غصاصة (رصاصة) الشيخ متّي وطردها للحسد في الشعر الشعبي الموصلّي للأديب يقين الأسود


المحرر موضوع: غصاصة (رصاصة) الشيخ متّي وطردها للحسد في الشعر الشعبي الموصلّي للأديب يقين الأسود  (زيارة 519 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سالم إيليا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 261
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
غصاصة (رصاصة) الشيخ متّي وطردها للحسد في الشعر الشعبي الموصلّي للأديب يقين الأسود
بقلم: سالم إيليا
من خلال بحثي وإطلاعي على عدد لا يستهان به من التجارب الإنسانية وجدتُ من أنّ هنالك الكثير من المعتقدات والظواهر التي يجب الوقوف عندها ودراستها دراسة علمية شاملة للخروج بنتائج مقنعة  لجميع الأطراف ومنها معتقدات ما تسمى "بالحسد" والتي ربما قد تصل إلى مستوى الظاهرة المجتمعية في معظم بلدان العالم بغض النظر عن المعتقدات الروحانية ومستوى التحضّر أو الثقافة فيها!!، وحيثُ تتباين القناعات الشخصية حيالها، فلحد الآن يستخدم المواطنون في البلدان "المتحضّرة" في إفتتاحيات كلامهم عندما يرغبون بإبداء رأيهم أو إعجابهم بشيء ما أو شكلٍ ما جملة "Knock on wood" التي تستخدمها بلداننا الشرق أوسطية والأسيوية أيضاً ومعناها "دق على الخشب" التي تعني حرص المتكلم أو المتكلمة على إبعاد "عين الحسد" عن المُعجب بهم!!!، وليس موضوعنا الآن من أين جاءت هذه الجملة وأي الخشب هو المقصود؟؟!!، وحيثُ أنّ هنالك الكثير من الأدوات أو المواد التي يستخدمها الناس لإبعاد الحسد ومنها "أم سبع عيون" وأنواع خاصة من الخرز وغيرها كتعويذات.
ولقد أيدت الروحانيات المتمثلة بالأديان في معظمها ظاهرة الحسد وما يترتب عليها وكيفية الحصانة منها بترتيل أو تلاوة بعض الصلوات التي تَمنح الطمأنينة لأصحابها في إبعاد وطرد العيون الحاسدة عنهم.
لكن البعض من الناس يغالون في الإجراءات (الوقائية) أو الطُرق التي يتبعونها لطرد العيون الحاسدة أو إبطال مفعولها!!، وهذا ما حدا بالأديب والشاعر الشعبي الموصلّي الأستاذ يقين إيليا الأسود رحمه الله إلى تأليف شعر شعبي باللهجة الموصلّية سنة (1973م) في بغداد يسخر فيه من المغالاة بتلك الطُرق يدفعه إلى ذلك مستوى تعليمه وثقافته كمعلّم ومربي للأجيال، وقد تطرق في شعره إلى معتقد البعض من النساء الكبيرات في السن في المجتمع الموصلّي المسيحي حينها على إستخدام قطعة من معدن الرصاص "غصاصة" التي تم مباركتها بالصلاة عليها في دير الشيخ متّي (مزار الشفيع مار متّي) وهو أحد الرجال الصالحين المسيحيين.
وتبدأ طقوس (طرد) الحسد بصهر الرصاصة على النار في حاوية معدنية "چمچه" وصبّها في طاسة ماء موضوعة في "غربال" فيه بصلة وقطعة خبر فوقها رشة من الملح و(فردة نعال) قديمة تحملها فتاة "مطهّرة" فوق رأس "المحسود" مع قراءة بعض التعويذات والصلوات!!!، وبعد الإنتهاء من تلك المراسيم يرمى الماء وتوابعه من الملح والبصل وغير ذلك من المواد المرافقة لهذه التقاليد في مفرق لثلاث شوارع (دربونات)!!!!، وتعتبر تلك التقاليد من الموروث الشعبي الموصلّي.
وكما عودّت قارئاتي وقرّائي الكرام من غير الموصلّيين على تفسير بعض الكلمات الصعبة باللهجة الموصلّية الواردة في الشعر وسأضع مرادفاتها بين قوسين وباللهجة البغدادية أو العربية الفصحى وبشكل متداخل مع أبيات الشعر الأصلية، لكنها إضافات لم ترد في النص الأصلي للشعر أساساً، لذا وجب التنويه.
فقد (إشتكى وعاتب) الشاعر الأستاذ يقين الأسود في شعره قائلاً:
                         "غصاصة الشيخ متّي"
أنا الليلي (الليلة) ما مليح ـ ـ ـ مِن وجعي قمتُ أصيح ـ ـ ـ معغفْ (ما أعرف) فساد معدي لو لا ريحْ
                         مغص بطني موتني
يا ستار يا أمي ـ ـ ـ ـ جسمي هدّتو الحمّي ـ ـ ـ ـ ـ تعذبتُ ونشفْ دَمّي
                      طول وعغض (عرض) مددني
أرجوكم دَبرولي علاج ـ ـ آخذ بيبون أو كلاّج (آخذ بابونك أو كبسول) ـ ـ قوموا إعملولي مَساجْ
                             وَجَعْ ظَهْغي (ظهري) عَذبني
يا ستار أشْ صَاغ (صار) بيك؟! ـ ـ ـ نطلب من الله يخلّيك ـ ـ ـ عيون الحسّاد معذبيك
                                 عَقلم (عقلهم) هذا جننّي
ركضولك خمسي ستّي ـ ـ ـ جابوا غصاصة "شيخ متي" ـ ـ ـ غادوا يعلّولك بختي
                              خافوا لا العين تنكبني
خلّوها ببطن "الچمچه" ـ ـ ـ وحموها علْ الناغ پرچه (على النار شوية) ـ ـ ـ وصبّوها بهوسة وهرجة
                               وجَهْلم هذا كفغني (كفرّني)
خلوّ الغوبيل (الغربال) فوقْ غاسي ـ ـ ـ وصَبّوا الغصاصة بغاسي (برأسي) ـ ـ ـ يغيدون قطع النجاسي
                                             من حسد المعذبني
قامت بيشنگك العايلة (رئيسة العائلة) ـ ـ ـ تخطّي بصورة متمايلة ـ ـ ـ وتدفع عنّي الغايلة
                                            فند النسوان ركصّني
تلفّظت بَعض الجُملْ ـ ـ ـ وقامت تحكي بالعَجَلْ (بسرعة) ـ ـ ـ وأنا قتلني الخَجَلْ
                             غشمة والله حيّغني
تنفقسْ عين الحسود ـ ـ ـ إبجاه خالقنا المعبود ـ ـ ـ وحق حكمة إبن داوُدْ
                            قصدا هي تخلصني
عين التصيب تنفقس ـ ـ ـ إن كان من جان أو إنس ـ ـ ـ ومن المنافقين تنحرسْ
                            بدعاها (بدعائها) تغيد تحفظني
صاحت علْ قيعْدين بحيلْ ـ ـ ـ من النسوان والغجيل (الرجال) ـ ـ ـ حِسْ صياحا بذاك الليلْ
                                  خفتُ منّو وجفلّني
قوموا إغشعوا (شوفوا) أشْ كِنْصاغْ ـ ـ ـ إلصابونو عيونْ كِباغ (كبيرة) ـ ـ ـ هذا كلّو فعل الناغْ (النار)
                                    ومن نص الشَغْ (الشَرْ) أنقذتني
قالتْ لإبنا (لإبنها) قوم إسرعْ ـ ـ ـ جيب غاس بصل منبّعْ ـ ـ ـ باشر دغشَعْ قوم جمّعْ
                                      حيّغْ (حائر) بأمري خلّصني
قالتْ لا تخافْ خلصّتوك ـ ـ ـ ومن الحسّاد نجيتوك ـ ـ ـ ومن كل شرير حَصنتوكْ
                                 وغادتلا بخبيش (بغشيش) منّي
حَضِغلَكْ ملح ونعال ـ ـ ـ ومكنسي وخبز بالحال ـ ـ ـ خذم وإطلع يا غجالْ (رجل)
                            عملت للقصة طنّي
زتْ (إرمي) كل وحدي بزوَيّي (بزِويّة) ـ ـ ـ إتحرك وإعملّك نيّي ـ ـ ـ أش بيك قد تصفن بيّي
                                                  كنكْ قد تغيد (تريد) تاكلني
بالله أسأل الحاضغين (الحاضرين) ـ ـ ـ بعد تحليفم يمين ـ ـ ـ إحنا بأي عصغ (عصر) عيشين
                                            ونصدّق أكو جنّي
جوزوا من هّلْ الخرافاتْ ـ ـ ـ وإتركوا هَلْ السخافاتْ ـ ـ ـ وإتحلّوا بأحسن عاداتْ
                                  حتى أعيش متهني
                                      (إنتهى)
رحم الله أديبنا وشاعرنا الشعبي والمنلوجست المعلّم التربوي يقين إيليا الأسود الذي ترك للأجيال تراثاً أدبياً زاخراً مُوَثِقاً من خلاله عادات وتقاليد كان يزخر بها المجتمع الموصلّي، وأرجو أن أكون قد وفقتُ في عرض جزء من ذلك التراث، ولجميع المعتقدات تقديري وإحترامي.
سالم إيليا