في مدينة كوتنبيرغ السويدية .. ( المسكوت عنه في ملحمة كَلكَامش) .. عنوان محاضرة الباحث ناجح المعموري


المحرر موضوع: في مدينة كوتنبيرغ السويدية .. ( المسكوت عنه في ملحمة كَلكَامش) .. عنوان محاضرة الباحث ناجح المعموري  (زيارة 339 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Edison Haidow

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 594
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كتابة وتصوير / اديسون هيدو

تعد ملحمة جلجامش التي دونت قبل 4000 عام قبل الميلاد أول نص أدبي في تاريخ الحضارات البشرية , وأول ملحمة بطولية خالدة كتبها العقل الجماعي , يصنفها الباحثون ومؤرخو الأدب إحدى روائع الأدب العالمي التي وصلت إلينا من حضارات الشرق الأدنى , والتي ترجع حوادثها الى ذلك الزمن البعيد , عالجت قضايا إنسانية عامة، كالحياة والموت والخلود، ومثلت الصراع الأزلي بين الموت والزوال وبين إرادة الإنسان في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء حتى بالنسبة لبطل مثل جلجامش ، ثلثاه من مادة الآلهة الخالدة وثلثه الباقي من مادة البشر الفانية . وكذلك ما حوته الملحمة من موضوعات أخرى كالصداقة، والحب، والكراهية، والأماني ، والبطولة، والحرب، والمغامرات، والرثاء وغيرها من القيم الأنسانية الراقية . كما صورت الملحمة جوانب هامة من حضارة وادي الرافدين، حيث يمكن للباحث عنها أن يطلع على عقائد العراق الدينية، وآرائهم وأفكارهم في الحياة والكون وأحوالهم الاجتماعية، والجوانب المثيرة من حياتهم العاطفية وعلاقتهم الاجتماعية وتركيب المجتمع .
لقد انتشرت الملحمة في القسم الجنوبي والأوسط من العراق، ذلك القسم الذي عرف باسم بلاد سومر وأكد، كما تسربت إلى القسم الشمالي إلى بلاد آشور ، فقد وجدت نسخ كثيرة للملحمة في حواضر العراق القديم من عهد ازدهار الحضارة البابلية، في العهد البابلي القديم الألف الثاني قبل الميلاد .

حول موضوع الملحمة ومدى أهميتها التأريخية والأدبية استضاف البيت الثقافي العراقي وجمعية المرأة العراقية في مدينة كَوتنبيرغ السويدية مساء يوم الأحد الثالث والعشرين من سبتمبر / ايلول 2018 وعلى قاعة البيت والجمعية الباحث والناقد العراقي ناجح المعموري رئيس أتحاد الأدباء والكتاب في العراق وألقى محاضرة قيمة حول كتابه الذي صدر عن دار المدى بعنوان ( المسكوت عنه في ملحمة جلجامش ) ، أدارها الأستاذ علي الراعي وحضرها جمهور من أبناء الجالية العراقية المقيمة في المدينة المهتمين بالتراث الإنساني . وفي تقديمه للمحاضرة قرأ الأستاذ الراعي في البداية سرداَ قصيراَ عن السيرة المعرفية والحياتية للباحث المعموري , مشيراَ في الوقت نفسه إلى أهمية ملحمة كَلكَامش ، كونها أول ديوان شعري في تاريخ الحضارات البشرية , وواحدة من أهم ملامح الحضارة العراقية التي بدأت في وادي الرافدين  قبل حضارة وادي النيل في الألف الثالث قبل الميلاد . مشيراً إلى أن الملحمة تعد أول نص أدبي معروف بعناصره الفنية وخصائصه الفكرية في العالم، سبقت الكثير من الملاحم والأساطير التأريخية والأدبية كالهندية والفارسية .

استهل الاستاذ ناجح المعموري محاضرته وقدم قراءة عميقة عن ملحمة كَلكَامش ومكانتها وأهميتها في تاريخ البشرية , باعتبارها أول نص أدبي في التاريخ الحضاري الإنساني يحتمل التفسير والتأويل , وقدم قراءة عميقة وجديدة عنها كشف خلالها عن صراعات وعلاقات داخل نص الملحمة، لم تصل إليها الدراسات السابقة , عرضها بطريقة العرض التتابعي التي تعتمد على المزاوجة بين تقديم ثيمة الملحمة وتفسير آلياتها اعتماداً على تأويله للأحداث وكيفية صياغتها , متطرقاَ إلى تتابع أحداث الملحمة، مفنداَ أن تكون قد بنيت على اساس ثنائية الحياة والموت , محاولاَ أعادة أنتاج وصياغة مجموعة من البنيات العقائدية والأنساق الثقافية التي تولدت لديه نتيجة للقراءات المتعددة للملحمة والتي كانت تصب في مسألة واحدة وهي ثنائية الحياة والموت . هذه القراءات استدعت من المعموري الوقوف عليها طويلاً، ليعطي لنا قراءة مغايرة لها، تتمحور حول الصراع الذي دار بين الثقافة القمرية والشمسية , الصراع الذي يعتبر النقطة التي تمركزت حولها الملحمة. التي لم تنتبه لها الدراسات حسب تعبيره . وبأن ( موضوعة الخلود التي اكدت عليها الكثير من الدراسات والبحوث ليست هي البؤرة المركزية لان الخلود بنية ثقافية ومعرفية عرفتها الشعوب واعتنت بها الديانات البدائية ) .

وقدم المعموري قراءة مخالفة لملحمة “جلجامش”، أعتمدت على نفي التفسيرات القديمة للملحمة، والتي دارت حول ثنائية الموت – الحياة، واستبدل ذلك بالصراع بين الديانتين القمرية والشمسية، مشيراً إلى أن “جلجامش” كان مركزاً حيوياً في نص الملحمة، ومثل انكيدو هامشاً فيه، على الرغم من أنه قام بمهام عديدة وخطيرة، ولولاه لما استطاع الملك من تحقيق كل أحلامه، لكن في رأيه الذي كتب نص الملحمة لم يستطيع أن يتخلص من هيمنة مركزية المؤسسة الدينية والسياسية، ويكون محايداً في تعامله، لذا اختار نهاية مأساوية لانكيدو, وتقرر باجتماع شكلي هيمن عليه الإله انليل اغتيال أنكيدو .
 
وتطرق في حديثه ( الى الدور البارز الذي لعبته الالهة الام في استجابتها لطلب الاله انو بتخليق كائن جديد، يقف غريماً للملك جلجامس الذي طغى كثيراً وزاول حقه في الليلة الاولى مع كل فتاة متزوجة حديثاً، وهذا الحق ممنوح له من الاله وحصراً من الاله انليل الذي كان معنياً باختيار الملوك على الارض بوصفه ( انليل ) مسؤولاً عن السلطة التنفيذية في مجلس الالهة بالعراق القديم، واهتمت الالهة بالملك جلجامش وحاز ثلثين من عناصر الآلهة وثلث واحد بشري لانها لم ترد له حيازة الخلود ويتساوى مع الالهة ) .

ويبدو إن المعموري أراد تعظيم فعل الرفض المتمثل بالشكوى أمام الآلهة، ( من خلال ذكر سلطات جلجامش الدينية والسياسية، التي يمكن من خلالها قمع أي صوت رافض له ولسياسته، ولكن، سكان أوروك، تحدوا تلك السلطات وشكوا أمرهم للآلهة. والشكوى بحد ذاتها أمر ليس بالسهل في ظل القمع الهائل من قبل جلجامش، الذي يملك صفات الهية الى جانب صفاته البشرية، كما ان الصفات العظيمة التي ذكرتها الملحمة في بدايتها، تجعل من المستحيل على أي شخص من أوروك وحتى من غيرها مواجهته ) .

وأضاف ( لقد هيمن جلجامش على مدينة أوروك ومارس لهوه وعبثه فاتكاً برجالها وشبابها، مغتصباً فتياتها، فهو الملك المفوض من الإله انليل بالحكم ) (  لقد كان المجتمع العراقي القديم يتألف من طبقتين الأحرار والعبيد، واستنجد أهل المدينة بعد طغيان جلجامش سواء من العبيد أو الأحرار، المقيدة حريتهم بسلطة ملك جائر، بالسلطة القمرية وسلطة الألوهة الأنثوية، وهذا الاستنجاد كان تأكيداً لقوتها وبقاء فاعليتها وتأثيرها في الحياة العامة، على الرغم من أنها دفعت إلى منزلة أدني، بعد صعود الديانة الشمسية، لذا كانت الإلهة ارورو هي التي خلقت انكيدو كما كانت كاهنة الرغبات واحدة من ممثلات الإلهة عشتار هي التي أوكلت لها مهمة التحاور مع انكيدو ) .

وتناول أيضا في محاضرته ( سلطة المرأة- قوة الحكمة، المرأة بوصفها صاحبة القوة والارادة التي مكنتها من وضع حد لظلم جلجامش، وسطوته على مجتمع أوروك. تلك السطوة التي تمثلت باغتصاب الفتيات والفتك بالرجال. وغيرها الكثير من الأفعال التي استدعت من الآلهة الاجتماع ودعوة أورورو لخلق غريم لجلجامش، حتى يدخل معه في صراع يشغله عن الاستمرار في ممارساته العدوانية تجاه أوروك ) . ( وأن سكان أوروك أطلقوا شكواهم للآلهة للخلاص من جلجامش عبر خلق غريم له، وهو ما تحقق لهم فيما بعد، وهذا يعني ان خلق الغريم كانت فكرة أهل أوروك أولاً وليس فكرة الآلهة ) ( وان نداء الاستغاثة الذي أطلقه أهل اوروك هو أرقى أنواع الرفض في تلك الفترة التي هيمن عليها جلجامش مع السلطة الدينية بوصفها موجهاً كاملاً للنظام السياسي، ولأن جلجامش هو الممثل الوحيد لسلطة آنو الاله، والذي يملك صفات إلهية ) .