وداعا ... بغداد الحبيبه


المحرر موضوع: وداعا ... بغداد الحبيبه  (زيارة 260 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد علي مزهر شعبان

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 22
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وداعا ... بغداد الحبيبه
« في: 19:15 17/03/2017 »
وداعا ... بغداد الحبيبه

محمد علي مزهر شعبان
 
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ.......... إلاّ ذوت ووريق عمرك أخضرُ
مرّت بك الدنيا وصبحك مشمس ........ ودجت عليك ووجه ليلك مقمر
وقست عليك الحادثات فراعها .........      أن احتمالك في أذاها أكبــر
 
لملمت ذكراي، منذ أربعين عاما، وأنا اجوب شوارعك مكاتبك مشاربك، سجونك، مقاهيك، رفقة احبة ما انفكوا يسكنوا القلب، فيلتهب شوقا لمجالسهم، كم كان لشرخ الشباب فيك تمختر، وليال غناء، نجوب ميادينك، وفي زواياها، جمع يذوب الزمن في انغماس، وتنساب الطروحات، رفوف كتب تركن تتراكم في حافظة الفكر، لينمو ليثمر ليسمو على ايقاع سمفوني، وكانك مع بجعات " جايكوفسكي"
هل الرحيل عنك فرض واجب؟ هل الخوف من الطواريء؟ هل الافلاس من ان تجد لك مكان في قلب حبيبتك؟ هل ضاقت السبل وأحكمت الحلقات ؟ هل ازدحمت الطرقات بالدخلاء والغرباء والقتلة ولصوص الارواح والاموال ؟ هل الرعب من بانوروما الاشلاء والاعضاء ؟ هل اجترحتك سكاكين الاعداءوتناحر الاشقاء ؟ هل سطو عليك وتمكنوا الغرباء ؟ هل تحولت جداراتك الى لافتات سوداء يا فيحاء ؟ 
 
 وداعا ..عروس المدن ، وحاضرة الدنيا ، وعاصمة امبراطورية يتساوق مجدها الممتد جغرافيا في ارض الله ، مع ذياك التقدم الفكري والعلمي المتشعب والمتواصل مع الامم، حتى وكأن التكامل في انضاج حضارة منتجه هي العلامة التي ميزة هذا العصر في إطلاق الفكر والعلوم الى الدنيا . تواصلوا مع المنتج الحضاري، تبصروا فيه جليا ولم يماحكوه بل حاكموه في معمل الفكر الذي اخذ الفرضية واعطى النتائج .
علام يحدث فيك كل هذا، أهو الحقد يا عاصمة المجد التليد ؟ لم ينتج عصر ما فردا يكون فيلسوفا واديبا وموسيقيا، واخر طبيا وفيلسوفا وشاعرا وجراحا وواضع للاسس العلمية في الطب والجراحة، واخر رياضيا تجاوز فيثاغروس مكملا واختصاصيا في خمسة علوم اخرى. كم من عشرات المئات يسع الاعلان عن أعلام، الفارابي ابن سينا الخوارزمي ابن النفيس جابر بن حيان ابن الهيثم ابن ابن....  خلايا نحل تئز تحت تلك الفوانيس لتؤسس للبشرية قواعد متينه،  في العلوم والاداب، لامة ردت اليك بالموت والمفخخات .
بغداد عصمة العقيده وعاصمة الافكار، مجد تليد وتصد عنيد، وريق عمرها اخضر، ووجها مقمر، واحتمالها اكبر، رغم كل ما اشتبكت عليها الاعصر . هي تلك المدن التي تستحق ان تكون الحاضرة والخاصرة، وليس مدنا اينعها البترو دولار، إنبثقة من الرمال، وما ال اليه المأل .
رجالك فعالية عقل وكأني بهم يقولون للاخرين : لازال الجاحظ حيا، وابو نؤاس على ضفاف دجلة يتلو قصيدته، ولازال حارسها عبد الامير الحصيري في نشوة ان يغفو على ضفافك . المتنبي ولهان طربان وهو يستمع الى انشودة الروعة ليشنف سمعه ويعبق رئته على ضفاف دجلة ، عشيقة الجواهري ،
حيّيتُ سفحَكِ عن بُعــــدٍ فحيـِّيني.................... يا دجلةَ الخيرِ يا امَّ البســــــاتينِ
وهاهو نزارقباني يتدفأ بشمسها:
عيناك يا بغداد منذ طفولتي ........ شمسان نائمتان في اهدابي
حتى رأيتك قطعة من جوهر ....... ترتاح بين النخل والاعناب
 
وداعا ايتها الحبيبه، لم اتركك وحيدة يوم نفر الناس ، لم افارقك يوم اراد "الرجاج" صنو الحجاج ان يقتل ويطرد اهلوك، وقفت حتى لا اخل بالموازنة الديمغرافية، التي ارادوها عنوة، بالتشريد والتهديد، لان رئتي تعشق هواك .  وانا اشد الرحال، خاوي الوفاض، منهك الجسد، اخذ مني العمر، فرض لازم السنين، الى مدينتي حيث يزدحم فيها التقافز العشوائي ؟ اذ تحولت الى كاتدرائية، بل مجلس عزاء، رغم انها موئل العلماء والادباء والشعراء، فهي الاخرى، تعرضت لقبضات الاقوياء الاشقياء .