مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق (2 - 4) وجهة التنمية في عقود حكم القوميين والبعثيين اليمينيين والشوفينيين


المحرر موضوع: مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق (2 - 4) وجهة التنمية في عقود حكم القوميين والبعثيين اليمينيين والشوفينيين  (زيارة 289 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1073
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
(2 - 4)
وجهة التنمية في عقود حكم القوميين والبعثيين اليمينيين والشوفينيين
لقد توقفت عجلة السير صوب إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية بالبلاد لأسباب كثيرة منها محلية وأخرى عربية إقليمية، إضافة إلى العوامل الدولية الفاعلة في تحقيق الانقلاب المشؤوم على الثورة ومهماتها. لقد نجح الانقلاب لأسباب مهمة اقترنت بابتعاد عبد الكريم قاسم عن النهج الديمقراطي في الحكم وتنامي الفردية واتباع سياسات متسرعة وغير مدروسة من جانب قائد الثورة ورئيس الحكومة على صعيد العراق والمنطقة أولاً، والتوجهات المناهضة للثورة من جانب الأحزاب والقوى اليمينية التي قررت التآمر لتغيير النظام القائم ثانياً، كما أن القوى والأحزاب السياسية اليسارية لم تستطع فهم وادراك طبيعة ومهمات المرحلة، والتي تجلت في طرح شعارات غير مناسبة ومتطرفة اججت الصراع مع قيادة السلطة الوطنية ثالثاً، والتي ساهمت بدورها في تنشيط التآمر اليميني الرجعي المحلي والإقليمي والدولي ونجاحه في إسقاط حكومة الثورة. لقد ساعد النهج السياسي في بداية الثورة على البدء بعمليات واسعة لتغيير واقع الاقتصاد العراقي، ولكنها تعرقلت بعد أن تبدلت هذه السياسة صوب الفردية والنظرة الذاتية ومحاولة إثارة مشكلات خارجية لإخفاء الصراعات والمشكلات الداخلية المتفاقمة، بالرغم من النهج الوطني العام لسياسة قاسم، لقد تعرقلت مسيرة التصنيع والإصلاح الزراعي وعُطلت تماماً بعد إسقاط النظام الوطني عام 1963. وقد مورست سياسة همجية ضد الشيوعيين والديمقراطيين من مؤيدي قاسم وعموم القوى اليسارية والتقدمية، إذ اعتقل الآلاف من المناضلين وقتلت جمهرة مقدامة منهم داخل السجون وتحت التعذيب وفرط بالكثير من المنجزات التي تحققت في ثورة تموز. ولم يحص النظام سوى تأييد القوى الإمبريالية التي تآمرت على الجمهورية وساندته في الكشف للحكم البعثي-القومي عن المعلومات التي جمعتها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية والبريطانية، عن بيوت وأسماء الشخصيات الشيوعية والديمقراطية العراقية التي لاقى أغلبهم مصرعه على أيدي الانقلابيين. وسرعان ما انقلب الحكام البعثيون والقوميون على حليفهم في إسقاط قاسم، على الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيسه الملا مصطفى البارزاني والقوات المسلحة الكردية (الپيشمرگة).
ورغم إسقاط نظام البعث وقيام نظام سياسي يمثل القوى القومية في خريف عام 1963، إلا إن سياسات نظام الحكم القومي الاقتصادية والاجتماعية قد ارتبطت بالمصالح الاقتصادية للفئة التجارية الكبيرة والمتحالفة مع مجموعة من العسكريين المتقاعدين أو العاملين في القوات المسلحة التي وقفت بعناد ضد التنمية والتصنيع، رغم وضعها الكثير من الخطط الاقتصادية التي لم تنفذ فعلياً، ولكنها نشطت لتحقيق زيادة مستمرة في استخراج وتصدير النفط الخام للحصول على المزيد من الإيرادات المالية التي لم توجه للتنمية الفعلية، بل عمقت تلك السياسة  التشوه في بنية الاقتصاد العراقي لصالح اقتصاد النفط الخام. وخلال هذه الفترة استعاد كبار الملاكين نفوذهم وهيمنتهم ثانية على الأرض الزراعية بشكل مباشر وغير مباشر، رغم التخفيف النسبي من الاضطهاد السياسي. وبعد مرور خمس سنوات على وجود القوميين اليمينيين في حكم البلاد، عجزوا عن إجراء أي تغيير ملموس في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فسمح الوضع بتنامي محاولات الإطاحة بالنظام من جانب قوى عديدة. وأمكن تنظيم انقلاب من داخل القصر وقادة الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية وبالتعاون بين اتباع حزب البعث وبعض القوى القومية المرتبطة بالمخابرات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية. فعاد البعثيون من جديد إلى السلطة ببغداد في 17 تموز/يوليو 1968.
وفي فترة البعث الثانية هيمن على حكم البلاد نهج سياسي قومي يميني متطرف بأبعاد جديدة غير مسبوقة في السياسة العراقية، انعكست بشكل واضح في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي العلاقات العربية والإقليمية والدولية. فماذا كانت مفردات هذا النهج على المستويين الداخلي والخارجي؟ يمكن تكثيفها بما يلي:
1.   اعتبار العراق قاعدة انطلاق لإقامة الدولة العربية الموحدة، واستخدام كل الوسائل والأساليب والأدوات المشروعة وغير المشروعة لفرض الوحدة.
2.   استخدام إيرادات الثروة النفطية العراقية لتأمين تحقيق هذا الهدف من خلال مجموعة من المهمات المباشرة وأبرزها: بناء دولة قومية ينفرد حزب البعث بقيادتها بشكل مطلق؛ اصطفاء قائد يلعب دوره في تحقيق السلطة المطلقة للبعث وللقائد مباشرة، والتخلص من أي منافس ومعارض له؛ بناء جيش عراقي كبير، قوى ومسلح تسليحاً عسكرياً بقدرات دفاعية وهجومية عالية؛ ولتحقيق هذا الهدف اعتماد: إقامة صناعة عسكرية واسعة ومتنوعة وحديثة داخل البلاد، وتنشيط عملية استيراد السلاح المتنوع والحديث على أوسع نطاق ممكن، والعمل على توفير مستلزمات إنتاج الأسلحة المحرمة دوليا، الكيماوية والجرثومية والنووية.
3.   إن تحقيق هذه المهمات يستوجب تأميم الثروة النفطية وزيادة الموارد المالية عبر التوسع باستخراجه والتحري عن آبار جديدة لزيادة حجم صادرات النفط الخام سنوياً لتكون في خدمة إنجاز هذه المهمات، إضافة إلى توسيع الطاقة الإنتاجية لمصافي النفط العراقية.
4.   الاهتمام بالصناعات التحويلية التي تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتخدم تأمين الأمن الغذائي للبلاد، إضافة إلى إيلاء اهتمام خاص بالمشاريع الإنشائية والصناعة العسكرية والتعجيل بإقامة مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة والنقل والمواصلات الحديثة والاتصالات.
5.   الانطلاق من رأي يقول بأن الحق والقوة صنوان لا يفترقان، فالحق لا يصان والضائع منه لا ينتزع إلا بالقوة، والقوة هي السبيل لانتزاع الحق والحفاظ عليه، ومن يمتلك القوة يمتلك الحق أيضاً.
6.   الانفراد بالسلطة المطلقة غير كاف لتحقيق ما يسعى إليه البعث، بل لا بد من تصفية كل المنافسين والمعارضين له في الحكم والناقدين لنظامه وسياساته من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بكل السبل المتوفرة بما في ذلك ممارسة العنف والتصفيات الجسدية على أوسع نطاق ممكن، ومن هم في الخارج أيضاً. وفي البدء يمكن استخدام الجزرة والعصا، ولكن في المحصلة النهائية لا بد من أن تكون العصا هي السبيل المفضل لفرض المنشود.
7.   احتكار أجهزة ووسائل الإعلام الحديثة وتطويرها لتكون أداة فاعلة ومؤثرة على المستويات الداخلية والعربية والدولية لخدمة أهداف البعث، واستخدام الموارد المالية لكسب المساندين في الداخل والخارج.
8.   وجود قناعة تامة بأن ليس هناك في العالم من لا يمكن شراؤه، سواء أكان شخصاً أم عشيرة أم حزباً أم دولة، ولا بد من استخدام الثروة المتوفرة لهذا الغرض.
9.   بناء أجهزة أمنية حديثة بتقنيات حديثة وعناصر ذكية ومتمرسة وذات خبرة عالية تكتسب عبر الدورات والتدريبات لدى أجهزة أمنية أخرى حيثما وأينما أمكن لتكون الأداة الضاربة لتصفية المعارضين أينما كانوا لحماية النظام والقائد الضرورة. وقد شكل حزب البعث خمسة أجهزة أمنية عراقية يراقب بعضها البعض الآخر وكلها تراقب الشعب وقواه السياسية في الداخل والخارج، ووضع السفارات العراقية في خدمة الأجهزة الأمنية.
10.    مغازلة العالم الشرقي والغربي بشتى السبل الممكنة، بما في ذلك عبر الموافقة على منحهم إقامة مشاريع اقتصادية وعسكرية وخدمية بسخاء كبير وبتمويل عراقي مباشر، بهدف شراء تأييد أو سكوت تلك الدول على سياسات النظام الداخلية والخارجية والحصول عل التقنيات المطلوبة للقوات المسلحة العراقية.
11.    لقد وضعت في فترة الحكم القومي وحكم البعث الثاني الكثير من "الخطط الاقتصادية" التي توفرت فيها عناصر مهمة لو تحققت فعلياً لكان العراق في مصاف بعض الدول النامية المتقدمة في أمريكا الجنوبية مثلاً. إلا أن أربعة عوامل أساسية وقفت ضد التخطيط والخطط الاقتصادية التي وضعها اقتصاديون محترفون تميزوا بالعلمية والإمكانية والخبرة الممتازة: 1) غياب كامل للحريات والحقوق الديمقراطية وهيمنة الاستبداد الفردي والتسلط على جميع مجالات الحياة بالعراق، والاستعداد الكامل لممارسة جميع أشكال الاضطهاد والقمع والقتل والتشريد والتهجير والتعريب؛ 2) انعدام الرؤية الواقعية وهيمنة الانتقائية والرغبة الجامحة في دفع البلاد بوجهة محددة وترك الخطط جانباً، 3) توفر الموارد المالية بكميات كبيرة جداً، إذ انهمرت كالمطر من قطاع النفط الاستخراجي، فأعمت بصر وبصيرة الحكام وأغرتهم بسلوك اتجاهات خطيرة في الحياة السياسية وضد من تحالف معهم خطأً، حتى صرح طه ياسين رمضان " نملك المال ونريد الأحسن"، بغض النظر عن إمكانية الاستفادة الفعلية من الأحسن أم لا، ومورس هذا النهج بانتقائية فجة ومؤذية ومفرطة بالأموال وتحت شعار "التنمية الانفجارية"، 4) الاستعداد بخوض الحروب الداخلية والخارجية لتحقيق الأهداف الكبيرة التي حددها البعث بعد وصوله إلى السلطة وبدعم من القيادة القومية التي ترأسها ميشيل عفلق. وبذلك أقيمت بالعراق دولة بوليسية إرهابية ذات ذهنية وأهداف توسعية بكل معنى الكلمة ونشرت العسكرة والتسلح والاستعداد للحرب في كل البلاد، وتحركت لتحقيق الأهداف غير الواقعية، حين خلال للنظام وقائده الحكم المطلق دون منازع، والتي قادت إلى العواقب الكارثية التي ما يزال العراق يعاني منها.
كانت تجليات هذه السياسيات السلبية صارخة بسلبياتها على وجهة التنمية وواقع الاقتصاد العراقي وعلى مستوى حياة ومعيشة الفرد والمجتمع، ومن ثم الحروب والدمار والخراب والحصار والمجاعة والموت التي تعرض لها الشعب على مدى أكثر من ثلاثة عقود. لقد كان نهج الحكم السياسي هو الموجه للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والمعبر عنها خير تعبير، والتي تبلورت في عواقب تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع.
لقد أمكن بناء مشاريع صناعية مهمة وحيوية وكثيرة نسبياً بالعراق، منها الصناعات البتروكيماوية والغزل والنسيج والسجاد، والمشروبات والأغذية وصناعات إلكترونية تركيبية، وصناعات إنشائية ومصافي النفط، وتحديث المنشآت النفطية...إلخ، رغم الكلفة المالية العالية. وكان في مقدرو العراق أن يتجه وجهة سياسية أخرى لينشر الخير العميم بالعراق وليعم بخيره على الجيران، إلا أن العكس هو الذي حصل، فلم يكن العراق وحده ضحية سياسات الحكم العراقي، بل الجيران أيضاً، والتي تحملت مع العراق خسائر مالية ومادية، اقتصادية وحضارية وبيئية كبيرة جداً. لقد أتت الحروب الداخلية والخارجية المتتالية على مئات الآلاف من البشر وعلى أغلب تلك المشاريع الصناعية والخدمية.
يشير بعض الاقتصاديين البرجوازيين بالعراق وخارجه إلى أن حزب البعث في فترة حكمه الثانية قد انتهج سياسة "اشتراكية" لبناء الاقتصاد والمجتمع، بسبب اعتماده المركزية في التخطيط وقطاع الدولة الاقتصادية. وهو تشويه متعمد لعملية التخطيط ولدور الدولة الاقتصادي، رغم إدراك وهؤلاء جميعاً دون استثناء بأن النظام السياسي العراقي في فترة حكم البعث على امتداد الفترة الواقعة بين 1968-2003 قد سعى إلى تحقيق هيمنة الدولة المستبدة والقاهرة والجائرة على الاقتصاد العراقي وموارد البلاد المالية لفرض هيمنته السياسية والاجتماعية والثقافية والتحكم بحياة ومعيشة الفرد والمجتمع أولاً وقبل كل شيء، وليس انطلاقاً من فكرة العدالة الاجتماعية، وملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، بل ملكية الدولة الرأسمالية الريعية والاستهلاكية الضعيفة والتابعة للرأسمال العالمي، وكان خاضعاً لمشيئتها استيراداً وتصديراً ووجهة التطور الاقتصادي ايضاً. لم تكن السياسات التي مارسها صدام حسين وحزبه سوى ذات السياسة "الاشتراكية الوطنية!" التي مارسها هتلر بألمانيا، ولكن على مستوى التبعية للرأسمال الأجنبي من خلال انكشافه على الخارج تصديراً (النفط)، واستيراداً (السلع المصنعة). لقد كان هم النظام حينذاك، كما عبر عن ذلك رئيس اللجنة الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة بعد صدور قرارات المؤتمر الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1974 وصدور قرار انتهاج "التنمية الانفجارية"، إنهم يسعون إلى إقامة دولة رأسمالية عصرية نموذجية تجلب لها بقية الدول العربية! وفي الواقع فأن تلك السياسات دفعت ساهمت بنشوء الدولة الشوفينية والإرهابية الهمجية على المستويين الداخلي والخارجي!