وداعاً أبا ظافر (جبار خضير الحيدر)!


المحرر موضوع: وداعاً أبا ظافر (جبار خضير الحيدر)!  (زيارة 192 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد علي الشبيبي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 129
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وداعاً أبا ظافر (جبار خضير الحيدر)!




اليوم بعد الظهر رحل عنا المناضل الصبور جبار خضير الحيدر حاملاً معه "طبول العذاب في الثمانين العجاف*"! أبو ظافر (جبار خضير الحيدر) مناضل شيوعي عرفته السجون العراقية مناضلا دمث الاخلاق يحب الجميع متواضع و متسامح لكنه لا يتسامح بمواقفه المبدئية والوطنية. عرف بين إخوانه الضباط منذ تخرجه من الكلية العسكرية عام 1952 برتبة ملازم ثاني إنسانا وطنيا هادئا ومتزنا ينظر للأمور بتروي وحكمة ... كان شاهدا يوم 14 تموز 1958 على الثورة وهو في مهمة عسكرية خاصة (ليست لها علاقة بالثورة) من أجل أجهزة لاسلكية لوحدته في الديوانية، وعند سماعه بنبأ الثورة (وكان يعرف أن هناك حدث ما كبير سيقع!؟) فبادر وخرج للشارع متوجها الى وزارة الدفاع ببزته العسكرية ليساهم بدوره بأية مهمة تكلفه بها قيادة الثورة... وفي الوزارة التقى بالعقيد عبد السلام عارف وعرض عليه خدمته كضابط، وقد طلب منه عبد السلام للذهاب الى قصر الرحاب لمساعدة المجموعة التي كلفت بالسيطرة على القصر واعتقال الملك وحاشيته ... وعندما وصل لقصر الرحاب (كما أخبرني الراحل) وجد ان كل شيء قد انتهى وتمت تصفية العائلة المالكة، ولم ير سوى بضعة جنود يحرسون ما تبقى من القصر. هكذا كانت حياة هذا الضابط الوطني الذي لم تستمر مسيرته العسكرية طويلا، فتعرض للسجون والتعذيب والفصل. 
رحل الإنسان الطيب والمسامح المسالم بعد رحلة عذاب عانى منها في العقد الأخير من عمره، تنقل فيها بكثرة من البيت الى المستشفى، فزاد تدهور صحته من معاناته السابقة بسبب الاوضاع السياسية. فقد تميزت حياته بالمعاناة بسبب مواقفه الوطنية الصلبة وتعرض بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 الى الاعتقال والتعذيب في سجن رقم واحد بمعسكر الرشيد وصدر عليه حكما لعدة سنوات وسفر الى سجن نقرة السلمان ليقضي فيه سنتين ثم نقل الى سجن الحلة، وفي سجن الحلة أختاره السجناء ليكون ممثلهم لدى إدارة السجن. ولم يغادر السجن الا عام 1968. وبعد اطلاق سراحه بدأت رحلته من أجل العودة لوظيفته (كضابط) ولكن حكومة البعث قررت إعادته كموظف مدني في مديرية السكك الحديدية. لكن فترة استقراره وتمتعه بالحرية في زمن البعث لم تستمر طويلا، فسرعان ما وقف، خلال تولي المقبور صدام لدفة الحكم، أمام المجرم عواد البندر ليصدر عليه حكما بعشر سنوات بتهم كيدية لا أساس لها من الصحة سوى حقدهم عليه لإصراره على الالتزام بفكره الوطني التقدمي وعدم استعداده لطأطأة رأسه أمام مخابرات صدام وأجهزته القمعية.... وأخيرا نجحت عائلته في ان يشمله عفوا قبل ان ينهي سنوات محكوميته.
عانى الراحل في سنوات عمره الأخيرة من الامراض والمتاعب بعد أن نجح من مغادرة الوطن في أواسط التسعينات .... أشتد عليه المرض في سنواته الاخيرة وأصبح زائر دائم للمستشفى، وخاصة في الشهر الأخير من حياته. كانت آخر زيارة لي (وكانت زوجتي معي) -في الخامس من هذا الشهر- له في مستشفى مالمو وكنت  مترددا بين شوقي لرؤيته وخوفي من أن أثقل عليه وأتعبه، وعندما دخلت غرفته وأخبره أبنه بأني قدمت لزيارته قابلني -وهو راقد في سريره- بتك المودة والترحيب ماسكا بيدي طالبا ان أجلس بجانبه على السرير وهو يقول : (تعال بجانبي لم أرك منذ فترة) . كان متعبا وبالكاد يتحدث معنا ... حينها أحسست أن أبا ظافر سوف لن ينجُ من هذه السقطة المرضية ... وبعد أيام كررت زيارتي وكانت حالته أسوء مما كانت عليه قبل أيام .... ولولا مرضي لواصلت زياراتي له ولكن هذا لم يمنعنا من التواصل مع زوجته (ام ظافر) فهي الاخرى قد تحملت الكثير وهي تتنقل بين السجون لمعرفة مصير زوجها، فكانت الزوجة الوفية الصبورة.
نم قرير العين ابا ظافر فجميع اصدقاؤك الذين كنت تلتقيهم يوميا (مادمت قادرا على المشي) تلتقي بهم وتستمع لأحاديثهم ونكاتهم وآخر الأخبار، يعتصر الحزن والاسى قلوبهم على رحيلك ....
أخيرا أحر التعازي للعزيزة لشريكتك ورفيقة عمرك أم ظافر (صبيحة الحيدر) ولأبنائك الاعزاء ولجميع عائلة الحيدر بمصابهم هذا. لروحك السلام والذكر الطيب والصبر والسلوان لجميع العائلة والاصدقاء.
محمد علي الشبيبي
السويد 02/12/2017
______________
*- طبول العذاب في الثمانين العجاف: كتاب ألفه الراحل عن سيرته الحياتية، استعرض فيه باختصار بعض اهم محطات حياته وحياة أشقائه وخاصة الشهيد ستار خضير.