من ينقذ البصرة من مُخرِّبيها ؟


المحرر موضوع: من ينقذ البصرة من مُخرِّبيها ؟  (زيارة 261 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يعقوب أفرام منصور

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 68
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من ينقذ البصرة من مُخرِّبيها ؟

                                               
يعقوب أفرام منصور
     فبل ثلاثة أعوام نشرت جريدة (الزمان) البغدادية في  1ـ  10 ـ 15 مقالي  المعنون كما في أعلاه، وأروم الآن إعادة نشره  على مواقع إلكترونية تزامنًا مع مظاهرات واحتجاجات واعتصامات البصريين الجارية منذ شهرين لإطلاع المواطنين والمثقفين والإعلاميين عمومًا، والبصريين خصوصًا على مضامينه في نواحي تشخيص اللوم والتقصير واللامبالاة، مع الإفصاح عن أسفي المرير، ولومي الشديد، وغضبي الصارخ تجاه مسببي جميع المآسي والإيذاء ـ للبصرة وناسها  ـ ضمن المسؤولين الإداريين والبرلمانيين والمتنفّذين والرؤساء الحكوميين السابقين عمومًا وفي الحكومة الحالية خصوصًا الذين عايشوا ويعايشون حتى الآن هذه المساوئ والأحوال المزرية الكارثية في محافظة البصرة بشكل يَندى له جبين البشرية، وينتهك حقوق الإنسان، التي من أجل تطبيقها وصيانتها ُأُسست الحكومات ، وكُتبت الدساتير، وتفجّرت ثورات، وتبنّت شرعتها منظمة الأمم المتحدة. لكن يظهر أن من أسلفتُ ذكرَهم من المسببين : مسؤولين ومذنبين كانوا يتناومون ويتطارشون ولا  بعبأون بكل الهدير العالي من المطالب الحيوية للبصرة المُهمَلة ولسكّانها المظلومين والمضنَكين منذ عقدين. وأرجّح أن تهاونهم وتقصيرهم الجسيم بلغا حدّ تناسيهم قَسَمَ الإخلاص الذي أدّوهُ للواجب وللوطن والشعب حتى تضاعفت وتفاقمت المساوئ والخيانات والمظالم، فلم يتحسّن وضع واحد من الأوضاع السيئة خلال الأعوام الأربعة من عمر الحكومة الحالية.
       ماذا سوف يسجّل التاريخ عن المسهمين في ظلم البصريين وتخريب محافظتهم ؟! في الأمثال قيل : " يُعرف الإنسان من فعلهِ ". ماذا قدّم هؤلاء لوطنهم وشعبهم عمومًا وللبصريين وبلدتهم خصوصًا غير الأذى والضرر واالإفقار والدمار والإهمال وسقوط الأضاحي؟ هل يخافون الله إذا كانوا مؤمنين؟! أم تراهم  يحسبون حساب العواقب في دنياهم وسوء العاقبة في آخرتهم؟!
      ومن المضحك وهزال قول مسؤولين سابقًا وحاليًا كون ضمن جماهير المتظاهرين والمحتجّين والمعتصمين عناصر مندسّة ! وكأن هذا الإندساس ـ إن صحّ وثبُت ـ  يخفف ذنوبهم، ويمحو قصورهم ويشفع لفسادهم وإفسادهم! هذا عدا كون وجود مندسّين بين الجماهيرالغاضبة ، المخذولة من أعوام، يدلّ على كون الأجهزة الأمنية  والإستخبارية مقصّرة في أداء واجبها في التقاط وعزل هؤلاء وإقصائهم، كما على العناصر الأمنية أن لا تتخذ حسبان وجود مندسّين ذريعة لتشويه سمعة الأكثرية المتظاهرة،  فتتعامل معها بعنف وقسوة تبلغ حد القتل والتعذيب والتغييب ، كما فعلت سابقًا مرارًا  ومؤخّرًافي الشهرين الأخيرين. كان صبر البصريين للحكومة مضرب  المثل في طوله واحتماله، ومع ذلك  لم يلقوا منها غير التسويف والإهمال والامبالاة؛ فلا تلومي ولا تتّهمي، بل كان عليكِ أن تقدّري جسامة ردّ فعل الغاضبين بعد صبرهم الطويل المُضني !
      في ما يأتي نص المقال الذي نشرته (ألزمان) قبل ثلاثة أعوام، فما أشبه الليلة بالبارحة ! :
      طالعتُ بفيض الأسى، المقال الموسوم (ماذا بعد خراب البصرة ؟) بقلم المواطن البصري طارق عبد الأمير، المنشور في جريدة (ألزمان) البغدادية ليوم 20 أيلول 2015  في ركن (رأي المواطن)، وبما أني من أبناء هذه المدينة التي انهالت على محافظتها النكبات والمصائب من داخلها ومن جيرانها، بعد أن كانت ـ حتى أواخر العقد السابع من القرن الماضي ـ تُنعَت بِ " ثغر العراق الباسم "، وكانت زهيّة بمناظرها الخلاّبة، وبهيِّة بناسها المتّسمين بطيبة نادرة آنئذٍ وما برحت غالبيتهم كذلك، كما امتلك غالب سكّانها وعيًا ذا مستوى أرفع قليلاً من مستوى الوعي في المحافظات الأخرى، وتميّزت بتعايش الأثنيات بتآخٍ وتحابب قلّ نظيرهما في محافظات  الوسط والجنوب، فقد داهمني الإكتئاب الشديد الذي استدرّ عبراتي، لِما آلت إليه أوضاع وأحوال محافظة هذه المدينة من زراية وإهمال فظيع متجنٍ إلى حد فاق الحدود الدنيا من التحضّر والتمدّن والعيش الكريم الوسط، والقيام بواجبات المسؤولين الإداريين والأمنيين  والصحيين وبعض رجال الدين، وخصوصًا أحدهم من خارج المحافظة.
      يصوّر تقرير المواطن البصري سوء الأحول التخريبية في المحافظة عمومًا، وفي المدينة خصوصًا بشكل يفوق مثيلها في محافظات الوطن كافّة، ويتجاوز المسموع والمقروء عنها منذ عدة شهور. فأي اعتبار بقي لمقولة الحديث الشريف في شأن حسن الإدارة، ومسؤولية الرؤساء عن مرؤوسيهم عباد الله ـ جماهير الشعب ـ الذين يكدّون ويكدحون لصالح الرؤساء أنفسهم ولصالح الشعب قاطبة، بموجب هذه المقولة الذهبيىة  (كلّكم راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيّته). أهكذا تؤدّى المسؤولية بإيصال مستوى  عيش الأهالي " ألرعيّة " إلى مستوى الحضيض، وإيصال العمل وأداء الواجبات إلى الدرك الأسفل ؟!
     ما هذه القسوة لدى الإداريين والمسؤولين والموظفين ورجال الأمن وعلى الأخص لدى محافظ البصرة المرشّح والمزكّى والموصى به من السيّد عمّار الحكيم؟! أهكذا يقول الكتاب، أم ينصّ الشرع، أم يوحي الضمير، أم يستوجب يمين الإخلاص؟! وهل بلغ الضمير فيهم إلى هذا الحد من الخَدَر أو الشلل أو الموات ؟!  فما جدوى بقائهم في مناصبهم بعدُ، ما داموا يتسببون عمًد ًا في إلحاق  الضرر والأذى والخُسف والظلم والفساد والإفساد والتخريب إلى هذا القدر من التدنّي المزري وطول هذه الأعوام العجفاء التي قبضوا خلالها أضخم الرواتب علاوةً على دخولهم من السحت الحرام؟  مع كل هذه المساوئ والذنوب، لا يُعزَل مُرتكبوها ولا يُحاكَمون ولا يعلَقَبون، فأي طراز من الحكم والإدارة هذا؟! هل حقًا هم يتّقون الله كما يتوجّب عليهم إيمانًا وخُلُقًا؟ وهل فعلاً تحمل راية الوطن كلمتَي (ألله أكبر)؟ أم هذا رياء ونفاق يستحقان عقاب الله وغضبه؟ هل تبخّر الإخلاص، وتلاشى أداء العمل والواجبات بأمانة ونزاهة وحِرص، فغدت التعاسة في البصرة شاملة، وأمسى البؤس سائدًا أنحاء المحافظة جمعاء، بدلاً من أن يسودها الرضى والإكتفاء في تلبيىة الحاجات الضرورية للبقاء،وإدامة عافية الأبدان، وصحة العقول، وضبط الأمن، وتحقيق الإنصاف، وبذل الحدب على ذوي الحاجات والفاقة، ومراعاة ذوي الكفاءات والمهارات، واستخدام الأيادي العاملة لأبناء المدينة والمحافظة قبل غيرهم من أبناء المحافظات الأخرى، وبدلاً من إستيراد وتشغيل عمّال  أجانب ! يبدو أنه قد غاب عن ذهن هؤلاء سوء العاقبة في الدنيا والآخرة !

***  غدت البصرة حاليًا كإمرأة تلاشت قسماتها الجميلة، غِبّ ارتحال بعلها البريء، مقتولاً غدرًا، وموت نجلها في حادث تفجير سيّارة مفخخة، وبارَحَها شقيقها مهاجِرًا إلى فنلندا بلاد الثلج، وغابت عنها شقيقتها مختَطَفة أو مسبيّة. فارتدت لباس الحداد، وترك الدمع المتواصل على وجنتيها خطوط التجاعيد بعد ان كان وجهها أسيلاً صبيحًا قبل أن تغدو أرملة تنتابها الفواجع المتلاحقة، حتى أمسى الفقر لها رفيقًا، والتهميش ملازمًا، واللامبالاة بمن حولها، حيث سكناها في خَرِبة تنعق على بقاياها الغربان، وتؤمّها الأبوام.

 ***  مياه شربها باتت شديدة الملوحة، رديئة الطعم، ومياه شط العرب زادت ملوحته، وتضاعف تلوّثه من جرّاء رمي فضلات  منازل بيوت الجارة إيران والنفايات النووية السامّة المزاحة إلى نهر كارون الذي يصب في شط العرب عند منطقة عبدان/ألمحمرة حتى ترسّب في قعر شط العرب عشرون طنًا من مواد زِئبقية أماتت أسماكه وأسماك سواحل الكويت. هذا علاوة على طغيان المد البحري المالح على شط لعرب مرتين في اليوم من دون أيّ معالجة لتقليل هذه الملوحة، وعدم مطالبة إيران بالكف عن رمي الفضلات والنفايات الإشعائية والسامّة في نهر كارون. ولما استُهِلّت عملية الإصلاحات التخديرية وغير الجذرية ومعظمها لم يُنفّذ أصلاً، جاءت ـ مع ذلك ـ خالية من معالجة واحدة من هذه العيوب الشائنة والخطيرة في مياه البصرة، وكأنها لا شيء !

 ***  يشكو أهالي البصرة كثيرًا من سوء وشبه انعدام الخدمات العامّة، وانسداد المجاري في الشتاء، وانغمار شوارعها بمياه الأمطار التي تشكّل بِرَكًا عديدة فتتسرّب مياهها إلى المساكن، ومع كثرة هذه التشكيات من أعوام، لم تلقَ من المسؤولين إلاّ الأذن الصمّاء. فمرحى، مرحى أيها المسؤولون في البصرة!

 ***  أما نهر العشّار الذي زال رونقه وبهاؤه، فقد غدا مستودعًا آسِنًا للنفايات التي تقزّز النفس، وتزكم الأنوف، واختفت من المشهد " ساعة سورين" التي كانت مُطِلّة على الجسر الحديدي الصغير الذي يربط شارع النهر بِ " شارع المغايز" أو " سوق الهنود".

 ***  ألأزقّة والمقاهي تلوح للناظر مكتظّة بالعاطلين عن العمل، وعسير جدًا أن يحصل المواطن البصري على فرصة عمل من الشركات النفطية العاملة فيها، في حين تُمنح فُرًص عمل لعمّال أجانب مستورَدين أو لمواطنين من محافظات أخرى، ويُحرم خرِّيجو أهالي البصرة من كل ما يؤهّلهم لرفع مستواهم المعيشي الواطئ.

 ***  يعاني البصريون من أزمة حادّة في السكن، فأدّى ذلك إل تضاعف   عدد الصرائف عن ذي قبل بشكل ملحوظ، وباتت تُدعى الآن ـ تلطّفًا واقتباسًا من القاهرة المصرية ـ "ألعشوائيات " !

 ***  ألشوارع الرئيسة فقط تحظى بالتنظيف، أما الشوارع والأزقّة الداخلية، فملأى بالأزبال والنفايات والأنقاض.

 ***  كانت معامل ومصانع الحديد والصُلب والبتروكيماويات والورق وغيرها، موئل وملاذ  العمّال الفقراء البصريين، لكنها توقفت في أوج أعوام الفساد الكالحة، وأضحى أنفار عديدون من عمّالها لا يقبضون أجورهم إلا مرة  كل ستة أشهر، أو إعتبار بعضهم فائضين عن الحاجة، أو أن يُحيلوا أنفسهم على التقاعد.

     فما أظلمكم يا حُكّام وسؤولون وإداريون! يا رُعاة وحماة مصالح الشعب في المحافظة،  يا أعضاء البرلمان الرقيب الهُمام الذي لم نسمع  من أركانه وصفوفه في يومٍ ما كلمة واحدة تنافح عن مظالم ومثالب البصرة، أو تطالب بتحسين أوضاعها، وتخليصها من بؤسها ويأسها، بعد أن بُحّت حناجرها من المطالبات، ويئست من الإنصاف وتلبية حقوق ناسها المهضومة. ها إنّ أبناء البصرة يسمعون أنين وصراخ نخل أبي الخصيب وكردلان ومهيجران تستغيث، وقد مالت رؤوسها نحوَ الثرى، واحدودبت سيقانها، طالبة الرعاية والعناية والعلاج، قائلة بصوت عالٍ سمعَته أُذني : " أعيدوا إليّ مجدي وبهائي وزهوي كما كانوا في سابق عِزّي!"
      فلأجل كل هذا البؤس والخذلان والتقصير الجسيم، والإهمال المتجنّي، يرفع العراقيون عمومًا أصواتهم، وخصوصًا المتظاهرون المنادون بالإصلاح الجذري وبمحاسبة ومعاقبة المقصّرين والمذنبين طويلاً،صارخين : " من يُنقذ البصرة من مُخرّبيها ؟!"