قطرات من الندى يوميات مؤنفل


المحرر موضوع: قطرات من الندى يوميات مؤنفل  (زيارة 298 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شيرزاد زين العابدين

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 18
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قطرات من الندى
يوميات مؤنفل
في بداية السبعينيات من القرن المنصرم كانت هذه الفكرة تدور في خلدي إذا ما رزقت بطفل سأسميه  (سیپان) تيمناً بالجبل المشهور قرب بحيرة ومدينة (وان) وخاصةً أن جدتي من طرف الوالدة هي من أهالي تلك المنطقة ونزحوا منها عندما كانت طفلة وألتجأوا إلى جنوب كوردستان ولكنها كانت تتذكر الكثير حول تلك المنطقة وكانت تحكي لنا عن جمال الطبيعة وعن قصة (خه‌ج و سيابه‌ند) حيث دارت أحداثها عند هذا الجبل وبمجرد ذكر كلمة (سیپان) تتهافت في الذاكرة كل مفردات الجمال ، الطبيعة ، الحب ، الوفاء ، الثلج ، الزهور وبإختصار كوردستان جنة الله على الأرض. 
تحققت لي هذه الأُمنية في ١٨/٧/١٩٧٩ ولكن في ذلك الوقت لم يدور في خلدي يوماً بأنه لو رزقت بطفلة سأسميها (کۆڤان) والتي تعني الآهات والحسرات وكل ما يتعلق بالتشاؤم. 
في بداية الثمانينات غطت غيوم داكنة سماء المنطقة فبدأت قادسية العار والشنار لأبن العوجة المقبور والتي لم يكن لشعوب المنطقة فيها ناقة ولا جمل سوى أن أصبحوا رماداً لرحى الحرب المجنونة تلبية لأجندة خارجية فراح ضحيتها الألوف المؤلفة لرغبات طاغية مصاب بجنون العظمة ومستهتراً بكل القيم البشرية ، وفي هذه الظروف رزقنا الله بطفلة سميناها (کۆڤان) ومنذ اللحظة الأولى قررت بأن لا أكون وقوداً لحرب الطاغية هدام العراق فعندما أستدعيت لخدمة الأحتياط لم أستجب للنداء بطبيعة الحال على الرغم من أن عقوبة التخلف أو الهروب كانت الأعدام. 
بقيت في القرية مع الهاربين والمتخلفين من إداء الخدمة لهدام العراق ولا أقول من الخدمة العسكرية.   
فقمنا بتنظيم أنفسنا ونقوم بالحراسة ليلاً حيث كنا نجتمع في مسجد القرية وكان لدينا جدول للحراسة داخل القرية ودورية  في أطراف القرية وهكذا كانت حال كل القرى في المناطق المحررة أو الخارجة عن سلطة النظام العفلقي  ولهذه القوات  ( به‌رگری مللی) كان لها دور كبير لمساندة قوات الپێشمه‌رگه‌  أولاً بأقامة الحراسة ليلاً فمثلاً نحن في قرية چه‌م سيدا  كنا في الخطوط الأمامية وخلفنا المقرات الثلاث للأحزاب المعارضة أي أن أي هجوم من الشارع العام سيصل لقريتنا أولاً فيتم على الأقل إشعارالپێشمه‌رگه‌ وكذلك من مهام  ( به‌رگری مللی) مساندة الپێشمه‌رگه‌  في الحالات الطارئة سواء في القتال أو نقل المؤن أو الجرحى وعلى سبيل المثال لا الحصر إثناء ملحمة  (کانی ماسێ) كان ل ( به‌رگری مللی)  دور مهم حيث ألقوا القبض على الكثير من قوات النظام ومن بينهم مستشارإحدى الأفواج الخفيفة (المرتزقة) حيث أستلمت منهم قوات إحدى الأحزاب الكوردية المستشار ثم أطلقوا سراحه مقابل مبلغ من المال. 
في أحد الأيام وصلنا خبر بأنه سيتم هجوم لقوة خاصة الليلة المقبلة على المنطقة فقمنا بتنظيم أنفسنا لمواجهة الخطر المحتمل وفي المساء تجمعنا كل المسلحين والرافضين للقادسية وتوجهنا إلى المنطقة والتي من المحتمل أن يمروا بها وأخذنا مواقعنا وكنا في مواقع حصينة مشرفة على الطريق وبقينا حتى الصباح نستكشف المنطقة بواسطة المناظير (على ما يبدو كانت إحدى الأخباريات الكاذبة ) بدأ الجبل يستيقظ شيئاً فشيئاً من غفوته ، زقزقة العصافير والبلابل تمزق سكون الليل كانت هناك حبيبات من الندى معلقة بخيوط العنكبوت وعندما ضربت خيوط الشمس تلك الحبيبات أنعكست منها كل ألوان القوس والقزح ولم تلبث طويلاً فأختفت قطرة بعد قطرة وبدأ كل شيء على ما يرام فقررنا العودة وتوجهنا للقرية . 
وعند إقترابي من البيت قالت لي سيدة وبدون مقدمات الآن جاء دور الذهاب إلى المقبرة . 
بعد ليلةٍ قضيناها في البرد والترقب بعد أن أخذ منا العناء والظمأ والجوع كل مأخذ فتثاقلت قدمايّ ، ياترى ماذا حدث ؟
وعندما دخلت المنزل وفتحت الباب رأيت أبنتي (کۆڤان) في وسط المنزل شاحبة اللون كانت قد صارعت المرض طوال الليل دون دواء ولا طبيب وبعدما منحتنا كل عطرها وجمالها أختفت كقطرات الندى والتي لم تصمد أمام حرارة الشمس ولبست ثوباً من النور وصعدت روحها إلى السماء.

شيرزاد زين العابدين