التعايش السلمي في المجتمع: هل هو شعور فطري أم ثقافة مجتمعية؟


المحرر موضوع: التعايش السلمي في المجتمع: هل هو شعور فطري أم ثقافة مجتمعية؟  (زيارة 286 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سالم إيليا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 223
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
التعايش السلمي في المجتمع: هل هو شعور فطري أم ثقافة مجتمعية؟
بقلم: سالم إيليا
إنعقد في بغداد مؤتمر للتعايش السلمي للمجتمع في الثالث من نيسان الجاري برعاية كلية الإعلام من أساتذة وطلبة تحت شعار "المؤتمر العلمي لدور الإعلام في التعايش السلمي".
حضرَ المؤتمر نخبة من الأكاديميين والمسؤولين السياسيين يتقدمهم المتحدث الإعلامي الرسمي لمكتب رئيس الوزراء سعد الحديثي ونخبة من الإعلاميين لتغطية فعالياته.
وقد توصل المؤتمرون بعد مناقشات ودراسات مستفيضة على أن: "التعايش السلمي هو شعور فطري بين مكونات المجتمع "!!!، هذا ما ذكرهُ عن لسان المؤتمرين مراسلي الفضائيات التي غطت المؤتمر!!!.
و"الفطرة" بجوهرها ومفهومها العام تعني: "الْخِلقة التي يكون عليها كل موجود أوّلَ خَلْقِهِ"، أي أنّ المولود الإنساني يكتسب صفاته الإنسانية الإيجابية والسلبية من طبيعته الإنسانية التي خصّه الخالق بها.
ففي أعماق المولود الإنساني المتضاددات من الصفات، لكن عدم إكتمال النضوج العقلي والفكري المرتبط بعدم إكتمال النضوج الفيزيائي/الفسيولوجي للأعضاء البشرية للطفل ومنها المخ مركز السيطرة العقلية والفكرية في جسم الإنسان تجعل الطفل وبسبب ضعفه البدني أيضاً مسيّر ومستعد للإنقياد اللاشعوري الى ما يُملأ عليه من حواضنه وغالباً ما يكون البيت المتمثل بالأم والأب في المقدمة منها ثم يليهما البيئة والمدرسة بعد التدرج العمري والنضوج البدني.       
وصحيح أنّ الطفل يحمل صفة البراءة وكل الصفات الإنسانية السليمة والسلمية في ساعة ولادته، لكنه أيضاً لديه الإستعداد لتغيير هذه الصفات مع نموه كلما تقدم به العمر لتتحدد صفاته وتتوضح أكثر إعتماداً على نوعية بيئة منشأه وهنا يكمن بيت القصيد!!، أي أنّ ما كان عليه الطفل ساعة ولادته من صفات قابلة للتغير حسب طبيعة ومكان وزمان نشأته.
وبعد ما ذكرته من توضيح وتفسير للمعنى الجوهري لمفهوم "الفطرة" التي يولد عليها الإنسان، فإني أتسائل: هل أنّ التعايش السلمي هو شعور فطري أم ثقافة مجتمعية تبدأ من أصغر وحدة إجتماعية ألا وهي العائلة برأس هرمها المتمثل بالأب والأم وحيث تعتمد على مقدار ثقافتهما ومقدرتهما على زرع بذور السلم الأهلي والمجتمعي وتقبّل الآخر وأهميته في فكر أبنائهما والمجتمع ككل على حدٍ سواء؟؟؟، هذا إذا كانا أساساً مقتنعان تماماً بضرورة العيش السلمي في المجتمع ولديهما الثقافة الكافية لنقلها الى أبنائهما والمرتبطة بمقدار النسبة المئوية لثقافة مجتمعهما بشكلٍ عامٍ!!، وهذه الثقافة يجب أن تكون مدعومة بالقوانين المشرّعة من أعلى السلطات التشريعية والمنبثقة من دستور وطني في بلد مثل العراق متعدد الأديان والمذاهب والأعراق لتعطيه القوة التنفيذية في حالة تجاوز بعض أفراد المجتمع للخطوط الحمراء لشرخ السلم المجتمعي.
وسأعطي مثالاً حياً على ذلك: ففي نفس يوم إنعقاد هذا المؤتمر في بغداد جرى في جنوب لندن عاصمة إنكلترا إعتداءً عنصرياً في منتصف الليل على مراهق مهاجر لم يتجاوز السابعة عشر من عمره بالقرب من إحدى الحانات، وحيثُ تبين من أنّ المُعتدى عليه كردي إيراني وإنّ المعتدين مجموعة من المتطرفين الشباب الإنكليز الذين تتراوح أعمارهم ما بين العشرين الى أربع وعشرين سنة، فتحركت الشرطة بسرعة والقت القبض على مجموعة تقدّر بثمانية عشر متطرفاً، ولا تزال التحقيقات والملاحقات جارية للقبض على ما تبقى منهم!!، ووجهت اليهم الشرطة حال القبض عليهم تهمة الإعتداء العنصري على لاجيء/مهاجر قد تلحقها بتهمة أخرى وهي القتل الغير متعمد كون إنّ الضحية في وضع قلق وغير مستقر، وقد لاقى هذا الإجراء القانوني الحكومي المتمثل بالسلطة التنفيذية من الشرطة التأييد الشعبي الواضح في الشارع الإنكليزي!!.
طرحتُ هذا المثال الحي لسببين: أولهما، على الرغم مما قد يبدو من أنّ هنالك تغيّر سلبي ونسبي في نظرة المجتمع الغربي تجاه المهاجرين بشكلٍ عام والقادمين منهم من دول معينة بوجهٍ خاص بسبب إستغلال العناصر الإرهابية المتطرفة لموجات النزوح الى تلك البلدان والتخفي بين اللاجئين الأبرياء للدخول في دول اللجوء والقيام بأعمال إرهابية مشينة بطريقة تنفيذها ووحشيتها وإختيارها لضحاياها من المدنيين دون إستثناء والتي ذهب ضحيتها العشرات لابل المئات من الأبرياء المدنيين مما ولّد حالة من الغضب الشعبي في الشارع الغربي، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يثني الجهات التنفيذية المؤيَدة بإجراءاتها شعبياً من تطبيق القانون الجنائي بحق من يعتدي على اللاجئين أو المهاجرين الأجانب دون وجه حق وبدوافع عنصرية!!.
وثاني السببين: على الرغم من أنّ المُعتدى عليه لم يمضي على وصوله الى لندن ربما أشهر أو سنوات وربما لم يتمتع بعد بكامل حقوق المواطنة، إلاّ أنّ القانون يحميه بشكلٍ كاملٍ من أي إعتداء لفظي أو فعلي ويقف الى جانبه أمام القضاء!!.   
ولو قارنا بين ما حدث في لندن وما يحدث في العراق من إعتداءات على مكونات عراقية أصيلة يقف القانون فيها عاجزاً عن حمايتها أو الدفاع عنها أو ردع المعتدين المسببين لها لوجدنا من أنّ الخلل الأساسي يكمن في إتجاهين: الأول، عدم وجود قوانين حقيقية لحماية المواطن العراقي بغض النظر عن عرقه أو دينه أو مذهبه!!، لا بل على العكس من هذا فإنّ الدستور الحالي الذي يُعتبر المصدر الأساسي لتشريع القوانين يشجع على الطائفية وبث التفرقة العنصرية بكل أشكالها!!، كما يشجع على تقاسم النفوذ والسلطة على أساس طائفي!!، ويفرد مواد خاصة على أحقية المكوّن الأكثر دينياً وقومياً عن غيره من المكونات!!، وحيثُ يمتاز بميزة لا يوجد مثيلها في دساتير كل بلدان العالم المتطورة والمتخلفة على حدٍ سواء وهي تناقض مواده مع بعضها البعض مما يولّد الضبابية وسوء الفهم في تنفيذها!!، فالمادة (2)/أولاً/ الفقرة (أ) من الباب الأول تتعارض تماماً مع الفقرة (ب) و (ج) من نفس المادة، كذلك فإنّ الشطر الأول يعارض الشطر الثاني من المادة (2)/ثانياً، والمادة (7) من الباب الأول تتناقض مع واقع الحال تماماً والمباركة من أعضاء الحكومة بمختلف إنتماءاتهم ـ ـ وهكذا!!!.
أما الإتجاه الثاني في المقارنة بين ما حدث في لندن وما يحدث في العراق، فهو يخص مقدار تجذر الثقافة المجتمعية السلمية النوعية لدعم القوانين التي تحد من ظاهرة التطرف الطائفي بكل أشكاله، وإصطفاف أغلب مواطنوا المجتمع الإنكليزي خلف الجهات التنفيذية لوقف العنف العنصري وتداعياته بغض النظر عن تأثر المجتمع بحوادث إرهابية فردية لتغيير قناعاتهم وثقافاتهم المجتمعية السلمية وإستمرار التعايش السلمي الإنساني المبني على أساس إحترام الحقوق والممارسات والإنتماءات أو القناعات الشخصية ما لم تؤثر على حقوق الآخرين. 
ولهذا نجد من إنّ المغتربين في الدول الغربية (دول أوربا وأمريكا الشمالية وإستراليا ونيوزلندة) خائفون من أن تتحول ثقافة هذه المجتمعات السلمية التعايشية الى ثقافة عنصرية بسبب الأعمال الإرهابية التي تحدث في بلدانهم، وحيثُ قد تترك أثرها النفسي العميق بين أفراد مجتمعاتهم على الرغم من وجود دراسات حقيقية وقوانين صارمة تقف بوجه أي توجه عكسي في هذا الخصوص لتحويل هذه المجتمعات الى ساحات للصراعات الطائفية.
وهنا لا بد من التوقف عند ظاهرة مهمة وجديرة بالإنتباه والمراقبة ربما لم يعِ المغتربون اليها بشكلٍ عام دون أن أعني دين أو مذهب أو قومية بذاتهم، وإنما يمكن ملاحظتها عند الكثير من المهاجرين بشكلٍ عامٍ، وهذه الظاهرة ربما سيكون البعض منهم سبباً في ظهورها وإستفحالها نتيجة سعيهم الى تلقين تراثهم المجتمعي الذي فرّوا منه في بلدانهم الى أبنائهم وليعودوا الى تطبيقه في مهاجرهم من حيثُ يعلمون أو لا يعلمون!!، وقد عاد البعض منهم لممارسته وإنعاشه بين أفراد عوائلهم في المهجر إعتقاداً منهم لضرورة تحصين أبنائهم من المجتمع الجديد المنفتح بحريته الشبه مطلقة خاصة في مجال الحرية الشخصية، وأعني بها بشكل أوسع تشجيع أبنائهم على الإنغلاق وعدم الإنفتاح على المجتمع الجديد بطريقة عقلانية ومدروسة، وحثّهم على التمسك بالتراث الديني الى أقصاه الغير قابل للنقاش!!، وحيثُ سيكونوا هم السبب الرئيسي لتأسيس ثقافات أحادية متطرفة أو بأحسن الأحوال ثقافات منغلقة قابلة الى تقبل أي فكرٍ متطرفٍ، فتمسكهم المنغلق والرافض للإنفتاح العقلاني المقبول على مجتمعاتهم الجديدة دون التأثير على جوهر إيمانهم الحقيقي الروحي أو التراثي المعتدل سيودي دون أدنى شك الى خلق أجيال مهيأة للتغيير السلبي مما سيؤدي الى تكوين حواضن لمجتمعات مبتلية بأمراض التعصبية الفكرية بنواحيها الدينية أو المذهبية أو العرقية، وخوف المغتربين من تغير نظرة دول المهجر عليهم يقابله تخوف من نوع آخر لمواطني تلك البلدان من نقل المهاجرين لمشاكلهم الإجتماعية الى مجتمعاتهم المتميزة بالتطور الفكري والإنساني.
 والمشكلة الكبيرة في هذا الأمر هي عدم إدراك المهاجرين الذين يسلكون هذا التوجه لخطورة فعلهم ومدى ضررهم مستقبلاً على أبنائهم، وحيثُ سيقعون في نفس الخطأ الذي أجبرهم على الهجرة من بلدانهم الأصلية، وبكل تأكيد سيكون تأثير هذا التوجه السلبي واضح بسبب تباين الثقافة والمعرفة والخلفية المجتمعية الجغرافية بين المهاجرين أنفسهم الذين هاجروا من كلّ حدبٍ وصوب من قارات العالم الى بلدان اللجوء أو الهجرة المتميزة بأنظمتها.
وظاهرة نقل الكثير من المهاجرين الى بلدان المهجر التي لجئوا اليها لموروثهم التي ورثوه من تراكمات الثقافة الإحادية في مجتمعاتهم لقوميتهم أو دينهم أو طائفتهم والتي نطلق عليها في مراحلها المتقدمة بـ "التعصب" وإنغلاقهم عليها في بلدان اللجوء أو المهجر كرد فعل على تخوفهم من فقدان هويتهم، لا بل يحاول الكثير منهم تعزيز هذا التعصب وزيادته في أبنائهم وإجبارهم على ممارسة طقوسهم الدينية والإجتماعية بأعلى مستوياتها التي لم يكونوا يفعلونها في بلدانهم الأصلية قناعة منهم في حصانتهم وحمايتهم من المجتمعات المنفتحة المتجاوزة لتقاليدهم المجتمعية والدينية التي نشأوا عليها في أوطانهم، وحيثُ تناسوا من أنّ سبب لجوئهم أو هجرتهم الى تلك البلدان هو للهروب من نفس الثقافة وتداعياتها التي يحاولون غرسها من جديد في عقول أبنائهم في المجتمعات الجديدة الخالية منها بأنظمتها العلمانية، وهذه الأزدواجية هي التي دمرت بلدانهم الأصلية وستدمر حتماً مجتمعاتهم الجديدة.
وهذا التصرف من بعض اللاجئين أو المهاجرين بشكلٍ عامٍ لا يشمل شريحة قومية أو دينية محددة منهم وإنما يشمل الجميع دون إستثناء، ولأنهم ببساطة لم يأتوا من بلدان تتمتع بأنظمة سياسية أو مجتمعية منفتحة ومتعايشة سلميا،ً وإلاّ لما كانوا قد قرروا ركوب المخاطر لمغادرة أوطانهم وأحبائهم والتغرّب عن بيئتهم.
وأعتقد من يقرأ هذه السطور من المغتربين سيوافقني على ما طرحته وبأمثلة كثيرة لديهم وليس مثل واحد أما عن نفسه أو محيطه من المهاجرين الذين يعلم علم اليقين بأنهم كانوا أكثر إنفتاحاً في بلدانهم الأصلية، لكنهم عندما هاجروا الى هذه البلدان إنغلقوا على أنفسهم حماية لأبنائهم وعوائلهم وحسب إعتقادهم، وحيثُ نرجوا جميعنا أن لا تتحول بلدان المهجر بعد عقود من الزمن الى ساحات صراع قومية أو دينية أو طائفية بين المهاجرين أنفسهم والتي بدأت بوادرها بالظهور في مناطق معينة في تلك البلدان التي يسيطر عليها المهاجرون جغرافياً بحكم معيشتهم فيها بكثافة سكانية عالية قابلها تواجد آخرين من نفس موطنهم الأصلي أو من أوطان مختلفة في أماكن أخرى قريبة منهم لكنهم يختلفون معهم أما قومياً أو دينياً أو مذهبياً فبدأت من جديد بوادر الصراع الذي هربوا منه في بلدانهم، لكن هذه المرّة في أماكن إستيطانهم الجديدة، وحيثُ ذهبوا اليها آمنين طلباً للسلام لكنهم عادوا لبلورة صراعاتهم الفكرية فيها من جديد، وقد بدأوا بتكوين كيانات طائفية على غرار كياناتهم في مواطنهم الأصلية بسلبياتها التي دمرت مجتمعاتهم التي هربوا منها!!. 
إذاً الحل الذي بإستطاعته إيقاف هذا التناحر هو تقبل الثقافة السلمية للمجتمعات التي هاجروا اليها طوعاً ودعمها طلباً للإستقرار السلمي الإنساني دون فقدانهم بالضرورة للهويتهم الشخصية، والإستفادة القصوى مما وفرته لهم بلدان اللجوء والهجرة بأنظمتها العلمية الحديثة وإمكانياتها المادية الضخمة ونظامها التكافلي المجتمعي بكل تفاصيله للعيش في حياة خالية من الصراعات الفكرية وحروبها ومآسيها.