وجدت نفسي في اليونان


المحرر موضوع: وجدت نفسي في اليونان  (زيارة 558 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شمعون كوسا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 159
    • مشاهدة الملف الشخصي
وجدت نفسي في اليونان
« في: 22:20 07/08/2018 »
وجدت نفسي في اليونان
شمعون كوسا

ليست الصدف التي قادتني الى هذا البلد ،  ولا الحاجة الى موطئ قدم مؤقت ، يتيح لي القفر عِبره ، الى برّ الامان الذي كنت احلم به ، كما كان حال اغلبية من اُرغِموا على سلوك هذا الطريق بانتظار نفق طويل قد يفضي بهم بعد عدة محاولا ت ، الى بلدان اوربا المتقدمة  !!  ما حفّزني  للهبوط على ارض هذا البلد ، كانت الرغبة العارمة في اقتفاء آثار  الفلاسفة ، والعودة بالخيال الى الاساطير الاغريقية بآلهتها وأبطالها . لأني اول ما كنت قد استهللت به دراستي الفلسفية في حينه، كان تاريخ الفلسفة اليونانية وروادها الذين باتوا أساسا ومصدرا لا يمكن الاستغناء عنه  ولحدّ الان . مَن الذي لم يسمع بسقراط وارسطو وافلاطون ، وايضا بِأبيقور وفيتاغورس  وهيراكليت وغيرهم ؟  حتى علومنا اللاهوتية ، في تحاليلها وقرائِنها واساليب تدريسها ، تلجأ للمنطق والميتافيزيقية التي نادى بها هؤلاء. 
اما عن اساطيرهم وآلهتهم ، أناثا كانوا أم ذكورا ، فالقصص والاحاديث ممتعة بغرابتها. ليس هناك روائي ، حديثأ كان ام قديما ، لا يتطرق  او يشير الى هذه الروايات ، إن كان على سبيل المقارنة والتشبيه ،  او حتى مجرد التندر . وعن آلهتهم ، هل يمكن ان نتجاهل ابولو ، وافروديت ، واثينا ، وايروس ، وهيليوس،  وهيرميس وغيرهم . شخصيات إلهية اغريقية تداخلت مع آلهة  روما ونافستها ، مثل فينوس ، ومارس ، وساتورن ، وكوبيدون ، وبلوتون ، وميركور ، واوروانوس وغيرها ،  اسماء بقيت حيّة وترسّخت منذ تبنّى الفضاء سجلّ عماذٍ  ، قيّد فيه كواكبه باسماء هذه الآلهة!!
ومن جهة اخرى ، أليست اللغةُ اليونانية ، كاللاتينية ، التي اسهمت في تكوين  المئات من مفردات اللغات الاجنبية العالمية المتداولة ، لا سميا  العلمية منها ،  بحيث تأتي صياغتها كمقاطع ، تتصل إما في بداية الكلمة او نهايتها .
 أثينا تاريخيا ، وبموجب الاساطير الاغريقية ، هي بنت زيوس ، ويقال انها وليدة عقله .  وهي تعتبر حامية عاصمة اليونان وشفيعتها. ويقابل اثينا ، في الحضارة الرومانية ، أي في امبراطورية روما القديمة ، الإلهة مينيرفا.
كان يهمني ان ازور المواقع القديمة المرتبطة بهذه الاسماء . وكان الموقع الاثري الاهم الذي لا بد من زيارته هو أكروبوليس ، مقرّ الإلهة (أثينا) ، حيث  تمثالها . أكروبوليس من الاثار المهمة ، ولا يمكن الدخول اليه الا ببطاقة . انا لم اتمكن من الدخول  ، بسبب الحرارة ، وبسبب الطابور الطويل لاستحصال التذكرة  في ذلك اليوم، وباعتقادي، في ذلك اليوم ،  كان يقدّر الطابور الممتدّ تحت الشمس بكيلومترين . أحد الاصدقاء الذين رافقونا ، أفلح في الدخول ، ولكنه عند خروجه السريع ، قال لنا باندهاش شديد ، بانه عندما حاول لمس احد الاعمدة ، وقبل ان تصل اصبعه الى العامود ، توجّه نحوه  بسرعة البرق شخص من بعيد ، وهو يحذّر بصوت عال : إياك ان  تلمس (دونط  طتج ، باللغة الانجليزية وليس اليونانية !!). لشدة هول التنبيه ، رفع صاحبنا يديه عاليا ، وخوفا من أن يتفاقم وضعه بسبب سيره على أرض الموقع ، فيتلقّى تنبيهاً آخر قد يتحول الى تهمة، قرر ترك المكان للحال . لان التُهَمُ في ايامنا هذه يمكن تقديمها بألف صيغة أو ثوب ،   وسيتم تصديقها بسهولة ، اما الخروج  منها  ، يكون طويلا وصعباً جداً.  لعله كان الحرص ولكنه مبالغ به .
وضمن جولاتنا ، مررنا عدة مرات امام بوابة زيوس ، الذي يعتبر إله الآلهة ،  وهذا يقابله عند الروم  جوبيتير ، الإله الجبار.
هناك باصات سياحية خاصة لزيارة هذه الاماكن تتوقف في كل موضع مهم ، ويمكن استخدامها لمدة يومين . كنا نعود الى نفس الامكنة عدة مرات دون انزعاج . كنت اقف احيانا ، وكعادتي ابحث عن فضاء  للدخول في جوّ أستعيد  به  بعض ما تعلمته عن فلاسفتها ومدارسهم . كنت اقف صامتا بوقار امام هؤلاء الذين  زوّدوا البشرية ، قبل ألفين وخمسمائة سنة، نهجا يساعدها في التفكير والتحليل .
ومن جهة اخرى ، الحضارة اليونانية الواسعة ، اسهمت في انتشار لغتها ، بحيث تبنّتها اغلب بلدان المنطقة كلغة رسمية. حتى فلاسفتنا ومترجمونا السريان ، كانوا قد اتقنوها من أجل نقل الفلسفة اليونانية وحضارتها الى السريانية او العربية.
مررنا عدة مرات امام الساحة التي تعتبر رمزا للاحتلال العثماني الذي كان استغرق في حينه اربعمائة سنة ، ولازال صرح جامعهم القديم شاهدا على ذلك. انه مبنى مغلق ، ولكنه يفضح بخجل ذاك الاحتلال. وهذه الساحة الفسيحة ، التي تحمل اسم موناستيراكي،  يؤمّها السواح من كل مكان ، وهي عامرة بأسواق جميلة تعرض مختلف الهدايا القديمة والجديدة ، بما فيها تماثيل عظمائها . 
الشئ الغريب الذي لاحظته في أثينا ،هو افتقارها الى الطيور أو العصافير. أنا لم اسمع غير صوت (الزيز) ، وهي حشرة معروفة عندنا باسم  الـ(جيرجيروكا). ولكثرة تواجدها ،  اطلقتُ عليها، اسم (العصفور الوطني)  لليونان ، لأني لم اتشرف بسماع أي تغريد او زقزقة او شدو . عند زيارتنا للحديقة العامة ، اصبنا بإحباط  لعدم سماعنا غير صوت الزيز ، وداخل الحديقة كان الصوت صادرا من مئات الأزياز الملتصقة بالأشجار الكثيفة.   هذا الصوت موجود أصلاً ، برنة خفية  جدا داخل اذن الانسان ، ولكن  بلوغ الحالة حدّ سماعه عبر مكبرات الصوت  وبكثافة ، فهذا أمر لا يطاق . 
نعم إنه بلد حضارة قديمة جدا ، ولكن هل يعي مواطنوه الحاليون لهذا الامر؟ باعتقادي ، لا. انهم يعيشون نمط حياة تفتقر الى الكثير من الاصول واللياقة والشعور . عرباتهم ودراجاتهم النارية لا تتوقف ليل نهار. لا يتقيدون بالسرعة. انهم يقفون عند الاشارة الحمراء ، ولكنهم  حال اختفاء الاشارة ، يتفنّنون في عدم افساح المجال لعبور المارة حتى عند خطوط العبور ، ولقد تعرضنا عدة مرات للخطر . لقد اشبهتُ تصرفهم في هذا المجال  بالمتدين السطحي الذي ، حال تأديته للصلاة ، يسمح لنفسه بكافة التجاوزات !!
العاصمة تفتقر الى النظافة لاسيما في احيائها القديمة . من أعلى الفندق الذي استضافنا ، كنت ارى نفسي وكأني في اربيل ،قبل تعاقدها مع مشاريع تنميته الحالية.
اما عن الطعام ، فان اطعمتهم لذيذة بلحومها وأجبانها وخمورها وزيتونها .
بالرغم من حرارة الجو في فترة الظهيرة  . فان فترتي الصباح والمساء ، تبقيان الاوقات المثلى للتجول في ساحاتها ومواقعها  واسواقها   
عدت والسعادة تغمرني ، لأني زرت ارض العظماء القديمة . والان كلما اسمع بآلهتها وفلاسفتها وقصصها واساطيرها ، سأنتقل بالخيال الى بعض المواقع التي شاهدتها بامّ عيني.