رسائل غير مشفرة من الرب


المحرر موضوع: رسائل غير مشفرة من الرب  (زيارة 556 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هادي جلو مرعي

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1172
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رسائل غير مشفرة من الرب
« في: 18:56 07/03/2018 »
رسائل غير مشفرة من الرب
هادي جلو مرعي
يقال إن الملائكة يتحدثون الى الميت في أثناء قبض الروح، وربما كان الأمر منوطا بالملاك العظيم عزرائيل الذي هو آخر الضحايا حين تموت الخلائق، ويقبضها من شجر ومدر وبشر وحيوان وأفلاك فيسأله الرب، هل بقي من أحد؟ فيرد عزرائيل، لم يبق إلا أنا وأنت سبحانك لاإله إلا أنت. فيأمره الرب بقبض روحه، فيقبضها ويسأله الرب عن مرارة الموت. ثم لايعود من أحد سوى الواحد الأحد الأحد فيقول سبحانه: إني أنا الله لاإله إلا أنا..
كلما تقدم بي العمر سألت نفسي، هل وصلت الى المرحلة الحرجة، وبدأت بالشعور فعليا بقرب النهاية، ولماذا يكون الشعور بالنهاية عندما يضعف الأنسان ويخسر أيامه ولياليه بالتفاهات والأطماع والصراعات الفارغة، وهو يرى الناس يتساقطون أمامه مثل طيور مهاجرة تنهار من التعب، وتتهاوى في الفضاء لتكون طعاما للوحوش الجائعة، أو تتحول الى جيف نتنة في الغابات والبراري.ولماذا لانشعر بذلك منذ بداية تشكل الوعي ولاأقول: منذ الطفولة، فالطفولة لاتتيح الفرص كاملة للفهم حتى مع وجود إشارات العبقرية لدى الصغار؟
منذ عقود وأنا أفقد أصدقائي الذين يغادرون الى العالم الآخر محملين بالخوف من المجهول، ومعبأين برغبات أكبرها أن يكونوا في ظل الرحمة الربانية، بينما هم مثقلون بالذنوب، أو ربما كانت قليلة الى الحد الذي يدفعهم الى الأمل بتقبلهم، ودخولهم في دائرة المغفرة والرحمة والرضوان وفي كل الأحوال لانعود نفهم من حالهم شيء، ولاندرك السر من ذهابهم بالكامل، ولانفلسف وجودهم تحت التراب، فإذا كشفنا عنهم لم نجد منهم سوى رفات، وبقايا عظام لاتشير الى حياة أبدا.
تساقط هولاء مثل تلك الطيور العطشى والمنهكة بالتتابع وبقيت بعدهم أبحث عن أصدقاء وأخاف على من بقي منهم في طريق متعبة تتعثر فيها الأقدام قبل أن تصل الى بغية قد لاتصلها، فحين مات ( ها) شعرت أنه ترك فراغا لايملؤه دخان السجائر، ولا تفيض فيه الدموع،وحين مات ( محمد) لم أعد أرى من حاجة الى ضحكات حقيقية، بينما  (صدمني منير) الذي كان قريبا الى روحي بقوة ولم أكترث من بعده الى أشياء كنت أتوقعها جميلة فقط بوجوده.
لاأدري إن كان أصدقاء ما سيحزنون لغيابي، أو سيبكون كثيرا لرحيلي، عنهم وقد لايهتمون. فالحياة ربما تحولنا مع الزمن الى مجرد أرقام لاقيمة لها، أو مثل كلمات تحت رحمة الممحاة، فرسائل الرب تأتي غير مشفرة لأنه يبعثها للحمقى والأغبياء والأذكياء والفقراء والأغنياء والزناة والبغاة والحفاة والمنتعلين للصندل والمرتدين لأفخر الثياب وللعراة، رسائل الرب هي الوحيدة التي لاينفع معها تشفير.