غبطة البطريرك: جهودك مشكورة , ولكن .... ؟
د. صباح قيّافي حوار مع أحد الآباء اللاتين الذي كان مرشداً لأخوية الشباب الجامعي المسيحي في كنيسة العذراء فاطمة في بغداد , وكمحاولة منه للتخفيف عن معاناة البعض من وقع الهزيمة المخجلة لأمة " يعرب " خلال حرب الأيام الستة في حزيران عام 1967 على يد من توهمت أن بإمكانها إلقاء ما تطلق عليه بالدولة " اللقيطة " في البحر حال ما تدق ساعة الصفر , والتي أثبتت الأحداث أن تلك الأمة كلماتها لا تعد ولا تحصى , ولكن ما تحققه على أرض الواقع لا يتعدى الصفر .... ما قاله الأب الجليل : إن اليهود مشكلة للغرب أكثر من كونهم مشكلة للعرب , ولم يجد الغرب سبيلاً لحل المشكلة إلا بتهجيرهم إلى حيث يشاؤون , علماً أنه كانت هنالك محاولات لجمعهم في " كيوبيك " وربما في أماكن منتخبة أخرى ’ رفضها القادة اليهود جميعاً وأصروا على فلسطين , وهذا ما حصل ... لا أشك في ما قاله الأب إطلاقاً .. لم يتشفع لليهود إلا بعد أن قيل عن نكبتهم على يد النازية الألمانية ... لقد كان اليهودي يمثل الشخصية المنبوذة في كافة قصص وروايات وروائع الأدب العالمي , ولم يكن مسموحاً له بالإنتماء إلى النوادي الإجتماعية في معظم الدول الأوربية , وفي بعضها لا يسمح له حتى الوقوف في طابور مع المنتظرين الآخرين .. وباختصار لم يكن مرغوباً به إطلاقاً بل مرفوضاً بإصرار .. ما كان زماناً قد أصبح اليوم في خبر كان .. وتم إسدال الستار تقريباً بعد تبرئتهم من دم المسيح .. وانتهى كل شئ بالعمل بما جاء بوثيقة حقوق الإنسان .
وجد الغرب نفسه بعد الحرب الكونية الثانية أمام معضلة جديدة تتمثل بالنظام الأممي لدولة تتطور بسرعة متميزة , وتسير على نفس النهج دول أخرى , وتدعو له احزاب أوربية واسعة الإنتشار , وتقاتل من أجله حركات مسلحة في أمريكا اللاتينية خصوصاً وربما أفريقيا , وتعمل لتحقيقه تنظيمات سياسية ممتدة في كافة أرجاء المعمورة . وعلى حين غرة , سقط المارد وتهاوى كل جبروته بفعل سياسة ما أطلق عليها مهندسها " ألبيروسترويكا والغلاسنوست " والتي تعني إعادة الهيكلة أو ألتشكيل , والإنفتاح أو الإصلاح . وتتابعت دول ذلك النظام بالسقوط السريع الواحدة بعد الأخرى . وبعد ان توحدت إثنتان , تمزقت أخريات إلى دويلات . تداعى الفكر عند التطبيق , وتلاشى قادته , وخاب ظن من حمله وقدم بسببه التضحيات الجسام وبالأخص في دول العالم الثالث ومنهم بلدي الحبيب .
ليس بالغريب أن تملأ الحركات الدينية الفراغ الناتج عن سقوط الأنظمة الإشتراكية الأممية في العالم , وأفول المشاعر القومية في الوطن العربي نتيجة الهزائم والنكسات المتلاحقة وخيبة الأمل باحزابه وتنظيماته السياسية المتواجدة على الساحة , وانحسار الحكم العلماني أو الشبه العلماني بسبب أو آخر والذي يتحمل الغرب وزره الأكبر سواء كان قصوراً منه في تقدير الموقف أو كجزء من مخططه المستقبلي للمنطقة . ومما زاد في تأجيجج العامل الديني استلام الملالي دفة الحكم في إيران من جهة واندلاع الحرب العراقية الإيرانية , وانتخاب البابا يوحنا بولس الثاني من جهة أخرى ومساهمته المؤثرة في دحرجة الحكومات الشيوعية في بولندا وبقية أوربا الشرقية . ثم جاءت الريح الصفراء من باكستان ليبدأ عصر التخلف والتطرف من قبل مجموعة مغمورة باسم طالبان بحجة القضاء على الحكم الشيوعي في أفغانستان ,وكان لها ما كان .
يواجه الغرب اليوم واقعا خطيراً . استطاع التطرف الديني مباغتته في عقر داره عند مهاجمته مركز التجارة الدولي في نيويورك , ثم مأساة أنفاق لندن , وحوادث متفرقة هنا وهنالك . ويعلم الغرب جيداً بأن المسلسل الإرهابي لن ينتهي ما دامت هنالك خلايا نائمة بين جوانحه , ونفوس متعاطفة رغم ترعرعها تحت خيمته ... إستطاع التخلص من مشكلة اليهود بتشكيل دولتهم , ومن الأممية بإسقاط دولتها العظمى ودويلاتها .. كيف الخلاص من السرطان الجديد ؟ .... أفضل السبل أن ينقل المعركة خارج ارضه , ويدفع بالمتطرفين بعيداً عنه . وهذا لن يتم إلا بتشكيل كيان يلجأون إليه ويدافعون عنه ... وتم ذلك بالفعل باعلان " دولة الخلافة " وتدفق الإسلاميين نحوها بحماس ... لا أبالغ لو ذكرت أن الغرب لا تهمه سوى مصالحه , ومصالحه فوق كل اعتبار . لن يبالي بمن سيموت من المسيحيين خصوصاً والملل الأخرى عموماً ما دام ذلك لن يطال كيانه ... لن يدافع عن المسيحيين بسبب مسيحيتهم ’ وإلا دافع عنهم مع اليونان أمام تركيا , ومع الصرب أمام البوسنة ... يدّعي الحق ولكنه يغتال الحق عند الضرورة .
ألغرب بحاجة لمسيحيي الشرق بهدف الموازنة . لقد اصبح الدين الإسلامي حقيقة ملموسة في العالم الغربي لا يمكن تجاهلها , وأنه في ازدياد ملحوظ .... ألغرب يعي جيداً صعوبة اندماج معظم المسلمين مع مجتمعهم الجديد , بل بالأحرى ينفر منه الكثير لدرجة العداء والحقد . والغرب يعلم أن الخطورة تكمن في الجيل الحالي وربما الأجيال اللاحقة . وقد يسأل الغرب نفسه : لماذا أودعهم السجون وأطعمهم مجاناً ليناموا هنيئاً ؟ . إذن لأهيئ لهم الطريق للسفر حيث البكاء وصرير الأسنان . وهذا الذي يحصل بالفعل .
كيف أصدق بأن الذي هزم جيش المليون شر هزيمة ببضع أسابيع لن يستطع دحر بضعة آلاف لملوم من هنا وهناك ... نعم يتمكن من ذلك متى شاء , ولكن ليس الآن ولا في القريب العاجل , وإنما بعد ان يتيقن بأن الفكر المتطرف غادره إلى غير رجعة , وأن من يظل بينه فقط الذي يتقبل التعايش معه و ويرضى بثقافته وقيمه , ولن يتعكر مزاجه حتى للرسوم الكاريكاتيرية المسيئة وغيرالمسيئة .
ما العمل , ونحن إلى أين ؟ الجواب ببساطة : ألعمل من واقع الحال . ماساة شعبنا ستطول وربما لن تزول . لا أعتقد بأن المهجرين بامكانهم العودة لديارهم آمنين . أما مسألة منطقة آمنة ’ فلن يعمل لها الغرب إلا إذا ساهمت بخدمة مصالحه . يحضرني جواب أحد الساسة العرب عند سؤاله عن مصير إسرائيل , قوله أن الغرب نفسه سينهي دويلة إسرائيل متى ما شعر بأن مصلحته مع العرب وليس معها ... فهل هنالك مصلحة إقليمية للغرب لكي يدعم ويساهم في خلق المنطقة الآمنة لشعبنا المشتت ؟ ؟
غبطة البطريرك الكلي الطوبى .. جهودك مشكورة ونِعمَ ما قلت .,, ولكن الغرب لن يقدم خطوة بلا أجر , ولن يمشي بدرب لن يجني منه الثمر . هاجسه الآني الفكر المتطرف , ولحين تحديده أو القضاء عليه سيظل شعبك في معاناته يدفع الثمن , ولن يخفف عذابه ويتوقف نزيف جرحه حتى يصل باكستان ، وقد بانت بالأمس مؤشراته .