الفوتوغراف والتحولات الاجتماعية الكبرى - الصراع بين الطربوش والعمامة والسدارة عنوان محاضرة الباحث الفوتوغرافي كفاح الأمين ( كاردو )


المحرر موضوع: الفوتوغراف والتحولات الاجتماعية الكبرى - الصراع بين الطربوش والعمامة والسدارة عنوان محاضرة الباحث الفوتوغرافي كفاح الأمين ( كاردو )  (زيارة 7064 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Edison Haidow

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 596
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كتابة وتصوير / اديسون هيدو

عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918 , وما أسفرت عنها من نتائج بهزيمة ألمانيا واستسلامها , وانهيار حليفتها الإمبراطورية العثمانية وتفككها , عملت الدول المنتصرة فرنسا وبريطانيا والمتحالفة معها وحسب أتفاقية سايكس بيكو على تقسيم منطقة الشرق الأوسط الى دول متعددة , فكان ألعراق ( بحدوده الحالية ) من ضمن تلك الدول التي تم تأسيسها على مفهوم الأستعمار الجديد الذي سمي ( بالانتداب ) الذي ينص على ( تولي دولة كبرى شؤون الدولة التي لا عهد لها بالحكم والتي خضعت لفترة طويلة لإحدى الإمبراطوريات المتداعية كالدولة العثمانية , فتساعدها الدولة المنتدبة حتى تصبح قادرة على إدارة شؤونها بنفسها  ) , مفهوم كان يتناقض مع مفهوم الدولة العثمانية بأعتبارها  أمتداداَ للخلافة الأسلامية , أخذ من بعده اشكالاَ متعددة ومختلفة دينية وحضارية وقومية ومذهبية . أنعكس وبشكل كبير على المجتمع العراقي وخاصة البغدادي الذي عاش فترة  تحولات جذرية جسَّدَتْ في حينها إرادةَ مجتمعٍ رغِبَت نخبته المتنورة من مثقفين، ومصلحين دينيين، وساسة، وطبقة وسطى نامية، في أن يخرجَ من قرون الظلام الطويلة التي عاشها تحت ظل العثمانيين ، ويخلعَ عنه أرديةَ التخلف والجهل ويلتحقَ من جديد، بركب التحضُّر والمدنية , التي كانت بذورها قد بدأت في العشرينيات من القرن الماضي عبر مجموعة من الممارسات المجتمعية في تلك الفترة , هذا بالاضافة الى تأسيس مجموعة من المؤسسات العلمية مثل كلية الطب والحقوق ودار المعلمين العالية وغيرها .

وقد كتب الكثيرين حول هذا الموضوع وعن تلك المرحلة  من نهاية الاحتلال العثماني مرورًا بتأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولغاية نهاية الثلاثينات من القرن الماضي , أفتقرت معظم تلك الكتابات الى ألحياد والموضوعية والتوثيق تبعاَ لأنتمائات كاتبيها , ولم يبرز منهم الا القليل من الكتاب والمختصين وأصحاب الشأن من العراقيين الذي وثق تلك المرحلة بأحترافية عالية  لربما كان أبرزهم هو الباحث ( كفاح الأمين ) الملقب بكاردو , بعد أن شقّ طريقا جديدا لتوثيق معالم العراق بالصورة والوثيقة أعاد قيمتها التعريفية على المستوى التاريخي , حتى اقترن اسمه بصفة ( باحث فوتوغرافي ) فأنجز موسوعة ضخمة عن بغداد ، أعادت إلى الأذهان صورة المدينة قبل قرن من الزمان، بعد أن تلاشت الكثير من المعالم العمرانية فيها ، ومثّل مشروعه جهدا واسعا قلّ نظيره ، من خلال الآلاف من الوثائق والصور التي عمل عليها والتي تؤرخ لأحوال بغداد، خاصة في العقدين الأولّين من القرن ألعشرين ، وهي الفترة التي اختارها الأمين لتكون موضوعا لحديث الصورة والوثيقة في المحاضرة القيمة التي ألقاها مؤخراَ في مدينة كَوتنبيرغ السويدية عندما استضافه البيت الثقافي العراقي وجمعية المرأة العراقية مساء يوم الجمعة الثاني عشر من يناير / كانون الثاني 2018 , وقدم الى الجمهور المهتم بألشأن الوطني من الجالية العراقية المقيمة في المدينة موسوعته الفوتوغرافية وبحثه التأريخي الرائع والموثق بمئات الصور والنماذج والوثائق التاريخية  ألمنتقاة بأحترافية من منشورات الصحف العراقية والإعلانات المنشورة فيها في ذلك الوقت , جسدت جميعها لمرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث في بدايات القرن العشرين . مركَّزاَ  في حديثه وتعليقه على تلك الصور بالتأثيرات الاجتماعية للإحتلال الأنكَليزي , والصراع بينها وبين المدنية التي نشأت منذ بداية تأسيس الدولة العراقية من خلال مقارنات ذكية بين هذه الصور ، وكذلك الصراع بين ( الطربوش والعمامة والسدارة ) ، مبينًا أن المجتمع العراقي وفي مقدمتهم الملك فيصل الأول الذي تولى حكم العراق في أغسطس من عام 1921 كاول ملك للمملكة العراقية الحديثة , كان يحلم ببناء دولة عصرية في العراق , والذي حاول الإتِّجاه إلى المدنية وادخال عدد من التغييرات والتقاليد والنظم السياسية والاجتماعية الحديثة للعراق الخارج تواً من ظلمة الحكم العثماني الذي استمر مايقارب الاربع قرون .  فكانت أولى هذه التغييرات هي ايجاد لباس وطني للراس ليكون كزي رسمي لموظفي للدولة العراقية يكون أشبه بميزة عراقية تدل على الهوية الوطنية , فاوجد ( السدارة ) وكان اول من اعتمرها لتشجيع الناس على ارتدائها, ومنها سميت باسمه ( فيصلية ) . وبعد افتتاح المدرسة الجعفرية عام 1924 في بغداد انتشر الطربوش حتى صدر أمر ديواني في عام 1926 بإلغاء الطربوش والإبقاء على السدارة نتيجة الصراع ما بين العهد العثماني والعقلية العراقية الجديدة، فالزيّ تحول إلى صراع فكري , حاول فيه الفرد العراقي بكل تلاوينه ان يحافظ على هويته العراقية الاصيلة ، من خلال الازياء المختلفة التي تعددت بتعدد ثقافاته , فمنها الزي العربي العقال والعباءة , والزي الكردي واليزيدي , والزي الأشوري الفولكلوري والزي التركماني , ومن ثم الافندي ، البدلة  وغيرها من الأزياء .

موسوعة كفاح الأمين وما فيها من ألصور ألفوتوغرافية وألوثائق المتنوّعة المعنية ببغداد وتاريخها وتحولاتها , والتي أستعرضها في المحاضرة وأستعان بها لتوصيف الحياة البغدادية في الماضي , جسدت جميعها القيمة الاقتصادية والفنية والاجتماعية البغدادية المرتبطة بتقاليدها وثقافتها ، كونها حاضنة لعناصر من التنوير في بدايات القرن العشرين , فهناك صور مختلفة لبغداد , أبرزها صورة للمدرسة الجعفرية عام 1924 تظهر فيها مجموعة كبيرة من الطلبة لم يضع احد منهم السدارة فوق رأسه ، متسائلا هل كانت المدرسة الجعفرية ذات طابع ديني تتقاطع مع مفهوم الثقافة الجديدة المتمثلة بالسدارة؟ , وصور لنهر دجلة , وصور تعكس الحياة خلال تلك الفترة في منطقة الكرخ والقشلة والميدان , وصور الأسواق الشعبية, وأزياء النساء والأطفال، وما تداخل فيها من الثقافات الإنكليزية والروسية والعثمانية , بذلك يلاحظ المشاهد ويلمس من خلال هذه النماذج من الصور والوثائق الأرشيفية بوادر بناء لدولة مدنية , فثمة إعلان عن فرقة كشكش المصرية تقدم عرضاً لشكسبير في مقهى عزاوي . وإعلانات أخرى عن المدارس، والفنادق ,والمقاهي , وعروضاَ سينمائية ومسرحية متنوعة , وصوراَ وثقّت الأزياء التي تماهت في اناقتها مع الثقافات الغربية مبينا ان من كان يلبس الطربوش كان يحمل معه العصا وهذه دلالة على الطاعة لرمزية الحكم العثماني ,  بالأضافة الى صوراَ أرشيفية أخرى عرضها الأمين توضح ماهية العلاقة بين الطربوش والعصا من جانب , والسدارة والقلم من جانب آخر ، موضحاَ ان السدارة ربما تكون قد انتصرت على مفهوم العصا وانتقلت الى مفهوم جديد يسمى ( الأفندية ) الذي تحول فيما بعد الى رمز للمثقف الإداري الذي سيصبح جزءا من سلطة الدولة المقبلة .