ابن خلدون المعي التاريخ كان الشاهد على عصر الانحطاط


المحرر موضوع: ابن خلدون المعي التاريخ كان الشاهد على عصر الانحطاط  (زيارة 2939 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل TOMA SHAMANI

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شخبطة على الحائط     
                                                       
ابن خلدون المعي التاريخ كان الشاهد على عصر الانحطاط


انه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المؤرخ ورائد علم الاجتماع الحديث، ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم. وفي مسيرته قدم (ابن خلدون) نظريات كثيرة جديدة في علمي الإجتماع والتأريخ. درس في الزيتونة بتونس وبجامعة القرويين التى أسستها فتاتين قدمتا من القيروان وأسستا جامع القرويين نسبة إلى القيروان. وقد عمل ابن خلدون في القضاء أكثر من مرة، محاولا تحقيق العدالة الاجتماعية في الأحكام التي أصدرها. صعد إلى منصب يوازي رئاسة الوزراء ثم هبط إلى السجن والنفي والتهجير والهرب، ثم الصعود مرة أخرى إلى منصب قاضي القضاة، تولاه خمس سنوات ثم عزل بفعل الدس والمكيدة والحسد! ولد ابن خلدون بتونس في  1332، ومات بالقاهرة 1406. الدكتور علي عبد الواحد وافي درس حياة (ابن خلدون) وقدمها في كتابه (التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا) يقسم سيرة (ابن خلدون) إلى أربعة مراحل، المرحلة الأولى مرحلة النشأة والتلمذة والتحصيل العلمي وتمتد زهاء عشرين عاما، قضاها كلها في مسقط رأسه تونس، أمضى منها نحو خمسة عشر عاما في حفظ القرآن وتجويده بالقراءات والتلمذة وتحصيل العلوم. المرحلة الثانية مرحلة الوظائف الديوانية والسياسية، وتمتد خمسة وعشرين عاما، عاشها متنقلا بين بلاد المغرب وبعض بلاد الأندلس، وقد استأثرت الوظائف الديوانية والسياسية بمعظم وقته وجهوده أثناء هذه المرحلة. المرحلة الثالثة مرحلة التفرغ للتأليف، نحو ثمان سنين، قضى نصفها الأول في قلعة ابن سلامة ونصفها الأخير في تونس، تفرغ في هذه المرحلة تفرغا كاملا لتأليف كتابه )كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر(، ويتضمن )المقدمة( في قسمه الأول. المرحلة الرابعة مرحلة التدريس والقضاء وتمتد أربع وعشرين سنة، عاشها كلها في مصر، وقد استأثرت وظائف التدريس والقضاء أكبر قسط من وقته وتتضمن وقفات أخذت وحطت ابن خلدون في حوادث مثيرة وملابسات عجيبة، أكثرها إثارة مقابلته في دمشق لـ (تيمور لنك) القائد التتاري، الذي كان لطيفا دمثا معه، والكوارث الجمة التي ألمت به منذ مطلع حياته حين أدى الطاعون الجارف إلى موت والديه وأصدقائه وأساتذته، وهو لم يتعد الثامنة عشرة من عمره، ثم كارثة غرق زوجته وأولاده جميعا وهم قادمون في السفينة من تونس إلى مصر، حين ضربتها الريح العنيفة عند وصولها ميناء الإسكندرية فتحطمت وكبدته فوق نكبته في موت أسرته ضياع الكثير من ماله ومتاعه وكتبه، وكان وقتها في الخامسة والخمسين.
 (ابن خلدون) يعتبر المنشئ الأول لعلم الاجتماع ومجددا لعلم التاريخ، ومجددا لفن السيرة الذاتية ومجددا في أسلوب الكتابة العربية، وإماما ومجددا في بحوث التربية والتعليم وعلم النفس التربوي، كان راسخ القدم في كتب الحديث، ومصطلح الحديث، ورجال الحديث، راسخ القدم في الفقه المالكي، وهو لم يترك أي فرع آخر من فروع المعرفة في ذاك الزمان إلا ألم بها. وكان ولايزال واحدا من نوابغ الفكر والعلم والحضارة والتنوير الصحيح، عاش في عصر المماليك، وكان العنصر المحرك لعصر توهج ثقافي، على رغم ما كان فيه عصر المماليك عصر جهالة وغلمان وخصيان وجواري. ابن خلدون كان رجل منهج وقبله كان التاريخ سائبا تتملكه النوازع، كان باحثاً اكاديمياً وكان بالأحرى مفكراً ينظر في احوال أمته فلا يرى إلا تخلفاً وانحطاطاً. وكان يدرك ان المفكر وحده يمكن ان يسهم في ردع ذلك الانحطاط وانقاذ ما تبقى من امل. كان يعرف ان سبباً رئيساً من اسباب الانحطاط انما يكمن في عدم فهم الناس لتاريخهم في اطار الزيف الذي لُفَّ التاريخ، فصار مجرد نصوص توضع في خدمة السلاطين تبرر لهم افعالهم وتجملها. وابن خلدون حين اشتغل على اخراج التاريخ من اطار الزيف انما فعل ذلك وعينه وقلبه على أمته، وينبغي ان لا ننسى ان الزمن الذي كتب فيه ابن خلدون مقدمته كان الزمن الشاهد على بداية عصور الظلمات العربية. ومن هنا لهذا كان الفكر الخلدوني متحديا حاداًً. ولكنه كان يرى ان الامل داء لا شفاء منه.
 
امتاز ابن خلدون بسعة الإطلاع على ما كتبه الأقدمون وعلى أحوال البشر وقدرته على إستعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. ويرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي أستحدثت مع إنتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلا (بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق). ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الإطلاع على العلوم الشرعية فيقول (وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والإطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها) ولعل ابن خلدون وابن رشد إتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بالعلوم حتى لا يضل العقل ويتيه في مجاهل الفكر المجرد لأن العلوم ترد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي الا ان هذه النظرية اصبحت جامدة في عصرنا طالب الفلسفة لا حاجة له لدراسة على (الشرعيات والإطلاع على التفسير والفقه).
 
كان ابن خلدون دبلوماسياً وسفيرا حكيماً وقد أُرسل في سفارات عديدة شأنه شأن رئيس منظمة الامم المتحدة الآن لحل النزاعات بين الممالك وزعماء الدول، فقد ارسله السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى امير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما، وبعد أعوام استعان به اهل دمشق لطلب الامان من الحاكم المغولي تيمورلنك الشرس فحدث اللقاء ووصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته ما رآه في طباع ذلك الطاغية ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب. تعامل ابن خلدون مع تيمور لنك بدبلوماسية وحنكة وكان ذلك امر لابد منه والا كان مصيره قطع الرقبة. وصف ابن خلدون العرب عن دراية فقال ان (العرب هل بداوة وعصبية) اثر دراساته الواسعة للاحوال التي كانت قائمة في الاندلس والصراع الذي كان قائما بين العرب والعرب، بين بني عدنان وبني قحطان حيث ان العدنانيين هم ورثة ابناء الحجاز وهم ابناء بني امية وبني هاشم اما القحطانيين فهم ورثة اليمن فكان النزاع بينهما على اكل (الهريسة) والغنائم قائما حتي حل في الاندلس (ملوك الطوائف) الذين بلغ عددهم اكثر من ثلاثين امارة، ومنهم احفاد ابناء الشمال الافريقي ومنهم الامازيغيين. كما شاهد ابن خلدون الصراع بين الهاشميين والاموييين حيث اباد الامويون بني هاشم ابادة لم يبق منهم احد ولكننا الآن نشاهد الآلاف ممن يدعون انهم سادة من سلالة بني هاشم. ثم شاهد ابن خلدون الصراع الاموي العباسي الذي ادي الى الى ابادة الامويين بحد السيوف، كما قال ابن خلدون ايضا ان (العرب جرب) و (إذاعربت خربت) وقوله (العرب من دون الاسلام لا يساوون شيئا) وفي الأخير اخطأ ابن خلدون لان مملكة المناذرة كانت عربية عاصمتها الحيرة وكانت مركزا للعلوم والثقافة.   
                                           
وفي الاحتفال بالمئوية السادسة لابن خلدون، اكد فرانسيسكو استرادا من جامعة كومبليتنزي بمدريد على النقاش الذي دار بين تيمورلنك وابن خلدون، وعرض كذلك لصلات ابن خلدون بالسياسة من خلال الوظائف التي تقلدها والبعثات التي انيطت به. وقد بدأت هذه المهام عندما عينه أبو محمد بن تافراكين في وظيفة (كاتب العلامة) في تونس في خدمة السلطان ابي اسحاق. ثم تتبع ابن خلدون في رحلاته في البلدان الإسلامية في المغرب والمشرق. ويرى الحمامي في كتابه أن ابن خلدون كان يهم (التخلص من عبء الأسفار) ويفكر في الاستقرار، الذي كان يضطره للترحال مرات ومرات في زمن كان فيه ابن خلدون يشهد التفكك في العالم الإسلامي. وتلخيص القول إلى أن ابن خلدون كان بقضل التنقل من المعسكر الضعيف المتخاذل برغم ما كان يحوط به من نفوذ إلى المعسكر الأقوى، يمثل بالنسبة له توجهاً نحو الواقعية التي كان يؤمن بها ويدعيها البعض على ابن خلدون (مكيافيليتة)، ويؤكد الحمامي على ان ابن خلدون في مسيرته كانت مسيرة (العلامة)، الذي كان يعيش على (حبل البهلوان) السياسي، محاولاً قصارى جهده أن يوازن بين تكامل شخصيته من ناحية وبين ما يوكل إليه من مهام ومناصب. لقد أثار ابن خلدون، الأوروبيين خاصة الفرنسيين منذ القرن السابع عشر وكانوا الاوائل في تحقيق وترجمة ودراسة أعماله. الغربيون انصفوا ابن خلدون في تقديم التاريخ ووصفوه بإنه أول تقديم موضوعي للتأريخ البعيد عن الدين، وهو تقدير كبير لابن خلدون. .                                                                                                                       توما شماني – تورونتو                                                                                                     عضو اتحاد المؤرخين العرب