ملك الملوك وعظمة التواضع
قريباً يحل علينا عيد الميلاد وها قد استعتدتْ له البشرية كلها: زينة ، هدايا، حفلات ،زيارات، اضافة الى عطلة مدارس ، قداس منتصف الليل ويتضمنه نار الرعاة.
ملك الملوك الذي سَبّحت له ملائكة الرب قائلة المجد لله في العلى وعلى الارض السلام ، لم يولد في قصر او حتى بيت اعتيادي ولكن في تلك المغارة المتواضعة التي لا يُتوقع حتى لأفقر الفقراء ان يرى النور فيها. لا حاجة بنا ان نذكر قصة الميلاد فالذين يعرفونها عليهم ان يستخلصوا الدرس منها، والذين لا يعرفونها وهم الغالبية بما فيهم الذين يعرفونها ولم يستخلصوا الدرس منها فاليهم اكتب مقالتي هذه.
الى نفسي اولاً اقول، ثم الى كل مسؤول وصاحب جاه او من يبحث عن الشهرة من كتاب ونقاد وسياسيين، اننا لسنا ولا نقطة في بحر من عظمة هذا الذي ولد في مغارة متروكة ليس فيها غير التبن، بدلا من ان يولد في قصر فخم يعد افرشته الوثيرة طاقم من الخدم.
مَن مِن أصحاب العروش او الأسماء المشهورة استطاع ان يجلب معه حين ولد - او ولدت- جوقة من الملائكة تسبّحه وتمجده، ولمن يصعب عليه تصديق هذا ، من منكم يستطيع ان يقيم جسده في اليوم الثالث ويصعد الى السماء. ومن لا يصدق هذا ايضاً، من منكم او منا يستطيع ان يشفي المرضى ويرجع البصر لمن فقده منذ الولادة ويفعل كل هذا وهو ليس بطبيب بل مجرد صياد سمك. هذا الأمر الذي دوّنه بشكل متطابق اربعة كتاب لم يتشاوروا او يتفقوا على تدوين ما رأؤوه، بل كل ذهب غايته وهناك كتبوا اناجيلهم، كل باللغة التي يعرفها. ومن لا يصدق هذه الحكايات التاريخية المدونة منذ عهود المسيحية الأولى، فاني ارجع الى مقدمتي عن عيد الميلاد. لماذا تحتفل الدنيا كلها بميلاد الملك الحقيقي، ملك الملوك. ومرة أخيرة ان كان لا يقنعهم كلامي هذا، قائلين: فقط المسيحيون يحتفلون بعيد االميلاد المجيد ( الكريسمس). هنا اوصي قاري مقالتي هذه ان لا ينبس بنت شفة ويعترض فالحجة التالية دامغة ومقنعة، الا لأولئك الذين ليس لهم عقل او منطق وان ولدوا في هذا العالم فأنهم ليسوا من هذا العالم، لهؤلاء القلة اقول: كيف يكون هذا الذي لم تُسبح له الملائكة ولا قام من الاموات ولا صعد الى السماء، ولا شفى المرضى ولم يرجع البصر الى فاقديه كيف يكون له كل هذه الخصوصية في هذا الزمان وبعد أكثر من الفي سنة. الى هذه القلّه أقول: اذن كيف تحتفل الدنيا وتعد تاريخها على اساس هذا الذين لا تعترفون انه ملك الملوك. من منكم لا يعرف تاريخ ميلاده مقارنة بتاريخ ميلاد ملك الملوك الذي تقوم الدنيا ولا تقعد على ذكرى ميلاده. انه الافضل لكم ان تعيشوا في الحَجْر العقلي على القمر او المريخ من ان تعيشوا على الأرض وانتم لا تفرقوا بين الحق والباطل، بين الشر والخير، بين الحرب والسلام وبين تأثير ميلادكم وتاثير ميلاد ملك الملوك، يا ايها التائهون في عتمة الظلام .
كثيرة هي أقوال وافعال ملك الملوك عن المحبة و التواضع والوداعة لكن في هذه الأيام التي هي ذكرى ميلاده فلنتعلم منه اهمية التواضع والتنازل عن كبريائنا او الأنانية التي في ذواتنا او الشهرة الزائلة وخاصة ان كانت بغير استحقاق. ان نتباهى بالمنصب او الجاه او الملبس ونترفع عن قريبنا الفقير الذي هو انسان مثلنا له نفس المشاعر والطموحات، أمر يجب ان يكون غير مقبول ، لا بل مستهجن. كلنا نولد عراة وكلنا نموت وندفن تحت التراب فلما التباهي والكبرياء واللهاث وراء الشهرة والجاه. هذا الذي لم يُخلق مثلنا بل تَجسدَ لتكون ولادته مثلنا ولم يولد في حالة الرفاهيه بل ولادته كانت وضيعة ان لم نقل أليمة ، هذا الذي قَبِلَ الموت حتى لا يكون افضل منا وتجرع الآم الموت بحيث لا احد منا يريد ان تكون ميتته هكذا. هذا كان الأنسان الوحيد الذي غلب الموت على الأرض وقام بسلطانه وصعد الى السماء. كان بمقدور ملك الملوك ان تكون ولادته ويكون موته على نحو مغاير بحيث لا يشعر بالفقر ولا بالألم، ولكن مكتوب: ان الرب، الاله السماوي خلق الانسان على صورته ومثاله ( تك:1-27 ). هذا يعني ان ملك الملوك وهو الأله المتجسد ، حسب التعليم المسيحي الذي لا أحد يجب ان يشكك فيه ، هو مثال لنا ونحن مثال له فلماذا لا نتشبه به ونتقدي به وبتواضعه؟؟
في الحقيقة اني أكتب تحت ضغط تأنيب الضمير فالكتابة لعلماني في امور دينية ليس بالأمر السهل، وحسب ضعفي الأنساني العولمي كان بودي ان أكتب في موضوع آخر دنيوي واكثرانسيابية في ترتيبته واخراجه، لكن ميلاد السيد المسيح الذي هو ملك الملوك واعظم كائن بشري ولد على الأرض، فأن العبرة من ولادته، التي هي حدث عظيم وكنز ثمين، يجب ان تطغي على كل المواضيع في هذه الأيام. ولد في مغارة بلا منافذ لدخول أشعة الشمس لكن نوره المشرق هو اكثر من الشمس التي تتباهى على أضواء كل شموع الدنيا لا بل كل مصابيح الدنيا وقل كل الطاقة الضوئية التي تنتجها اكبر المفاعلات النوويه، ما فائدة اضاءة ملعب كروي في وضح النهار حين تكون الشمس ساطعة. هكذا هي ضرورة الكتابة عن هذا الحدث العظيم، ميلاد ملك الملوك، والتذكير به مقارنة بالكتابة التي عهدتُ عليها في موضوع ادبي او اجتماعي او نقدي بخصوص الأغنية السريانية او قوميتنا الآشورية ( السورايي) او موضوع التسميات الشائك.
يبقى ان أقول ونحن نملأ صفحات المنتديات الألكترونية والعنكبوتية بكتابات لو اُرسلت قبل عشرين سنه الى احدى الصحف او المجلات العراقية، على سبيل المثال، ماكانت لترى النور بنسبة واحد المئة على اقل تقدير، وذلك لضحالة الأسلوب وكثرة الأخطاء القواعدية والاملائية اضافة الى قلة الثقافة والوعي لغالبيتنا من كتاب آخر الزمان، ومع هذا فان كُتابنا الموقرين، كل منهم يحسب نفسه عبقري زمانه وان قُراء كتاباته يصِلون ارقاماٌ قياسية قد تقارب الألف قاري لكل مقالة - حسب معرفتي بقراء عنكاواكوم الغالية / اشهر منتدياتنا- وهو لا يدري ان غالبية القراء هم مثله لا ثقافة ولا وعي، دَفَتهم التعصب الطائفي في اغلب الأحيان. وهنا أذكر ثقافة الحصول على شهادة الدكتواراه وهي ظاهرة تفشت بين تواقيّ الشهرة من أبناء شعبنا المسيحي، في العراق، يحصلون بالتزكية او مقابل مال على شهادتهم المعيبة هذه. والعار هنا انهم لا يزوّرون سراً شهاداتهم من أجل التوظيف وبسكتون على ذلك حتى لا يكتشفهم أحد، بل انهم يعلّنوها في المنتديات الالكترونية ثم يقبلون التهاني والتبريكات وتأخذ الدال الدالة لشهادتهم العالية جداً مكانها الثمين قبل ان يرد اسمهم الوضيع. وتلك الشهادات التي اتعجب بها أكثر، هي التي تنحرف عن الأختصاص الذي درسه الدكتور المتباهي كأن يحصل على دكتواره في التاريخ مثلاً وهو أصلاً يحمل بكالوريوس في الهندسة ، او تلك الدكتوراه التي يحصل عليها فلان بن علان وهو ليس له حتى شهادة الأعدادية.
الكبرياء وحب الشهرة تنخران في انسانيتنا. فأين نحن من التواضع الذي يُعلمنا اياه ملك الملوك في عيد الميلاد المبارك، الذي يحل علينا هذه الأيام!!
حنا شمعون