مفهوم الخير و الشر عبر التاريخ - الجزء الاول

المحرر موضوع: مفهوم الخير و الشر عبر التاريخ - الجزء الاول  (زيارة 7954 مرات)

0 الأعضاء و 3 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1348
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مفهوم الخير و الشر عبر التاريخ
الجزء الاول
بقلم  يوحنا بيداويد
ايلول 2008
ملبورن استراليا
ملاحظة شكر خاص للاخ الدكتور امير يوسف الذي قام بتنقيح اللغوي للمقال

الخطيئة هي رفض الله، والتوبة هي الاعتراف به.

قد يكون موضوع الخير والشر من اكثر المواضيع التي طرحها الانسان على نفسه بصيغة السؤال. ومن المحتمل ان الاجوبة كانت تأتي متباينة عادة بحكم تأثرها بالحضارة والثقافة والوعي الفكري للمجتمعات المختلفة على مر العصور.

كان مفهوم  الخير والشر هو النقطة المركزية في  الفكر الديني لمعظم الديانات الشرقية القديمة (السومرية والاكدية و الكلدانية والاشورية والزرداشتية والمانوية والغنوصية والمزدكية). اما الديانات السماوية (ديانات المؤمنة بالوحي) التي جاءت بعدها، فإنها رفعت مفهوم الخير الى مرتبة القداسة وجعلته من صفات واعمال الله الخالق  لجميع الاشياء. اما وجود الشر في هذا العالم فهو يرجع الى عمل روح الشريراوالابليس (الشيطان). لكن زيادة المعرفة الانسانية بمرور الزمن جعلت بعض اللاهوتيين يفسرون بان اصل الخطئية هو النقص في الطبيعة، والانسان الخاطئ  هو الانسان الذي يعمل عكس مشيئة الله في هذا العالم.
          وبالنظر لأهمية هذا الموضوع، سنقوم بدراسة مراحل  ظهور مفهوم الخير والشر في العالم، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ مرورا بالحضارات الشرقية القديمة، ثم الفلسفة الاغريقية والقرون الوسطى وموقف بعض كبار اللاهوتيين في المسيحية، ثم نختتم الموضوع بتفسير اللاهوت المسيحي المعاصر عن مفهوم الخير الشر.

تُؤمن المسيحية بأن لهذا الكون الواسع خالق واحد تدعوه بالأب ضابط الكل (قانون الايمان المسيحي الذي تم وضعه في مجمع  نيقية سنة 325 م)، خالق السماء والارض، وكل ما فيه من الجماد والنبات والحيوان، وتؤمن ان هذا الاله الخالق هو كلي الصلاح. ولكن رغم هذا الإيمان المطلق بقدرة هذا الاله نجد هناك معضلة فكرية كبيرة، وهي أن تصرفات مخلوقاته  تنطوي على عمل الخير والشر. فيتساءل البعض : إذا كان الله كلي الصلاح وهو خالق كل الموجودات ، كيف ظهر الشر في هذا العالم؟ ومن خلقه ؟ ومن اين جاء ؟!


كيف ظهر مفهوم الخير والشر لدى الانسان القديم ؟
منذ عصور ما قبل التاريخ، حاول الانسان اكتشاف العالم المحيط به وتفسير ظواهره. لقد كانت القوى الموجودة في الطبيعة مثل النار والحيوانات والهواء والعواصف والشمس والبرق وغيرها جعلت الانسان ان يعيش  في حالة من الخوف والرهبة الدائمية، لان هذه القوى كانت تشكل الخطر الاكبر على حياته. ونتيجة لذلك حاول الانسان في البداية الاقتراب من الطبيعة ومغازلة قواها عن طريق العبادة، فعَبدَ النار ومن  ثم الحيوان ومن بعد ذلك الظواهر الطبيعية او اجزاء من الطبيعة.

لم يكن اول ظهور لمبدأ الثنائية  ( الخير والشر) في العالم عن طريق الزرداشتية ، بل هي طريقة قديمة جدا للتمييز بين الاشياء والظواهر، ربما ترجع الى المراحل الاولى من وعي الانسان ، حينما بدأت المعلومات المتراكمة غريزياً لدى الانسان الاول عن طريق التجربة (الصواب و الخطأ ) تتحول الى معرفة مدركة غير قابلة للنسيان، وربما كانت البديهيات الاولى التي تعلمها الانسان في التاريخ هي التمييز  الاسود و الابيض، الخوف والسلام ،البارد و الحار، الكبير و الصغير، الكامل و الناقص، المفيد و المضر، حتى ظهر مبدأ الثنائية (الخير والشر) في هذا العالم بوضوح اكثر فاكثر.

يتفق معظم المؤرخين بأن الخوف من قوى الطبيعة  في مرحلة  ما قبل التاريخ (الفترة التي كانت مهنة الانسان هي الصيد)، هو الذي جعل الانسان ان يبحث عن قوى اكبر من طاقته لتحميه، فوضع مباديء وقواعد  الدين البدائي واختار الهته حسب  حالة خوفه او حاجته. اما في المرحلة التالية مرحلة الزراعة والمدنية ([1]) ، اقترب الانسان من اخيه الانسان اكثر فأكثر، تعقدت الحياة الاجتماعية اكثر، حدثت النزاعات والمشاكل، فدخل الانسان مرحلة جديدة من التطور، وظهرت الحاجة  لوضع مبادئ الاخلاق والقوانين لحماية الضعفاء من الاقوياء عن طريق فرض العقوبات على المخالف ولحفظ حقوق الناس بالتساوي. وهنا لابد ان نذكر ان اول  شريعة مكتوبة  وضعت في تاريخ الانسانية كانت شريعة حمورابي قبل 4000 سنة تقريبا.

 ان  هدف اي شريعة او قانون او مبادىء اخلاقية هو تنظيم الحياة الاجتماعية ، وهكذا اصبحت مهمة الاديان، بالاضافة الى تنظيم الحياة الدينية،  تنظيم الحياة الاجتماعية عن طريق وضع شروط وقوانين لادارة الحياة اليومية ومن ثم اصدار العقوبات وطريقة تنفيذها([2]). وكان  الكهنة عادة يمثلون السلطة القانونية (المحاكم) لتفسير التعاليم الدينية وفرض العقوبات باسم هذه الالهة على المخالفين.


1- تفاسير الأساطير والأديان القديمة للشر
          كان الاعتقاد السائد عند السومريين  والبابليين. إن الخير هو من صنع الإلهة العظيمة (مردوخ وانليل)، وإن الشر هو من صنع الالهة الادنى منها (نمو وتيامت). كانت السيادة في العائلة و المجتمع تعود  للمرأة في فترة ما قبل التاريخ وكانت توصف (ديانة النيوليت) بالديانة القمرية الانثوية.


 الاله مردوخ الذي طالت عبادته في بلاد ما بين النهرين اكثر من الفين سنة

ولكن في المرحلة الجديدة (الزراعة والمدنية) حدث انقلاب هام  وكبيرفي التاريخ ، هو ظهور الديانة الشمسية (الاله مردوخ) الذي يملك عناصر الذكورة مثل النهار والعمل والقوة  والاستمرارية. في هذه المرحلة قتلت كل  الهة الديانة القمرية الانثوية ، مثل الالهة (نمو) السومرية والهة المياه البابلية(تيامت)([3]) ووضعتا في الهامش وتحولت عبادتهما الى عبادة سرية ، ونسبت اليهما كل الشرور والشياطين و الامراض. ومن دم اتباعهما خلق الانسان الذي يعمل الخير والشر ومن فكرتها نقل التشبيه الموجود في عهد القديم من قبل ادم وحواء في العهد القديم ([4]) .
 التفسير الاسطوري  يشبه  التفسيرالموجودة في كتاب (طيمَاوس) لافلاطون:
"ان الله الكلي الصلاح قد أراد ان يكون كل ما في الكون صالحاً على مثاله، فكوّن لنفسه الآلهة الأدنين، وأزال الشر عنها، ومنحها الخلود. وأوكل لها صنع بقية المخلوقات، فخلقت هذه الآلهة بدورها الكائنات مزيجاً من روح وجسد،  لها الخلود والموت و تعرف الخير والشر وهكذا نشأ أصل كل الشرور في الحياة. وان هذه الاسطورة اذا تنزه الاله الاعظم عن خلق الشر وتلقي المسؤولية على الالهة الادنيين، وتجد حلا لمعضلة وجود الشر في العالم."
 
افلاطون وتلميذه ارسطو في جدال حامي عن الحقيقة والكون والله


نص لرواية البابلية لقصة الخلق([5])


(بعد خلق البشر الاولين تعالى صخب اولادهم بشدة بحيث ما قدر إله الارض ان ينام،ولما وضع إله الارض خططأً لخفض ضجيج البشر، احبطها التقي اتراخاسيس (يمثل نوح في قصة الطوفان) بكسبه عون الاله الذي خلق الانسان. واخيراً قررت الالهة احداث طوفان مدمر واقسموا جميعا ان يحفظوا الامر سراً، مرة اخرى انذر ذلك الاله اتراخاسيس في حلم و اشار عليه ببناء فلك و ادخال عائلته و حيواناته فيه، وبان يشرح عمله هذا لاترابه على ان عقاباً حلَ به لكنه سيؤول بالخير عليهم جميعاً. ولما دخل اتراخاسيس الفلك مع عائلته، هاجمت عاصفة، واهلكت المياه الجنس البشري بأسره.
ونال الالهة انفسهم من شر ما حدث. فبهلاك البشر خسروا ما يقدم لهم من طعام وشراب في قرابين الاضاحي، فجلسوا حزانى في السماء حتى انتهت ايام العاصفة السبعة. عندما ارسل اتراخاسيس طيورا ليرى اذا كانت الارض صالحة للسكن ،قدم ذبيحة على الجبل حيث استقر الفلك.
وتجمع الالهة بشوق "كالذباب" على الذبيحة يشمون رائحتها ويقسمون على عدم احداث اي كارثة مدمرة كهذه مرة ثانية. واقسمت الالهة الام بعقد من الزمرد يُزين جيدها. غير ان الاله الذي حرم من النوم لم يتم استرضاؤه بعد. ولما انتهت الالهة من بحث قصاص متحامل غير عادل وضعوا نظاما فيه تتجنب بعض النساء الحمل من طريق الالتحاق بالانظمة الدينية، بينما يخسر بعضهن الاخر اطفالهن عن طريق المرض، وهكذا يتحدد عدد السكان.)
  


نص قصة الطوفان بالسومرية


2-  الخير والشر في الفلسفات والديانت الشرقية القديمة:-  
الغنوصية هي حركة فلسفة ودينية  ظهرت في العصر الهلنستي، تؤمن هذه الحركة إن المادة انبثقت من الله على شكل مراحل، وفي كل مرحلة كان الخير يتقلص والشر يتمدد الى ان انبثقت المادة الحالية التي هي شر كلها.
 اما (الزرداشتية) فهي ديانة فارسية  ظهرت قبل المسيح بستة قرون، أسسها زرداشت الذي عالج احد الملوك المريضة في بلاده بحكمته، ثم اقنعه بتبني تعاليمه الدينية. ان الديانة الزرداشتية لا تؤمن بوجود خالق واحد، وانما تؤمن بوجود إلهين احدهما يدعى( أهورا مزدا ) يمثل النور والخير والحكمة، والآخر يدعى ( أهريمان ) يمثل الظلام والشر والرذيلة. وهما في صراع دائمي.

 

المعلم زرادشت

اما الديانة  المانوية([6])، فإنها تؤمن بمبدأ الثنائية ايضاً، فالعالم  مملكتان، مملكة الخير ومملكة الشر. النور هو اعظم من مملكة الشر، وله خمس صفات ( اعضاء ) مهمة هي (الحلم والعقل والعلم و الغيب والفطنة) . وخمس اخرى روحانية هي (الحب و الايمان و الوفاء والمودة والحكمة).


          ويقول المطران سليم بسترس عن اساطير هذه الديانة : "إن النور أشرق يوما على المادة الظلمة، فارادت أن ترتفع الى مستواه إلا أن النور صدها ، فخلق الانسان لمساعدته على مقاومتها، ولكن الظلمة كانت أقوى من الانسان فسجنته في المادة ، ومن هذا الإنسان المقهور ولدت الإنسانية الحالية التي لا تستطيع التحرر من قيود المادة الا بالمعرفة الحقيقية".
ان ما يجمع المانويين والغنوصيين هو ان الشر كله محصور في المادة وان الله لا شر فيه، لأن روحه محضة.

3-  الخير والشر في فلسفة اليونانين :-
           كان اليونانيون الأوائل يسألون هل هناك فعلا مقياس مطلق لموضوع الخير والشر؟. وهل توجد قيم وقواعد ثابتة لا تقبل الشك والتغير مع مرور الزمن؟. كانت محاولاتهم تصعد وتنزل واحدة تلو الأخرى كنتيجة لظهور نظريات ومفاهيم أو اكتشافات جديدة من قبل فلاسفتهم. لقد كانوا يبحثون عن  قوانين مطلقة  لاتقبل الشك ولا تزول، مثل وصايا الله العشر للعبرانيين. ثم بدأ قسم اخر منهم، يعتقد إن الخير والشر نسبيان، ففي الوقت الذي يكون عملِ ما  شراً في زمان ومكان محددين، فإن هذا العمل يمكن ان يكون سبباً لخير في ظروف أخرى أو في زمان ومكان آخرين.
 
          بين كلتا الحالتين(الخير المطلق والخير النسبي) وجد فلاسفة الإغريق هناك معضلة في  وجود اله كلي الصلاح وفي نفس الوقت هناك الألم والموت والمرض في العالم الذي خلقه. ثم نشأت فكرة العيش مع الطبيعة في حالة التناسق كحل وسط، لقد حاول هيرقليدس مثلا وصف هذه الحالة الهرمونية - حالة الوسط بين الخير والشر، فشبهها بالماء الذي له ثلاث حالات - الصلبة - الغازية - السائلة.
لما جاء السفساطئيون تعقدت المشكلة اكثر. فقد قال بروتاغورس السفساطئي :"ان الانسان مقياس كل شيء: ، لذا كل ما يراه الانسان خيراً فهو خير، وكل ما يراه شراً فهو شر والتي هي اقدم صورة للفلسفة البراغماتية الحديثة.

اما سقراط الذي يعتبره بعض الفلاسفة مؤسس علم الاخلاق، حيث قضى حياته في تعليم الناس ما الخير وماالشر؟ وما اهمية الاخلاق والمعرفة؟. كان في اختلاف شديد مع السفساطئين. قال ان افضل خير في الوجود هو المعرفة، وان الانسان يولد بريئاً وعقله كصفحة بيضاء ولا يحمل اي نزعة في داخله.
\
 سقراط على فراش الموت بعد ان حكم عليه الموت بشرب السم وتلاميذته يبكون عليه، افلاطون الذي وصف القصة يترك القاعة لان لم يعد يتحمل ان يرى هذه الماساة موت معلم الاخلاق والوطنية في هذه الطريقة البشعة

أما أفلاطون (تلميذ سقراط) فقد ربط مفهوم الخير والشر بنظريته المعروفة بإسمه
 ( نظرية المُثل) حول طبيعة الكون، التي يقول فيها إن العالم الذي نعيش فيه، هوعالم مملوء من  الاخطاء، لانه عالم الحواس فقط ، وهو عالم غير حقيقي، عالم متغير، وبما انه متغير إذن مملوء من الشر والاخطاء. بينما عالم الخير، هو عالم المُثل، عالم غيرمتغير، غير محترك ، غير خاضع للزمن،هو عالم الخلود، الذي هو موجود في السماوات،حيث هو المُصصم او الخالق وما يعرفه الانسان عن الحقيقة ليس سوى ظلها([7])، أي ما موجود في هذا العالم هو فقط تشبيهات  للمُثل الموجودة بصورة خالدة في السماء.

اما ارسطو (تلميذ افلاطون)،  فسر الموضو ع من زاوية اخرى هي العلة والمعلول . لقد رأى ان اي عمل يقوم به الانسان هو لغرض معين، ولكن هذا العمل يترك اثراُ على الاشياء (العالم المحيط به)  وهكذا  نفهم أن هناك سلسلة من التاثيرات في هذا  العالم ليس لها  نهاية. ولا تتوقف هذه التاثيرات الا في حالة تكامل كل الاشياء معا، اذن افضل خير في الوجود هو العمل  من اجل حصول  هذا التكامل، ومن هذا يُستنتج ان افضل خير في نظر ارسطو هو معرفة الذات ولهذا ضرب قوله المشهور(اعرف نفسك) اي اعرف نواقصك وعالمك الداخلي، كي تستطيع ان تملأه، اي تنقله الى مرحلة اللانقص وهي مرحلة الكمال.

لكن الابيقوريين كانوا يظنون ان افضل انواع الخير هو السعادة الدائمة، غير زائلة، وهذه السعادة لن يحصل عليها الانسان الا بالسيطرة على غزائزه، لان الكثير من الغرائز التي  يرغبها الانسان لكنها  مضرة وخطرة على حياته، لذلك توقيفها و التحرر من تأثيرها يجلب الاستقرار والسعادة الى الانسان.

اما الرواقيون  يرون ان اعلى درجات الخير في العالم للانسان هي العيش في حالة التجانس مع الطبيعة (هيرقليدس) ، لان الانسان  جزء من الطبيعة، كل جزء في الطبيعة يعمل لاجل كمال الكون ولان العقل هو القوة المسيرة للكون فيجب على كل شخص ان يلتزم بقوانين الكون من اجل الخير الاعم الذي يساعد الى وصول الكون الى كماله. ولهذا عليه فهم قوانين الكون والعيش بموجبها، لكي يفهم ماهو الخير الافضل.
  
 
 الفيلسوف المصري افلوطين
ربما يكون افلوطين قد اثر على لاهوت الكنيسة لقرون طويلة عن طريق كتابات وتفسيرات القديس اغسطينوس، اعتبر افلوطين أن المادة هي الشر، وساوى بينها وبين العدم، وهي بعيدة كل البعد عن المبدا الاول (مبدأ الخير المطلق) في الثالوث الذي وضعه( الواحد الخالق، ثم العقل الكلي ، ثم النفس الكلية). اذا للشر وجود ذاتي، ولكن ليس له قوة او سلطة وليس الهاً.  فالشر الذي في النفس هو من المكون المادي الذي تتحد النفس معه في الكائنات الحية. اي ان  النفس تفقد رؤية الحق وتنحرف عن الاعتدال بسبب فقدانها المعرفة او ادراك الحق والخير (نفس تفسير افلاطون). افلوطين يتفق مع افلاطون بان المادة هي عرضية زائلة ومتغيرة، من هذا نستنتج ان افلوطين كان متفائلا، لا يؤمن بوجود الشر في العالم . فالعالم كله ولكن  هناك درجات متفاوتة في وجود الخير وادنى انواع الخيرهو المادة الجامدة التي  يظهر فيها الشر الذاتي ، لان فيها عوق او نقص ( هذه فكرة تأثر بها القديس اغسطينوس ففسر الشر في العالم على انه النقص في الطبيعة). و لهذا يمكن القول أن تفسير افلوطين لفكرة وجود الشر هو  إن في العالم (نفسا شاملة) وهي العناية الإلهية([8]) التي تنتشر من تلقاء ذاتها في العالم وتقوده الى الصلاح. أي لا وجود للشر في العالم، أما ما يعتبره الانسان  شراً انما هي نظرة ضيقة، فهو في الحقيقة خير ضروري للنظام العام، مثل وجود الجلاد في صف القانون في نظام الدولة.



الفيلسوف وعالم الرياضيات  ليبنتز،  يتصور الله كمهندس يبني قصراً جميلاً لمجده الخاص، فيقول يجب أن لانفسر قباحة المظاهر التي ترافق عملية البناء على إنها شر، بل يجب أن ننظر إلى جمال القصر بجملته في النهاية ، ويقول أيضاً :(على الرغم من ان هذا العالم غير كامل لكن  افضل ما يمكن ان يكون ).  يفسر ليبنتز مبدأ التمييز بين الخير والشر عند الانسان  امراً فطريا، لان الانسان يميل بالفطر الى السعادة وتجنب الالم . ولهذا يميل الى التصرف الصحيح الذي يجنبه الالم (اي الشر) . اما لماذا يخطأ الانسان اذا كان هذا قانون موجود فيه بالفطرة؟ يرى ليبنتزالسبب في ذلك يعود للعواطف والنزوات التي يقع فيها الانسان.

 
الفيلسوف وعالم الرياضيات الالماني  ليبنتز

يقول المطران سليم بسترس  في كتابه اللاهوت المسيحي والانسان المعاصر: "إن هذا التفسير قد قبل ولا زال مقبولاً في بعض أوساط المسيحية التي تؤمن بصلاح الله الكامل ولا تريد أن تنسب إليه وجود الشر. فمثلا تقول إن الله يعلم خيرنا أكثر منا ، فإن سمح لحدوث شر لنا فإنما ذلك يقودنا إلى خير أعظم . لكن في المقابل يرى البعض إن شرور الطبيعة مثل الأمراض، والفيضانات، والزلازل إنما هي ضربات من الله يرسلها للبشر عقاباً على خطاياهم ، لذلك نرى البعض يتذمرون و ينتقدون الله قائلين، هل هذه هي عدالة الله؟! أو ماذا فعلت لكي يعاقبني الله بهذه الصورة؟ أو ماذا فعل إبني ليولد مشلولاً."

لعله من الانصاف القول بان الفيلسوف الكبير عمانوئيل كانط بذل جهدا كبيرا في تفسير الاخلاق فبحث في فلسفته عن معنى الصح والخطأ على الرغم من عدم تطرقه كيف وجد الشر في هذا العالم؟. قبل برأي جان جاك روسو بان الخير المطلق الموجود في العالم هو ارادة الانسان الملتزمة بقيم الاخلاق والضمير. يظن ان القانون الاخلاقي يتوارثه الانسان بالفطرة. ان سبب شعور الانسان بالندم عند قيامه بالخطأ هو الضمير الذي يدعوه الى تجنب الخطأ، فالضمير يدعو الانسان الى العمل في هذا الكون وكأن عمله سيصبح قانوناً عاما في الطبيعة وللبشرية. فيقول: "ان القانون الاخلاقي هو في قلبنا  بصورة فطرية" اذن ليس نتيجة للخبرة المتراكمة عن طريق عمل الحواس. الشعور للقيام بالواجب عنده هو من المقدسات. في هذا يضيف: "ان الاخلاق لا تعلمنا كيف نجعل انفسنا سعداء، انما تعلمنا كيف نكون جديرين بالسعادة، دعنا نسعى الى سعادة الاخرين ولكن بالنبسة إلينا  يجب ان نسعى للحصول على الكمال، سواء قدم لنا هذا الكمال سعادةً ام الماً".