زبير بلال اسماعيل ... رائد التأريخ الكردي


المحرر موضوع: زبير بلال اسماعيل ... رائد التأريخ الكردي  (زيارة 366 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل زينب جلبى

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 3
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
زبير بلال اسماعيل ... رائد التأريخ الكردي

د. زينب الجلبي                        
 
يعد المؤرخ زبير بلال اسماعيل (1938-1998) ، احد اهم وابرز المؤرخين الكرد في النصف الثاني من القرن العشرين . وقد أسهم على نحو فاعل في تدوين تاريخ الكرد وكردستان طوال ثلاثين عاماً, وتمتاز مؤلفاته التاريخية بالموضوعية والحياد العلمي بعيدا عن الاهواء والتحيز والاراء المسبقة  ,
 وقد ألّف خلال حياته العلمية أكثر من عشرين كتابا قيما بين مطبوع ومخطوط ، ونشر حوالي (250) دراسة تتناول تأريخ الكرد وكردستان على مر العصور ، وتطور القضية الكردية ، وتراجم لأبرزالعلماء الكرد الذين انجبتهم كردستان . وكان له حضور دائم في الحياة العلمية والثقافية الكردية . .
لقد كتب الكثير عن سيرة حياة الفقيد والاجواء العلمية التي نشأ فيها وملكته الذهنية التي اهلته لاحتلال مكانة مرموقة بين المؤرخين الكرد المعاصرين. 
زبير بلال اسماعيل أول مؤرخ كردي متخصص في التأريخ  القديم ،  وقد أدرك أن تاريخ الكرد وكردستان القديم  لم يكتب بعد , لذا كرس حياته كلها في سبيل الاسهام في هذه المهمة النبيلة .  وقد لفت نظره خلال دراسنه للتاريخ القديم أن مدينة أربيل العريقة كانت مسرحا لأحداث عاصفة غيرت مجرى التاريخ في المنطقة ولكنها – اي مدينة أربيل- لم تحظ بعناية كبيرة من قبل المؤرخين المسلمين والمستشرقين الاجانب ، ولم يكرس لتاريخها كتاب مستقل , صحيح ان ثمة بعض الكتب التي تحمل اسم (تاريخ أربيل) لعل أشهرها (تاريخ أربل) لأبن المستوفي – وهو سفر جليل, عظيم الشأن ولكنه ليس كتابا في التأريخ  كما يتبادر للذهن لأول وهلة , بل انه مكرس لتراجم العلماء والأدباء والشعراء الذين زاروا كردستان وخاصة مدينة أربيل في العهد الأتابكي . وقد أثار كتابه المعنون " أربيل في أدواره التأريخية " الصادر في النجف عام 1971 ضجة في الأوساط الثقافية العراقية . وكتبت جريدة " التآخي " البغدادية تقول : " ان هذا الكتاب موسوعة تأريخية عن أربيل وأنحائحا ينبغي على كل مثقف عراقي أن يقرأها " .
  تراجم أعلام الكرد
 أفرد المؤرخ الراحل دراسات معمقة لعدد كبير من العلماء والمؤرخين الكرد ، مشيدا بهم أشادات رائعة .ولقد اراد بدراساته تلك ، ان ينصفهم ، وان يوفيهم حقهم من الثناء والاعجاب  كما أبتغى ،  ان تتخذ الاجيال الكردية منهم المثال والقدوة الحسنة ، فيترسموا خطواتهم ويمضوا على نهجهم , ولعلنا نتذكر كتابه الشهير ” ابن خلكان ” الذي صدر في بغداد  عام 1979 .وهذا الكتاب هو أول كتاب  لمؤرخ كردي عن هذا المؤرخ الكلاسيكي الشهير، حيث أثبت المؤرخ الراحل ، في كتابه القيم  ان ابن خلكان- اربيلي المولد والنشأة وانه واسرته ينتسبون الى احدى القرى في منطقة أربيل .
أما كتابه "علماء ومدارس في أربيل " الصادر في عام 1984 والذي كرسه للحديث عن دور العلم في اربيل  وسيرة اهم علمائها  ، فقد أصبح لاحقاً مصدراً مهما واساسيا لكل من كتب  شيئا عن علماء أربيل ودور العلم والعبادة فيها.
  كما ألف كتابا رائعا وممتعا عن أحد أبرز شيوخ الصوفية في كردستان  وهو " الشيخ جولي " وقد صدر الكتاب في اربيل عام  1989.
ولما كانت المصادر عن هذا الشيخ الصوفي الجليل شحيحة ، ان لم تكن معدومة ، فقد لجأ الفقيد الى تتبع آثار الشيخ جولي ميدانياً ، واستقصاء المعلومات عنه في ثتايا مخطوطات المساجد وروايات أقارب الشيخ من المسنين وما يحتفظون به من مخطوطات ومستندات ، مما له علاقة بالشيخ ، وتتبع نسبه ومصادر ثقافته وتأثير مدرسته الصوفية وغير ذلك .
 ونتيجة لهذا الجهد الميداني الكبير تجمعت لديه معلومات وافية أصبحت محور كتابه عن الشيخ جولي وهو الكتاب الوحيد عن هذا الشيخ المشهور جداً في كردستان عموما وأربيل خصوصاً . والجامع الذي يحمل اسمه اليوم  يقع في قلب مدينة أربيل وكذلك الساحة المسماة بأسمه قرب هذا الجامع .
 وقد قامت وزارة الأوقاف في كردستان بأعادة طباعة ونشر هذا الكتاب في عام 2002
وكتب الأستاذ عدنان النقشبندي ، وزير الأوقاف والشؤون الأسلامية  في حكومة اقليم كردستان آنذاك مقدمة قيمة لهذا الكتاب نقتطف منه ما يلي:
"حضرة الشيخ محمد ثناء الدين بن مصطفى بن الحاج عمر الأربيلي النقشبندي الشهير بـ( الشيخ جولي ) الذي يدوي اسمه في أسماعنا كل حين ، ويتبرك الناس بأعماله الصالحات ويؤمون الجامع المسمى بأسمه لأداء الفرائض أو احياء المناسبات ، يعود الفضل في تقصي المعلومات المتناثرة عن حياة ومناقب الشيخ الجليل وأستجلاء حقائق حياته وسيرته الى المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل ، الذي قضى معظم سنوات حياته في البحث والتحقيق ليدون تأريخ مدينته وشعبه الكردي ."
كما قام إمام وخطيب مسجد " الشيخ جولي " الشيخ عمادالدين فائز عبدالله  بترجمة الكتاب الى اللغة الكردية وصدر الكتاب بحلة قشيبة قبل عدة أيام .
 ومن الدراسات المهمة التي نشرها الفقيد هي الدراسة  المكرسة لسيرة حياة وآثار العالم الكوردي الشهير" ابن ادم " المنشورة في مجلة المجمع العلمي الكردي،  التي كانت تصدر في بغداد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
أحتل سيرة العلماء الذين أنجبتهم أربيل مكانة مهمة ضمن أعماله العلمية ، حيث يشير العديد من المؤرخين والكتاب الذين كتبوا عن سيرة ومؤلفات الراحل الجليل ،  ان ثمة مؤلفا ضخما من ثلاثة اجزاء –ما يزال مخطوطا- يتناول سيرة المئات من اعلاام اربيل  من العلماء والمفكرين والادباء والشعراء والموسيقيين وغيرهم , ولعل  هذا المؤلف هو واحد من أكبر  وأهم مؤلفات مؤرخنا الذي ينتظر النشر. .
 وأهتم المؤرخ الكبيرأهتماما ملحوظاً بتاريخ الامارات الكردية وله كتاب مخطوط عن امارة الكرد الهذبانية انتهى من تاليفه في عام 1978 ، وينتطر النشر ضمن مؤلفاته الكاملة التي تنوي دار " التفسير " في أربيل إصدارها قريباً .
ومن اعماله المهمة ، بحوثه المعمقة والمتعددة عن " امارة سوران " التي  تناول فيها بالدراسة والتحليل ، نشأة الامارة السورانية وتطورها ونظام الحكم  والادارة فيها وعلاقاتها الخارجية وشخصية الامير المنصور محمد باشا الرواندوزي , ولابد من التنويه هنا ان الفقيد استطاع عن طريق البحث والتقصي العثور على وثائق أصيلة ومهمة عن أمارة سوران , وكان طريح الفراش عندما كتب دراسته المهمة الموسومة " امارة سوران ، وثائق جديدة في نهوضها وسقوطها" التي نشرت عام 1998 في مجلة "زاكروس" الصادرة في أربيل .
واحتلت الحركة الكردية مساحة واسعة ضمن بحوثه ودراساته،  وكان أول من لاحظ الطابع القومي لثورة الشيخ عبد السلام البارزاني وثورات بارزان اللاحقة .وقد صدر كتابه ” ثورات بارزان”  في خريف عام 1998 اي قبل بضعة أشهر من وفاته ، وهو أهم كتاب صدر لحد الآن عن هذه الثورات .
 وكتب الفقيد دراسة  مهمة عن الاهمية الستراتيجية لمصاصر والمثلث الحدودي بين ايران والعراق وتركيا والدور الذي لعبه في تاريخ الكرد والمنطقة ، نشرت أجزاء منها في جريدة " خبات " عام 1997 .
  وكان مهتما بكل ما يتصل بالتراث الثقافي الكردي والهوية القومية للشعب الكردي وله كتاب فريد في بابه يحمل عنوان " تاريخ اللغة الكردية " حيث أثبت مستندا الى الشواهد التأريخية وخصائص اللغة الكردية بأن هذه اللغة الجميلة لغة عريقة ومستقلة عن اللغة الفارسية ،وقد ترجم الكتاب الى بعض اللغات الأجنبية ...
ورغم انشغال المؤرخ الجليل بالبحوث التأريخية ، الا أنه أولى اهتماما  بالحركة الثقافية الكردية المعاصرة ،وكتب العديد من الدراسات والمقالات عن هذه الحركة نشرت في مجلة ” الثقافة  “ البغدادية وغيرها من الصحف والمجلات الصادرة باللغتين العربية والكوردية في السبعينات والثمانينات . .
ترك المؤرخ الراحل (14) كتابا مخطوطا نشر البعض منها بعد رحيله ومنها كتاب "الاكراد في كتب البلدانيين والرحالة المسلمين في العصور الوسطى " وكتاب " تأريخ اربيل " الصادر عن وزارة الثقافة في اقليم كردستان في عام 1999 وهو أهم وأشمل كتاب عن تأريخ هذه المدينة العريقة .
وقد عقدت وزارة الثقافة في الاقليم يوم 1999/2/25 ندوة علمية لتثمين وتقييم الكتاب  وتكريم ذكرى الفقيد وجهوده المثابرة لأحياء وتوثيق تاريخ الكرد وكردستان , وكانت هذه الندوة  هي الندوة الاولى من نوعها في كردستان وقد أهتمت  بها الاوساط  العلمية والثقافية  ونشرت تفاصيلها في وسائل الاعلام . وقد وصف السيد وزير الثقافة(انذاك) الكاتب والسياسي الراحل فلك الدين الكاكائي كتاب " تاريخ اربيل " بانه اهم كتاب عن تأريخ أربيل على الاطلاق ، ودعا الى ترجمته الى اللغة الانكليزية واللغات الاخرى ، لأهميته في تعريف الكرد وتاريخه العريق الى شعوب المنطقة والعالم , كما دعا خطباء آخرون في تلك الندوة الى تدريس هذا الكتاب  في مدارس ومعاهد الاقليم .وكان أحد الخطباء هو الشاعر الشهيد مهدي خوشناو ، رئيس اتحاد الأدباء الكرد ونائب محافظ أربيل في تلك الفترة ، ومما ذكره في كلمته المؤثرة : ” ان اسم  زبير بلال اسماعيل يقترن دائما باسم اربيل : فهما صنوان او تؤمان  لا يفترقان " .
والحق ان مؤرخنا الراحل  كان يعرف مدينة ( أربيل ) التي ولد وترعرع في قلعتها التأريخية ،  معرفة عميقة وتفصيلية : يعرف تأريخها أفضل من أي مؤرخ آخر ويعرف دورها الكبير في صنع التاريخ  وامجادها وبطولات ابناءها ، والاسر الحاكمة فيها عبر التاريخ ، ويعرف اعلامها ومعالمها الحضارية والثقافية ،ويعرف احيائها وشوارعها وازقتها ودور العبادة فيها ومدارسها وخزائنها من الكتب والمخطوطات .
حظى الفقيد سواء خلال حياته أوبعد وفاته باهتمام بالغ من الاوساط العلمية والثقافية في كردستان ، وتجلت مكانته  العلمية الرفيعة خلال فترة مرضه على وجه الخصوص ¸حيث كانت الوفود الرسمية والشعبية تتقاطرعلى بيته حيث يرقد مريضاً للأطمئنان على صحته كما زاره  أبرز رجال الفكر والثقافة في الأقليم  واحاطته باهتمام  قلما حظى بها مؤرخ كردي اخر .
وبعد رحليه نشرالعديد من المقالات التي تتحدث  عن سيرة حياته ونتاجه العلمي , كما قامت القنوات التلفزيونية بتغطية واسعة لنبأ رحيله وللحفل التأبيني الذي أقيم بمناسبة مرور اربعين يوما على وفاته .
الساحة الرئيسية في مدخل مدينة أربيل على الشارع المئوي تحمل اليوم اسم المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل ، الذي رحل عنا بجسده ، لكنه سوف يظل حيا في قلب وضمير كل مثقف كردي شريف يدرك أهمية الدور الذي نهض به في احياء تأريخ أمته ووطنه .