في ذكرى انقلاب 8 شباط الأسود في 1963 صورة الدم !


المحرر موضوع: في ذكرى انقلاب 8 شباط الأسود في 1963 صورة الدم !  (زيارة 449 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوسف أبو الفوز

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 506
    • مشاهدة الملف الشخصي
في ذكرى انقلاب 8 شباط الأسود في 1963
صورة الدم !
يوسف أبو الفوز
سنوات طويلة من طفولتي، قضيتها في بيت جدي، في محلة شعبية، في واحد من الازقة المعروفة والمشهورة في مدينة السماوة، التي تغنى الشعراء بنخيلها ، وانجبت الكثير من الكتاب والفنانين والمربين والقادة السياسيين، ومن بين صفوف فلاحيها ظهر ابطال ثورة العشرين، ومن بين صرائف فقراءها ظهر البطل الاسطورة حسن سريع . الزقاق المذكور معروف باسم "عكد اليهود "، ولمن تصعب عليه كلمة "عكد " ـ بالكاف المعجمة ـ فهي تعني زقاق. وعكد اليهود زقاق في مركز مدينة السماوة القديمة، وقريب الى نهر الفرات، ويطل على السوق المسقوف، من عند سوق الحدادين، وهو ذو مدخل واحد، فلم يكن يشهد مرور غرباء، والعوائل المقيمة فيه ومع مرور الزمن صارت مثل عائلة كبيرة واحدة . كان الطفل اذا تعثر وهو يلعب، تمتد اليه عدة ايدي في ان واحد لتنهضه، ومن يكون عنده فرح فهو فرح لكل ساكني الزقاق ، ومن تكون عنده مصيبة، فالحزن يعم بيوت كل ساكني الزقاق .
ذات يوم اضطرب كل شئ في الزقاق. كنت لا ازال طفلا، في اول سنوات المدرسة الابتدائية. ما بقي في ذاكرتي، وتعزز فيما بعد بروايات الكبار هو مشهد الدم. صورة الدم ولا غيرها.
كان نهارا مضطربا، لا يمكن ابدا نسيانه. من الصباح وفي كل الزقاق ثمة فوضى، وقلق، وبكاء، والجميع يتحركون من بيت الى اخر، والرجال يتصايحون ويدخنون بشراهة، والجميع الى جانب المذياع يستمعون الى اخر البيانات، وكلمة "انقلاب" تطوف فوق الشفاه مثل غول طالما خوفنا اهلنا بحكاياته. في بيت جدي كانت هناك ظلال من الخوف يكبر مع تقدم النهار. لم اكن ادرك سبب كل هذا الاضطراب والخوف. لم تسعفني سنوات عمري حينها لفهم ما يجري. وحتى ساعة ان تدفق العسكر الغرباء الى زقاقنا واغلقوا مداخله، وتوقفوا عند باب بيت جدي ليقتادوا خالي " علي حلو بايش "، صاحب "مكوى علي " وهو يشتم. وكان هناك اكثر من معتقل، وتعالى الصياح من اكثر من بيت. في اخر الزقاق يقيم مدرس الرياضيات، الذي على يديه درس غالبية ابناء السماوة ، وصار استاذي فيما بعد في المدرسة المتوسطة، وعلى يديه فككنا اسرار وطلاسم المعادلات الرياضية، ومنه تعلمنا ايضا اسرار معادلات الظلم والفقر والغربة داخل الوطن . المربي الرائع " حسين الغرة". ذلك اليوم ، تعالى الصياح ايضا من اخر الزقاق. الرجال المسلحين ببنادق، قيل انها قصيرة واسمها "بور سعيد"، رجال غرباء عن زقاقنا، يقودهم بعض الوجوه المعروفة لنا، بينهم وجوه مكروهة، فيما بعد حين كبرنا عرفنا انها ايضا وجوه مشبوهة بسلوكها الاجتماعي ايضا. كانوا يقتحمون البيوت عنوة، ووقف بعضهم عند باب بيت جدي، حتى بعد اعتقال خالي. فجأة ظهر مجموعة منهم من اخر الزقاق يقتادون شخصا. هالني رؤية الاستاذ حسين الغرة بين الرجال المسلحين بالبنادق القصيرة ، يقاد عنوة حافي القدمين، والدم يسيح من جبينه ويغطي وجهه، وكان احدهم يواصل ركله بينما كان هو يواصل الاحتجاج .
وسمعت يومها ربما لاول مرة بكلمة " البعث "!
وهكذا ارتبطت الكلمة بذاكرتي، وذلك اليوم بصورة الدم .
صورة الاستاذ حسين الغرة ، مدمى الوجه، بين رجال مسلحين، بقت ساطعة في ذاكرتي من بين كل صور ذلك اليوم البغيض الاسود. مع نفسي، حين احادثها، واناقش ما علق بذاكرتي من صور، أجد ان العديد من الصور، تشكلت بتأثير من حكايات اهلي، ومن خلال احاديث الاخرين، لكن صورة العسكر والدم، هي صورة اصيلة، صورة خاصة بي، هي صورة حفرتها اللحظة عميقا على سطح ذاكرة طفولتي، وحتى بعد ان كبرت كانت وفي فترات معينة تتكرر في كوابيسي. صار كلما يرد امامي اسم 8 شباط ، تسطع تلك الصورة في بالي، ويوما بعد اخر تتعزز بالكثير من التفاصيل .
كتب الكثير، وقيل الكثير، عن انقلاب 8 شباط 1963، ووصف بما يستحقه من النعوت من ضحاياه ورجال التأريخ المنصفين. واذ اعتبر قادة العفالقة ما حدث يوم 8 شباط هو "عروس الثورات" ، فهذه "العروس" صارمعروفا لابناء الشعب العراقي انها جاءت من احضان المخابرات الامريكية وبزفة في قطار امريكي. وكتب التاريخ بجرأة كلمته بمن وأدوا حلم العراقيين بجمهورية ديمقراطية، وبمن سرقوا فرح تموز. وسيكتب رجال التاريخ والباحثين المزيد من الدراسات وستكشف المزيد من الاسرار. وعلى قلوب العراقيين طرزت وبحروف من نار تلك الاسماء الخالدة، التي حاول انقلابيوا 8 شباط حجب نورها من خلال الموت، فسستبقى اسماء سلام عادل وعبد الكريم قاسم ووصفي طاهر ورفاقهم شعلة نور في سفر المجد الخالد ، وستبقى اسماء شهداء انقلاب 8 شباط الاسود اجراس ترن في ذاكرة الزمن لتشير دائما الى دائرة الدم التي بدأت في ذلك اليوم ، ونجحت في ان تكبر ، وتكبر ، لتعم العراق والمنطقة لسنوات طويلة .
سيبقى ليوم 8 شباط ورجاله معنى واحد، وصورة واحدة ، في ذاكرتي هو : الدم !
بعد سقوط نظام البعث العفلقي المجرم، صاحب حقوق ولادة ذلك العرس ـ الفضيحة، هل سيتجرأ احد لاعادة انتاج ذلك اليوم وصوره من جديد ؟
ويا ترى بأي زي ، وبأي قطار ستصل العروس المصون؟
سماوة القطب
7 شباط 2005

(الصورة لمعتقلي 8 شباط عام 1963 في سجن العمارة.يبدو فيها خالي علي حلو كتب خلفها :
ذكرى للمحبة والصداقة، الأخوين سالم داوود وعلي الحلو.
أهدي تصويري الى علي الحلو.
سالم داوود من ناحية تكليف محطة شمكر الجديد )