خطوة إلى الوراء .. خطوتان بذات الاتجاه، فإلى أين يراد بالعراق؟


المحرر موضوع: خطوة إلى الوراء .. خطوتان بذات الاتجاه، فإلى أين يراد بالعراق؟  (زيارة 235 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 957
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
خطوة إلى الوراء .. خطوتان بذات الاتجاه، فإلى أين يراد بالعراق؟

من يتابع الوضع في دولة العراق منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة على أيدي الغزاة والمحتلين الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم وقيام النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية والأثنية المذلة للشعب ومبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، دع عنك تلك المآسي والحروب والحياة العجفاء التي عاشها العراق قبل ذاك وفي ظل نظام البعث الإجرامي، يدرك في أي دولة هشة أو شبه دولة يعيش المجتمع العراقي، ويدرك العواقب المريرة التي عانى منها وما يزال في ظل حكام الصدفة والأوضاع الرديئة التي جاءت بهم إلى السلطة بحيث أصبحت الدولة العراقية دولة لصوص بالمعنى الدقيق للكلمة، دولة تكاد تحترق أو تغرق فليأخذ من هو قادر على أخذ ما يستطيع منها كل ما فيها قبل نهاية الدولة المفجعة. هكذا فكر ويفكر، وهكذا عمل ويعمل من كان وما يزال يحمل فكراً رثاً وعقلاً مفرغاً من أي مضمون وضمير. حكامه لا غيرهم سلموا العراق للحرامية، لأنفسهم وغيرهم، للإرهاب المسلح الداخلي والإقليمي والدولي، للمليشيات الطائفية المسلحة التي أذلت الشعب ودفعته إلى الاستكانة والرضوخ، وإلى التنظيمات الإرهابية الأخرى التي قتلت وسلخت جلود البشر ونهبت خيراته وقوت الشعب ثم احتلت جزءاً عزيزاً منه، إذ ما تزال القوات المسلحة العراقية والپيشمرگة والمتطوعون يناضلون بإصرار من أجل استعادة الأرض الطيبة المحتلة وتحريرها ويحققون نجاحات عسكرية مهمة وبتضحيات كبيرة وغالية.
وفي الجانب السياسي نتابع ممارسة القوى المشاركة في حكم البلاد كل السبل التي لا تقضي على الفكر والنهج العدواني للقوى الإرهابية بسياساتها فحسب، بل وتساهم في بقاء هذا الفكر المماثل لها على أرض العراق ليعود بصيغ أخرى إلى واجهة الأحداث بالعراق.
دولة العراق، وليس السلطة التنفيذية وحدها، بل البناء الفوقي العراقي في أغلبه، بدلاً من أن تخطو خطوات إلى الأمام، والعراق بحاجة ماسة لها، يخطو خطوة إلى الوراء ثم تتبعه خطوات أخرى بذات الاتجاه القاتل، خطوات أخرى وأخرى إلى الوراء. وهي الكارثة الراهنة التي يقدمها لنا مجلس النواب العراقي الذي يحق لنا أن نردد قول الشاعر الرصافي:
علم ودستور ومجلس أمةٍ                  كل عن المعنى الصحيح محرف
مجلس يفرض قانوناً للانتخابات ليس هناك أسوأ منه، وقانوناً عن حرية التعبير ليس هناك اردأ منه في تغييب الحريات والدوس على حقوق الإنسان وحرية التعبير، ومفوضية مستقلة للانتخابات ليست مستقلة، بل هي قائمة على المحاصصة الطائفية المذلة ويصر على بقائها بهذه التشكيلة الطائفية والأثنية السيئة. ونسبة عالية من أعضاء مجلس النواب لا يحق لهم دستورياً الجلوس في مقاعدهم، والعودة إلى ما كانوا يملكون قبل إجلاسهم على مقاعد المجلس وبعده، سيدرك الشعب حجم المبالغ المسروقة من خزينة الدول بحيل شرعية ونهب فعلي.
والاقتصاد العراقي مخرب تماماً منذ اللحظة الأولى لتسلم العراق من جانب حكام الصدفة في العام 2003، بدأت عملية زيادة التخريب بدلاً من إعادة التعمير، وسُرقت أموال تقدر وتتراوح بين 250-400 أو 500 مليار دولار أمريكي، وليس هناك من حسيب أو رقيب، حتى ازداد عدد الدور والعمارات والحسابات المصرفية لهم ولأكثر الوزراء وقادة الأحزاب الإسلامية السياسية السنية منها والشيعية في الداخل والخارج والبعض الآخر أيضاً. فليس هناك من عملية إنتاج فعلية بالبلاد، فبلادنا ريعية استهلاكية لا غير، إذ ليس هناك في مفهوم هؤلاء الحكام ما يمكن أن يطلق عليه بالاستثمار الإنتاجي لتنمية الصناعة والزراعة بالبلاد. الفئات الهامشية والعاطلة عن العمل في تنامي، في مقابل قلة قليلة من مالكي الملايين والمليارات. خصصت مبالغ هائلة لمشاريع اقتصادية وخدمية، وإذا بأكثر من 95% منها وهمية، فذهبت الأموال أدراج الرياح ولم يبق منها ما يمكن أن ينفع البلاد. صرفت المليارات (40 مليار) بأمل إقامة مشاريع لإنتاج الطاقة الكهربائية وإذا الشعب نصف يومه أو أكثر بلا كهرباء. ولسان حال الشعب يقول:
ذهب الحمار بأم عمر فلا رجعت ولا رجع الحمار!
أينما تنظر تجد اليباب والخراب والرثاثة والفاقة والبطالة والنهب والسلب، فهل ملّ المجتمع من ذلك وهل سيتحرك ليكنس من كان وما زال السبب وراء هذه الحالة. الإجابة ما تزال غامضة، إذ المشكلة لا تكمن في الرغبات والإرادة وحدهما، بل بوعي الإنسان لواقعه ورفضه لهذا الواقع وسعيه لتغيير هذا الواقع. إنه الثلاثي الذي لا بد منه لتغيير الواقع القائم تغييراً فعلياً وجذرياً!
هناك تململ سليم ومتواصل وفاعل، إنه الحراك المدني الديمقراطي، هناك تململ في صفوف قوى شعبية متدينة ترى بوضوح نسبي ما جرى ويجري بالبلاد وتريد التغيير، ولكن لا تزال لم تجد الدرب المناسب لهذا التغيير، وقوى الحراك ما تزال في بداية الطريق وحركتها ما تزال بطيئة تستوجب التنشيط، ولكنها واعدة. الفكر السياسي المتخلف والرث ما يزال مؤثراً وفاعلاً بفعل مؤسسات وأحزاب وتنظيمات وشخصيات قائمة، داخلية وإقليمية ودولية، تمارس تزييف الوعي وتشويهه، وتمارس الإحباط وتزوير الوقائع والتاريخ، وتمارس الخداع وصرف جزء من الأموال المنهوبة أو القادمة من وراء الحدود وتوزيعها بصيغ مختلفة على الفقراء والبؤساء والمحرومين من الناس لشراء ذممهم دون وعي منهم بما يجري، من أجل إبقاء الجهل والوعي المزيف بالواقع المرير الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي. إنهم يحولون الأنظار عن واقع الناس بما يمارسونه من طقوس حزائنية وبكائية وتنظيم مسيرات مدمرة للصحة والنفس. لم يكن الشهيد الكبير الحسين بن علي بن ابي طالب يطرأ في باله أن يوماً سيأتي يلجأ فيها غشاشون ومخادعون ونهيبية وسراق عواطف وأموال يسعون إلى تأجيج العواطف وتوسيع اللطم والتطبير وضرب الزنجيل (السلاسل ذات النهايات الحادة) ليفرقوا الصفوف ويزيدوا الصراع والقتل على الهوية باسمه، باسم الحسين الشهيد وصحبه الكرام، وهو منهم بريء، كما فعل رئيس الوزراء السابق حين أكد على أن معركة الحسين وأنصاره ضد يزيد وأنصاره ما تزال قائمة!، ليجنوا المزيد من الأموال، من هؤلاء الفقراء المخلصين للحسين بن على وتراثه النضالي، وليبقوا في السلطة ليمارسوا ذات السياسات التي أذاقت الشعب مرَّ العذاب. إن هؤلاء يدفعون بالعراق إلى إقامة دولة ثيوقراطية مستبدة، وإيران نموذجهم الأعلى، ونحن جميعاً نعرف وأدرى بما يجري بإيران وما فيها من فساد وبؤس وفاقة وبطالة وحرمان ووعي مزيف ومشوه ومكاتب زواج متعة معتقة لأسباب عديدة، وهم من وافق على فتح أول مكتب لهم بالعراق ليدوسوا على كرامة المرأة من هذا الباب أيضاً! إنه درب الصدّ ما ردّ، وعلى الشعب وقواه الوطنية الحية والواعية منع ذلك!
إن الخلاص من هذا الوضع المزري لا يتم بالصلوات ولا بالدعوات ولا بالنداءات، بل بالعمل الواعي الكثيف والمستمر، ولاسيما مع الشباب والنساء، كمن يحفر في الصخر ويدرك ما يريد، من أجل رفع وعي الناس وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تغيير الأوضاع حين يأخذوا أمر التغيير في أيديهم، وحين يدركون بأن كسر القيود المعطلة للوعي والمحبطة للنضال من أجل التغيير لا يتم إلا بالعمل لإبعاد هذه القوى والعناصر، التي عطلت وعيهم وزيفته وزورت إرادتهم وسرقت رزقهم وشوهت حياتهم بشتى السبل، من قيادة الدولة بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية.
إن بشائر طيبة تلوح بالأفق، ولهذا ازداد ونشط تحرك هؤلاء الساسة، الدخلاء على السياسة، ليتهموا المدنيين والعلمانيين، ورئيس الجمهورية العراقية السابق والحالي، هما من العلمانيين الذين أعلنوا ذلك بأنفسهم وعلناً، وهما مقصودان بذلك أيضاً، بأنهم "حكموا البلاد 70 سنة ثم سلموا البلاد إلى الإرهاب"، أي تزوير للوقائع وأي تشويه للتاريخ أكثر من هذا الذي مارسه هذا "القائد المغوار!" والذي قال عنه أحد "فقهاء هذا الزمان!!" بأنه قائد إسلامي كبير!!!، ونسى إن "هذا!" هو المسؤول عن تسليم البلاد إلى الإرهابيين وليس العلمانيين والمدنيين الذين يناضلون اليوم للخلاص من هذه المأساة الدامية.
لنعمل من أجل لحمة القوى المدنية والعلمانية والديمقراطية والقومية الديمقراطية والمتدينة، التي ترفض ربط الدين بالدولة، وكل المستقلين الديمقراطيين الذين يرفضون الوضع الراهن ويسعون لتغييره، لنعمل مع التجمعات الشبابية في القشلة وساحة التحرير وشارع المتنبي، لنعمل في الأحياء الشعبية لنطرق أبواب الناس ونتحدث معهم، رغم كل الصعوبات التي ندرك وجودها، من أجل إقامة الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، ولنردد مع الشاعر العراقي طيب الذكر كاظم السماوي
وإذا تعانقت الشعوب (في العراق) فأي درب يسلكون!
وإذا تكاتفت الأكف (في العراق) فأي كف يقطعون!