ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق الجزء الثاني:


المحرر موضوع: ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق الجزء الثاني:  (زيارة 250 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 214
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2017

الجزء الثاني:
في فترة استعداد المكوّن الكردي للاستفتاء وما بعده، وجّه الشريك الكردي التشكياتِ واللّوم تجاه الحكومة المركزية متهما قيادتها الشيعية في بغداد بالتهميش. وبالرغم من ايماننا بعدم صحة مثل هذه الاتهامات جميعًا لاعتقادنا بتدليل القيادة الكردية ومحافظاتهم أكثر من سائر المحافظات، إلاّ أنّ ما ورد في بعضٍ منها من إشارات سلبية في سياق التكوين الوطنيّ، قد تكون أثرت في انفراط عقد تلك الشراكة في السنوات الأخيرة. ولستُ هنا بصدد التذكير بما كان قائمًا من تعهدات ومصالح ثنائية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب والمواطن بين الشريكين المتصارعين اليوم. ولكنّ الحقيقة والواقع، تضطرّ المواطن العاقل للاعتراف بما يُعدّ معقولاً ومقبولًا ضمن تلك الإشارات السلبية التي تركتها الحكومات الشيعية المتعاقبة لغاية 2014، ولاسيّما فيما يتعلّق بمحاولة أحزاب ومتنفذين من الشريك الشيعيّ الأساس، بتحويل البلاد إلى دولة دينية طائفية تستحوذ على الشارع وتسخّر جهود الدولة ومؤسساتها الهزيلة وجزء من ميزانيتها  للمناسبات الطائفية والدينية الخاصة على حساب المكوّنات الأخرى. وهذا يعدّه الكثير من المواطنين، وليس الكرد وحدهم، نوعًا من الاستفزاز والتفرّد في الشارع والسوق والدائرة. وبالرغم من تنامي الأفكار وتطوّر الرؤى وانقشاع الغيمة عن المضيّ بالتوجه الدينيّ المرفوض، إلاّ أنّ الحكومة والبرلمان والقضاء لم تتوفر فيهم الشجاعة الكافية لمغادرة هذه الفكرة إلى قطار اللاّعودة، بالرغم من الاعترافات الكثيرة بفشل التسويق الدينيّ، الصادرة في مناسبات عديدة من جانب الأحزاب الدينية والطائفية التي بدأت في الآونة الأخيرة بالتشظيّ والانقسام على بعضها وركوب الموجة المدنية التي حرّكها التيار المدنيّ في الشارع العراقي.
لقد كان من ضمن أبجديات حكومة العبادي، تشكيل حكومة "تكنوقراط"، ضمن رؤية التوجه نحو دولة مدنية تساوي بين جميع المواطنين، حكومة قادرة على مواجهة البلاد الغارقة في أزماتٍ عديدة لا حصرَ لها. وبالرغم من موافقة "ظاهرية"، أو بالأحرى موافقة "إعلامية ودعائية" مبطنة بنوايا مشكوكٍ فيها من جانب زعماء الكتل وأتباعهم من المنتفعين من نواب البرلمان، إلاّ أنّ تلك الرغبة من جانب رئيس الوزراء، سواءً كانت صادقة أو مراعية لصوت الشارع ظاهريًا، قد اصطدمت بصخرة الرفض من تحت الكواليس. وجرى ما جرى لإجهاضها ووأدها وهي في التكوين الرحمي. وفي الحقيقة، أنّ صفة التكنوقراط، بعيدة بعض الشيء في وصف الوزارة الحالية، إلاّ في حقائب معدودات يتسم وزراؤُها بالكفاءة التي تدعمُها الشهادة والخبرة معًا. أمّا مَن اعترض أو حاول إجهاض مشروع التكنوقراط، فجلُّهم من الأحزاب والكتل والنواب من غير ذوي الكفاءة والجدارة والأهلية في إيثار مصالحهم الفئوية الضيقة والحزبية والطائفية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب، بسبب أنّ مثل هذا التوجه نحو الكفاءات الوطنية العراقية، ومنها تلك المستقلّة بوجه خاصّ، كان سيضع حدّا لطموحاتهم الشخصية في التسلطّ على الحكم والمال، كما هو قائم حاليّا. فالمؤسسة التشريعية، بسبب بعض الدخلاء من المزوّرين والفاسدين ومن غير ذوي الخبرة والنهج الوطنيّ في التعامل مع السياسات العليا للبلاد، بقيت وماتزال عاجزة عن تمثيل الشعب، إلاّ بنشاطها ما قبل الانتخابات عبر الكمّ الهائل من الوعود والتعهدات التي تُقدّم للناخب المسكين الذي يصدّق كلّ شيء بسبب من هشاشة فكره وعوزِه وضعف توجهه الوطنيّ هو الآخر.
أمّا من حيث تعزيز مبدأ الديمقراطية الذي ينادي به الجميع دون إدراكٍ حقيقي لما يُرتكب من جرم وفساد وخرق باسم هذه المفردة الشائعة التي أضحت شعارًا فضفاضًا للمتسترين على فضائح الفساد وسوء الأداء وضعف الفعّالية في إحداث التغيير المرتقب في الدولة والمجتمع على السواء، كان لابدّ من سيادة مبدأ التوازن في السلطات على ما سواه من سيادة مبدأ المصالح والامتيازات التي أخرجت النظام الديمقراطي عن سكّته المخطَّط لها، كما هو قائم في الدول التي مرّت بتجارب مماثلة واستطاعت اجتياز المحرَّمات التي ماتزال تعشعشُ في معظم الأنظمة العربية، ومنها بلادنا. من هنا، وبسبب سطوة أحزاب السلطة التي ماتزالُ تضع يدَها على كلّ مفاصل الدولة الغارقة في مشاكل لا حصر لها، اعتمادًا على أساس النهج المحاصصي المقيت الذي أغرق البلاد والعباد في دوّامة الفوضى الخلاّقة، كان لابدّ أن يدرك الساسة أن مسألة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تُعدّ من أركان الديمقراطية التي ينشدها جميع المؤمنين بمبدأ الحساب والعقاب من دون تهاون أو تمييز أو امتياز، وكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي ينبغي أن يكون فيه وفقًا لجدارته بعد أن يتمتع الجميع بالفرصة المتاحة للمكان المؤهَّل لكلّ فرد وكلّ مواطن.
إنّ مسألة تداخل السلطات وفرض الإرادات وإجازة القوانين والتعليمات تبعًا للجهة الأقوى، تُعدّ كارثة في بناء أية دولة لا تقيمُ قدرًا للديمقراطية ولحرية الفرد وكفاءة الأشخاص. وهذا دليلٌ إضافيّ آخر على الفوضى وخلط الأوراق بين شركاء العملية السياسية الذين يقيمون في وادٍ ويعيشون في أبراجٍ عاجية، وبين الشعب الذي يقيم بعيدًا عنهم ويعيش في وادٍ آخر مليء بالدموع والكوارث والأحزان ويقوم على الوعود العرقوبية. وهنا، ليسَ مَن يُلام على هذه الإشكالية، هم المسؤولون في السلطات الثلاث وأحزاب السلطة فحسب، بل الشعبُ أيضًا بسبب من سذاجة شرائح واسعة في صفوفه وهشاشة أفكارهم وتبعيتهم واعتيادهم السير وراء الجلاّد من دون مراجعة ولا تفكير ولا تحليل ولا تمييز للأسباب والنتائج والمؤهلات والظروف.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة والمدنية، العلمانية المستقلّة منها على وجه الخصوص، برفع صوتها بالتحذير من الوقوع مجدّدًا، في حبائل وفخاخ ذات الجهات التي أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وتطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بفضل سوء أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، بسبب قيظ الصيف الشديد الحرارة وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر. فهناك دومًا مَن يشعر أنَّ أوراقَه قد احترقت، لذا يلجأُ إلى إيجاد بدائل أو إثارة مشكلات من أجل الحفاظ على الكرسي والسلطة والثروة التي يخشى فقدانَها مع كلّ صحوة جديدة، ولو ضعيفة، للشعب والمجتمع.
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي لانفلات الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة والمشاركة والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة. هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية اليوم بعد الاستفتاء الكردي على تقرير المصير، أشبه بزلزال هزّ وحدة البلاد وشعبها المتنوع الأديان والأعراق والتراث والحضارات. وإن كان هذا قرارُهم الأخير، فليكن هادئًا ومن غير تجاوز على حقوق غيرهم وفرض الأمر الواقع باستقطاع مناطق وأراضٍ لا تمتّ بصلة إلى جغرافية الإقليم التاريخية. فهذا خرقٌ فاضحٌ للوطن والمواطنة، لا يمكن القبول به، حتى لو كانت الحكومة الحالية تعاني وضعًا ضعيفًا لا تُحسدُ عليه بسبب تفاقم أزماتها وانشغالها بمقارعة أعتى عدوّ للإنسانية، كان للكرد دورٌ في تغلغله في المناطق التي كانت تسيطرُ عليها قوات الإقليم. وهذا ما يترتب على الطرفين زيادة الحوار الهادئ والانصياع للمصلحة العليا لكلا المكوّنين من دون الإساءة لسائر المكوّنات التي تأثرت بهذا الصراع الذي يُعدّ عائقًا لتقدم البلاد وفرصة لقيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية. ونحن نعتقد أنّ زيادة الشحن بين الكتل السياسية المتصارعة مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي القادم في 2018، وبروز بوادر انفصال الإقليم الكردي بعد إصرار قيادتهم على إجراء الاستفتاء، كانت من الأسباب التي أبرزت تشكيل هذه الكانتونات والجماعات المسلحة خارج التشكيلة الأمنية الوطنية.فكانت لهذه ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها وتجد طريقَها بين فترة وأخرى. 
لعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة من أزماتها العديدة هذه، وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبار دوليّ صحيح، تكمن بتحقيق حزم إصلاحية كثيرة وأساسية في عدة اتجاهات، من شأنها تعزيز نهج السيادة الوطنية على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سيادية مدنية وسياسية واضحة المعالم مستندة على شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أن لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة، وهي في الغالب غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية ووضع الأشخاص المناسبين من "النخب" وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. والدليل على وجود تخبّط في هذه جميعًا، الفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا.
وسيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، قائمًا حتى تحقيق قدرٍ من الاستقرار في كلّ مفاصل الحياة. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلى في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي التنمية المستدامة وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق الذي فقدَ جلَّ مؤسساته البنيوية وهيبتَه الوطينة، بسبب الفساد والمفسدين والسكوت عن الأخطاء والتجاوزات والسرقات ونهب المال العام، بسبب نهج المحاصصة المقيت.