الحوار والراي الحر > المنبر السياسي

هذا المصنف : الكلــلدان .. منذ بدء الزمان

(1/1)

حبيب تومي:
هذا المصنف : الكلــلدان .. منذ بدء الزمان

تأليف : عامر حنا فتوحي
عرض / حبيب تومي / اوسلو : النرويج


يتصدى الكاتب الجليل في سفره الموسوم : الكلدان .. منذ بدء الزمان الى المسيرة التاريخية لقوم  عراقي اصيل عرف باسم الكلدانيين وتمكن هذا القوم من غرس بذور حضارة عراقية قديمة راقية في تربة بلاد ما بين النهرين المباركة .
 يقع الكتاب في 400 صفحة ، وطبع في ديترويت ، دار اللنعمان للطباعة والنشر .
ص15 يتطرق المؤلف الى مفردة الكلدان فيقول :
ان الكتابات الرافدية القديمة اطلقت على الكلدان القدماء / العصر البابلي تسمية كلدايي ومفردها كلدايا ، وموطنهم كلدو ولغتهم الأم كلديثا وانتمائهم لهذه الأرض واللغة كلديوثا وأيضاً ( كلدنيوثا ) .. ويضيف الكاتب : ان السجلات المسمارية كانت تشير الى للكلدان بصيغة الجمع كلدي (Kaldee ) ولموطنهم مات كلدي (Mat Kaldee )غير ان العهد القديم اطلق تسمية كشديم /كسديم ( Kashdim/Kasdim) والتي من معانيها الجبابرة او المنتصرون ، وفي العهد القديم ورد الأسم بالصيغة الأغريقية ( Chaldeans  ) وترجمتها المصادر العربية الى كلدان وهي الصيغة الشائعة المستخدمة حالياً .
يتطرق الكاتب الى استيطان العراقيون القدماء والى تطورهم الذي رافق التكنولوجيا المستخدمة فيشير الى العصور الحجرية القديمة ثم العصر الحجري الحديث ، ودور الفخار ، والعصر الحجري المعدني والعصر شبه التاريخي ثم العصر التاريخي .
ان الكاتب يؤيد الفرضية التي تقول ان السومريين قد هاجروا من شمال العراق الى جنوبه ، وهو رأيي ايضاً ، ويقول ان الشعب الذي استخدم لغة اصلية ( رافدية  محلية ) عتيقة دخلت بشكل حيوي في تركيب البناء اللغوي للشعب السومري سكان اقليم الشمال الأصليين وذلك بعد هجرتهم الى وسط وجنوب الرافدين في منتصف الألف الرابع ق. م . ويورد مفردات استخدمها هؤلاء ألأوائل منها :
ملاخا : ملاك ، نكارا : نجار ، دقلات : دجلة ، دامكار : تاجر ، بوراتا : فرات وغيرها من المفردات التي لا زال الكلدان يستخدمونها حتى يومنا هذا .
وعن شواهد ان الكلدانيين امة عراقية عريقة يورد الكاتب بيانات الكتاب المقدس عن اور الكلدانيين ، وكذلك عن تسمية الخليج العربي ببحر الكلدان [ تام تي شا مات كلدي ] قبل ما يزيد عن الف عام من تأسيس السلالة الحادية عشر البابلية .
 اما عن تسمية وادي الرافدين  (  Mesopotamia) فيقول الكاتب انها ليست تسمية اجنبية متأخرة ، مع انها قد اشتهرت بعد ان استخدمها المؤرخ الأغريقي فوليبوس في منتصف العهد السلوقي .. لكن ما يؤكد قدم هذه التسمية ( بلاد ما بين النهرين ) واصالتها البابلية حيث استخدمت بصيغتها القديمة مات بريتم ( Mat Biritim) اي ارض المابين كما استخدمت كصفة للمنطقة الواسعة من الأقليم البابلي حيث كان يقرأ الأسم بيرت ناريم (BiritNarim) اي ما بين النهرين وهما دجلة ايد دقلت / دكنا (Id  digna) ونهر الفرات ايد بوراتم (Id  Puratum ) وما زال الكلدان يستخدمون هذه التسمية حتى يومنا هذا .
من جانب آخر يستعرض الكاتب التسميات التي اطلقت على سكان العراق منذ سحيق الأزمنة وحتى نهاية الحكم الوطني لعموم وادي الرافدين عام 539 ق . م اي مع نهاية الأمبراطورية الحديثة ، السلالة الكلدانية الذهبية ، وهم السومريون والأكديون ، البابليون والآشوريون والعموريون ، والآراميون وأخيراً الكلدانيون او الكلديون ويقول الكاتب ان الخصوصية القومية للأمة الكلدانية بقيت متوقدة على طول التاريخ الرافدي القديم  .
وعن جوان اوتس وهي عالمة البابليات يقتبس الكاتب اشارتها الى اهمية الخصوصية القومية للكلدان قائلة وبمنتهى الوضوح : كان الكلدان رمز الحركة المناوئة للدولة الآشورية ، وأبطال الحركة القومية في بابل .
 وعن ليو اوبنهايم يقتبس قوله : ان الكلدان كانوا آخر سلالة ( قومية ) ، ويضيف ان الموقف الكلداني من فترة السيطرة الآشورية المتقطعة على الأقليم البابلي ( 729 ـ 626 ق . م ) والتي اتخذت في اوقات كثيرة طابعاً شكلياً كما استقلت بابل في بعض منها استقلالا كلياً وناجزاً بعبارته الشهيرة : كان الكلدان قوميين متطرفين ومناوئين على الدوام للدولة الآشورية .
في اشارة الى اشهر ملوك الكلدان يذكر المؤلف اسم : شروكين ( Sargon  or Sharru Kin ) سرجون الكبير [ 2334 ـ 2279 ق . م ] وهو اول امبراطور كلداني في التاريخ ، وقد لقب بالأكدي نسبة لعاصمة ملكه أكد والكلدي نسبة لأنتمائه القومي ، وقصة ولادته تسرد على انه ابن للكاهنة العليا اينوتم ، ولكن الحمل كان محظور على هذه الكاهنة ، فرتأت ان تضعه وهو حديث الولادة في سلة لا يتسرب اليها الماء وترميه في نهر الفرات فيجده ساقي الملك ويربيه ويتدرج الى ان يصبح في خدمة الملك وبعدها يعلن العصيان على الملك .. ( ان هذه الأسطورة تتكرر في حالة النبي موسى ثم نقرأ قصة مشابهة في التراث الأسلامي في قصة حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي  : ح . تومي  ) .
ولكن نعود الى سرجون الأكدي فنقرأ في معجم المصطلحات والأعلام في العراق القديم : ان امبراطورية سرجون قد قضت على دويلات المدن .. واسس بعد قضائه على لوكال زاكيري دولة موحدة اي انه وحد البلاد تحت حكم الأمبراطورية الكلدانية العظيمة ، ان واضع هذا المعجم الباحث المؤرخ حسن النجفي .
 وهناك اسطورة ولادة سرجون التي جاءت على لسانه على شكل ملحمة نقتطف شئ منها :
أنا شروكين ( الملك الصادق ) الملك العظيم ملك بلاد أكد
كانت أمي كاهنة عظمى ، وأنا لا اعرف ابي
 كان شقيق ابي يحب الجبال
 ومدينتي كانت ازوبير انو
 لقد حملتني امي سراً
ووضعتني في سلة من البردي ختمت غطائها بالقير
ثم رمتني في النهر الذي لم يغرقني
فاتخني الساقس آقي ابناً له
وجعلني الساقي آقي بستانياً عنده
وعندما كنت اعتني بالبستان منحتني عشتار حبها
 فصيرتني ملكاً أربعأ...
  في اواخر عهد سركون تعرضت اكد لهجوم من قبل الشوباريين ، وتمكن من صد هذه الهجمات ويقول : قبائل البربر الشماليين قد هاجمت البلاد لكنها استسلمت امامي ، اما مدنهم آشور ونينوى فقد بطشت بهما . وهنا يضيف الكاتب ان فيقول :
اما آشور فقد بناها السوباريون على مستوطن زراعي سومري ، والشوباريون هم الآشوريون الأوائل سكنة الخيام الذين انتشروا في المستوطنات الزراعية السومرية الشمالية فغطت جموعهم خلال بضعة قرون على عدد السومريين في آشور ونينوى .
الملك حمورابي (Hammurabi ) ملك العدالة وموحد البلاد (1792 ـ 1750 ق . م ) ، لقد احتوت مسلته الشهيرة على ما يعرف بقوانين حمورابي البالغة 282 مادة ، وهي اول لائحة قانونية حضارية متكاملة وشاملة  في تاريخ الأنسانية ، والهدف منها كان ارساء اسس العدالة التي كان يسعى اليها هذا الملك العظيم وهو يقول في المقدمة لهذه القوانين :
... عندئذٍ اسمياني الإلهان آنو وأنليل
باسمي حمورابي الأمير التقي الذي يخشى آلهته
لأوطد العدل في البلاد ،
فأقضي على الخبيث والشرير ،
 لكي لا يستعبد القوي الضعيف
 ولكي يعلو العدل كالشمس فوق ذوي الرؤوس السوداء ( الشعب ) ،
 ولكي انير البلاد من اجل خير البشر .... 
ثم ينتقل المؤلف الى الملك مردوخ ابلا ادينا ، ويصفه بالملك الكلداني الثائر ، ويعتبره رمز للنضال القومي الكلداني .ثم يأتي  الى عهد الملك نبوخذنصر الثاني (604 ـ 562 ق . م ) نبو كودوري اواصر (Nebuchadnezzar2 ) ، حيث كان ملك سبي اليهود الى مدينة بابل ، وفي مجال الحروب التي كانت سائدة يومذاك فقد وصلت جيوشه شرقاً حتى مدن ميلاخا في الملبار ، وغرباً حتى حتى مصر السفلى والساحل الليبي .
  لقد اكتسب هذا الملك شهرة عظيمة وقد ارتبط اسمه بجنائن بابل المعلقة في مدينة بابل العظيمة والتي تعتبر من عجائب الدنيا السبعة . وقد وردت معلومات عن هذا البرج الذي درسته الأيام والدهور ، واهمها وصف هيرودوتس ونص مسماري لكاتب بابلي ، وكتاب العهد القديم ، ويبدو ان للبرج وظيفة وهي التقوى والتقرب من الله مردوخ فيقول نبوخذنصر :
نبوخذ نصر ملك بابل ،
 الحاكم المفضل من قبل الأله مردوخ الحاكم الأكبر ،
محبوب الأله نابو صاحب الفطنة والذكاء ،
...أنذاك صليت لمردوخ السيد العظيم ، البطل القوي ...
 لقد كان آخر ملك هو الملك نبونائيد ( 555 ـ 539 ق . م ) ، ويمثل  عهد هذا الملك نهاية العصر  البابلي الذهبي اي السلالة الكلدانية الأمبراطورية ، ويمثل انتهاء حكمه رمزاً لغروب سيادة وادي الرافدين على الشرق القديم .
 في موضوع شيق آخر ينتقل الكاتب الى الى مدينة بابل ، فهي ام الحواضر .. وكأس ذهبية بيد الرب . ويسهب الكاتب في وصف هذه المدينة التاريخية ،فكانت اعظم المدن العراقية القديمة واحكمها تحصيناً وبلغ من المؤرخ هيرودوتس ان يقول عن تحصينات هذه المدينة وعن صعوبة الأستيلاء عليها فيقول : لن يتمكن الفرس من احتلال المدينة الا عندما يلد البغل .
 وينتقل الكاتب الى وصف الجنائن المعلقة وبرج بابل التي كانت من المعالم المهمة لمدينة بابل العظيمة ولعموم الدولة الدولة الكلدانية الحديثة .
 ويقول الكاتب : لقد اراد المعمار الكلداني ( من الناحية الهندسية ) ان يبني صرحاً تتوفر فيه عوامل العزل الحراري المركزي ، بمعنى ان تقوم الجدران المركبة الخارجية بعزل مركز البناية عن عوامل الضوء والحرارة .. لذلك كانت ارضية هذا هذا البناء تحت تحت مستوى ارضية الشارع .. وهذا التصميم يقترب من مفهوم الأقبية ، السراديب في بغداد والنجف ، او بتعبير ادق تصميم الثرمس الذي يحتفظ درجة حرارة السوائل داخله . ، وهذه  الأقبية كانت محلا لخزن الثلج ليكون متوفراً للملك خلال ايام الصيف القائضة . ولتوفير الماء البارد للطقوس الدينية ...
في الجزء الثاني من الكتاب يتطرق الكاتب الى مفردة آشور ويقول عنها انها اسم لأله اجنبي اسيوي اي من خارج ارض بلاد الرافدين ، ويقول انه اله القبائل الجبلية الآسيوية البدوية المعروفة باسم شوبارو ، الذين غزوا شمال وادي الرافدين في منتصف الألف الثالث ق .  م  .. ويستطرد الكاتب ان عبادة هذا الأله الأجنبي جوبهت  بالرفض من قبل البابليين ورفضهم المطلق لادخاله من ضمن مجمع الآلهة الرافدية ..
ويقول الكاتب عن مؤسسي الدولة الآشورية حكام رافديين غير آشوريين وبمعنى ادق غير شوباريين ويقتبس من الكاتب الروسي قسطنطين ماتفيف الذي يقول :
في العهد البابلي الذي توجهت موجة اخرى من العموريين الذين ينحدرون عن الكلدان الأوائل / الرافديون الأوائل نحو تلك المدينة [ آشور ] وتمكنوا من الأستحواذ ، ودفع العدد الأكبر من جموع السوبارتو ( شوبارو)الى خارج الحدود ...
 في نفس الفصل يتصدى الكاتب لبعض الأدعاءات منها ان الكلدان هم طائفة فحسب وادعاء ان كلدان اليوم ليسوا كلدان الأمس .. وغيرها من المواضيع التي تعتبر مثار جدل في هذه الأيام وهو وهو يفند هذه الأدعات ببحوث ووقائع ومراجع تاريخية ..
في الجزء الثالث من الكتاب يسعى الكاتب الى معالجة المغالطات في اشكالية التسمية التي ابتكرت جراء اختلاط الأوراق القومية بالطئفية الدينية والوطنية .
 ثم يأتي الكاتب لنظام الكتابة السريانية ومن ثم يتطرق الى موضوع الأتجاهات الفكر العراقي المحلي ومفهوم الشرق والغرب في اللغة الدارجة . ثم يطرح الكاتب تساؤله حول التقويم فيقول : سنة آشورية .. ام سنة كلدانية بابلية ؟
يستطرد الكاتب عامر حنا فتوحي في كتابه فينتقل الى المشهد الحضاري للعراق القديم ، فيكتب عن الفنون والعمارة والى صناعة الفخار والخزف ، وينتقل الى ظاهرة استخدام الأختام ، والتي كان شكلها اسطواني او منبسط .. وتطرق الكاتب الى جوانب اخرى من الحياة منها الأزياء الكلدانية البابلية  والموسيقى والأدب والطب والرياضيات والهندسة والفلك ...
وفي مطاوي الكتاب عنوان يقول :
 الرابع عشر من تموز 2120 ق.م اول حرب تحرير في التاريخ ، وهذه اول ثورة في التاريخ على المحتلين الكوتيين وقادها اوتو خيكال ، وقد ترجمت فقرات من نص ادبي سومري جاء فيه :
ملك اوروك ، ملك جهات العالم الأربع
الملك الذي لا يخالف أحد امره
ان يحطم اسم الكوتي افعى وعقرب الجبال
الذي رفع يده ضد الألهة
الذي نقل ملوكية سومر للأجنبي
وملأ  بلاد سومر بالعداوة
الذي ابعد الزوجة عن زوجها
والطفل عن ابيه
والذي نشر العداوة والفوضى في البلاد ...


وأخيراً لا بد من التنويه ان الكتاب من بين ما يحمل بين دفتيه مرتسمات وخرائط قيمة ومنها خارطة وادي الرافدين وخارطة المواقع الأثرية وخرائط اخرى مكتوبة بالأنكليزية والكلدانية ، هذا اضافة الى مخطط لمدينة بابل وآخر لبرج بابل ومرتسمات للرموز القومية والوطنية الكلدانية البابلية ، وأخيراً صفحة حروف [ الألب بيث ] اي الألف باء للسان الكلـــــــــــــداني .
بقي ان نقول ان هذا الكتاب غني بمادته التاريخية ، زاخر بتعليقات وتوضيحات شتى ، ولاجل الوقوف والألمام بفصوله لابد من قراءته والأطلاع على فصوله .

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة