخ الأمم السابقة واهم الاحداث التي جرت في حقب زمنية من خلال شعرائهم وأدبائهم وليس الشعراء فقط بل حتى الروائيون الذين يؤرخون بكتابتهم إحداث ووقائع المعيشة كما نقل الروائي المصري نجيب محفوظ حياة الحواري المصرية في معظم رواياته وقد استطاع الاتروشي ان ينقل لنا صورة حية عن ما مر بهالعراق الذي عاش سنين طوال من الدمار والحروب والخراب والموت المجاني وحصار تسبب بهدم البنية التحتية ليس للبلد فقط بل حتى الإنسان العراقي ومع كل هذا بث الشاعر روح التحدي في وطنه والعزم حين قال انه لم يهزم وظل ثابتا في الأرض وهذه الضربة الشعرية اي التصاق الوطن في الأرض وجملة لم ويسافر تعد العمود الفقري للمادة الأدبية المطروحة واذا فككنا النص نجد عمق في الشرح حيث نكتسف من مطالعتنا صور عدة ضمن سياق واحد فقد اعتبر الشاعر وطنه يحمل نبض عاشق وهذه الرؤيا الشعرية تعود للذات الشاعرة في داخله وان هناك نظرة جمالية .
نساء بلادي حوامل
أرامل ثكالى
خبزهن اليومي دم الدموع
وفي عتمة الليل
ابتهال لله تعالى
اذا شكون ضرين لكي يكن
كما قال في قوانين الرجال
عبرة لمن اعتبر
يهبن الحياة نصفها ولكن
في ملذات الحياة ما لهن اثر
أسماؤهن في ملفات الشرطة تمحى
وتحت خيمة الزواج
يبقين ضميرأ مستتر
واذا متن لا تقم على
قبورهن شاهدة
فحتى القبور لا تحفظ
غير اسماء الذكر
بين يدي وحوش كاسرة
وان حلمت يخرج
الجنين من صلبهن
غوص عميق في المعنى ووصل للقضية وترجمتها بطريقة النص هذا ما فعله الشاعر فوزي الاتروشي في حديث عن نساء العراق الأرامل بسبب الحروب المتتالية والإرهاب الذي خطف زهرة شباب الوطن فكان الشاعر بالفعل صوت معبر بإحساس عال ولم يتحدث عنهن فقط بل طور الفكرة حتى يصل بنا إلى فضاء أوسع وان تغيبهن يظهر من قوله يبقين ضميرأ مستتر والدلالة في الوصف عن الظلم الذي يقع على ألمرأة الشرقية وبالخصوص المطلقات والأرامل . حمل نص الاتروشي مجموعة كبيرة من الأطروحات حول موضوع في غاية الأهمية والشعرية بارزه فيه بدقة الوصف حتى جعل المتلقي يعيش مع الصورة كاملة ومع ان الحديث عن الأرامل والمطلقات لكن القضية تأخذ جوانب أخرى حين جسد بمقولة قال فيه ان قوانين الرجال تعني تسلط رجال العائلة على أراملهم فكان بالفعل إحاطة كاملة من كل الجوانب ولم يستثني أي شيء
قتلوك وما عرفوا
ان الجرح المحفور بقلبك
يصبح منجم بارود ينفجر كالبركان
قتلوك وما عرفوا
ان الشهداء وان ماتوا
يبقى حيأ فيهم حلم الانسان
قتلوك وما عرفوا
ان الوطن المتوزع فيك
سيجعل لك مقبرة الاحزان
وبأن خرائطهم
ووجوههم المزروعة
ستصير
هباء منثورأ
وستدخل أرشيف النسيان
قتلوك وما عرفوا
ان الجسد المقتول جواز سفر
بأن جراح القلب ينابيع
وسماوات حبلى
تهب الدنيا حبأ ومطر
استهلال جيد في المطلع الذي يقول فيه قتلوك وما عرفوا يتضح منه حجم الشخصية التي قتلوها وثم تعريج على ما سيظهر من مميزات الشهيد فجسده جواز سفر الى الحرية التي يتمتع بها شعبه بفضل تضحيته والجرح المحفور في قلبه يصبح منجم بارود ينفجر كالبركان انه تحدي كبير يطرحه الشاعر معرفا من خلاله مدى أهمية التضحية من اجل الهدف النبيل الوطن وحرية الآخرين انها قضية كبيرة وتسويق لمشروع نضالي يقول الاتروشي في ختام نصه الذي كان مستهله قتلوك وما عرفوا
فقأ عينيك وما عرفوا
إن العين المفقوءة عند مجي الليل قمر
لتكن أنت المتقول
لتكن أنت المدفون بهذي الأرض
فهي البقعة من زمن
لم ينبت داخلها
للقمح حقول
حتى يقول الشاعر في نصه
حرام ان يبقى
عنق الوطن الغالي مغلول
اختمرت الفكرة كاملة في أذهاننا من خلال ثلاثة محاور الأول ان هناك شخص مهم قتلوه ولم يعرفوا حجمه الحقيقي والثاني تحول جسد الشهيد الى كوكب وعينه قمر إما المحور الثالث التضحية من اجل الوطن والقيم النبيلة مع ترسيخ للجمال الروحي للعمل النضالي وخلد بقصيدته الحدث مع جوانب إبداع كصفه لعنق الوطن المغلول والقيمة الفنية هنا ان الطواغيت عند الشاعر تمثل حبل المشنقة .. ان الذات الشاعرة عند كاتبنا متنوعة في الوصف إبراز الزوايا المظلمة مما يدل على شفافيته في الكتابة والوصول لأخر نقطة ممكنة في الموضوع مستخدما كل قدراته مع جودة اللغة يقول في نص ثاني حمل عنوان ( يا وطني )
يا حلم اليتامى والجياع
حلم من ماتوا وما لا قوا المطر
يا حلم أطفال تساءلوا وأوغلوا في السؤال
متى القمح
تحتج على وجه المغول والتتر
يا حلم من استشهدوا
وفي بطونهم رمل وحصو وحجر
ولون بارود الرصاصات التي
باسم السلام تشترى
وباسمه تباع حتى للذي به كفر
أي ضمير العالمي
بداية البحث
تتحول القضية في شعر الاتروشي الى جانب جديد ومهم وواسع النطاق ففي بداية البحث عن القضية في شعره وجدناه يتكلم عن الفقراء والشحاذين الطبقة المحرومة التي سلب حقها وكان يدافع بصدق عنها وجعلنا معهم بالصورة ثم وجدناه يتناول قضية وطنه وما يجري فيه من أزمات ونكبات ولكنه زرع الأمل واعتبر ان وطنه اكبر من كل التحديات وانه سينهض ويولد من جديد وفي محور تكلم عن الشهيد الذي عذب من اجل ان يعيش الناس اما الان كتب عن قضية اكبر اتساعا واهمية فهو ينفتح على كل العالم حين يروي عن الفقراء وعن الذين يموتون وفي بطونهم الرمل والحجارة بينما تعيش امم في الرفاهية والترف كما يصف قتلهم المجاني برصاصات بيعت تحت اسم السلام ان الاشتباك مع القضية والتعبير عنها عند الشاعر فوزي الاتروشي يأخذ إبعادا كثيرة فهو يحللها ويصوغها بطريقته الخاصة ويترجمها شعرا ذو أطروحات عدة على نسق واحد كما ان القضية عنده لا تحصر في مجال او خانة أي انه لا يتكلم عن بلاده او صديق بل يخوض في كل شيء وفي معاينة سريعة لقصيدته التي عنونها يا وطني لمسنا حجم الالم الذي ينطلق منه فهو يقول فيها
يا وطني بيادر القمح لأسراب الجراد
ووجهك البري حقل من الجراح
من حنين وداد
لون عينيك أراه قائمأ يعلن للذين نسميه الضمير العالمي
يوم حداد
يربط هنا بين وطنه وجراحه والصمت العالمي انها إشارة جميلة منه ان لون عيون الوطن يوم حداد على الضمير العالمي أنها ضربة شعرية وثورة داخلية اتجاه التخاذل كلنا نملك الإحساس ونعرف ما يجري ولكن لا نملك الموهبة التي تعطينا القدرة على الكتابة وإيصال ما نشعر به والسبب إننا لسنا شعراء.

47


فضاءُ الّلغةِ في قصيدة (نَقْشٌ في عَتْمَةٍ حَافِيَةٍ) للشاعرة آمال عوّاد رضوان



الناقد عبدالمجيد عامر اطميزة

عَلى شُطُورِ الْهُوَيْنا رَكَضْتِ.. رَقَصْتِ
بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جِيدي
وَمَزنْتِ بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ دُوني!
رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ
جَ فْ فَ تْ/ عَلى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ
فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ!

غاباتُ هَجْرِكِ سافِرَةُ النِّيرانِ/ أَزْهَرَتْني تَباريحَ ظَمَأٍ
عَلى بُورِ فُؤادٍ اعْشَوْشَبَ بِغِيابِكِ
وَما كانَ مِنْ مُتَّسَعٍ لِأَلَمي الْمُخْمَلِيِّ.
مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ الْبَعيدِ عُدْتُ سُنُونُوَّةً
أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ
فوْقَ ظَمَأِ الصَّدَى الْمُعَتَّقِ/ في شِباكِ الْعَناكِبِ!
رَنَّتْ أَزْهارُ عَوْدَةِ الشَّحاريرِ/ تسْتَنْدي طَلَّكِ الأَيُّوبِيَّ
تَسْتَسْقي قُبَّتَكِ النَّبيذِيَّة:
اِمْنَحيني حصَّةً مِنْ مُزْنٍ مُضيءٍ/ يَسْتَحِمُّ بِهِ سَوْسَني
لأَتَمَدَّدَ حُلُمًا/ فِي أَعْشاشِ صَوامِعِكِ!

أيا خِبْءَ سَمائِي وَأَرْضي
شَقاوَتُكِ الضَّامِرَةُ.. ضارِيَةٌ بَراعِمُهَا
تَ سُ و قُ نِ ي/ إلَيْكِ يا ابْنَةَ خابِيَتي
إِلى اخْضِرارِ خِريفٍ مُفَخَّخٍ بِالْهَذَيان
وَلا تَفْتَأُ تَنْقُشُ عَتْمَتي الْحافِيَةَ
فِتْنَةً خافيةً عَلى خَوابيكِ الآمالِ

يَمامَةَ قَزٍّ اسْتَكَنْتِ/ بَيْنَ أَحْضانِ تُوتي
تَلْتَهِمينَ أَوْراقَ نُوري الْغافي
تُشَرْنِقينَني عَناقيدَ حَياةٍ
تَدَلَّتْ وَشْمَ ضَبابٍ في مَنْفى تَكْويني!
تَسامَيْتِ عِطْرَ ضَوْءٍ وَحْشِيٍّ
فِي ثُقُوبِ مَدايَ الْمُلْتَهِبَة
وَما فَتِئْتِ أُسْطُورَةَ حُلُمٍ
تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي في رِياضِ التَّمَنِّي!

إِلامَ أَطْيافُ عَصافيري
 تَدْبَغُهَا قُرْمُزِيَّةُ حَلَقاتِكِ
عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة؟
خُيُولُ جِنّي الْفاتِنَةُ
تَرْمُقُ كَمالَ خَطايايَ/ في كاتِدْرائِيَّاتِ غُمُوضِكِ
وَلَمَّا أَزَلْ أَرْسمُني احْتِيالَ مَغْفِرَةٍ تُهَدْهِدُني
عَلى حَواشي هَيْكَلِكِ الْمَسْحُورِ!

عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ
يَسُوسُونَ دَمي بِأَحْذِيَةٍ مَجْرُوحَةٍ
وَبِأَسْمَالٍ عُشْبِيَّةٍ يَتَقَرَّبُونَ اغْتِفارًا/ عَلى عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ!
تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ/ عَلى قِمَمِ الاحْتِضارِ
وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ
تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ
وَلا تَنْفَكُّ سَماواتُكِ تُرْضِعُهُم أَمْطارَ طُهْرِكِ الرَّؤُوم؟!

يَا ابْنَةَ النُّورِ الْمُوغِلَةَ فِي النَّارِ
فَدَتْكِ أَجْنِحَةُ الرَّحْمَةِ أَبَدِيّةَ الرَّجاءِ!
ها ثَمِلَةً.. / تَغْفُو قَنادِيلُ الرُّعَاةِ عَلى حُفُوفِ مَراعيكِ
ها مُنْهَكَةً.. / تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ عَلى كُفُوفِ يَراعِكِ
وَسُجُودًا مَشْطُورًا تَنُوسُ مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ
تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!
أَتُضيئينَني مُسْتَحيلًا شَهِيًّا/ فِي طَوابينِ الْوَرَق؟
أَلا يَتَبَرْعَمُ بِكِ غَدي.. وَأَتَوَرَّق وَطَنا؟!

رَبَواتُ مَلائِكَةٍ.. / تَجْثُو مُتَلَعْثِمَةً فِي خِبائِكِ السَّماوِيِّ
وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ / يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ
تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ
تَسْتَفِيقُ في نَداهَا عَرائِسُ جَنَّتي تَبْتَهِلُ:
الْمَجْدُ لِطُولِ أَناتِك يا ثَدْيًا أَرْضَعَني أَناك
ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: العنوانُ يَتكوَّنُ مِن خبرٍ مرفوعٍ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُهُ "هذا"، ومِن جارٍّ ومَجرورٍ "في عتمةِ"، في مَحلِّ رفع نعت، ونعت مجرور "حافية"، والعنوانُ حافلٌ بالانزياحِ المُتمثّلِ في الحذف، فقد حُذِفَ المبتدأ، وحُذِفَ المُضافُ، والتّقديرُ: "هذا نقشٌ في مَكانِ عتمةٍ حافيةٍ"، وهناكَ انزياحٌ إضافيٌّ يَتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ الّلامنتظَرُ مِن خلالِ المُنتظَرِ؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمُضاف، كأنْ يَتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "عتمة" وجودَ مُضافٍ إليهِ مَعقول، مثل كلمةِ "مُظلِمة"، لكنّهُ يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ "حافية"، وهكذا يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ بحت، وجَماليّةٌ في الأسلوب.
"نقشٌ" وجمْعُها "نقوش" والمصدر: نَقْش، ومعناها ما أثّرَ في الأرض، أو ما نُقِشَ على الشّيءِ مِن صورٍ وألوان. ومِن خلالِ العنوان، نُدركُ أنّ الأحداثَ كما النّقش، لها أثَرُها البارزُ، تجري في جوٍّ قاتمٍ مَليءٍ بالعقباتِ والأخطارِ والعداواتِ، وﻤِن خلالِ لغةِ شاعرتِنا آمال، نُلاحظُ مدى التّجاوزِ الّذي تُحْدِثُهُ مَجازاتُها وتكثيفُها في الّلغةِ الشّعريّةِ، فعبْرَ المَسافةِ الّتي تَخلِقُها الّلغةُ بينَ المدلولِ الحقيقيِّ والمَدلولِ المّجازيّ، يتأسّسُ الفضاءُ الّلغويّ-الدّلالي، ولم يَكنِ اختيارُ شاعرتِنا للعنوانِ اعتباطيًّا، بل عن وعيٍ ودرايةٍ، فالعنوانُ "نظامٌ دلاليٌّ رامزٌ لهُ بُنيتُهُ السّطحيّةُ، ومُستواهُ العميقُ مِثلهُ مثل النّصِّ تمامًا"(2)، مِن حيث إنّه حمولةٌ مُكثّفةٌ مِنَ الإشاراتِ والشّيفراتِ، الّتي إن اكتشفَها القارئُ وجَدَها تَطغى على النّصِّ كُلِّهِ، فيكونُ العنوانُ مع صِغَرِ حجْمِهِ نَصًّا مُوازيًا (Paratexte)، ونوْعًا مِن أنواع التّعالي النّصّيّ (Transtextualité)، الّذي يُحدِّدُ مَسارَ القراءةِ الّتي يُمكنُ لها أن "تبدأ من الرّؤيةِ الأولى للكتاب" (3)، أو النّصّ.
وتقول: عَلى/ شُطُورِ الْهُوَيْنا رَكَضْتِ.. رَقَصْتِ/ بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جِيدي/ وَمَزنْتِ بِتَفاصِيلِ فَرائِضِكِ دُوني! رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ/ جَ فْ فَ تْ/ عَلى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ/ فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ! صورةُ الضّحيّةُ- وهو مِنَ القتلِ البَطيءِ كما  يَجري في أفلام الكاوبوي– حيثُ يَتِمُّ ربْطُ يَدَيْ ورِجْلَي الضّحيّة، ووضْعِ جلدةٍ رطبةٍ على عُنقِهِ، وترْكِهِ في الصّحراءِ تحتَ أشعّةِ الشّمسِ المُلتهِبة، إلى أنْ تبدأ تجفُّ الجلدةُ على عُنقِهِ وتَضيقُ؛ ليموتَ اختناقًا وببطءٍ، إلّا إذا مَرّ أحدُهُم بهِ وأنقذَهُ، وهكذا يَحصلُ معَ مَنْ تُخاطبُهُ الشّاعرةُ، وهو الوطنُ الذّبيحُ.
(عَلى/ شُطُورِ الْهُوَينا رَكَضْتِ/ رَقَصْتِ): هكذا يحصلُ للوطن كما حصَلَ معَ الحبشيِّ الذّبيحِ الّذي صوّرَهُ لنا الشّاعرُ إبراهيم طوقان: قالوا: حلاوةُ روحِهِ رقصَتْ بهِ/ فأجبْتُهم: ما كلُّ رَقْصٍ يُطربُ! في السّطريْنِ نلحَظُ الانزياحَ التّركيبيَّ، وهو مُخالفةُ التّراتبيّةِ المَألوفةِ في النّظام الجُمَليّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموحِ في الإطارِ اللّغويّ، كالتّقديم والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، كتقديمِ الخبَرِ على مُبتدئِهِ. وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّمِ وأعمَقُ دلالةً، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "على شطور الهُوينا" وحقُّها التّأخير، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعل "ركضتِ" وحقُّهُما التّقديم، وهذا في العادةِ ما يَشمَلُ النّصوصَ ذاتَ البُعدِ السّياسيّ، لتؤكّدَ الشّاعرةُ رحلةَ عذابِ الوطن الطويلةَ والبطيئةَ في سبْرِها.
"ركضتِ... رقصتِ": فعلانِ ماضيانِ، وفيهما انزياحٌ بالفصل، حيثُ حَذفتِ الشّاعرةُ حرفَ الرّبْطِ بينَهما، وهذا أبلغُ وأجمَلُ، وجاءا على نفسِ الوزنِ، وحروفُهُما يَدلّانِ على الحركةِ والاضطرابِ، كاضطرابِ الوطنِ تمامًا، علاوةً على توحُّدِهِما في بعض الصّوامتِ، وقد تَشابَها في تِكرارِ كلٍّ منهما بأصوات: الصّوائت جميعها، كما جمعَتْ بينَهُما صوامتُ كلٍّ مِن: الراء والكاف والتّاء. وَيُعَدُّ التّكرارُ أَحَدَ المنابعِ الّتي تنبعُ منها الموسيقى الشّعريّةِ، والموسيقى الدّاخليّة تنشأ مِنَ انسجامِ الحُروفِ أوّلًا، واتّساقِ الألفاظِ ثانيًا، وهي ترتبطُ بالتّأثيراتِ العاطفيّةِ للشّاعرة، وذلك لأنّ للجانبِ الصّوتيّ أثرًا واضحًا في الكشفِ عن أحاسيسِ الشّاعرة وانفعالاتِها ومشاعرِها، فالدّلالةُ تَنشـأُ مِن تَلاقي بعضِ المَقاطعِ والحُروفِ في السّياقِ كلِّهِ، أو في العبارةِ الواحدةِ، عندئذ يُمكنُ للأصواتِ أنْ تُشيعَ في النّفسِ إحساسًا عاطفيًّا مُعيّنًا، فليسَ هناكَ مَقاطعُ أو حروفٌ يمكنُ أن تَتّصفَ في ذاتِها بإحساسِ الحزنِ أو الفرح، وإنّما الّذي يُحَدّدُ العلاقةَ بينَ أصواتِ المَقاطعِ والحُروف وبينَ إحساسٍ مُعيّنٍ، هو النّغمُ النّاشئُ مِن جُملةٍ كاملةٍ، ذلكَ أنّ الانفعالَ في داخلِ أيِّ عملٍ أدبيٍّ، لا يُمكنُ تَحقيقُهُ مِن لفظةٍ مُفرَدةٍ، إنّه يَتحقّقُ مِن تَداخُلِ الكلماتِ صوتًا وإحساسًا". فالموسيقى الدّاخليّةُ لا تَتحقّقُ مِن خلالِ الّلفظِ المُفردِ، وإنّما مِن خلالِ ورودِهِ في سِياقٍ مُتكامِلٍ.
(بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جيدي): فالجلدةُ هي الجلدةُ الّتي تُوضَعُ حولَ رقبةِ الضّحيّةِ لخنْقِهِ، كنايةً عن الموْتِ البطيءِ، وفي الجُملةِ تَقديمُ شِبهِ الجُملة "بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ"، على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل والمفعول بهِ " زَيَّنْتِ جِيدِي"، وقدْ أوضحْتُ آنِفًا هذا النوعَ مِنَ الانزياحِ، وفي عبارةِ "بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ" انزياحٌ إضافيٌّ يُكسِبُ الأسلوبَ جَماليّةً وروْنقًا، فلِلطّيْفِ جلدةٌ، وفيهِ رطوبةٌ، ولقد ذَكَرَتِ الشّاعرةُ "الجِيدَ" وهو الجزء، وأرادتْ بهِ الكُلَّ، مَجاز مرسل علاقته الجزئية.
(وَمَزنْتِ بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ دُوني!): كنايةً عن تَحَمُّلِ الوطنِ وحدَهُ كافّةَ الأعباءِ، وفي عبارةِ "بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ" انزياحٌ إضافيٌّ، والوطنُ يَمشي ويَمضي مُسرِعًا، ولهُ فرائضُ مُفصّلةٌ، وكُلُّها استعاراتٌ مُتزاحِمةٌ مُتلاحِقةٌ عذبة.
(رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ/جَ فْ فَ تْ): كنايةً عن سَلخِ الوطنِ وضَياعِهِ، وللنّدى رغوةٌ مُمَلّحةٌ تَجفُّ، والشّاعرةُ كتبَتْ كلمةَ "جفّتْ" مُتقطِّعةً أفقيًّا؛ لتُقْرَأَ بتأَنٍّ وببُطْءٍ، تمامًا كبُطْءِ إتمامِ عمليّةِ التّجفيفِ وطولِ أمدِ التّعذيب.
(عَلَى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ): كنايةً عن تألُّمِ الشّاعرةِ وفَجيعتِها بما يَحصُلُ للوطنِ، والقلبُ يَنزفُ ألمًا، مثلما يَنزفُ الماءُ مِن جذعِ شجرةٍ، يُقطَع ويُفصَلُ عن أُمِّهِ، ويَشغَلُ فضاءُ المعنى في قصيدتِنا، حيِّزًا جَماليًّا مِن فضاءِ الكتابةِ الشّعريّةِ المُتّصلةِ بالتّشكيلِ الفنّيّ، فضاءٌ جَماليٌّ ولُغويٌّ بامتيازٍ، وهو مُوزّعٌ بينَ الخَيالِ الّذي يَستدعي الّلغةَ وتشكيلاتِها المُختلفةَ، وتوْظيفَها توظيفًا جديدًا يَحملُ مَفاهيمَ واسعةً وعميقةً ودقيقة.
(فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ!): كنايةً عن أنّ الشّاعرةَ قد ألمَّتْ بها نكبةُ عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، والنّكسة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستّين، والأيائلُ رمزٌ للجَمالِ والطّبيعةِ العذبةِ، وأطفالِ فلسطين.
وها هي الشّاعرةُ الّتي ظننّا بأنّها قد وصَلتْ مَعنويّاتُها إلى الدّركِ الأسفلِ وضَعُفتْ، ها هي تعودُ بكاملِ قوّتِها ومَعنويّاتِها، تعودُ بكاملِ أحاسيسِها ونبْضِها للوطنِ الذّبيحِ، تعودُ كعوْدةِ طائرِ السّنونو الّذي يُحَلّقُ جماعاتٍ وأسرابًا يقودُها قائدٌ واحدٌ حكيمٌ، تلتزمُ جميعُها بقيادَتِهِ، في صفوفٍ مُرتّبةٍ لا تَخرجُ الواحدةُ منها عن سِربِها لتَصِلَ لغاياتِها، وتندمِغُ شاعرتُنا معَ وطنِها، تَعزفُ أعذبَ الألحانِ وأجمَلَ الأصواتِ شِعرًا كما الشّحرور، تعودُ وهي تستندي أعذبَ الطّلّ، ألا وهو طلَّ الانتصاراتِ الّتي جسَّدَها صلاحُ الدّين الأيّوبي، وصبْرُ النّبيّ أيّوب– عليهِ السلام.   
(غاباتُ هَجْرِكِ سافِرَةُ النِّيرانِ أَزْهَرَتْني تَبارِيحَ ظَمَأٍ): كنايةً عن حنينِ الشّاعرةِ للوطنِ المُغتصَبِ المُجزّأ، فهنا صُوَرٌ جزئيّةٌ تَتلاحَقُ وتتتابَعُ؛ لتُشكِّلَ في مَجموعِها صورةً كلّيّةً قوامُها الاستعاراتِ، فغاباتُ هجْرِ الشّاعرةِ للوطنِ المُشتعِلَةُ بالنّيران، تُزهِرُ ظمأَ ينابيعِ الشّاعرةِ المُتدفِّقةِ شوقًا وتحنانًا، فلهَجْرِ الوطنِ غاباتٌ تَشتعِلُ، وللظّمأ تباريحُ مِن وجْدٍ وحَنانٍ تُزهِرُ كما الشّجر.
(عَلى بُورِ فُؤادٍ اعْشَوْشَبَ بِغِيابِكِ): كنايةً عن خُلوِّ قلبِ الشّاعرةِ، إلّا مِنَ التّحنانِ للوطن. 
(وَما كانَ مِنْ مُتَّسَعٍ لِأَلَمي الْمُخْمَلِيِّ): كنايةً عن فيْضِ قلبِ الشّاعرةِ بالآلامِ والأحزانِ، فلِلآلامِ حيِّزٌ ومُتّسَعٌ، ولها مَلمَسٌ مُخمَليٌّ.
(مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ الْبَعيدِ عُدْتُ سُنُونُوَّةً؛/ أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ): كنايةً عن عودةِ الشاعرةِ بثِقلِها، لتَحمِلَ همومَ الوطنِ، كعوْدةِ طائرِ السّنونو لوطنِهِ، وفي السّطرِ الأوّلِ انزياحٌ تركيبيٌّ، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ"، وحقُّها التّأخير، على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل "عُدْتُ"، وحقُّهُما التّقديم، لِما للمقدَّم مِن أهمّيّةٍ وجَماليّةٍ في الأسلوبِ، وتتزاحمُ الانزياحاتُ، كما في عبارةِ "أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ": وهنا انزياحٌ إضافيٌّ يَتمثّلُ في المُفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ الّلامُنتظَرِ مِن خِلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يَتلاءمُ والمُضاف. كأن يَتوقّعُ بعدَ كلمةِ "عتمة" وجودَ مُضافٍ إليه معقول، مثلَ كلمةِ "مظلمة"، لكنّهُ يَتفاجأُ بوجودِ كلمةِ "مسافات"، وكذلكَ بعدَ كلمةِ الموصوف "مسافات"، يتوقّعُ المُتلقّي وجودَ كلمةٍ مُناسبةٍ له، لكنّه يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ الصّفةِ "مُتَأَرْجِحَةٍ". 
وهكذا يُصبحُ لدينا أكثرُ مِنَ انزياحٍ إضافيٍّ شِعريٍّ خالِصٍ، وجَماليّةٌ في الأسلوب، "فالأسلوبُ بهذا المَعنى تَوَتُّرٌ دائمٌ بينَ لذّاتِ التّلقّي وخيبةِ الانتظارِ لدى المُتلقّي"(4)، وهذا التّوتّرُ الدّائمُ هو جوهرُ العمليّةِ الأسلوبيّةِ، أو ما عبّرَ عنهُ ريفاتير بعنصرِ المُفاجأةِ، الّذي يُمكنُ أنْ نُؤصِّلَ لهُ بالعودةِ إلى ياكبسون، الّذي قرّرَ بأنّ المفاجأةَ الأسلوبيّةَ هي "توليدٌ الّلامُنتظَرِ مِن خلالِ المُنتظَر"(5). والسّنونو رمزٌ للجَمالِ والحُرّيّةِ والانطلاق.
(فوْقَ ظَمَأِ الصَّدَى الْمُعَتَّقِ في شِباكِ الْعَناكِبِ!): كنايةً عن شِدّةِ حنينِ الشّاعرةِ وحُبِّها لوطنِها، وهنا تَرادُفٌ بينَ كلمَتَيْ: "الظمأ" و"الصّدى"، فللصّدى ظمأٌ مُعتّقٌ، وللعناكبِ شِباكٌ، والعَناكبُ تَرمزُ للوطنِ الّذي هُجِّرَ منهُ أهلُهُ، وفي عبارة "شِبَاكِ الْعَنَاكِبِ" حذْفٌ، فقد حَذفَتِ الشّاعرةُ المُضافَ وأبقتِ المُضافَ إليه؛ ليدُلَّ عليهِ والتّقدير: "في شِباكِ بيوتِ العَناكب".
(رَنَّتْ أَزْهارُ عَوْدَةِ الشَّحاريرِ تسْتَنْدي طَلَّكِ الأَيُّوبِيَّ/ تَسْتَسْقي قُبَّتَكِ النَّبيذِيَّة(:: الشّحاريرُ رمزٌ للأصواتِ الجميلةِ، كنايةً عن عودةِ الأصواتِ المُطالِبةِ والمُتغنّيةِ بالعودةِ الحقيقيّةِ للوطن، تلبيةً لحاجاتِهِ النّفسيّةِ والرّوحيّةِ ومُتعتِها الوجدانيّة، فأزهارُ عودةِ الشّحاريرِ تتطلّعُ وتَطلبُ الطّلَّ الأيّوبيَّ وعِزّتَهُ، وانتصاراتِهِ وصبْرَهُ على البلوى، والأيّوبيُّ نسبةً لصلاحِ الدّين الأيّوبيّ، ونسبةً للنّبيّ أيّوب الّذي ابتلاهُ ربَّهُ في جسَدِهِ وصَبَرَ، وتَطلُبُ القببَ النّبيذيّةَ تجلّيًا، والقببُ رمزٌ للمَساجدِ والكنائسِ، وهنا مَكمَنُ جَمالِ الاستعارةِ، الّذي يتمثّلُ في التّشخيصِ والتّجسيمِ والتّصويرِ وبَثِّ الحياةِ في الجّماداتِ.
(اِمْنَحيني حصَّةً مِنْ مُزْنٍ مُضيءٍ يَسْتَحِمُّ بِهِ سَوْسَني/ لأَتَمَدَّدَ حُلُمًا/ في أَعْشاشِ صَوامِعِكِ!): الشّاعرةُ استهلّتْ مقطوعتَها بالأسلوبِ الخبَريّ؛ تأكيدًا لذاتِها وصَوْنًا لروحِها مِنَ الابتذالِ، ورِفعةً وتقديرًا لوطنِها، وتنتقلُ الآنَ للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثِّلِ في الأمْرِ "اِمنحيني"؛ ليُفيدَ الالتماس. والمُزْنُ: السَّحابُ يَحمِلُ الماءَ، وفي التّنزيلِ العزيز: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) الواقعة/69، و"المُزْنُ" مُفردتُها "مُزْنَة"، وحَبُّ المُزْن: البَرَدُ (6)، والمُزنُ رمزٌ للخيرِ والعطاءِ، والسّوسنُ رمزٌ للجَمال. وتُوظِّفُ شاعرتُنا آمال الرّمزَ؛ فهو أهمُّ التّقنيّاتِ الفنّيّةِ الّتي سخّرَتْها في شِعرِها، وأخذتْ تُشكّلُ علامةً فارقةً في تطوُّرِ التّجربةِ، بحيثُ أصبحَتْ ذاتَ رؤيا شموليّةٍ تَصِلُ الخاصَّ بالإنسانيِّ العامِّ والكوْنيّ، وتَربطُ الحاضرَ بالماضي، وصارتِ القصيدةُ بُنيةً مُركّبةً ودراميّةً، عميقةَ الدّلالةِ، شديدةَ الوحدةِ العضويّة، حينَ تُبنى على رمزٍ مِحوريٍّ يَدورُ حولَهُ النّصُّ؛ ما يُؤدّي إلى تحَوُّلِ الرّمزِ إلى بؤرةِ إشعاعٍ دلاليٍّ وإيحائيٍّ، يَتفاعلُ فيهِ الخاصُّ والعامُّ والكوْنيُّ، في نسيجِ وحدةٍ تفاعليّةٍ تَكامليّةٍ شديدِ الفاعليّةِ والتّأثيرِ، ولْنتتبّعِ الاستعاراتِ، وغالبيّتُها مُستجدّةٌ وجديدة: فالمُزنُ يُضيءُ، ويُقسَّمُ لحصصٍ، ويُمنَحُ كما الهديّة، والسّوسنُ يَستحِمُّ، والشّاعرةُ تتمدّدُ حلمًا في أعشاشٍ، وللصّوامعِ أعشاشٌ كما للطّيور. إنّ نسَقَ المفاجأةِ في الّلغةِ الشّعريّةِ وفضائِها عندَ شاعرتِنا، يتطابَقُ معَ نسَقِ المعنى المُباغِتِ، الّذي نشَأ ونما على امتدادِ نمُوِّ الفِعلِ الجّماليّ، الّذي يُشكّلُ حُلّةً جَماليّةً بديعةً، تُضفي على فضاءِ الّلغةِ فضاءاتٍ رحبةً، لتتولّدَ الّلغةُ الشّعريّةُ الخالِصةُ العذبة.
(أيا خِبْءَ سَمائِي وَأَرْضي): كنايةً عن قيمةِ الوطنِ وأهمّيّتِهِ، وشاعرتُنا لها باعٌ طويلٌ في الّلغةِ وإدراك مَعانيها ومَبانيها، تختارُ منها الّلفظةَ المُلائِمةَ، وتضعُها في المكانِ المُناسِبِ لها. ولْنطّلِعْ على بابِ "خبأ" في لسان العرب، حينَها سوفَ نُدركُ إلى ما ذهبتْ إليهِ، فالفروقُ بينَ مَعاني "خبأ" دقيقةٌ جدًّا. لقد استخدَمَتْ شاعرتُنا المَصدرَ، وهو "خبْ" بمعنى الخِدر والمرأة المستورة، كما استخدَمَتِ "الخابية" وجمْعُها "خوابيك" ومنهُ الخَابِيَةُ، إلّا أنّهُم تَركوا همْزَها، والخَبْءُ ما خبئ، وخبْءُ السّماءِ القطْرُ، وخبءُ الأرضِ النّباتُ، واخْتَبَأَ استَتَرَ، والشّاعرةُ مُتأثّرةٌ بقوْلِهِ تعالى: {الّذي يُخْرِج الخَبْءَ في السّمواتِ والأَرضِ}، الخَبْءُ الّذي في السّمواتِ هو المطَرُ، والخَبْءُ الّذي في الأَرضِ هو النَّباتُ(7)، وتسمّى هذهِ الظّاهرةُ بـ "التّناص". وترى جوليا كريستيفا: أنّ "كلَّ نصٍّ يتشكّلُ مِن تركيبةٍ فُسيفسائيّةٍ مِنَ الاستشهاداتِ، وكلُّ نصٍّ هو امتصاصٌ أو تحويلٌ لنصوصٍ أخرى"(8)، ونوْعُهُ تناصٌّ دينيٌّ، وهو نوْعٌ مِنَ الانزياحِ، يُثري الأدبَ ويَمُدُّهُ برَوافدَ جديدةٍ، فانتقلتْ لأسلوبِ الإنشاءِ، والنّداءُ هنا يُفيدُ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ الوطن.
(شَقاوَتُكِ الضَّامِرَةُ.. ضارِيَةٌ بَراعِمُها): البراعمُ كنايةً عن الأطفالِ الّذينَ تسَرّبوا مِن طفولتِهم ومَدارسِهم، وعاشوا الشّقاءَ ومسؤوليّةَ الحياةِ بخريفِها، فالبَراعمُ وصَلتِ الخريفَ قبلَ الأوان، فللشقاوةِ ضمورٌ، ولها براعمُ كما الشّجرة.
(تَ سُ و قُ نِ ي): وهنا تلجَأُ الشّاعرةُ لتفكيكِ صَوامتِ الكلمةِ؛ لتُقرَأَ على مَهلٍ، وبينَ كلِّ صامتٍ وآخرَ وقفةٌ، كما تستوقفُ فلسطينُ الشّاعرة. "إنّ الشّاعرَ الحقَّ المُكوّنَ تكوينًا لغويًّا وثقافيًّا ناضجًا، لا يتلقّى الّلغةَ كمادّةٍ يتصرّفُ فيها وكأنّها مُعطاةٌ مِن قبْلُ، بل إنّهُ هو الّذي يبدأ يَجعلُها ممكنةً؛ لأنّهُ أميرُ الكلامِ، وإمارتُهُ هذهِ ناجمةٌ عن امتلاكِهِ ناصيةَ لغتِهِ، وتَمَثُّلِهِ لأسرارِها ولطاقاتِها التّعبيريّةِ بفِعلِ الدّربةِ المُؤازِرةِ للطّبع، فالطّبعُ مُجرّدُ طاقةٍ كامنةٍ تتجلّى في شكلِ تهيُّؤٍ للإبداع، وتبقى هذهِ القدرةُ مُستترةً ما لمْ تُسعفْها الدّربةُ، الّتي تُمكّنُ الشّاعرَ مِنَ النّفاذِ إلى القوانينِ التّوليديّة، الّتي يَنهَضُ عليها الخطابُ الشّعريُّ، وإذا كانَ الطّبعُ يُمكِّنُ الشّاعرَ مِنَ التّهيُّؤِ للنّفاذِ إلى ما في صُلبِ النّظامِ الُّلغويِّ مِن قوانينَ، فإنّ الدّربةَ هي الّتي تضعُ الطّبعَ على عتباتِ تلكَ القوانين(9). (إلَيْكِ يا ابْنَةَ خابِيَتي): وهنا تُوظِّفُ الشّاعرةُ أسلوبَ النّداءِ، للتحبُّبِ والتّقرُّبِ للقدسِ وبيتَ لحم وما فيهِما مِن قُدسيّةٍ، حيثُ المسجدُ الأقصى، وقبّةُ الصّخرةِ، وكنيسةُ القيامةِ في القدس، وكنيسةُ المَهْدِ في بيتَ لحم، وتُرَمِّز الشّاعرةُ بـ "ابنةَ خابيتي" عن القدس وما يُجاورُها جنوبًا، ألا وهي مدينةُ السّيّد المسيح- عليه السلام.
(إِلى اخْضِرارِ خَريفٍ مُفَخَّخٍ بِالْهَذَيانِ): الخريفُ رمزٌ للجَفافِ كما الاحتلالُ تمامًا، واخضرارُهُ يَرمزُ لسَريانِ الأملِ في النّفوسِ بإمكانِ زوالِهِ، وفي عبارةِ (يَا ابْنَةَ خابِيَتي) انزياحٌ إضافيٌّ، يتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ اللّامُنتظَرِ مِن خِلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يتلاءمُ والمُضاف، كأنْ يتوقّعُ بعْدَ كلمةِ "ابنة" وجودَ مُضافٍ إليهِ معقول، مثل كلمة "أخي" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ "خابيَتي"، واخضرارُ الخريفِ مُفخّخٌ بما يَحصُلُ في فلسطينَ مِن قتْلٍ وأسْرٍ وتشريدٍ وامتهانِ كرامةٍ بفِعلِ الاحتلالِ، فالخَريفُ يَخضَرُّ، والهذيانُ يُفخَّخُ؛ استعاراتٌ عذبةٌ فيها مِنَ التّجسيمِ والتّشخيصِ والتّصوير ما يسحرُ الألبابَ.
(وَلا تَفْتَأُ تَنْقُشُ عَتْمَتي الْحافِيَةَ): وهو عنوانُ القصيدةِ، وقد اهتمّتْ بهِ شاعرتُنا آمال، و"يُمثّلُ العنوانُ العبارةَ المفتاحيّةَ للنّصِّ، مهما كانَ النّوعُ الأدبيُّ، سواءً كانَ قصّةً أو شعرًا أو روايةً أو مقالةً، فالعنوانُ هو أوّلُ ما يُفاجِئُ القارئَ، وعليهِ فإمّا أن يَجذبَ القارئَ أو يُبعِدَهُ، أو يُبقِيَهُ على الحيادِ معَ نصٍّ قد يكونُ غنيًّا أو عاديًّا، إضافةً لِما في العنوانِ مِن دلالاتٍ مَعرفيّةٍ ذاتِ أبعادٍ مختلفةِ الأطياف، تَكشفُ عن ثقافةِ صاحبِ النّصّ، وغوْصِهِ في المَكنونِ الفِكريِّ الّذي يَستلهِمُهُ أو يَعيشُهُ أو يَنتظِرُهُ، مِنَ الماضي والمعاشِ إلى الحالةِ المُستقبليّة، لذا؛ أوْلَى النّقّادُ مسألةَ العنوانِ أهمّيّةً كبرى، وكانتْ لهُ مكانتُهُ في الدّراساتِ النّقديّةِ النّصّيّةِ(10). (فِتْنَةً خافيةً عَلى خَوابِيكِ الآمالِ): ورغمَ ما تمُرُّ بهِ المَدينتانِ المُقدّستانِ مِن مِحَنٍ، فلا زالَ في الأفقِ عَلَمُ الأمَلِ مُرفرِفًا ومُعلِنًا بقربِ الخلاص.
(يَمامَةَ قَزٍّ اسْتَكَنْتِ بَيْنَ أَحْضانِ تُوتي): وفي عبارةِ "يَمامَةَ قَزٍّ" انزياحٌ إضافيٌّ عذبٌ جميلٌ، وظّفتْهُ شاعرتُنا بحنكةٍ واقتدارٍ، ولتوضيحِ ذلك، علينا توضيحُ الرّمزِ في طائرِ اليمامِ، فهو يَرمزُ إلى الهدوءِ والسّكينةِ والأمْنِ والأمانِ، كما يَعشقُ الحُرّيّةَ بكلِّ ما تَعنيهِ الكلمةُ، فهو لا يَستأنسُ، ويَصعُبُ للغايةِ تَربيَتُهُ في أقفاصٍ، مثلما يَصعُبُ ترويضُ الشّعبِ الفلسطينيِّ وسجْنُهُ في كانتونات، ولا يَفترقُ زوْجُ اليَمامِ عن زوْجتِهِ، فهُما مُتلازمانِ وفِيّانِ، فإذا أصيبَتِ الزّوجةُ بعيارٍ ناريٍّ، لا يُفارقُها الزّوجُ، بينما إذا أصيبَ الزّوجُ، فتسرعُ أنثاهُ قافلةً إلى فِراخِها، لذلك نرى أنّ في العبارةِ انزياحٌ لهُ وظائفُ مَعنويّةٌ كثيرةٌ، إلى جانبِ وظيفتِهِ الأسلوبيّةِ، فالانزياحُ الإضافيُّ يتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ اللّامُنتظَرِ مِن خلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمُضاف، كأنْ يتوقَعَ بعدَ كلمةِ "يمامة" وجودَ مُضافٍ إليهِ معقولٍ، مثلَ كلمةِ "سلام" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةِ "قزٍّ"، فاستبدَلَتْ شاعرتُنا القَزَّ، وهو مَعنًى سامٍ بدودةٍ وهي أقلُّ سُمُوًّا، وهنا واءَمَتِ الشّاعرةُ بينَ الألفاظِ، فالقَزُّ يَحتاجُ للتّوتِ، تمامًا مثلَ المُواءمَةِ بينَ الشّاعرةِ والقدس، فللتّوتِ أحضانٌ كما للأمّهاتِ، فالقدسُ صوّرَتْها شاعرتُنا بيمامةِ قزٍّ، بدَلَ دودةِ قزٍّ بهَديلِها الحزين.
وفي ضوءِ ذلكَ كلِّهِ، يُمكِنُ أن نفهَمَ دعوةَ غير واحدٍ مِن نُقّادِ الحداثةِ الشّعريّةِ، إلى لغةٍ شِعريّةٍ مُتّزنةٍ أصيلةٍ مُخلِصةٍ للعربيّة، بقدْرِ إخلاصِها للخطابِ الشّعريِّ في المشهدِ الثّقافيّ. فعلى الشّاعرِ كما يَرى الدكتور وهب روميه: أن يَخلقَ علاقاتٍ لغويّةً جديدةً، دونَ أن يَخِلَّ بقوانينِ الّلغةِ وأنظمَتِها، وأنْ يُزلزلَ التّقاليدَ الأدبيّةَ أو يُعدّلَها وِفْقَ الحاجةِ.
وفي هذا الصّدد يقولُ الدّكتور نعيم اليافي، أنا معَ التّطوُّرِ والتّجديدِ والحداثةِ الشّعريّةِ إلى آخِرِ مدى، شريطةَ أنْ يَتمَّ ذلكَ ضِمنَ خصوصيّتي القوميّةِ، وتُراثي الثّقافيّ، ولغتي العربيّة. 
أمّا نازك الملائكة فتقولُ: نحنُ نرفضُ بقوّةٍ وصراحةٍ أن يُبيحَ الشّاعرُ لنفسِهِ أنْ يَلعَبَ بقواعدِ النّحوِ، إنّ كلَّ خروجٍ على القواعدِ المُعتبَرَةِ يُنقِصُ تعبيريّةَ الشِّعرِ(11)، وهذا النّهجُ الّلغويُّ سارتْ عليهِ شاعرتُنا آمال.
(تَلْتَهِمينَ أَوْراقَ نُوري الْغافي/ تُشَرْنِقينَني عَناقيدَ حَياةٍ): كنايةً عن أنّ القدسَ تغزلُ شرانقَ الحياةِ الحريريّةِ، والنّورُ رمزٌ للحُرّيّةِ والتّحرُّرِ، فللنّورِ أوراقٌ ويَغفو، وللحياةِ عناقيدُ تتشرنَقُ. (تَدَلَّتْ وَشْمَ ضَبابٍ فِي مَنْفى تَكْويني!): وعناقيدُ الحياةِ في القدسِ تدلّتْ وظهَرَتْ كما الوشمُ، لكنْ تَلُفُّهُ غيومٌ ضبابيّةٌ بفِعلِ الاحتلالِ، وقدْ حَذفَتِ الشّاعرةُ أداةَ التّشبيهِ وهذا أبلَغُ، وهنا تتزاحَمُ الاستعاراتُ العذبةُ بصورةٍ مُبتَكَرَةٍ جديدةٍ، فللحياةِ عناقيدُ كما للعِنبِ وتتدلّى، وتُوشِمُ كوشْمِ الإنسان، وتكوينُ الشّاعرةِ لهُ مَنفى.
(تَسامَيْتِ عِطْرَ ضَوْءٍ وَحْشِيٍّ في ثُقُوبِ مَدايَ الْمُلْتَهِبَة): لقد أجْرَتْ شاعرتُنا تبادُلًا بينَ مُعطياتِ الحَواسِّ، فأخضَعَتِ الضّوءَ الّذي يَخُضَعُ لحاسّةِ البَصرِ، أخضَعَتْهُ لحاسّةِ الشّمِّ "عطرَ ضوْءٍ"، على طريقةِ الرّمزيّينَ وهذا أبلَغُ، فالضّوءُ مُوحِشٌ، ومدى الشّاعرةِ مُلتَهِبٌ وَمَثقوبٌ، وعباراتٌ واستعاراتٌ تَلُفُّها غيماتُ حزنٍ بسببِ الاحتلالِ، بلُغةٍ تَجاوَزتْ فضاءَ المَعنى، وتَصرّفتْ بها شاعرتُنا، وهي تُحافِظُ على سلامةِ بنائِها.
(وَما فَتِئْتِ أُسْطُورَةَ حُلُمٍ/ تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي في رِياضِ التَّمَنِّي!): فالقدسُ وبيتُ لحمَ حُلمُ الشّاعرةِ الأسطوريُ، وفي عبارةِ "تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي" كنايةً عن تقديسِ الشاعرةِ للمدينتَيْنِ المُقدستَيْنِ، وهنا جُملةٌ مِن الانزياحاتِ، عِمادُ كُلٍّ منها الّلغةُ المُوحِيةُ، فلِلحُلمِ أسطورةٌ، ولرموشِ الشّاعرةِ تكايا كما للمُتصوِّفينَ، وللتّمنّي رياضٌ، فالشّاعرةُ تتمنّى حرّيّةَ فلسطينَ عامّة والمُقدَّساتِ خاصّةً.
(إِلامَ أَطْيافُ عَصافيري تَدْبَغُها قُرْمُزِيَّةُ حَلَقاتِكِ/ عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة؟): الشّاعرةُ تَنتقلُ للأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التّعجُّبَ، والعصافيرُ رمزٌ للأطفالِ والنّاشئةِ الّذينَ يَطوفونَ في حلقاتِ التّمنّي والأحلامِ والصّلوات، ويُخاطِرونَ بأرواحِهِم في سبيلِ الوصولِ للمَسجدِ الأقصى وكنيسةِ القيامةِ والدّفاعِ عنهُما، "عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة": كنايةً عن التّفجُّعِ والتّوجُّعِ بسببِ تَصرُّفِ الاحتلال.
(خُيُولُ جِنّي الْفاتِنَةُ/ تَرْمُقُ كَمالَ خَطايايَ في كاتِدْرائِيَّاتِ غُمُوضِكِ): كنايةً عن إسراعِ الشّاعرةِ للمَدينتَيْنِ المُقدَّستَيْنِ وأماكنِ العبادةِ فيهِما مِنْ مَساجدَ وكنائسَ، وفي عبارةِ "خُيُولُ جِنّي" انزياحٌ إضافيٌّ، فللخطواتِ كَمالٌ وعيونٌ تَرمُقُ، وللمدينةِ غموضٌ، وقد ذَكرَتِ الشّاعرةُ الجزءَ "الكاتدرائيّات"، وأرادتِ الكُلَّ "المَدينتَيْنِ أو فلسطين"، مجاز مرسل علاقته الجزئية. لغةٌ رصينةٌ لا تَخرجُ عن أبنيتِها، لكنَّ شاعرتَنا بمَعرفتِها لأسرارِ الّلغةِ، تُحَمِّلُها المَعانيَ العميقةَ والمَضامينَ الكبيرةَ، عن طريقِ تحويلِها لمعاني الّلغةِ العادّيّةِ إلى مَعانٍ شِعريّةٍ. (وَلَمَّا أَزَلْ أَرْسمُني احْتِيالَ مَغْفِرَةٍ تُهَدْهِدُني/ عَلى حَواشي هَيْكَلِكِ الْمَسْحُورِ): كنايةً عن أنّ الشّاعرةَ تُريدُ أنْ تَتعبَّدَ وتَطلُبَ مِنَ اللهِ المغفرةَ في بيوتِهِ المُقدسةِ الّتي تَسْبي اللُّبَّ والوجدان. نرى أنّ الشّاعرةَ قدِ انتقلَتْ في السّطورِ القليلةِ السّابقةِ للأسلوبِ الخبَريِّ؛ لتأكيدِ ذاتِها وتبيانِ قوّتِها في وجهِ الأعاصيرِ وتقديسًا للمدينتَيْنِ، وإجلالًا وتعظيمًا لربِّ العزّةِ، وهنا استخدَمَتْ حرفَ الجَرِّ الزائدِ "مِن"؛ ليُفيدَ تأكيدِ أن لا بديلَ لشاعرتِنا غيرَ اللهِ والاستغفار. وهنا قَدّمَتْ ما حقُّه التأخير"من بديل" وهو خبر ليس، على ما حقُّهُ التّقديم "سواك" وهو اسمُ ليس، وهذا انزياحٌ تركيبيٌّ فيهِ الجَمالُ الأسلوبيُّ، وبيانُ أهمّيّةُ المُتقدّم.
وتقولُ: (عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ): كنايةً عنِ السّاسةِ الكذّابينَ المُتملّقينَ الوصوليّينَ الّذينَ يَتلاعبونَ بالأوراقِ والمَصائرِ، وقد استخدمَتِ الشّاعرةُ أسلوبَ الحذفِ، فحذَفَتِ المبتدأ والتقدير "هُمْ عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ". (يَسُوسُونَ دَمِي بِأَحْذِيَةٍ مَجْرُوحَةٍ): كنايةً عنِ استخفافِ السّاسةِ بعُقولِ النّاسِ وامْتهانِهِم للكرامةِ، وذَكَرَت الشّاعرةُ الدّمَ "السّبب"، وأرادتْ بهِ المُسبِّبَ "الحياة"؛ مجاز مرسل علاقته السببيّة، وهذا انزياحٌ عذبٌ، فالدّمُ يُساسُ، وللأحذيةِ جُروحٌ كما للكائنِ الحيّ، وهذهِ عباراتٌ تتجاوزُ فضاءَ الّلغةِ بحَقٍّ، ولقدْ تَكرَّرَ صوْتا كلٍّ مِنَ الصّامتِ "السّين" والصّائتِ الطّويلِ "الواو" في كلمةِ "يسوسونَ"، لخلقِ إيقاعٍ جميلٍ.
(وَبِأَسْمالٍ عُشْبِيَّةٍ يَتَقَرَّبُونَ اغْتِفارًا): كنايةً عن صورةِ الخوَنةِ والمُندَسّينَ في صفوفِ الشّعبِ الفلسطينيّ، وهي صورةٌ مُناقِضةٌ للصّورةِ الّتي ذَكَرَتْ فيها شاعرتُنا يمامةَ القزِّ، والمُتمثّلةَ في المؤمنينَ ممّنْ يَلبَسونَ الأثوابَ الفلسطينيّةَ الحريريّةَ المُضيئةَ الطّاهرة.
(عَلى عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ!): كنايةً عن تواطُؤِ المُسؤولينَ وتَمَسُّكِهِم بالمُقدَّساتِ تظاهُرًا ومُراءاةً، وذَكرَتِ الشّاعرةُ "العتباتِ" الجزءَ، وأرادتْ بها "الأماكنَ المُقدّسة" الكُلّ، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة، وتَتلاعَبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ، فنلحظُ الجِناسَ غيرَ التّامِّ بينَ كلٍّ مِنَ "العتباتِ" و"العتاب"، لتوليدِ إيقاعٍ مُناسِبٍ في المقطوعةِ. واستخدَمَتْ صيغةَ الفِعلِ المُضارعِ المَرفوعِ المُتّصلِ بواو الجماعة، في كلمَتَيْ "يَسوسونَ" و"يَتقرّبونَ" وبنفسِ الوزن؛ لتوفيرِ إيقاعٍ في النّصِّ يَسري في عروقِ المَقطوعة، وفي عبارةِ "عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ" انزياحانِ جميلانِ، انزياحٌ إضافيٌّ وآخَرُ في الصّفة.
(تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ عَلى قِمَمِ الاحْتِضارِ): كنايةً عن انكشافِ زيفِ وخِداعِ الخوَنةِ، وعدَمِ طُهْرِ مَن يتآمَرُ على بَني وطنِهِ. "تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ": كنايةً عن فضائِحِهِم وتَعَرِّيهِم وانكشافِهِم. و"قِممُ الاحتضارِ": كنايةً عن قُرْبِ نهايةِ حُكمِ المسؤولينَ المُخادِعينَ لشُعوبِهم، وقُرْبِ نهايةِ العُملاءِ، فللاحتضارِ قِممٌ، وهنا انزياحٌ إضافيٌّ في عبارة " قِمَمِ الاحْتِضارِ". (وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ): فالعملاءُ والفاسدونَ مِن ذوي السّراويلِ المَثقوبةِ يَتظاهرونَ كأنّهُم فحولٌ، ويَرغون رغْيَ الجِمالِ بالرّغمِ مِن عدَمِ طُهْرِهِم، إلّا أنّ وسائلَ الإعلامِ تَجتَرُّ أخبارَهُم وتُلَمِّعُهُم، وتَجعلُ أسماءَهُم مُخمليّةً ثمينةً، وفي هذهِ العبارةِ انزياحٌ تركيبيٌّ، وهو مُخالفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظامِ الجُمَليِّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموح بها في الإطارِ الّلغويّ كالتّقديم والتّأخيرِ، وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّم، وأعمقُ دلالةً في أنْ تأخذَ العبارةُ المُتقدّمةُ فضاءَها الّلغويَّ الواسعَ، فقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ" وحَقُّها التّأخيرُ، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ "تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ"، وحقُّهُما التّقديمُ، وهذا في العادةِ ما يَشمَلُ النّصوصَ ذاتَ البُعدِ السّياسيّ. وهذا النّصُّ ذو بُعدٍ سِياسيٍّ، ولننظُرْ لاستعاراتِ الشّاعرةِ الجديدةِ في كلِّ سطورِها هنا وفي غيرِها، فهيَ تَحمِلُ كلُّها مَعانٍ وتَعابيرَ تُسافرُ بها أقصى فضاءاتِ الّلغةِ، فللاجترارِ قيلولةٌ، والأسماءُ مُخمليّةٌ وترغي.
(وَلا تَنْفَكُّ سَماواتُكِ تُرْضِعُهُم أَمْطارَ طُهْرِكِ الرَّؤُوم!): واستخدَمَتِ الشّاعرةُ عبارةَ "ولَا تَنْفَكُّ" لتُفيدَ الاستمراريّةَ، فالسّماءُ مُستمِرّةٌ في الإرضاعِ الطّاهِرِ، وهنا مَجازاتٌ واستعاراتٌ تأخذُ مَداها في فضاءِ الّلغةِ، فالسّماءُ تُرضِعُ وللطُّهرِ أمطارٌ كالأمِّ الرّؤوم.
(يَا ابْنَةَ النُّورِ الْمُوغِلَةَ فِي النَّارِ): كنايةً عن الأراضي المُقدّسةِ، وهُما مدينتا القدس وبيتَ لحم، والّلتانِ في قبْضةِ المُحتَلِ ونيرانِهِ المُوغلةِ، ولقدِ استخدَمَتِ الشّاعرةُ أسلوبَ النّداء؛ ليُفيدَ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ المَدينتَيْنِ، وذَكَرَتِ الشّاعرةُ المَكانَ "المدينتَيْنِ" وأرادتْ مَن فيهِما، مَجاز مرسل علاقته المكانيّة أو المَحلّيّة، واستخدمَتِ الانزياحَ الإضافيَّ في المُنادى "يا ابنةَ النّورِ". و"في النّارِ"، رمزٌ لِما يَحصلُ مِن حربٍ وقتْلٍ وسَفْكٍ، فتتحوّلُ مدينةُ النّورِ والسّلامِ، لمدينةِ نارٍ وحربٍ، ولْنتذَكّرْ أنّ الشّاعرةَ تتكلّمُ بلسانِها، لكن "أنا الشّاعرة" تتحوّلُ لتُصبحَ "أنا الشّعب". (فَدَتْكِ أَجْنِحَةُ الرَّحْمَةِ أَبَدِيّةَ الرَّجاءِ!): وهنا رمزٌ للعودةِ إلى ميلادِ السّيّدِ المسيح، وظهورِ المَلائكةِ يُمَجِّدونَ اللهَ هاتفينَ: "المجدُ للهِ في العُلا، وعلى الأرضِ السّلام، وفي النّاس المَسرّة"، وهو الهُتافُ المَلائكيُّ، وصلاةُ المؤمنينَ والدّعوةُ بالشّفاعةِ. وهي كنايةً عن الاستغاثةِ باللهِ، والدّعواتِ الصّادقةِ بتخليصِ المَدينتَيْنِ مِن قبْضةِ الاحتلال، وتفتدي الشّاعرة بنفسِها مِن أجلِهِما، كما يَفتدي المُؤمنونَ بأنفسِهم أيضًا.
"فدَيْتُكِ": دعاءٌ للمُخاطب، وكانتْ هذهِ العبارةُ تُستعمَلُ قديمًا؛ بمعنى فديْتُكِ بمالي مِن الأسْرِ، واستخدَمَها إبراهيم طوقان على سبيلِ التّهكُّمِ، وهو يُخاطِبُ أحمد شوقي ردًّا على قوْلِهِ: قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التّبجيلا/ كادَ المُعلِّم أنْ يكونَ رِسولا. فقالَ لهُ: اُقعُدْ، وأنا أفديكَ مِنَ الوقوفِ، فلا يَستأهِلُ مُعلّمُ الصّبيةِ هذا وقوفَك. ومعناها "أقَدَّمَ رُوحَي فِدىً فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ بِلاَدِي، وخاصّةً المدينةَ المُقدّسة، وتُبدي الشّاعرةُ تَمَسُّكَها بحِبالِ الله، و"فَدَتْكِ" تُفيدُ الدّعاءَ، وتُشَبِّهُ شاعرتُنا الرّحمةَ بطائرٍ لهُ أجنحة، كنايةً عن رحمةِ الله.
(ها ثَمِلَةً.. تَغْفُو قَنادِيلُ الرُّعاةِ عَلى حُفُوفِ مَراعيكِ/ ها مُنْهَكَةً.. تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ عَلى كُفُوفِ يَراعِكِ/ وَسُجُودًا مَشْطُورًا/ مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ/ تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!): صورةٌ تَعودُ إلى بيتَ لحم مدينةِ المَهْدِ، حيثُ الرّعاةُ حولَ مغارةِ الميلادِ، والمَلائكةُ والعذراءُ مريمُ والطّفلُ المولودُ، وفي هذا المَقطعِ إشارةٌ أخرى إلى كنيسةِ المهدِ في بيتَ لحم، وهذا المَقطعُ الكُلّيّ يُعيدُنا إلى حِصارِ الإسرائيليّينَ لكنيسةِ المَهدِ عام 2002م، وهُم يُحاصِرونَ المُدافِعينَ الفلسطينيّينَ، عندما تَحَصّنوا فيها. "ها" حرفُ تَنْبِيهٌ تَفْتَتِحُ العربُ بهِ الكلامَ للاستفتاح. و"قَناديلُ الرُّعاةِ": كنايةً عن مدينةِ بيتَ لحمَ المُقدّسةِ ومَنْ يَحرُسُها. و"حُفُوفِ مَراعيكِ": كنايةً عن أماكنِ العِبادةِ في تلكَ المدينةِ المُقدّسةِ. وفي هذا السّطرِ انزياحٌ تركيبيٌّ يَتمثّلُ في التّقديمِ والتّأخيرِ، وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّمِ، وأعمَقُ دلالةً في أنْ تَأخُذَ العبارةُ المُتقدّمةُ فضاءَها الّلغويَّ الواسعَ، فقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ الحالَ "ثملةً" وحقُّها التّأخيرُ، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ والمَفعولِ به "تَغْفُو قَناديلُ الرُّعاةِ"، وحقّهُ كلٌّ التّقديم. ولْنتتبّعِ الكناياتِ والاستعاراتِ في كلِّ سطورِها هنا وفي غيرِها، فهي تَحملُ مَعانٍ وتعابيرَ تَنقلُنا لفضاءاتٍ لغويّةٍ رحبةٍ، مَعانيها فيها الجدّةُ والابتكارُ، فيها بَثٌّ للرّوحِ والحيويّةِ والتّصويرِ والتّشخيصِ والتّجسيمِ، فكأنّنا أمامَ فيلمٍ يَنقُلُ إلينا الوقائعَ بالصّوتِ والصّورةِ الحَيّة، فللرُّعاةِ والمُصلّينَ  قناديلُ تغفو وتثمَلُ، وللمَراعي وأماكنِ العبادةِ حفوفٌ. وترمزُ الشّاعرةُ بـ(اليراع) للأطفالِ الفلسطينيّينَ، وللطفولةِ المَهدورةِ الّتي أنهَكَتْهُم سِنو الاحتلالِ، ولكنّ الفلسطينيَّ رغمَ المآسي، لا زالَ يَفتخِرُ بهِم كعنوانٍ للتّحدّي والصّمود.
وتعودُ الشّاعرةُ للتّكرارِ، فقدْ كرّرَتِ الحرف "ها"، وجانَسَتْ بينَ كلٍّ مِنَ "الدّعاة" والرّعاة"، ووازنَتْ بينَ جُملَتَيْ "قناديلُ الرّعاةِ "وترانيمُ الدّعاة"، كلُّ هذا لتوفيرِ إيقاعٍ موسيقيٍّ يُغذّي النّصَّ ويتسرَّبَ في مَفاصِلِهِ، وهنا جُملةٌ مِنَ الانزياحاتِ المُتمثّلةِ في الكناياتِ والاستعاراتِ والمَجازِ المُرسل، كلُّها مُتتابِعةٌ مُتلاحِقةٌ، لتأخذَ ألبابَنا إلى فضاءٍ لغويٍّ مُبتكَرٍ سامِقٍ، فلِليَراعِ كفٌّ، وفي هاتيْنِ الّلفظتَيْنِ ثلاثةُ انزياحاتٍ: انزياحٌ إضافيٌّ، واستعارةٌ مَكنيّةٌ، ومَجازٌ مرسل علاقته الجزئيّة، والمُتلقّي سوفَ تأسُرُ لبَّهُ، وتأخذُ بتلابيبِ عقلِهِ في رحلِتِهِ للّغةِ وفضائِها الرّحب، وما تَحتمِلُهُ مِن مَعانٍ، وللدُّعاةِ والمُصلّينَ ترانيمُ وألحانٌ، وهي تفيقُ وتَسهو كما الإنسان. لقد قدّمَتْ ما حقُّهُ التّأخيرُ وهو الحالُ "مُنهَكة"، على ما حقُّهُ التّقديمُ "الفِعل والفاعل" تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ". وقدّمتْ أيضًا ما حقُّهُ التّأخيرُ وهو الحال "مُنْهَكَة"، على ما حقُّهُ التّقديمُ المبتدأ، والخبر "مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!" والهدفُ التّأكيدُ على تعلُّقِ المُؤمنينَ الفلسطينيّينَ بعِباداتِهِم ومُقدَّساتِهم، ولِخلْقِ جوٍّ جَماليٍّ يُسحِرُ لُبَّ المُتلقّي ووجدانَهُ في هذا الفضاءِ الّلغويِّ العذب. ولْننظرْ لروعةِ التّصويرِ والتّجسيمِ، فلِلكلماتِ ملكاتٌ كما النّوابغُ، وهُنّ عذارى كالفتيات، تتوسّدُ بخشوعٍ وخنوعٍ لرَبِّها وبارئِها، وما زالتِ الشّاعرةُ تتّكئُ على الأسلوبِ الخبَريّ تأكيدًا لذاتِها، ولتُبَيِّنَ مدى ارتباطِها بدينِها السّماويّ ومُقدّساتِها الغالية.
(أَتُضيئينَني مُسْتَحيلًا شَهِيًّا في طَوابينِ الْوَرَق؟): وتنتقلُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثّلِ في النّداءِ الّذي يُفيدُ السّخريةَ والاستهزاءَ، فالاتّفاقيّاتُ الّتي أفقدَها الاحتلالُ مِن مَضامينِها لا تَعنيها بشيْءٍ. (أَلا يَتَبَرْعَمُ بِكِ غَدي.. وَأَتَوَرَّق وَطَنا): وهنا تُصِرُّ الشّاعرةُ على حقِّها بوطنٍ يتجدّدُ بجَمالِهِ وتَشعُرُ بالدّفءِ في أحضانِهِ، ترنو لمستقبلٍ حُرٍّ تنطلِقُ في رِحابِهِ، يَتبرعَمُ ويتجدَّدُ كما الشّجرة، فلِلّهِ درّ شاعرتنا في تَمكُّنِها مِن زمامِ فضاءِ لغتِها: فالغدُ يَتبرعمُ ويتجدّدُ كما الأشجار، والوطنُ يُورِقُ كما الورود والرّياحين، وقد بدأتْ شاعرتُنا سطرَها بـ "ألا"، وهو حرفٌ يُفيدُ الطّلبَ بالتّحضيضِ أو الّلين.
(رَبَواتُ مَلائِكَةٍ تَجْثُو مُتَلَعْثِمَةً في خِبائِكِ السَّماوِيِّ/ وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ/ تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ/ تَسْتَفيقُ في نَداها عَرائِسُ جَنَّتي تَبْتَهِلُ:/ الْمَجْدُ لِطُولِ أَناتِك يا ثَدْيًا أَرْضَعَني أَناك): في أسبوعِ آلامِ السّيّدِ المسيح– عليه السّلام– تُردِّدُ الملائكةُ والمُؤمنونَ داعينَ ربَّهُم وقائلينَ: "المجْدُ لطولِ أناتِكَ يا ربّ"، وهنا تسترسِلُ الملائكةُ، ويَدعو المُؤمنونَ ربَّهُم، ورباطُهُم الرّوحيُّ مَتينٌ معَ الواحدِ الأحدِ والفردِ الصّمد بعباراتٍ ذاتِ دلالاتٍ دينيّةٍ، كما في نحو: رَبَواتُ مَلائِكَةٍ، خِبائِكِ السَّماوِيِّ، بِثِمارِ الصَّلَواتِ، سمائك، المجد.. وكلُّها عباراتٌ ذاتُ سِمةٍ دينيّةٍ تحمِلُنا إلى فضاءاتٍ واسعةٍ، وهنا الشّاعرةُ تَشعُرُ بلذّتِها الرّوحيّةِ في الاستغراقِ بالذّاتِ الإلهيّة، لتتحَوّلَ حياتُها إلى جنّةِ نعيمٍ، كما العروسُ تَزهو بليلةِ عُرسِها. وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ بينَ كلٍّ مِن "أناتِك" و"أناك"، لِما في الجِناسِ مِن أثَرٍ إيقاعيٍّ، وتَزخَرُ السّطورُ بالاستعاراتِ: فربَواتُ الملائكةِ تجثو وتتلعْثمُ، وللّسانِ أفنانٌ وأغصانٌ، وللصّلواتِ ثمارٌ كما الأشجار، وللسّماءِ فاكهةٌ تستفيقُ، وللجنّةِ عرائسُ نديّةٌ، وللسِّلمِ لسانٌ ناطقٌ. ولم تكتفِ الشّاعرةُ بذلك، فوظّفَتِ الكناياتِ والمجازاتِ.
في جُملة "في خِبائِكِ السَّماوِيِّ"، وَ "يا ثدْيًا أرْضَعَني": كنايةً في كلٍّ عن عطاءِ اللهِ. وفي عبارةِ "أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ": مجازٌ مُرسل علاقته السببيّة، فذكرَتِ "الّلسانَ" وهو سببٌ في الكلام أو علاقتِهِ الآليّةِ، على اعتبار أنّ الّلسانَ آلةُ الحديث. 
(وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ/ تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ): وهنا تُبرِزُ الشّاعرةُ العلاقةَ بينَ السّماءِ والأرض، وبينَ اللهِ والبرايا، فألسِنَةُ المُؤمنينَ تتضرّعُ وتتشعّبُ بصلواتِها، فهي كالأفنانِ والأغصانِ المُزهِرةِ والمُثمِرةِ الّتي تُنضِجُها السّمواتُ ببرَكتِها. وهنا تتّكئُ الشّاعرةُ على صيغةِ الفِعلِ المُضارع، لِما فيهِ مِن استمراريّةٍ وبَثٍّ للحيويّةِ والنّشاطِ في نحو: يَجثو، يَتلجلجُ، تَندلعُ، تستفيقُ، تَبتهِلُ، ونلحظُ أنّ هذهِ الأفعالِ مَبدوءةٌ بالصّامت تاء المضارعة أو الياء؛ لتوليدِ ال

48
قراءات نقدية
الرواية من الداخل في آخر أعمال برهان الخطيب


د. صالح الرزوق



saleh alrazukفي رواية برهان للخطيب الأخيرة (الحكاية من الداخل) صراع بين العلن والأسرار. بين أن تكون مراقبا ومفضوحا وان تكون متكتما على أسرارك وتفاصيل حياتك. وبين هاتين النقطتين ينشأ صراع، يقود المؤلف الذي يشعر باليد الخفية التي تطارده وتستبيح أسراره، إلى إعادة ترتيب مواقفه من الماضي في كل المجالات: سياسة وغرام. وصداقة وعداوات. وهذا يتسحب في نفس الوقت على أفكاره حيال أدبه والادب بشكل عام.
 
واقعية ومحاكاة أم رمزية وفن مضاد
لذلك إن هذه الرواية تقترب من الإشكالات التي تتلازم بالعادة مع بداية أي مشروع فني ليس له سوابق. وتحاول جهدها أن تكشف عن البيان الروائي والذي يتشابه مع بيانات جماعة كركوك أو حتى مع بيان الواقعية بصيغتها الأولى كما أسست له جماعة (درب إلى القمة) في سوريا عام ١٩٥٥.
و لا أريد أن أقول هنا إن برهان الخطيب ينسخ ممن سبقه أو يحاكي مغامرات أدبية أكل الدهر عليها وشرب. إنما يبدأ من نقطة القطيعة مع الماضي. وبالإنطلاق من سياسة تصفير المشاكل، مع تعديل بسيط، بحيث تصبح تصفير الماضي.
وهي نفسها السياسة المعروفة التي يسميها فوكو القطيعة المعرفية. ويقول عنها عالم الفيزياء التطبيقية هيرل: تحويل البنية.
إن الروائي في هذا العمل يسير في أرض مزروعة بالألغام. ولكنه يعرف كيف يتخطاها ليقدم في النهاية صياغة واضحة لأفكار بمنتهى الغموض. وهذا هو سر الدفء والجاذبية الخفيفة التي تربط جزئيات الذاكرة مع الوجود. والحياة التي نعيشها مع النص. وفن الرواية مع فن أدب السير والتراجم.
وهو بهذا الخصوص ينقلب على كل ماضيه، بمعنى يطوره، من (الجنائن المغلقة) وما قبلها، ويوسع ما بدأه بروايته الهامة (على تخوم الألفين).
ففي هذه الرواية يعلو صوت موسيقا اللغة وإيقاع التراكيب وجرس المفردات، ويحاول أن يقدم تجربة تذكرك بفن المقامات بكل أبعادها. ولا أستطيع أن أقول إنها تذكرك بجدار الصوت الذي يتبناه شعر الكلاسيكية الجديدة.
فالإيقاع في الشعر الكلاسيكي وشعر عصر النهضة السابق على حركة التحديث تفرضه رؤية مركبة ومتوازنة تعلو على الواقع النفسي. بمعنى أنها لا تعترف إلا بصورة الشاعر. وبما تتركه على السطوح العاكسة من انطباعات. بينما في هذه الرواية وما قبلها اهتمام مزدوج يؤاخي بين الصور والانفعالات.
زد على ذلك التعويل على القيم المثالية والرومنسية التي لا تخلو منها منطقتنا وفكرنا الشرقي. كتثمين مظاهر الرجولة المبكرة عند الصغار. والعنتريات في المواقف والتي تصل لدرجة التهور والحماقة، والبطولة التي تورد صاحبها موارد التهلكة.
وهنا أشير لعبارات شائعة نتداولها في الشارع ولها علاقة بجذور الدافع النفسي لثقافة التخلف. أو سلوك التعويض . فالنقص في الحضارة والثقافة نعوض عنه بلغة العضلات والغرائز. والعبارات التالية تدل على ذلك:
أناقة الصبي المشورب ص 16.
الصبي أبو شوارب المخشوشن الصوت. ص 18.
لا زلت نونو ص 22.
أو قوله في مجال التفاخر:
معلم إنكليزي معيّن بإرادة سامية من جلالة الملك ص 45.
وهكذا ينتظم إيقاع الأفكار المصمتة مع إيقاع تكرار الحروف.
إن الجرس الذي يتبناه برهان الخطيب في هذه الرواية وما قبلها يخلق إيقاعا رتيبا قد يضع ذهن القارئ تحت نوع من الإيحاءات والتوجيه بمشيئة الكاتب.
لكنه لا يدل على أي نوع من أنواع الإقحام أو الوصفات الجاهزة. إنه مجرد ترادف وتوازن. تابع ومتبوع. مادامت الحياة تسير الهوينى فاللغة تتحرك على أشواط.
وإذا كانت في الرواية العربية نماذج من هذا النوع ومنها كتابات جمال الغيطاني، فإن البنية والمرجعيات تبدو لي مختلفة تماما، فالمدونة التي طورها الغيطاني بالإنطلاق من تقاليد الكتابة المملوكية هي غير الإيقاع الذي يعكس عند الخطيب صوت تهشيم المرايا والسطوح العاكسة (وهو ما تجده بشكل سافر وبلا وسيط في فصل: المرآة حين تنكسر - ص١٢).
فعالم الغيطاني ينمو عن طريق توسيع الأحداث بغاية الإحاطة. بينما لدى الخطيب إنه يتهشم ويتساقط ليغطي القاع النفسي للحكاية. بحيث ترى الحبكة متداخلة. البداية تأتي بعد النهاية النهاية. ونقطة التنوير في مكان التمهيد. وهكذا...
إن روايات برهان الخطيب الأخيرة كلها تحمل بصمات الرواية الجديدة والتي لا تلتزم بقانون المتخيل. وتفرض عليه فوق ذلك الأبعاد النفسية للأشياء.
حتى أنك تحتار هل أنت حيال رواية أحداث أم رواية شخصيات.
وإن مثل هذا الدمج غير القانوني بين العناصر الأولية وأساسيات الخيال الفني تتبعه شخصيات تعاني من الارتباك في إدراك هويتها. بمعنى أنها تكون بنت اللحظة. ولا تعرف لمن تنتمي، وهل هي حاملة لهوية مركبة أم أنها تورطت في الفقدان والتغريب.
وطبعا هذا الخلل لا يعود على الرواية وإنما على الواقع وعلى الشخصيات المتخيلة، فقد كانت حاملة لعجز إدراك الواقع. واقعها. شأنها في ذلك شأن كل شريحة المثقفين في تلك الفترة من تاريخنا الحديث.
وليس في ذلك عيب أو حرام. حتى دوبوفوار رسمت صورة كئيبة وشديدة الإرتباك لهذه الشريحة في روايتها (المثقفون) الحائزة على الغونكور.
وكل من قرأ (الحكاية من الداخل) والتي سبقتها (غراميات بائع متجول) يلاحظ الظاهرة الشيزوفرانية للواقع وكيف عبر بطل الحكاية عن مخاوفه من نفسه، وإنكاره لنقطة تمفصله مع هذا الواقع.
كأنه مجرد رجع صدى. كأنه خيال مختلف مع الشخصية الأصلية. ومن هذه النقطة غالبا ينشأ حوار مسموع بين البطل وشخصية متخيلة ليس لها وجود مادي ولكن يفرضها الواقع المجزأ.
وهذا يعزز أول قانون من قوانين الواقع : أن ليس كل ما نفكر به يمكن قوله. ص 24 .
والراوي الذي يختفي وراء الشخصية الحقيقية لبرهان الخطيب نفسه يؤكد ذلك بمداخلاته الظريفة . مثل قوله:
مهلا بطلي المنتظر, لا تهمس واء سور النص (ص 38).
أو قوله بكل سفور: مهلا مهلا . ستوب. أيها الكاتب الكبير. . ماذا تسرد.. عيب عليك!. (ص 27).
كما لو أننا أمام بلانش دوبو في الفصل الأخير من مسرحية (عربة اسمها الرغبة) لتينيسي وليامز. حين يصيها خلل توازن نفسي ولا تريد الاعتراف بسقوط وانهيار طبقتها.
***
إذا كنا لا نجد مبررا فعليا لهذا السلوك في الكتابة غير التفرد أو الانصياع لرتابة الواقع. لأننا محكومون في كل جوانب حياتنا بايقاع جاهز لا محيد عنه، كما يقول برهان الخطيب في إحدى المقابلات معه، لا أجد أيضا السبب وراء اهتمامه بالماضي لبناء الشخصيات.
في هذه الرواية الدافئة ينبعث الماضي الوطني لصراع الأحزاب على السلطة في العراق ومشكلة التحول الدامي من الملكية إلى الجمهورية. وخلال ذلك تعرّج الرواية على محطات تغطي حياة كاتبها. من لحظة الولادة وحتى أمسية أدبية يشترك بها في غوتنبرغ ويلتئم فيها الشمل بين أصدقاء الأمس المنكوب.. الروائي وصديقه رافد وثالث لا نعرف اسمه. وعلى الأرجح أنه سوري ولقبه نمير.
وإن شئت الحقيقة إن عجلة الأحداث تدور للخلف، من نهاية الأمسية الأدبية ثم نحو أيام الطفولة وما تبعها.
لقد اختار برهان الخطيب في (الجنائن المغلقة) أن يعود لتفاصيل حياته نفسها.. أسباب الخروج، أو الاغتراب عن الوطن. ثم أسباب التنقل بين الشرق والغرب. والبحث عن هوية.
وتوجد أصداء لنفس الموضوع في روايته (غراميات باىع متجول).
فهل كان يخالجه الشعور أنه توجد فراغات في قراءته للماضي بشكل عام أم ينتابه الإحساس بفراغ الحاضر وضرورة استعادة الحكمة والمغزى الموجودة في الماضي بشكل خاص.
إن مثل هذه الرؤية ولا شك هي موضع جدل دائم. فالارتهان للماضي مشكلة بكل المقاييس ولا سيما إذا كنت ترى أنه مدعاة للتبجيل والاحترام.
إن مجمل روايات برهان الخطيب الأخيرة تتبنى مقولة: هذا الأسد من ذاك الشبل. بعكس سياسة تقديم السلف على الخلف فتقول: إن هذا الشبل من ذاك الأسد.
فهو لا يربط الابن بأبيه. ولكن يضع شخصيته الراهنة فوق يفاعته وبداياته.
بمعنى أنه يرسم قوسا يربط شيخوخته في المنفى بطفولته في مسقط رأسه. وبتعبير آخر: إنه يرسم أثر اختلاف المكان على الشخصيات. وليس تأثير النضوج بمرور الزمن.
وأجد أن هذه الرؤية الغريبة لفن السيرة تختلف عن كل ما عداها، ولنأخذ كمثال ثنائية جبرا (البئر الأولى) و(شارع الأميرات).
إن جبرا يستعيد صورته بواسطة تثبيت مشاهد من الماضي. ليبني في النتيجة تاريخ معاناة نموذج للمثقف العربي الذي اضطر للنزوح. وخلال ذلك يضعنا بصورة الأحداث الجسيمة التي قامت على مبدأ صناعة الفراغ ثم صناعة البدائل وما لحق ذلك من تحولات غيّرت من قناعاتنا.
أما برهان الخطيب ولا سيما في ثلاثيته: على تخوم الألفين، غراميات بائع متجول، والحكاية من الداخل فإنه يتكلم عن مبدأ تداول الأمكنة. إنه ينتقل بين خطوط العزل بحركة تيار متناوب. مثلما تقتضي كل أساليب تيار الشعور. دون أن يلحق ذلك تبدل في المعاني الحاكمة للذهن.
وهذا هو نفس القانون المتبع في الصيغة الأولى لـ (شقة في شارع أبو نواس). فهو يتابع حكاية ثلاث حجرات يقطنها ثلاثة طلاب. لكل منهم وضعية وجودية ضمن سياق الشرط البشري. وبتناوب فضاء كل شخص (حياته النفسية ومجاله الحيوي ضمن غرفته) يرتسم في الذهن فضاء الشقة ككل ومعاناتها الرموزية.
بتعبير آخر إنه لا يلقي الضوء على مراحل ولا أحقاب ولكن على تطور الحالة النفسية لمعاناة أبطاله بمطلق المعنى.
وإن مثل هذه المواقف الفنية التي تتجرأ على العقل وطرائق التفكير وعلى أسلوب تجريد الصور المحسوسة قبل أن تتحول لأفكار ومشاعر تؤكد أن حساسية برهان الخطيب تعكس شتى المواقف والنزعات. وتستجيب لضغط اللوبي وتتحداه أيضا.
ولا يمكن تفسير سبب إعادة كتابة بعض رواياته إلا بضوء الإحساس بقيمة هذا اللوبي الذي يسميه بـ "الكود الجديد لفهم الواقع كما هو عليه لا كما يريد المؤلف أو أحد شخصياته" مثلما ورد في رسالة شخصية ( بتاريخ 12-1-2015) .
ومثلما أصبح لكل بطل في رواياته الجديدة قرين أو خيال وتوأم يجادله، أصبح لكل عمل سابق توأم بصيغة معدلة، فـ "شقة في شارع أبو نواس" أعاد كتابتها بعنوان (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) و(الشارع الجديد) ظهرت بصيغة متحولة تحت عنوان (أخبار آخر العشاق). وقصصه المتفرقة أعاد كتابتها بصيغة معدلة تحت بند قصص رواية وبعنوان هو (أخبار آخر الهجرات).
وهذا وحده يبين لماذا اعتمد على تكنيك الفلاش باك وعلى أسلوب تحليل الطباع وبناء الشخصية من الداخل. ومن هنا يستمد عنوان آخر رواياته.

49

رواية جديدة للروائي العراقي محمد سيف المفتي، حملت عنوان " ظالمايا"


صدرت عن دار فضاءات في الأردن رواية جديدة للروائي العراقي محمد سيف المفتي، حملت عنوان
" ظالمايا"، وهي ثاني رواية تصدر للكاتب المقيم في النرويج، بعد روايته الاولى الجمال العربية على الثلوج القطبية التي صدرت عام 2007.
يفترض المفتي مدينة أسمها " ظالمايا "، ويسقط عليها ما اختزنته ذاكرته من مدن عاش فيها او زارها في المنطقة العربية، يقول عنها: " هي غزة، وحلب، والموصل، وغيرها من المدن التي انقسمت بين ظلام ونور، وجع وسرور، غنى فاحش وفقر متقع، قهرنا و تطرفنا و اقصائنا للآخرين، أفراحنا الساذجة بآمالنا الهشة واحزان لم يعد كثيرون يملكون غيرها في صراعهم المرير مع محيط يطبق عليهم انفاسهم، ظالمايا مدينة رافقت طفولتي، نشأت معي و نضجت في النرويج لتصبح رواية تجسد حياتك وحياتي... اهلًا بكم في عالم
  ظالمايا"
التنقيب في إنسانية الفرد، ونقلها للجمعي لتشكيل صورة مجتمع متخيل، اكتسبها المفتي في غربته الثلجية، وزاد بريقها عمله مديراً لمنتدى الثقافات في عام 1998 حتى 2000، و العمل السياسي في مجال دمج الاقليات في المجتمع النرويجي وعضويته في لجنة الخارجية التابعة لحزب العمال النرويجي و عضويته في مجلس بلدي في بلدية ايدسفول. ويواصل مشاهداته للتجارب الحياتية من خلال عمله الحالي مترجماً للغة النرويجية الى العربية والكردية، وما يقدمه من محاضرات في الارشاد والتطوير الذاتي..

محمد سيف المفتي ولد في العراق / نينوى عام 1964 حاصل على بكالوريوس محاصيل حقلية من كلية الزراعة في جامعة الموصل 1987 انتقل الى النرويج في عام 1997, درس الترجمة في جامعة Blinder  في اوسلوفي عام 2003 و حصل على الماجستير في الثروة السمكية عام 2006 من جامعة علوم الحياة في النرويج و أكمل دراسة الترجمة في المعهد العالي في أوسلو 2009-2014.



50

العالم بين النقد والموسيقى والرواية

د. وسام الداودي*

بعد ان استمع الموسيقار العظيم هايدن بالمعجب بنابليون بيتهوفن قبيل صممه يقود موسيقاه الصاخبة سألوه عن رأيه فيها فقال: لقد وضع بيتهوفن شخصيته في موسيقاه، ذلك جديد تماما، منذ اليوم كل شيء لن يكون كما في السابق... ذلك بالضبط ما يبدعه المعجب ببوتين الروائي برهان الخطيب بأعماله الروائية، بكلماته الصاعدة محكمة البناء، إذ يدخل فيها بل يمحورها حول سيرته الشخصية الغنية كشاهد على عصره، كدليل صادق إلى متغيرات كبرى يعيشها العالم اليوم عارضا وجهي الواقع من جانبيه الظاهر والخفي، ذلك ما نراه في روايته الجديدة تحت الطبع "الحكاية من الداخل" التي تنشر بعض مواقع على النت كموقع عينكاوة حلقات وأجزاء منها حاليا.

ذلك ليس عن مصادفة تاريخية بحت طبعا بقدر ما هو حاصل محصل في حساب دقيق لروائي، من غير تدقيق بكل مفاصل روايته تضيع بين يديه، يعني هناك أواصر تشابه عديدة في المقارنة الاستثنائية بين شخصيات بيتهوفن والخطيب نابليون وبوتين المتعرضة لصيرورة الأحداث من الخارج، من قدر، من قوة محورية مفترضة أو حقيقية لها ذات الجوهر في أكثر من لون، أو صيرورة تاريخية لو التاريخ يصير مؤمما بالكامل، حتمية تاريخية لو نصدق أحلام الشيوعيين، في مسعى لسحب ما تراه عن عقلنة للتاريخ أدبيا فلسفيا إلى مسار التاريخ ذاته المتحرك حاليا خطوة إلى أمام خطوتين إلى الخلف مدفوعا من مصالح واقتصادات وسياسات لا تعبأ للأخلاق العامة منذ العقد الأخير، كذلك ينسحب التشابه على طبيعة العصرين المختلفين وراء تلك الشخصيات، بما يوحي لها، بما يتسم من انقلابات مصيرية، إلى جانب توفر ناقد كبير يحدد مبكرا مسار الآتي، هايدن في حالة بيتهوفن، في حالة الخطيب علي جواد الطاهر يعلن منذ أواخر الستينات حزيران 1968 بمجلة ألف باء كذلك انظر كتابه "من حديث القصة والمسرحية" 1987 عن تفرد برهان الخطيب، وزميله محمد خضير، في الرؤية إلى التاريخ والأدب بين أقرانهما عموما.

تلك فكرة من مشهد عام، ومن مشهد خاص نرى تلك المقارنة مرتبطة بشخصية الروائي برهان الخطيب ارتباطا وثيقا فهو منذ صباه شغوف بالموسيقى الكلاسيكية، وبعد تخليه عن مهنته مهندسا بديوان رئيس مهندسي وزارة الإصلاح والتحاقه بمعهد الأدب العالمي في موسكو، يعتزل في غرفته بالقسم الداخلي كل سنوات الدراسة أغلب الوقت يستمع للموسيقى الكلاسيكية يضع رواياته الجسور الزجاجية، بابل الفيحاء، يدرس الأدب العالمي، في سعيه لاصطياد التاريخ وتحويله إلى إبداع روائي، ذلك يتبدى واضحا فيهما، في الروايات التالية، في آخر رواياته الصادرة اليوم من القاهرة بعنوان "غراميات بائع متجول"..

لكن إذا كان أمل بيتهوفن يخيب في نابليون بعد تنصيب نفسه إمبراطورا وتحوله إلى طاغية مرفوض من بيتهوفن ونابليون نفسه سابقا فإن برهان الخطيب يبقى على إعجابه بالقائد الروسي بوتين قبل وبعد النيل من النظام في روسيا تسفيرا بداية عام 1986 والحرب العراقية في ذروة أوارها؛ إذ نراه في روايته المذكورة، وهي عن الحياة الروسية أول البريسترويكا، يعلن صراحة تمجيده لبوتين، خذ ذلك المقطع من الرواية المنشور على مواقع عديدة من النت الذي يحقق قراءات وافرة كأغلب مواضيع الخطيب:

"الرؤوس متباعدة متقاربة مع اهتزاز العربة، طقطقة بلا نهاية متعبة، ثابتة الإيقاع متغيرة المعنى، وجوه مندفعة أحيانا في ذات الاتجاه فجأة، متطلعة لهدف يحققه منقذ مُنتظر، بوتين خفي، له أغنية أخرى في رؤوس الحالمين، فضة ذهب تتوالى على وجوه من أقمار وشموس، فوانيس المحطات عند اجتياز القطار هاربة، صور ضبابية تأخذ أصلان بعيدا عن هيلينا، يتشبث بها بنظرته العائدة، معادل المنفى امرأة واعدة، نقيض غربة مرعدة، تغيب تقترب الذات إلى الجوهر، هي معه أيضا لأسباب قد تُقهر، أطياف زاهية قاتمة تتلاشى في عدم، في عمق عينيها الجميلتين السحيق في وجهها مبدد الليل الرهيب..

يسأل أصلان جارته العجوز: كم توقّف إلى محطة ألكساندروف يا عمّة؟ تجيب محملقة في ارتياب:

- وأنت أعمى لا تدري.. واجبي أنا أن أعرف؟!.. ثلاث محطات إلى مهجومك الملعون! "

هل برهان الخطيب على صواب أم على خطأ في رؤيته؟ ذلك يعتمد كيف تريد أو تنظر إلى التأريخ، تريده دولة واحدة، هو على خطأ. تريده متعدد الأقطاب هو على صواب. فهو ينظر إلى بوتين منقذا لروسيا ومعها العالم، نظرة يتبناها اليوم حتى غورباتشوف أصل البلاء هناك في اعتقاد أغلبية الروس. إنما الأهم من ذلك أي على صعيد الفن هل ينجح برهان الخطيب في صياغة رؤاه على مستوى فني مقبول كما فعل بيتهوفن موسيقيا أو لا ينجح؟ الرد على ذلك عند الناقد، الأدق عند القارئ. فالناقد يصير مسيَّرا جزءا من التاريخ المسيَّر المسيِّر خلاف القارئ والروائي المتفرجين الشاهدين عليه، إنما المؤكد برهان لا يكتفي بدور المتفرج والشاهد بل ويسعى ليكون مساهما في صياغة التأريخ بما يقدم من رؤى وتصورات فنية تلامس كل الخطوط الحمراء وتتجاوزها أحيانا.

* أكاديمي عراقي في جامعة بطرسبورغ.

51
الصّورةُ والرّمزُ في قصيدة- فُسْتَانُ زَفَافِكِ اعْشَوْشَبَ كَفَنًا للشاعرة آمال عوّاد رضوان
بقلم الناقد: عبدالمجيد عامر اطميزة
كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ
تَغَشَّتْ أَمْواجِي.. بِأَشْواكِ الشَّمْسِ
وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا
وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ
بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ.. انْطَفَأَتْ صامِتَة!

عَلى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ
أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ.. بِكَوْنِ أَسْرَارِكِ
لِعَمِيقِ مَجْدٍ عَتِيقٍ مَسْلُوخ!

مَنَادِيلُ أَمَاسِيكِ جَارِحَةٌ
تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَرَاشَاتِي
بِتَنْهِيدَاتِ بِلَّوْرِهَا.. بِأَقْفَاصِهَا الْمُفَخَّخَةِ
كَيْفَ أُغَافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضَائِكِ
وَفِي قَوَافِي هَوَادِجِي.. أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلاَ تَنْطَفِئُ؟
مَوَاسِمُ وَيْلاتٍ ذَابَتْ أَحْبَارُهَا
فِي هَشِيمِ مَحَابِرِكِ الْمَغْدُورَة
دُوَاةُ الطُّهْرِ.. تَوَهَّجَتْ بِآثَامِهَا الشَّاحِبَة
وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها
أَكَأَنَّمَا شُرِّعَتْ.. لِطَرْفَةِ احْتِضَارٍ لاَ يَرْمشُ؟

أَيُّ جُنُونٍ ذَا.. يَرْتَجِي خُطَى التَّمَاثِيلِ تَمَهُّلًا؟
أَيُّ فَجْرٍ ذَا..يَتَشَرْنَقَ دَيَاجِيرَ مَنْفًى
عَلَى جُفُونِ الْمَغْنَى؟
كَيْفَ لانْحِنَاءَةِ زَفْرَةٍ.. تسْتَقيمُ شَهْقَةً
فِي فُؤَادِ الْمُسْتَحِيلِ؟

وِشَايَةُ سِرَاجِكِ..
أَسْرَجَتْ تَجَاعِيدَ زَمَاني.. بِمَرَايَا الْخَطَايَا
غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتِي.. بِأَدْعِيَةٍ ضَبَابِيَّة!

ضِحْكَةٌ مُتَثَعْلِبَةٌ ارْتَجَفَتْ.. طَيْشًا
وَ ا نْ هَ مَ رَ تْ
خَلْفَ سُدُودِ هَوَاءٍ جِدَارِيٍّ
كم تَهَالَكَ صَدَاهَا..
عَلَى قَارِعَةِ نَهْدِ عَاصِفَةٍ!

سَلْمٌ.. يَصْعَدُ دَرَكَاتِ سُلَّمِهِ
يَفُكُّ خِمَارَ انْتِظَارٍ.. تَوَارَى خَلْفَ أَزْرَارِ أَدْرَاجِهِ
وَيسَقُطُ عَارِيًا.. إِلّا مِنْ عُرْيِهِ!
لكِنَّهَا
مُدُنُ غُفْرَانِكِ الْمُقَنْدَلَةِ بِفُصُولِ خُيُولِكِ
أبَدًا.. مَا طَالَهَا زَبَدُ يَأْسٍ
وَإِنْ عُلِّقْتِ.. عَلَى أَسْوَارِ أَعْرَاسٍ مُؤَجَّلَةٍ
وَإنِ اعْشَوْشَبَ فُسْتَانُ زَفَافِكِ.. كَفَنًا
لَيْلِي اتَّقَدَ.. بِظُلْمَةِ حِكَايَاتٍ مَخْمُورَةٍ
وَبِرَعْشَةِ بَدْرٍ احْتَلَكَتْ ضَفَائِرُ شَحَارِيرِي
تَتَوَسَّلُ بُؤْرَةَ ضَوْءٍ.. أَغْلَقَهَا طِينُ الْعَتْمِ
لكِن..
غُبَارَ عَيْنَيْكِ طَوَى آمَالِي
تَعَرْبَشَ أَدْغَالَ احْتِرَاقِي
وَمِنْ عُمْقِ الظَّمَأِ انْبَثَقَ سَاقِي أَتْرَاحِي
يَعْتَصِرُ صَوْتيَ الْمَحْشُورَ.. فِي أَوْرِدَةِ الأَقْدَاحِ!

كَمْ مِنْ لَهْفَةٍ جَذْلَى.. تَلصَّصَتْ خُصُلاَتُها
عَلَى أَكْتَافِ الأَوْهَامِ.. وَمَا انْكَمَشَتْ!
أَيَا أَنْقَى الأَتْقِيَاءِ..
يَجْتَاحُنِي فَقْدُكِ التَّوْأَمُ!
كُوبُ  تَ بَ عْ ثُ رِ ي 
يَلْثَغُ عَلَى شِفَاهِكِ شَقَاوَةً:
أمَّاااااااهُ.. قَاطِرَاتُ وَجَعٍ..
 تَلَوَّتْ عَلَى سِكَّةِ يَقِينِي الْمُهْتَرِئَةِ
ملَاءَاتُ خَرَائِطِي..
تَنْقُضُنِي.. تَنْفُضُنِي مِنْ تَحْتِ عِطْرِ أَكْفَانِي
تُؤَرِّقُنِي.. تُورِقُنِي قَصَائِدَ عُمْرٍ مُقَنَّعٍ بِطَحَالِبِ طَلْعِكِ!
نَوَافِيرُ شِعْرِي مَا ازْدَهَرَتْ.. إِلَّا  بِحَرِّ حَرْفِكِ
يُمَوِّجُنِي بِسَطْعِ نَقَائِكِ

أَيَا أُقْحُوَانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي..
أَسْقِطِي أَسْنَانَكِ الرَّوَاضِعَ
قَلِّدِينِي بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسَامَةً
شُدِّينِي وَمْضَ نَقَاءٍ إِلَى عَيْنِ رَبِيعِكِ
وَفِي تَهَاويمِ مَجْدِكِ
أَنْبتِينِي أَيادِي طُفُولَةٍ.. تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ
لِتَسْتَوِيَ عَدْلًا عَلَى جُزُرِ النُّورِ!
ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: العنوانُ مُكوَّنٌ مِن مبتدأ؛ مضاف ومضاف إليه (فُسْتانُ زَفافِكِ)"1"، ومِن خبَرِ جُملةٍ فِعليّةٍ تلاها تمييزٌ منصوبٌ "كفنًا"، والفِعلُ سُداسِيٌّ "اعْشَوْشَبَ يَعْشَوْشبُ اعْشِيشابًا"، وبناؤُهُ لمُبالغةِ الّلازم؛ لأنّهُ يُقالُ عَشُبَ الأرضُ: إذا نبَتَ على وجهِ الأرض، ويُقالُ: اعْشَوْشَبَ الأرضُ إذا كثُرَ نباتُ وجْهِ الأرضِ.
العنوانُ مُوحٍ بما فيهِ مِن مُبالغةٍ، وتَساوي جُمَلِ كلٍّ مِنَ المبتدأ والخبر في عددِ الكلماتِ والوزن، ومِن انزياحاتٍ مُتتابعةٍ، ولْنَرْصُدْها. الشّاعرةُ تُخاطِبُ حبيبتَها فلسطينَ، فلم تُسنِدِ الزّفافَ لحبيبتِها مباشرة، فقد عدَلتْ عن ذلك، ونَسبَتْهُ إلى ما لهُ اتّصالٌ بها، وهو الفستانُ، كنايةً عن نسبة؛ وأيُّ فستان؟ هو فستانُ الزّفافِ، وهنا الانحرافُ والانزياحُ الجَماليّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ عبارةَ "فُسْتَانُ زَفَافِكِ"، يتوقّعُ أن يَسمعَ كلمةً دالّةً على الفرَح، لكنّهُ يتفاجأ بسَماعِ كلمةِ "اعْشوْشَبَ"، وعندما يَسمعُ كلمةَ "اعْشوْشَبَ"، يتوقّعُ أن يَسمعَ كلمةً دالّةً على النّماءِ والخُضرة، لكنّهُ يتفاجأ أيضًا بسماعِ كلمةٍ دالّةٍ على الفناءِ والسّوادِ "كفنًا": فالفلسطينيّونَ يتسلّحونَ بسِلاحِ الصّبرِ والأملِ والإيمانِ بعدالةِ قضيّتِهم، فالحبيبةُ ستحظى بعرْسٍ يليقُ بها، حتّى لو اعْشوْشَبَ فستانُ زفافِها، وعَلَتْهُ الطّحالبُ لطولِ انتظارِها لهذا العرْسِ. القصيدةُ مِنَ الشِّعرِ النّثريِّ مِن ديوانِ الشّاعرة الشّعريّ الثّالث "رحلةٌ إلى عنوانٍ مَفقودٍ"، حيثُ تخلّتْ عنِ الوزنِ ووحدةِ القافية.
تقولُ: كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ/ تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ/ وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا / وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة!/ عَلى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ/ أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ بِكَوْنِ أَسْرارِكِ / لِعَمِيقِ مَجْدٍ عَتِيقٍ مَسْلُوخ! ونلاحظُ أنّ الشّاعرةَ قدِ اتّكأتْ هنا على الفِعلِ الماضي: تغشّتْ، لملمَتْ، وسَمَتْهُ، انطفَأتْ، فالفِعلُ الماضي يَصلحُ للسّردِ القصصيّ والحوار. الشّاعرةُ تُحاورُ حبيبتَها، وتسرُدُ قصّتَها المأساويّة: بدأتْها بكوكبةٍ ضبابيّةٍ، تتمثّلُ في اتّفاقيّاتٍ وأوراقٍ وحِبرٍ أُبْرِمَتْ بينَ الفلسطينيّينَ والإسرائيليّينَ، ولكنّها غيرُ واضحةِ المَعالم، فهي تقولُ:
(كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ): كنايةً عنِ الاتّفاقاتِ الغامضةِ بينَ كلٍّ مِن إسرائيلَ والوفدِ الفلسطينيِّ المُفاوِض، فالوُعودُ والاتّفاقيّاتُ ساهيةٌ ونائمةٌ وغافيةٌ، والمُهيْمِنُ في الصّياغةِ الجانبُ الإسرائيليّ؛ للتّملُّصِ ممّا وَقَّع عليهِ والتزَمَ بهِ. وفي عبارةِ "وسائدَ ضبابيّةٍ" انزياحٌ إضافيٌّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ كلمةَ "وسائدَ"، يتوقّعُ أن تُضافَ لكلمةٍ مناسبةٍ لها، لكن يتفاجأ بوجودِ كلمةِ "ضبابيّةٍ"، وهذا السّطرُ حافلٌ بالاستعاراتِ والانزياحاتِ، فللوسائدِ جَماعاتٌ، ولها ضبابيّة.
(تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ): هذهِ الاتّفاقيّاتُ العائمةُ اجتاحتْ أفكارَ الشّاعرةِ المُتلاحِقةِ كما الأمواج، تَضربُ أحلامَ الحُرّيّةِ والتّحرُّرِ والانطلاق.
(أشواكُ الشّمس): كنايةً عن الأشواكِ الحارقةِ؛ بسببِ الوسائدِ المُوخِزةِ والمُوجِعةِ، والشّمسُ كنايةً عن الحُرّيّةِ والتّحرّرِ، والرّمزُ سِمةٌ أسلوبيّةٌ، وأحدُ عناصرِ النّصِّ الأدبيِّ الجوهريّةِ في نصِّ شاعرتِنا، ونراها تُنوِّعُهُ وتُعمِّقُهُ، وتجعَلُهُ مُسيطِرًا على لغةِ القصيدةِ وتَراكيبِها، وصُوَرِها وبُنياتِها المُختلفة، والرّمزُ؛ بشتّى صُورِهِ المَجازيّةِ والبلاغيّةِ والإيحائيّة، تعميقٌ للمَعنى الشِّعريّ، وكأنّي بالشّاعرةِ تريدُ أنْ تقولَ، بأنّ الاتّفاقيّاتِ مُلتويةٌ وغامضة، فهي تقُضُّ مضجعَ العودةِ ومخدّاتِ الأعراس.
(وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هَادِرَةٍ حِبْرًا): كنايةً عن الاتّفاقيّاتِ المُلتويةِ الغامضة، ويتكرّرُ كلٌّ مِن صوتَي الّلام والميم مرّتيْن في لفظةِ (لمْلَمَتْ)، وللتّكرارِ فوائدُ إيقاعيّةٌ، والّلملمةُ تحتاجُ لبعضِ الوقتِ، تمامًا كما عندَ نُطقِها تحتاجُ لبعضِ الوقتِ، للانتقالِ مِن صوْتٍ إلى صوتٍ آخرَ مُتقاربٍ لهُ، في مَدارجِ الأصواتِ ومَخارجِها عندَ النُّطقِ بكلِّ واحدٍ منهُما والرّجوع للآخَر، وهُما صوتا الّلام والميم المُكرَّرَيْنِ في الّلفظة..
(بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة!): كنايةً عن مواعيد تنفيذِ الاتّفاقيّات، الّتي يلتفُّ عليها مَن صاغَها، مَتى أرادَ وكيفما شاءَ، ومِنَ الانزياحاتِ الإضافيّةِ في السّطرِ السّابقِ، تَظهرُ في كلٍّ مِن "بِأَشْوَاكِ الشَّمْسِ" وَ "ألوان فراغك"، يَكمُنُ فيهِما عنصرُ المُفاجأة، الّتي يُنتجُها حصولُ الّلامُنتظر مِن خلالِ المُنتظر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يتلاءَمُ والمضاف. كأنْ يَتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "أشواك"، وجودَ مُضافٍ إليهِ مُناسِبٍ للأشواك، لكنّهُ يَتفاجأ بمُضافٍ إليهِ الشّمس"، وهكذا يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريذٌ بحت، يُوفّرُ المُتعةَ الجَماليّةَ للمُتلقّي.
ويَظهرُ التّشخيصُ والتّجسيمُ والتّصوير: فللشّاعرةِ أمواجٌ كما للبحرِ، وللشّمسِ أشواكٌ كما للوردِ، وللتّوبةِ هديرٌ وحِبرٌ، وهو الحبرُ الّذي خُطّتْ بهِ الاتّفاقيّاتُ الغامضةُ العائمةُ، الّتي تَستهدِفُ سَلْبَ الفلسطينيِّ كلَّ بقيّةٍ مِن حقٍّ، وللفراغِ ألوانٌ، وللمواعيدِ شعلةٌ تَنطفئُ..، ومِن خصائصِ شاعرتِنا الأسلوبيّةِ، صُورُها الشّعريّةُ المُتّكئةُ على الاستعارةِ، ويَكمُنُ في الاستعارةِ المُبالغةُ في إبرازِ المَعنى المَوهومِ لصورةِ المُشاهدةِ كما رأينا. والقضيّةُ الّتي تُشغِلُ بالَ شاعرتِنا آمال، هي قضيّةُ الشّعبِ الفلسطينيِّ وواقعِ الاحتلال، فهذا هو المَعنى الأصليّ، وقد صاغتْهُ بطريقةٍ فنّيّةٍ جَماليّة، عبّرتْ فيهِ عن الواقع الّذي تُعايشُهُ الشّاعرة، وهناكَ مَعنيانِ للشّعر: معنى أصليٌّ، وآخَرُ فنّيٌّ يَهتمُّ بالوظيفةِ الجَماليّةِ، وهي سِمةٌ مِن سِماتِ شاعرتِنا، وخَصيصةٌ مِن خصائصِ شِعرِ الحداثة. (إنّ الفنّ هو الأكثرُ قدرةً على تبيانِ ذلكَ الوعيِ وتجْسيدِهِ وتَمثُّلِهِ، ولا يتبدّى ذلكَ في طبيعةِ المُعالجةِ الجَماليّةِ للواقعِ فحسْب، بل يتبدّى أيضًا في التّقنيّاتِ الفنّيّةِ، الّتي ليستْ في الحقيقةِ سوى تَمظْهُرٍ حِسّيّ لِما هو مَعنويٌّ جَماليٌّ مُجرّد،  فثمّةَ إذًا؛ علاقة جدليّة بينَ الوعي الجَماليّ والشّكل الفنّيّ).
ومِن هنا، فإنّ مُقاربةَ ذلكَ الوعيِ لا تتمُّ على النّحوِ الأمثلِ، إلّا مِن خلالِ مُقاربةِ الشّكلِ الّذي هو الوعيُ مُتمَظهِرًا، أو لنِقُلْ: إنّ الشّكلَ الفنّيَّ هو شكلُ الوعيِ الجّماليّ، ولذلك، فإنّ أيَّ تبدُّلٍ في الوعي سوفَ يَنعكِسُ تبدُّلًا في الشّكل، غيرَ أنّ هذهِ المسألةَ لا تتمُّ ميكانيكيًّا، أو بطريقةٍ حتميّةٍ، فقد يَتمكّنُ الشّكلُ مِنَ استيعابِ تبدُّلاتِ الوعيِ غيرِ الجذريّةِ أو الجوهريّة.‏ وتأسيسًا على ذلك، فقد نظرنا إلى الحداثةِ الشّعريّةِ على أنّها حداثةٌ في الوعيِ الجَماليِّ أوّلًا، ولا يُمكنُ لنا فهمُ الاختلافِ والتّميُّزِ بينَ النّصّ الحداثيِّ مِن جهةٍ، والنّصِّ الكلاسيكيِّ والتّقليديِّ المُعاصِرِ مِن جهةٍ أخرى، ما لم نأخذْ بالاعتبارِ الاختلافَ والتّميُّزَ بينَ الوعي الجّماليِّ لكلٍّ منهما، ولكن، إذا ما كان الوعيُ الجَماليُّ هو المُنطَلَقُ في تبيانِ الحداثةِ، فإنّ هذا لا يُؤدّي بنا إلى إغفالِ الشّكل الفنّيّ(2).   
(عَلَى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ): كنايةً عنِ الموْتِ والدّمارِ والخرابِ الّذي يَحُلُّ بالفلسطينيّين. 
(أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ بِكَوْنِ أَسْرارِكِ): كنايةً عن موادّ الاتّفاقيّاتِ الّتي صِيغتْ، لتَحملَ مَعانيًا عميقةً وبعيدةً لصالح الإسرائيليين، يُؤَوِّلونَها متى شاؤوا ومتى أرادوا، وكيفما يحلو لهم.
وتقولُ الشّاعرةُ: (أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ) وَ (بِكَوْنِ أَسْرارِكِ): وفي كلِّ جملةٍ مِن الجملتيْنِ انزياحٌ إضافيٌّ، ويتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتجُها حصولُ الّلامُنتظرِ مِن خِلالِ المُنتظر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمضاف، وفي المُحصّلة، جعَلَتْ شاعرتُنا مِن هذا التّزاوُجِ قيمةً شِعريّةً وفنّيّةً مُميّزة. 
(لِعَميقِ مَجْدٍ عَتيقٍ مَسْلُوخ!): كنايةً عن أمجادِ فلسطين وتاريخِها العريق الّذي ذُبحَ وسُلخَ بفِعلِ الاحتلال، ونَلحَظُ الانزياحَ الإضافيَّ وما فيهِ مِن جَماليّةٍ في هذا السّطر. 
مُجمَلُ السّطورِ السّابقةِ تَحملُ فكرةً؛ تتمثّلُ في المُفارقاتِ الجَسيمةِ بينَ الأمسِ واليوْم، بينَ الحاضرِ والماضي، فصورةُ البحرِ والشّاطئِ وما نتوخّاهُ مِنَ استجمامٍ ومُتعةٍ، بلوْنِهِ ورطوبتِهِ وهدوئِهِ، وهديرِ أمواجِهِ وإيقاعاتِها المُتلاحِقةِ، وبجَمالِهِ وبشاطئِهِ وشمْسِهِ، صوَرٌ تبعثُ الهدوءَ والرّاحةَ، والبحرُ يُعيدُنا إلى المَجدِ العَتيقِ إلى ما قبل النّكبة إلى يافا؛ عروسِ البحر ومينائِها التّاريخيّ. واليومَ تَنقلِبُ الصّورةُ رأسًا على عقب، فلْنَنْظُرْ إلى غزّةَ وما تُعانيهِ مِن ويلاتٍ، والشّمسُ رمزُ النّورِ والحُرّيّةِ وكلِّ ما هوَ جَلِيٌّ، لكنّها غدَتْ نورًا شائكًا وحُرّيّةً مُؤلمةً، وبينَ المُتوقّعِ والواقعِ هُوّةٌ عميقةٌ وصورةٌ عكسيّةٌ، فالشّاعرةُ توَلّتْ دوْرَ العاشقِ الّذي يُخاطِبُ حبيبتَهُ فلسطينَ؛ بَحرَها، وماءَها، وموْجَها، وهواءَها ....
وعندما نقرأ شِعرًا لشاعرتِنا آمال عوّاد رضوان، سنجدُ الغموضَ يَلفُّ ألفاظَهُ وتَعابيرَهُ، وهذا ليسَ بغريبٍ، والغموضُ يَحتاجُ لكَدِّ الذّهنِ لدى المُتلقّي، لتوليدِ المُتعةِ الذّهنيّة، وهنا يَبرزُ دوْرُهُ عندَ الرّمزيّينَ، فمِنْ سِماتِ شِعرِ الحداثةِ الغموضُ.
(ويذهبُ خليل حاوي إلى أنّ ظاهرةَ الغموضِ ارتبطَتْ بتَحَوُّلِ الشّعرِ الحديثِ، مِن تقريرِ الأفكارِ إلى التّعبيرِ بالصّورة، فالشِّعرُ الأصيلُ يَقومُ على الإيحاءِ لا التّقرير والمباشرة، كما أنّ الشِّعرَ يَبحثُ عن الباطن، ولا يَقِفُ عندَ الظّاهرِ، لهذا كانَ الغموضُ صِفةً ملازمةً للشّعر(3). 
ويُرجِعُ أدونيس الغموضَ، إلى تَغيُّرِ مفهومِ الشِّعرِ في العصرِ الحديثِ، تبعًا لتغيُّرِ النّظرةِ إلى العالم، حيثُ "لمْ تَعُدِ القصيدةُ الحديثةُ تُقدِّمُ للقارئِ أفكارًا ومعانِيًا شأنَ القصيدةِ القديمة، وإنّما أصبحتْ تُقدّمُ حالةً أو فضاءً مِنَ الأخيلَةِ والصّوَرِ، ومِنَ الانفعالاتِ وتَداعياتِها، ولمْ يَعُدْ يَنطلِقُ (الشّاعرُ) مِن مَوقفٍ عقليٍّ، أو فكريٍّ واضحٍ وجاهز، إنَّما أخذَ يَنطلِقُ مِن مناخٍ انفعاليٍّ نُسمّيهِ تجربةً أو رؤيا"(4). 
وتقولُ شاعرتُنا: مَنادِيلُ أَماسِيكِ جارِحَةٌ/ تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَراشاتي/ بِتَنْهيداتِ بِلَّوْرِها.. بِأَقْفاصِها الْمُفَخَّخَةِ/ كَيْفَ أُغافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ/ وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ؟/ مَواسِمُ وَيْلاتٍ ذابَتْ أَحْبارُها/ في هَشيمِ مَحابِرِكِ الْمَغْدُورَةِ/ تَوَهَّجَتْ دُواةُ الطُّهْرِ بِآثامِها الشَّاحِبَةِ/ وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها/ أَكَأَنَّمَا شُرِّعَتْ لِطَرْفَةِ احْتِضارٍ لا يَرْمشُ؟/ أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلاً؟/ أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنَى؟/ كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً في فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟/ وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعِيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا/ غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة!   
(مَناديلُ أَماسيكِ جارِحَةٌ): كنايةً عن مناديلِ الأعراسِ والأفراح، والأماسي هي ليالي الأفراح، لكنِ انقلَبَ الحالُ بسببِ المآسي الّتي تَحُلُّ بالشّعبِ الفلسطينيّ، وأصبحتْ مناديلُ مسْحِ البكاءِ تَجرَحُ المآقيَ والعيونَ، فلِلمآسي مناديلُ جارحةٌ.
(مَناديلُ أَماسيكِ جارِحَةٌ): كنايةً عن الأفراحِ الّتي تحوّلتْ إلى أتراح، فـ"المناديلُ" رمزٌ للأعراسِ والأفراح، و"الأماسي" رمزٌ للَيالي الفرحِ في تلكَ الأعراس، والرّمزُ مَصدرٌ للإدهاشِ، والتّأثيرِ، وتجسيدٍ لجَماليّاتِ التّشكيلِ الشّعريّ، ولقد أحسَنَتْ شاعرتُنا بتوظيفِها للرّمزِ بشكلٍ جَماليٍّ مُنسجِم، واتّساقٍ فِكريٍّ دقيقٍ مُقنِعٍ، ليُسهِمَ في الارتقاءِ بشِعريّةِ القصيدةِ، وتَعميقِ دلالاتِها، وشِدّةِ تأثيرِها في المُتلقّي. (تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَراشاتي): و"الفراشاتُ" رمزٌ للعرائسِ الصّغيراتِ الثّكالى قبلَ أوانِهِنَّ، ورمزٌ للأطفالِ اليتامى، بسببِ الأسْرِ والقتلِ والنّفيِ والتّنكيلِ، ويُعَدُّ الرّمزُ أسلوبًا مِن أساليبِ التّصويرِ، أو وسيلةً إيحائيّةً مِن وسائلِهِ، فكِلاهُما- الرّمزُ والصّورة- قائمانِ على التّشبيهِ، وعَلاقتُهُما أقربُ إلى علاقةِ الجُزءِ بالكلّ. وهي تقنيّةٌ عاليةٌ، يَرتفعُ بها شأنُ الصّورة.
الشّاعرةُ آمال مُجدِّدةٌ في لغتِها وأساليبِها، ونَلحظُ في جُلِّ قصائدِها ظاهرةً، الكلماتُ تَظهَرُ بحروفٍ مُتقطِّعةٍ أفقيّةٍ تارةً– كما في هذا السّطر- أو عموديّةٍ تارةً أخرى تُشكّلُ معناها، وهذا السّطرُ كنايةً عن كثرةِ البكاءِ، وفيهِ أيضًا انزياحاتٌ، فلِلمآقي فراشاتٌ تتمزّقُ، والفِعلُ "تمزّقت" جاءَ مُتقطِّعًا، ويَستغرِقُ وقتًا أطولَ أثناءَ النُّطقِ بهِ، فقد جزّأتْهُ الشّاعرةُ ومَزّقتْهُ لحروفٍ مُتناثِرةٍ، كما التّمزيقُ يَحتاجُ وقتًا ليَكتملَ.
(بِتَنْهِيداتِ بِلَّوْرِها.. بِأَقْفاصِها الْمُفَخَّخَةِ): كنايةً عن الوجعِ الّذي يَكمُنُ في المآسي والفواجِع، وما يُحدِثُهُ مِنْ تدميرٍ للنّفسِ وهدٍّ للرّوح، ومآقي الفراشاتِ الجميلةِ اسْتُبدِلَتْ بمَآقٍ زُجاجيّةٍ شكليّةٍ، لا جدوى بها ولا تُبصِرُ النّور، وللبلّوْراتِ الزّجاجيّةِ تنهُّداتٍ، ولها أقفاصٌ تُفَخُّخُ وتُدَمَّرُ بفِعلِ الاحتلالِ ومُخطّطاتِهِ، وبنودُ الاتّفاقيّةِ مُفخَّخةٌ.
(كَيْفَ أُغافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ): كنايةً عن الحُروبِ الحارقةِ، والمِحرقةُ رمزٌ للحربِ، وضوضاؤُها رمزٌ لويلاتِها، ولقد بدَأَتْ شاعرتُنا آمال نصَّها بأسلوبٍ خبَريٍّ، لتأكيدِ ذاتِها، وتبيانِ الفَواجعِ وفداحةِ المأساةِ، غيرَ أنّ هذهِ المآسي لم تنَلْ مِن عزيمتِها، وتنتقلُ للأسلوبِ الإنشائيّ، فالاستفهامُ يُفيدُ النّفيَ، وفي عبارة "مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ" انزياحٌ إضافيٌّ، فللضّوضاءِ مِحرقةٌ كما للحُروب. وهذه الصّورةُ الّتي تَموجُ بالحركةِ والاضطرابِ والحيويّةِ والمَشاعرِ المُختلفة، مِن غفلةٍ وحرْقٍ وضوضاء ودهشة، هي وليدةُ الاستعارةِ الّتي بالغَتِ الشّاعرةُ  في استخدامِها، بطريقةٍ تسحَرُ لبَّ المُتلقّي، وتأسُرُ أحاسيسَهُ مِن هوْلِ الذّهولِ بالمَنظرِ الماثلِ أمامَها.
(وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ): في هذا السّطرِ تتزاحمُ التّحويلاتُ والانزياحاتُ أو ما سُمِّيَ بالتّوسُّعِ، وهوَ مِن أهمِّ الظّواهرِ الّتي تُميّزُ الّلغةَ الشّعريّةَ عن السّرديّة، معَ منْحِها شرَفَ الشِّعرِ وخصوصيّتِهِ، فإنَّ هذا النّوعَ مِنَ الانزياحِ يتّسمُ ببعضِ السِّماتِ المُصاحِبةِ لهُ، كالابتكارِ والجدة والنّضارة والإثارة، فذكرَتْ في سطْرِها السّابق القوافي "الجزء"، وأرادتْ بهِ الكلَّ "القصائدَ" مجاز مرسل علاقته الجزئيّة. 
ويَظهرُ الانزياحُ التّركيبيُّ، وهو مُخالَفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظامِ الجُمَليّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموحِ بها في الإطارِ الّلغويّ، كالتّقديمِ والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، كتقديمِ الخبَرِ على مُبتدئِهِ، كما في نحو "وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ"، وهنا مَكمَنُ الجَمالِ الأسلوبيّ، فلِلقوافي هوادجُ كما للعَروس، والهودجُ هو أجملُ ما في خيالِ العروسِ، وهو تابعٌ لصورةِ العُرسِ ولا يكتملُ إلّا بهِ، ولها أبجديّةٌ كما الّلغة، والهوادجُ روحُ الشّاعرةِ ومَطلَبٌ رئيسٌ لها، فهي تُزمجرُ كما الأسد، ولا تتوقّفُ ولا تنطفئُ جَذوتُها، مادامَ الاحتلالُ يَتملّصُ مِن تعهُّداتِهِ ويُراوغُ، وهنا مَكمَنُ التّصويرِ والتّجسيمِ وبَثِّ الحياةِ في الجَماداتِ، وهذا النّهجُ وظّفتْهُ شاعرتُنا باقتدارٍ وبهاءٍ وفنٍّ وجَمال، فهذهِ الصُّوَرُ الرّائعةُ الخلّابةُ المُؤثِّرةُ ما كانتْ لتكون، لو أنّ شاعرتَنا آمال التزمَتْ في التّعبيرِ القولَ على الحقيقة. وتُخاطبُ الشّاعرةُ أُمَّها وحبيبتَها فلسطين قائلة: (مَوَاسِمُ وَيْلاَتٍ ذَابَتْ أَحْبَارُهَا فِي هَشِيمِ مَحَابِرِكِ الْمَغْدُورَةِ): كنايةً عن الغدرِ الّذي يَلُفُّ لغةَ الاتّفاقيّاتِ بينَ الفلسطينيّينَ والإسرائيليّين، فلقدْ أفرَغَ الإسرائيليّونَ المُعاهداتِ والاتّفاقيّاتِ المعقودةَ مِن مَضمونِها، فأصبحتْ قيمتُها لا تُساوي الحبْرَ الّذي كُتبَتْ بهِ، ولقد نجحَتْ شاعرتُنا بتوظيفِها للأساليبِ التّعبيريّةِ، وهي مِن مَظاهرِ الحداثةِ، فالأسلوبيّةُ التّعبيريّةُ والدّلالةُ في النّقدِ الحديث، ترتكزُ على أنماطٍ مِنَ التّحوّلاتِ الأسلوبيّةِ في الشِّعرِ، ومنها الانزياح بأشكالِه، الّذي وظّفتْهُ شاعرتُنا آمال بعنايةٍ فائقةٍ، فلِلمَواسِمِ ويلاتٌ، ولها أخبارٌ تَذوبُ، وللمَحابرِ هَشيمٌ كما النّباتِ، وتُغدَرُ كما يُغدَرُ المَخلوقُ، فمواسمُ الأعراسِ انقلبَتْ إلى مواسم ويْلات.
 (تَوَهَّجَتْ دُواةُ الطُّهْرِ بِآثامِها الشَّاحِبَةِ): كنايةً عنِ المَحابرِ البريئةِ المُتمثّلةِ في عقودِ الزّواجِ والاتّفاقيّاتِ المُوقَّعةِ بالحبر، والّتي فرِحَ بها الفلسطينيّونَ، تتحوّلُ وتنقلِبُ بطُهْرِها إلى عقودٍ آثمةٍ شاحبةٍ؛ بسببِ تحويرِ بُنودِ الاتّفاقيّاتِ المُوقَّعةِ إلى بنودٍ خاليةٍ مِن مضمونِها، والّتي تُحلِّلُ للإسرائيليِّ سياسةَ استمرارِ القتلِ والسّجنِ والتّنكيل.
(وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها): شبّهتِ الشّاعرةُ البنفسجَ بإنسانٍ لهُ عينان، والبنفسجُ رمزُ الطّهارةِ والحُبِّ والنّقاء، واستخدَمَتِ الفعلَ "اصْفَرَّ"، ليُفيدَ المُبالغةَ في الاصفرارِ الّذي يَرمزُ للضّياع، وهنا سِرُّ المُفارقات، فالاتّفاقيّاتُ والمُعاهداتُ شيءٌ جميلٌ يَفضُّ الخصوماتِ بينَ الفُرقاء، لكن يجبُ أن يَتوفّرَ فيهِما النّيّة الصّادقة، لا أنْ يتحوّلا لغُبنِ طرَفٍ على حسابِ آخَر،  تمامًا مثلما البنفسج وأزهاره فيهما العذوبةُ والجَمال، لكن تحوًلا إلى اصفرارٍ ومرارةٍ وقُبح، وزالَ بريقُهما بفِعلِ الغدْر. ومِن خصائصِ أسلوب شاعرتِنا آمال، الصّوَرُ الفنّيّة الّتي وظّفتها لتجسيم الأمور المعنويّة، وذلك بإبرازها للعيانِ، في صورةِ شخوصٍ وكائناتٍ حيّةٍ، يَصدُرُ عنها كلُّ ما يَصدرُ عن المخلوقاتِ مِن حركاتٍ وأعمال.
(أَكَأَنَّما شُرِّعَتْ لِطَرْفَةِ احْتِضارٍ لا يَرْمشُ؟): الاستفهامُ خرَجَ عن معناهُ الحقيقيّ؛ ليُفيدَ التّقريرَ، والسّطرُ كنايةً عن أنّ هذه المُعاهداتِ صِيغَتْ مِن أجلِ ذوَبانِ وموْتِ الشّعب الفلسطينيّ. وهنا تُشبِّهُ شاعرتُنا انتهاءَ صلاحيّةِ هذهِ الاتّفاقيّاتِ وقُربَ التّخلُّصِ منها، بإنسانٍ يَحتضِرُ ولا يَرمشُ عندَ موتِهِ، استعارةً مَكنيّة. (أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلًا؟): والاستفهامُ يُفيدُ التّعجّبَ مِن فِعلِ تحويراتِ وتأويلاتِ اتّفاقيّاتِ السّلامِ المُبْرَمة، و"خطى التماثيل": كنايةً عن موْتِ روح الاتّفاقيّات، وكأنّما الشّخوصُ المتحرّكةُ القائمة على تنفيذِ الاتّفاقيّاتِ المعقودة، في عمليّاتِ السّلام، تماثيلُ مُتحرّكة، تُراوحُ مكانَها، فقد فقدَتْ كلَّ روحٍ وحياة، وللتّماثيلِ خطى. استعارةً مكنيّة.
(أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنى؟): الاستفهامُ هنا خرَجَ عن معناهُ الحقيقيّ؛ ليُفيدَ التّعجُّبَ مِن هذهِ الاتّفاقيّة، وعمليّةِ تحريفِها وتسخيرِها لخدمةِ أغراضِ المُحتَلّ، وتذويبِ الشّعبِ الفلسطينيِّ ونفْيِهِ عن وطنِهِ. وهنا المفارقاتُ، فالفجرُ يَرمزُ للتّحرُّر، لكن يتمُّ تحويلُهُ لسجنٍ وشرنقةٍ ونفيٍ، وتتزاحمُ الانحرافاتُ في السّطر تمامًا كانحرافِ اتّفاقيّاتِ السّلام، فالفجرُ يتشرنقُ، وللمنفى دياجيرُ، وللمَغْنى جفون.
(كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً فِي فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟): الاستفهامُ هنا أيضًا يُفيدُ التّعجُّبَ، فالشّاعرةُ تتعجّبُ مِن تحويرِ وانحرافِ اتّفاقيّةِ السّلام الّتي تهدفُ إلى تركيع الشّعب الفلسطينيّ، وهذا مستحيلٌ، والسّطرُ يَعجُّ بالاستعاراتِ والتّجسيم والتّصويرِ وبثِّ الحياة في المعاني، فللزّفرةِ انحناءة، ولها شهقة، وللمستحيلِ فؤاد. فالسّرُّ في قوّةِ تأثيرِ هذه الصّورةِ الشّعريّةِ وجَمالِها، راجعٌ إلى مفعول الاستعارة، هذا المفعول الّذي انتقلَ بالفِكرِة مِن عالم المعاني، إلى عالم المُدرَكاتِ. مبالغة.
(وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا): الشّاعرةُ هنا وفي كلِّ السّطورِ تُخاطبُ حبيبتَها فلسطين، ولكي يُسيطرَ الإسرائيليّونَ على الأرضِ والشّعب الفلسطينيّ، فقد بثّوا العملاءَ والجواسيسَ، وهذه خطايا تُدنِّسُ معالمَ الوجهِ الفلسطينيِّ بحضارتِهِ عبْرَ التّاريخ، وفي لفظتَيْ "سراج" وَ "أسرجت"، تتكرّرُ حروفُ السّين والرّاء والجيم؛ لإشاعةِ الإيقاع الموسيقيّ في ثنايا المقطوعة، والرّاء صوتٌ مُكرَّر، تمامًا كما الوشاية تكرارُ قوْل، والسّراجُ رمزٌ للنّورِ والحرّيّة يُثري الوجهَ وضاءة، لكنّهُ يتحوّلُ بفِعلِ التّخطيطِ الإسرائيليّ إلى قتامةٍ وتجاعيدَ في وجهِ الفلسطينيّ.
في عبارةِ "تجاعيد زماني": كنايةً عن تاريخِ الشّعب الفلسطينيِّ المُناضِلِ وما يُكابدُهُ. "وشايةُ سراجِك": كنايةً عن ظاهرةِ بثِّ العملاءِ في صفوفِ الفلسطينيّين. "مرايا الخطايا": كنايةً عن الأضرارِ والآثامِ الّتي تُلحِقُها الوشاية. وهذا السّطرُ حافلٌ بالانزياحاتِ- كما في كلِّ سطورِ القصيدة- الّتي عِمادُها الاستعارة. وهذا جان كوهين  يعتبرُ الاستعارة: "تُشكّلُ الخاصّيّةَ الأساسيّةَ للُّغةِ الشّعريّة"(5). فللسّراج وشايةٌ، وللزّمانِ تجاعيدُ، وللخطايا مرايا، وتجاعيدُ الزّمان تُضاء. (غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة!): وتعودُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الخبّريّ، لتأكيدِ الذّاتِ وتوضيحِ حالتِها النّفسيّة، مُظهِرَةً أنّ كلَّ هذهِ المحاولاتِ العبثيّةِ لم تنَلْ منها ومِن صمودِها قيدَ أنملة، وإظهارِ تقديرِها لمَن تخاطبُها وهي الحبيبةُ فلسطين، وهذا السّطرُ كنايةً عن الحالةِ النفسيّةِ الّتي تعيشُها الشّاعرةُ في غربتِها في وطنِها، وهي أشدُّ أنواعِ الغربة، وأنّ تلكَ الاتّفاقيّاتِ زادتْ مِن غربتِها اغترابًا، ومِن ضياعِها في وطنِها ضياعًا، ولغةُ الشّاعرةِ مُوحِيةٌ، والشّاعرةُ تُتقِنُ فنّ توظيفِ الاستعارة، فالاستعارةُ تُحلّقُ بكَ في عالم الخيال، وتَعرضُ عليك أشكالًا مِن الصّورِ البيانيّةِ الرّائعة، الّتي تَسبَحُ بك في بحرِ الألفاظِ، وتنتقلُ سريعًا مِنَ المعنى الحقيقيِّ للّفظِ المُستعار، إلى المعنى المَجاز الّذي صارَ عليهِ ذلكَ الّلفظُ، وتُكسِبُ الّلفظَ حلاوةً وجمالًا ورونقا.   
وتُعدُّ شاعرتُنا في قصيدتِها هذه وفي جُلِّ دواوينِها الشّعريّة، مِن أنجحِ الشّعراءِ الّذين أغرَقوا أنفسَهم في استخدامِهم الرّموز، فمِنَ الطّبيعيّ أنْ نجدَ الشّاعرةَ تُلبِسُ ألفاظَها حُلّةً جديدةً مَجازيّة، بعيدةً عن الواقع بطريقةٍ رمزيّة؛ لغرضٍ ما في نفسِها، والألفاظ الدّالة على الحزنِ، في هذهِ السّطورِ فقط، وليسَ في كلّ المقطوعة: أَماسيكِ، جارِحَةٌ، تُمَزِّقُ، بِتَنْهيداتِ، أَقْفاصِهِ، الْمُفَخَّخَةِ، أُغافِل،ُ مِحْرَقَةَ، تُزَمْجِرُ، وَلا تنطفئ، وَيْلاتٍ، ذابَتْ، هَشيمِ، الْمَغْدُورَةِ، بِآثامِها، الشَّاحِبَةِ، اصْفَرَّتْ، احْتِضار،ٍ ضَوْضائِكِ، أيَرْمشُ؟ أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلًا؟/ أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجِيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنى؟/ كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً فِي فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟/ وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا/ غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتِي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة! ظهرَتْ أصواتُ الحزن أيضًا في الأساليبِ الإنشائيّة، فترتبطُ بانفعالاتِ الشّاعرة، الّتي غلبَ عليها الإنشاءُ الطّلبيُّ المُتمثِّلُ في الاستفهام: (أَيُّ جُنُونٍ؟) وَ (أَيُّ فجْرٍ؟) و(كَيْفَ لانْحِناءَةِ؟)، وهي استفهاماتٌ لا تُفيدُ بحسبِ مُقتضى الظّاهر، بل خرجَتْ عنهُ؛ لتُفيدَ معنى مُستلزمًا حواريًّا بحسَبِ مُقتضى الحال، وهي تُفيدُ التّعجّب. (ضِحْكَةٌ مُتَثَعْلِبَةٌ ارْتَجَفَتْ طَيْشًا): الإسرائيليّونَ مشهورونَ بالخداع، وجاءَ في لسان العرب في معنى "تثعْلَبَ": جَبُنَ ورَاغَ، على التّشبُّهِ بعدو الثّعلب، قال: فإنْ رآني شاعرٌ تثعلبا/ وإنْ حَداهُ الحينُ أو تَذايَلَهُ(6).
و"ضحكةٌ مُتثعلبةٌ": كنايةً عن المُراوغةِ والمَكرِ والخداع، وشبّهَتِ الشّاعرةُ الضّحكةَ بشيءٍ يرتجفُ ويَطيشُ. استعارةً مَكنيّة. (خَلْفَ سُدُودِ هَواءٍ جِدارِيٍّ): وهنا الشّاعرةُ تَرمزُ إلى بناءِ الإسرائيليّينَ للجدارِ الفاصل، وهدفُ بنائِهِ خبيثٌ، فهو يُمكِّنُهم مِنَ الوصولِ أينما يُريدون، ولا يُمكِّنُ الفلسطينيّينَ مِنَ التّنقُّلِ أو حرّيّةِ الحركة، بل يُقسِّمُهم إلى كانتونات صغيرةٍ مُجزّأةٍ، مُحاصَرةٍ بجدارٍ أُقيمَ على أراضيهم، وابتلعَ منها ما ابتلعَ؛ ليُسهِّلَ السّيطرةَ عليهم. (كم تَهالَكَ صَداهَا عَلَى قارِعَةِ نَهْدِ عاصِفَةٍ!): "كم: كم للتّكثير، فللنّهدِ قارعةٌ كما للطّريق، ولها عاصفةٌ كما للرّيح.
(سَلْمٌ يَصْعَدُ دَرَكاتِ سُلَّمِهِ): كنايةً عن السّلامِ الّذي لا يُمَكِّنُكَ مِنَ الصّعودِ والاستفادةِ منه، بل مِنَ الهبوط، كما الجدارُ الفاصلُ لا يُمكِّنُ الفلسطينيّينَ مِنَ الحركة، بل شَلِّ حركتِهم، ويَخلو مِن معاني السّلام. (يَفُكُّ خِمارَ انْتِظارٍ تَوارى خَلْفَ أَزْرارِ أَدْراجِهِ): وللجدارِ بوّاباتٌ لا يَسمحُ الإسرائيليّونَ للفلسطينيّينَ بالدخولِ فيها أو الخروج منها، إلّا بأمرٍ منهم وبَعدَ طولِ انتظارٍ وامتهانٍ للكرامة، و"يفُكُّ خِمارَ انتظار": كنايةً عن التّفتيشِ الدّقيقِ للفلسطينيّينَ الّذينَ لا يُسمحُ لهم بالدّخولِ، إلّا بعدَ طولِ انتظار. وهنا تتزاحمُ الاستعاراتُ والصّورُ الفنّيّة، فللانتظارِ خِمارٌ كما للمرأة، وللأدراجِ أزرارٌ كما للقميص.
(وَيسَقُطُ عارِيًا إِلَّا مِنْ عُرْيِهِ!): كنايةً عن أنّ هذا الجدارَ سيَسقُطُ كما سَقطَ جدارُ برلين، فحُجّتُهم عاريةٌ، لا تُقنِعُ أحدًا سوى أنفسِهم. (لكِنَّها): وتستدركُ الشّاعرةُ عندما ظننّا أنّ صوتَها قد وهَى وخبَا وضعُفَ؛ فإذا بنا نُفاجَأ بأنّ معنويّاتِها ارتفعتْ عاليًا، وازدادتْ دفقاتُها الشّعوريّة، وازدادَ ألقُها، وقد تسلّحَتْ بالعزم والمضاء والإيمان قائلةً مُخاطِبة أمّها: (مُدُنُ غُفْرانِكِ الْمُقَنْدَلَةِ بِفُصُولِ خُيُولِكِ/ أبَدًا.. ما طالَها زَبَدُ يَأْسٍ): كنايةً عن أنّ المُدنَ الفلسطينيّةَ لن تُصابَ باليأسِ والإحباطِ أبدًا، بفِعلِ منعتِها وعِزّتِها ومَجدِها، ولن يَنالَ منها بناءُ جدارِ الفصل. سنتوقّفُ قليلًا عندَ هذيْنِ السّطريْن، لنرى بعضَ الصّورِ الفنّيّةِ المُتلاحِقة، وهي سِمةٌ مِن سِماتِ شِعرِ الحداثة. تقولُ الشّاعرةُ: "مُدنُ غفرانِكِ": فذكرَتِ المُدنُ "المكان"، وأرادتْ أهلَها الفلسطينيّين، مجاز مرسل علاقته المكانيّة.
وشبّهَتِ الشّاعرةُ المُدنَ بالقناديل، استعارةً مكانيّة. كما شبّهَتِ الخيولَ بشيءٍ لهُ فصول. استعارةٌ مكنيّة. وشبّهَتِ اليأسَ بماءِ البحرِ لهُ زبَدٌ، واستخدَمَتْ لفظةَ "أبد"؛ المُكوّنة مِن ثلاثةِ حروف، لكن معناها كبيرٌ جدّا، وهو مدى الدّهرِ وعلى طولِ الزّمن، ويَمتدُّ زمانُها مِن لحظةِ النّطق بها إلى ما لا نهاية مستقبلًا، وفيها معنى تأكيدِ صمودِها وعدمِ استسلامِها، ولقد قدّمتْها لأهمّيّتِها، ولخلْقِ المُتعةِ والجَمال، وحقُّها التّأخير على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل، "مَا طالَها زَبَدُ يَأْسٍ"، وقد أسندَتِ الشّاعرةُ الزّبدَ لليأس.
(وَإِنْ عُلِّقْتِ عَلى أَسْوارِ أَعْراسٍ مُؤَجَّلَةٍ)- (وَإنِ اعْشَوْشَبَ فُسْتانُ زَفافِكِ كَفَنًا): كنايةً عن أنّ جدارَ الفصلِ لنْ يَمنعَ الفلسطينيّينَ مِنَ التّحرُّرِ وإكمالِ أعراس نصْرِهم، حتّى وإن ظهَرَ أنّ ثوْبَ العرْسِ قد تغيّرَ وتبدّلَ، وتحوّلَ إلى ما يُشبهُ الكفنَ، مِن طولِ عهدِ العبوديّة، لكنّه سيزهو. والصّورةُ الفنّيّةُ عندَ شاعرتِنا عمادُها الاستعارة، وهي صورةٌ مِن صُوَرِ التّوسُّعِ والمَجازِ في الكلام، وهي مِن أوصافِ الفصاحةِ والبلاغةِ العامّة، الّتي تَرجعُ إلى المعنى.
(لَيْلي اتَّقَدَ بِظُلْمَةِ حِكاياتٍ مَخْمُورَةٍ/ وَبِرَعْشَةِ بَدْرٍ احْتَلَكَتْ ضَفائِرُ شَحاريري/ تَتَوَسَّلُ بُؤْرَةَ ضَوْءٍ أَغْلَقَها طينُ الْعَتْمِ): كنايةً عن عودةِ الأملِ لروحِ الشّاعرةِ، فالّليلُ رمزٌ للقهْرِ والسّوداويّة، لكنّه تحوُّلٌ عندَ شاعرتِنا يَتّقدُ، فمِن رحْمِهِ تولّدَ الأملُ، والشّاعرةُ تُحاولُ بناءَ مُفرَداتٍ جديدة، فبحسَبِ علمي، لمْ يَرِدِ الفعلُ "احتلَكَ" بهذا البناء، وجاء في لسان العرب: "الحُلْكة والحَلَكُ؛ شدّةُ السّوادِ كلوْنِ الغراب، وقد حَلَكَ الشّيءُ يَحْلُكُ حُلُوكةً وحلُوكًا، واحْلَوْلَكَ مثله اشْتدَّ سوادُهُ، وأَسودُ حالِكٌ وحانكٌ ومُحْلَوْلِكٌ وحُلْكُوك بمعنى، وفي حديثِ خُزيمة وذِكْرِ السّنة؛ وتركَتِ الفَرِيشَ مُسْتَحلِكًا. المُستحْلِكُ الشّديدُ السّواد كالمُحترِق، مِن قولِهم: أَسوَدُ حالِكٌ، والحَلَكُوك بالتّحريكِ الشّديدُ السّواد، وأَسوَدُ مثلُ حَلَكِ الغرابِ وحَنَكِ الغراب، وشيءٌ حالِكٌ ومْحْلَولِك ومْحْلَنْكِكٌ وحُلْكُوك، ولمْ يأْتِ في الأَلوان فُعْلُول إلّا هذا.."
لقد ثارَ رُوّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ على القاموس الشّعريّ، فلم يَعُدْ للشِّعرِ مُعجَمٌ خاصّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتِ، وما دامت لغةً فهي علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلك، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارة"(7).
"لقد حاولَ روّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ أن يُجدّدوا الشّعر مِن خِلالِ تجديدِ لغتِهِ. وأرادوا أنْ يُجدّدوا لغتَهُ ويُغنّوها مِن خِلال احتكاكِهم بالحياةِ الجديدة. وجدوا أنّ الّلغةَ التّقليديّةَ جامدةٌ وعاجزةٌ عن مُواكبةِ حركةِ الحياة فثاروا عليها. ووجدوا أنّ القاموسَ الشّعريَ قد أصبحَ مُجرّدَ ألفاظٍ ميّتة تحملُ مَعانيًا مُحدّدةً مُكرّرةً، لا تمتُّ إلى حياتِهم بصِلةٍ. ثمَّ كانَ لا بُدَّ مِنْ تَجديدِ الّلغةِ، على ضوءِ تجربةٍ جديدةٍ وفهْمٍ جديدٍ للحياة. "لقد أيقنوا أنّ كلّ تجربةٍ لها لغتُها، وأنّ التّجربةَ الجديدةَ ليستْ إلّا لغةً جديدةً، أو منهجًا جديدًا في التّعاملِ مع الّلغة"(8). فالّليلُ يتّقدُ، وللحِكاياتِ ظُلماتٌ مخمورة، وللبدرِ رعشةٌ، وللشّحاريرِ ضفائرُ، وكلُّها استعاراتٌ وانزياحات. 
(أمَّاااااااهُ): وتنتقلُ الشّاعرةُ إلى أسلوبِ الإنشاء، ويتمثّلُ في النّداءِ، وحرْفُ النّداءِ محذوفٌ، والنّداءُ يُفيدُ التّقرُّبَ والتّحبُّبَ لحبيبتِها المَخاطَبة فلسطين، وللتّنغيمِ دوْرٌ كبيرٌ في خلْقِ إيقاعٍ مُناسِب، لهُ معنًى تقصدُهُ الشّاعرة، فقد أشبَعَتْ صوتَ الصّائتِ الألف في المنادى: "أُمّاه"، وكأنّي بها تريدُ أن تُخرجَ منها زفراتِ الألم والوجع، وتبوحَ لأمِّها بمُنغِّصاتِ حياتِها، وفي البوْحِ راحةٌ للنّفسِ والرّوح. (قاطِراتُ وَجَعٍ تَلَوَّتْ عَلى سِكَّةِ يَقيني الْمُهْتَرِئَةِ): كنايةً عمّا يختلجُ روحها مِن ألم جرّاءَ ما يَحصلُ في فلسطين، ولن أقفَ طويلًا عندَ الاستعاراتِ الّتي هي عمادُ الصّورِ الفنّيّة، بل سأشيرُ إليها إشاراتٍ سريعةً، فلِلوجعِ قاطراتٌ تتلوّى، ولليقينِ سكّةٌ مُهترئةٌ.
وكما يقول عبد القاهر الجرجاني: "إنّ فضيلةَ الاستعارةِ الجامعةِ تتمثّلُ في أنّها تُبرزُ البيانَ أبدًا، في صورةٍ مُستجَدَّةٍ تَزيدُ قدْرَهُ نُبلًا، وتُوجِبُ لهُ بَعدَ الفضلِ فضلًا، وإنّكَ لتجد الّلفظةَ الواحدةَ قدِ اكتسبَتْ فيها فوائدَ، حتّى تراها مُكرّرةً في مَواضعَ، ولها في كلِّ واحدٍ مِن تلكَ المَواضعِ شأنٌ مُفردٌ، وشرفٌ منفردٌ.. ومِن خصائصِها الّتي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها: أنّها تُعطيكَ الكثيرّ مِنَ المعاني باليسيرِ مِنَ الّلفظ، حتّى تخرج من الصَّدفةِ الواحدةِ عدّةً مِنَ الدّرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعًا مِن الثمر"(9).
وتقولُ: (ملاءاتُ خَرائِطي/ تَنْقُضُني/ تَنْفُضُني مِنْ تَحْتِ عِطْرِ أَكْفاني/ تُؤَرِّقُني/ تُورِقُني قَصائِدَعُمْرٍ مُقَنَّعٍ بِطَحالِبِ طَلْعِكِ!/ نَوافِيرُ شِعْري ما ازْدَهَرَتْ إِلاَّ بِحَرِّ حَرْفِكِ/ يُمَوِّجُنِي بِسَطْعِ نَقائِكِ): وهنا تتكئُ الشّاعرةُ على فِعلِ المُضارع الّذي يُوحي باستمرار الأسى والحزن والفواجع، مادامَ هناكَ عبوديّةٌ وتسلُّطٌ واحتلالٌ تعسُّفيّ. الأفعالُ المُضارعةُ كـ: (تَنْقُضُني/ تَنْفُضُني/ تُؤَرِّقُني/ تُورِقُني)، هذهِ الأفعالُ جميعُها تبتدئُ بالصّامتِ صوت "التاء"، وتنتهي كلُّها بصوتِ الصّائت الكسرة الطويلة، وهذا يدلُّ على التّوتّرِ الشّديدِ الّذي يَسري في روح الشّاعرة جرّاءَ هوْلِ ما يَحصل، وتِكرارُ الحرفِ يُولِّدُ إيقاعًا عذبًا في السّطرِ الشِّعريّ، فجاء الفِعلُ الأوّلُ والثّاني والرّابع على نفس الوزن.
ويذهبُ مدحت الجيّار إلى: "أنّ الموسيقى نظامٌ أو قانونٌ، يَربطُ القانونَ الصّرفيّ والقانونَ الصّوتيَّ في نسَقٍ عامٍّ وقانونٍ أعمَّ، على مُستوى الجملةِ أو البيتِ أو المَقطع. ذلك أنّ القانونَ الصّوتيَّ يَخصُّ طاقاتِ الحرفِ الصّوتيّةَ، وقدرتِهِ على التّنغيمِ، كالجَهر والهمْسِ والشّدّةِ والرّخاوةِ والتّفخيمِ والتّرقيقِ وغيرها، وعلاقةَ الحرفِ بما سبقَهُ ولحقَهُ، ومدى تناغُمِ هذهِ الحُروفِ فيما بينها حتّى تُشكِّلَ الكلمة. ويأتي القانونُ الصّرفيُّ ليأخذَ الكلمةَ وبُنيتَها، وتَحوُّلاتِها الصّوتيّةَ، وعلاقةَ الكلماتِ معَ غيرِها مِنَ النّاحيةِ الصّوتيّة. ثمَّ يأتي القانونُ الموسيقيُّ ليُفجِّرَ هذهِ الإمكاناتِ الصّوتيّةَ والصّرفيّةَ في إطارٍ عامّ، أي مستوى السّياق، بَعدَ أنِ اهتمَّ الأوّلُ بالحرْفِ، والثّاني بالكلمة، واهتمّ القانونُ الموسيقيُّ بالسّياق"(10).
إنّ مقطوعةَ شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان كما في غالبيّةِ أشعارِها، تعتمدُ أفكارُها على نزعةٍ تصويريّةٍ، فيها كثيرٌ مِن الإحساسِ، تجري صياغتُها بلغةٍ شعريّةٍ، تتشكّلُ بدايةً مِن مجموعةٍ مِنَ الصّورةِ الجزئيّة الّتي تتكاملُ معًا، لتُشكّلَ بَعدَها صورةً كلّيّة. وتقولُ: أَيا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ/ قَلِّدِيني بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسامَةً/ شُدِّيني وَمْضَ نَقاءٍ إِلى عَيْنِ رَبيعِكِ/ وَفي تَهاويمِ مَجْدِكِ أَنْبتيني أَيْدي طُفُولَةٍ تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ/ لِتَسْتَوِيَ عَدْلًا عَلى جُزُرِ النُّورِ: ففي السّطورِ السّابقةِ نرى أنّ البحرَ والجُزرَ والماءَ والسّماءَ والفضاءَ والشّمسَ والنّورَ رموزًا للحياةِ، وأنّ الطّفولةَ والأمومةَ هي مَباعثُ الحياةِ والدّيمومة. والرّمزُ مِنَ التّقنيّاتِ الّتي يَكثُرُ استخدامُها في الشِّعرِ المُعاصِر، وهو وسيلةٌ يَعتمدُها الشّاعرُ للإيحاء، بدلَ المُباشَرةِ والتّصريح، فيَنقلُ المُتلقّي مِنَ المستوى المُباشِرِ للقصيدة، إلى المعاني والدّلالاتِ الّتي تَكمُنُ وراءَ الكلماتِ، كما يقومُ باستكمالِ ما تَعجَزُ الكلماتُ عن تِبيانِهِ وتوضيحِهِ، فهو أبلغُ مِن التّصريح، "ﻓﺎﻟﻌﻼﻗﺔُ ﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺸِّﻌﺭِ ﻭﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺭّﻤﺯِ ﻗﺩﻴﻤﺔٌ، ﻭﺘﺩلُّ ﻋﻠﻰ ﺒﺼﻴﺭﺓٍ كاﻓﻴﺔٍ ﺒﻁﺒﻴﻌـِﺔ ﺍﻟﺸِّﻌﺭِ ﻭﺍﻟﺘّﻌﺒﻴﺭِ ﺍﻟﺸّﻌﺭﻱّ(11).
(أَيَا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ): وتنتقلُ شاعرتُنا إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، والنّداءُ هنا يُفيدُ تحبُّبَ الشّاعرةِ وتَقرُّبَها مِن محبوبتِها فلسطين، والمُنادى هنا أقحوانةُ الثّغر ترمزُ إلى فلسطين وجَمالِها. والأمرُ في كلٍّ مِنَ الفِعليْنِ: "اثْغَرّي" و"أسقِطي" يُفيدُ كلّ منهما الالتماس، والمُتلقّي عندما يقرأ هذا السّطرَ الشّعريّ، يُدركُ أنّ المخزونَ الّلغويَّ لدى شاعرتِنا واسعٌ وكبيرٌ، فلقد وظّفتْ كلمَتَي "الثّغر" والفعل "اثْغَرّي"، وأتبَعَتْهُما بجملةِ "أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ"، بحنكةٍ ودرايةٍ ووعيٍ لمكانِ كلِّ لفظةٍ وعبارة. وعندما نتصفّحُ مُعجمَ لسان العرب باب "ثغر"، سنجدُ الكثيرَ، وسأكتفي بنقلِ النّزرِ القليل فقط، لنُدلّلَ على أنّ شاعرتَنا واسعةَ الاطّلاع: "عن ابن الأعرابيّ: وأنشد لجرير: متى ألق مثغورًا على سوء ثغره/ أضع فوق ما أبقى الرياحي مبردا.
وقيلَ: ثغر وأثغرَ دقّ فمه. وثغر الغلامُ ثغرا: سقطت أسنانُهُ الرّواضعُ، فهو مثغور. وأثغر واتْغَرّ وادْغرّ، على البدل: نبتتْ أسنانُهُ، والأصل في اتْغرّ اثتغرَ، قُلبتِ التّاء ثاء ثمّ أُدغِمت، وإن شئتَ قلت: اتْغرّ بجعْلِ الحرف الأصلي هو الظاهر.. ومنهم مَن يَقلبُ تاء الافتعال ثاءً، ويدغم فيها الثاء الأصليّة، ومنهم مَن يَقلبُ الثّاء الأصليّة تاء، ويدغمُها في تاء الافتعال، وخصّ بعضُهم بالاثغار والاتغار البهيمة: أنشدَ ثعلب في صفة فرس: قارح قد فر عنه جانب/ ورباع جانب لم يتغر(12).
 لقد أدركَتْ نازك" "أنّ تطوُّرَ الّلغةِ وحياتَها إنَّما يَنبُعُ مِن حياةِ الشّاعرِ وتجربتِهِ، وليسَ مِن الكلماتِ ذاتِها. فالشّاعرُ قادرٌ مِن خلالِ إحساسِهِ الجديدِ بالمُفردات، وتجربتِهِ في الحياة، أن يُعطِيَ لها دلالاتٍ شِعريّةً، مِن خلالِ توظيفِها في سِياقٍ جديد. فالشّعرُ ليسَ صناعةً، بل تجربةً، والشّاعرُ يَستطيعُ أن يُقدِّمَ للّغةِ ما يَعجزُ النّحاةُ عنه. إنّه قادرٌ على إحياءِ الألفاظ، بفضلِ حِسِّهِ المُرهَفِ واطّلاعِهِ على الأدب القديمِ والحديث، العربيِّ والأجنبيّ. فهو يَستطيعُ أن يُضيفَ لونًا إلى كلمةٍ، ويَصنعُ تعبيرًا جديدًا، وإنْ خرَقَ قاعدةً استطاعَ أنْ يَخلقَ البديل، ليُصبحَ ما أبدعَهُ قاعدةً جديدة(13).
ونعودُ لسطرِ الشّاعرة: (أَيا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ): فالجُملةُ الثّانيةُ في هذا السّطرِ جاءتْ تأكيدًا للجُملةِ الأولى، والجُملتانِ بمعنى واحد، وهُما كنايةً عن أنْ تخلعَ حبيبةُ الشّاعرةِ ثوْبَ ماضي تجربتِها معَ الاحتلال، وما وَلّدَهُ في نفسِها مِن أسى وحزنٍ وإح

52
جماليات تشكيل الوصف في القصة القصيرة
قراءة تحليلية في المجموعات القصصية
لهيثم بهنام بردى
إصدار جديد للناقد الدكتور نبهان حسون السعدون




         بعد إصداره الموسوم (شعرية المكان في القصة القصيرة جداً– قراءة تحليلية في المجموعات القصصية لهيثم بهنام بردى) الصادر عام 2012، صدر حديثاً للناقد الدكتور نبهان حسون السعدون، وعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، كتابه النقدي الجديد الموسوم (جماليات تشكيل الوصف في القصة القصيرة، قراءة تحليلية في المجموعات القصصية لهيثم بهنام بردى).
      يقع الكتاب الذي يتزين غلافه الأمامي بصورة معبرة للقاص بردى، ب (257) صفحة من القطع المتوسط وبفهرسة تتضمن مقدمة ومدخل وثلاثة فصول وكما يلي:
•   الفصل الأول بعنوان "جماليات تشكيل اتجاهات الوصف": (وصف الشخصية - وصف الحدث - وصف المكان - وصف الشيء).
•   الفصل الثاني بعنوان "جماليات تشكيل اتجاهات الوصف": (الوصف المقيد بالسرد/ الوصف الحر - الوصف البسيط/ الوصف المركب - الوصف الموضوعي/ الوصف الذاتي - الوصف التصنيفي/ الوصف التعبيري).
•   الفصل الثالث بعنوان "جماليات تشكيل وظائف الوصف": (الوظيفة التزيينية - الوظيفة الإبهامية - الوظيفة التفسيرية - الوظيفة الاجتماعية).
والدكتور نبهان حسون السعدون بحسب سيرته الإبداعية: ناقد وأكاديمي وتدريسي في كلية التربية الأساسية/ جامعة الموصل، له العشرات من البحوث المنشورة، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وأصدر العديد من الكتب النقدية منها:
* الإيقاع والموسيقى في ديوان حي على الفلاح لحكمت صالح ، 2002.
* بلاغة القص: مستويات التشكيل السردي في قصص جمال نوري (مشترك)، 2011.
* أسرار السرد من الذاكرة إلى الحلم: قراءة في سرديات سعدي المالح (مشترك)، 2012.
* مغامرة الكتابة في تمظهرات الفضاء النصي: قراءات في تجربة تحسين كرمياني (مشترك)، 2012.
* شعرية المكان في القصة القصيرة جداً: قراءة تحليلية في المجموعات القصصية (1989-2008) لهيثم بهنام بردى, 2012.
* تجليات الفضاء السردي: قراءات في سرديات هيثم بهنام بردى (مشترك) 2012.
* جماليات النص وتشكيل الخطاب: قراءات في سرديات فارس سعد الدين, 2013.
* تفكيك الشفرة السردية: دراسة تحليل الخطاب, 2013.
* البنيات الدالة في شعر شاذل طاقه (مشترك) 2013.
***
ويُعد هذا الكتاب الإصدار النقدي التاسع الذي يتناول أدب هيثم بردى، حيث سبق وأن صدرت الكتب التالية وبحسب تواريخ إصدارها:   
1.   حبة الخردل/ دراسات نقدية عن تجربة القاص هيثم بهنام بردى في كتابة القصة القصيرة جداً/ إعداد وتقديم خالص ايشوع بربر/ منشورات اتحاد الأدباء السريان– الموصل 2005. صدرت طبعته الثانية عن دار رند للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا عام 2010.
2.    شعرية المكان في القصة القصيرة جداً– قراءة تحليلية في المجموعات القصصية لهيثم بهنام بردى/ د. نبهان حسون السعدون/ دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع– دمشق2012.
3.    تجليات الفضاء السردي– قراءة في سرديات هيثم بهنام بردى/ إعداد وتقديم: أ. د محمد صابر عبيد/ دار تموز للطبعة والنشر والتوزيع– دمشق2012.
4.    أسماء في ذاكرة المدينة، هيثم بهنام بردى/ إعداد وتقديم وحوار نمرود قاشا/ مطبعة شفيق– بغداد 2012.
5.    شباط ما زال بعيداً، دراسات نقدية في المجموعة القصصية أرض من عسل لهيثم بهنام بردى/ إعداد وتقديم: جوزيف حنا يشوع/ مطبعة الديار– الموصل 2012.
6.    الكون القصصي، تجليات السرد وآليات التمظهر، قراءة تحليلية في المجموعات القصصية لهيثم بهنام بردى/ محمد إبراهيم الجميلي/ مطبعة الديار– الموصل 2013.
7.   الثريا، دراسات نقدية عن تجربة القاص هيثم بهنام بردى في كتابة القصة القصيرة جداً/ إعداد وتقديم: خالص ايشوع بربر/ مطبعة شفيق- بغداد 2014.
8.   الميمنات القرائية وفاعلية التشكيل السردي في مجموعة – نهر ذو لحية بيضاء/ إعداد وتقديم ومشاركة: الدكتور خليل شكري هياس/ دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع- دمشق 2014.

***

ألف مبارك للدكتور نبهان حسون السعدون إصداره الجديد.


53


بطرس نباتي يُصدر مجموعته الشعرية
 أنا وأسراب الحمائم




                                                                                                                   
صدرت عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع / دمشق ، مجموعة شعرية للأديب والكاتب بطرس نباتي من أربيل/ عنكاوا   بعنوان                 ( أنا وأسراب الحمائم) تتضمن المجموعة ثلاثة عشر قصيدة ، كان قد نشر قسم منها في المجلات الأدبية الصادرة في العراق أو في موقع عنكاوا ، والمجموعة باللغة العربية ، وقد أهداها كما جاء في مقدمتها إلى أحفاده (روزالين،رونان ويوهان ،لوكاس، اديلا)
كتب على غلافها الأخير...
بالأمس والأمس حقل ألغام
عندما عبرته
تصورت باني سأحصل
على وردة أضاعها كلكامش
يا له من ملك أحمق جميل
قد أضاع علينا نحن أبناء أوروك
قوة تقينا من شتاء الموت الأبدي
فلم يبق لنا غير قصائد
نلتحف بها ..نتوسد عليها
نطير بأجنحتها
عسى أن تفضح لنا .. أسرار الخلود
والغلاف الأول للمجموعة  من تصميم :امينة صلاح الدين من سوريا
ومن الجدير ذكره  للشاعر مجموعة شعرية أخرى باللغة السورث  ومجموعة قصصية باللغة العربية  بعنوان ( أحلام وردية ممنوعة ) وهما تحت الطبع ..


54

قراءة في الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر"فوزي الاتروشي"

د. جمال خضير الجنابي



   ان تطور الادب وتنوع اتجاهاته لا يمكن ان يتما بمعزل عن تطور المجتمع او تطور اتجاهاته الفكرية التي تعكس تطوره الاقتصادي ووضعه التاريخي, بل ان من المؤكد ان العنصر الحاسم في تطور الادب وفي خلق اتجاهات جديدة فيه هو التطور الفكري الذي فرضه تطور المجتمع الاقتصادي والاجتماعي, وليس خلق اشكال جديدة للتعبير الادبي غير قادرة على التعبير عن اي شيء جديد, ولاشك ان قيمة اي جديد تتمثل اولاً وقبل كل شيء بما يحمله من فكر جديد ومضمون جديد, وثانياً لقدرته على خلق الشكل الجديد الذي ينسجم معه, واستناداً على هذه الاسس فأننا نستطيع ان نميز في شعرنا الحديث ثلاثة منطلقات رئيسية, هي انعكاس حقيقي لاوضاعنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.
الاول يستمد كل غذائه من تراثنا القديم, مضموناً وشكلاً, ومبرر وجود هذا التيار اننا لا نزال مرتبطين بهذا التراث بأكثر من رباط, ولاتزال كثير من مشاغلنا وهمومنا وآمالنا وآلامنا لا تتناقض مع مستلزمات التعبير كما قدمته لنا التقاليد الادبية الموروثة.
الثاني يستمد غذاءه من الفكر التقدمي العلمي والمعاصر, ومن الانجازات الهائلة التي حققها العالم اجمع, وما صاحب ذلك من الايمان بالانسان والجماهير, ورفض الناس للحاضر وثقة بالمستقبل المشرق .
المنطلق الثالث فيستمد مضامينه وافكاره من انحلال الفكر البرجوازي العالمي ومن الضياع الذي انقادت اليه الاجيال الجديدة في المجتمع الرأسمالي , والذي برز واضحاً منذ نهاية القرن التاسع عشر في (الرمزية ثم الدادائية والسريالية) بعد الحرب العالمية الاولى وبعد ذلك في (الوجودية والتجريدية والحرفية) وفي المدارس المستحدثة التي لاتكاد تظهر حتى تختفي.
ان القراءة الاولى للاعمال الشعرية الكاملة للشاعر فوزي الاتروشي التي صدرت عن (دار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان) لسنة 2013 التي ضمت تسعة مجاميع شعرية.
حيث احتوت المجموعة الاولى التي حملت عنوان ( قصائد للحب والوطن /كوردستان 1999) 35 قصيدة تنوعت بين الرومانسية وحب الوطن اما مجموعته الثانية (اشعار لا تبكي) فقد ضمَّت 27 قصيدة , فغلب عليها الطابع الرومانسي وبلغة شفافة عذبة تميل غالبا للدارما او السرد , مكوناً من تراثه فكرة يستمد منها صوره الشعرية .
في المجموعة الثالثة التي حملت عنوان (ظلال النرجس) والتي احتوت بين ضفافها 44 قصيدة غلب عليها الطابع الرومانسي , ونلاحظ في هذه المجموعة شيوع اسلوب البناء لدى الشاعر فوزي الاتروشي بما لا يخرجه غالباً عن اسلوب البناء البسيط , والمفروض في البناء المقطعي , ان ينمو بالقصيدة عن طريق استقلالية المقاطع النسبية بطريق التضاد والتقابل , او التصاعد فلا يكون البناء بسيطاً عند ذاك .
ولكن هذه المقاطع تصبح شكلاً بنائياً بسيطاً اذا كان كل منها , يكاد يكرر المقاطع الاخرى او يضيف اضافة بسيطة الى جوها النفسي او الفني بحيث يبدو تقطيع القصيدة مصطنعاً يمكن الاستغناء عنه .
ويفترض ان يمنح الحوار الموظف بصورة جيدة بناء القصيدة بناءا مسرحيا (دراميا) لكن هذا الحوار لم يشكل هيكل البناء الاساسي, ولم يصنع بشكل واقعي او قريب من البناء البسيط , ومن الامثلة على ذلك في المجموعة الرابعة (لانك الآن هنا) والتي ضمت 30 قصيدة بث الفكرة داخل القصيدة يعتبر فعلا مقصوداً وهذا يدفع الى التساؤل الى اي مدى يكون عمق الرابطة بين الافكار المراد ايصالها عبر القصيدة وبين متطلبات القصيدة بصفتها بناءا فنيا يتمتع بشروط خاصة به , بعد ذلك الى اي حد تستطيع القصيدة ان تتحمل هذه اللمحات الفكرية دون ان يؤدي ذلك الى ارهاقها .
والامر سيكون اكثر مدعاة للتأمل اذا كان الامر يتعلق بقصيدة قصيرة وذات نفس قصير ليس له ان يتحمل عبء هذه الغاية في بعض الاحيان اغلب القصائد التي احتوتها المجموعة (وازهر بستان الريحان) والتي ضمت 17 قصيدة تتميز كونها قصائد تمر بسرعة وبزمن قصير وبضربة محكمة لنهايتها , وهي تخلو من اي تضبب فلا سور يغلف القصيدة ولا جدار لحجبها .
ومن مظاهر البناء النصي المباشر هو توظيف العنصر القصصي وادخال النص في سردية مقصودة ,تلويناً للمعاني وتقريباً الى ذهن القاريء ومن هنا كان الشاعر فوزي الاتروشي يركز في نصوص مجموعته السادسة التي حملت عنوان (شموع الحب) والتي ضمت 36 نصا , حيث برز العنصر الدرامي واهمية الدراما الباعثة لديه قلقا دائميا نتيجة امتلاءه بحس مايصدر عن تلك الاجواء القصصية .
ويذكر(هربرت رد) الفرق بين القصيدة الطويلة والقصيدة الغنائية فرقاً في الجوهر , ويمكن تعريف القصيدة الغنائية من وجهة نظر الشاعر بأنها قصيدة تجسم موقفا عاطفياً مفردا او بسيطا , انها قصيدة تعبر مباشرة عن حالة او الهام غير منقطع , اما القصيدة الطويلة فهي قصيدة تربط بمهارة بين كثير من تلك الحالات العاطفية , وان كان من الواجب هنا ان تصحب المهارة فكرة عامة واحدة هي في ذاتها تكون وحدة عاطفية .
تزدحم مجموعته السابعة (كنت حبيبتي) بصور استمدها الشاعر من الطبيعة وخلع عليها الكثير من دفء عواطفه , وجميل احاسيسه , فجاءت في اغلبيتها معبرة عن رهيف شاعريته , وطمأنينة نفسه واضطرابها . وقد ضمن المجموعة 24 قصيدة .
على ايه حال لندع الكلام عن الشكل الشعري , لانه لا يؤدي الى نتيجة حاسمة والدليل اننا منذ الاربعينات الى هذا اليوم مازلنا نناقش الموضوع دون حسم .
الرأي النقدي الذي كونه غالبية النقاد اخيراً، هو ان الشعر ، شعر سواء كان عمودياً ام حديثأ. المهم هو الشاعرية والجودة والقدرة على الاتيان بالجديد من المعاني والصور والافكار ومع ان الرأي بحاجه الى الاسناد والدراسة وهو تنازل عن محيطات الحداثة وافاقها المشرقة في القصيدة ، الا ان مناقشة الموضوع هنا تبدو نافلة لأننا في هذا الحيز نركز القول على تجربة شاعر يكتب القصيدة بحس شعري صادق وقدرة ملموسة وتمكن واضح من اللغة وتراكيب الصورة وهذا ما نجده في مجموعته التي حملت عنوان (امرأة من رماد) والتي احتوت على (31) قصيدة .
الحداثة الشعرية ليست مجرد تحول شكلي في بناء القصيدة، وليست مسألة تحرر من قيود كفرضها وحدة البيت والقافية كما يقول السياب عندما عبر عن مدلول الحداثة في الشعر ان الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين واخر ، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد ليمحق الميوعة الرومانتيكية وادب الابراج الماجية وجمود الكلاسيكية كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به. من هذا المنطلق نجد الشاعر فوزي الاتروشي شكل صورا متداخلة مع بعضها مكوناً مجموعة من النغمات يعزفها على اوتار تكاد ان تكون منقطعة. كما في مجموعته التاسعة التي تحمل عنوان (بريد الفرح) والتي ضمت 31 قصيدة في اتجاه واحد هو الرومانسية . ان تركيبة الجملة في اي نص تأخذ على عاتقها توصيل مايدورفي خلجات الشاعر الى المتلقي الذي يكون محطة استقبال تتغير حسب الرؤيا والثقافة التي يختزنها لذلك تكون العملية صعبة عند الشاعر في كيفية توصيل ما بداخله.
لذلك يقول (جام لان كو) الكتابة ليست سجادة فارسية يسير فوقها الكاتب ، والكاتب يشبه ذلك الحيوان البرئ الذي كلما طارده الصيادون كتب افضل. لهذا اجد ان الشاعر فوزي الاتروشي اهدى الى القارئ نبضات تحمل بين طياتها الحب الكبير.
                                                       



55


قراءةٌ نقديّةٌ لقصيدة - أحِنُّ إلَى حَفيفِ صَوْتِكَ- للشّاعرة آمال عوّاد رضوان



عبد المجيد عامر اطميزة


أحِنُّ إلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْسابُ نَسيمًا رطبًا في مَعابِرِ روحي
تَجمَعُني قُزحاتُهُ إضماماتٍ فوّاحَةً
تَزدانُ بها منابر ُمَسامِعي
نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغِفُ جَوانِحي
أحاسيسُكَ تُسَوِّرُني
كَيْفَ أهْرُبُ وَمسافاتُ اٌلوَلَهِ
تَزدادُ نقشًا في مَسالِكِ قلبيِ؟
أشتاقُكَ أيُّها اٌلمَجنونُ
إلى ما لا نهايةٍ مِن جُنونِك
أشتاقُك
وما مِن أحَدٍ / يَراكَ شفيفًا كَمايَ
كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ
أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظـَر
لِمَ يَتَأوَّهُ حَبيبي
واٌلنّارُ تَتَآكَلُ في دِمائِهِ ولا تَأكُلُهُ؟
أما كانَ اٌلأوْلى بِنيرانِهِ أن تَتَأوّهَ؟
حبيب قلبي/ اِفتَحْ لي قلبَك الذهبيَّ
واُسْكُبْ أحشاءَهُ عَلى راحَتيَّ
باٌلأمْسِ سَمِعْتُ وُعولَكَ/ تُناغي ظباءَ حُزنِك
آه يا رحمَ روحٍ
تَتَفَتَّقُ ولادةَ وجْدٍ في روحي: أنولدُ فينا؟
آثارُ قلبِكَ
دعني أرَمِّمْها ..أجدِّد ماءَ حَدائقِها
أجعلها ورودًا / نتراقصُ بينها شغفًا
وتَسبَحُ قناديلي / في جَداولِها اٌلشهيَّةِ
هو قلبُكَ لي
بِمائِهِ وطَمْيِهِ.. بِضِفافِهِ وأشجارِهِ
بِعَصافيرِهِ ونَحْلِهِ
أُريدُهُ بِعالمِهِ
كُلُّكَ وَكُلُّ كُلّـِكَ يَشوقُني
ولا أُريدُ اٌلشّوْقَ يُؤطّـِرُني
هُوَ صدرُكَ بَيْدَري / أدْرُسُ عَليْهِ سَنابلَ حَنيني
لن أخشى اٌجتياحَ فَيَضانِك
تُسْكِنُك قُبْلَةٌ / تُخَثـِّرُ أمواجَك
لَنْ أخشى خَطَرَ السّباحةِ فيك
واٌلاٌنْجِرافَ بشَلاّلاتِكَ اٌلنّاريَّةِ
أأسْكُبُني رَعشاتٍ
تصهرُكِ .. تُغلِّفُكَ بي ؟ !
أتكونُ دفينَ اٌنصِهاري؟ حَبيسَ أنْوِيَتي؟
أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ / لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟
يا مَنْ أشْتاقـُكَ
دعْني أرْوي بِأمْطارِ عيني/ براريَ عَطَشِك
أُلِملمُني لكَ ظلالًا
وأشتاقُكَ أبدا
التّحليلُ الأدبيّ: أوّلُ ما يُطالعُنا في هذا النّصِّ الشِّعريِّ المُنتمي للقصيدةِ النّثريّةِ هو العنوان: (أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ)(1).
العنوانُ مُكوّنٌ مِنْ جُملةٍ فِعليّةٍ، فِعْلُها الفِعْلُ المُضارعُ، ومِنَ الفاعلِ وهوَ الضّميرُ المُستَتِرُ"أنا"، وهذا انزياحٌ، ومِنْ جارٍ ومَجرورٍ (إلى حَفيفِ)، وَ (مِنِ مُضافٍ ومُضافٍ إليه "حفيف صوتِك")، وجاءَ في لسانِ العَربِ: حنَّ إليهِ يَحِنُّ حَنينًا، يُقالُ: حنَّ عليهِ؛ أي عطف، وحنَّ إليهِ؛ أي نزع إليه(2).
وفي المُعجمِ الوسيطِ حَنَّ إليه: اِشتاقَ، وحنَّ عليهِ حنانًا؛ أي عطف.(3)، وفي مختارِ الصحاح، الحنين: الشّوقُ وتوَقانِ النّفس.(4)
وجاءَ في قاموسِ المَعاني: "حَفِيفُ الأشْجَارِ": الصَّوْتُ الصَّادِرُ عَنْ تَحَرُّكِ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ. و"حَفِيفُ جَنَاحَيِ الطَّائِر": صَوْتُ جَناحَيْهِ. و"حَفيفُ الحَيَّةِ": صَوْتُ جِلْدِها.
وشاعرتُنا مُشتاقةٌ بأحاسيسِها العذبةِ إلى كلِّ شيءٍ في حبيبِها، حتّى أنّها توّاقةٌ لسماعِ صوتِهِ، فلا غرابةَ في ذلكَ، فهي عايَشَتْ ظروفَ النّكبةِ، وترى وتُحِسُّ بآثارِها المُدمّرةِ، في جوٍّ كئيبٍ حزينٍ تَعجَزُ عن تَغييرِهِ، تمامًا مثلما عجِزتْ كلُّ الدّولِ العربيّةِ، وأمامَ هذا الواقعِ العَصيبِ، والأوضاعِ الاجتماعيّةِ المُكبِّلةِ ليَديْها، الآسرة لحركاتِها، وفي ظلِّ واقعٍ اقتصاديٍّ يَعصِفُ بها وبأبناءِ جلدتِها، نراها تقفُ عاجزةً عنِ التّغييرِ، فتلجأُ إلى التّعبيرِ عمّا في قلبِها، وما هوَ مُختَزَنٌ في أحاسيسِها، هربًا مِن واقعٍ مُرٍّ كئيبٍ مُحزِنٍ، فتلجَأُ للكلمةِ المُعبِّرةِ وإلى ما يَعشقُهُ قلبُها، تلجأُ لغزَلٍ رقيقٍ تُلهي به ذاتَها، وتعزفُ لحنًا عذبًا رخيمًا، تُخفِّفُ بهِ عمّا في داخلِها مِن ضُغوطاتٍ تكادُ تَعصِفُ بها عصْفًا، عساها أنْ تَجِدَ المُتلقّي الّذي يُحلِّلُ ويَفهَمُ نبضَ حُروفِها.
القصيدةُ مُكوّنةٌ مِن ثمانيةِ مَقاطعَ، ففي المَقطعِ الأوّلِ تقولُ: أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ/ يَنْسابُ/ نَسيمًا رَطِبًا في مَعابِرِ رُوحي/ تَجمَعُني قُزَحاتُهُ إضماماتٍ فوّاحَةً/ تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي/ نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي/ أَحَاسيسُكَ تُسوِّرُني/ كَيْفَ أهْرُبُ، وَمسافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا/ في مَسالِكِ قلبيِ؟
فالمَطلعُ: (أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ) وفيه تناصّ، وتعريفُهُ: يَرى ميخائيل باختن: "أنّ التّناص: تداخلُ السِّياقاتِ ووجودُ علاقةٍ بينَ نصٍّ قديمٍ وآخرَ جديدٍ.
وترى جوليا كرستيفا: "أنّ التّناصَ لوحةٌ فُسيفسائيّةٌ مِنَ الاقتباساتِ، وكلُّ نصٍّ هو تَشرُّبٌ وتحويلٌ لنصوصٍ أخرى"، وهذا المَطلعُ يُذكِّرُنا بقولِ الشّاعرِ محمود درويش:  (أحنُّ إلى خُبزِ أُمّي)، وهو تناصٌّ أدبيٌّ.
تبدأ قصيدتُها بجُملةٍ خبَريّةٍ للتّعبيرِ عنْ ذاتِها وعنْ مَكنوناتِ مَشاعرِها، والمُلفِتُ للنّظرِ في حُروفِ هذا المَقطعِ هو النّاحيةُ الجَماليّةُ، في الحُروفِ وانتقائِها، وفي التّعابيرِ ومُواءَمتَها لبَعضِها، فهذا المقطعُ يَكثرُ فيهِ حُروفُ: السّين والنّون والواو، وهذهِ الحروفُ لا تَدخلُ على كلمةٍ، إلّا وقدْ جمّلتْها وأكسَبتْها روْنقًا وجَمالًا، كما يَرى الخليلُ بنُ أحمد الفراهيدي، لنقفَ عندَ كلمةِ "أحِنُّ"، فالحَنينُ كما أوضحْنا، مُرتبطٌ بالصّوتِ غالبًا، كما بيّنَتْهُ مَعاجمُ الّلغةِ، والنّونُ مُشَدّدةٌ، تَنفُثُ بها الشّاعرةُ زفراتِها الحَرّى، يَأتي بَعدَها "صوتُ الحبيب"، أمّا الأصواتُ الصّائتةُ المُهيْمنةُ في هذا المَقطعِ، فتتمثّلُ بصوتِ الألفِ، ففيهِ إطالةٌ وراحةٌ للنّفسِ في التّعبيرِ، ويَحتاجُ لزمنٍ أطولَ، كي يتسنّى للحبيبِ سماعَ ندائِهِ لمَنْ أحَبَّتْهُ واختارَتْهُ.
لقدْ ثارَ رُوّادُ الشِّعرِ العربيِّ الحُرِّ على القاموسِ الشِّعريِّ، فلمْ يَعُدْ للشِّعرِ مُعجمٌ خاصٌّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتٍ، وما دامتْ لغةً فهي علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلكَ، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارةٍ"، كما يقول حجازي.
لقدِ ارتبطَ الشِّعرُ بالّلغةِ لا بالكلماتِ، بالشّاعرِ الخلّاقِ والتّجربةِ والحياةِ. الشِّعرُ رؤيا، والرّؤيا تقومُ على رؤيةٍ خاصّةٍ للحياة، وعلاقةٍ خاصّةٍ بالأشياء، تتجلّى عبْرَ علاقاتٍ لغويّةٍ خاصّة. الّلغةُ ليسَتْ صناعةً لفظيّةً يَقومُ بها الذّهنُ بعيدًا عنِ الإحساسِ بالحياةِ والعالَمِ. إنّها "نظامٌ لا يتَحكّمُ فيهِ النّحوُ، بل الانفعالُ أو التّجربة. مِن هنا كانتْ لغةُ الشّعرِ لغةَ إيحاءاتٍ، على نقيضِ الّلغةِ العامّةِ، أو لغةِ العِلمِ الّتي هي لغةُ تحديداتٍ"(5).      وشاعرتُنا بذائقتِها الفنّيّةِ الخلّاقةِ أدركَتْ ذلكَ، وها هي تُسَخِّرُ هذهِ النّزعةَ التّجديديّةَ في شِعرِها، بطريقةٍ مُبتكَرةٍ.
ولْنتمَعّنْ في أفعالِ هذا المقطعِ برَوِيّةٍ، فسنرى أنّ الأفعالَ كلَّها أفعالٌ مُضارعةٌ، وتخلو تمامًا مِنْ فِعْلَي الأمر والماضي: أَحِنُّ، يَنْسابُ، تَجمَعُني، تَزدانُ، تُلاغفُ، تُسوِّرني، أهْرُبُ، تَزداد.
لقدِ اتّكأتِ الشّاعرةُ على الفِعل المضارع؛ لخلْقِ الحيويّةِ وبثِّ الرّوحِ والاستمراريّةِ. وانتقلتْ في السّطورِ الثّلاثةِ الأخيرةِ لأسلوبِ الإنشاءِ المُتمثّلِ في (كيف): كَيْفَ أهْرُبُ/ وَمسَافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا/ في مَسالِكِ قلبيِ ؟
والاستفهامُ خرَجَ عن مَعناهُ الأصليّ؛ ليُفيدَ التّعجُّبَ. وتتزاحمُ الصُّوَرُ الشِّعريّةُ المُبتكَرةُ في هذا المقطعِ: فالشّاعرةُ تَحِنُّ وتَشتاقُ لسماع صوتِ حبيبها، فهو كما النّسيمُ يتنسّمُهُ قلبُها بمَعابرِهِ، وصوتُ الحبيبِ يُزيّنُ مَنابرَ سمَعِها، تشْرَئِبُّ لها عواطفُ الشاعرةِ وتلعَقُها.
والتّحوُّلُ والانزياحُ يتزاحمُ أيضًا في هذا المقطعِ، وما فيهِ مِن تشبيهاتٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ: فلِلقلبِ مَعابِرُ ومَسالِكُ، وللسّمعِ مَنابرُ كما للمَساجدِ، ونبراتُ الحروفِ تَلعقُ الجَوانحَ، كما لو أنّ للجَوانحِ لسانٌ يَلعقُ ويَأكلُ، والأحاسيسُ تُطوَّقُ، ولِلولَهِ وهو شدّةُ الحُبِّ، مسافاتٌ تُنقَشُ.
ولقدِ اختارتْ شاعرتُنا كلماتِها بعنايةٍ، فقالتْ: "الولَهُ" ولم تقُلْ: "الحُبُّ"، فـ "الولَهُ" أشدُّ مِنَ الحُبِّ، وأعمقُ تأثيرًا في القلبِ. ولقد وظّفَتِ الشّاعرةُ عناصرَ الصّوتِ والحركةِ، فمِنَ الألفاظِ والتّراكيبِ الدّالّةِ على عنصرِ الصّوتِ: حَفيفِ صَوْتِكَ، تجمَعُني، مَسامعي، نبراتُ حُروفِكَ.
ومِنَ العناصرِ المُعبِّرةِ عنْ عنصرِ الحركةِ: ينسابُ، فوّاحة، تُلاغف (تلعق)، تُسوِّرُ، أهربُ. كما وقدْ ذكَرَتِ الجزءَ (الحَرْفَ)، وأرادتْ بهِ الكُلّ (الكلمات)، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة.
وفي المقطع الثاني: أَشتاقُكَ/ أيُّها المَجنونُ/ إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أَشتاقُك/ وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ/ كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ/ أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر
بدأتْ شاعرتُنا هذا المَقطعَ بأسلوبٍ خبَريٍّ، مُعلِنةً شوْقَها لحبيبِها للتّعبيرِ عن ذاتِها وخلجاتِ نفسِها؛ لتنتقلَ في السّطرِ الثّاني مباشرة للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثّلِ في النّداءِ، ويُفيدُ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ للحبيبِ، وتُكرِّرُ كلمةَ (أشتاقُكَ) تأكيدًا لشوقِها، ولخَلْقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ، ونُلاحظُ في هذا المقطعِ كلمَتَيْ (أشتاقُكَ) و(كمايَ)، فالأولى: "أشتاقُ إليكَ"، والثانيةُ: "كما إيّايَ".
لقدْ ثارَ رُوّادُ الشِّعرِ العربيِّ الحُرِّ على القاموسِ الشِّعريِّ، فلمْ يَعُدْ للشِّعرِ مُعجمٌ خاصٌّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتٍ، وما دامتْ لغةً، فهيَ علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلك، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارةٍ، كما يقولُ حجازي. لقدِ ارتبطَ الشِّعرُ بالّلغةِ لا بالكلماتِ، بالشّاعرِ الخلّاقِ والتّجربةِ والحياةِ. الشِّعرُ رؤيا، والرّؤيا تقومُ على رؤيةٍ خاصّةٍ للحياة، وعلاقةٍ خاصّةٍ بالأشياء، تتجلّى عبْرَ علاقاتٍ لغويّةٍ خاصّة. الّلغةُ ليسَتْ صناعةً لفظيّةً يَقومُ بها الذّهنُ بعيدًا عنِ الإحساسِ بالحياةِ والعالَمِ. إنّها "نظامٌ لا يتَحكّمُ فيهِ النّحوُ، بل الانفعالُ أو التّجربة. مِن هنا كانتْ لغةُ الشّعرِ لغةَ إيحاءاتٍ، على نقيضِ الّلغةِ العامّةِ، أو لغةِ العِلمِ الّتي هي لغةُ تحديداتٍ"(6)      
وفي المَقطعِ مجموعةٌ مِنَ انزياحاتٍ وكِناياتٍ واستعاراتٍ وحذْفٍ: فلقدْ شبّهَتِ الحزنَ بالخمْرِ لهُ دِنانٌ، كما شبّهَتْ دِنانَ الحزنِ بالنّديمِ، ولْنَقِفْ عندَ اختيارِ الشّاعرةِ لكلمةِ (نديم): و(النَّدِيمُ): المُصاحِبُ على الشَّراب المُسامِرُ، فلم تقُلْ: الصّاحبُ أو الرّفيقُ، وقدْ أحسَنَتْ صنْعًا، فجاءتْ بلفظةِ (أُنادِمُها)، لتُوائِمَ الجُملةَ السّابقةَ عليها، وهي (دنانُ حزْنِكَ)، والجُملةُ هذهِ تُوائِمُ الإدمانَ، فمُعاقِرُ الخمْرِ يُدمِنُ عليه.
لِمَ يَتَأوَّهُ حَبِيبي/ والنَّارُ تَتَآكَلُ في دِمائِهِ ولا تَأكُلُهُ؟/ أما كانَ الأَوْلى بِنيرانِهَ أن تَتَأوّهَ؟: وفي المَقطعِ الثّالثِ تتحوّلُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الإنشائيّ، وهو الاستفهامُ الّذي يُفيدُ تَعَجُّبَ شاعرَتِنا، مِن عدَمِ تأوُّهِ الحبيبِ لشِدّةِ وجْدِهِ بمحبوبَتِهِ، وتَرى أنَّ الأوْلى بنيرانِ الحُبِّ والشّوقِ أنْ تتأوّهَ، ففي السّطرِ الثّاني كنايةٌ عن شِدّةِ وجْدِ الحبيبِ بالمحبوبةِ الشّاعرةِ، وصَبْرِهِ على عذاباتِ الشّوْقِ والحُبِّ والحنين، فالنّارُ تتآكلُ وتتأوّهُ، وهذا تشخيصٌ وتجسيمٌ.
اِفتَحْ لي قلبَكَ الذَّهبيَّ/ واسْكُبْ أَحشاءَهُ عَلى راحَتيَّ../ بالأمْسِ؛/ سَمِعْتُ وُعُولَك تُناغِي ظِباءَ حُزنِك/ آهٍ يا رَحمَ رُوحٍ/ تَتَفَتَّقُ وِلادةَ وَجدٍ في رُوحِي: أَنُولَدُ فِينَا؟: وفي هذا المَقطعِ الرّابعِ تبدؤُهُ بأسلوبٍ خبَريٍّ، دلالةً على البوْحِ بشدّةِ حُبِّها وتَعلُّقِها بالمحبوبِ، بإعجابِها بهِ، وتختِتُمُهُ بأسلوبٍ إنشائيٍّ، وهوَ الاستفهامُ الّذي يُفيدُ التّمني. فقلبُ الحبيبِ مِنْ ذهبٍ: كنايةً عن طِيبِ مَعدنِهِ، وللحبيبِ وُعولٌ تُناغي وتُلاطِفُ، كما للأحزانِ ظِباءٌ، وللرّوحِ رحمٌ، وللحُبِّ والوَجدِ ولادةٌ، وللقلبِ أحشاءٌ، وكلُّها استعاراتٌ، وفيها الاختراقُ والانزياحُ، وتقولُ (راحتي): والرّاحةُ باطنُ اليَدِ، مجازٌ مرسل علاقته الجزئيّة.
الشّاعرةُ تنتقي كلماتِها بعنايةٍ، فتختارُ كلماتِها وألفاظَها مِنْ مُعجمٍ شِعريٍّ يُوحي بالرقّةِ، فكلمةُ (تناغي) في الّلغةِ تُغازِلُ وتُلاطِفُ، والمرأةُ تُنَاغِي الصّبيّ، أي تُكلِّمُهُ بما يُعجبُهُ ويُسِرُّهُ، ومِنَ العِباراتِ والألفاظِ الدّالّةِ على الرّقّةِ: قلبُكَ الذّهبيّ، الوُعول، الظباء، تُناغي، والرّوح.  
وتقول في المقطع الخامس: آثارُ قلبِكَ دَعني أرَمِّمْها ../ أُجَدِّد مَاءَ حَدائِقَها ../ أَجعلها وُرودًا/ نَتراقصُ بَينَها شَغفًا/ وتَسبَحُ قَنادِيلي في جَداولِهِا الشّهيَّة: وتَكثُرُ في هذا المَقطعِ الانزياحاتُ، فالقلبُ الّذي أضناهُ الوَجْدُ والعِشقُ، كما البناءُ الّذي يَحتاجُ إلى ترميمٍ، وحدائقُهُ تحتاجُ لمياهٍ جديدةٍ وورودٍ تَرقصُ، كنايةً عن الجَمالِ والبهجةِ والسّرورِ، وللشّاعرةِ قناديلُ مُتوهِّجةٌ مضيئةٌ، وللعِشقِ جداولُ شهيّةُ الطّعم كما الغذاء، والفعلُ (نتراقصُ) يُفيدُ المشاركةَ في الرّقصِ بينَ الشّاعرةِ ومَنْ أحبَّتْ. وتَزخَرُ عناصرُ الحَركةِ، والّلوْن، والمَذاقِ، فالوردُ أحمرُ، والجدْولُ أزرقُ، والورودُ تتحرّكُ وتتراقصُ كماءِ الجداولِ المُنسابةِ، والجداولُ شهيّةُ المَذاقِ.
وفي المَقطعِ السّادسِ: هُو قلبُكَ لي؛/ بِمَائِهِ وطَمْيِهِ../ بِضِفَافِهِ وأَشجَارِهِ../ بِعَصافيرِهِ ونَحْلِهِ../ أُريدُهُ بِعالَمِهِ/ فَكُلُّكَ/ وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني/ ولا أُريدُ الشَّوقَ يُؤطِّرُني: يبدأ بضميرِ الشّأنِ (هو)، دلالةً على تقديرِ الشّاعرةِ لحبيبِها ولحُبِّها، وذكَرَتِ (القلب) مجاز مرسل علاقته المكانيّة، فهو مكانُ الحُبِّ والوَجْدِ، وقالت: (لي)، دلالةً على  حِرصِ الشّاعرةِ أنْ يكونَ حبيبَها لها فقط دونما سواها، وتُؤكِّدُ الشّاعرةُ على ذلك، بتِكرارِها للفظةِ (كُلّ) بقولِها: فَكُلُّكَ/ وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني.
وتلجأُ الشّاعرةُ لتوظيفِ عناصرِ الطّبيعةِ: الماء، الطّمي، الضّفاف، الأشجار، العصافير، النّحل. و(تُعتبرُ ظاهرةُ الهُروبِ إلى أحضانِ الحُبِّ الدّافئِ، وإفراغِ الشّعراءِ عواطفَهُمُ المُلتهبةَ فيها، مِنَ الظّواهرِ الرّئيسيّةِ، إلى جانبِ الطّبيعةِ في الشّعرِ الرّومانسيِّ بوجهٍ عامّ.
إنّ الطّبيعةَ والحُبَّ ليسا بجَديدَيْنِ على الشِّعرِ العربيّ، لكنَّ الجَديدَ فيهما، أنّهما يَمتزجانِ بوجدانِ الشّاعرِ امتزاجًا يكادُ يَتّحِدُ فيهِ الوجودُ الخارجيُّ بالوجودِ الدّاخليِّ، فتحتملُ التّجربةُ دلالاتٍ أرحبَ مِنَ الدّلالاتِ المَألوفةِ في التّجربةِ العاطفيّةِ التّقليديّةِ، ويُصبحُ للشِّعرِ مُستويانِ: أحدُهُما مُرتبِطٌ بحدودِ التّجربةِ في الواقعِ الخارجيِّ، والآخَرُ ناطِقٌ بأشواقِ الإنسانِ العامّةِ، وإحساسِهِ بالكوْنِ والحياةِ والمُجتمعِ". (7)
وتقولُ في المَقطعِ السّابعِ: هُوَ صدرُكَ بَيْدَري/ أدْرُسُ عَليْهِ سَنابلَ حَنيني/ لن أَخشَى اجْتياحَ فَيَضانِكَ/ سَتُسْكِنُك قُبْلَةٌ تُخَثِّرُ أَمواجَكَ/ لَنْ أخشَى خَطَرَ السِّباحَةِ فيكَ/ وانْجِرافي بِشَلاّلاتِكَ النَّاريَّة: ويبدأُ هذا المَقطعُ بضميرِ الشّأنِ (هو)؛ أي الحبيب، لأهمّيّتِهِ وتقديرِهِ في نفسِ الشّاعرةِ، ونرى أنَّ الشّأنَ مِن حيثُ الّلغةِ، هو الحالُ والأمرُ والخطْبُ الّذي لا يُقالُ، إلّا فيما يَعْظُمُ مِنَ الأحوالِ والأمورِ، فهيَ تُريدُ التّوحُّدَ معَ مَنْ تُحِبُّ.
ونلاحِظُ مُواءمةَ الشّاعرةِ بينَ الألفاظِ وحُسْنِ انتقائِها لها، كما في مثل: بَيْدَر، أدْرُسُ، سَنابل، وسنابل، فهي كلُّها ألفاظٌ دالّةٌ على المحصولِ والخيرِ.
ومنها أيضًا: فيضان، أمواج، السّباحة، انجراف، شلّالات، فهذهِ الألفاظُ تُناسبُ بعضُها بعضًا. وتختارُ في هذا المَقطعِ أفعالَ المُضارعة الدّالّةَ على استمراريّةِ الحُبِّ والحَركةِ والنّشاطِ: أَدْرُسُ، لنْ أخشى، ستُسكِنُكَ.
والمُلفِتُ للنّظرِ تِكرارُ لفظةِ (لن أخشى)، و(لن) حوّلَتْ زمنَ الفِعلِ المُضارعِ للمُستقبلِ، فهي حرفُ نصبٍ، وقلْبُ زمَنِ الفِعلِ المُضارعِ للمُستقبَلِ. كما في قولِها (ستُسكِنُكَ)، فالسّينُ دخلَتْ على الفِعلِ المُضارعِ؛ ليُفيدَ الاستقبالَ، وهذا كلُّهُ اختراقٌ في الّلغةِ والتّحويلِ، يُفيدُ العِباراتِ جَمالًا على جَمالٍ.
وفي المَقطعِ الثّامنِ: أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ../ تُغلِّفكَ بي؟!/ أتكونَ دفينَ انصِهَاري/ حَبيسَ أنْوِيَتي؟!/ أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ/ لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟!/ يَا .. مَنْ .. أَشْتاقُكَ/ دَعْني أرْوي بِأمْطارِ عَيني/ بَراريَ عَطشِكَ/ أُلَمْلِمني لكَ ظِلالًا/ وأشتاقُكَ أبدًا: وفي هذا المَقطعِ، نرى أنّ الشّاعرةَ قدِ انتقلتْ فيهِ إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، وهو حافلٌ بهِ، بدَأتْهُ بالاستفهام: (أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ.. تُغلِّفكَ بي؟!)- (أتكونَ دفينَ انصِهَاري.. حَبيسَ أنْوِيَتي؟!)_ (أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ.. لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟!)
والاستفهامُ في كلٍّ يُفيدُ الالتماسَ.
والنّداءُ في نحو:  (يَا.. مَنْ .. أَشْتاقُكَ): ويُفيد التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ الحبيب.  
والأمرُ كما في: (دَعْني أرْوي بِأمْطارِ عَيني/ بَراريَ عَطشِكَ).
ولقدْ خرَجَ الأمرُ عن معناهُ الحقيقيِّ؛ ليُفيدَ الالتماسَ.
ولقدْ تكَرَّرَتْ كلمةُ (أشتاقُكَ) في القصيدةِ أربعَ مرّاتٍ، وفي هذا المَقطعِ مرّتيْنِ:
"إنّ هذا التّكرارَ لِلكلمةِ نفسِها المُتّفقةِ في شكلِها وعددِ حُروفِها يكونُ توافُقًا صوتيًّا، وهذا التّوافُقُ الصّوتيُّ مِن شأنِهِ أنْ يُحدِثَ موسيقى داخليّةً، بالإضافةِ إلى موسيقى البيتِ، وإنَّ نغمةَ هذهِ الكلماتِ المُتكرِّرةِ، تُبرِزُ إيقاعَ النّفسِ المُنفعِلةِ والمُندهِشةِ. الكلماتُ المُكرَّرةُ ربّما لا تكونُ عاملًا مُساهِمًا في إضفاءِ جوِّ الرّتابةِ على العملِ الأدبيّ، ولا يمكنُ أن تكونَ دليلًا على ضعفِ الشّاعريّةِ عندَ الشّاعرِ، بل إنّها أداةٌ مِنَ الأدواتِ الّتي يَستخدمُها الشّاعرُ، لتُعينَ في إضاءةِ التّجربةِ وإثرائِها، وتقديمِها للقارئِ الّذي يُحاولُ الشّاعرُ بكلِّ الوسائلِ، أنْ يُحرِّكَ فيهِ هاجسَ التّفاعُلِ معَ تجربتِهِ".(8)
إنّ تِكرارَ كلمةِ (أشتاقُكَ)، يُمكنُ أن يكونَ عنوانًا للمُتلقّي، على الكشْفِ عن البُنيةِ الدّاخليّةِ لعالَمِ النّصّ، وبالإضافةِ إلى ذلك، فإنّها شكّلتْ إيقاعًا موسيقيًّا قادرًا على نقلِ التّجربةِ، وهكذا يقومُ التّكرارُ الصّوتيُّ والتّوتُّرُ الإيقاعيّ، بمُهمّةِ الكشْفِ عن القوّةِ الخَفِيّةِ في الكلمة.(9)  
الهوامش:
1. ديوانُ "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ" ، آمـال عوّاد – رضوان 12- 16 ط أولى 2005
2. اُنظر لسان العرب ابن منظور، ص 636 ، دار الحديث، القاهرة، 2002
1.   المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه، ص225، ط2، القاهرة
2.   مختار الصحاح، الرازي159، دار الفكر العربيّ، بيروت 1973
3.   مفهوم الشعر عند روّاد الشعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص220، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرَب، دمشق 2005
4.   مفهومُ الشّعر عند روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص220، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرَب، دمشق 2005  
5.   د. عبد القادر القط- الاتّجاه الوجدانيّ في الشّعر العربيّ المُعاصر ص14 .  
6.    اُنظر: قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، ص 24- 26 دار جرير، عمان، 2010    
7.   وانظر: الأفكار والأسلوب: دراسة في الفنّ الرّوائيّ ولغته ترجمة د. حياة شرارة 50 ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، آفاق عربيّة، بغداد، د.ت.      


56



قراءات شعرية؛ للشاعر عدنان الصائغ، من - إلى بلاد ما بين النهرين





(تقرير ارشيفي/ ثقافات – لندن):
* الأحد القادم 27 ابريل 2014، سيختتم مشروع "الكتابة في بلاد ما بين النهرين Writing Mesopotamia" حلقاته الثلاث، بأمسية شعرية مع العود. يقدمها الشاعران جني لويس Jenny Lewis، وعدنان الصائغ Adnan al Sayegh، بمصاحبة العازفة باتريشا. كما سيقرأ المشاركون في الورش الابداعية قصائدهم التي استوحوها من بلاد ما بين النهرين.
 - Sunday 30 March الورشة الأولى: تاريخ وثقافة بلاد ما بين النهرين – العراق / 30 مارس.
http://www.britishmuseum.org/whats_on/events_calendar/event_detail.aspx?eventId=1360&title=Writing%20Mesopotamia:%20history%20and%20culture&eventType=Workshop

Sunday 6 April - الورشة الثانية: الأساطير والخرافات - في بلاد ما بين النهرين / 6 ابريل.
http://www.britishmuseum.org/whats_on/events_calendar/event_detail.aspx?eventId=1361&title=Writing%20Mesopotamia:%20myths,%20legends%20and%20art&eventType=Workshop

Sunday 13 April - الورشة الثالثة: الشعر في بلاد ما بين النهرين، خاصة ملحمة كلكامش – انخيدوانا / 13 ابريل.
http://www.britishmuseum.org/whats_on/events_calendar/event_detail.aspx?eventId=1362&title=Writing%20Mesopotamia:%20The%20Epic%20of%20Gilgamesh&eventType=Workshop

 Sunday 27 April- الأمسية الختامية: قراءة للمشاركين في ورش العمل الإبداعية، تليها قراءة للشاعرين جني والصائغ 27 ابريل.
http://www.britishmuseum.org/whats_on/events_calendar/event_detail.aspx?eventId=1363&title=Writing%20Mesopotamia:%20performance&eventType=Performance

http://jennylewis.org.uk/2014/02/06/1252/

صفحة المتحف الرئيسية
 http://www.britishmuseum.org/
*
سبقت الورشة أعمال ابداعية أخرى:
للأيام  القادمة 24 , 25 و 26 ابريل 2014 ستقدم فرقة مسرح الفن الحديث، في في مدينة مالمو السويدية، عرضها الثاني للمسرحية الجديدة (السر Hemligheten) عن قصائد للشاعرين: السويدي توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer  (نوبل 2011)، والعراقي عدنان الصائغ Adnan Al Sayegh. اعداد واخراج الفنان حسن هادي. وتمثيل: الفنان باسم الباسم، والاعلامية والممثلة هبة نبيل، وبعض الممثلين السويدين والعرب. كما سيعرض فيلم عن الشاعرين ترانسترومر والصائغ، من اخراج الفنان إياد عيد.
وكانت المسرحية والفيلم قد قدما في العرض الأول لليومين 4 و 5 ابريل 2014
وأقيمت للشاعر الصائغ قراءة شعرية بين المسرحية والفيلم، يوم 4 ابريل، قرأ فيها مجموعة من قصائده. وقرأت ترجمتها إلى اللغة السويدية الفنانة كلوديا Claudia Cirnski.
http://modern-art.se/ara/page-6.html

http://modern-art.se/eng/contact-us.html

http://213.115.181.183/show_direct.php?showid=8921

http://www.kulturcentralen.nu/evenemang/hemligheten-5

http://modern-art.se/onewebmedia/Folder%20Sida%20A.jpg

http://modern-art.se/onewebmedia/Folder%20Sida%20B.jpg
*
1/4/ 2014 قدم مسرح بيكاسوس، في مدينة اكسفورد، مسرحية "ألف ليلة وليلة  1,001 Arabian Nights"، اعداد الشاعرة جني لويس Jenny Lewis، واخراج الفنانة ياسمين سيدهوا Yasmin Sidhwa. شارك فيها حوالي 150 ممثلاً وممثلة. ضمت قصصاً متنوعة من ألف ليلة وليلة باسلوب واخراج جديدين، أضافت لها المخرجة والمعدّة حكاية أخرى عن "شاعر معاصر في المنفى من بلاد ما بين النهرين Adnan Al Sayegh". 
http://www.oxfordmail.co.uk/news/yourtown/oxford/11118671.Carpet_of_magic_stories_takes_flight/

http://focusonuk.co.uk/oxfordshire-articles-cat7-id414
*
27/3/2014 أقيمت في قاعة بيغاسوس في مدينة اكسفورد، حفلة شعرية موسيقية للتعريف بمشروع مسرحية "ألف ليلة وليلة" و"الكتابة في بلاد ما بين النهرين". شارك فيها الشعراء: ستيفن واتس، جني لويس، عدنان الصائغ. صاحبهم عزف على العود للفنان: طارق بشير.
Writing Mesopotamia At The Pegasus Theatre,
The programme of Poetry event on 27 March at Pegasus, Oxford at 7.00pm: Adnan al Sayegh, Stephen Watts and Jenny Lewis, with Oud musician Tarek Beshir
WITH EMERGING OXFORDSHIRE POETS
http://jennylewis.org.uk/2014/03/13/writing-mesopotamia-at-the-pegasus-theatre-27th-march/
https://www.facebook.com/TheOxfordEnglishAcademyBenghazi/posts/357753104326008
فديو 1 - قصيدة يوليسيس (عربي انكليزي)
http://www.youtube.com/watch?v=jmaBpzrmI3I
فديو 1 – قصائد متنوعة (عربي انكليزي)
http://www.youtube.com/watch?v=T9mJLUJhGDo
فديو 1 –  مقاطع من نشيد أوروك (عربي انكليزي)
http://www.youtube.com/watch?v=losN8akVCLI
*
4/3/2014 أقيمت في جامعة اكسفورد – مركز كلية كيلوغ للكتابة الإبداعية، ندوة وقراءات شعرية بعنوان "ضحايا الخارطة"، تحدث فيها الشاعران: البريطانية جني لويس، والعراقي عدنان الصائغ عن "شعر الحرب والمنفى والأمل، في بلاد ما بين النهرين – العراق".
ثم قرأ الصائغ مقاطع من "نشيد أوروك" وقرأت لويس ترجمتها إلى اللغة الانكليزية، وقرأت نصوصاً من ديوانها الجديد" Taking Mesopotamia"  وقرأ الصائغ بعض الترجمات من ديوانها إلى العربية.
http://www.kellogg.ox.ac.uk/creativewriting/poetryofwar
Kellogg College Centre for Creative Writing - Seminar" - Victims of a Map"
the poetry of war, exile and hope in Mesopotamia-Iraq Adnan al Sayegh and Jenny Lewis

http://jennylewis.org.uk/2014/03/13/victims-of-a-map-seminar-kellogg-college-oxford-tuesday-4-march-2014

http://jennylewis.org.uk/2014/02/12/victims-of-a-map-kellogg-college-centre-for-creative-writing/
*
25 مارس، في جامعة اكسفورد، حفلة توقيع الكتاب الجديد للشاعرة جني لويس. والصائغ يقرأ بعض ترجمات القصائد إلى العربية.
*
28 شباط – فبراير، أقيمت في اتحاد الادباء والكتاب في النجف ندوة بعنوان: (ثمانينات الشعر: الحرب والمنفى 1- شهادات وقصائد) قدم فيها د. عبد الهادي الفرطوسي دراسة نقدية تحدث فيها عن الشعراء: عدنان الصائغ، عبد الله الخاقاني، محيي الدين الجابري، محمد زايد ابراهيم، مهدي هادي شعلان. وتم فيها عرض فيلم قصير ضم قراءات للصائغ. أدار الندوة: الشاعر عماد الحيدري.
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=63044

http://www.alnoor.se/article.asp?id=236319

http://www.alnoor.se/article.asp?id=237220

وفي مساء اليوم نفسه  28 شباط – فبراير، أقيمت أمسية شعرية وموسيقى في المنتدى الثقافي العربي في بريطانيا، للشاعرين: السورية ملك مصطفى، والعراقي عدنان الصائغ.
http://taboohat.com/multaqa/?p=800

http://www.alnoor.se/article.asp?id=236319
*
20 شباط – فبراير، قراءة للصائغ في احتفالية موزائيك روم. قرأ الترجمة الشاعر البريطاني ستيفن واتس.
*
14 شباط – فبراير، شارك الشاعران العراقيان عبد الرزاق الربيعي وعدنان الصائغ والروائي الجزائري أمين الزاوي، مع عزف على العود للفنان محمد الحلال، في أمسية مشتركة في مدينة الدمام، قدمها الشاعر حسين دهيم، وتحدث فيها الشاعر علي الدميني وآخرون..
فديو أمسية الدمام - كاملة
http://www.youtube.com/watch?v=_I8MsgqbWEw
وكان الصائغ، في العاصمة الرياض، الخميس 13 فبراير، ، قد قرأ لدقيقة ونصف قصيدتين قصيرتين عن العراق.. ضمن فعاليات مهرجان الجنادرية للفترة 10-17 فبراير 2014.
*
10/1/2014 ضمن مشروع "مبدع في حضرة درويش" الذي يقيمه "متحف محمود درويش" في مدينة رام الله، أُستضيف الشاعر العراقي عدنان الصائغ لقراءات مختارات من قصائده قدمه مدير المتحف الاستاذ سامح خضر، وادار الأمسية وحاوره الناقد د. ايهاب بسيسو.
ج1
https://www.youtube.com/watch?v=s8OzF13iXn4&feature=youtu.be
ج2
https://www.facebook.com/photo.php?v=441254739309177&set=vb.100002739635593&type=2&theater

*
30/1/2014 نشر موقع a Word to Win مقالة للكاتبة Corinna Lotz كورينا لوتز عن الديوان الجديد "ان القنابل لم تفطر الآن Bombs Have Not Breakfasted Yet"، للشاعر الصائغ. ترجمة الاستاذ د. عباس كاظم Dr. Abbas Kadhim، والشاعر ديڤيد سليڤان David Sullivan، ضمن اصدارات المركز الثقافي العراقي في لندن، ودار الحكمة.
http://www.aworldtowin.net/reviews/Adnan-al-Sayegh.html
يمكن الاطلاع على الكتاب كاملاً في موقع "النور":-
http://www.alnoor.se/article.asp?id=228869
أو في موقع "الناس":-
http://al-nnas.com/g7.htm
أو في موقع "الأخبار":-
http://alakhbaar.org/home/2013/12/160039.html
أو في موقع "عنكاوا":_
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=718625.0
أو في موقع "الناقد العراقي"
http://www.alnaked-aliraqi.net/article/20305.php
*
3 ديسمبر 2013 يقرأ الصائغ مجموعة من قصائده في مقهى وحانة بيكهام / كامبرويل Peckham/Camberwell في لندن. ويقرأ الترجمة الشاعر ستيفن واتس.
http://www.thepeckhampelican.co.uk/
*
17 سبتمبر 2013 يقرأ في مدينة Petersfield جنوب بريطانيا، في مقر Write Angle poetry & music. يقرأ ترجمة قصائده الشاعر ستيفن واتس.
'Passage to Exile'  العبور الى المنفى                               
 http://www.youtube.com/watch?v=lraFqxAV1n0&feature=youtu.be

'Drawing' & 'Absence'  تشكيل، غياب                         
http://www.youtube.com/watch?v=tM725pIHSnk&feature=youtu.be

'Mass Grave'  مقبرة جماعية                                     
http://www.youtube.com/watch?v=dA_JTsCQymQ&feature=youtu.be



نشاطات سابقة
*
16 ت2 2013 في لقاء آخر لـ "تواصل الثورة"، في مركز المؤتمرات أرلينغتون، بلندن - ، يقرأ الصائغ مجموعة من قصائده، قرأت الترجمة الانكليزية الكاتبة كورينا وتز Corinna Lotz. وهي مستلة من ديوان "Bombs Have Not Breakfasted Yet" ترجمة الدكتور عباس كاظم والشاعر الامريكي ديفيد سوليفان.
http://www.youtube.com/watch?v=TzaP4UfMn6U&feature=em-upload_owner
17 ت2 2013، في اليوم الثاني من ندوة  "تواصل الثورة"، في مركز المؤتمرات أرلينغتون، يقرأ الصائغ مقطعاً من "نشيد أوروك"، قرأت الترجمة الانكليزية الكاتبة كورينا. وهي مستلة أيضاً من ديوان "Bombs Have Not Breakfasted Yet"
http://www.youtube.com/watch?v=BtDdg45oRls&feature=c4-overview&list=UUUu9UCSqKNOzFsiRoP-vDWw
*
22/7/2013؛ ندوة خاصة لطلاب الأدب والدراسات العليا عن شعر الحرب والمنفى، في كلية لينكولن Lincoln College - جامعة اكسفورد University of Oxford، قدمتها استاذة القسم د. ايما سمث Emma Smith، وشارك فيها الشاعرة البريطانية Jenny Lewis، والشاعر العراقي عدنان الصائغ Adnan Al-Sayegh. قَرَآ مجموعة من قصائدهما بالانكليزي والعربي. أعقبها ورشة عمل على قصيدة "SUNFLOWER" للشاعر الصائغ لاعادة ترجمة وانشائها من قبل الطلبة، وكانت القصيدة وهي بعنوان "زهرة عباد الشمس" من ديوان "أغنيات على جسر الكوفة" قد ترجمها الفنان علاء جمعة.
*
في ندوة لليومين السبت والأحد 20-21/7 بعنوان "تواصل الثورة" Communicating the Revolution، في كامدن تاون Camden Town، بلندن، قرأ الشاعر عدنان الصائغ مجموعة من قصائده عن الحرية والانتفاضة، وقرأت الترجمة إلى الانكليزية الكاتبة كورينا لوتز Corinna Lotz. جرت القراءة يوم السبت 20/7/2013.
*
17/3/2013، قراءة في جامعة اكسفورد - قاعة متحف اشموليان.
http://www.alnoor.se/article.asp?id=193264
*
نشاطات وقراءات شعرية للشاعر عدنان الصائغ في المغرب وهولندا والسويد وبريطانيا 2013
http://www.alnoor.se/article.asp?id=197852

http://al-nnas.com/CULTURE/wtr386.pdf
*
قبل وداع 2012 ست قراءات شعرية للشاعر عدنان الصائغ
http://al-nnas.com/CULTURE/wtr385.pdf

http://www.alnoor.se/article.asp?id=183177
















57

الثُّرَيّا
إصدار جديد للأديب
خالص ايشوع بربر
 




بعد إصداره البكر الموسوم (حبة الخردل) الصادر بطبعتين: الأولى عام 2005، والثانية عن دار تموز بدمشق عام 2010، أصدر الأديب خالص ايشوع بربر كتابه الثاني الموسوم (الثريا) من إعداده وتقديمه، يتضمن دراسات نقدية عن تجربة القاص هيثم بهنام بردى في كتابة القصة القصيرة جداً، مع مقدمة مهمة ومعمقة أضاء في القسم الأول منها ركيزة أساسية في كينونة هذا الجنس الأدبي الجديد متمثلة بالسيميولوجيا. وفي القسم الثاني منها تناول تجربة بردى في كتابة هذا الجنس من الأدب القصصي من خلال إصدارات الخمسة: حب مع وقف التنفيذ " 1989، الليلة الثانية بعد الألف – 1996، عزلة أنكيدو – 2000، التماهي -  2008، القصة القصيرة جداً/ المجموعات القصصية – 2010.
إحتوى الكتاب الصادر عن مطبعة شفيق ببغداد ب (160) صفحة من القطغ المتوسط وبغلاف معبر صممه نادر عولو، على مقدمة للمعد ودراسات نقدية للعديد من النقاد وهم على التوالي وبحسب الحروف الأبجدية: إسماعيل إبراهيم عبد، إيمان عبدالحسين، حمدي الحديثي، سعدون البيضاني، شاكر الأنباري، علوان السلمان، د. قيس كاظم الجنابي، محمد عطية محمود (قاص وناقد مصري)، محمد يونس، مثنى كاظم صادق، د. نادية هناوي سعدون.
ولأهمية ما جاء في القسم الأول من المقدمة يسرنا أن ندرجها فيما يلي:
المقدمة
خالص ايشوع بربر
القصة القصيرة جداً، فن أدبي يعده البعض من نقاده ومنظّريه وكتابه المعروفين من أصعب صنوف الفن الأدبي (الأدب القصصي) أمثال وولتر كامبيل الذي يقول أن (كتابة الأقصوصة تحتاج إلى مهارة أكبر وسرعة أكثر وتكثيف أشد وبراعة أعظم مما تتطلبه القصة القصيرة الاعتيادية) (1)، أما ترنتويل ميسون رايت فيقول (لعل الأقصوصة من أشد أنواع الأدب القصصي صعوبة في إتقانه، إنها تتطلب صيغة من نوع راق إضافة إلى قابلية في الابتكار... لاتجربها حتى تتقن تكنيك القصة القصيرة) (2)، أما وليم.ي.هاريس فيؤكد (أن كثيرا من الكتاب المتمكنين الكفوئين من حيث الصفة الفنية، رغم إدراكهم أن الأقصوصة أصبحت الآن تلقى رواجا باعتبارها شكلا فنيا مقبولا، ومردودا حاليا أكثر من ذي قبل. فأنهم ينأون عنها لصعوبة تكنيكها وللقيود الخاصة بها) (3).
على أن هذا النوع من الأدب القصصي والذي ابتدأ بصدور أول مجموعة بعنوان (إنفعالات) عام 1938 للكاتبة ناتالي ساروت التي ولدت في مدينة ايفانوفا بروسيا عام 1900م وعاشت في فرنسا لحين وفاتها قبل سنوات قليلة، ومن أقولها المأثورة (ان ما يميّز – الأقصوصة– ليس طموح التقليديين ومقدرتهم على الخيال، ولكنه الرفض الذي نواجه به الواقع في عصرنا الحاضر، عصر الشك... وهكذا لم تعد الرواية وصفا للكائنات كما عند جويس وبروست وكافكا، وإنما أصبحت تساؤلا عن حقيقة هذه الكلمات) (4).
فهي إذن رؤية جديدة وقراءة جديدة بلغة جديدة تتماشى مع تطور العصر، وسعة مجال الاستقبال لدى المتلقي باستثارتها المدركات الحسية والبصرية والسمعية في ذات الوقت.
لغة تحاول أن تضم في كينونتها عناصر الحياة، بأحاسيسها ومشاعرها، حركتها وألوانها، روتينها ومفاجآتها، ودون التركيز على تفاصيلها المملة أو تحميل الأحداث حصرا على حروفها وكلماتها وجملها... فهي إذن لغة (تكشف الأشياء الخفية طالما أن الأشياء الظاهرة ليست في حاجة إلى اكتشاف) (5) ، فتبقى عملية التوصيل فيها غير معتمدة على اللغة المعروفة في الأدب الروائي والتي تسترسل في الوصف والحوار طالما أن أحد أهم عناصر القصة القصيرة جدا هو عدد كلماتها التي يجب أن تنحصر بين(1500–2000 كلمة) كما يؤكد ذلك توماس.ي.بيرنر ونانسي مور، على أن الكل يؤكد على الإيجاز وتحديد الكلمات.
وأمام هذا المشهد كان لابد من توظيف –السيميولوجيا– وبشكل مكثف لتغطية معظم الجوانب المحيطة بالحكاية في القصة القصيرة جداً وبهذه الإمكانيات الممنوحة للقاص وكأنها فتحت بابا جديدا ورؤية جديدة للحدث وكّثفت التعبير عنه تماما كما كان ((للتيربوجارج)) من تأثير في تكثيف الهواء المضغوط والمطلوب لإنتاج أكبر قدرة في المحركات الميكانيكية. فكان استخدام السيميولوجيا مطلوبا أدبيا لاختصار الزمن والأفكار والأحداث والكلمات معا في عالم القصة عموما وفي القصة القصيرة جدا تحديدا فللقاص الحق بعدم قول الكثير مما يمكن أن يختمر في ذهن المتلقي من خلال الإشارة حيث ان (الإشارة الفنية تشارك الإشارة اللغوية في فرز المعنى وتوصيله. ويقول ج. موكارفسكي: لكل فن من الفنون إشارة جمالية، ثم أن كل فن له إشارة ثانية هي ايصالية) (6). وحيث أن (السيميولوجيا هو العلم الذي يدرس بنية الإشارات وعلائقها في الكون ويدرس بالتالي توزعها ووظائفها الداخلية والخارجية) (7). ولما كانت (العلاقة بين الإشارة والمجموعة الاجتماعية هي علاقة دلالية، والعلاقة بين الإشارة والإشارات الأخرى هي علاقة تركيبية، أما العلاقة بين الإشارة ومستعمليها فهي علاقة وظيفية) (8).على حد رأي ت. موريس الذي قّدم النموذج السيميولوجي الفلسفي، فكثّف القاص من استخدامه هذا النموذج خدمة للنص وخلق الاتصال المطلوب وباستخدام اللغة أيضاً طالما إنها تنطوي على نسق من الإشارات المعبرة عن أفكار، (وهي تبعا لهذا تقارن بالكتابة للصم والبكم، وبالطقوس الرمزية، وبعبارات الآداب العامة، وبالإشارات العسكرية.... الخ، إنها فقط ذات أهمية أكبر من كل هذه الأنساق) (9).
ويسمى العلم الذي يدرس كل هذه الأنساق بالسيميولوجيا وهي تسمية يونانية (Semion) أي (إشارة)، على أن رولان بارت كان قد أكد أن (السيميولوجيا ما تزال بحاجة إلى تصميم . لسمة المصطلح المتسعة، لأن السيميولوجيا علم كل الأنساق الإشارية) (10).
فاللغة إذن ليست هي الموصل الوحيد والمطلق، (هناك النظرات، وهناك الإشارات، وهناك الصمت) (11). على أن قصدية الإشارة هو التوصيل والتقنين في ذات الوقت باستغلال تكوينها لأن لكل إشارة جوهر وشكل. علما أن الفنون والآداب ومنها القصة القصيرة جدا (تخلق نوعا من الرسائل بما فيها من مواضيع تذهب بها خلف حدود الإشارة المباشرة التي تكمن تحتها تعتبر حاملة لمعانيها، وبهذا فهي تتعلق بنوع خاص من السيميولوجيا، أسلوبية، فرضية، رمزية... الخ) (12). علما أنه (ليس من وظيفة الإشارات أن تفهمنا الأحاسيس المدركة وذلك بتأطيرها ضمن شبكة من العلاقات الموضوعية ولكن من وظيفتها أن تجعلنا نضعها تحت الاختبار أمام محاكاة للواقع) (13).وهذا ما تؤكده كتابات ساروت بكون القصة القصيرة جدا هي (تخطي المشاعر) إلى (وصف الانفعالات) واستخراج الباطني منها، فعندما تقرأ قصة قصيرة جدا فأنك أمام لوحة مرسومة بإتقان وعليك أن تتفاعل مع عناصرها بعفوية لتستنهض عناصر الإدراك فيك، وقد تتواشج مع الرسام (أقصد الكاتب) برؤية أقل أو أكبر، ويجب ألاّ نهمل النظام الثقافي للمتلقي وأهميته في سبر أغوار الحكاية (فاهتمام المتلقي بالمرجع، أي بموضوع الرسالة: يتعلق بنظام ثقافي مصدره اللذة التي يجدها في تأويله وفي إعادة بنائه) (14). فهي كعملية إعادة بناء الصورة المقطّعة اعتمادا على الخطوط والألوان التي تحويها، فالمهم هنا تفكيك الشفرة والتأويل وصولا إلى اللذة والمتعة التي تصل إليها النتيجة أو النهاية والتي يجب أن تنتهي في أهم جزء منها، وكما يؤكد جميع الكتّاب والمنظرين في أن تكون النهاية مفاجئة حتما. وعلى حد قول بيير جيرو (يفقد أي نشاط من الأنشطة أهميته عندما يكون مبرمجا بشكل دقيق، ويقال الشيء نفسه بالنسبة لكل الفنون التي تقوم على بلاغة جامدة تجعل من التأويل بديهيا جدا، أو تجعل الأطناب في كل رسالة مقنّنة لا يشد انتباه المتلقي واهتمامه) (15). (والمتعة هنا تعني على نحو غير مباشر الحالة الذهنية المتولدة من الرغبة في إطالة أو تكرار التجربة موضوعة البحث، فمصطلح –المتعة– أفضل من –السرور– لأن المتعة هي الأجمل فالإنشداد القلق الذي تثيره تمثيلية عاطفية نادراً ما يسبب السرور ولكنه دون ريب متعة مادام الناس يسعون إليها ويبغون إطالتها وتكراراها، وقد يقال الشيء نفسه عن الموسيقى الحزينة وشعر الرثاء فهما يجعلاننا نذرف الدموع لكن تجربتنا هذه مع ذلك تسبب لنا المتعة) (16) على ان قوة القصة القصيرة جدا هي في بساطتها وإصابتها للهدف، مباشرة. فبالإضافة إلى المكان وأهميته وانعكاساته على البناء النفسي للشخصية وسلوكها وتأثيره الدرامي في سير الحكاية، والزمن وحساسية التعامل معه وعدم إلغاءه رغم عدم ظهوره في اللحظة خلافا للزمن في الرواية الذي كان يشكل العمود الفقري فيها منذ القرن الثاني عشر الميلادي ومنذ انطلاقها بشكلها الأول على أيدي الشاعرين بيرول وتوماس في روايتهما الملحمية (تريستان وايزولد) (17)، وجدلية العلاقة بين الزمان والمكان حاصلة من خلال وجود كل منهما وتأثيرهما على بعضهما البعض، كما جاء في دراسة القاص والناقد جاسم عاصي عن المجموعة القصصية للقاص (عزلة أنكيدو)، واعتباره (للزمن محركاً خفياً) والشخصية تشكّل بؤرة ومحورا لأنها مركز حركة الحدث ونقطة إشعاعه، والتي يكون نتاج حركتها وأفعالها وتعابيرها الملموسة والمرئية شفرات تنبثق من طلاسمها ورموزها، تماما مثلما يحدث عندما تتفاعل مادتان جامدتان لتنتج نورا وشعاعا ينير جانبا أو حيّزا غير مكشوف. وقد يحدث التطهير ضمن ما يتمخض من نتائج التفاعل.
إضافة لكل ذلك فهناك الأسلوب والصياغة والتضمين وموسيقى اللغة والتشويق... كل هذه تشّكل مرتكزات أساسية لبناء القصة القصيرة جدا.
فالقاص كما يؤكد توماس. ي. بيرنز (ليس الخبير الذي يعرض مجوهراته، إنما هو رجل الصنعة الذي يصقل حجرا صغيرا ليكون صلدا متألقاً كريما) (18).
***
الهوامش:
1.   كاظم سعدالدين  (ترجمة) فن كتابة الأقصوصة، الموسوعة الصغيرة، طبعة 1978.
2.   المصدر السابق، ص13س32.
3.   المصدر السابق، ص69 س4.
4.   فتحي العشري، مقدمة كتاب (انفعالات)- ناتالي ساروت- ترجمة: فتحي العشري ص32، س23، طبعة 1971، الطبعة الأولى.
5.   ماركريت دورا، ص24 (انفعالات) ناتالي ساروت.
6.   ج. موكارفسكي، كتاب علم الإشارة (السيميولوجيا)، تأليف بيير جيرو ص17.
7.   د. مازن الوعر، المقدمة- علم الإشارة ص9، ترجمه عن الفرنسية:منذر عياش.
8.   المصدر السابق.
9.   بيير جيرو، علم الإشارة ص13.
10.   أنظر بيير جيرو، ص 26.
11.   أنظر فتحي العشري، ص24.
12.   أنظر بيير جيرو ص 32.
13.   أنظر المصدر السابق، ص37.
14.   أنظر المصدر السابق، ص18.
15.   أنظر بيير جيرو، ص41.
16.   ناثان نوبلر: كتاب (حوار الرؤية)، ترجمة فخري خليل، ص16.
17.   أنظر انفعالات ساروت، المقدمة.
18.   أنظر فن كتابة الأقصوصة.ص21.

*****
وخالص ايشوع بربر بحسب سيرته الذاتية والعلمية التي وردت على صفحته الشخصية في (الفيس بوك) هو:
الصفحة الرسمية للنائب خالص أيشوع عضو مجلس النواب العراقي
السيرة الذاتية
الاسم الرباعي واللقب :- خالص ايشوع اسطيفو يوحنا بربر
تاريخ الميلاد :- 1957
العنوان :- محافظة نينوى – قضاء الحمدانية – قره قوش ( بغديدا)
البريد الالكتروني:- khalisqaracosh@yahoo.com
الحالة الاجتماعية:- متزوج ولدي أربعة أولاد
اللغات :- السريانية - العربية - الانكليزية
المؤهلات العلمية :
•  بكالوريوس هندسة كهربائية / جامعة الموصل – 1980 قسم الإلكترونيك والاتصالات .
•  ماجستير إدارة أعمال / الجامعة الحرة في هولندا - 2010
العنوان الوظيفي السابق : رئيس مهندسين أقدم – وزارة الإسكان والأعمار .
العضوية في مجلس النواب : الدورة البرلمانية الثانية من 2010 ولغاية 2014 .
المهــــــــــــــام:
•  رئيس قائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري النيابية / الدورة الثانية لمجلس النواب العراقي.
•  عضو لجنة الشباب والرياضة النيابية - الدورة البرلمانية الثانية من عام 2010 ولغاية 2014
•  سفير السلام العالمي من اتحاد السلام العالمي عام 2010.
•  عضو لجنة الصداقة العراقية التركية البرلمانية – الدورة الثانية لمجلس النواب
•  عضو نقابة المهندسين العراقيين من عام 1980.
•  عضو هيئة رئاسة المؤتمر التأسيسي الأول والثاني للمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري .
•  عضو الوفد العراقي الفني لوزارة الإسكان والأعمار في السودان للعام 1993 والاردن للعام 1999.
•  رئيس نادي قره قوش الرياضي من عام 1986 ولحد ألان .
•  عضو الهيئة العليا لمهرجان الإبداع السرياني في قره قوش من عام 1994 ولغاية عام 02000
•  المشرف العام على مجلة انانا لعامي 2013 - 2014.
•  إصدار مؤلف أدبي بعنوان (حبة الخردل) عام 2005 ثم أعاد طبعه عام 2010.
•  كتابة العديد من المقالات الأدبية في مجلة ربنوثا وشراع السريان ومجلة موتو عمايا واخرى  
البحوث التي قدمتها :
•  حقوق المسيحيين في الدساتير العراقية / خلال مؤتمر المسيحيين وربيع العرب المنعقد في عمان - الأردن للعام 2013
•  هجرة المسيحيين والتغيير الديمغرافي ... العراق أنموذجاً/ خلال مؤتمر اللقاء المسيحي المنعقد في لبنان للعام 2013
المؤتمرات التي شاركت بها :
•  مؤتمر برلين في ألمانيا الخاص بحماية ودعم المسيحيين في العراق للعام 2011
•  مؤتمر منظمة سانت ايجيديو في ايطاليا الخاص بدراسة الشأن المسيحي العراقي للعام 2011.
•  مؤتمر بيروت الخاص بمستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط برعاية برلمان الإتحاد الأوربي عام 2011.
•  مؤتمر بروكسل في بلجيكا الخاص بدراسة وضع الأقليات في العراق عام 2011 .
•  مؤتمر المسيحيين وربيع العرب المنعقد في عمان - الأردن عام 2013
•  مؤتمر اللقاء المسيحي المنعقد في بيروت - لبنان عام 2013
•  إلقاء كلمة عن واقع المسيحيين في العراق في برلمان الاتحاد الأوربي ببروكسل عام 2013
الشهادات التقديرية:
•  شهادة من اتحاد السلام العالمي كسفير للسلام العالمي للعام 2010 .
•  شهادة تقديرية من مجلس النواب العراقي في برنامج إعداد وتنفيذ الموازنة للعام 2012 .
•  شهادة تقديرية من ممثلية اللجنة الاولمبية العراقية للعام2012 .
•  شهادة تقديرية من مركز السلام الوطني لحقوق الإنسان في العام 2012 .
•  شهادة تقديرية من المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية في برنامج إعداد السياسات العامة للعام 2013
•  تكريم بدرع من نقابة المهندسين العراقيين – فرع نينوى للعام 2012.
•  شهادة تقديرية من المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية في برنامج تحليل الموازنة العامة للعام 2013.
•  شهادة تقديرية من وزارة حقوق الإنسان – قسم الأقليات للعام 2013.
•  شهادة تقديرية من الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في أمريكا عام 2013 .
•  شهادة تقديرية من المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية في دراسة واقع التربية والتعليم في العراق للعام 2013
•  شهادة تقديرية من المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية في التحليل التشريعي لمقترح قانون الاحتراف الرياضي للعام 2014

58



قراءةٌ في قصيدةِ العطرِ الأزرق– للشاعرة آمال عوّاد رضوان


الناقد والشاعر  د. جمال سلسع


حينَ دخلتُ مَقرّ الشّبيبةِ العاملةِ والمُتعلّمةِ في النّاصرة، بتاريخ 8-7-2013، للاحتفاءِ بالشاعر جَمال سلسع وبصُدورِ ديوانِهِ الشّعريّ "ما زالَ يغسلُنا الرّحيلُ"، استقبلتني عزيزتي سلوى ناصر، وأخذتني مِن يدي لتُعرّفَني على الشاعر جمال سلسع، وحينَ سلّمتُ عليهِ، أمسكَ بيدي ونظراتُهُ الثاقبةُ تتأمّلُني قائلًا بنبرةٍ مَذهولة: أنت الشاعرة آمال عوّاد رضوان! أنتِ يا آمال قصيدة!
استغربتُ أنّهُ يَعرفُني وباسْمي الثلاثيّ، رغمَ أنّها المرّةَ الأولى الّتي ألتقيهِ وأتبادلُ معهُ الحديثَ، وتابَعَ: أنا أتابعُكِ في جَريدةِ القدس، فلَكِ فيها صفحةٌ أسبوعيّةٌ تقريبًا. وقد كتبتُ عنكِ عدّةَ قراءاتٍ نقديّةً، ألَمْ تقرئيها؟ أنا مِنَ المُعجَبينَ بشِعرِكِ، ولكنّي كنتُ قاسيًا في نقدي، لأنّي أحبُّ شِعرَكِ!
وقد أرسلَ لي القراءةَ بحسبِ وعدِهِ لأطّلعَ عليها، ولأنّني موضوعيّةٌ، وأحترمُ عينَ قارئي ورأيَ ناقدي، أقومُ بنشرِ هذه القراءةِ النقدِيّة، عِرفانًا للشّاعر الناقدِ جمال سلسع، واحترامًا للكلمةِ الصادقةِ، وتقديرًا للعينِ القارئة، وهذه هي القراءةُ الثالثةُ التي وصلَتني لقصيدةِ "مرّغوا نهديَّ بعطرِهِ الأزرقِ"، فقد سبقهُ إليها الشاعرُ والناقدُ العراقيُّ عبدالعزيز وجدان، وكذلكَ الناقدُ العراقيُّ علوان السلمان!
يقولُ الناقد الفلسطينيّ جمال سلسع:
تلجأ الشاعرةُ  في تجربتِها الشعريّةِ هذه،  إلى الاعتمادِ على الصورِ الشعريّةِ المُركّبةِ، في أغلب صوَرِ هذه القصيدة، فلا تجعلُها ترتاحُ على أنفاسِها، بل تتركُها تركضُ في لهاثِ عِطرِها. إنّ تتابُعَ هذهِ الصورِ المُركّبةِ وتراكُمَها، يُتيحُ لها فرصةَ الدّخولِ إلى ضبابيّةِ المَكانِ، وصعوبةِ التفسيرِ لدى القارئ.
مع أنّها تمتلكُ أدواتِها الشعريّةِ بجَدارةٍ، ولكنّها لا تنجحُ في توظيفِها شعريًّا، كما هو مُتوقّعٌ ممّن يَملكُ مثلَ تلكَ الأدواتِ الشّعريّةِ، إذ إنّ لكلِّ قصيدةٍ قضيّةٌ شعريّةٌ، وضوحُ هذهِ القضيّةِ أمرٌ هامٌّ. وهنا أحبُّ أن أُقدِّمَ لكِ يا آمال مثالًا واحدًا على ما طرحتُهُ بخصوصِ الصوّرِ الشعريّةِ المُركبّة، فمثلًا في هذا الشطرِ الشعريّ:
(بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى): صورةٌ شعريّةٌ جميلةٌ، ولكنّها غيرُ مُكتملة. إذ لم توّضحي بماذا يومضُ عطرُهُ العابثُ مثلًا، كي يرتاحَ على جَمالِ أنفاسِهِ، ويَستعدَّ لصورةٍ شعريّةٍ جديدةٍ، توسعُ تشكيلَهُ الجَماليّ. ولكنّكِ يا سيّدتي كسرتِ اكتمالَ هذهِ الصورةِ الجميلةِ، بإضافةِ صورةٍ أخرى جديدةٍ ومُلاصِقةٍ لها قائلةً : بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّى/ تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ.
وهكذا يا آمال أغلقتِ نوافذَ هذا الجَمالِ الشّعريّ، مِن خلالِ تركيبِ صورةٍ جديدةٍ قبلَ أوانِها، وتمّ إضافتَها فوقَ الصورةِ الأولى، قبلَ أن تستنشقَ هواءَ راحتِها بينَ كلماتِها الجميلة، فجاءَ الضبابُ بعباءَتِهِ يَلفُّ هذا الجَمالَ الشعريَّ، خاصّةً وأنتِ تثملينَ بموجٍ مُستحيلٍ. تقولُ آمال:
"على عَنانِ بُشرى جائعةٍ/ تماوَجْتَ../ بليلٍ لائلٍ اقتفيْتَ فيْضَ ظِلِّي المُبلَّلِ/ بضوضاءِ أَصفادي/ أرخيْتَ مناديلَ عتبٍ مُطرَّزٍ بتعبٍ/ تستدرجُ بِشريَ المُستحيل/ وفي تمامِ امْتثالي المُتمرِّدِ تورَّدْتَ!
بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى/ تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ / وأنا في سكرةِ أعماقي/ أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ/ لا يُذبِلُ نُواحَهُ جنونُكَ!"
وما بينَ استدراجِ بُشرى المُستحيلِ وحتّى الثمالةِ منهُ، كانَ عِطرُهُ العابثُ يَمضي.. يتخفّى.. ويقترف. تقولُ الشاعرةُ: بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى/ تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ
هنا يا آمال في الشطرِ الأخير، قد حمّلت التقوى (إشاعةً بشوشةً)، فأثقلتِ الصورةَ الشعريّةَ بضبابيّةِ التفسيرِ، لذا مِنَ الأفضلِ حذفُ إمّا كلمة (إشاعة) أو كلمة ( بشوشة)، فنمسحُ ثِقلَ الضبابِ عن هذا الشطرِ الشعريّ. أنا لا أريدُ أن أتصيّدَ بعضَ هذهِ الكلماتِ، الّتي تُلقي بضبابيّتِها على قصيدتِكِ الجميلة، ولكن حِرصي على إبداعِكِ واستمرارِهِ، يَجعلُني أُشيرُ إلى القليلِ مِن ذلكَ، كي تَخرجَ قصيدتَكِ جميلةً بمستوى تجربتِكِ الشعريّة.
بعدَ ذلكَ تنتقلُ الشاعرةُ مِن عِطرِهِ العابثِ إلى أناملِهِ الّتي تُقشّرُ سحابَ النعاسِ والتثاؤُبِ، وهي تُراقصُ نيرانَ أحلامٍ، قدِ استهوى طعمَها مَذاقَ الشاعرةِ، فتقول آمال:
أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالاً دامِسًا/ تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!/ ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ/ كم تيمّنَ بالأزلْ!/ ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ/ تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!
أسرابُ وهنِكَ المغناجِ/ انسَلَّتْ/ تُراقصُ نيرانَ أحلامٍ / ما غابَ طعمُها عن لساني!
ثمّ تأتي إلى طيوفِ جراحِها الطّاعنةِ في سَرمديّتِها، على حيرةِ تَساؤلاتٍ مُتعدّدةٍ، فهل تُخدِّرُها وثُمولِها مِن نقشِ خشخاشِهِ؟ أم مِن تَعلُّقِ حَدْسِها الكفيفِ على موجِ فِردوْسِهِ؟ ولكنّ الشاعرةَ تتكسّرُ مُنصاعةً مِن سُيولِ تَمَرُّغِهِ، فيأتي الحبيبُ ويُرَصِّعُها بانكسارِها هذا، فتقولُ الشاعرةُ:
طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرمديّتها/ أسهْوًا.. / تَشدّقها سُهْدٌ أُسطوريُّ الملامِحِ؟/ أَشابَها خَدرُ نَقْشِكَ الخشْخاشِ؟/ أَعلَّقْتَ حَدْسِيَ الكفيفَ/ على مِقبضِ موجِكَ الفردوسيِّ؟
زفراتُ نجومي جرَفَتْها سيولُ تمرُّغِكَ/ حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ/ وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ/ مُــنْــصَــاعَــةً
تَــكَــسَّــرَتْ/ وَ.. رصَّعتني بانكساري!
وتؤكّدُ الشاعرةُ المُنصاعةُ، أنّ الحبيبَ مَضى يَستبيحُ رفوفَ انشطارِها ( انكسارِها) بجَناحَيْ جُنونِهِ، وهو يَمتشقُ إغواءاتِ احتضارِها، ويُسمِّرُها بعدَ أنْ خطفَ قصاصاتِ توْقِها، بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ وجدرانَ تتهاوى. تقول آمال:
بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ/ اضطرَبْتَ هائِجًا تُهفهِفُ/ تَستبيحُ رُفُوفَ انشِطارٍ/ لَكَمْ صَفّدْتَهُ بضياعي المُنمْنَمِ/ كي تمتشِقَ إِغواءاتِ احتضاري!
فتائِلُ دهشةٍ/ خطفَتْ قُصاصاتِ تَوْقي مسحورةَ الطّوقِ/ سمّرْتَني/ بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ وجدرانَ تتهاوى!
وتحترفُ الشاعرةُ تضميدَ حُروقِ حروفِها، مِن ريحِ العاشقِ الضريرةِ، الّتي شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثرِها، وهوَ يتمرّدُ ويتبغددُ على هذه الحبيبةِ في مَحافلِ الترقُّبِ. تقول آمال: خُطى ريحِكَ الضّريرَةُ وَشَتْ أجنحتكَ/ شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثري/ تنيْرَنْتَ! / تبغْدَدْتَ!/ وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ/ احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!
وهذهِ الحوريّةُ العاشقةُ الجميلةُ تستجيرُ، لأنّهُ سَباها في عِشقِهِ، وبعثرَ وجهَها في ذاكرةِ الحُجُبِ، وابتلعَ ذيْلَها الذهبيَّ، لأنّهُ أغواها في حُبِّهِ. تقول الشاعرةُ:- ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ/ طليتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:
سرابُ حوريّةٍ أنا؛/ إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني/ بثوْبِ السّباني.. سَباني/ بَعثرَ وجهيَ في ذاكرةِ الحُجُبِ/ وَابتلعَ ذيليَ الذّهبيّ!
وهي تستجيرُ تارةً بـ (رُفقاءَ الأسمى) وطورًا بـ (سليمان الحكيم)، لأنّ حبيبَها قد تعنّقَ مُنتشيًا نحوَ عشِّ النارِ، ولكنّها في نهايةِ تجربتِها الشعريّةِ، تستظلُّ تحتَ ظلالِ هذا الحُبِّ (عشِّ النار)، وهي تَهُزُّ قلائدَ سمائِها غيثًا يَتضوّعُ حُبًّا، وهي تتلهّفُ لعِطرِهِ الأزرقِ يُمرّغُ نهدَيْها. تقولُ آمال: يا رُفقاءَ الأسمى/ بوّابةُ سمائي مَحفوفةٌ بهياكِلَ مَجْدٍ/ ساحَ ضوؤُها زركشةً تتجَنّحُ/ وما انفَكّتْ بأهدابِ الذّهولِ تتموّجُ
اِستنيروا بي!/ لَدُنِي المُقدّسُ كَمِ ازدانَ بأرياشِ الشّمسِ/ وَمُنتشيًا / تَعَنّقَ نحوَ عُشِّ النّارِ!
بسليمانَ أغيثوني/ بأسرابِ جِنِّهِ؛ تَحفُرُ قاعَ بَحري أَفلاجًا/ تُهْدينيها في ليلةِ عيدي/ مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ/ لتهُزَّ قلائدُ سمائي غيثًا.. يتضوّعُ حُبّا.
يا رُفقاءَ الأسْمى/ مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأَزرقِ/ وزُفُّوا إليَّ.. ذيْلِيَ الوضّاء!
الشاعرةُ هنا تنقشُ تجربتَها الشعريّةَ بمَذاقٍ أنثويٍّ، وهي تبحثُ عن بُشرى جائعةٍ، تستدرجُها حتّى تثملَ بها. فكيفَ كانتْ حالةُ الشاعرةِ، مِن خلالِ هذهِ التجربةِ، وهي تستغيثُ كي يَحصلَ نهداها على عِطرِهِ الأزرقِ؟ نستطيعُ تلخيصَ ذلكَ على النّحوِ الآتي:-
موقفُ الشاعرةِ: الثّملُ. وموقفُ الحبيبِ: يُقشّرُ النعاسَ!
موقفُ الشاعرةِ: تشتعلُ شهوتُها. وموقفُ الحبيبِ: يُراقصُ نيرانَ أحلامِهِ!
موقفُ الشاعرةِ: انكسَرتْ مُنصاعةً. وموقفُ الحبيبِ: رَصَّعَها بانكسارِها.
موقفُ الشاعرةِ: احتضارُها. وموقفُ الحبيبِ: استباحَ انكسارَها.
موقفُ الشاعرةِ: تَسمّرَتْ. وموقفُ الحبيبِ: خطَفَ قصاصاتِ توْقِها.
موقفُ الشاعرةِ: احترفَتْ تضميدَ الحُروقِ. وموقفُ الحبيبِ: أشعلَ لهيبَها.
موقفُ الشاعرةِ: تَستجيرُ لأنّهُ سَباها. وموقفُ الحبيبِ: ابتلعَ ذيْلَها الذهبيّ.
موقفُ الشاعرةِ: تستغيثُ بسليْمانَ. وموقفُ الحبيبِ: تَعنّقَ نحوَ عُشِّ النار.
موقفُ الشاعرةِ: تتضوّعُ حُبًّا. وموقفُ الحبيبِ: عِطرُهُ الأزرقُ يُمرِّغُ نَهدَيْها.
فعندما تثملُ الشاعرةُ ببشرى المستحيلِ، تُقشِّرُ أناملُهُ هذا النعاسَ والتثاؤبَ، وعندما تبدأ تُراقصُ نيرانَ أحلامِهِ، تشتعلُ شهوتُها بطَعمِهِ الّذي ما زالتْ أشواقُهُ على لِسانِها. وعندما انكسرَتْ مُنصاعةً، رصّعَها بلهفةِ انكسارِها. وعندما استباحَ انشطارَها (انكسارَها)، كانت في إغواءاتِ احتضارِها. وعندما خطفَ قصاصاتِ توْقِها، تسمّرتِ الشاعرةُ بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ، وجُدرانَ تتهاوى. وعندما شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثرِ الحبيبِ، احترفَتْ تضميدَ حُروفِ حُروقِها. وتستجيرُ الشاعرةُ لأنّهُ سَباها، عندما ابتلعَ ذيْلَها الذهبيّ. ولمّا تعنّقَ نحوَ عُشِّ النّارِ، بدأتْ تَستغيثُ بسليمانَ ورُفقاءِ الأسمى. وعندما تضوّعتْ حُبًّا، كانَ عِطرُهُ الأزرقُ يُمرّغُ نهدَيْها.
إنّ هذا الترتيبَ الشعريَّ الجَميلَ يُوحي بجَمالِ القصيدةِ، فزيدي هذا الجَمالَ جَمالًا، واستغيثي بقدرتِكِ الإبداعيّةِ، فأنتِ قادرةٌ على الابتعادِ عن الضبابيّةِ في بعض الصورِ الشعريّةِ، واجْعليها ترتاحُ على عِطرِ جَمالِها، وحافظي على وُرودِ أنفاسِها، لأنّكِ مُبدعة.

59
أدب / سوريا يا حبيبتي
« في: 14:46 17/12/2012  »

اللوحة بعنوان سوريا يا حبيبتي


القصة:الضربة الأخيرة


لبنى ياسين



لم يعدْ السيافُ مسرورٌ مسروراً مما قامتْ به يداه، باتَ الأحمر أرقهُ، وبدأ يخافُ تلكَ النظرات الدامية التي رآها في عيون منْ قتلهنَ، تاركةً أخاديدَ عميقة في ذاكرةِ الليالي المضرجةِ، وصارَ مزاجهُ حاداً، وفارقهُ النومُ إلى غير رجعةٍ، وأخيراً اتّخذَ قرارهُ، سيعلنُ العصيانَ، سيستقيلُ من عملهِ، وسوفَ يتسلقُ جدرانَ الحكايةِ ليثورَ عليها، وهكذا مضى دونَ زوادةٍ  تذكرُ إلا غضبه، وبدأ يسيرُ منتهكاً  فطنةَ النهاياتِ، ميمماً نحوَ البدايةِ، وحدها البدايات يمكنها أنْ تمنحهُ خياراً آخرَ ليغيِّـرَ مسارهُ، ربما يصبحُ بحاراً فتهيمُ بهِ ابنة ملكِ البحار، أو قدْ يصبح راعيَ غنمٍ، فتتمايلُ زهراتُ السوسنِ راقصةً لتراتيلِ نايهِ، وقدْ يصيرُ طباخاً فيجد الخاتمَ السحريَّ في بطنِ سمكةٍ، ما الذي وجدهُ هو في مسيرتهِ الطويلةِ طيلةَ ألف ليلةٍ وليلة، سوى الدمِ والكرهِ ورائحةِ العفن؟! هذا عدا عيونٍ ترمقهُ بازدراءٍ، وتدَعي أنَّ خبزَ قوتهِ مغمسٌ بالدم، حسناً، ربما كانوا على حقٍ، فرغمَ أنـَّهُ ترعرعَ في بيتِ الملكِ، وعلـَّمه أبوهُ -السياف الراحل- كيفَ يقطعُ الرقابَ مذ كانَ طفلاً صغيراً، عندما أجبرهُ على ذبحِ حمامةٍ كان يربيها، ويطعمُها حتى آنستْ لهُ..ثم ُأجْبِرَ على ذبحِها، لكن..أيةُ فضيلةٍ يملكها من يقتلُ الناسَ دونَ سببٍ واضحٍ سوى نزوةِ ملكٍ مجنون؟  ربما عليهِ أنْ يصبحَ طبيباً ليكفـِّرَ عنْ مؤازرتهِ للموتِ بمحاربتهِ له.
في طريقهِ نحو البداية، متسلقاً السطورَ سطراً وراء آخر، تعثرَ  بإشارةِ تعجبٍ كادتْ تودي بحياتهِ، عندها فقط، وعلى منعطفٍ لا يودي إلا إلى الضفةِ الأخرى، حيثُ يتخلصُ المرءُ من جسده، ويعتلي شرفاتِ السماء بروحٍ شاردةٍ، فطنَ مسرورٌ إلى قيمةِ الحياة، وأدركَ أنَّ ما كان ينتزعهُ دونَ حقٍ من نساءٍ حملنَ جريرةَ الجمالِ، ودفعنَ ثمنهُ، كانَ أثمنُ بكثيرٍ من نزوةِ مليكه، وكيفَ لنزوةِ رجلٍ نزقٍ، لا يكادُ يفكرُ، أنْ تساوي أرواحَ كل تلكَ الجميلات؟ أو حتى القبيحات؟.
بعد أيامٍ من السيرِ وحدهُ، تعبَ مسرورٌ، وقررَ أنْ يقيلَ في خانٍ قريب، لكنَّ صاحب الخانِ ما أنْ رآهُ حتى اصفرَ لونهُ، وازرقتْ شفتاه، وهاجمهُ بقوةٍ، إذْ صادفَ أنَّ ابنة صاحبِ الخان كانتْ إحدى جميلاتِ شهريار اللاتي قُتلنَ على يدِّ السياف.
ارتعدَ السيافُ للمرةِ الأولى في حياتهِ، كيفَ لا؟ وهو الآنَ يتبادلُ الدورَ مع ضحاياهُ، ويقابلُ رجلاً غاضباً، وفي يدهِ مدية يكادُ لمعانُ حدّها يضيءُ الخان، بذراعينِ أعزلين، بعد أنْ رمى سيفَهُ وفرّ بحياتهِ منْ غضبِ شهريارعندما يتناهى إلى سمعهِ أنّ سيافهُ لمْ يعدْ يريدُ أنْ يقتلَ أحداً..لا بدَّ وأنـَّهُ سيأمرُ بقتلهِ لو واجههُ..لم يكنْ أمامهُ سوى الفرار تاركاً السيفَ المرصعَ خلفهُ لئلا يُتهم بسرقته، تماماً كما فعلَ في الخان، عندما فرَّ بحياتهِ من وجهِ الأبِ الغاضب.
هنا تحديداً ولهذا السبب، حلقَ مسرورٌ لحيتهُ السوداء، هذَّبَ شاربه، رتبَ هندامه، وغيَّر حلـَّته، حتى أنهُ عندما وقفَ أمامَ المرآةِ شهقَ، وكادَ يهوي بيدهِ على الرجلِ المقابلِ له، لولا أنْ أدركتهُ تلكَ الشامة على خدهِ، ففهمَ أنَّ هذا الرجل المهندم اللطيف ليس سوى..سيافٍ مستقيلٍ.
كان مسرورٌ ينكرُ بكلِّ ما أوتي من قوةٍ- حتى بينهُ وبينَ نفسهِ - أنهُ أحبَ شهرزاد، لم تكنْ كبقيةِ النساءِ اللواتي قتلهنَ، فقدْ صادفَ أنْ استمعَ لحكاياها، وهو يحرسُ البابَ، وعندما طرقَ صوتُها مسمعهُ، شعرَ برعشةِ نبرةِ ذلكَ الصوت الرقيق وهو يحكي عنْ تفاصيلِ هذه القصة أو تلكَ، وانتبهَ إلى ارتفاعِ وتيرتهِ عندَ المنعطفاتِ الصعبة، وخفوتهِ لدى الحديث عن الحبِ، وأنينهِ عندما يتحدثُ عن الفراقِ، ولوعتهِ عندما يمرُّ الموتُ بينَ تفاصيلِ الحكايةِ، فكيفَ يمكنُ لهُ أنْ يتظاهرَ بأنهُ لا يعرفُها، ويرفعُ السيفَ في وجهٍ ينحتُ تقاسيمَ رقِّتهِ في ذاكرةِ العشقِ كل يومٍ وهو يصارعُ النومَ لعلهُ يغفو على ضفافِ حلمٍ مستحيلٍ؟!
ومسرورٌ هذا، رغمَ أنهُ يتسلحُ بالسيفِ، والقسوةِ، وبملامحهِ الجافةِ، إلا أنَّـهُ رجلٌ بأيِّ حالٍ، وفي جوفهِ قلبٌ ينبض، لم يكنْ يعلمُ عنْ وجودهِ شيئاً، إلا عندما زُفتْ شهرزادُ إلى شهريار، وبدأتْ حكاياتِها الأولى، وعندما تحدثتْ عن الحب، انتفضَ شيءٌ ما في صدرهِ، فأدركَ أنَّ لديهِ قلبٌ، وأنَّ الأخير قررَ أنْ يمارسَ فعالياتهِ شاءَ صاحبهُ أم أبى، منْ يومها، وهو يسترقُ السمعَ إلى الحكايا دونَ أنْ يفطنَ أحدٌ إلى وجودهِ أو يهتمَ لهُ، لم تكنْ الحكايةُ بحدِّ ذاتِها تعنيهِ في شيء، إلا أنَّ صوتَ الراويةِ كان يجعلُ قلبه يتمايلُ طرباً، ويحملهُ على شفاهِ الغيم إلى جنةٍ لم يدركْ وجودها من قبل..فيتساءلُ بينهُ وبينَ نفسه: إذا كانَ الحبُ بهذهِ العذوبة وهذا الجمال، لماذا يصرُّ سيدي على قتلهِ؟ إلا أنَّه لمْ يجدْ يوماً جواباً شافياً لسؤالهِ.
وعندما اقتربتْ شهرزادُ من نهايةِ الألف ليلة، تلبَّسهُ الخوفُ حتى ارتداهُ تماماً، ماذا لو أنَّ سيده أمرَ بقتلِ شهرزاد؟ كيفَ يمكنهُ أنْ يرفعَ السيفَ ويهوي بهِ على عنقها النديّ؟ كيف يمكنُ أنْ يقتلَ محبوبته؟ وكيفَ يهبُ الموتَ لمنْ وهبتْ لهُ الحياةَ، وجعلتهُ يدركُ يوماً أنَّ قلباً في صدرهِ يوشكُ أنْ ينبضَ بمشاعرَ لم تعتريهِ منْ قبل، بعدَ أنْ كانَ مؤمناً بأنهُ مخلوقٌ منْ نوع ٍآخر لا مكانَ للمشاعرِ في جوفه.
أكملَ مسرورٌ سيرهُ، واجهتهُ إشارةُ استفهامٍ، لم يعرفْ كيفَ يستدير حولها، فعطلتْ سيرَهُ لأيام، أما النقطة فقدْ شاكستهُ حتى أضنته، لكن الفاصلة كانتْ أكثر تساهلاً، بل وأرشدتهُ إلى الاتجاهِ الذي يجبُ عليهِ أنْ يسيرَ بهِ ليصلَ إلى وجهتهِ في أقربِ وقت، فقد علمتْ بقصتهِ، وأرادتْ لهُ خاتمةً أخرى تليقُ بخفقانِ قلبهِ، كانتْ تؤمنُ بأنَّ للإنسانِ حقٌ في ارتكابِ الأخطاء، وله الحقُ أيضاً في التراجعِ عن أخطائهِ، وكانتْ تردِّدُ على مسامعِ أصدقائِها: لو أنَّنا أقصينا كل مخطئٍ ورمينا بهِ خارجَ السطورِ، لفقدتْ الحكايةُ متنَها ومعناها، وضاعتْ التفاصيلُ الجميلةُ، وانتهى مفعولُ النقطةِ والفاصلةِ، وربما بقيتْ علامتا التعجبِ والاستفهامِ  فقط  قيدَ العملِ.
وأخيراً وصلَ مسرورٌ إلى البدايةِ، عندها أدركَ أنَّ سيدهُ لم يكنْ سوى رجلٍ متألمٍ بسببِ الخيانةِ، وعندما حاولَ أنْ يمحوَ تلكَ الحادثةِ البشعةِ، واجهتهُ الحكايةُ، ومنعتهُ من العبثِ في جسدها، واتهمتهُ بالتحرشِ، فتراجعَ على عجلٍ خوفاً منْ أنْ يُقصَّ رأسهُ بسيفِ سيافٍ آخر..فمنْ يستطيعُ الوقوفَ في وجهِ الحكاية، وهي التي تملكُ من حيلِ النساءِ أدهاها، ومنْ كيدهنَّ أعظمه؟!.
وهكذا اعتذرَ مسرورٌ من الحكايةِ، وطلبَ منها أن تغيِّرَ دوره، وأخبرها أنه لا ِقبـَـلَ له على قتلِ شهرزاد، واعترفَ لها في آخرِ الأمرِ أنّه يحبها، ولا يريدُ شيئاً سوى أنْ يتأكدَ منْ أنَّها تعيشُ سعيدةً في كنفِ مليكها، فهو يدركُ أنـَّه مجردُ سيافٍ مستقيل، ومن جهةٍ أخرى، يعلمُ تماماً أنَّ شهرزاد أحبتْ مليكها منذ الليلةِ الأولى، وفي جميعِ الحالاتِ، لا يمكنُ لهُ أنْ يجعلَ شهريارَ يتحملُ عبءَ خيانةٍ أخرى، فربما أبادَ بعدها نساءَ المدينةِ جميعاً حتى المولوداتِ حديثاً، من يستطيعُ التكهنُ بما يمكنُ أنْ يتمخضَ عنهُ عقله المريض مدعوماً بسلطتهِ المطلقة كملكٍ لا يوجدُ منْ يستطيعُ الوقوفَ في وجههِ؟!
رقَّت الحكايةُ لقلبِ مسرور العاشق، ومنحتهُ فرصةً واحدة، أخبرتهُ بأنَّها ستتركهُ يتجولُ في ربوعها صامتاً، شريطةَ ألا يتدخلَ في مسارِ الأحداث التي يمرُّ بها، حتى يجدَ ما يناسبهُ من  عمل.
فرحَ مسرورٌ بفرصتهِ، وقررَ أنْ يستغلها بأفضل ما يمكن، لن يبوحَ بقرارهِ حتى يقلـِّبَ جميعَ الأعمالِ أمامَ عينيه، ويختار ما يناسبهُ بشكلٍ مؤكد، وفيما هو يسيرُ في السوق، سمعَ صوتَ شهرزادهُ تصرخُ مستغيثةً، ركضَ باتجاهِ الصوت، فوجدَ سيافاً آخرَ يجرّها من شعرِها ليقتلها، لم يتمالكْ مسرورٌ نفسهُ فاستلَّ السيفَ من الغمدِ الذي يضعهُ السيافُ على خاصرتهِ، السيفُ المرصعُ ذاته الذي اعتادَ أنْ يحزّ رقابَ الجميلاتِ به، وقطعَ رأسَ السيافِ في ساعتها، وسرعانَ ما قامتْ  شهرزاد، واختبأتْ خلفَ رداءِ مسرور، دونَ أنْ تدركَ أنهُ السياف الذي هربَ من القصر، قهقهت الحكايةُ عالياً وهي تقول: أرأيتَ يا مسرور..أنتَ سياف..لا تستطيعُ أنْ تفعلَ شيئاً سوى القتل.
فأجابها : بل أستطيعُ يا سيدتي..ألا ترين؟!!، لقد حررتُ شهرزادَ للتوّ من يدِ السياف..ومنحتها حريتها...ولم يبقَ في جعبتكِ سيافٌ بعد أنْ قتلتُ آخرهم بسيفه، ..ستتدبرين أمرَ الليالي القادمةِ دونَ موتٍ يذكر!! فكيفَ ستفعلينَ ذلكَ سيدتي؟
أطرقتِ الحكايةُ وقدْ أعياها الجواب، وقتئذ كانتْ شهرزاد تتشبثُ بردائه، سعيدة بأنَّها أخيراً وجدتْ فارسها النبيل.
 

60
أدب / إلى ايـنَ المَـسـيـر
« في: 13:28 04/12/2012  »


إلى ايـنَ المَـسـيـر



ميسون نعيم الرومي

 
أَهـو ظن ؟
ام حـَقـيـقـة ؟ أَم يـقـين ؟
أَهـي فـِكـرة مـَحـمـومـَة
أَم صـَرخـَة مكـتـومة
أَم شـَجـَن  ولـّـى
وشـوق تـولـّـى
في متاهات الضياع
بـلا وداع
لتحترق الشـموع
وتنهمـر الـدموع
على مـاض ضَنـيـن
أَهـو ظن ؟
ام حـَقـيـقـة ؟ أَم يـقـين ؟
***
انـتـَفـَضت الـذكـرى
صـَرخـت الأحـلام
تـأرجـَح الـصدق
واسـتـغاثـَت أَيـام
اكـتـَوت بـلـذع الـلوعة
ومـرالـعذاب
سـَقـَطـَت تـبـاعـا
 كـالـشـهاب
فـَتـاه الـصبا فـي حـَنـايـاهـا
والـشـبـاب
إلى الـحـَنـيـن    
أَهـو ظـن ؟ أَم حقيقة؟
 أم يـقـيـن؟
***
انـّـات وجع ! لماض حزين
 يدور بها الشك
ام ترى يدور  فيها
تـعب السنين
هل كل ما كان نسج خيال
في خيـال ! من خيال
ام قصورشيدت وسط الرمال
أوَلم يكن هذا مــُحال؟
ام هو وهم احتضن الضلوع
صمت الأنين
 وسكت الكلام المبين
أَهـو ظـن ؟ أَم حقيقة؟
 أم يقين؟
***
ايها الحاضر المسكين
هل بتصديق كذبة
تــُعتقل الأيام  
وتـُـسجــَن السنين
الى اين تسرع ايها الزمن
المـقـيـّـد كالسـجيـن
أيـن مـالكَ ! والـبنيـن
ماذا حصدت ؟
ماذا ابقيت ايها العذاب
وكيف تشتري خداع السراب
لانـاصـر ينـصركَ
ولا مـُعيـن
أحقيقـة تبكي اليـقـيـن؟
أَهـو ظـن ؟ أَم حقيقة؟
 أم يقـيـن ؟
***
إلى اين المسير بلا دليل؟
بحملك  الـمـُضـنـِي الثقيـل
آه أَيا الـقـلب العليل
أفِــق ! تحرر
من قيدك والعناء
دعك مـّمن سقاك الذل
 سـُــمـّــاً والشقاء
قــَـتــَل الفرحة فيك تـغنـّـي
للسـعـادة والهناء
وحنى هامتك ظـلمـاً
فخاب فيه الرجاء
ليـجـهض ذاك الجنين
لــيـت عــمـري
اهو ظن ؟ ام حقيقة؟
أم يقــــــين ؟
 
ديسمبر/ 2012
ستوكهولم
 





61
أدب / أبواب مواربة
« في: 21:30 28/11/2012  »


أبواب مواربة


لبنى ياسين


ستسألني الشبابيكُ عنْ رائحتهِ
ذلكَ الذي مضى دونَ أن يلوِّحَ مودعاً
واستعارَ خطاي
مخضبةٌ أمنياتي بالرحيل
ومجدولةٌ أصابعُ فرحتي
بملامحِ حلمٍ مختبئٍ
على شفاهِ الصدفة
لا تفصحُ عنْ ذاتها
يرتجفُ الوقتُ معانداً
كلما باغتتهُ أغنيةُ الراعي
لتخبرهُ عن جدائلِ ربيعٍ قادم
سوفَ يمحُو ملامحَ الانتظارِ
وحدَها الريحُ لا تسمعُنا
تلوكُ أخبارَهَا المنسيةِ وتمضي
يسْكرُها صريرُ الأبوابِ التي نسِينا أنْ نغلقَها

لأنني ثملةٌ برائحةِ الياسمين
عايرتني أشجارٌ تتقاتلُ مع ظلالها
ولأنَّ الأبيضَ يرتكبني وجعاً
تطاولتْ الألوانُ فوقَ قامةِ حزني
جرَّتني عن غيمتي
وأطلقتْ عليَّ إشاعاتٍ يابسة
كيفَ تتكسرُ الأغاني
على شفاهِ ألحانها
دونَ أنْ تفقدَ أناقة كحلها؟
وكيفَ لي أنْ أتفقدَ رائحته
دونَ أنْ تئنَ في داخلي
مواويلُ الغربةِ
وأوجاعُ النايَّ المهجور
منذُ آخرِ مطرٍ
غسلَ أرصفةَ الخوفِ
ببحةِ موالٍ ضائعٍ
عن تميمةِ عشقهِ الأزلي ؟



62


حنان بيروتي تفوز بجائزة نازك الملائكة


أعلنت دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة العراقية مؤخرا أسماء الفائزات بمسابقة جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي بدورتها الخامسة للعام 2012، ومنهن القاصة الأردنية حنان بيروتي، وذلك عن قصتها التي حملت عنوان(نقطة الصفر) ، وكانت بيروتي قد فازت بجائزة محمد طمليه لأحسن مقالة صحافية عربية لعام 2012 ، وجائزة: أفضل مجموعة قصصية في مسابقة مركز عماد علي قطري للإبداع والتنمية الثقافية بمصرللعام الجاري، وجائزة دار جان للنشر في المانيا للعام الجاري أيضا، وجائزة مهرجان البجراوية للإبداع النسائي العربي الأول- السودان في  القصة القصيرة للعام 2005، وجائزة ناجي نعمان الأدبية العالمية-الإبداع، وجائزة الحارث بن عمير للقصة القصيرة، ومسابقة قصص على الهواء التي تقيمها مجلة العربي بالتعاون مع إذاعة البي بي سي لخمس مرات.
       والقاصة حنان بيروتي عضو رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب،واتحاد كتاب الإنترنت العرب، وصدرت لها المجموعات القصصية التالية: الإشارة حمراء دائما،فـُتات، تفاصيل صغيرة، فرح مشروخ، أحلام متأخرة، ليل آخر بالإضافة لكتاب نصوص نثرية بعنوان( لعينيك تأوي عصافير روحي)
 
 

63
أدب / خـمـارالـخـَريــف
« في: 15:25 03/11/2012  »


خـمـارالـخـَريــف



ميسون نعيم الرومي


وتدور عجلة الزمن لتعودَ الينا حاملة خريفاً حطَّ الرحال في مدينتنا الجميلة .
 خـَريـفٌ فـرح بـلـقاء حَسـنائـه  (سـتـوكهـولـم ) ، التي طال فـراقـها لـيـَتـَنـَفـس حاضرها ، ويـزفـر ماضـيـها ، لـيـطلق تـَنـَهـداتـه سـُحـبا تـَصعـد فـَرحة تتـَراقـص غنجـاً الى سـماء ازرورديـة  حـالمـة ، فـُتـِنـَتْ بـطفـولة وَعـَبـَث غـَيـمات تـُحاول جاهـدة ان تـكون خـِماراً يـحجب وجه السماء الفيروزية الفاتـنـه ، فيتوارا القمر خجلا من ضعف رؤياه ، وتـَضحك  مـُداعـبـة مشـاكسة عـيون سـماء لامعة نـجومها ، لـتـذكـّر ذلك الضيف بـقلـة حـيـلـَتـه ، وبـعـمره الـقـصير المتـَناهي ، فـَتـطلق أَنـّـاتاً ، وآهـاتـاً ـ ودمـوعاً تـَغـسـل وجـه أَشـجار ـ حان وقـت هـدوئها ـ وراحتها لـتـرقـد وتـنام بـَعـد أَن انـتـَزَعـت الطيـور أَفـراخاها مـن بـَيـن احـضانها وَوَدعـَتـها تـاركـة أَعشاشها الجـَميلـة أمـانـةً بـَيـن أَحضانها تـُذكـرها بـحلاوة ، واسـتمرار الحـياة القـادمة .  
 
اسـتكـانت مدينـتـي مـُعـلـنة انـتـظارها ـ مـُتـَرقـبـّـة عـَودة قـَريـبة ، لـحـبـيـب غـادَرَ لـيـَعـود ، وَبـَيـن كـفـوف يـديـه بـَدلـة زفـاف إلـيـها ، بـَيـضاء كريستالـية لامعـة ، مـُطـَرَزة بـلؤلؤ الـشـوق ، وَقـبـلات الـلـَهـفـة والـوفـاء .
 
 تـتـعاطف غـابات الأشـجار مَعَ فـَرحة حبـيـبـتـها (ستوكهـولم) ، مـُشـاركة لها زغـاريـد زفـة عـرسـها لـتـعـلـن مـَراسـيـم الـبـَهـجة ، والأحتـفال ، شــارعـة بـتـغـييـر أَلـوان تـتـقـاسـمها ، بـتـَدرج سـاحر أَخاذ... يـطـلـق الـخـَريـف نـَسـيـماً هادئا ، تـتـراقص معـه أَوراق الأشـجـار بدلال  يـَتـنـاغم بـقـوة وعـنـفـوان مع قـُدسـيـة الأحتفال فـتـتطايـر معـه أَوراق الأشـجـار رسائل حب ,  تـَحـثُ فـيـها فـَصل الشـتاء ان يعود حاملاً البـدلـة الـبـيـضاء الناصعـة لتـكسـو اذرع اشـجارغـابات تـعـرّت سيقانها ، متلهـّـفـة لأرتـداء حـُلـَتـها الـمـَلائـكـية الجميلة ، باذيـالـهـا الممتـَدة ، مـَزهـوة لـتحتضن بـحـيـرات حان وَقـت راحـتـها ، وسـكـونـها لتنام بين احضان خريفها
 بدلة ازلية ساحرة تتـبـَخـتـَر بها عـَروس الـجـَمـيـلات مـَديـنـَتي (ستـوكهولم) الشـامـخـة ، تـَزفـها عـيـونـاً غـَسلـتـها الدموع...! ، وصخب اطفال ، فرحين مطلقين شدو زقزقتهم سمفونيـة تـحـاكي القلب والوجدان ، فيدخل شعاع أَمل وفسحة فرح لقلب اتعبه الرحيل واضناه الأنتظار.. فتبدد صبره مع رياح الخريف .
 
2012 / نوفمبر
ستوكهولم
 





64
أدب / أسرار شائكة
« في: 13:09 30/09/2012  »



أسرار شائكة




لبنى ياسين

 
أقمْ قليلاً على معصمِ الوجد
 وامنحْ الوقتَ فضيلةَ الاحتراقِ
 واتركْ الانتظارَ يشغلُ نفسه
 بمراقصةِ قوافل اللهيبِ ويستعر
 يهمُّ بأوجاعهِ المختبئةِ
 في تخومِ لونٍ داكنٍ
 فتخلع عنها ثوبَ الفضيلةِ
 وترتدي إثماً لم تعترفْ به بعد
 
أقمْ قليلاً على حافةِ جرحي
 فالمسارات الملتوية تعلنُ فوضاها
 وتمنحني نزيفاً لائقاً
 ها أنتَ مثل يوسفَ
 تنزوي في البئرِ
 كدتُ أعلنكَ وطناً
 عندما لاكتْ الريحُ معطفَ صمتك
 
أقمْ قليلاً في سكونِ الليلِ
 فللعتمةِ أسرارٌ شائكة
 تعلنها كلما تغلغلتُ في وسادتي
 أستنشقُ وحدتي هواءً فاسداً
 يعتريهِ الضجرُ على تخومِ هاويةٍ
 أتقنُ تماماً طقوسَ السقوط
 بين أضراسِ وحشتها
 لكنها لا تعلكني جيداً
 لكي تجبرني على السقوطِ
 مرةً أخرى
 ليلةً أخرى
 خيبةً أخرى
__._,_.___


65
أدب / حبيبي...بلدي
« في: 16:44 02/07/2012  »


حبيبي...بلدي


ميسون نعيم الرومي



يـاقـَلـبـيَ الـمـَوجـوع..يـابـَلـَدي
يـاأنـَةً مـَكـتـومـة فـي الـمـهـجـَة   
فـي الـقـَلـبِ  فـي الـجـَسـَد
حـُبـكَ سـَعـيـر نـار
 يـَسـري فــي دَمـي
وَحـروف اسـمـك
 مـَوشـومـة
 فـي الـرروح فـي الـكـَبـَد
 
هـاجـت بـي الـذكـرى
فـَضـاعَ الـصـَبـر
وَكـل مـا كـانَ مـن جـَلـَد
ضاقـت بـي..ضاقــََت بـي
الـدنـيـا..وَهـي واسـِعـَة
فـَغـَدوت تـائـِهـَة
بـِلا أَرض
 بـِلا بـَلـَد
 
آمـالـنـا فـي لـقـاك
 وَأَحـلامـنـا
تـاهـَت بـهـا.. ســنــيـن الـعـمـر
فــي الـعـَدِ
والـعـَدد
أَيـام مـاضـيـنـا ذوَتْ
يـَتـبـَعـها حـاضـرمـُكـَبـَل
 بـالـهـمِ.. بـالـكـَمـَد
 
يـا روحَ قـَلـبـي..مـُنـى الـنـَفـس
 حـَبـيـبـي.. حـَبـيـبـي
 بـَلـَدي
 أَضـنـانـي التـَرجـي
 وَطـالَ بـي الأَمـَد
سـنـيـن إِثـرَسـنـيـن
 مـَضـَت
وَذكـراك لـهـا الـقـَلب
والـروح تـَرتـَعـد
 
مـُقـلـَتـَي سـَـيـل مـدامـعـها
جـَفـاهـا الـكـَرى
وَتـاه عـَنـها الـَنـَوم
 والـسـهـد
تـُقـَبـلُ فـيـكَ عـَيـنَـي.. كـُل دَرب
وَكـل حـارة
 وكـل نـَخـلـَة
وكـل مـَعـْبـد
 
فـؤادي لـحـُبـك خـافـق
مـَهـْـمـا تـَتـابـَعـَت الأيـام
ومـَهـمـاَ طـال  بـي الأمـد
بـاقـيـَة أَنـا لـلـعـَهـدِ حـافـِظـَة
ما بـَقـى مـن الـعـمـر
وَحـَتـى..وَحـتى
 إِلـى الـلأَبـَد
 
جـَزَعٌ..ضـيـاعٌ..غـُربـَةٌ
وحـدةٌ
مـُتـَخـَفـْيـة فـي حـَنـايـا الـروح
 تـَنـهـَشـها
مـن دونِ رَحـمـة
 ولا.. وَرَع
فـَأَصـبـَحَ  أَمـس, مـِثـْلـَه الـيـَوم
 مـثـل غـَد
خـابَ الـرَجـاء
وضـَل الـيـأس مـُعـْتـَمـد
 
يـا نـارَ فـؤادي .. يا قـاتـلي
مـنـكَ
 وَلـَكَ
 بـؤسـي وَشـَقـائـي..
وَشـَقـائـي وَفـَرحـَتـي
وَفـيـكَ..
وَفـيـكَ مـَدفـَنـي الأبـَدي
يـَزوره حـيـنـاً فـَحـيـنـاً بـُلـبـُلٌ
 لـِيـنـشـد أُغـنـيـَة الـوداع
بـِـصـَوتـِه الــغـَرِد
 
2012 / تـمـوز
ستوكهولم


66



خيول الصقيع




لبنى ياسين


على ساعديّ
تمرُّ خيول الصقيعِ
... وتتركُ غيمةَ حزنٍ
فتأبى الهطول
وتحفرُ قلبي
بصوتِ الذبول
ولستُ إلى الليلِ أحكي
حكايا المطرْ
وخيبةَ عمرِ الصورْ
وحزني الكبيرِ
الكبيرْ

***
على مقلتيَّ
ينادي
جموحُ القمر
وأتركُ قلبي ورائي
وأرحلُ
عبرَ شقوقِ السهر
وأمشي وأجري
ولستُ من الخوفِ
ألقى مفرْ
ويمسكُ صوتي
بكاءٌ مريرْ
وتنحتني غربةُ الليلِ وجعاً
لصمتِ القبورْ

***
على قلبِ حزني
تمرُّ
الليالي طوالا
وأعشقُ صمتي
وأنخزهُ
أن تعالى
فلستُ إلى الضوء أعدو
ولستُ إلى الموتِ أشدو
وكلُّ الشجونِ
تثيرُ جموحي
ليغدو سؤالا

***
وتمضي السنونُ سريعاً
وأخشى
امتشاقَ الضياء
وعند المساءْ
سينبتُ صوتي تميمةَ حزنٍ
وأهدي تفاصيلَ خوفي
وكل الخواءْ
لصمتِ الدجى في عيوني
لوجعِ الهوى والضجيج
لكل انحناءاتِ
عمرٍ يطولُ بدون رجاءْ
لعمرٍ يقيِّـد في معصميه
غيوم البكاءْ


كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية سورية

67
المرأة في قصيدة الشاعر العراقي حميد الحريزي:" دين المجانين" .. قراءة ثانية


احمد فاضل
 لو أنصتنا، أصغينا، وقرأنا بتأمل هذي الأبيات لعرفنا كم هو شفيف هذا الشاعر قبالة من أحب ولأخبرتنا كلماته كم كان حني عليها،
ومع أنها كانت المرسى لسفينته، وضياء الفجر، لكنه ومع ذلك لا يريدها بسبب أنها " خاتونة " لاتحب عيشته الخشنة التي تربى عليها فما عاد لها حبيبا أو كما يقول:
ما عدت الحبيب / فاتركيني / أهيم في بساتين الجمال / أعانق الشمس، خرير الماء يطربني / وندى الأزهار / يرويني / لا أريدك اتركيني / كنت لسفينتي المرسى / عيناك ضياء فجر الله / دفء مكوراتك من صقيع / الهم / ينجيني / لا أريدك اتركيني / أنا ابن الفلاحة السمراء / أنا ابن نايّ الرعاة / مالي / وحب " الخواتين " مالكِ ومالي / فاتركيني /، الشاعر هنا في هذه الأبيات تحديدا استعار من اللهجة العامية الدارجة كلمة " الخواتين " أي النساء المدلللات، المترفات، وهو ولوج ملمع تركه الشعراء منذ زمن، لكنه أعاده إلينا لأنه باعتقادي لم يعثر على كلمة أجمل منها وأقرب إحساسا وهذا صنيع لا يقدر عليه إلا من توغل عميقا بين الفصحى من جهة والعامية من جهة أخرى، كما كانت لبيئة الشاعر تأثيرها الواضح على تغنيه بهذا الحس الجمالي في طرحه لقصائده واختيار الأدوات المناسبة لصياغتها، فالبيئة عامل مهم هنا، كما هي مدعاة لاختيار المناسب من اللغة بفعل ذلك التأثير، بل هي مختبر جمالي يمنحه أعذب الأبيات :
ما عاد شهد ثغرك افطاري / ما عادت جدائلك مسبحتي / أناملك الحلوة ما عادت / تدغدغني / رموشك النعسى صارت / رؤوسا / للثعابين / أنا لا اهواك ابنة " النت " / اتركيني أحببت الناس طرا / أفنيت العمر حبا / ضيعت العمر قهرا / متنقلا بين / الزنازين /، شاعرنا لا يفتأ من تعداد محاسنها التي غادرها بعد أن تنكرت لكل ماضيها معه خاصة عمره الذي أفناه حبا فضاع قهرا في زنازين كان يأمل أن تتذكره حينما تتكسر قيوده ويعود لهفا عليها، الشاعر الحريزي في هذه الأبيات عاد ليستخدم كلمة غير معربة تعريبا لغويا صحيحا معتمدا وهي " النِت " التي أخلت باعتقادي ايضا ببيت الشعر الذي أرجو من خلاله ابتعاد الشعراء عن استخدام مثل هذه الكلمات التي تقتل روح وجمالية القصيدة بشكل عام :
غزا الشيب شعري / فلا تندبيني / اتركيني / طارت زرازير روحي / أقصتها البراري / تلقفتها شِباك صيد / القساة / الملاعين / لا أريدك اتركيني / منديلي لا يمسح اكتاف أهل / المال / منديلي يمسح دموع اطفال / الجياع / العراة / المساكين / أقصدي سوق البيع / واتركيني / لا اشتريك ابنة / المال / ارصدتي في البنوك صفر / عملتي شيكات حب / دقات قلب / وأشواق تجري في شراييني / لا يرضيك دربي / فاهجريني /، هذه الأبيات تعطينا رفضا آخر لمفهوم " اتركيني "، فبعد أن شاب رأس الحبيب وهذا يعني أنه قد دخل مرحلة عمرية متقدمة تجعله يتخذ قراراته بعقله بعد أن كانت بقلبه وهو فارق كبير فلا ندب بعد اليوم لأن روحه الهائمة آنذاك أصبحت أكثر وعيا بعد أن مرت بالبراري، شباك الصيد، قساة القلوب، وملاعين الأرض، فمنديله الذي كان يمسح دموعها أصبح لا يمسح أكتاف أهل المال كما مناديلها، بل أصبح يمسح دموع الأطفال، العراة، المساكين، فاذهبي واقصدي سوقا آخر واتركيه لأنه لا يشتري ابنة المال، فقد كانت أرصدته صفرا في البنوك لأن له عُملة واحدة هي شيكات حبه، ودقات قلبه، وأشواقه، فطريقه اصبح لا يسعها والهجر يمكن أن يكون الحل الأخير لها، هذه الصور الشعرية القاتمة هي نزيف عمر الشاعر حاول أن يكون فيها أقل قسوة منها، ولو أراد غيرها لقال كما قال أبي فراس الحمداني : إذا مت ضمآنا فلا نزل القطر .
اكتظ بالأحلام رأسي / اعلنتها جهرا بلا همس / ضحكات الأكواخ همي / سعادة بني الإنسان عنواني / قصدتها ومحوت دونها كل / العناوين / لا أريدك اتركيني / ما عدت أرويك بشعري / رسائل حبي ذرتها الريح / غادر الماء / أنهاري / مالك وحبي / فقد صار الحب / دين / المجانين /، قد تكون أبياته الأخيرة هذه خاتمة اللاعودة لحبهما فمن خلالها أحسست أنها نهاية قصة حزينة جعلها الشاعر قصيدة هجائية لكل حب رخيص، ولكونه يكتب القصة كما المقالة النقدية فقد قدم لنا عن ذكاء اقصوصة شعرية ذكرتنا ببأساء الحب التي عاشها الشعراء من قبل مع أننا نجد تشابها واضحا في المعاني التي قصدوها، لكنها هنا تذكرنا بالنمط الشكسبيري اذا جاز لنا التعبير فقارئ مسرحياته قد ينظر هذه القصيدة كتعبير واقعي لبعض أجوائها مع اختلاف المكان والزمان والشخوص .
الشاعر حميد الحريزي يعلنها صراحة جهرا لاهمسا أن رأسه قد اكتظ بالأحلام، همه ضحكات الفقراء وعنوانه سعادة البشر، فقد محا دونهما كل ما لايمت لهما بصلة فما عادت قصائده ترويها، ورسائل الحب طوحت بها الريح، أما ماءه فقد جف فلم يعد هناك نهر يمنحه الجريان فيهب الحياة والخضرة للأرض اليابسة، ويرتوي منه العطاش، وقوله / مالك وحبي / فهو وداع أبدي لأن الحب أصبح في عرفه دين للمجانين، فهل نعذر قيسا إذا جن بليلى؟ أم نعذر روميو إذا مات ؟ تلك هي المشكلة ..
 
أحمد فاضل


68
المرأة في قصيدة الشاعر العراقي حميد الحريزي:"دينُ المجانين".. قراءة أولى / احمد فاضل


احمد فاضل   

بداية من هو حميد الحريزي؟

أرض المشخاب العطرة بعنبرها اللذيذ وناسها الذين لاتفارقهم الطيبة أنْا رحلوا وأقاموا،
كانت الهواء الذي تنسمه الشاعر وهو يلج الدنيا أول مرة عام 1953، ولأنه يتحدر من أسرة فلاحية وعمالية فقيرة ولأبوين لايعرفان فك رموز الكتابة وقرائتها، لكنهما حملا فك رموز الحياة هناك بسبب أنهما قد جلدتهما بسوط أراداه أن لا يلهب حميد فهاجرا الى المدينة هربا من الفقر والفاقة والقهر عام 1963 وهو عام الشؤم على العراق، ومع أنهما واجها ظروفا أشد قسوة نرى حميدا ينهي دراسته الإعدادية بتفوق، لكنه يصطدم بجدار المادة الذي يضطره لإكمال دراسته في المعهد الطبي الفني بدلا من كلية الهندسة والعلوم والآداب الذي كان يمني نفسه بالقبول فيهم، لكن هذا المعهد ضمن له التعيين في دوائر الدولة وهو ما كان بأمس الحاجة اليه آنذاك والتي تنقل فيها من أقصى شمال العراق حتى جنوبه وبسبب ولائه للحزب الشيوعي الذي انتمى اليه وعدم انخراطه في صفوف البعث، فقد تعرض لشتى أنواع التعسف والحرمان والقهر زاد على كل ذلك ضياع ثلاثة عشر عاما من عمره في حروب صدام حينما خدم في الجيش بين مكلفية واحتياط، وهو في كل تلك السنين كان يجد راحته ومتنفسه بالكتابة التي بقيت حبيسة أدراج مكتبته، وبعد انهيار الحكم الشمولي انطلق شاعرنا بنشر كل ما يكتبه من مقال سياسي وقصة ورواية وشعر ونقد أدبي فهو كاتب شمولي أفسحت له الصحف والمجلات صفحاتها له وبعد دخول الانترنت البلاد شهدت مواقعه الثقافية ذياع اسمه وحضوره المتميز فيه
الشاعر وكما تقول عنه قصائده المنشورة كانت تحرك فيه تلك المواجع الراكدة في أعماق روحه فيستجيب لندائها كاشفا في نصوص عديدة له مدى مكابداته، وقد وجدتُ في " دين ُ المجانين " مكابدة من نوع آخر فهي قصيدة حاول فيها الشاعر نشر براءته من الحب، ممزقا معه سطورا كثيرة من دفاتر ذكرياته كما يقول:
لا أريدكِ / دعيني / أمزق دفاتر ذكرياتي / أهجر الذكرى / أعالج الشوق بالآهات / بالدمع أغسل / فناجيني / لاأريدك دعيني / ما عدت من لحم ودم / عدت الى أصل خلقي / صرت من ماء وطين / فإن شئت اسجدي على تربتي / أو أن شئت / اسحقيني .
المتلقي لتجربة حميد الحريزي باختلاف هوياتها الأجناسية قد يكون قد توقف كثيرا عند قلقه وعندما سيقع بين يديه هذا النص الشعري المفتوح فسيخرج حتما بمقصدية واحدة هي أن المرأة سبب رئيسي في ذلك القلق ما دعاه الى أن يقول لها لا أريدك، وقد يستثني الشاعر نفسه لينسب ذلك السبب الى غيره، لكنني ومن خلال العامل السردي أقرأ فيه حكيا شعريا يخص ذات الشاعر حتى وإن قال المتلقي غير ذلك، فهو يرشدنا دون أن نتعب أنفسنا أنه المقصود في كل ما قاله، فالذي كان بشرا من لحم ودم عاد الى أصله ماء وطين، هنا تظهر فلسفة خافية ضربت أطناب الصيرورة، فالعودة الى الماء والطين يعني الخلق الأول، بلا عاطفة أو أحاسيس وهو توقف بإرادة جامحة عن ذلك الحب الذي لايعود الى أصله إلا إذا سجد الحبيب مستغفرا عن كل ما جناه أو لتسحقه ليكون بلا ذكرى، هذه الصورة ذكرتني ب " شاخ بنات " التي أعرضت عن وصال الشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي الذي عاش في القرن الثامن الهجري والذي قال ما قال فيها حتى ذهب شعره مثالا لكرامة المحب وغدر الحبيب:
لا أريدكِ / دعيني / ما عاد تسبيح الملاك يعجبك / أغراك السراب / سحرك البريق / ورقص الشياطين / لا أريدك / دعيني / أحزمي الخصر / البسي التبر / وارقصي في دواوين / السلاطين / لا أريدك / دعيني / نذرت الروح للندى والعطر / ما عادت " مسجات " / العشق / و " يوتيوبات " الحب / تغريني / لا أحبك اتركيني /، المحب هنا قالها صراحة بوجه الحبيب أنه لا يريدها البتة، فما عاد اللهج بها يعجبها لأنها باعته وراحت تلهث وراء من يغدق عليها أكثر منه، تصورها راقصة وهو انحطاط ما بعده انحطاط لمحب يعرف ما وراء الأكمة هذه؟ تلبس الذهب لتهز خصرها في قصور السلاطين، إنها نظرة سوريالية مزج الشاعر فيها أفنان الفقر برنين الأصفر الوهاج فما عادت نذور الروح للندى والعطر مجدية، وما عادت " مسجات " و " يوتيوبات " كل أنواع الحب تغريه فاتركيه، ومع أن دخول هذين المصطلحين الغربيين معترك اللغة العربية فلا أرى أنهما يتجاوبان مع ما عرفته لغتنا من انفتاح على اللغات الأخرى، لكنهما اسقطا جماليتها المعهودة وقد كان بإمكان شاعرنا الإستعاضة بكلمات قريبة لاتشوه المعنى العام للقصيدة، فهذه الاشكالية تعب منها اللغويون ولازالت دوائرهم المختصة تبحث عن حل لها والحل كما أعتقد بيد المبدع سواء أكان شاعرا أو قاصا وحتى ناقدا فهو الوحيد القادر على تخطيها مع احترامنا لكل الجهود الرامية الى حلحلتها، وقد أدهشني كم سعى علامتنا الراحل مصطفى جواد وحده لحل هذه الإشكالية حينما تابعت برنامجه الشهير " قل ولا تقل " الذي أفادني وغيري في تجاوز الكثير مما ورد على لغتنا .
الحب قبلتي / الوفاء سجيتي / ما عدت من دينك / ولا صرتِ / من / ديني / ما عدت أهواك / اتركيني / ما علمني الحب قوال / ولا قرأته في كتب / الحب يا حلوتي / مخبوء / ب " جيني " / ما عدت معبودك / اتركيني / ما عاد فمي مكمن نهديك / فم بفم / كف بكف / مرتفع بمنخفض / اثنان بواحد ان شتتنا الشكل / ضمتنا المضامين /، فعندما يقول الشاعر: الحب قبلتي / الوفاء سجيتي / ما عدت من دينك ِ / ولا صرتِ من / ديني / فهي لغة عربية جعل خالقها ارتباطها بالأحاسيس قبل أن تكون مجرد حروفا وكلمات للدلالة فقط، فلغتنا العربية هي الوحيدة بين لغات الأرض التي تنطق بالأحاسيس فلا غرابة ان تقترب من ذات الحبيب لتقول له كل تلك الكلمات ختامها لا، فما عاد الهوى موصولا بقوال، ولا بكتب، هو مخبوء في جينات النفس، وعندما يقول لها اتركيني فهذا يعني أنه ما عادت كل حواسه النفسية والجسدية تتقبلها أبدا .
للقراءة بقية
 
للاطلاع
    دِينُ المجانيـن / حميد الحريزي
الدراسة منشورة في موقع المثقف.


69
أدب / العرافة تقرأ كف الوطن
« في: 13:35 03/06/2012  »
العرافة تقرأ كف الوطن:
لبنى ياسين
 
كيفَ أخبركَ سيدي
بمدى حيرتي؟
هذه الخطوطُ الحمراء
تنحدرُ بقوةٍ على تضاريسِ جرحك
لا تتصافحْ
كيفَ لها ألا تلتقي
وهي محبوسةٌ في كف؟!
 
 
هذه الدماء
التي تسيرُ كيفما اتفق
على خارطةِ الجرح
هل أقرؤها؟
هل أعتبرها من خطوطِ الكف
أم هي  طفيلية
لا قيمةَ لها؟
 
لديك خمسُ أصابع سيدي
حسناً
تسألني: وما الغريبُ في ذلك؟
سأخبركَ لا تستعجلني
الغريبُ في الأمر
أنَّ كلَّ واحدٍ منها
يريدُ أن يتخلص من  أخوته
ويبقى مغروساً وحده
في باطنِ كفك
ألم تخبرهم يوماً
أن كفاً دون أصابعها الخمسة
كفٌ عاجز؟!
 
الدمُ يتسربلُ هنا وهناك
ويتلاشى
بؤساً
أين  تختفي كل هذه الدماء في كفك؟
في أي عنقٍ تحطُّ رحالها؟؟
 
 
أعتذر سيدي
قراءتي
كأفكاري عمياء
متداخلة ودون معنى
عاجزةٌ عن إخبارك
بأيَّ جديد
عاجزة عن زرعِ الشمس
بين أناملك المتعبة
أنا من أبيعُ الأحلام للعاجزين.
 
غدكَ مظلمٌ سيدي
لا أستطيعُ رؤيةَ  نجومهِ
لا أستطيعُ قراءةَ تفاصيلهِ المرعبة
أعتذرُ يا سيدي
لا تضعْ في يدي نقوداً
لا أستحقها
كفكَ عصيٌ
حتى على عرافة
في مثل شهرتي
فهي المرةُ الأولى
التي أقرأ فيها
كفاً مبتوراً
 
 
لبنى ياسين
كاتبة وشاعرة وصحفية سورية
 
قصيدة"سلام عليك" بصوتي:
http://www.youtube.com/watch?v=kH0HgotJhAE

70
لو تريثتَ قليلاً
لبنى ياسين

لو تريّثْتَ قليلاً
أيها الحظُّ المقامرْ
ربما...
راودتَ في الكابوسِ
أشلاءَ الحناجرْ
ربما
مرّ بكَ السجانُ
أو قد مرّ شاعرْ
 
لو تريَّثْتَ قليلاً
قاب يُتمينِ وأكثرْ
ربما
نامت روابي الفلِّ
في حضن القصيدة
ربما
أمسكتَ فوق الظلِّ
أهداب السرائر
 
لو على الريحِ
تركتَ الصوتَ يغفو
ربما
كان لونُ الحلم يعدو
ليلاقينا
بيتمِ الصوت
في عتمِ المحابرْ
أو يجافينا
بلؤمِ الموتِ
في صدرِ الحرائرْ
 
لو تريَّثْتَ قليلاً
كان طفلٌ
وحقيبتهُ
على الكتفِ الخجولْ
سيقولْ:
انتظرني يا أبي
لم يحنْ وقتَ الأفولْ
إنه وقتُ النشيدِ الوطني
انتظرني
لا أريدُ اليومَ
أن أسكنَ
في صدر المقابرْ
ما يزال الحلمُ
ميناءً
وفي قلبي سفينة
لم يزل في الصدر
موالٌ
وللفجر بشائرْ


71
صدور أول رواية عن الثورة الليبية، "عدوُّ الشمس، البهلوان الذي صار وحشاً"، للروائي والقاص المغربي مُحَمَّد سَعِيد الرَّيْحَانِي




صدر للروائي والقاص المغربي مُحَمَّد سَعِيد الرَّيْحَانِي رواية بعنوان “عدوّ الشّمس، البهلوان الذي صار وحشا” وهي  بالمناسبة أول رواية عن ثورة 17 فبراير، الثورة الليبية. وقد كتبت التسع الأولى ما بين تاريخ اندلاع الثورة في فبراير 2011 إلى غاية نهاية شهر غشت من نفس السنة ونشرت على جريدة "العرب اليوم" الأردنية بتسعة فصول فقط. وبعد إلقاء القبض على معمر القذافي في سبتمبر 2011، راسل القراء كاتب الرواية مطالبين بتحيين أحداث الرواية لمجاراة الأحداث الواقعة على الأرض. فأضاف الكاتب فصلين إضافيين، هما الفصل العاشر والحادي عشر، حيث يلقى القبض على العقيد ليلقى جزاءه...
وتُسْتَهَلّ الرواية بحوار أجراه مع الكاتب الشاعر المغربي أنس الفيلالي حيث نقرأ المقتطفات التالية:


سؤال: من الكتابة بالمجموعة القصصية إلى الرواية مباشرة، ألم تشعر بصعوبة في الانتقال؟
 
جواب: أنا أكتب في جنس السرد منذ عشرين عاما (1991-2011). وإذا كنت قد تخصصت في البداية في نوعين سرديين قصيرين وهما "القصة القصيرة" ثم "القصة القصيرة جدا"، فإنني  كنت أكتب دائما مجاميع قصصية بطعم روايات "متقطعة الأنفاس"، مجاميع قصصية تجمعها تيمة واحدة لكنها بدل التطور والنمو على طريقة الرواية فقد كانت تتشظى وتنكسر أفقيا وعموديا على طريقة السرد القصير...

لذلك، هوجمت من طرف كتاب القصة التقليديين الذين طالبوني بالهجرة إلى الرواية وترك القصة القصيرة على حالها...


سؤال: ما هو إذن الفرق بين الكتابة في كل من الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا؟

جواب: أهم محددات النوع الأدبي داخل جنس السرد هو "الإيقاع". فحيثما أبطأ الإيقاع كانت الرواية، وحيثما أسرع الإيقاع كانت القصة القصيرة، وحيثما ارتفعت السرعة إلى درجتها القصوى وتقلصت الجمل وحذفت المتواليات كانت القصة القصيرة جدا...

لكن يمكن أيضا اعتماد محددات أخرى ك "الشخوص" مثلا. ففي الرواية، يكون التأكيد على الفرد داخل المجتمع. أما في القصة القصيرة، فيكون التأكيد على الفرد منعزلا عن المجتمع. بينما في القصة القصيرة جدا، يتم التركيز عن أفكار فردية مستقلة عن الفرد وعن المجتمع معا...


سؤال: هل يعني هذا أن النوع السردي ذا الإيقاع الأبطأ هو النوع الأصعب؟

جواب: هناك من يعتبر الرواية أصعب من كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا وأنها دالة على الموهبة الحقة وسعة الإطلاع على الأدب وعلى النفس البشرية والتاريخ والمجتمع. وهناك من يعتبر القصة القصيرة أصعب من الرواية بفعل خاصيات التركيز والتكثيف والحذف. وهناك من ينتصر للقصة القصيرة جدا ويرى فيها من الصعوبة والنبوغ ما يراه أنصار الرواية والقصة القصيرة في نوعهم المفضل...


سؤال: هل يمكن الحديث عن القصة القصيرة كعتبة للرواية وكمرحلة ضرورية لكل من يفكر في اقتحام عالم الكتابة الروائية؟

جواب: من الأدباء المغاربة من جاء إلى الرواية من الصحافة كعبد الكريم غلاب مثلا...

ومنهم من قدم إليها من الشعر كالطاهر بنجلون ومحمد الأشعري وعبد اللطيف اللعبي وحسن نجمي...

وآخرون قدموا إليها من المسرح كيوسف فاضل...

وهناك من هاجر إليها من مجال النقد مثل محمد برادة وعبد القادر الشاوي وحميد لحميداني...

وفئة خامسة جاءت الرواية من الفلسفة كعبد الله العروي وبنسالم حميش...   

وهناك طبعا من انتقل إلى الرواية من مجال القصة القصيرة مثل محمد شكري ومحمد زفزاف ومحمد أنقار ومحمد عز الدين التازي وآخرون كثيرون... وربما اقتربت تجربتي من هذه الفئة الأخيرة ولكنني قطعا لا أنتمي إليها ما دمت كاتبا "يُرَاوِحُ" بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والرواية.

فأنا لست بصدد تغيير نوع أدبي بآخر ولكنني أكتب بالشكل الذي يناسب مضامين أعمالي: فالقصة القصيرة جدا بالنسبة لي تبقى شكلا سرديا مناسبا للسخرية ممن حاكوا حولهم الملاحم الطوال أو شكلا مناسبا لرسم صغر الحياة وقصر الزمن... بينما القصة القصيرة تبقى شكلا سرديا مناسبا لمقاربة التجربة الفردية وعزلة الفرد.  فيما تبقى الرواية الشكل الأنسب دائما للملاحم والبطولات والفتوحات الجماعية والفردية، العسكرية والغرامية وذلك إما بتمجيدها أو بالسخرية منها...

لذلك، فالحديث عن كون القصة القصيرة عتبة للرواية غير دقيق. ثم إنني سأظل أكتب في جنس السرد بأنواعه الطويلة والقصيرة بحثا عن الشكل الأنسب لمضامين نصوصي وأعمالي. ذلك لاعتقادي الراسخ بأنني، في مشواري الإبداعي، كنت محظوظا مرتين: المرة الأولى لأنني أكتب باللغة العربية، إحدى اللغات الأربع المصنفة للخلود صحبة اللغة الصينية، لغة ربع سكان العالم؛ والإسبانية، لغة قارتين؛ والإنجليزية، لغة العلوم والتقنية؛ والمرة الثانية لأنني تمرست على القصة القصيرة لمدة عشرين عاما قبل أن ألج عالم الرواية. شخصيا، أعتبر القصة القصيرة "مُوَزّعا" رئيسيا داخل نوع السرد الأدبي يربط مهارات السرد الطويل بالقصير جدا...


سؤال: بينما وعدت القراء بقرب صدور رواية "قيس وجولييت" في إحدى حواراتك الصحفية المنشورة، جاءت رواية  "عدو الشمس، البهلوان الذي صار وحشا" على حين غرة. ما الأسباب وراء تأجيل نشر العمل المتوقع والتعجيل بإصدار لعمل غير المتوقع؟

جواب: رواية "عدو الشمس، البهلوان الذي صار وحشا" كتبت على هامش "الربيع العربي" خلال تسعة أشهر، ما بين شهري فبراير ونونبر 2011، وهي تراجيكوميديا عسكري يبحث عن علاج لأمراضه النفسية والعقلية في "كرسي الحكم" بينما الشعب ينتظر منه قيادته نحو الأفضل. وتعتمد الرواية على تقنية "الحذف" الذي يولد "السخرية" بفعل "الارتطام المستمر" مع "اللامتوقع"...

في هذه الرواية، "عدو الشمس، البهلوان الذي صار وحشا"، أشعر بأنني أكثر ميلا إلى  كُتّابِ السخرية من سينيك وجورج برنارد شو وغيرهما...

انتهيت من كتابة الفصل التاسع من الرواية في بداية سبتمبر 2011، يوم إلقاء القبض على العقيد معمر القذافي. وقد نشرتها الصحف بتسع فصول فحسب. وبذلك، بدأت تردني رسائل من القراء تطالبني بإتمام الرواية كي تساير التاريخ. هكذا، أضفت فصلين إضافيين هما الفصل العاشر والفصل الحادي عشر حيث سيلقى القبض فيهما على العقيد. كما أن فكرة أحد عشر فصلا في الرواية توافق سنة "الربيع العربي"، سنة 2011، وهي دعامة قوية لروح المصالحة بين الشكل والمضمون التي تسكنني...

في ما يخص رواية "قيس وجولييت" وهي رواية تستوحي تقنياتها من "روايات المراسلات" Epistolary Νovel التي شاعت في أوروبا القرن الثامن عشر لكنني أقدمها بمنظور جديد وفي شكل جديد إذ تعتمد الرواية فلسفة البناء جملة بعد جملة، رسالة بعد رسالة لأن الهدف محدد منذ البداية وهو البحث، وسط الاختلاف عن "المشترك فيه"، البحث عن جذوة الحب...

في هذه الرواية، أشعر بأنني أكثر ميلا إلى  شعراء الغزل في الشعر العربي من قصائد مجنون ليلى مرورا بجميل بثينة وعمر بن أبي ربيعة وانتهاء بنزار قباني...

أما رواية "بطاقة هوية"، فهي رواية فصولها هي معطيات بطاقة الهوية بحيث يصبح الفصل الأول هو "الاسم الشخصي"،  والفصل الثاني هو "الاسم العائلي"، والفصل الثالث "هو "اسم الأب ومهنته"، والفصل الرابع هو "اسم الأم ومهنتها"، والفصل الخامس هو "العنوان" والفصل السادس والأخير هو "تاريخ انتهاء صلاحية البطاقة"...

في البداية، كتبت هذه الرواية، "بطاقة هوية"، تحت تأثير تيار الوعي Stream of Consciousness الذي عُرِفَ به هنري دجيمس وفيرجينيا وولف وويليام فولكنر ولكنني أعدت كتابتها ثانية وبطريقة مختلفة يشتغل فيها الزمن بطريقة حلزونية Spiral تظهر فيها الوقائع وهي تراوح مكانها في الوقت الذي تحاول فيه الأحداث الإيهام بتطور الوقائع وتقدمها...


سؤال: الرواية، كباقي الأنواع السردية الحديثة، فن غربي. هل يمكن الحديث عن رواية عربية؟

جواب: خلال الانتقال من الملحمة إلى الرواية، من جلجامش والإلياذة والأوديسة  إلى "البؤساء" و"الحرب والسلام" و"مئة عام من العزلة"، أثمر البحث في تتبع أصول الرواية إلى نتائج أظهرت تحكم العصبية الثقافية في البحث العلمي...

فبينما يعتبر الباحثون العرب "ألف ليلة وليلة" المكتوبة في القرن العاشر الميلادي كأول رواية في التاريخ نظرا للسبق الزمني الذي يصل إلى سبعة قرون عن ذيوع صيت الرواية بالشكل المتعارف عليه الآن، يصر الباحثون الأنجلوسكسون على كون "توم دجونس" هي أول رواية في التاريخ نظرا للنبوغ التقني المبكر والمذهل الذي أظهره الكاتب الإنجليزي هنري فيلدينغ، بينما  يروج الباحثون الإسبانيكيون ل"دون كيشوت دي لامانتشا" للروائي الإسباني ميغيل سيرفانتيس كأول رواية في التاريخ...


72
جماعة كركوك: من أرشيف زهدي الداوودي

سان خوسيه، 12 – 06 – 1994

    كتاب عن "جماعة كركوك"

الأعزاء أعضاء "جماعة كركوك"
تحية،

ظهرت "جماعة كركوك" (جك) عفوياً من التقاء نخبة من الأدباء والفنانين في كركوك. لقد انقضت أربعة عقود منذ ذلك اللقاء وتحولت جك إلى ظاهرة في الثقافة العراقية المعاصرة. شملت امتداد زمني وتراكم نتاجي يتطلب اصدار كتاب للتعريف بها. هذه الرسالة هي دعوة لكم للمشاركة في تأليف هذا الكتاب.
في هذه الرسالة مخطط لشكل ومحتوى الكتاب والخطوات اللازمة لانجازه. أقترح أن تشرف على اعداد الكتاب واصداره لجنة مؤلفة من فاضل العزاوي وزهدي الداوودي وأنور الغساني. أنا أيضا على استعداد للقيام بمهمة منسق اللجنة. أرجو أن تصلني اقتراحاتكم في موعد أقصاه 1 آب 1994. سأقوم بعد ذلك بوضع الصيغة النهائية للمشروع. وفي كل الأحوال، أرجو أن تخططوا من الآن لكتابة مساهماتكم دون انتظار الاتفاق على التفاصيل الإجرائية، وأن تباشروا بكتابتها كي تصلني في موعد أقصاه 1 آذار 1995.

عنوان الكتاب (مؤقت)
جماعة كركوك – شهادات في الثقافة العراقية المعاصرة
الهدف
تسجيل جزء من تاريخ كركوك الثقافي والحفاظ عليه من الاهمال والنسيان؛ المساهمة في توثيق الأدب العراقي المعاصر؛ ابراز خاصية جك في الاستمرار والتطور معتمدة على علاقات الصداقة بين أعضائها.
طبيعة الكتاب
شهادات وذكريات شخصية يكتبها أعضاء جك على أن تشمل كل مساهمة، كحد أدنى، ما يلي:
1.   كركوك، المكان، التاريخ، الناس، الثقافة.
2.   بداية تكون جك ومراحل تطورها الثلاث: في كركوك، في بغداد، في خارج العراق، منذ الخمسينات وحتى الآن.
3.   التجربة الشخصية للمساهم مع الأدب/ الفن/ الثقافة.
4.   الصداقات بين أعضاء جك.
(بامكانكم أن تأخذوا بهذه النقاط كاملة أو بجزء منها أو تهملوها وتبنوا مساهماتكم على النحو الذي يروق لكم)

بنية الكتاب/ المحتويات
سيتألف الكتاب من الوحدات التالية:
-   دراسة عن كركوك وعن تاريخ وأهمية جك في الثقافة العراقية والعربية والعالمية – حوالي 25 ص.
(يكتبها أنور الغساني وواحد أو أكثر من الزملاء – أرجو ممن يرغب في المساهمة الاتصال فورا بأنور للمباشرة بالتنسيق)
-   المساهمات – حوالي 15 ص لكل مساهمة.
(ستتصدر كل مساهمة صفحة واحدة من السيرة الذاتية وصورة على صفحة كاملة لكاتب المساهمة. ترتيب المساهمات سيكون وفقا للترتيب الابجدي للأسماء.
من الأفضل كتابة المساهمات كشهادات/ ذكريات/ أيضا الحاضر والمستقبل؛ تفادي نبرة النواح على الماضي؛ التأكيد على الصداقات، الأشياء الجميلة، الخلافات؛ كل شئ ينبغي أن يكون موثقاً قدر الامكان – هوامش، مراجع، أماكن، أشخاص؛ التفاصيل مهمة جداً لكي تكون الكتابة جذابة؛ تفادي التحليل والتنظير قدر الإمكان لأن المساهمة ليست بحثا علمياً بل شهادة؛ تحدث – قبل كل شئ – عن نفسك وأعمالك وعن الحاضر والمستقبل؛ كن شخصياً واستشهد بأعمالك... الخ.)

الغائبون – حوالي 50 ص.
(المقصود بالغائبين الزملاء الذين لن نستطيع الاتصال بهم للأسباب المعروفة. هناك أيضاً المتوفون. يمكن أن يكتب المساهمون الحاضرون صورا قلمية – بورتريه – عن الغائبين والمتوفين وبطول 3 – 4 ص لكل صورة.بامكان أي مساهم أن يكتب عن واحد أو أكثر من الغائبين والمتوفين، كما أن من الممكن أن يكتب أكثر من مساهم عن زميل غائب أو متوفى. الرجاء الاتصال فورا بأنور لكي نعرف من يريد أن يكتب عن من.)

أحدث أعمالهم – 50 – 100 ص

(تخصص 4-5 صفحات لكل مساهم لتقديم نموذج من أحدث أعماله. كما ستقدم مختارات من أعمال الغائبين والمتوفين.)

-   وثائق و صور
(كل ما يتيسر من وثائق وصور عن كركوك وجك – هل لدى أحدكم خارطة لكركوك؟)

-   الملحق التقني
(هوامش ومصادر؛ قائمة بأسماء أعضاء جك؛ ما هو متوفر من عناوين أعضاء جك)
الحجم
ربما 400 ص
الناشر وتاريخ النشر
تاريخ الانتهاء من اعداد الكتاب: 31 كانون الأول 1995
الناشر     : يشترك الجميع ومن الآن في البحث عن ناشر
عام النشر  : 1996

قائمة مؤقتة بأسماء أعضاء "جماعة كركوك"
الآراء مختلفة حول من هم في الحقيقة أعضاء جك. ولكي نستطيع التوصل إلى تأليف قائمة تحظى إلى حد ما بالقبول فقد وضعت القائمة التالية مراعياً أن تشمل من ينتمون إلى ما يسمى "نواة" جك ومن ينتمون إلى الإطار العريض للنشاط الثقافي في كركوك (خاصة في الستينات والخمسينات). أرجوكم دراسة القائمة. أبعثوا إلى باسرع وقت ممكن بأسماء من تعتبرونهم من جك ومن لا تعتبرونهم من جك. سأضع على ضوء ما سيأتيني القائمة النهائية التي ستظهر في الكتاب. هذه القائمة لن ترضي الجميع بالتأكيد ولكنها ستشمل كل الأسماء التي ستقترحونها. (ستصلكم نسخة من القائمة بعد وصول ردودكم).
القائمة المؤقتة
(ترتيب الأسماء عشوائي وقد أكون قد نسيت بعض الأسماء)
صلاح فائق
زهدي الداوودي
قحطان نجاتي الهرمزي
عصمت نجاتي الهرمزي
أنور الغساني
عبد اللطيف بندر أوغلو
سنان سعيد (م)
+++++
فاضل العزاوي
مؤيد الراوي
علي شكر البياتي
سعاد الهرمزي
محمد أحمد رستم
عبد الصمد خانقاه (م)
محمود العبيدي
+++++
سركون بولص
علي حسين السعيدي
يوسف الحيدري (م)
يوسف سعيد
نور الدين الصالحي
موسى العبيدي (م)
فائق معصوم
+++++
حسين علي الهورماني (م)
جان دمو
جليل القيسي
صديق أحمد
محي الدين زنكنة
نجيب المانع (م)
عثمان خوشناو
_ (م) متوفى. هل هناك آخرون توفوا؟ لا أدري.
_ أجرى زهدي أثناء تواجده في كردستان في نيسان الماضي اتصالاً غير مباشر مع قحطان وعلي شكر البياتي وجليل. لم أطلع بعد على التفاصيل.
والآن يا "بوليه" (بتفخيم الواو واللام) أليس هذا ما كنتم تريدونه دائماً، اصدار كتاب عن جك؟ بقي أن تهتموا ولا تهملوا الأمر. تجربة الكتابة ستكون جميلة ومنعشة، والكتاب سيكون ثميناً. إذا لم نحصل على ناشر مغفل يتورط في نشر هرائنا البديع فاننا سننشره في كراريس أو مسلسلاً في مجلة. المهم تأليف الكتاب أولاً.
أبعثوا بكل ما له علاقة بكتاب جك إلى صندوقي البريدي 1555 وليس إلى 823 (راجع العنوان في مطلع الرسالة).

                                                                                         تحيـــــــــــــــــــــاتــي
                                                                                  أنــور الغســـــــــــــــــــــــــانــي

73
أدب / الــســَرابْ
« في: 13:40 11/05/2012  »



الــســَرابْ




ميسون نعيم الرومي

 
يا تائها في العمر
تدور بك السنون
الى سراب
اثقلتها بحرقة الآهات
ومـرّ العذاب
زرعت ظلام الليل في فرح الصبا
والحـسـرات وشاحا لأحلام الشباب
عـيناك غائرتان
مرتعشتا الدمع
بين المقل والأهداب
خابت الآمال فيهما وذبح الرجاء
بــلا جواب
يومك حائر دون صباح
وغدى غدك مـلـبـّـد بالسحاب
اطياف اوهام تخاف شرودها
اطبقت عليها بالأسنان وبالأنياب
فكيف و متى
تدور محزونا اسيراً للمنى؟
سجينا في وجـَع الذكريات
حائرا ضـائعـاً
في غياهب متاهات الأكتئاب
ترنحت فيك ابتسامة
مكلومة موجوعة
ثم  ذوت
فماتت على الـشفاه
لتطرب السمع فيك
اصداء انيين الروح
كلحن يعزف اللحن في رقة
وهـدوء وانسياب
هان فيك الدمع
أَنَّ الأنـين ثم خبا
واكتوى القلب بوهج لهاب
مستعرا يحرق
الروح والوجدان
فلماذا
وعلام َ
وكيف
تاهت الفرحة
في حنايا زمن غادر كذاب ؟
بنيت من وهم فكرك جنة
طرّزتها بالضلوع وبالدماء
فـغـزتها الثعالب .. والذئاب
وسرت في الروح حرقة
ابتلعت امس واليوم
وغـد وبـعد غـد
وكل سنين العمر
على اطلالها نـعق الغراب
يا غربة الروح
يالوعة مكـنونـة
وبؤس حـائـر
بين اشـلاء الشقاء
مرت لـتـمضي
واحـَسرتاه
دون سؤال أو حساب
فأين أيـن مابنيت من قلاع
مـشـيـّـدة ! كـانت من رمال ؟
واين الفرحة والأحلام ؟
واين الأمل ! وأين الرجاء ؟
وإلى اين سائر أنت ايها القدر ؟
وبماذا ، ولمـاذا
حكمت على البشـر
فالى متى هذا العذاب
وإلى متى هـذا الـسـهـَـر
وانت دائر في الوهـم
شاخصا الى العدم
حثيثة خطاك
الى ســَــراب
 
سـتوكهولــــــــم
مـــايس 2012




74
أدب / هذا المساءْ
« في: 12:58 26/04/2012  »
هذا المساءْ

لبنى ياسين
 
هذا المساء
سأمزِّقُ الحزنَ العتيق
وأرتدي ولهَ الطريق
وسأنحني
لخيولِ لونِ الشمسِ
تجتاحُ السماءْ
هذا المساءْ
ستكونُ لي
كل الأغاني السُمرِ
تحكي عن وطنْ
منذ الأزلْ
كانتْ سنابلُ قمحهِ
شعراً لرأسِ الأرض
لوناً للعسلْ
وشقائقُ النعمان
تشدو للغيوم صلاتها
شِعرَ الغزل
فَـيُبَحُّ صوتُ الناي
منْ أنَّاتهِ
ويغصُّ وردُ الشام
شوقاً عندما
تنهالُ دمعته
فيبكيهِ الجبلْ
هذا المساءْ
سألملمُ الأمطارَ
 من كبدِ السماء
وأنقِّطُ القمرَ الحزين
بموطني
وسأقتفي أثرَ الظلال
الغائبات وراء سور الليل
وأبيح الغناء
هذي خطايَ
يا ابنة التاريخ تمشي
حيثُ تنسكبُ الدماء
سوقُ الحميدية
محييِ الدين
يذوي بينَ أخبارِ
الثكالى
 
وموكبِ الموتِ المهيبِ

وصمتِ هذا الكونِ
 
في وضحِ العراءْ
هذي أنا
في "النوفرة"
حيث التقيتُ الأصدقاءْ
 
 
هذا المساءْ
سيكونُ لي  وطني صديقْ
ولن أطيقْ
أصواتهم يتقاتلون
يتراشقون بجرحنا ويعربدون
ألأجلِ كرسيٍ غبيٍ
مُزِّقت رئة الوطن؟!
يا للشجن!
هذا المساءْ
سيكونُ لي وطني صديقْ
ليفوحَ عطرُ الأنبياء
ولأمسح الحزن المعتقَ
عن قبور الأولياء
ولن أطيقْ
صوتاً يهزُّ جوارحي
وسع الفضاء
ولن أطيق
يداً تهزُّ اليأسَ فيَّ
لأستفيقْ


75




الطريق إليك



لبنى ياسين

يمرُّ الطريقُ إليكَ
بألفِ قصيدةِ حزن ٍ
وقلب خواءْ
لماذا عليّ إذنْ
أن أعدّ خيول التلاقي
لهذا  المساءْ؟
أبعثرُ ليلي على برد صوتك
ويمسكني الشوقُ
صرخةَ نايٍ
تمزق قلب العراء
يمرُ الطريقُ إليك
بكل الجروحِ
وبعض الصورْ
لمَ ... لا أسافرُ فوق جراحي
وأمحو القمرْ؟
بربـَك هل كنتَ يوماً بغيري؟
وهل كنتَ يوماً بدونِ شموخِ جناحي؟
وهذا التوهجُ في بوحِ روحي
سوى ظل حبٍّ
يموتُ ويمضي
ويتركُ فيكَ بقايا رثاءْ؟؟..
يمرُّ الطريقُ إليك
بآه ٍ  ودمع حزينْ
لمَ .. لا أشاطرُ ليل عيوني
سريرَ الأنينْ؟
أنا من نحتُّ لعينيك كل الدروبْ
أنا من رسمتُ لك العمر ورداً
بجفنيّ قلبك كان يذوبْ
أنا من أضاءتْ لك الأغنياتِ
فراحت تصلِّي
بشوقِ القلوبْ
ستذكرُ يوما بأنـّي
لأجلكَ وحدكَ
أسرجتُ كلّ خيول العطاءْ
يمر الطريق إليك
بكلّ الصدى والزحامْ
لمَ ... لا أطير بعيداً بعيداً
كطير الحمامْ؟؟..
 
 
15\3\2011


--


76
الشاعر عدنان الصائغ، في جامعة سواس وليدز، وقراءات أخرى

(ثقافات - لندن):
 
 
 
تلقى الشاعر العراقي عدنان الصائغ Adnan al-Sayegh، عدة دعوات خلال الشهرين المنصرمين، للقراءة في جامعة سواس، وجامعة ليدز Leeds، وأماكن أخرى.


جامعة سوس:
شارك في  المهرجان السنوي الأول للشعر العربي First Annual Arabic Poetry Festival  الذي أقامه منتدى الشعر العربي بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية- سواس SOAS Arabic Poetry Society، لليومين 14-15 كانون الثاني 2012. قرأ الصائغ في اليوم الأول مجموعة من قصائده. قدمه وقرأ ترجماتها: ولاء قويسي وسمير أعمر.
وكان  قد شارك في الأمسيتين عدد من الشعراء منهم: لينا أبو بكر من فلسطين، عبد الدائم أكواص من ليبيا، د. أبو بكر الشماحي من اليمن، د. ناصر فرغلي من مصر.
 
http://www.eventsbot.com/events/eb493528967
 
 
في مقهى الشعر البريطاني:
 
ونظمت رابطة حبر المنفى Exiled Writers Ink. أمسية شعرية مساء الأثنين 2/2/2012، في مقهى الشعر البريطاني Poetry Cafe  قرأ فيها الشاعر Pete Godismo (من نيجريا)، والشاعرة إيفون كرين Yvonne Green. (من انكلترا). وعدنان الصائغ Adnan al-Sayegh (من العراق)، وقرأت ترجم قصائد الصائغ إلى الانكليزية البروف. شيرين بانديت Shereen Pandit PhD. (كاتبة من جنموب افريقيا، وعضوة الرابطة).
تخلل القراءات عزف موسيقي للفنان Alexander Hart. قدمت الأمسية: شن أزابايك Chinwe Azubuike.
 
http://www.go-london-now.com/news/book-grocer-1-7-february-2.html
 
http://www.timeout.com/london/books-poetry/event/253110/exiled-writers-ink
 
www.exiledwriters.co.uk
 

في الملحقية الثقافية العراقية:
 
وفي يوم الأحد 19/2، أقيم الموسم الثقافي الاول لعام 2012 الذي نظمته الملحقية الثقافية العراقية في لندن، متضمناً معرضاً تشكيلياً شارك فيه كل من الفنانين: وليد شيت، صادق طعمة، علاء جمعة، عماد الطائي، عبير الخطيب، وأمين شاتي..
وقراءات شعرية لكل من الشعراء: عدنان الصائغ، ورود الموسوي، غريب اسكندر، وسلام سرحان.
 
http://iraqiculturalattache.org.uk/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=641:2012-02-23-11-08-00&catid=307:2&Itemid=443
 
http://www.aaram.net/article/45574/27/
 





في جامعة ليدز:
 
واستافت جامعة ليدز University of Leeds، يوم الثلاثاء 21/2، الشاعر عدنان الصائغ في قراءة شعرية. قدمته د. زاهية إسماعيل الصالحي Dr. Zahia Smail Salhi، رئيسة القسم. وقرأت ترجمة قصائده إلى اللغة الانكليزية شارلوت كلايتونCharlott Clayton . وقد شارك بالقراءة مجموعة  من الشعراء طلاب الدراسات العليا في قسم اللغة العربية والدراسات الشرق أوسطية Department of Arabic and Middle Eastern Studies، منهم: عادل الزهراني، حمد الهزاع، حسين القرني، تخللت القراءات مقطوعات ممن الموسيقى الأندلسية Andalusian Music.
 
http://uk.linkedin.com/pub/charlotte-clayton/36/6b3/958
 
 
الشعر في الترجمة:
 
وأقامت جمعية "الشعر في الترجمة" POETRY  IN  TRANSLATION، أمسية شعرية مساء الجمعة 29/2 في مقهى الشعر البريطاني THE POETRY CAFE ضمن سلسلة Series: “The Trace They Wished to Leave’’ شارك فيها الشاعران: عدنان الصائغ Adnan Al-Sayegh، وباتريك ويليامسون Patrick Williamson. قدم الأمسية وأدراها الشاعر هايز سيباستيان Sebastian Hayes. قرأ ترجمة قصائد الصائغ إلى الانكليزية الشاعر ستيف واتس Stephen Watts.
 
http://poetryintranslation.org/category/arabic/
 
http://poetryintranslation.org/events-and-meetings/
 
http://www.ditchpoetry.com/patrickwilliamson.htm

www.poetryintranslation.org




الملتقى الثقافي العربي:
 
الملتقى الثقافي العربي في لندن أقام مساء الجمعة 2 آذار/مارس 2012 أمسية شعرية لكل من الشاعرين: ملك مصطفى وعدنان الصائغ، قدمها د. عبد الله الموسوي.  قراءا في الأمسية مجموعة من قصائدهما، وأعقبها حوار ومداخلات للجمهور مع الشاعرين عن دور الشعر في الحياة العامة وسط المتغيرات في العالم العربي. أقيمت الأمسية في قاعة فندق Norfolk Plaza وسط لندن.
 
 http://www.multaqa.co.uk/index.php?option=com_content&view=article&id=67:-1&catid=18:lectur&Itemid=25
 
http://www.multaqa.co.uk/index.php?option=com_content&view=article&id=65:2012-03-03-00-41-52&catid=18:lectur&Itemid=25
 
http://www.multaqa.co.uk/
 
 
ماوراء الكلمات:
 
أقامت جمعية "ماوراء الكلمات BEYOND WORDS" أمسية الشاعرة البريطانية روث اوكالاهانRuth O’Callaghan، مساء الثلاثاء 6 مارس في الحانة الغجرية The Gipsy Hill Tavern، جنوب لندن.  وضمن فقرة المايك المفتوح قرأ مجموعة من الشعراء قصائدهم، وقرأ الصائغ قصيدته "كأس" تلت ترجمتها إلى الغة الانكليزية من قبل كارولينا فيرو Caroline Vero مديرة الجلسة التي أعدت لاستضافة الصائغ في أمسية رئيسية في 6 نوفمبر من هذا العام.
 
 
حوارات وقصائد:
 
واستضافت اذاعة  BBC– القسم العربي، الشاعرالصائغ في حوار مباشر على الهواء ضمن برنامج "اكسترا في اسبوع " لمدة ساعتين 11-1 من صباح السبت 11 فبروري. حاورته: كريمة كواح ومنى با.
الحلقة (1):
http://www.bbc.co.uk/arabic/tvandradio/2012/02/120211_xtra_weekendadnanalsaygh.shtml
 
الحلقة (2):
http://www.bbc.co.uk/arabic/tvandradio/2012/02/120211_weekendadnan2.shtml
 
http://www.facebook.com/bbcxtra/posts/294313787288680?comment_id=3247648
 
وقرأ في اذاعة الألمانية العربية من مدينة بون DW Radio arabische redaktion مجموعة من قصائده في حلقة استضافه فيها الكاتب ملهم الملائكة ضمن برنامج "آخر الكلام – شعر وموسيقى".

http://www.dw.de/dw/9799/0,,13560,00.html
 
 
 
نشاطات سابقة:
http://new.alnoor.se/article.asp?id=135543
 
http://www.fobyaa.com/?p=14460
 
http://www.azzaman.com/pdfarchive/2011/10/13-10/P11.pdf
 
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/6t01.htm
 
http://www.yanabeealiraq.com/article/ads/ads_061211.html
 
أمسية للشعر العراقي في  قاعة ناشنال بورتريت كاليري العريقة في لندن  National Portrait Gallery
Video 1
http://www.youtube.com/watch?v=E1fId9JA7HQ
Video 2
http://www.youtube.com/watch?v=mNMK
 
Video All
http://vimeo.com/32756588
 
http://aldiyarlondon.com/community/2997-2011-11-22-13-30-07
 
http://ahmedalarfaj.com/?p=337
 
http://www.al-madina.com/node/340144


77
أدب / يعز علينا قول الوداع
« في: 20:08 19/03/2012  »

يعز علينا قول الوداع

المقدمـة


يعـــــــز علينا قول الوداع                   لنجم سما سمو السماء  
قدت الكنيسة بحرص ومجد               وشعب المسيح في كل لقاء
 
فكنت الصديق وكنت الرفيق             لكل من تاه ومن الغرباء
فكنت الطبيب وكنت الحبيب             لكل مريض ونعمة الدواء

فرغم السنين عبرت الفيافي             تزرع الحب في كل فناء
   كما المسيح تصنع خيرا                 لمن في مصر وفي الصحراء
 
  بنيت بيوتا وبنيت ديورا                 ومثلها كنائس رغم الجفــــاء
   تجول بالخير لكل محتاج                دون خشية علنا وفي الخفاء    
****

  يانبراس عصر فاق عصره                 حكمة وتواضعا وبشهاده العلمــاء  
  فأنت بغير الحب لم تنادي                  وبشريعة تفوق العقل والخيـــــلاء
 
   فنم قرير العين في كل قلب                     مع شكر يفوق الوصف والثنــــــــاء
   فنم قرير العين مع من رحلو                    في المقطم وماسبيرو وكل الشهداء

وصلي لمصر في كل ضيق                مع القديسين والإخوان والأبـــــاء
لقد رحلت ويبقى السؤال                   متى يزول الجهل من مصر والغباء

الخاتمة

 
    

لقد رحلت وخلفك كلب يعوي            فرحا فتلك شيمة ألأنذال والحقراء
          فسجل أيها التاريخ وبإفتخار            كلاب مصر تعوى فرحا بدل الرثاء          

            فكم من كلب يسير الهوينة             ولكن القافلة تسير بشموخ وإباء          
    فمثالكم معذور لأنه كالإناء          ينضح بما فيه بـــول أو خــــراء
 
فإنعقو حتى تموتو في غيضكم             فالكلاب لاتجيد غير لغة العواء
فكم من كلب أجرب شوه أمة             فإستحق لعنه ألأرض قبل السماء




وأختم قصيدتي بقول شاعر أخر إذ قال 
 
  تموت ألأسود في الغابات جوعا         ولحم الظان يرمى للكلاب
    وذو جهل ينام على السرير             وذي علم ينام على التراب

              
 


سرسبيندار السندي
مواطن يعيش على رحيق الحقيقة والحرية
من بلاد الرافدين
MARCH / 19 / 2012

 
 





78
مـَتـى تـَنـْهـَض يـا عـِراق
ميسون نعيم الرومي
 
مـَتـى تـنـهـَض يـاعـِراق
فـَقـَد أضـْنـانـا الـنـَوى
وَسـَئـمـنـا لـُعـْبـَةَ الأيـام
تـَفـَتـَحـَتْ فـي الجـروحِ عـيـون
تـَسـلـُبَ الـنـَومَ,تـَقـتـُلَ الأحـلام
 
ذوَتْ أجـْسـادُنـا كـمـَداَ
واسـتـَوطـَنَ فـيـها الـسـُقـام
صـَمـتَ الـصـَمـتُ فـيـنـا وهوى
فـنسـَيَنـا في الجوى حلو الـكـَلام
 
دونـنـا استوطن البـوم وَالغـربـان   
هـاجـَرَ مـِنـه الـحـُب والـسـلام
شـُعـاعُ الـشـَمـس بـَغـدادَ خـَبـى
غـابَ عـَنـهـا الـنـَجـم والـقـَمـَر
 وَحـَـلَت حناياهـا عـتـمة وظـَلام
 
نشف الـفـراتين هـاجـرَ الـطَـيـر
 مـاتَ الـوَردُ ! وانـتحـرالـخـُزام
نـَخـيـلـُكِ اعـتـَلّـَت هاماتها
 غزاها الظلم والـمـَوت الـزؤام
 
جميلة ذكـرَيـاتـنـا مُـسـِخـَت
بـِدُعـاةِ أدعـيـة الـعـمائـم والـكـلام
مـَديـنـَتـي بـغـداد
أيـن الـجـَمـيـلـَه شـَوارعـُكِ؟
أيـن بــِنـايـاتـكِ ؟
أيـنَ خـَيـرُكِ والـعــَطـاء؟
 
أتـَدريـَن حـَبـيـبـَتـي !
 مـا حـَلَ بـأبـْنـائـكِ مـن بـَلاء؟
اسـتـَبـدلـوا الـجـلاد واخـتـاروا الـوبـاء
فـَمـا عـادَ الـصـُبـح صـُبـحـا
ولا غروب الـمـَسـاء مـَسـاء
غـَزا فـَلـَذاتُ الأكـبـادِ سـقـام
َاسـتـَفـْحـَلَ الـداءُ فـَأيـْنَ الـدَواء ؟
 
بـأيــتـامٍ غـصـّـت شـوارعَـكِ
 افـتـرشوا الأرض والـتَحَـفـوا الـسـَمـاء
آمـالـهـم نـُثـِرَتْ هـبـاء فـي الـهـَواء
أمـَهـاتٌُ فـُجـِعـْنَ فـاصبـَحَ
 اللآتيَ كـالـماضي سـواء في  سـَواء
 
دنـانـيـرٌ رُصـِدَتْ لـِمـيـزانـيـةٍ
لـكـنـها مـِنـها خـواء
اسـتـَقـَرت فـي جـيـوبِ سـاسـة
 لا يـَعـرفـون الـيـَوم مـَعـنـى الـحـَيـاء
مـيـلـيـشـيـاتُ أحـزاب تـَـقـاتـَلـَت
 تـَنـشـر الـمـوت حـتـى فـي الـفـَضـاء
جـلاوزة بـِلا ضمـيـر تـعـاقـبـوا
إمـتـهـنوا وأدمنوا شرب الدماء
 
شـَعـبٌ يـَلـطـم الـصـُبـحِ
والظهر يبكي ثم يلطم في الـمـَسـاء
حتى نسى اقوال كل الانبياء
 
يـاطـَيـبَ الـقـَلـب تبقى لي وطنا
إلـى مـَتـى في مهجتي هـذا الـعـَنـاء
 
سـتـوكـهـولـم
آذار/ 2012


79
قصيدتان من الشعر الكردي المعاصر
 
الشاعر: هفال فندي
ترجمة:بدل رفو




1ـ نكسة
   

امتلأت ساحات عينيك
بجثث الأبرياء
كالصقر
جناحاك يغطيان السماء
يحلقان فوق المقابر
يبتعدان
هذه قامة رايتي
تحتضن خوفا وهلعا
ويحلان ضيفا في جعبتي
ماهذا ؟
جيوش عينيك
غفيرة
قرعت طبول النكسة
تمتزج بدمي
تدوي
وعيناك لا تستقبلان العبيد والمجانين!
في معمعة عينيك
أحاول رسم 
صورة هامشية لي
فأنا أجتر الجراحات
والكآبة صديق جديد
يحيّ سواتري!
وعطرك
يجرني إلى معركة أخرى
لليأس
فهذه مزقٌ من بيرقي
يدوسها
عسكر عينيك
انتهت المعركة
وليمت السلام.


   
2- خطوات الضياع
   

ليلة...
   بعد ليلة
ليلة صمت
صمت ينحر ابتساماتك
يصيخ في أذني ويمضي
تتساقط
فتاتا.. فتاتا
وفرادى فرادى
            تموت
ذبول
أصوات هوانا
في عيني
تتراقص عارية
تكتب عناوين
                  الوداع
وتحت أوتار
بحيرات الابتسامات
اللامتناهية
تتلاشى بخطوات
ثقيلة.


- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الشاعر في سطور:
ـــ مواليد 1973 /الموصل ،العراق.
ــ انهى مراحل دراستة  في مدينة الموصل
ـــ عضو اتحاد الادباء الكورد ،فرع دهوك \كردستان العراق.
ــ عضو نقابة صحفيي كردستان ، فرع دهوك
ــ رئيس تحرير اصدار كاف الثقافي الصادرفي مدينة عقرة.
ـــ عضو الهيئة الادارية للحركة الثقافية في مدينة  عقرة.
 ــ له ديوان شعري بعنوان نفيزةكا بارانى "صلاة ممطرة "
ــ نشرت قصائده في الكثير من الصحف والمجلات الكردية و العربية.


80
انطباعات عن "كوابيس هلسنكي"



جمال الخرسان

عن دار المدى للطباعة والنشر صدرت مؤخرا رواية للكاتب يوسف ابو الفوز تحت عنوان " كوابيس هلسنكي"، الرواية ولدت اساسا بعد ان تلقى الكاتب رسالة تهديد من بعض الجماعات الاسلامية المتطرفة على خلفية بعض كتاباته النقدية لتلك الجماعات، فجاء الرد على ذلك التهديد من خلال تلك الرواية، وبناء على قناعة ابو الفوز فإن التهديد الذي وصله ليس حدثا شخصيا بل ماهو الا نموذج لما يتعرض له العديد من المثقفين والعاملين في مجال الاعلام.
ان موضوع الرواية موضوع حيوي ومعاصر، ومثار جدل في وسائل الاعلام، فموضوع الرواية الاساسي هو صرخة وتحذير مرتفع جدا من موجات التطرف بشكل عام وخصوصا التطرف الذي تقف وراءه حركات الاسلام السياسي التي تنظر للاسلام بنظرة لا تعرف الا القصاص وليس فيها ادنى مساحة للرحمة .. ويمكن إيجاز الهدف من العمل بما جاء في الرواية على لسان احد ابطالها: "بهذه الرواية لو انجزتها كما اريد، أحاول إيصال رسالة تحذير من هذه الجماعات المتأسلمة، بكل اشكالها وانواعها". الى جنب هذا التحذير فإن الكاتب يصرّ على التفريق بين الدين الاسلامي بقراءاته المعتدلة والتي لها مريدون ودعاة كثر، وبين المتطرفين الاسلاميين الذين امتهنوا المتاجرة بالدين، وهذا ما يميّز الرواية عن موجة الاسلامفوبيا وحملة التشويه المفرطة التي تمارسها بعض وسائل الاعلام في الغرب. ان "كوابيس هلسنكي " من شاكلة تلك الاعمال الروائية التي تؤسس نوعا من المعرفة القادرة على صناعة الفعل الاجتماعي والثقافي..في اطار اثارات وتساؤلات الكاتب حول موضوع الرواية الاساسي، وفي ضمنه كذلك جملة من الموضوعات الثانوية التي تتطرق لها الرواية.
اسلوب الرواية جاء هذه المرة مختلفا عن تجربة الكاتب السابقة في رواية " تحت سماء القطب" ففي كوابيس هلسنكي اعتمد الكاتب اسلوب المشاهد السينمائية، لوحات قصيرة ومشاهد مترابطة تختلف فيها مستويات الاثارة هبوطا وارتفاعا بناءا على ما تتطلبه اجواء المشهد.
يحاول الكاتب استشراف المشاهد الدموية التي تحدث في هلسنكي، بشاعة المشهد وقسوته من خلال تناثر الجثث فيه وطغيان مشهد الدم ما هو الا مثال كما يحصل في هلسنكي يمكن ان يحصل في العديد من المدن الاوروبية الاخرى، والذي يتوقع الكاتب ان تقوم به بعض الخلايا النائمة المنحازة بشكل او بآخر لفكر القاعدة المتطرف، والتي تهدد السلم العالمي وتهدد علاقة الشرق بالغرب كما تقوم بتشويه متعمد للدين الاسلامي وإظهاره على انه دين لقص الرقاب فحسب!


الملفت ان الاستشراف الذي أتى على لسان بطل الرواية تأتّى من خلال حالة من الاضطراب النفسي التي تحصل عند شخصية البطل لتتحول شيئا فشيئا الى قوة خارقة تجعل من البطل قادر التحكم بها وتوجيهها بهدف متابعة افعال الكثير من الاشرار من خلال ما يشاهده من منامات هادفة يتحكم البطل فيها بشكل خارق. وكما تضمنت الرواية ادانة وتحذير من الاسلام السياسي وتياراته المتطرفة كذلك فإن الرواية أدانت وحذرت من صعود اليمين المتطرف في الغرب، كذلك حذرت مما تسببه السياسات الاقتصادية التي تخلق فجوة بين طبقات المجتمع، حيث ان العنف لم يكن وليدا للدوافع الدينية فقط بل هناك عوامل اخرى تقف وراء ارتفاع وتيرة العنف والاحتقان، وان الموضوعية توجب التركيز ايضا على تلك العوامل كما يحصل مع حجم التغطية الاعلامية لجرائم الاسلام السياسي! وفي هذا الاطار ينظر الكاتب لموجات الاحتجاجات التي ظهرت في بعض البلدان الاوروبية كفرنسا مثلا. وكما هي عادة الكاتب والروائي يوسف ابو الفوز فقد تركت معظم الاحداث بنهايات مفتوحة، بهدف فسح المجال امام المتلقي كي يساهم هو الآخر في تنضيج الاثارات والتساؤلات التي القى الكاتب عليها الضوء. الرواية عمل وجهد متميز لموضوع حيوي له علاقة مباشرة بالسلم الاهلي والتعايش السلمي بين المجتمعات، ولا يعاب عليها سوى بعض المبالغات التي وردت فيها والتي جعل منها الكاتب سلما للخروج ببعض النتائج كما هو الحال مثلا مع الموقف من الاصنام حيث جاء على لسان احد ابطال الرواية " ظلت الاصنام طويلا محرمة في الدين الاسلامي باعتبارها رمزا للكفر والظلال وطبعا من الكفر الشديد محاكاة الرب في الخلق وهكذا وصلت الينا مئات التماثيل مقطوعة الرأس". رغم ان العديد من التماثيل والمنحوتات تركت سليمة فلم يقطع رأس ابي الهول ولا اسد بابل ولا ملكة الحضر ولاغيرها من التماثيل.
عن صحيفة العالم البغدادية عدد الاحد 26 شباط 2012

81

في حوار مع الكاتب والباحث والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني:

"قَرِيباً، سَأُدَشِّنُ  التَّحَوُّلَ الْأَخِيرَ،
 التَّحَوُّلَ نَحْوَ مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ"

أجرت الحوار الإعلامية  المغربية أسماء التمالح





سؤال: مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي شخصية أدبية غنية عن التعريف وموقعه الإلكتروني، "رَيْحَانِيَاتٌ"، كفيل بتقريب كل باحث وراغب في الاطلاع والتعرف على شخصه المحترم . سؤالي: ماهي أبرز السمات التي تميز مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي الإنسان؟
جواب: في العشرينات من عمري، تعرفت على عبد الرحمان بن خلدون وأحببته وأحببت فيه أكثر افتخاره المستمر باكتشافه الكبير الذي لم يسبقه إليه أحد: فلسفة التاريخ والقوانين المنظمة لسيرورته. وبغض النظر عن الاسم الذي صكه لنظريته حول الدورة الحضارية، "العصبية"، والذي حوره علماء الاجتماع اللاحقون إلى تسميات مختلفة بدء بباتيستا فيكو ووصولا إلى أوزفالد شبينغلر وأرنولد توينبي؛ فقد انتبهت مبكرا إلى أن الدورة الحضارية في عمر المجتمعات هي ذاتها الدورة الحياتية  في عمر الأفراد بنفس الحلقات الثلاث التي حددها عبد الرحمان بن خلدون وإن بأسماء مختلفة: مرحلة "التقليد" التي تعادل مرحلة الطفولة والميل للمحاكاة والحفظ والانضباط لقواعد السلوك الاجتماعي، ومرحلة "الحداثة" التي توافق مرحلة المراهقة والتوق للتحرر والاستقلالية وإثبات الذات، ثم أخيرا مرحلة "ما بعد الحداثة" والتي تقابلها مرحلة الكهولة والنضج...
كما انتبهت إلى أن هذه المراحل لا تشمل فقط الحضارات والمجتمعات والإفراد فقط بل هي تشمل أيضا كل مجالات الحياة من علم ودين وثقافة وتربية وغيرها. إذ تتطور القراءات الدينية من الأصولية (Intégrisme, Fondamentalisme) إلى الإخوانية (Les Frères Jésuites, Les Frères Musulmans…) إلى الصوفية والتصوف (Mysticisme, Soufisme)، وتتقدم العلوم أيضا على خلفية المراحل الثلاثة من الخرافة إلى الميكانيكا إلى التقنية، فيما تتدرج الثقافة من التقليد إلى الحداثة إلى ما بعد الحداثة...
ف"ما بعد الحداثة" في الثقافة هي المرحلة الثالثة والأخيرة من "الدورة الثقافية" وتقابلها وتواكبها وتتعايش معها "الصوفية" في المجال الديني و"التقنية" في المجال العلمي ومفاهيم "النهايات" في المجال الفلسفي...
وبالعودة إلى سؤالك، فإذا كان ثمة سمة تميزني فلربما كانت الوقت الكافي الذي أخذته ولا زلت آخذه للاستمتاع بكل مرحلة من مراحل حياتي في حينها حتى الثمالة. فقد عشت مرحلة "التقليد" في الثمانينيات على كافة الأصعدة الفنية والأدبية ثم انتقلت إلى مرحلة "الحداثة" بدء من العام 1991 حتى يومنا هذا ولعل خير ناطق باسم هذه المرحلة من حياتي هي إصداراتي الورقية التي كانت ولا زالت تنبض بالحرية. وفي السنوات القادمة سأدشن رسميا التحول الأخير، التحول نحو مرحلة "ما بعد الحداثة"...

سؤال:  المرأة في حياة الأستاذ مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي جسدتها خمس نساء عاد لهن الفضل في تربيته، أولهن الأخت البكر ثم الأم  ثم صديقة الأم . ماذا أخذ أستاذنا عن كل واحدة؟ ومن هما المرأتان الثانيتين اللتين ظلتا مجهولتين في الفوتو-أوتوبيوغرافيا الخاصة بك ؟
جواب: أملي الآن هو أن اخرج للنور سيرتي الذاتية المصورة،"عندما تتحدث الصورة"، التي ستكون أول فوتو-أوتوبيوغرافيا في تاريخ الأدب والفن حيث ستتجاور الصورة والكلمة ويتقدمان جنبا إلى جنب في نوع سردي جديد...
أما عن الجانب الغرامي في الفوتو-أوتوبيوغرافيا، فلحظة تحريري لسيرتي الذاتية المصورة، "عندما تتحدث الصورة"، ألح علي الدكتور جرجيس دنحا عن جامعة اليرموك بالأردن أن أستحضر تجاربي الغرامية في فترة الطفولة. فكان دعاؤه مستجابا وحررت ما يقرأه الآن القراء وفق اقتراحه لكن دونما صور أو ذكر الأسماء. فنشر صور الإناث والنساء العربيات يقابل دوما بالهجوم الأنثوي الشرس. حتى أختي البكر وأمي وصديقتها تغمدهن الله بواسع رحمته لم أكن لأنشر صورهن والتعليق عليها في حياتهن. فما بالك بنشر صور الفتيات والنساء الأخريات أو حتى ذكر أسمائهن...
 حين يتعلق الأمر بحياتي لوحدي، آنذاك لا أجد في الأمر غضاضة. لكن حين يتعدى الأمر شخصي إلى حياة شخص آخر يؤمن بأنها حياته السرية فلا يمكنني التجرؤ على كشفها للعموم ولو من باب  التبرير الأدبي والجمالي.

سؤال: حي "المَحَلَّة"، أي ذكريات تحفظها مخيلة مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي عن هذا الحي الذي نشأ وترعرع فيه ؟
جواب: في الفصل الخامس من سيرتي الذاتية المصورة،"عندما تتحدث الصورة"، كتبت من باب التعليق على صورة التقطت لي في ملعب المحلة مع أحد الأصدقاء سنة 1988:
"مع أحد أبناء الحي، (حَيَ المَحَلَة)، على خلفية  ملعب المَحَلَة الذي حولته المجالس البلدية المتعاقبة على تدبير الشأن العام بالمدينة إلى سوق عشوائي وسط الحي المدرسي الذي يضم أربع  مدارس  ابتدائية وثانويتين. في الوقت الذي كان يرى فيه شباب الحي فضاء رياضيا بامتياز صالح حتى لإقامة السهرات الفنية المفتوحة. لكن غياب الفنانين والرياضيين والمثقفين عن المجالس البلدية فتح المجال ل "السَوَاقَة" من المتهافتين على المجلس كي يحيلوا المدينة إلى أسواق في أسواق.
إن الانتخابات إذا أريد لها أن تكون انتخابات وتتصف بالتمثيلية الحقة عليها أن تشتغل على مخاطبة كل طبقات المجتمع وفئاته والتعاون معها لتشغيل الجميع لفائدة الجميع. ولهذا، فلا مناص من تخصيص حصص ثابتة لكل طبقة أو فئة اجتماعية بحيث تخصص كوطا للمثقفين وكوطا للفنانين وكوطا للرياضيين وكوطا للنساء وكوطا للحرفيين وكوطا لرجال الأعمال وكوطا للموظفين وكوطا للفلاحين وكوطا للطلبة وكوطا للشبيبة... على أن تشمل اللائحة الانتخابية لكل حزب سياسي مشارك في العملية الانتخابية كل القطاعات المتبارى عليها (من ثقافة ورياضة ونقابة وغيرها) بحيث يتبارى كل مرشح داخل كوطا محددة...
 بهذا الشكل الديمقراطي والشفاف والمتخصص، ستتعزز الديمقراطية وتتضح الرؤيا للناخبين وتنتصر الكفاءة التي ستصبح المرشح الوحيد والفائز الأول في الانتخابات. وسأخصص وقتي للدفاع عن هدا الطرح حتى تحقيقه على أرض الواقع. 
في خلفية الصورة، على اليسار، تظهر مدرستي الابتدائية، مدرسة مولاي علي بوغالب. وفي وسط  الصورة مباشرة تظهر آثار مستشفى عسكري إسباني تهالكت أسواره أمام الإهمال واللامبالاة"...
كتب هذا التعليق عام 2008 وضُمِّنَ في السيرة الذاتية المصورة وحُفِرَ في قرص مرن نُسِخَتْ منه خمس مئة نسخة وُزّعَتْ جميعها في المدينة بطرق شتى. واليوم، بعد مرور أربع سنوات ما بين 2008 و2012، أنا جد سعيد بكون المسؤولين قرؤوا أو قرئ عليهم الكتاب وهو لا زال مخطوطا فبادروا بإعادة "المحلة" إلى الشباب من خلال تدشين دار للشباب على أنقاض  السوق الأسبوعي العشوائي الذي كان في يوم من الأيام ملتقى الشباب الرياضي للأحياء المجاورة وساحة إضافية لتلاميذ المدارس الأربعة المجاورة حيث يحلو للأطفال اللعب بعيدا عن عيون الحراس والمعلمين والآباء وباقي العيون...

سؤال:  يروج على لسان البعض بأن الأستاذ مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي انطوائي ولا يتواصل مع الآخرين. فهل هذا صحيح؟

جواب: قبل سنة 2003، قيل لي بأنني لو تقدمت للانتخابات لفزت بها وذلك لكثرة صداقاتي ومعارفي.
وبعد سنة 2003، ومع قرار "المخزن" المغربي معاقبتي على البيان الذي أصدرته بعيد 16 ماي 2003 ونجاحه في جره للأحزاب والنقابات والجمعيات الثقافية لمعاقبتي على محاولتي التأسيس لتقليد إعلان المثقف لمواقفه مما يجري حوله في بيانات توزع في اليد في  شوارع المدينة ودون ترخيص من أي مؤسسة وتعمم على وسائل الإعلام. آنئذ  فقط، صرت "انطوائيا"، وآنئذ فقط صرت "مجنونا"، وآنئذ صرت "خطرا" وحق على الجميع التكالب ضدي وتخويف أصدقائي ومعارفي من رفقتي وترحيلهم إلى مقاهي مغايرة ومكافأتهم بتنقيلهم من مقرات عملهم إلى حيث يشتهون وترقيتهم إلى سلالم أعلى وكل ذلك لكي "أبدو للناس انطوائيا".
يا لذكاء "المخزن" و"امخازنيته" من "الحزايبية" و"النقايبية" و"المثاقفية" وكل من "ينتعل" بطائق الانخراط ليبيع عرضه ودينه وحرمه ونسله فحق بذلك عليهم وعلى وطنهم الترسب في قاع كل التصنيفات الدولية بما في ذلك التصنيف الدولي للقراءة والرياضيات والذكاء!...
لكن لنساير هؤلاء الذين يرسمون السيناريوهات بأيديهم ويشترون الممثلين من ضعاف النفوس ليمثلوا لهم المشاهد التي يريدونها. لنساير هؤلاء الذين يرسمون لأنفسهم صورة "الفاعل الذكي" ولا نضحك في وجوههم حتى يستمروا في تمثيليتهم الهزلية. لنسايرهم ونتساءل ببراءة:
هل الانطوائي هو من استدعي لما يقارب المائة لقاء صحفي منشور على كبريات الجرائد والمجلات المغربية والعربية؟!
هل الانطوائي هو من استطاع توحيد صوت خمسين كاتبة وكاتبا مغربيا في أنطولوجيا لا تنجزها المؤسسات الراعية للثقافة إلا على عقود؟!
هل الانطوائي هو الذي قضى عشر سنوات من عمره في فضح واستنكار الفساد الإداري والمفسدين الإداريين في قطاع التعليم؟!...

سؤال: يحتفل العالم يوم الرابع عشر من فبراير من كل سنة ب"عيد الحب"، ومن الأعمال الإبداعية التي لها ارتباط بالموضوع "أنطولوجيا الحب". برأيك، هل الحب ضروري لاستمرار الحياة؟ وأي أنواع الحب تحتاجها الإنسانية لتستقر أوضاعها؟
جواب: أول مرة سمعت فيها بعيد الحب كان في يوم 14 فبراير سنة 1985 بمدينة تطوان في أول سنة لي بعيدا عن أسرتي وكان عمري آنئذ ستة عشر عاما. كان اليوم عيدا حقيقيا ولكن فقط بالنسبة لمن يرتدي اللون الأحمر أما من يرتدي غيره فكان يعيش اليوم كسابقه ولاحقه.
لم يكن فقط "عيد الحب" الذي راقني قي تلك السن وإنما أيضا تقاليد إسبانية أخرى جميلة كانت سائدة في ثانويتي، "جابر بن حيان"، ومن بينها تقليد "أبو المائة" وهو حفل يسبق امتحانات الباكالوريا بمائة يوم ويمتد لأسبوع داخل أسوار الثانوية تنمحي فيه الفوارق الإدارية بين التلاميذ والأساتذة والحراس العامين والإدارة ويسود اللعب والمرح الذي يصل حد مطاردة التلميذ لمدير الثانوية التي يدرس بها لطليه ب"الكريم" أو رشقه بالحلوى...
للأسف، بعد 1986، ألغت الإدارة احتفالات "أبو المائة" وبالمثل تخلى التلاميذ في القسم الداخلي عن Bizoutage الذي كان معمولا به لكسر حواجز التواصل بينهم وربما ألغيت أيضا تقاليد  أخرى جميلة تشكل في مجموعها قاعدة بيانات لملف واحد عنوانه الكبير "الحب".
فحيثما سادت ثقافة اللعب، ساد التواصل وساد الحب. وحيثما ألغي اللعب، ألغي التواصل وألغي معه الحب. الحب هنا هو الوجه الثاني للعب ولكن الحب هناك مرآة الزهرة.
الحب زهرة تنمو لتخبرنا بزحف الربيع، وتزدهي ألوانا بهية لتشعرنا بتجدد الحياة، وتفوح عطرا لتذكرنا باقتران العطاء بالجمال. الحب مدرسته الطبيعة لكنه ليس شباكا منصوبة في كل مكان كما يصوره مجانين الأخذ والقطف والجني، إنه فطرة العطاء اللا محدود...
وعليه،  فما تحتاجه الإنسانية لتستقر أوضاعها هو تبني قيم الحب الكبير وأولى الطرق المؤدية إليه تربية الفرد على أن يكون زهرة، معطاء بلا حساب...

سؤال:  قادك ولعك بالفن إلى تقديم دراسات حول "رهانات الأغنية العربية". ومن ضمن هذه الدراسات "أزمة الأغنية العربية من أزمة الشعر العربي". كيف ذلك؟
جواب: "رهانات الأغنية العربية" هو كتاب نشرَتْه أول مرة وبشكل كامل جريدة "العرب الأسبوعي" على مدى ثلاثة أشهر تقريبا. وبعدها نشرته منابر اخرى كمجلة "جريدة الفنون" الكويتية وجريدة "السفير" اللبنانية وجريدة "العرب اليوم" الأردنية وجريدة "العرب" الدولية وجريدة "القدس العربي" اللندنية  وجريدة "المغربية" وغيرها. وقد كان لنشر الكتاب على صفحات الجرائد والمجلات العربية الفضل في دعوة إدارة  مؤسسة الفكر العربي من بيروت لي قصد المشاركة في صياغة التقرير السنوي الرابع للتنمية الثقافية بالعالم العربي الذي تصدره  سنويا  المؤسسة من خلال إشرافي المباشر على ملف الأغنية العربية لموسم 2010.
و"أزمة الأغنية العربية من أزمة الشعر العربي" هو فصل من فصول كتاب "رهانات الأغنية العربية". والقصد أن الشعر العربي عرف أغراضا شعرية شتى لكنه لم يعرف أوزانا شعرية خاصة بكل غرض شعري على حدة. ففي الشعر العربي، نجد البحر الطويل يستوعب دون حرج كل الأغراض الشعرية من  فخر وغزل ورثاء وهجاء ومدح. ونفس الوظيفة تؤديها باقي البحور مع باقي الأغراض الشعرية حتى إذا ما انتقلنا من مجال الشعر إلى مجال الأغنية وجدنا نفس الأزمة معكوسة على مرآة الموسيقى بحيث يستوعب فن موسيقي واحد كل الأغراض الشعرية الوافدة وهو ما لا نصادفه في الموسيقى الغربية عموما والأمريكية على وجه التحديد حيث أغاني الحزن والرثاء والضيق تؤدى في إطار فن "البلوز" وأغاني "الحرية" و"الارتجال"  تؤدى على إيقاعات "الجاز" والأغاني الدينية تؤدى على إيقاع "الغوسبلز" وهكذا دواليك...

سؤال: يُلاحَظُ غيابك المتكرر عن حضور مجموعة من اللقاءات الثقافية المنظمة بمدينة القصر الكبير. ما أسباب ذلك؟   
جواب: أود أن أصحح بأنني لا أتغيب بشكل متكرر عن الأنشطة الثقافية المنظمة بمدينة القصر الكبير.
أنا لا أتغيب، أنا "أقاطع" الأنشطة المنظمة في المدينة على كافة الصعد السياسية والنقابية والثقافية وغيرها منذ سنة 2003. هذا هو موقفي الذي يعرفه الداني والقاصي ولو أنه لم يسبق لي قبل هذا الحوار أن أعلنته جهارا. وهو موقف دام عشر سنوات وسيدوم لخمسين عاما قادمة أخرى إلا إذا تقدمت لوبيات الضغط والتحريض المكونة من أحزاب ونقابات وبعض الجمعيات المنسوبة على الثقافة والأيادي التي تحركها وتكافئها ب"اعتذار علني" عن الأذى الذي تسببت لي فيه طيلة هذه المدة...
لا مناص من الاعتذار ولا طريق ثان غيره. وهذه هي كلمتي الأخيرة في الموضوع. لا يمكنني أن أقبل دعوة  من يد مسمومة تصافحني امام الكاميرات وتغتالني في غيبتي. وأستسمحك في قراءة رسالة طرية إلى مسؤول عن قطاع التربية الوطنية في إقليم العرائش هو "نائب وزير التعليم" وسترين بأم عينيك ما لا تقرئينه في الصحو في عيون هذه اللوبيات التي لا جدوى من وجودها غير الفساد والإفساد. لنقرأ الرسالة الموقعة بتاريخ الأربعاء 26  أكتوبر 2011 والموجهة بالبريد المضمون إلى نائب وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي على إقليم العرائش:

"أما بعد،
فربما لم أراسل في يوم من الأيام نائبا من نواب وزير التعليم في أي من النيابات التعليمية التي اشتغلت فيها طيلة مشواري المهني منذ 1992 حتى اليوم قصد الشكوى أو الاحتجاج إلا خلال السنوات الخمس الأخيرة التي توافق سنوات وِلايَتِكُمْ الكريمة كنائب على هذا الإقليم السعيد، إقليم العرائش. ولأن حجم الرسائل التي أرسلتها إليكم شارف على الثمانين صفحة من القطع المتوسط، فقد أصدرت المواد في كتاب لعموم القراء أولا وللمسؤولين المغاربة على تدبير الشأن العام والخاص ثانيا تحت عنوان "رسائل إلى وزير التعليم المغربي" (الجزء الثاني  من كتاب "تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب") والذي توصلتم بنسخته الورقية في الوقت الذي حمل منه المتصفّحُون المغاربة والعرب ما لا يقل عن ربع مليون نسخة إلكترونية من المنتديات والمواقع والمكتبات الإلكترونية المغربية والعربية كما تشهد على ذلك عدّاداتها...
السيد النائب، تقدمت في نهاية السنة الدراسية الفارطة، 2010-2011، بطلب التحاقي بالتدريس في إحدى المدارس الثانوية الحديثة الإنشاء بمدينة القصر الكبير لتدريس اللغة الإنجليزية وتبين بعد ستة أشهر من إيداع الطلب رفوف نيابتكم،  بأنني المرشح الوحيد للمنصب وبأن طلبي هو الطلب الوحيد في الموضوع كما يشهد على ذلك ملف الصادرات والواردات حتى إذا ما كانت جلسة حواركم مع النقابات أول أمس الاثنين 24 أكتوبر 2011، عادت إدارتكم إلى عادتها القديمة المتمثلة في  إقصائي تارة والتواطؤ في إقصائي تارة أخرى حتى حين يكون ملفي هو الملف الوحيد المرشح...
في جلسة الاثنين 24 أكتوبر 2011، حين أخرجتم ملفي للتشاور في موضوع التحاقي بالمؤسسة الثانوية حديثة الإنشاء، صَدَمْتم النقابات التي لا تعتبرني "موظفا فردا" في قطاع التعليم وإنما "مؤسسة مُعادية" لمشاريعها فصمتت مُحْرَجة مرغمة على قبول طلبي ورفعت الجلسة. لكن، خارج القاعة، بدأ النقابيون، المحسوبون شركاء لنيابتكم، الاتصالات الهاتفية بالمدراء المنضوين تحت لواء نقاباتهم بحثا عن أساتذة آخرين غيري لهم نفس الشواهد الجامعية ونفس الرغبة فرجعوا للقاعة وطالبوا باستبدال اسمي باسم آخر لا طلب خطي له ولا إرادة ولا أي شيء غير روح الحقد والكراهية والعداوة المجانية التي تحرك هذه النقابات التي خرج ممثلوها من مقر نيابتكم فرحين بانتصار جماعي لتكتل نقابي على موظف غائب عن دسائس الجلسة وهم لا يعلمون بأن القرار الأول المتفق عليه والقاضي بأحقيتي في الالتحاق بالمؤسسة التي أطلبها  قد وصلني في حينه بالشكل الذي لا يخطر لهم على بال وأنه لولا مقاطعة المديرين للمراسلات وتفقد البريد بمكتب الضبط ولولا المطر الغزير لكان القرار الأول في نسخته الورقية في يدي في دقائق...
السيد النائب، بعد خمس سنوات من تعرضي لكافة أنواع الشطط وضياع حقوقي على كافة المستويات كنتم خلالها على هرم الإدارة التربوية في الإقليم، تتوصلون بخط يدي بالشكايات والاحتجاجات الواحدة بعد الأخرى عن بطش "إدارييكم" و"نقاباتكم" لكن فقط في انتظار المزيد من الرسائل بخط يدي، أجد نفسي أتساءل:
هل هذه هي وظيفة إدارة الشأن التعليمي: قلب إرادات الموظفين ومعاكسة رغباتهم والوقوف في وجههم؟
هل هذه هي وظيفة العمل النقابي: تعقب الأساتذة ومعاقبتهم حين يمتنعون عن اقتناء بطائقها وترويج سلعها ما كسد منها وما تلف؟
السيد النائب، على خلفية هذه الأحداث التي لم تعد كواليس تخفى على أحد، أكاتبكم طالبا إنصافي واسترجاع حقي وتدارك الأزمة في مهدها فقد فاحت رائحة المؤامرة سريعا وأزكمت الأنوف التي تتنفس الحرية هذه السنة بشكل استثنائي لم تحلم به أبدا في حياتها. وهو ما لا يعرفه من كان في القاعة يتلاعب بمصائر الموظفين بالإقليم معتقدا بأنه من يحدد التاريخ وهو لا يعلم بأنه قد يقلب التاريخ عليه...
أؤكد للمرة الثانية بأنني رجل يطالب بحقوقه وربما كنتم أدرى بهذه الحقيقة من باقي الإداريين والنقابيين في نيابة إقليم العرائش. أنا رجل حق وهذا مصدر قوتي ولا شيء يمكنه إيقافي عن سعيي لبلوغ حقّي لأن من يطالب بحقه، لا يعترف لمغتصبيه لا بأدوارهم ولا بمواقعهم ولا بقوانين لعبتهم التي يرفضها من أساسها.
وعليه، أشعركم، السيد النائب، بأنني ماض في  سعيي لفضح كل الممارسات التي تتغيا إقصائي من حقوقي الإدارية المشروعة وسألجأ إلى كل السبل الكفيلة برد الاعتبار وسأنفتح على كافة البوابات... وأنا أراها مغامرة نضالية جميلة لأنها ستكون فرصة سانحة لملاحقة خيوط الشطط الذي لحق بي حتى النهاية.
وتقبلوا، السيد النائب المحترم، فائق تقديري واحترامي.
الإمضاء:
محمد سعيد الرّيْحَاني





سؤال: "الحاءات الثلاث" مشروع إبداعي وتنظيري يهدف إلى التعريف بالقصة المغربية القصيرة عبر ترجمتها للغة الانجليزية ثم نشرها ورقيا باللغتين العربية والانجليزية . إلى أي حد نجح هذا المشروع؟ وهل حقق الغاية المرجوة منه؟
جواب: أود في البداية التمييز بين أمرين جمعهما السؤال جمعا. فأنا أميز بين أنطولوجيا "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" الصادر على ثلاث سنوات 2006 و 2007 و 2008 في ثلاثة أجزاء وهي "أنطولوجيا الحلم" و"أنطولوجيا الحب" و"أنطولوجيا الحرية" وكان الهدف منها تحسيس الكتاب خصوصا بالطابوهات الكامنة في كتابتهم في أفق الوعي بها وتجاوزها، وبين ما هو أعم وأشمل من الأنطولوجيا وهو المشروع الغدوي في الكتابة القصصية المغربية والعربية.
أنطولوجيا "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" صدرت كاملة في نسختها العربية وترجمت إلى اللغة الإنجليزية ونشرت جزئيا (ثمانية نصوص قصصية) ضمن أنطولوجيا "صوت الأجيال: مختارات من القصة الإفريقية المعاصرة" Speaking for the Generations التي أعدتها جامعة أوليف هارفيه بولاية تشيكاغو الأمريكية ونشرتها دارا نشر "ريد سيه بريس"  و"أفريكا وورلد بريس" في ترنتن بولاية نيو جيرزي الأمريكية، يونيو 2010. وقد تم إدراج كتاب "صوت الأجيال: أنطولوجيا القصة الإفريقية الجديدة "ضمن دراسة المؤلفات في جامعة هارتفورد Hartford بولاية كونكتكت Connecticut الأمريكية لموسم 2011/ 2012. فيما ستجمع الأجزاء الثلاثة من أنطولوجيا "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" لتصدر في هونغ-كونغ في مجلد واحد يحمل عنوان "The Three Keys: An Anthology of Moroccan New Short Story"...
أما مشروع الكتابة القصصية الغدوية التي أصدرنا في شأنها البيانات الأدبية فهي مشرعة على الزمن شأنها شأن كل المشاريع الأدبية التي تنضج مع توالي الأيام. ولكن حين يصير الجهد والمهمات، كل الجهد والمهمات، على عاتق رجل واحد فمدة النضج تزداد طولا وتأخذ وقتا أكبر. ومع ذلك، فالمنجز من المشروع، بشهادة نقاد مغاربة كالدكتور الحبيب الدايم ربي والدكتور محمد يوب وغيرهما، أكبر مما تحققه مؤسسات يفترض فيها رعاية الثقافة والفن والأدب في البلاد وكل ذلك تم ويتم بصفر درهم من الدعم من أي جهة غير راتبي. ومع ذلك، فهذا الإصرار على إنجاح المشروع وهذه النجاحات الأولية تثير خوف الكثيرين ومن بينهم بعض "النقاد" الذين بدؤوا يناصبونني العداء....
من أعجب ما أعجب له هو دفاع النقاد المستميت عن استقلالية الأدب، وحين تطرح مسالة استقلالية الإبداع الأدبي عن النقد الأدبي، تغيب الاستقلالية وتنمحي. وعلى ضوء هذا التوضيح، لم يرق للنقاد المغاربة الفصل الذي دعوت له في بيانات التأسيس المعروفة بما في ذلك دعوة النقاد بتدبر أمر تلقي النصوص وترك أمر الكتابة والتنظير لها للكتاب الذين يشكلون مجموعاتهم أو مدارسهم كما فعل السرياليون والدادائيون وقبلهم الرومانسيون والواقعيون والطبيعيون...
رغم كل العراقيل، يمضي المشروع بخطى حثيثة لأن التصور واضح ومكتمل والإرادة قوية وثابتة والفعل الإبداعي المجسد للتصور سائر على قدم وساق. فالمشروع لم يطلقه موظف في الجامعة حتى يجمد بين دفتي المقرر الدراسي، ولا هو مشروع أطلقه ناقد ينتظر من الكتاب من يحقق له تنظيراته على الأرض حتى يذهب هذا المشروع أدراج الرياح. إن المشروع وراءه كاتب قادر على تحقيقه وجعله واقعا ماثلا للعيان. المشروع وُلِدَ ليبقى وهو الآن يحقق، في صمت، النتائج تلو النتائج...   
 بقي أن أعلن بأن المشروع يشمل القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ولي قيد الإعداد للطبع ثلاثة مجاميع قصصية قصيرة جدا تضم مائة وخمسين 150 نصا كتبته بين 2008 و 2012 على خطى "الحاءات الثلاث": "خمسون قصة قصيرة جدا" (الحاء الأولى: حاء الحرية) و"خمسون قصة قصيرة جدا" (الحاء الثانية: حاء الحلم) وأخيرا "خمسون قصة قصيرة جدا" (الحاء الثالثة: حاء الحرية)...

سؤال: "عبزف، القرد الهجاء" قصة قصيرة من توقيعك، أثارت جدلا كبيرا في الأوساط القصرية وخارجها ، وخلفت استياء في صفوف الأدباء ولدى بعض محبيك وعشاق كتاباتك  لما راج حولها. هل كانت القصة ردا عن قصد؟ ومن كان وراء إشعال الفتنة بينك وبين القاص الآخر؟

جواب: قبل إصداره لرائعته "الشيخ والبحر"، صرح الكاتب الأمريكي المعروف أرنست همنغواي بأنه بصدد كتابة رواية عن صياد شيخ في بحر مليء بالقروش وحين سيكتمل العمل ستحيل الرواية على أشياء أخرى كثيرة تتجاوز الصياد الشيخ وتتجاوز أسماك القرش.
كان هذا تصور أرنست همنغواي للعمل الأدبي الذي لا يمكن رهنه بدلالة معينة وأسوار محددة. فالعمل الأدبي قد يكون سيرة ذاتية مضمرة يغلفها ظاهر من جود المخيلة فتبرعم روائع الروايات كثلاثية أحلام المستغانمي  أو "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست وقد يكون غير ذلك.
"عبزف، القرد الهجاء" قصة قصيرة ككل النصوص القصصية القصيرة مفتوحة على كل القراءات والتأويلات. وهي تدور حول قرد هجاء يُؤْمَرُ فَيُنفذ ما يؤمر تحت التهديد باللكز والنهر والضرب...
"عبزف، القرد الهجاء" نص سردي قصير قرأه القراء في كل مكان من العالم العربي وفهموه دونما وساطة. وأستحضر بالمناسبة تعليق هدا السرحان، المشرفة على ملحق "صالون الأربعاء" الأسبوعي بجريدة "العرب اليوم" الأردنية على النص بعد قراءته ونشره قائلة: "ما أكثر العبازفة عندنا في الأردن أيضا".
 ف"العبازفة" بتعبير هدا السرحان هم نفسهم "آل عبزف" كما أسمي أشباه الكُتاب ممن يختارون الطريق السهل، طريق الارتماء بين أرجل المبدعين لعرقلة تركيزهم على مسارهم. ومن بين "عبازفة" التاريخ الأدبي العربي، يمكن الاستشهاد بالحطيئة في الجاهلية وصدر الإسلام والأخطل وجرير والفرزدق في العهد الأموي واللائحة طويلة تمتد أرجلها إلى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين....

سؤال: "مشاعل القصر الكبير" موقع الكتروني انتقى فيه الأستاذ مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي مجموعة من الأعلام القصرية التي أبدعت في عدة مجالات . هل فكر في إضافة حقول معرفية أخرى نبغ فيها أبناء مدينة القصر الكبير؟
جواب: "مشاعل القصر الكبير" هي مبادرة إلكترونية بسيطة أطلقناها للتعريف بالوجه المضيء لمدينة القصر الكبير وقطع الطريق على أشباه مراسلي الصحف الذين، بسبب ضعف تكوينهم الثقافي، لا يجدون ما يبعثون به لجرائدهم غير أخبار الاغتصاب والسرقة والقتل والنصب والاحتيال فيشوهون وجه المدينة المغربية ووجه الصحافة التي تتحول معهم من صحافة تصنع الرأي العام إلى صحافة إثارة تتوسل عابري السبيل لاقتنائها...
وعليه، كان شرط الحظوة بصفحة على موقع  "مشاعل القصر الكبير" بالنسبة للأدباء هو التوفر على إصدار ورقي في الرصيد، وبالنسبة للمطربين كان الشرط هو التوفر على ألبوم مسجل، وبالنسبة للرياضيين كان الشرط هو لعب مباريات دولية، أما بالنسبة للفنانين التشكيليين فكان الشرط هو نوعية المعارض المدونة في سجل الفنان...
في البداية، كان هناك تفكير في تخصيص حيز للمسرح والسينما، لكننا لم نصادف أسماء بارزة تشرف المدينة وتتشرف بها. ولكننا الآن بصدد التفكير في إضافة باب جديدة ربما ستخصص للإعلام.
وأود أن أنوه بأنني كنت صاحب الفكرة ومصمم الموقع ولكن هناك أيضا جنود خفاء تحمسوا للمشروع وأمدوني إما بالأسماء أو بالصور الفوتوغراقية  أو بالسير الذاتية أو بالروابط التشعبية التي قادتني لكنوز مدينة نسيها حتى المقيمون بين أزقتها ممن يفترض فيهم حماية ذاكرتها.
ومن بين هؤلاء الجنود، الفنان التشكيلي محمد الرايس المقيم بإسبانيا والذي تكفل بحكم اهتمامه وحضوره الفني برموز الفن التشكيلي في المدينة، والأديب محمد العربي العسري الذي تفضل مشكورا بإمدادنا بالصور النادرة  لأدباء المدينة ما كان بالإمكان الحصول عليها ولو من متحف اللوفر، والكاتب الشاب أبو الخير الناصري الذي تفضل عن حب بإعداد سير كبار شعراء المدينة، والشاعر الشاب أنس الفيلالي الذي أعاد للذاكرة القصرية عدة أسماء أدبية صادفها في إبحاره على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) أو لاقاها في نشاط من الأنشطة الثقافية التي يساهم في إحيائها... فكان ما تطالعونه اليوم، موقع "مشاعل القصر الكبير"، وكان ما جعل الناقدة السينمائية القصرية أمينة الصيباري تقول بما يشبه الاعتزاز بانتمائها للمدينة: "شكرا لكم. لقد أعدتم لي عشقي المفقود لأوبيدوم نوفوم Oppidum Novum" (=الاسم الروماني القديم للمدينة).... 

سؤال: حصلت على جوائز عديدة، ماذا يشكل لك الحصول على جائزة معينة مقابل عمل إبداعي من توقيعك؟
جواب: الجائزة في العمل الإبداعي مثل الشهادة في المسار الأكاديمي، كلاهما يهدف للتحفيز والتشجيع والتكريم والتشريف والاعتراف...
   
سؤال: أيهما  أريح للأستاذ مُحَمّد سَعِيد الرّيْحَانِي في الثلاثة:  الكتابة أم الترجمة أم البحث؟
جواب: أنا أبحث حين أرغب في المعرفة، وأعبر حين يكون لصوتي جدوى ومعنى، وأترجم حين أسمع أصواتا تستحق السماع... 
السعادة أجدها فيهم جميعا حين يتوفر شرطا التركيز والوقت.

سؤال: ما هي الدوافع الكامنة وراء إصدار كتاب "تاريخ التلاعب في الامتحانات المهنية في المغرب" بجزأيه، الأول عام 2009 والثاني عام 2011؟ والى ماذا أفضى احتجاجك واستنكارك لهذه التلاعبات؟
جواب: الدافع كان هو قول "اللهم هذا منكر".   
أما الغاية فكانت ابتغاء مرضاة "الحق"، ابتغاء مرضاة "الله".

سؤال: من سُنّةِ الله في الكون الاختلاف في الرؤى والآراء، والقاعدة تقول: "الاختلاف لا يفسد للود قضية". إلى أي مدى يمكن تصديق هذا القول؟
جواب: أنا أميز بين "الاختلاف" وبين "العداوة".
"الاختلاف" مفهوم عقلاني وثروة مادية ورمزية ودليل غنى. فما من شيء يكسب الجوهرة بريقها غير وجيهاتها المختلفة العاكسة للنور والسالبة للألباب.  و"الاختلاف" أيضا طاقة متحكم فيها لانحصار مجال الاختلاف في حيز محدد يكون ملعبا تسود فيه قوانين اللعبة وتنتصر فيه الروح الرياضية. وبهذا، يصبح "الاختلاف" رافدا من روافد  تنمية الشخصية الفردية والمجتمعية نحن دائما في مسيس الحاجة  إليها.

أما "العداوة" و"الروح العدائية" فتقف على الجهة النقيض تماما من "الاختلاف" وقيم "الاختلاف".

ف"العداوة" و"الروح العدائية" فمفهوم غير عقلانية وطاقة غير متحكم فيها ولذلك فلا يحدها لا ملعب ولا أرض ولا الكون كله. إنها حرب دائمة، ولو كانت غير مرغوب فيها على الإطلاق، تدمر الشخصية و تفسد المنافسة وتخرجها عن سياقها الطبيعي...

بعض الناس يقرنون "الاختلاف" ب"العداوة" فيحرمونهما معا.

والبعض الآخر يبرر "عدائيته" المتوحشة بكونها "اختلاف" و"رحمة" و"سنة الكون" وهم لا يعلمون بأنهم ب"مرضهم" هذا يثقبون السفينة التي يركبونها مع من يناصبونهم "العداء" ، لا "الاختلاف".

سؤال: ما رأيك فيما ينشر الكترونيا وورقيا من أعمال الآخرين؟ هل نستطيع من خلالك الاطمئنان على الجانب الإبداعي في مغربنا الراهن؟
جواب: القادم دائما أفضل. هذه هي قناعتي.  فعبر كل الأزمنة والعصور، كان هناك دائما الخوف والشك حول ما ينتج من نصوص وأعمال ولكنه ليس خوفا على الجديد ولا كان خوفا من التغيير ولكنه خوف على القادم، خوف على المستقبل الأدبي للبلد وللثقافة العربية. إنه خوف يستمد مبرراته من الحس التاريخي للتلقي الأدبي.
وأنا ابني تفاؤلي هذا على توفر ثقافة البلد على تراكم إبداعي أدبي لا يستهان به وترسانة فكرية نظرية قوية ضخت الروح في مشاريع أدبية حية تنبض بالقوة وتبشر بالخير الأدبي العميم.

سؤال: ماذا تعني لك الأسماء الأدبية التالية: بوسلهام المحمدي وأبو الخير الناصري ورشيد الجلولي؟
جواب: بوسلهام المحمدي فعل ما يستحق عليه الرحمة إلى يوم الدين إذ كان أول من كتب القصة القصيرة بمدينة القصر الكبير في الخمسينيات من القرن العشرين كما كان أول من أصدر بيبليوغرافيا خاصة بمفكري وأدباء مدينة القصر الكبير عام 2007 بعيدا عن كل روح قبلية إقصائية أو محاباتية.   
أما أبو الخير الناصري فهو أديب شاب أتوقع له غدا أدبيا ناجحا ربما لكونه يخطو فوق نفس الدرج الذي مررت به. فهو دخل تجربة النشر في نفس السن الذي دخلته فيه عام 2001، وهو بدأ بالمقالة ليتحول إلى القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا تماما كما فعلت...
بالنسبة لرشيد الجلولي فيبقى روائيا موهوبا أبان عن موهبته في اول جزء من ثلاثيته "الخوف" وقد كان زميلا في الجامعة في بداية التسعينيات في شعبة الأدب الإنجليزي وهو اليوم زميل في الكتابة الروائية رفقة روائيين آخرين من مدينة القصر الكبير مثل محمد أسليم وخالد السليكي وسلام احمد إدريسو ومحمد التطواني ومحمد الصيباري ومصطفى الجباري ويوسف السباعي وبهاء الدين الطود...

سؤال: بم تفضل ختم هذا اللقاء؟
جواب: أشكرك جزيل الشكر على استضافتي لهذا اللقاء الجميل الذي أضاء بومضات أسئلته    عوالم رحبة يتجاور فيها الإبداعي والفكري والنقدي. لا أعرف لماذا صرت أفضل اللقاءات الصحفية هذه الأيام على غيرها.
هل هي رغبة لمساعدة القارئ على المضي قدما نحو مغامرة القراءة؟    
هل هي إرادة لإزالة لبس يستفحل؟
الحقيقة أنني لا املك جوابا لكن الشيء الأكيد الذي أعرفه هو أن عدد اللقاءات الصحفية التي كنت فيها ضيفا شارف لحد الساعة على عتبات المائة لقاء. فشكرا لكل فراشات النور التي رفرفت للقائي ومحاورتي ووجهت بأسئلتها تفكيري إلى حيث يجب التركيز الشديد والوقوف الطويل.



82



تداعيات الخيال بين الوعي المحاذر




ناهض الخياط


(الليل إلى الآن) المجموعة الشعرية الصادرة مؤخرا للشاعر زهير بهنام بردي عن دار  رند للطباعة والنشر في سوريا  أهو الظلام الحالم الذي تُسلمنا الشمس إليه وضجيجُ النهار، أم هو الرمز الشائع لمن يرمزون؟ لكن (إلى الآن) تقودنا دلالته عما يضمره الشاعر في قصائده، كما يقودنا إلى  مضمور ما لم يكشفه ظاهر إهدائه( إلى \ كل من تشبهني \ ب \ الهذيان – الفوضى – الجنون \إليك حتما)، وكأنه الأعتداد المبالغ بشاعريته، والرغبة في جذب الأنظار إليه. والشعر ليس هكذا، فهو إبداع عقل وروح، وموقف نبيل، مع ما يحققه لنا من متعة وفائدة، وهذا ما انطوت عليه قصائده،
 وبرؤيا الشعر الجميلة لا يمكننا أن نرى المرأة التي نحبها  مشوهة هكذا، بل كما وصفها في قصيدته (أنا سعيد بالكتابة) :
 لي في كل أنثى
كلام يتعطر
يتلوى في فنجان الليل
أوقد شمعتي
إلى نجمة
تتطيب
تأخذ حماما من السماء
 تمشي بأطراس الظلام ....
 تهذي بالكلام
فالليل عنده ما يرتشفه من كأسه لينعش لاوعيه(هذيانه) المتدفق كما يشاء. وهذا ما يُتهم به الشاعر أبدا حينما يقرر لوحده أن يفتح النهر على مياهنا الراكدة، وعلى من ينسخون الليل الذي يعشقه الشعر بليل آخر لا ينتهي، ليل مغلق في وحدة وظلام :
(مجرد مكان \ ظل \ فوق حائط الحياة)  ص11                     (الليل يجلس في باحة الدار\كرسي وحيد \ يشهق بالبرد) ص33
(دحرج فصوصا\ من الظلام  شطر رماد ساخن) ص72
لقد أدرك الشاعر(بردى) خطورة ما يفصح عنه وعيه الرافض لما يحاصره من واقع مشوه سودته أنظمة وحروب(مرت ثلاثة حروب \ما استطعت \ أن أشطب إلا أناي(ص21)..وما تواجهه من أخطارتهدد حياته وحريته، فلجأ إلى المفردة والصورة بدلالتيهما الغامضة والمعقدة، والرموز التاريخية والأسطورية النائية، لتكون له دريئة عن قراءات عدائية محتملة، ستقف طويلا عند كلامه دون أن تجد دليلا قويا وواضحا لأدانته، كما في قوله هذا :
الشمعة كم تبدو جميلة
هناك على حائط ضرير
تحت الماء
إياك أن تتوارى
خلف حسن مالح..(ص56)
هذه الصورة وأمثالها المشكلة من تداعيات خياله بين وعيه المحاذر وأعماقه الراسبة، كما تتوقف أيضا أمام عقدة دلالاته , وما وراء رموزه في عوالمها المختلفة الغاربة :
ويسقط منه ( نرام سين) مرتعشا
 من إصحاح شهادة مزورة..ص96
أخذني(آنو) معه  وفي قوله:(وتأسف كثيرا)..ص22
وكذلك في الماورائية برموزها الشريرة والخيرة :
(إبليس ظلام يتلبس أفول الضوء)..ص40
(لا عليك  الملائكة كلمات   تتساقط قبل الفجر)..ص115         غير أن الشاعر يخلع أحيانا عن قصائده دريئته الواقية، ويترك لشاعريته حرية التنفس بعيدا عن مخاوفه وكوابيسه مستشعرا جمال اللغة الصافية، تعبيرا عن حاجة الشاعر لمخاطبة أخيه الأنسان بوضوح في المشاعر الأنسانية المشتركة، كما في قصيدتيه (الملائكة كلمات)،  و(تحديق في البخت) حيث الليل الشاعري، إذ يسعد بخته بلقاء حبيبته، وليس الليل الذي يحيطه بجدران وحدته ووحشته :(لنخلق جوا ً من الليل \ لا نهدره \ ونرميه بعيدا\ عن أصابعنا \ سأسير إليك الليلة\مع سبق  إصرار منك) فأين ذلك الليل الموحش الطويل،
 وتلك التي تشبهه في جنونه وفوضاه وثرثرته، من هذه التي تصرعلى لقائه في ليل جميل. وكما في قصيدته (سطور سوداء فوق حائط ليل) : دع أخر كلام لغليون \ تسقط حلقاته البيضاء \ على سطور سوداء \ فوق حائط ليل) و(تأمل ْ مصباح الشارع مليا \ ضعه على صدرك \وامض ِ\ الورود ستنظر حتما إليك).
فمن يصدق أن الشاعر ينتهي إلى ما تحمد عقباه،.وقد خلع عن جسده المعفر بالجراح، كما خلع ما علق بذاكرتنا عنه وما ادعاه، وكأنه يقول لنا، إن الحياة ينبغي أن تعاش، مهما طال ليلنا، وارتبكت عقولنا، فالنهايةكما نراه في قصيدته الأخيرة حيث يقول :
القبرة على العمود
تبسط ريشها
والمطر بكثافة
يسدل ستائر المنزل
وهنا يلتقي الشاعر مع حبيبته فيقول :
بجموح نطلق حمامات الحرية و : المناقيرحمراء دائما
 والشفتان خبز وخمر
هذا ما فاجأنا به الشاعر، وكأنه يقول لنا : أنا( زهير بهنام بردى) خارج مجموعتي، أرجو معذرتي عما عانيتم منه في قصائدي لقد قابلنا الشاعر بالمعذرة، لأننا متأكدون من إقباله علينا غدا بديوان آخر، خارج ليله، ففي آخر الليل الصباح، حيث يدعونا لقراءته، متأملين في عنوانه، وأهدائه. وعسى أن ينالنا منه نصيب، وقد تسنت له دعوتنا بعد تعميده في مائه المقدس، وفي كتابته، كما يقول :
ولهذا يتسنى لي
أتكوم في الكتابة
أشيل التجاعيد
وجه العبارات
وأدعوك..يا القراءة !

83
الصنعة الروائية وإيقاع الموروث


د. محمد صابر عبيد
تتمظهر الرواية الحديثة عادةً باستظهار خصيصتين مركزيتين هما الصنعة الروائية واللغة الروائية، وهما أهم وأبرز عناصر التشكيل الحداثي للرواية، على الرغم من أنّ رواية ما بعد الحداثة غامرت بتجاوز هاتين الخصيصتين واشتغلت على تهشيم الصنعة الرواية وإغفال الالتزام باللغة الروائية ذات النزعة التقاليدية والتماسك العالي، على النحو الذي يستجيب للصنعة ومقتضياتها الفنية والجمالية والتعبيرية والسيميائية .
    رواية "في انتظار فرج الله القهّار"(1) للقاص والروائي سعدي المالح تندرج في سياق الرواية الحداثية التي تعتني كثيراً بالصنعة والإنصات لإيقاع الموروث، وتنفتح على شبكة تقانات تنطوي على لعب واسع وكثيف تكشف عن مهارة الروائي ومعرفته ورؤيته، وتحيل على تجربة ثرّة في العيش والاطلاع والتنوّع في المعرفة والحساسية والتداول والفهم، وتقدّم الفكرة في سرد رطب يدمجها في رطوبته فتتخلّى عن الكثير من جفافها ومنطقيتها، وهو ما يجعل السرد الروائي متماسكاً لا يشكو من أيّة خلخلة أو اهتزاز أو تفريط .

عتبات الكتابة الروائية:
          تنفتح عتبات الكتابة الروائية على طبقات كثيرة تحددها طبيعة الرواية وكيفيتها ومنهجها في التعبير والتشكيل، فإذا كانت عتبة العنوان هي عتبة أصيلة تشترك فيها كلّ الأعمال الروائية فإن عتبة الإهداء، وعتبة التقديم، وعتبة التصدير، وعتبة الإشارات والتنبيهات، وعتبة كلمة الناشر، قد تأتي في رواية وقد لا تأتي في رواية أخرى، على النحو الذي تكون فيه معالجة موضوع العتبات في النصّ الأدبي عموماً انتقائياً دائماً.
     أما عتبتيّ الاستهلال والإقفال فعلى الرغم من أنّ أيّة رواية لها بداية ولها نهاية حتماً، إلاّ أن ثمة روائياً يُعنى عناية بالغة بهما بحيث تتكوّن عتبة استهلال وعتبة إقفال في روايته تصلحان للقراءة العتباتية، وثمّة روائيّ آخر لا يعنى بهما العناية الإجرائية اللازمة، إذ لا يعرف أهميتهما على النحو الذي تتكوّنا بوصفهما عتبتي كتابة روائية لا يمكن العبور من فوقهما بسهولة، وبهذا يمكن أن تكون عتبة الاستهلال أو عتبة الإقفال ماثلة أمام شهوة القراءة أو لا، وذلك بحسب قدرة الروائي نفسه على فهم وظيفتيهما.
     تنهض عتبة العنوان في الرواية "في انتظار فرج الله القهّار" على تناول ثيمة ذات طابع ديني وأسطوري وتاريخي مشترك ومتداخل، تتمركز هذه الثيمة في فعالية الانتظار الإنقاذي الذي عاشت عليه شعوب كثيرة منذ فجر التاريخ، وظلّ فاعلاً في الثقافة الدينية والأسطورية حتى وقتنا الراهن بوصفه فعالية انتظارية مخلّصة، وربما ستبقى طالما بقي إنسان حيّ في الوجود لأنها انتظارية متأصلة في الضمير والوجدان والذاكرة والحم الإنساني، على نحو يستحيل تجاوزه أو التلاعب ببطانته ذات الطبيعة المقدّسة .
     وربما يكون اختيار هذا العنوان عند الروائي ينطوي على لعبة إثارة تداولية مثيرة للخلاف بين الفئات المنتظرة على اختلاف مشاربها وقناعاتها ومرجعياتها، وتتصل لعبة العنونة على نحو ما بمسرحية بيكيت "بانتظار غودو"، مع وجود فارق جوهري في فلسفة الفكرة وقيمتها، إذ إن غودو هو الذي يأتي ولا يأتي، في حين إنّ (فرج الله القهار) باسمه الروائي الذي يحظى بأسماء أخرى في الواقع هو الذي سيأتي حتماً في قناعة وضمير أصحابه كلّهم، بصرف النظر عن اختلافاتهم وتنوع اتجاهاتهم وتاريخية فكرتهم .
     وعلى هذا الأساس تكون عتبة العنونة عتبة إشكالية ومثيرة قد أدّت وظائفها الفنية والتداولية على نحو مهم، وهو ما يحيل على وعي فني عالٍ في التعامل مع عتبات الكتابة الروائية وطبقاتها وعناصر عملها وتقاناتها وآلياتها .    
     عتبة الإهداء هي الأخرى عتبة مركزية مهمة من عتبات الكتابة الروائية، وهي تأتي على نوعين بحسب تقسيمات جيرار جينيت، إهداء الكتاب الذي يكون جزء من صفحات العمل قبل نشره، وإهداء النسخة التي يسجّل عليها المؤلف عبارات إهدائية يمنح بموجبها النسخ بعد صدورها إلى أصدقائه وقرّائه، ولكلّ نوع أهميته وستراتيجيته ولونه وطبيعته، على النحو الذي يخضع كل من الإهدائين لقراءة مختلفة عن الآخر.
      سنتناول في هذه الرواية الإهداء العام الذي هو إهداء الكتاب ونصّه: (إلى العراق أرضاً وشعباً وتاريخاً)، وبالرغم مما يبدو على هذا الإهداء من مباشرة وعمومية إلا أنه صُمّم بطريقة تسعى إلى إيهام القارئ المتعجّل غير الخبير بهذه المباشرة والعمومية، لكنه يختزن في بطانته قيمة أوسع ومعنى أعمق يتصلان بأطروحة الرواية الفكرية .
    المطلع الإهدائي (إلى العراق) شامل في عموميته وهو يحيل أول ما يحيل على حسّ وطني تقليدي، لكنه يشير إلى أن صاحب الإهداء على نحو ما بعيد عن بلده (العراق) لذا فإن هذا الإهداء هو نوع من التعويض عن البعد عن البلد والشوق إليه، غير أن التفصيل الذي سيأتي فيما بعد هو الذي يفتح الإهداء على أبعاده الرمزية التي يتحرك فيها على أكثر من طبقة، ويتجّه إلى أكثر من هدف، داخل إطار فضاء (العراق) .
    الدال المنصوب أولاً (أرضاً) يحيل على المساحة المكانية ذات الطبيعة الإيديولوجية المتجذّرة في الذاكرة والحلم والروح والوجدان، إنها إذاً أرض العراق التي تتمتّع بسمعة جغرافية عالية فاتحة لشهية الغزاة، وهي أرض السواد لشدّة خصبها وقد عرفت الحضارة منذ سبعة آلاف سنة، وهي أرض النبوءات والأحلام والديانات، وهي أرض الغزوات والدماء والقهر، مثلما هي أرض الحكمة والشعر والحكاية والقوانين، لقد جاءت (أرضاً) محمّلة بكلّ هذا الإرث الإشكالي الغزير الذي لا يتوقّف عند حدّ مطلقاً .
    الدال المنصوب ثانياً (وشعباً) تحيل على مطلق الشعب العراقي بكلّ أطيافه وألوانه وانحداراته، وهي بلا شك متعددة ومتنوعة تصل إلى حدّ وصفه بشعوب وليس شعباً واحداً، وقد تعايشت هذه الشعوب/الشعب على مرّ العصور بطريقة عالية من التسامح وقبول الآخر بفكر تعددي قلّ مثيله، على النحو الذي يستحق هذا الإهداء وهو جدير به حتماً، ومن يقرأ الرواية يعرف بأن مفصل الإهداء هنا يصل إلى هذه الحدود ويتوغل في هذه الطبقات، ولا يتوقف عند حافة القراءة السطحية المباشرة له .
    أما الدال المنصوب (تاريخاً) فهو المفصل الجامع للمفصلين السابقين والحاوي للمعاني التي تترشّح عبرهما، فتاريخ هذه الأرض وتاريخ هذا الشعب الذي يمتدّ إلى سبعة آلاف سنة في أعماق الزمن لا بدّ وأنه مشحون بالمعنى والقيمة والدلالة والعلامة والفكرة والفلسفة، على النحو الذي تتحوّل فيه مفصلية الإهداء هنا إلى عرس احتفالي يعيد إنتاج هذا التاريخ بكل إنجازاته الباهرة وحضاراته الثرية ونكوصاته الدموية .
   من هنا يتحوّل الإهداء إلى فضاء شامل وحاوٍ وعميق وشاسع، يجمع الأرض والشعب والتاريخ بكل امتداداتها وطبقاتها وظلالها ومفاصلها وثوابتها ومتغيراتها في سلّة واحدة اسمها الكبير (العراق)، لا يستطيع أحد أن يدّعيه، أو يمتلكه، أو يستعمره، أو يحتكره، أو يُلغي جزءاً منه مهما بلغ من قوة وسطوة وهيمنة، فهو دائماً للجميع، ومن هنا تأتي براعة الإيهام في بساطة الإهداء وعفويته، وهو يحمل كل هذا الغنى والخصب الدلالي والمعنوي .
     لعتبة الاستهلال في الرواية أهمية استثنائية في تقديم شخصية (العجوز) تقديماً كثيفاً يُفصح عن حضورها القويّ في فضاء السرد منذ أول صفحة من صفحاتها، ويعكس هذا الحضور الاستهلالي قيمة سيميائية تعبّر عن طبقة أصيلة من طبقات السرد في الرواية، ليس على صعيد شخصية العجوز بغطائه الإنساني حسب بل حتى على صعيد المكان والزمن وحساسية الحادثة الروائية التي تكمن في مشهد الاستهلال:

      أصرّت العجوز المريضة على مرافقة ابنتيها إلى الكنيسة لحضور القدّاس الاحتفالي بعيد الفصح، ولم تجدِ نفعاً توسلاتها في أن تتراجع عن مطلبها وتصلّي في هذا العيد أيضاً في البيت، كعادتها منذ سنوات طويلة، منذ أن تسلّلت آلام الروماتزم إلى مفاصلها وأقعدتها. فرضخت ابنتاها لرغبتها وقررتا نقلها بالسيارة إلى الكنيسة الجديدة المشيّدة في السنوات الأخيرة التي لم يتسنّ لها رؤيتها بعد. إلا أنّ رأس العجوز كانت يابسة إلى درجة أنها رفضت أيضاً هذا الاقتراح، وأصرّت على أن يمسكانها من ذراعيها ويساعدنها على المشي على قدميها إلى الكنيسة القديمة التي اعتادت الصلاة فيها طوال حياتها. حجّتها الوحيدة كانت أنّ صوتاً هتف لها وأمرها أن تذهب إلى هذه الكنيسة بالذات . (1)
    المشهد الاستهلالي مشهد بالغ التركيز والتكثيف على المستوى السردي الحكائي، فهو أشبه بقصّة قصيرة جداً شبه كاملة، ويعبّر المشهد عن قدرة الروائي على تشغيل حساسيته القصصية بوصفه قاصاً أيضاً داخل فضاء الرواية، إذ إنّ إصرار العجوز التمرّدي على مخالفة عاداتها في الصلاة في البيت منذ سنوات، وعلى الذهاب إلى الكنيسة القديمة مشياً على الأقدام، كان مدفوعاً بحجة وحيدة تتلخّص في (أنّ صوتاً هتف لها وأمرها أن تذهب إلى هذه الكنيسة بالذات)، وهي حجّة لعجوز مثلها لا أمل لها في الحياة تبدو مقبولة في سياق فتح كوّة جديدة للتغيير ودحر الرتابة التي أقعدتها في منزلها كلّ هذه السنين، فضلاً على تقديم روحية جديدة لعلامة التمرّد يقترحها الراوي منذ مطلع التشكيل السردي للرواية.
      تتلاءم على نحو ما عتبة الاستهلال مع عتبة الإقفال التي تفتح نهاية الرواية على أفق واسع لا ينتهي، وكأن علامة التمرّد التي أشعلها الراوي في مطلع الرواية ظلّ فاعلاً حيث انتهى إلى لانهاية تعبيراً عن حلم الانتظار، الذي تطرحه مقولة الرواية في انتظار فرج الله القهار الذي ينتظره الجميع بإيمان راسخ:
(ليس ثمة من نهاية ..
                      انتهت . )  (2)
      وتحكي هذه النهاية الموجزة في تشكيل عتبة الإقفال قصة الحراك الدائري المستمرّ بلا توقّف ولا مهادنة، إذ "ما زالت الوقائع المعاصرة والأحداث التاريخية والأساطير مستمرّة ولن تتوقف، هي عبارة عن حلقات متشابهة وكأنها منسوخة ومحكومة بتكرارها، انتهت الرواية وليس ثمة من نهاية، إنها مفتوحة لنا وعلينا وحتماً سيكون المتلقي وسيطاً أو مساهماً وهذا أمر حتمي، لكنها انتهت، حتى تبدأ من جديد لحظات ابتداء المتلقي بالسرد الآن أو في المستقبل"(3)، حيث تكتسب مقولة الرواية هنا بعداً دينامياً متحركاً يصل الحكاية بالراهن، والسرد الروائي بالحياة، والمتخيّل بالواقعي .
     العتبة الأخيرة اللافتة للانتباه هي عتبة (كلمة الناشر) التي احتلّت صفحة الغلاف الخارجي الخلفي من الرواية، وسعت إلى وضع توصيف معيّن ومحدد للرواية، وعلى الرغم من أنّ مثل هذا التوصيف من الناشر يحيل على مناسبة تسويقية وترويجية لهدف تجاري من أجل تحقيق نسبة بيع كبيرة للكتاب، إلا أن التوصيف جاء مركّزاً ومعبّراً عن فهم جيد لمقولة الرواية الفنية والموضوعية ويمكن أن يأخذ بيد القارئ لتلقٍ أفضل:

      تختطّ هذه الرواية شكلاً فنياً خالصاً بها هو أقرب إلى نصّ مفتوح في قالب فنّي مشوّق يعتمد على مجموعة استذكارات تنبثق تأثراً بنغمات موسيقى كلاسيكية وتؤسس عليها لشحذ الخيال. وتوظّف بجرأة نادرة المجازر التي تعرّضت لها مجموعات عرقية ودينية في العراق الحديث ابتداءً من الآشوريين ومروراً بالأكراد والشيعة وغيرهم، وهي أحداث لم تتطرّق إليها الرواية العراقية للآن. تتحرّك الأحداث في زمن غير محدّد، يتغيّر بشكل فجائي بين عهود مختلفة يبدأ من سنة ألفين ليدخل في عمق الماضي سبعة آلاف سنة مستحضراً وقائع من تاريخ العراق القديم وأساطير بلاد ما بين النهرين وقصصاً دينية مختلفة. كلّ ذلك بلغة شاعرية مشحونة بالصور المعبّرة، ومن خلال جهد تجريبي جادّ يستحق القراءة المعمّقة.(4)

   وبهذا تكون عتبات الكتابة الروائية في هذه الرواية قد حققت وظيفتها في الإحاطة بالمتن الروائي وتعزيز رؤيته وتأكيد مقولته، فضلاً على وظيفتها التشكيلية والعمارية في الإسهام الفني والجمالي في تشييد الخطاب الروائي .

مظاهر الصنعة الروائية:
         تتشكّل مظاهر الصنعة الروائية أساساً من الكيفية التي تعمل فيها عناصر التشكيل الروائي لتشييد العمل الروائي، وهي كيفية تعتمد على كفاءة الأدوات، وخصب المخيلة الروائية، ومعرفة طبقات البنية السردية في الرواية على المستويات كافة، وإدراك الحساسية السردية التي تتفق وطبيعة التجربة الروائية التي تحملها الرواية، والانطلاق من التجربة الروائية للروائي أولاً، والتجربة الروائية العربية والعالمية عموماً، على صعيد ما تحقق منها من إنجازات يمكن استيعابها قدر المستطاع كي تكون تجربة الكتابة جديدة وليست مستنسخة أو مقلّدِة على أيّ نحو من الأنحاء، من أجل أن يدرك الروائي أن ما لديه يستحق فعلاً خوض غمار كتابة رواية جديدة بوسعها أن تضيف لتجربته الخاصة وللتجربة الروائية العامة، ضمن حدود رؤيتها وطريقتها النوعية في الكتابة واستخدام التقانات والآليات وأدوات العمل .
        عنصر الشخصيات يعدّ من العناصر المركزية الرئيسة في العمل الروائي، ولا يصلح أن تكون رواية ناضجة وتفتقر إلى الشخصيات بأيّ شكل من الأشكال، لأنها عنصر أصيل لا يمكن إغفاله أو الاستعاضة عنه أو تعويضه، بصرف النظر عن طبيعة هذه الشخصيات وأنواعها وأنماطها وطرق تقديمها في ميدان العرض السردي .
      ربما نلاحظ في هذه الرواية على نحو ما علاقة الشخصية الراوي (الراوي كليّ العلم) بالمؤلّف، وذلك برصد شبكة من القرائن التي بوسعها أن تحيل على حساسية هذا الاقتران وسيرذاتيته في التشكيل الروائي، ويمكننا الذهاب فوراً إلى التعريف الخاص بشخصية سعدي المالح الإبداعية والسيرذاتية (سعدي المالح كاتب وصحفي ومترجم من العراق، ترجم اثنتي عشرة رواية ومسرحية ومجموعة قصصية ومئات من القصائد عن الروسيّة، ترجم عشرات القصائد لعدد من الشعراء الكرد المعاصرين إلى العربية، نشر العديد من الدراسات التاريخية المتخصصة في تاريخ العراق)(5)، وهو تعريف شامل يتيح لنا معرفة الكثير من المعلومات التي إذا ما قارنّاها بشخصية الراوي سنجد العديد من نقاط التلاقي والتطابق، على النحو الذي يساعدنا في تقريبها من بعض وقراءة الشخصية على هذا الأساس، وفهم الكثير من مواقف السرد استناداً إلى حيثيات هذه المعلومة الميثاقية .
    يمكن النظر إلى هذا الميثاق السيرذاتي على أنّ الشخصية الرئيسة في الرواية، أو الراوي نفسه، على صلة ما بالكاتب سعدي المالح، غير أن الراوي أو الشخصية الرئيسة لا تعبّر بوثائقية صرف عن ذلك، فعنصر التخييل الروائي يؤدي دوراً واضحاً وجلياً في صوغ التجربة الروائية وتعميق عناصرها ومستوياتها، وثمة تداخل كتابي عالي المستوى بين الواقعي والتخييلي على النحو الذي يضفي قيمة كبيرة على العمل الروائي، ويمنحها بعداً تاريخياً فنياً يكتسب جمالياته بقدرته على تمثيل التاريخ تمثيلاً سردياً .
     من مظاهر الصنعة في الرواية حرية اللعب بالأزمنة، إذ جاءت أزمنة الرواية على طبقات فيها مزاوجة بين أزمنة قديمة وأزمنة حديثة، على نحو اشتغلت فيه المرجعية الزمنية بأعلى مستوياتها، لكنها تحتشد كلّها في سياق خدمة الزمن الراهن، زمن الحكاية الأصل في الرواية حيث تتجلّى قوّة حضور الراوي العائد إلى زمنية المؤلّف .  
      اللعب بالأمكنة مظهر آخر من مظاهر هذه الصنعة، وقد ظهرت الأمكنة في الرواية على طبقات أيضاً، منها القديم ومنها الحديث، منها الشرقي ومنها الغربي، منها الريفي ومنها المديني، منها البارز ومنها المقنّع، في سياق متشابك ومتفاعل أحال كل هذه الأمكنة على مكان مشترك هو مكان الرواية المتجلّي والمنشطر والخاضع لإرادة الراوي .
     جاء اللعب باللغة ليس على صعيد التشكيل الأسلوبي، بل على صعيد توظيفي، أظهر معرفة الراوي بمجموعة من اللغات حضرت كتابة بحروفها وتقاناتها الكتابية، الإنجليزية والروسية والكردية والسريانية، وأحال الروائي على ترجمتها إلى العربية (لغة الرواية) في الهامش، وكان لإيرادها بلغتها الأصلية رؤية ذات طبيعة معرفية وسردية تعمل على شحن الحكي بحساسية هذه اللغات حتى وإن جاءت مختصرة وهامشية .
 لم تكتب رواية (في انتظار فرج الله القهار) برؤية أسلوبية واحدة، بل تنوّع الأسلوب فيها بحسب الزمن السردي والمكان السردي والشخصية السردية، وهذا إنما يعود إلى خبرة ومعرفة ووعي بالممارسة السردية التي تعرّف الكاتب بوقع الجملة السردية وفعلها ووقتها ومناسبتها، وهو ما ينعكس على طبيعة الصنعة الروائية في نموذجها الحداثي الأكاديمي .
     وفي هذا الإطار سعت هذه الرواية إلى استثمار كل ما هو ممكن من تقانات الفنون الأخرى، التي عملت في سطح الرواية وفي أعماقها وعلى حدودها وفي مركزها، كلما كان ذلك ضرورياً ومناسباً ومفيداً، إذ تمظهرت فعاليات تشكيلية تفيد من تقانات فن الرسم، وتمظهرت فعاليات سينمائية تستعير عمل العدسة والكاميرا والإخراج والمونتاج وغيرها، فضلاً على توظيف طاقات الموسيقى عبر أكثر من مستوى بعد أن حضرت الموسيقى تاريخياً وأدائياً وتحريضياً في الكثير من مشاهد الرواية، ومدّت الرواية يدها على نحو ما إلى منطقة الشعر فأخذت منه ما هو ممكن لدعم صيرورة اللغة الروائية في متنها السردي .  
الراوي ومنتجة المشاهد الروائية:
            رواية "في انتظار فرج الله القهّار" ليست رواية نسقية على صعيد تشكيلها الفني والبنائي، وتقوم على آليّة اللعب المتناوب بعناصر التشكيل وتبادل الأدوار المنتجة بينها على نحو ما، إذ "تكمن أهمية هذه الرواية بتنوّع وحداتها المروية أو اللعب على تشظّي الشخصية. الراوي واحد وأحياناً يتقاسم السرد مع العازفة أو النادلة وكلّهم توزعوا على مساحة جغرافية واسعة، وتشظّي الزمن السردي وزمن الوقائع، لكنهما معاً يتوحدان في الكشف عن الوقائع والمتخيّل واستعادة الذاكرة"(6)، وكلّها آليّات تشكيل تحيل على حِرَفية الكاتب ومعرفته بشؤون الكتابة الروائية وتقاليدها ومشكلاتها، وإدراكه لقيمة توظيف التجربة الذاتية والموضوعية في تشكيل الرواية وبناء مستوياتها، وهي خاصية مهمة قد تغيب عن الكثير من كتّاب الرواية حين لا يعون خطورة هذه العلاقة في بناء التجربة الروائية .
     الرواية مؤلّفة من 12 مشهداً، يتمظهر أكثرها بأسلوبية درامية تتمسرح فيها المشاهد من جهة، وتتنمنج في سياق تشكيلي واحد يخضع لعدسات تصوير تفصيلية تسعى إلى التعمّق في باطنية المشهد وما ورائيته، ففي المقطع 7 من الرواية تتدخّل العازفة لتحاور الشخصية المركزية في الرواية بآلية مونتاجية ممسرحة:
ـ اصح يا رجل إنك تدمّر حياتك.
ـ الإحباط هو الذي دمّر حياتي.
ـ أنتم الرجال دائماً لكم أعذاركم.
ـ عندما تضيع الآمال العظيمة.
ـ لكن لا يزال هناك أمل كبير.
ـ لم يعد ثمة غير الإحباط الكبير.
ـ لكننا عشنا ألف سنة من الانبعاث العظيم.
ـ سنعيش ألف سنة من الإحباط العظيم، انتكاسة تلو أخرى، اللهم إلا إذا ولد لنا قيصر جديد، قيصر يرسم لنا الآمال مجدداً.
ـ أجل يا عزيزي نحن بحاجة إلى قيصر وليس شهريار!
قال:
ـ أنتم بحاجة إلى الاثنين معاً، أو الاثنين في واحد.
وافقته وقبل أن أنهي معزوفتي سألته:
ـ هل أعيد إليك شهرزادك؟
ـ كلّلا لقد اعتقتها.
ـ لكنّها لم تكمل ليلتها الواحدة بعد الألف.
ـ لا داعي لأن تكمل لقد أكملت أنت.
ـ أنا لست شهرزادك! أنا بجعة مسحورة بيضاء في بخيرة زرقاء أستجير من ساحر جميل وقعت في فخّه.
ـ سأنقذك وأمنحك الحرية والحنان.
ـ لا ينقذني إلا من أسرني بسحره، ذلك الذي حوّلني إلى بجعة بيضاء وأهداني مع تلك الاسطوانة الرائعة ذلك الأمل الوديع (7).


     يكشف هذا الحوار الثري عن حضور شبكة من المرجعيات التي اجتهد الروائي في منتجتها ضمن سياق التعبير عن رؤيتين متناقضتين، رؤية الشخصية المركزية ذات المرجعية الشرقية المرتبطة بألف ليلة وليلة، ورؤية العازفة ذات المرجعية الغربية المرتبطة باستثمار سِفر ألف ليلة وليله في موسيقاها، بوصفها مثالاً طريفاً يمكن التقاط فضائه لصوغ جمالي يعبّر عن قدرة الغربي على استثمار طاقة الشرقي .
   لم يكن الحوار السرد ـ درامي الممنتج سياقياً على صعيد الفعل الروائي، بل كان حواراً يتجاوز الزمن والمكان لينفتح على التاريخي والحضاري، وكانت فعالية الراوي متبادلة بين الشخصية المركزية وشخصية العازفة، وكلّ منهما يقدّم رؤيته ويعكس فضاءه ويروّج لمقولته، وقد بدت شخصية العازفة أكثر تمكّناً في الإمساك بزمام المبادرة الحوارية والهيمنة على مقدّرات التشكيل الروائي في هذا المشهد.
المرجعية الدينية والأسطورية والتاريخية والثقافية:
          تشتغل رواية "في انتظار فرج الله القهّار" على شبكة متداخلة من المرجعيات المتنوعة وهي تنهض على خلط الرمزي بالوقائعي، المتخيّل بالواقعي، الذاتي بالموضوعي، والمنطقي بالأسطوري، إذ تتجلّى الفضاءات الأسطورية على نحو أصيل في مفاصل كثيرة من الرواية على النحو الذي لا تستطيع فيه "القراءة الخاصّة برواية في انتظار فرج الله القهّار عزل الأساطير والوقائع فيها عن حكايات حقيقية وأخرى متخيّلة حصلت قديماً وحديثاً في العراق، حتى تمظهرت الجغرافيا وكأنها مغسولة بالدم، والقتل والإبادة. وتآزرت هذه الأحداث والأساطير الكثيرة التي تتضمنها الرواية."(8)، تآزراً سردياً حيّاً للوصول إلى حالة تعبير مثالية تعكس مدى تمثّل الروائي لحساسية هذا التشكيل في الفهم والتصوّر والتوظيف.
     ويؤدي الميراث الشعبي دوراً بالغ الحضور والقيمة والأهمية في الاستجابة لكلّ هذه المرجعيات وتمثّلها، وذلك لأن من طبيعة هذا الموروث الشعبي اختزان الكثير من فضاءات هذه المرجعيات وتمثيلها في جوهر السرد الشعبي وطبيعته وخصوصياته، إذ إن الموروث الشعبي المتناقل جيلاً بعد جيل كما يرى سعدي المالح نفسه "هو نتاج الموروث اللاهوتي المتجذّر في الفكر الديني العراقي منذ آلاف السنين؛ منذ السومريين والبابليين والآشوريين، ومن هذا الفكر الديني القديم انطلقت المفاهيم اللاهوتية الأخرى في الديانات السماوية الثلاث؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية، وانتظار المنقذ في جميعها هو واحد؛ سواء أ كان الموشياح أو المسيح أو المهدي فهو المنتظر- الذي ينهض من العالم السفلي في جميع الأساطير النهرينية مهما اختلف اسمه. ومن الطبيعي أن يمثل جميع الأطياف العراقية لأن العراق هو الأرض التي نبتت عليها هذه الفكرة أولا، وأصبحت موطنا لهذه الأديان التي نؤمن بها ثانيا. في الرواية سعيت لتتبع مسار هذه الفكرة من جذورها الأصلية وكيفية انتقالها إلى المعتقدات الدينية، ومن ثم دخولها في أذهان الناس وتصوراتهم."(9).
    بمعنى أنّه يسعى إلى استثمار المرجعيات الدينية والأسطورية والثقافية وهي تحتشد في سياق واحد يمكن تمثيله سردياً، وهو يعبّر فكرياً عن وحدة هذه المرجعيات في هذه المنطقة حتى وإن اختلفت الروايات والتفسيرات والتوجيهات وطبيعة القيم عند كلّ جماعة، على النحو الذي يدفع الروائي في هذه الرواية إلى تبنّي فكرة الوحدة المرجعية والاشتغال عليها بوصفها ظهيراً دينياً وأسطورياً وثقافياً مشتركاً.
    دخلنا السرداب، مشينا قليلاً في درب غير مبلّط أوصلنا إلى درج قديم، هبطنا سلّمه وصاحبي يتلو بصوت مسموع:
  "السلام عليك يا داعي الله وراني آياته، السلام عليك يا باب الله وديّان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقّه، السلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام عليك يا بقية الله في أرضه، السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده، السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه، السلام عليك يا...."
إلى أن وصلنا شباكاً من خشب الصاج، وباباً مفتوحاً أمامه مجموعة من الأحذية. نزعنا أحذيتنا واجتزنا الباب لنجد أنفسنا في ردهة صغيرة مفروشة بسجادة متواضعة تنيرها بضعة شموع في صدرها، وقفنا بخشوع مع الآخرين، كان عبد الحسين يقرأ الدعاء وعندما وصل إلى : "اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بحضوره وعجّل لنا ظهوره، إنهم يرونه بعيداً ونحن نراه قريباً برحمتك يا أرحم الراحمين" ضرب بيده فخذه الأيمن ثلاث مرات وهو يقول: :العجلة العجلة يا مولاي يا صاحب الزمان، تراقص ضوء احد الشموع، ثم تقدّم نحوي ووقف أمامي فتبدّى منه وجه نورانيّ، شعرت برجفة تنتابني، وخوف يستقرّ في أعماقي في مواجهة رهبة الموقف، سألته: " من أنت؟؟" قال: "أنا فرج الله القهار" ثم ذاب في لهب الشمعة المتراقص، خرجنا من السرداب بسرعة وكلانا يرتجف.
سألته:
ـ ماذا أصابك؟
قال:
ـ ألم تر بنفسك!؟
وافترقنا، كل ذهب في طريقه.(10)


   هذا المقطع السردي المركز يكشف على نحو عميق وواضح عن فكرة الاشتراك المرجعي في تبنّي الحكاية، إذ تحيل شخصية (فرج الله القهار) ـ التي تعلن عتبة عنوان الرواية عن شيوع انتظاره والإيحاء بقرب عودته المنتظرة ـ على امتداد مساحة التاريخ الذي ينفتح على طبقات كثيرة ومتنوعة ومتداخلة في آنٍ .
  (فرج الله القهار) ينتظره الجميع بوجهات نظر مختلفة، وسياقات مختلفة، وأسباب مختلفة، ومرجعيات مختلفة، لكن الجميع يتفق على وجوده وعلى قرب عودته على الرغم من أن سيناريو العودة يختلف من وجهة نظر إلى أخرى ومن سياق إلى آخر، ولعلّ الحوارية المركزة التي انتهى فيها هذا المقطع السردي يعبّر خير تعبير عن هذه الخصوصية (خرجنا من السرداب بسرعة/وكلانا يرتجف./سألته:/ـ ماذا أصابك/قال:/ـ ألم تر بنفسك!/،وافترقنا، كلّ ذهب في طريقه)، فنقطة اللقاء كانت الاتفاق على (فرج الله القهار) وبمجرد أن افترقا فإنهما عاد كلّ منهما إلى مكانه ومرجعيته وثقافته ورؤيته.

سردنة الموسيقى:
       حضرت الموسيقى في الرواية حضوراً لافتاً وغير عادي على أكثر من مستوى، وغذّت الفضاء الروائي بمعنى الموسيقى وحساسيتها وإيقاعها وثقافتها ورؤيتها على نحو غزير وحيوي ونشيط وفعّال، ولم يكن حضورها مقتصراً على الجانب الثقافي المعرفي الذي يكشف عن معرفة الراوي بالمدارس الموسيقية ومرجعياتها، بل استطاع أن يوظف هذا الحضور لخدمة الفضاء الروائي وشحنه بمنطق الموسيقى ورؤيتها وحساسيتها، إذ نجحت الموسيقى في أنّ "تمثل، في هذه الرواية، نصًا غائبا موازيًا للأحداث الروائية، وربما يمكن عدها ملاذا روحيًا للخلاص من وطأة الواقع، ومن التراجيديا التاريخية التي تلف مصير البطل والشخصيات الروائية العراقية التي شهدت مجموعة من المحن والمآسي والاستلاب عبر تاريخها الطويل ماضيًا وحاضرا. ربما تمثل الموسيقى المتصلة والكتاب الذي يقرأه البطل في رحلاته، هما بصيص الأمل المتبقي لضوء في آخر النفق."(11)، فضلاً على طاقة الموسيقى التقليدية في بعث الأمل وترويض الألم وفتح أفق جديد للحياة:

       كان صوت هذا الناقوس، الموسيقى الأولى التي رنّت في أذني بعد هدهدة أمّي أو ربما معها، يأتي من السماء وينسكب في أعماق النفس بقدسية وجلال. أؤلّف لنفسي أصواتاً وكلمات متخيّلة أرددها معه كلما دقّ في أوقات محددة داعياً إلى الصلاة بنغمات مألوفة، في الصباح أو في العصر. وأحياناً، كان يدقّ في أوقات غير محددة بأصوات غير مألوفة لم أكن أميزّها. وكنت، تمشيّاً مع الإيقاع، مجبراً على تغيير كلماتي المتخيّلة المردّدة معه. وفي بعض الأوان، كان يعزف لحناً جنائزياً بطيئاً موجعاً يؤلمني. وفي مرّاتٍ، معزوفة فرحة مزغردة متواصلة ترقصني، وأخرى قصيرة مبهمة تحيّرني.(12)


   تحوّلت الموسيقى هنا إلى فلسفة بوسعها أن تجيب على أخطر أسئلة الحياة وأكثرها وعورة والتباساً وعمقاً، فهي تاريخ وحضور وذاكرة وحلم وثقافة وذوق ووعي، تجتمع بكل معانيها ودلالاتها وآفاقها ليمنح الفضاء الروائي طاقة جديدة على التلاؤم مع ثيمة الرواية القائمة على الانتظار، وعلى السجال مع الحيوات الر