تقنية السرد التصويرية في رواية "الكائن الظل" لإسماعيل فهد إسماعيل


المحرر موضوع: تقنية السرد التصويرية في رواية "الكائن الظل" لإسماعيل فهد إسماعيل  (زيارة 127 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نجاة تميم

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 22
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تقنية السرد التصويرية في رواية "الكائن الظل"
لإسماعيل فهد إسماعيل
                         
نجاة تميم
      أخذه التفكير إلى حد الهلوسة. فبدأ، قبل قاب شهرين، من موعد مناقشة رسالته الجامعية، يسمع أصواتا داخل غرفته. وفي أحد الليالي، ظهر أمامه حمدون بن حمدي من العصر العباسي. حينها، رن جرس التلفون. فأشار له الضيف بأن لا يخبر زميله بوجوده. فأعاد الطالب السماعة إلى مكانها.
  هكذا بدأت رحلة الطالب مع ابن حمدي الذي عرض عليه المساعدة. لكن مقابل ذلك يريده أن يزوجه من حبيبته "فتنة". رحلة، اعتمد فيها الروائي إسماعيل فهد إسماعيل المشاهد السينمائية وأخذنا بذلك إلى عالم يتأرجح بين الحقيقة والخيال. فنسجها من ثمانية مشاهد سينمائية تحبس الانفاس، تارة يكون الطالب هو عين الكاميرا وتارة أخرى المشاهد أو ممثل البطولة بامتياز.
    يبدأ المشهد الأول عندما ينفرج جدار الغرفة برفوف كتبه لكي يكون الطالب أشبه بعين كاميرا محمولة، شاهدا على صراخ وصيحات الجرحى، وحشود من الناس تقاتل بعضها البعض. فزع الطالب لكن ابن حمدي نهره قائلا : "تجلد! فأنت في أمان ما زلت خارج الزمان!" ص 26 إنها وقعة "صالح" لحسم الخلافة بين الأمين والمأمون. وقد بدى الدمار والخراب على مدينة بغداد. حرب دارت أربعة شهر؛ حوصر خلالها الأمين وسكان مدينته من قبل قائد جيش المأمون طاهر بن الحسين. تخلى عنه أعوانه ولم يهب لنصرته إلا عامة الناس ومن بينهم الشطار والعيارين الذين كان همهم مساعدة فقراء يعانون من التفاوت الطبقي والاقتصادي.
   في المشهد الثاني، رجل كهل يبحث عن مخبأ هروبا من بطش المأمون. إنه شقيق هارون الرشيد، إبراهيم بن المهدي. أخيرا انفتحت له إحدى الأبواب. فرحت زوجة صاحب البيت لأن هذا الأخير لن يحتاج بعد الآن إلى امتهان السرقة. ستسلم الشيخ مقابل جائزة ثمن رأسه. لكن الزوج نهرها، لأن أخلاق مهنته لا تسمح له بذلك. فرحب بالشيخ ووعده الأخير بغدق اضعاف ما حدده المأمون ثمن رأسه. أجابه صاحب البيت أن حال سياف الرشيد مع معن بن زيادة ليس بأفضل من حاله معه. وجعله ينجو بنفسه  من مخرج خفي ببيته. ينتهي المشهد وتعود الرفوف إلى مكانها على الجدار. لكن الطالب كان متشوقا لمعرفة القصد من "الإحالة قصد المشابهة".
  فصوب ابن حمدي أصبعه، في مشهد ثالث، نحو الجدار لتتلاشى رفوف الكتب ويجد الطالب نفسه في مكان يحاذي نهرا عظيما: الفرات. ويلمح رجلا وهو يغادر أحد الدور. إنه معن بن زائدة الذي يلتقي صدفة سياف الرشيد المغضوب عليه "سرور" والذي أصبح من قطاع الطرق. كان معن معروفا بكرمه لكن سرور كان هذه المرة أكرم منه بحيث وهبه حياته ولم يقتله.
   سأل الطالب ابن حمدي عن المغزى. فأجابه بأن " اللصوصية بعيدا عن زمانكم – قرين الحرية". ص 40 وأن الشطار آنذاك " كانوا أعداء يعتد بهم حكامهم". وأن " الأمر الفاصل عند اللصوص آنذاك – ميثاق الشرف. أما أنا "ما خنت ولا كذبت منذ تفتيْت." ص 46 فبسط إحدى كفيه فوق سطح الطاولة ليظهر أمام عيني الطالب كراسا بعنوان: "لزوميات الانضباط من تعاليم عثمان الخياط". وهذا المصدر النادر يتوارثه الشطار والعيارون وهو شريعة اللصوص ومرجعهم الأخلاقي.
   ذكّر ابن حمدي الطالب بوعده بتزويجه من "فتنة". فانفتح المشهد الرابع على صحن بيت فسيح. وجعله يشهد على لقائهما الأخير. حيث أعلمها أن قائد الجيش، ابن شيرزاد، يريد مقابلته. فأبدت قلقها من ذلك. وعند احتضانهما لبعضهما تلاشى المشهد. اغتنم الطالب الفرصة لتدوين معلومات من المخطوطات الأثيرية، وبينما هو منهمك، غمر فجأة ضوء نهاري غرفته وتراءى له ابن حمدي وهو يغادر بيت فتنة وهي متعلقة به. طلب منها كوب ماء واستغل الفرصة ليضع خاتمه في ثغرة الجدار وذلك ليدل الطالب، في هذا المشهد الخامس، على بيت فتنة. يظهر ابن حمدي امام الطالب تاركا مكونات المشهد كما هي. فانتقل به إلى مشهد آخر ليعرفه على الطريق المؤدي إلى بيت فتنة. فكان الطالب أشبه بعدسة كاميرا محمولة تنقل حركة بانوراميا دائرية كاملة.
  أما المشهد السابع فقد انفتح على منظر غروب الشمس الساحر وطبيعة خلابة. وفي وسط هذه الأشجار يتراءى خان على مشارف خراسان، بداخله رجل هزيل القامة يعاني سكرات الموت. إنه مالك بن الريب، أشعر شعراء اللصوص وأشهرهم. قطع عهدا لسعيد بن عثمان لكي يكف عن هذه المهنة، لكن رغم الضيم والظلم الذي أصابه بعدها، ظل وفيا ولم يخلف وعده. مالك، "الذي احترف لصوصية الغزو لا لسبب الحاجة وإنما لإرضاء نزعة." ص 85
   لقد حان تنفيذ الوعد. قرأ حمدون الصيغة القانونية: "أنا حمدون بن حمدي، وكلتك عن نفسي شرعا لكي تزوجني فتنة بن طاهر." ص 103 وأمره : "أكتب!" ثم استلقى على سرير الطالب ليأخذ قسطا من الراحة.
   خلال انغماره كليا في النقل، أحس بأنه محبوس في داخل انسان ثان يطل من خلال عينيه على ما حوله. "رأتني – والآخر يمشيني مثقلا بسلاسل حديدية" تكبل قدميه وسط ساحة غاصة بحشود غاضبة ومحتجة على الغدر بابن حمدي.
   لكنه سرعان ما تذكر غرفته، مكتبته، بحثه، مراجعه. حاول أن يستجمع قواه ويتخلص من حبسه لكن جلدا أطبق عليه وسمع صوت ابن حمدي: "تجلد"! ارتقيا سلم المنصة بصعوبة وهدّأ ابن حمدي من روع الطالب لأنه مجرد ظل وأن الظل لا يُقتل. وحالما يتم توسيطه تحت المقصلة ويلفظ آخر أنفاسه يجد الطالب نفسه حرا وخارج جسم ابن حمدي. آنذاك يجب أن يهرع لكي يزوجه فتنة. نبهه: "أما إذا تأخرت، فإن روحي سترحل حسب ميقاتها إلى البرزخ، وسيبقى ظلك تائها في سديم هذا العصر." ص 113 وقبل أن يلفظ ابن حمدي أنفاسه، ردد جملة مسموعة للكافة: "أتمنى أن لا يختلط حابل الحكام بنابل الحرامية وتضيع العامة." ص 114 
   فما أن وجد الطالب نفسه حرا، في المشهد الثامن والأخير، حتى هرع إلى بيت فتنة فوجدها وقارورة السم في يدها. تفضل الانتحار حتى لا تتزوج ابن شيرزاد. أراها الخاتم وبذلك أكمل الجزء الأول من المهمة فما عليه إلا أن يعود إلى الساحة ليحتضن الجزء الحامل لرأس حمدون ويتم بذلك تزويجه من فتنة.
   رن جرس التلفون. يبدو أن الطالب كان غاطا في نوم عميق. أحس بصعوبة التنفس. واكتشف بأنه كان نائما على وجهه، واضعا وسادة تحث بطنه تماما كما استلقى ابن حمدي على سريره.
   أصابته الحيرة. اختلط الخيال بالواقع، الحلم باليقظة والتفت إلى رفوف مكتبته. لم ير شيئا. لكن رنين جرس التلفون يتوالى. فاجأه صوت زميله الذي يسأله عن سبب اغلاق السماعة دون الرد. استغرب الطالب أنه فعل ذلك قبل ثوان. تذكر جرس التلفون قبل هذه المرة وكأنه حدث في زمن ماض بعيد، وأن عقارب الساعة حيث هي لما ظهر ابن حمدي. فآوى إلى فراشه. فصباح الغد موعد مناقشة رسالته الجامعية.