طيف ماركس الذي لا يختفي الجزء الرابع


المحرر موضوع: طيف ماركس الذي لا يختفي الجزء الرابع  (زيارة 292 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل قصي الصافي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 12
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
طيف ماركس الذي لا يختفي الجزء الرابع

تعرضت في الجزء الثالث لنظرية فيض الانتاج، وهي الأكثر شيوعاً وقبولاً بين الماركسيين، إلا انها تعرضت الى بعض الانتقادات من قبل مجموعة من المفكرين، فهي من وجهة نظرهم توصيف لتفاعلات الازمة، وليس تشخيصاً لأسبابها، كما أنها لم تجب على السؤال الاهم: متى تبدأ الأزمة و لماذا تجتمع عناصر بناءها في فترة ما دون أخرى. للاجابة على تلك الأسئلة عاد الاقتصادي الالماني هنريك غروسمان إلى نظرية ماركس"ميل نسبة الربح للانخفاض" و التي وصفها ماركس بأنها ذات أهمية استثنائية من المنظور التأريخي لمسار النظام الرأسمالي ، فعكف غروسمان على دراسة أزمة الكساد الكبير 1929  بالبيانات والارقام  ليكتشف أنها تقترن بعلاقة واضحة مع نظرية انخفاض الربح، وقد أنجز الاقتصادي الباكستاني أنور شيخ في كتابه ( ازمة القرن الحادي والعشرين) والبريطاني مايكل روبرتز في كتابه (الكساد طويل الامد) دراسات موسعة لمسار الاقتصاد العالمي منذ 1900 م الى عام 2007 م ليكتشفا أن جميع الأزمات التي تعثر بها النظام الرأسمالي يمكن تفسيرها وفق نظرية انخفاض الربح ،فما هي نظرية انخفاض الربح..
كانت ظاهرة انخفاض (النسبة بين الربح و رأس المال المنتج له) مع مرور الزمن ظاهرة معروفة ومسلم بحقيقتها قبل ماركس، وقد فسر آدم سميث الظاهرة باندفاع الرأسماليين للأستثمار في تصنيع أي سلعة يزيد عليها الطلب، مما يؤدي إلى خفض سعرها وانخفاض الربح. إن تفسير آدم سميث يقتصر على سلعة أو قطاع صناعي و لم يكن في تفسيره مقنعاً فانخفاض نسبة الربح تعاني منه حتى الشركات الاحتكارية التي لا منافس لها ، أما ريكاردو فيعزو انخفاض الربح الى ندرة الارض الزراعية بسبب انتشار المصانع وبالتالي قلة الانتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية مما يتطلب زيادة اجور العمال ليتسنى لهم شراء الطعام، وقد كان رد ماركس إن القدرة الانتاجية في مجال الزراعة والصناعة قد تضاعفت بفعل التطور التكنولوجي وليس العكس، إذن ما هو تفسير ماركس لهذه الظاهرة:
يرى ماركس ان نسبة الربح تتأرجح صعوداً وهبوطاً إلا انها تميل للانخفاض على المدى البعيد وذلك بسبب تعويض العمل الحي (عمل الانسان) تدريجياً بالتكنولوجيا المتطورة، وقد وضع معادلة رياضية لاثبات ذلك، إلا انني سأقفز على تلك المعادلة مؤقتاً ليتسنى للقراء غير الملمين بالرياضيات فهم النظرية بصيغة مبسطة.

لنفترض ان رأسمالياً سبق زملاءه بشراء مكائن متطورة لزيادة الانتاج وتسريح عدداً من العمال، بلا شك سيحقق أرباحا كبيرة في البداية ولنقل لمدة عام، إلا أن زملاءه من أصحاب المصانع سيحذون حذوه بشراء نفس المكائن مما يعني زيادة في الانتاج واشتداد المنافسه و هذا بدوره يقود إلى خفض الاسعار وانخفاض الارباح مقارنة برؤوس الاموال المستثمرة في تحديث أدوات الانتاج، كما أن التطور المتسارع بالتكنولوجيا والعلوم سيرغم الرأسمالي على إحالة ادوات الانتاج للتقاعد وابدالها بأخرى اكثر تطوراً وكفاءة ّ قبل أن تستوفي قيمتها الاستهلاكية،‎ أي اتلاف الرأسمال المتبقي فيها، إضافة الى الفوائد المستحقة للبنك على أثمانها، أوضح ماركس نظريته بالمعادلة :
نسبة الربح = فائض القيمة \ ( الرأسمال الثابت + الرأسمال المتغير)
.. أي   ( r = s/(c+v   حيث  r نسبة الربح الى الرأسمال الكلي، s فائض القيمة، c الرأسمال الثابت ( أدوات الانتاج ، المواد الاولية . . . . الخ ) ، v الرأسمال المتغير ( أجور العمال ). بقسمة البسط والمقام على ٧ تصبح المعادلة:
                                                           r = s/v / ( c / v+ 1)             
نسبة الاستغلال تتمثل بالكسر s/v ، ويدعى c/v التركيب العضوي لرأس المال.
الآن لنفترض ان العامل يستلم نصف قوة عمله ويذهب النصف الآخر للرأسمالي، أي ان s/v = 1 بمعنى ان نسبة الاستغلال 100 %، ستصبح المعادلة :                     ( r =1/ (c/v+1
بزيادة c  الرأسمال المصروف على ادوات الانتاج يزداد المقام، فيقل الكسر اي تقل قيمة r نسبة الربح.
من الجدير بالذكر أن ماركس ركز على تسمية نظريته بميل الربح للانخفاض وليس إنخفاض الربح لوجود عوامل تعويضية تقلل من انخفاض الربح يذكر منها:
ا- زيادة ساعات العمل دون اجور ( من أمثلة ذلك الاتفاق بين نقابة العمال وشركة سيمنز عام 2004 م بزيادة ساعات العمل من 35 الى 40 دون زيادة بالاجور مقابل عدم تسريح العمال) وكذلك ما يسن في جميع الدول الصناعية اليوم  من قوانين التقشف و تقليص لحقوق العمال كالتأمين الصحي والاجتماعي.
2- التجارة الخارجية: تصدير البضائع الأقل كلفة المنتجة في الدول المتطورة تكنولوجياً إلى أسواق الدول الاقل تطورا.ً
3- الزيادة السكانية وهجرة اليد العاملة الرخيصة الى الدول الصناعية، هذا في زمن ماركس، أما الآن فأن الشركات تنقل مصانعها الى الدول حيث المواد الاولية الرخيصة واجور العمال المنخفضة كالصين وغيرها.
4- تعويض نقص الارباح بتدوير رأس المال في إستثمارات مالية.

لنعد الآن إلى النظرية التي إتخذت نظرية انخفاض نسبة الربح أساساً لتفسير الازمة. كما يتضح من المنحني البياني ( ان لم يظهر المنحنى يرجى الضغط على زر Ctrl ثم على الرابط (https://thenextrecession.files.wordpress.com/2014/04/world-rate-simple-mean.png

 
إن نسبة الربح رغم تأرجحها قد إتخذت منحى تنازلياً في معدلها العام بحيث هبطت خلال قرن ونصف من % 44 الى % 17.5 ( سؤال للتأمل والمناقشة ماذا سيحصل في المستقبل البعيد ونسبة الربح تستمر بالانخفاض، ربما هنا يكمن سر الاهمية الاستثنائية لنظرية ميل الربح للانخفاض من المنظور التاريخي كما أشار ماركس)

تبدأ عوامل الازمة بالتراكم لسنوات قبل أن تطرق الابواب، فلو تأملنا على المنحنى أزمة الكساد  الكبير في الثلاثينات، بدأت نسبة الربح بالهبوط عام 1923 من % 38  حتى بلغت 22 % عندما انفجرت الأزمة بداية الثلاثينات، خلال هذه الفترة لم تستطع الشركات الصغيرة والوسطى وحتى الكبيرة غير الكفوءة من النجاة والاستمرارية مع إنخفاض أرباحها بشكل حاد فأن لم تعلن عن إفلاسها وقررت الحفاظ على وجودها في السوق كان عليها أن تسحب قروضاً، فاذا كانت نسبة الربح ضئيلة فكتلة الربح تزداد مع زيادة حجم رأس المال المستثمر، إلا ان في ذلك خطورة عدم القدرة على تسديد الفوائد والديون وامكانية جر البنوك الى الافلاس هي الأخرى. الخيار الآخر لتعويض انخفاض الربح توظيف رأس المال في المضاربات المالية والتي لاتقل خطورة، ولا حاجة للقول ان إفلاس الشركات يعني جيشاً كبيراً من العاطلين عن العمل، استمر الاقتصاد في مناخ عدم الاستقرار هذا لسنوات حتى انفجرت الازمة الكبرى، فكان لابد للدولة أن تتدخل لانقاذ النظام بخطة تدعى العهد الجديد ،‏New Deal والتي تضمنت مشاريع كبرى لتعمير البنى التحتية كبناء السدود والجسور وخطوط النقل... الخ بهدف توظيف رؤوس الاموال وإنهاء البطالة ، هذا إضافة الى برامج إجتماعية لدعم ذوي الدخل المحدود ليس لغرض امتصاص الغضب الشعبي فحسب ، بل لتنشيط الاستهلاك بزيادة القدرة الشرائية و تزييت عجلة السوق لانعاش الاقتصاد، ويجب ان لا ننسى العامل السياسي آنذاك، فقد كان السباق قائماً مع الاتحاد السوفيتي لاثبات عناية النظام الرأسمالي بالعامة وليس الاغنياء فقط، بالعودة الى المنحنى نلاحظ أن خطة العهد الجديد قد نجحت في اعادة نسبة الربح الاستثماري إلى 36 % عام 1947 واستمرت ضمن المعدل 30 % حتى عام 1965 (الفترة المسماة بالعهد الذهبي). عام 1965 بدأت نسبة الربح بالانخفاض لنشهد أزمة السبعينات، حين وصلت نسبة الربح الى حد أدنى بداية الثمانينات تدخلت الدولة بقوانين الليبرالية الجديدة أو ما يسمى ثورة ريغان-تاتشر التي أطلقت العنان للحركة الحرة لرأس المال وإلغاء الضوابط المقيدة له وخصخصة ما بقي من ممتلكات الدولة والتقليص من البرامج الاجتماعية وشن حرباً ضد نقابات العمال. . . الخ، وكما هو واضح فان معالجة الليبراليين الجدد للأزمة لم تحقق النجاح الذي حققته خطة روزفلت (العهد الجديد) وإن النمو الاقتصادي كان بطيئاً جداً، ولم ترتفع نسبة الربح إلى معدلاتها السابقة بل لم تبلغ 20 % .