صرخة في الأعالي.. فصل من رواية برهان الخطيب الجديدة


المحرر موضوع: صرخة في الأعالي.. فصل من رواية برهان الخطيب الجديدة  (زيارة 700 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برهان الخطيب

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 29
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
صرخة في الأعالي..
 فصل من رواية برهان الخطيب الجديدة

نفور متبادل يباعد بيننا منذ البداية.. مماحكات لا تنتهي..
تحلق الطائرة على ارتفاع منخفض فوق أشجار منفردة شفافة الخضرة، متناثرة إلى حدود السماء، نعمة، تسلم من قصف جيش صدام خلال حربه مع الجارة ايران، المرتفعات الوعرة تحت النظر أقل اخضرارا منها أيام الطفولة والصبا، سلام قلق منذ عودة قوات الغرب إلينا على تخوم الألفين، أشجار مسكينة عجفاء، ذاتها يوم يبيع الوالد بيتنا هناك في البلدة يأخذني صغيرا مع الأهل إلى غرفة مستأجرة في المدينة قبل شراء بيت جديد، طرف النهر متعرج، ضفافه حصى، أحجار صغيرة، كبيرة، مياه داكنة، لها لون وجوه أناس نحاف يطلعون من أكواخهم القليلة المتجاورة إلى الأعشاب حولهم،  يتطلعون الى الطائرة المنزلقة فوقهم في الهواء الراعش من غير ضجيج..
العسكري يعيد شاطئ النهر إلى المشهد.. ملابس البيشمركة الخاكي فضفاضة عليه، السروال العريض، القمصلة، لا يتغير الرجل كثيرا رغم مرور الأعوام..
في نباهة الصحافي المهتم في كل تفصيل.. أستشيره.. لا أستثيره:
- جنرال عمر.. لا احتمال  يصوب أحدهم رشاشة إلى الطائرة؟
يمط العسكري فمه الرهيف يلتوي وجهه النحيف، يصير صرخة الرسام مونش في متحف الاسكندناف، صرخة لها تعبير مخيف، يتابع الهضاب معي متعبا:
- لا.. هم بقايا الرعاة الأصليين.. نعرفهم.. تبع السليمانية.. يكرهون جماعة أربيل نعم.. لكن لا علاقة لهم مع متطرفي مسلحي حزب العمال الكردستاني.. زد بنادقهم دفاعية قديمة.. لا تصل الشارع العام.. لا تخف سيد رمزي..
 
 يتعثر انسياب الطائرة الخفيف عند عبورها تيار هواء غير منظور مختلف الحرارة، الكثافة، تميل مع انعطافة النهر، أسفلها مسالك ترابية متوازية متعامدة مع المجرى، غير مطروقة جيدا، ترابها احمر، تؤدي إلى مواقع مختلفة من حقل نفط بعيد، السد الصغير الجديد قيد الإنشاء يتعثر، الجنرال يتفاخر:
- أنفاقه وشك الحفر.. الامتداد..
 لا بدن السد لا جوانبه لا المرافق أو المنشآت التابعة واضحة، أراها مشوشة في مخيلة الجنرال المريشة، إحدى صحف المركز تذمه: حضرته ينقلب على جيشه مرتين.. لا تحاسبه حكومات البلاد دقيقتين..
الحق صحافي عاقل لا يثير المثير.. لكن توضيح نقطة حيوية واجب صغير:
- سد شمال الرافدين يربك الجنوب.. كيف توافق الحكومة المركزية لا أفهم!
- سيد رمزي.. مهمتك البحث عن فقيد أو اثارة مشكل جديد؟!!..
- المشاكل مترابطة عمو جنرال.. مثلها مثل مياه آسنة.. أسئلة عديدة وسِنة..
- رمزي افندي.. كل واحد يلزم حدوده تُحل كل المشاكل.
- فعلا جنرال.. واحد غير قهار يتصور حدوده أبعد  تتسع المشاكل.
- لغو صحافيين أيضا لا ينتهي يعيد إنتاج المشاكل.. يتركها مزمنة.
- النبيه يميز اللغو عن غيره تتفق معي.. كلب نبيه ذاك.. لا ينبح استعلاءً!
- لا تميَّز.. أو لا أميز.. قصدك ؟!
- فعلا.. اختلاف معنى المفردات يربك.. أعيد سؤالك إليك يعني نختلف.
- خلينا لا نتفلسف أستاذ رمزي.. نعود إلى موضوعنا.. انظر إلى هناك..
 
سيارات مبعثرة قرب موقع بئر النفط ، أفراد قلائل، جنرال عمر يكمل:
- العمل متوقف منذ تنشط عصابات دولة الإسلام في العراق والشام.
ألامس ذراع جنرال عمر اهمس قربه:
- اختطاف المهندس القريب يوقف العمل.. أو نشاط داعش البعيد؟!
لا يبدي اهتماما كبيرا، الطائرة ترتفع أعلى، تحوم فوق المنطقة، يتابع عمر مع بقية العسكر عن مبعدة ما قد يستجد، لا أتوقع عملا عنيفا مع ثرثرة الراديو قبل قليل عن احتمال إطلاق سراح المهندس على بقعة من المنطقة أمامنا، عمر يتغاضى عن سؤالي يلاحق أفكاره:
- متابعتك الحالية معنا الرابعة أو الثالثة ؟!
- الثالثة.
- كاكه تلاحظ.. حكومة الإقليم مهتمة في مشكلة مهندسيكم المخطوفين.. لا تهملها كما تكتب جريدتك.
 لا أقول له.. تكذب، تؤدون الطلعات، الأعمال العسكرية، لأغراضكم. الاختطاف مهمل، لا همكم استقرار الأوضاع قدر طمأنة المستثمرين المحليين، الأجانب، بعد هبوط العملة مع استفتاء استقلال ممتنع.. حتى دول متقدمة لا تحصل عليه كاملا.. أتساءل متغابيا:
- تحليق هليكوبتر تجسس فوق مناطق المسلحين لا يهدد مشروع تسوية سلمية معهم؟..
-  تسوية على التلفزيون فقط.. على الواقع شكلية.. والمسلحون أنواع.
- معونات اجتماعية اقتصادية منتظرة.. تعمير مناطق مخربة شكلي أيضا؟
-  ترى عيناك.. إطلاق سراح المهندسين أولوية حاليا عندنا.
- احترام اتفاقات واجب، عدم تهويل خبر، إنما خطف مهندس أو مهندسين هو؟
- كاكه رمزي أنت معنا.. مع بغداد.. مع المسلحين.. أو مع جريدتك الأجنبية.. لا أفهم!
- مع مَن تريدني أتموضع أرفع قلمي سلاحا عمو عمر.. الأكراد هنا مثل العرب هناك.. واحدهم يكره الآخر.. خصامات متزايدة.. الباقي أنا مع مهنتي.
يغيّر جنرال عمر نبرته.. يذوي صوته الضعيف أصلا.. صرخته غير المسموعة تذوب:
- أي كردي يقف مع أمته!..
- اتجاه العالم إزالة الفرق بين الأمم.. لا خلق أمم جديدة..
- ازالة.. خلق.. نحن أمة فتية.. كل الاحتمالات حاضرة في مجرتنا.
- استفتاء انفصال يزلزلها.. اختطاف مهندس أو مهندسين.. لا تتفاهم كوريا الشمالية مع جنوبها، الروس، الصين، مع الأمريكان، قل على الدنيا السلام.
- لا تدلّك حرفتك على زلزال الكاريبي.. قبل نصف قرن أقوى يهدأ.. المهم.. خلينا بعيدين عن السياسة في الكياسة.. رغبتك نواصل إلى المسلحين؟
أستاء من مناورات الجنرال الذي ينقلب مرتين على جيشه:
- معكم أنا تراني.. لا أنتم معي..
- كاكه.. الهدف واحد نعم.. الطريق إليه يختلف.
- حضرة الجنرال لا يخشى احتمال يؤدي الفشل الى حرب جديدة!
- الفشل شخصي عادة.. الهدف يبقى عاما..
 
  عمر لا همه إيضاح موقف حكومته قدر التعبير عن موقفه، أكثر.. تقصي موقف الصحيفة، حتما لا ينتظر مبلغا تشجيعيا مني.. منها.. الذي يوصله إلى رتبة جنرال لا يتركه فقيرا.. لكن الحلم يمتد عادة إلى ما وراء الكمال.. جزء من فدية كبيرة منتظرة مُفتَرضة تفصيل واقع حال..
مع تفكير حرفي قذر أفسر تصرف المقابل.. عن مصلحة.. لا عن مبادئ تهرم.. تُهزم.. أزيح الثانوي عن الأساسي.. أعود إلى موضوعنا المُؤرِق.. السياسي المُحرِق:
- في بحر الخضرة أمامنا لا نرى سمكة لابطة هابطة.. بدل الرمل صخر!
لا يفهم عمر سريعا.. يتدارك السرحان يوضح:
- عصاة لا يمكثون في مخبأ واحد طويلا.
و.. يلتفت إليّ متذكرا:
- أنت لا تشبه الأكراد.. نعم بيننا مسيحيون.. قلة!
- سمعتها منك.. يوم لقائنا الأول.
- لم نلتق سابقا.. أنت واهم!
- عند سفح جبل طشقند.. عند جيمغان.. تنسى..
- لم أكن هناك..
- الخطأ وارد العتب بارد.. و.. أنتم كاكه عمر غير متشابهين.. تتزوجون العرب هنا.. الإيرانيين أو الأتراك هناك..
- يبقى الغالب علينا الأصل الآري..  البعض قفقاسي..  نعم كثيرون مزيج.
- الآري يُستبدَل أشقر.. سلافياً.. بوتين ترامب يصححان كفاحي.. عدو الأمس صديق اليوم.. نقط التاريخ السوداء تُمسح.. متى تهدأ روحي يا روحي!
 
يخرج الجنرال محفظة سجاير فضية.. يعيدها الى جيبه.. يستدرك في غم:
- مروري على الشبه لأعرفك أكثر.. نفرق هذا عن ذاك النتيجة سيئة..
 
يشير إلى منتدح الغاب في الأسفل يصرف انتباهي، أتطلع إليه أراه ليس غريبا، صلة بصلة تجمعه معي أنا السرياني الآشوري العريق ابن الرافدين، جنرال لا يتكلم كثيرا عادة، يتساهل مع صحافي له سوابق معه، يجرني إلى عمق حديث متشعب يسبر الغور، لكنه ينكر أو يتناسى لقاءنا قرب جبل طشقند، منذ تلك اللحظة أراهن لم يكن ذلك اللقاء صدفة، أتأكد.. لا الحالي أيضا، مع الوقت تتغير تفاصيل صور، معان، أمامي نهاية.. عند بداية مهمتي الصحفية المحروسة.. خلاف ما في روايات عادة مدروسة..
ذقن المحروس تشير الى مرتفعات هضاب قاتمة الحجر قليلة الشجر أسفل مشهد الطائرة الكدر:
- لا يبقى من النبت الكثير ترى.. حرب بغداد معنا، مع إيران، أجدبتنا.. مَن تصوّرَ الجدب ينفع يوما.. في رصد.. مراقبة المنطقة.. لو احدهم يهاجمنا..
- على موقع الكتروني سيرة لك تذكر.. تخدم في جيش المركز عهد صدام!
- ثم أفر إلى أهالينا هنا. مهمتك نبش تواريخ ميتة أو متابعة مشكلة حية؟!
- تدري.. من غير معرفة الماضي لا نكتب عن الحاضر حسنا.
- التاريخ كلاوات خناس أدري.. أكاذيب حولنا لا تنتهي.. تتكرر عن غفلة.
- معلوم.. تصدر من مصدر معتبر كاذب يحصل اختلاط..
- لا أقارب هنا فيهم نفع لك؟ في إجراء تحقيقك المنشود عن مفقود مفقودين.
- شذر مذر يصيرون.. أخوة أعداء.. مهندس النفط مختطف.. لا مفقود.
- صحيفتك مع بُعدها تعرف أكثر منا رغم قربنا نحن إلى مسرح الحادث!
- لا تعرف كل المطلوب.. مكالمة تصلهم تعلن عن العملية.
- مخابراتكم تتبعت مصدر المكالمة حتما.. ما الجديد؟..
- الذي تعلمه.. صادرة من المرتفعات أمامنا.
 
عسكري يحمل رشاشا يقترب في حنق مكتوم:
- فوق استفتاء الانفصال.. مخاطر الاستقلال.. اختطاف يسرق الأنظار!
جنرال عمر يخزره، سكون، نتابع المشهد تحت الطائرة، أشير إلى كوخ:
- المهندس المخطوف محتمل داخله هناك لا نراه اللحظة!
- اختطاف في ظرف حاسم هدفه سياسي.. أكبر من فدية.. العملية تنفذها جهة مقتدرة.. لا عصابة صغيرة.. لا رعاة..
 رائحة مادة صحافية دسمة تنتشر من صراحته.. أشجعه على مزيد من بوح:
- الخاطفون ينتظرون فدية.. يضمرون بيانا سياسيا يغير الموازين.. الميادين.. يسكت البزازين.. واو.. فيلم هوليوودي!
 عمر يتطلع إلى مرتفعات يعرفها.. يزيح رشاشة مرافقه بعيدا:
- دائما هناك هدف آخر.. غير المعلَن.
- يعني.. واو لا تكفي.. ننتظر ويو.. واوي!..
- يكسروا وعد إطلاق سراح المخطوف دون مشاكل تسوء عاقبة الخاطفين أكثر.. يتعقد الحال..
- يبقى الخبر المثير زاد الصحيفة.. لا يؤنسني في الواقع.
- ضميرك سيد رمزي صاخب.. أكثر من اللازم..
 

يتبع....


عن صحيفة العالم - العدد 27 اب 2018