الاب نويل فرمان السناطي يتحدث لـ(عنكاوا كوم ) عن تجربته كاعلامي وكاهن: ما يتوفر للإعلامي من تمرّس على التعبير الديمقراطي يعبر عنه الكاهن في خدمته الروحية


المحرر موضوع: الاب نويل فرمان السناطي يتحدث لـ(عنكاوا كوم ) عن تجربته كاعلامي وكاهن: ما يتوفر للإعلامي من تمرّس على التعبير الديمقراطي يعبر عنه الكاهن في خدمته الروحية  (زيارة 1062 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 33896
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاب نويل فرمان السناطي  يتحدث لـ(عنكاوا كوم ) عن تجربته كاعلامي وكاهن:
ما يتوفر للإعلامي من تمرّس على التعبير الديمقراطي يعبر عنه الكاهن في خدمته الروحية
عنكاوا كوم –سامر الياس سعيد
لم اكن اتوقع تلك الاستجابة السريعة من  قبل الاب نويل فرمان السناطي  على مبادرتي باجراء لقاء معه  استعرض فيها محطات من عمله في الصحافة العراقية في فترة الثمانينات  كوني كنت مسكونا بعوالم القراءة  وكنت ابحث عن نقطة ولو شاردة  حول الكنيسة في بحر متلاطم  من التهميش الذي تناله باستثناء ما يرد فيها من اشارات عابرة خصوصا في فترة الاعياد الدينية  او في زيارة الشخصيات الدينية  الى البلد واحتفظ فيها  الصحفي نويل فرمان بجانب كبير من  المهنية لاسيما مرافقته للام تريزا  التي كانت تلقب بام الفقراء وتسنى لها زيارة العراق  في ازمته الطاحنة المعروفة بالحصار الاقتصادي  مطلع تسعينيات القرن المنصرم  ولاانكر انني  انتظرت اجاباته الشافية على اسئلتي كونها  تعبر عن تجربة صحفية غنية  بالكثير من المحطات لاسيما وانه اخبرني بان احد اسئلتي له  الهمه لان يكون مقالا  لذكريات جميلة  عاشها ابان رحلته الصحفية  والتي لم اتحدد فيها فحسب بل عرجت لان اساله عن موقع الكاهن في شخصية الصحفي نويل فرمان وبالعكس  وغيرها من الاسئلة التي توالت  لتطرز تلك المقابلة  مع الاب نويل فرمان السناطي  عبر هذه الحصيلة الوافرة :
*ما بين شخصية الاعلامي والكاهن ، كيف يبلور نويل فرمان شخصيته في الحياة ويستطيع ان يسكب خصائص مهنة الاعلامي في صورة الكاهن او بالعكس ؟
- -اشكرك على هذه الفرصة، وعلى اسئلتك،  ما يجمعنا في الخدمتين الصحافية والشماسية، بحيث يصير التخاطب في هذا الحوار بلغة مشتركة. المقارنة التي طرحتها بين الاعلامي والكاهن، تذكرني بقول مأثور تردد صداه لديّ منذ سنوات الدراسة الاكليريكية: لو رجع بولس الرسول في أيامنا، لكان صحافيا.
بعد تلك الدراسة، وقبيل الكتابة المستقرة في الصحافة، تناولت دراستي الاكاديمية في مجال الاعلام تخصصا محددًا هو الاعلام في عالم الأعمال والتسويق، مع ضرورة التعرف على نفسية الزبون أو المتلقي، وكيفية التعامل مع الكلمة المكتوبة والبوستر ووقع الصورة مختبريا على عيني الناظر، بما في ذلك اتجاه رصف كلمات العنوان، بهدف وصول اسرع إلى المتلقي. هذا الجانب وجد تطبيقه في الخدمة الكهنوتية التي اخذت حيزا لدي مع الكنديين الفرنسيين، جاء ذلك في مجالات منها: الاعلان عن مناسبة، إعادة صياغة النشرة الراعوية، قولبة الخطاب، تصميم وادارة الموقع الالكتروني، التأكيد مع السكرتارية على اختيار المفردات المناسبة في المراسلات الورقية او الايميل.
أما الناحية الاعلامية البحتة، فقد وجدت صداها فنيا: في البلوك الذي كنت اكتبه بين الحين والاخر في النشرة الاسبوعية، مزودا بالصور المختارة والروابط، ومشاركاتي المكتوبة او الفيديوية في صفحة التواصل الاجتماعي للخورنة.
وراعويا يمكن ان تنسكب خاصيّة الاعلامي على مجال الكرازة، سواء في الموعظة او في ندوة، أو جلسة استشارية تتطلب سلسلة اسئلة للوقوف على الحالة بخصوصيتها. وفي هذه المجالات  قد تسهل الاستخلاصات لدى الاعلامي، إلى جانب امكانية الفلترة- التصفية في نقاط الموعظة وصولا الى الهدف. ويتيسر للإعلامي عندما يستشير مصادر تبحث عن موضوع الكرازة، او مواعظ ذات صلة، أن يميز الذين اتبعوا الالية المطلوبة عمّن اكتفوا بالكتابة الانشائية والاسترسال في السرد.
ولكن النقطة التي أراها بأهمية متفرّدة، هي ما يتوفر للإعلامي من تمرّس على التعبير الديمقراطي، من جانبه ومن جانب الآخرين، في ما يعبر عنه الكاهن، أو ما يتلقاه من آراء. فتحصل انسيابية في التعامل وتجاوز الاحتقان. وأعتقد، من زاويتي وملاحظاتي عما تلقيته في الاعداد الكهنوتي، ان هذه النقطة تحتاج إلى المزيد من التركيز. في زمن يتطلب أن يجمع الكاهن مع المسؤولية الراعوية، القدرة على المرونة والاستماع والتفهم تجاه آراء الآخرين. وقد لاحظت في الخورنات الغربية، انه خلافا لهذا التوجه، لا يستطيع الكاهن الاستمرار في خدمته في خورنة ما للمدة القياسية.
*كيف يرى الاب نويل فرمان الاعلام الكنسي ما بين سطوة السوشيال ميديا وغياب الحدود الاخلاقية في تبادل الاخبار والمعلومات ،هل تجد ان الكنيسة في خطر ازاء هذا الامر؟
-لا شك ان لهذه وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، سطوتها، ولكني لا أعتقد انها هي التي تشكل لوحدها الخطر الرئيسي على كنائسنا الشرقية الرسولية سواء الكاثوليكية او التي بقيت ارثوذكسية وقبل اتحاد اقسام منها بالشركة التامة مع الكرسي الرسولي. تلك الكنائس وفي غمرة العزلة الجبلية عن العالم، وتحت سطوة السلاطين والأغوات والأغلبيات الساحقة، حافظت على إيمانها الرسولي. التحدي هو ذاك التحدّي غير الظاهر لحد الخطورة من حيث استشراء الليبرالية وغياب الحدود الاخلاقية. وهذا يجعل الكنيسة في حالة ابتكار لآلية متجددة في البحث عن الخطاب المناسب وفي توفير أجواء الحصانة لكهنتها.
أما السطوة الاعلامية العالمية للسوشيال ميديا، فهي، كما أعتقد، في عصرنا واحدة من عناصر الاضطهاد التدريجي المبطن مغلّف بالديمقراطية ويستهدف الكنيسة. فمن قال أن كنيستنا لا تعطي الشهداء أمام هذا النوع من الاضطهاد. فكم يا ترى، سيكون لدينا من شهداء أحياء من معدن مار افرام السرياني، في اتهامات يعرف الله وحده براءتهم منها.
الناحية الاخرى، هي ان الكنيسة لا يفترض ان تكون لوحدها، بل مع انتشارها ضمن مؤمنيها في ارجاء العالم، أن يكون معها فيلق من الاعلاميين المؤمنين الملتزمين في خط ايمانهم وقناعاتهم القيمية. بل اجسر الى القول، أن ثمة معطيات اعلامية او متداولات قد لا يتوفر للكنيسة ان تتعامل معها. البركة إذن هي في المؤمنين الملتزمين، فيكون لهم ايضا حصتهم من التعبير إلى جانب سيل من كتابات الالحاد والافكار الليبرالية واللادينية والمناوئة للكنيسة بطريقة مباشرة او غير مباشرة، ومن تسقيط طائفي لكنيسة على حساب أخرى ونفس انتقائي مشبوه في انتقاء الاخبار والمواضيع؛ كل هذا ليس في وسائل اعلام غربية الحادية غربية، بل في منطقتنا الشرق أوسطية تتزاحم في الخطاب والآراء المتباينة المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية.
وحضرتك زميلي العزيز سامر، عنصر بارز في هذا الفيلق الإعلامي. وتخدم في الوقت عينه كشماس في الكنيسة، فعهدي بك تمضي في عملك الاعلامي ضمن قيمك في موقع مثل موقع عنكاواكوم، يوفر لنا مساحة التعامل معه، إزاء أصوات أخرى من اتجاهات متباينة. فهذا الموقع انطلق من قاعدة علمانية، وعلى أساس المهنية الاعلامية الحيادية توفر للانفتاح على الشأن الديني والكنسي. ولكنه أيضا لا يجد ضيرا، ضمن الحياد عينه، بأن يفسح المنبر، لكتاب آخرين اختاروا لهم طريقا فكريا وعقائديا مستقلا عن الحالة الايمانية.
*برايك هنالك وسائل اعلامية مختلفة، فما هي الوسيلة الابرز في خضم الكم الكبير من تبادل المعلومات ووسائل الاتصال وايهما له القدرة في المطاولة مع توارد اخبار حول وسائل محددة في طريقها للانقراض او الاضمحلال؟
- -منذ التسعينيات ولحد الان نعيش في مرحلة انتقالية لعلها تكون موضوع دراسة او اطروحة. في مطلع نهاية الثمانينيات، اطلعت وأسهمت في إبراز اطروحة دكتوراه لضابط مجند، كتبها كطالب في دولة أوربية عن تحديات البقاء لدى الافلام السينمائية والجهود المستميتة للحفاظ عليها بتقنية المايكرو فيلم، وبدراسات مختبرية احصائية عن حظها في البقاء، وطريقة المطاولة في تمديد عمرها.
وعلى حين غرة، بعد بضع سنوات من ذلك، تتحول المعلومات الى الكلمة الافتراضية في الانترنيت والكليب الفضائي عبر الواي- فاي، فتصور بدائية المعطيات في تلك الدراسة، قياسا بالطفرة التي حصلت من بعدها في مدة قصيرة. لكننا مع هذه الطفرة التي نحن شهود لها، أمام مجهول يدفع الى الريبة والقلق: ما الذي سيكون بعد هذه المرحلة؟
اعتقد، أننا في فترة انتقالية واننا أمام حال انقاذ ما يمكن انقاذه، من المعلومات الورقية، وخصوصا تحويلها الى حيز رقمي، كما اجاد في ذلك الاب (المطران) ميخائيل نجيب ميخائيل حين حوّل المخطوطات إلى قرص بحجم القلب.
وأجد أن العالم، هو أمام تحدّي التلوث والبيئة، من ذلك تحدّي ابتكار وسائل لتقنين استخدام الورق، حفاظا على الطبيعة، بما في ذلك ايضا إيجاد طريقة فنية في خزن ما يمكن خزنه، من المواد المكتوبة، مع ملاحظة محدودية الخزن، لدور نشر عملاقة، بحيث انها اوجدت لجنة اتلاف سنوية لمئات بل الاف الكتب التي استنفذت حظها في التسويق.
إزاء كل هذا لا أزعم امتلاك عناصر التوقع لما يخبئه لنا الغد، على ان ما يبدو لي اكثر فاعلا وتأثيرا، هو المواقع الالكترونية ووسائل التواصل، المتنافسة على احتلال شاشة جهاز بوسع الجيب، لعالم غدا، بواسطة الهواتف الذكية، قرية صغيرة يكفيها ان تفترش مساحة الكف الواحد.
*ما زلت تكتب في مجلة( الفكر المسيحي )التي مازالت تحتفظ ببريقها في زمن الفضائيات ووسائل الاتصال التقنية، برأيك هل مازالت للمجلات المسيحية قدرتها في المطاولة رغم مشاكل التوزيع وتشتت القراء والمتابعين في اصقاع العالم؟
-لم أزل، وبكل تواضع، منبهرا مثلك أخي سامر، ان (الفكر المسيحي) محتفظة ببريقها، وهذا يعود فيما يعود إلى تواصل متسق لأجيال التحرير، وايضا إلى كونها صنيعة قرائها، وأن قراءها يسهمون في ريادة مسيرتها. ولا أخفيك، بأني افاجئ النفس بكوني، مع محبتي المتأصلة لها (أول مقال كتبته فيها كان سنة 1971 تحت اشراف الاب البير ابونا) بكوني واحدًا من الذين يتعجبون متسائلين عن سر مطاولتها كمطبوع ورقي تنافسه آلاف المطبوعات الملونة وإلى أي مدى ستصل هذه المطاولة. ففي مرحلة التحوّل هذه، شهدتُ شخصيا الولادة الرقمية، لجريدة رائدة في الغرب الكندي منذ 26 أيلول 2016 (وسترن كاثليك ربورتر) واحتفظ بآخر عدد مطبوع لها على جدار مكتبي. كما إن مجلة الابرشية الكاثوليكية في مدينة كالكري العاصمة الاقتصادية لولاية البرتا الكندية، اندمجت هي ايضا مع موقعها الالكتروني منذ منتصف 2017.
المسألة هي أنه وبسبب ظروف العراق وعدم مواكبته للوضع العام في العالم المعاصر، ما زال الوقت مبكرا لتحويل المجلة الى العالم الرقمي، بصيغة الاشتراك في قراءتها الكترونيا، وذلك بسبب صعوبة الدفع إلى حساب اصولي لقراءة المجلة بالانترنيت، كما هو الحال مع دوريات فرنسية من طراز الفكر المسيحي مثل  جريدة (لا كروا) ومجلة (لافي).
المبشر بالخير، هو التعاون بين المجلتين( الفكر المسيحي) و(نجم المشرق)، وأن هناك التنسيق الطيب والتشاور. ومع انه قلما توجد مجلة يدفع قراؤها تكاليفها، بل ثمة الجهة التي يهمها نشرها، فلا بد من ناحية التوزيع أن تستجد الاحصاءات التي ستعطي المجلة استباق الرؤية لأية فترة مقبلة يمكنها الى جانب المطبوعات المماثلة، مقاومة البقاء والتواصل مع القراء ببلدان الانتشار.
وعودة أخيرة إلى سؤالك، فإن الكنيسة صارت تنشر ايضا رسالتها في المواقع الالكترونية التي غدت ضرورية بلا منازع لتلبية نهم القارئ، ليس الى المقال المكتوب بل الى الصورة الالكترونية المدعومة بالتعليق والكلمات المقتضبة. 
*لديك بصمات رائدة في الاعلام العراقي لاسيما في العمل في ابرز الصحف العراقية في الثمانينات وما تلاها ،ما هي الخبرة وعمق التجربة التي استقيتها من خلال هذه المرحلة او المحطة؟
- -الاعلام سلطة خامسة، ولكل إعلامي ان يمارس هذه السلطة، على خلفية القيم التي تسكنه، فيكتسب الخبرة وعمق التجربة، بالتعامل الإعلامي ضمن المبدأ الانجيلي بـ "وداعة الحمام وحكمة الحيات" (متى 10: 16). في زمن الثمانينات ذاك، لم يكن شخص مثلي معنيا بافتتاحية سياسية، بل بشأن الشارع وحالة الشعب والبيت الثقافي والحقل الفني وميدان عادات وتقاليد الشعوب. فحتى الانتقاء والكتابة في هذه الشؤون كان كمن يمشي بين الالغام أو يسير متحاشيا الأشواك. وهذا كان حال الكثيرين في مجلة كمجلة (ألف باء) على سبيل المثال، اناس من خلفيات غير حزبية بل بعيدة. فكان المرء مدعوا إلى الانتقاء الحكيم والتعبير المناسب، في حدود ما يحرره عن المساءلة، ويتيح له فضاء مناسبا من الحرية. هكذا تيسر يومذاك نشر تحقيق بأكثر من 3 صفحات بضمنها الملونة عن دير الشيخ متى، أمام عجب زملائي. وفي المقابلة مع البطريرك الراحل مار روفائيل بيداويد اطلقت عليه لقبَ "بطريرك الكلدان في العراق والعالم" ولا أظن ان العبارة كانت متداولة من قبل، والتي بقيت منذئذ مستخدمة بنحو أوسع. ولكن الكتابة في ذلك الزمان جلبت ايضا بعض مفارقات: بشأن تحقيق كنت كتبته عن الممثلة سيغورني ويفر المدافعة عن الغوريلا. الملاحظة كانت ان المصمم جعل وجهها مع شعرها يفترش صفحتين ملونتين للمجلة، ليأتيه التحذير: لا تنشر صورة في المجلة بمساحة اكبر مما تنشرون عن صورة القائد...
من تلك المرحلة تلقيت خبرة "صناعة" مدخل المقال، إذ كان المشرفون في المرحلة الأولى يبدأون تحقيقاتي متفضلين بتقديم مهني من عمق خبرتهم الصحافية. لقد حفزتني حضرتك ، على ذكريات من تلك المرحلة، التي في خضم الحرب والعسكرية وفرت لي ان احلق في فضاء الكلمة والتحقيقات والمقالات من أمثال: رحلة إلى حي المربعة. عن كراجات العلاوي والنهضة: شارع مسافر وارصفة لا تنام، نحو بغداد ساحرة جوّا. وأذكر أن الاستاذ حسن العاني، كاتب عمود (عزيزي عزوز) والذي في إحدى المرّات، وبدل أن يهمش تحقيقًا لي بكلمة (ينشر) همش بكلمة مكررة: رائع رائع...
عشر سنوات متواصلة منذ 1984 الى 1994 في (الف باء) كانت بمثابة مدرسة من التمرّس ضمن ريادة عمالقة من الاعلاميين المتميزين، بحسب ما تسعفني الذاكرة أذكر منهم الذين كانوا بتماس في التعامل مع مقالاتي: سمير علي، سهيل سامي نادر، سامي محمد، مجيد العبيدى، منى سعيد، إلى جانب الكثيرين. كما اغتنيت بمزاملة غيرهم: أحمد صبري، سوسن جزراوي، اليس موشيخ وأخيرا وليس آخرا في الجمهورية، ابنة العم مريم السناطي.
*هل تدرك ان لقرية سناط التي تنحدر منها سطوة ثقافية مهمة بدليل بروز الكثير من النخب التي انطلقت منها وبرزت في المشهد الثقافي والاعلامي خصوصا في اوساط ابناء شعبنا ؟
- -مجدا للرب لما جاء في مضمون ملاحظتك مشكورا. وهو بلا شك يحيلني إلى من هم أفضل مني وأكثر تواضعا أو سبقوني في هذا الميدان، أو أسماء سناطية معاصرة، سواء كانوا من قرية سناط- إسنَخ  التي ليس فقط أنحدر منها بل ولدت فيها، وبقينا فيها مع اكمالي السنة الثانية من عمري. وكذلك الذين يعدّ أخوالهم من سناط، من أمثال البطريرك الحالي الكردينال لويس روفائيل أو مثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد، الذي كان الاسم السابق لأسرته بي دآي إسنختايتا).
واذا كان قد استجد السؤال في اطار هذا اللقاء مع احد ابناء سناط، فكلانا يعرف ايضا كم ان بلداتنا وقرانا معطاء ومثمرة. فماذا لو قدمت مقترحا، لك أو لأي مهتم محب آخر؛ المقترح هو إصدار كتاب موسوم بعنوان من قبيل: "قرى وأعلام" لا ريب سنجد، إلى جانب أعلام سناط من أمثال: المطران روفائيل ربان، والبروفسور أفرام عيسى، والعالم الفونس منكنة، مع أشقائهم وشقيقاتهم المعاصرين في المضامير التعليمية، الطبية والادبية والهندسية والمسرحية والرياضية وفي حقول الأعلام، لتجد من تلك القرى الأخرى اسماء معاصرة او تاريخية، هي نجوم في سماء وطننا النهريني الأصيل. وهذه من هذا المنبر دعوة، لأبناء تلك القرى، في أن يحذوا حذو كتاب من أبناء سناط من أمثال: الأب جميل نيسان، الأب (المطران) ميخائيل نجيب ميخائيل والباحث جميل زيتو عبد الاحد، ليبرزوا  معالم قراهم وأعلامها، لنجد المزيد من الكنوز المخفية.
 أما فيما يخص سناط، أود ان أورد بعض المؤشرات: عايشها لأكثر من نصف قرن، كاهن كان من أبرز ظرفائها ومثقفيها، القس متى ربان، شهدت الأجيال على يديه تعليما كنسيا وانسانيا متواصلا، عندما كانت الكنيسة لوحدها منبرا تعليميا متواصلا: روحيا وعلميا. وكانت سناط المحطة الرئيسة للزيارات الراعوية لمطران ابرشية زاخو، ومنها المنطلق إلى البلدات الأخرى. وكانت سناط الرائدة بين قرى منطقة السندي، في النجارة والخياطة، ومن خلال جاليتها في الموصل، استيراد فنون الطبخ، والترويج لفاكهة الرقي- الركي، لحد التعامل معها كمادة دوائية والشفاء من الغليل...
كما تأسست فيها واحدة من اوائل المدارس في المنطقة، في وقت مبكر من القرن العشرين، وقصدها كادر تعليمي صار قريبا من أهلها ومعجبا بمحاسنها الطبيعية، وأنجبت عددا مزدهرا من أوائل المعلمين في المنطقة. وهي مثل مجمل البلدات والمدن الحدودية ما بين العراق وتركيا، اكسبها موقعها الحدودي خاصية ايجابية. وانفتح جلّ أبنائها للتداول بأكثر من لغتين. أصبح طريق السابلة إليها من المدينة سالكا ومنتظما للتفاعل مع مدينة الموصل وقضاء زاخو. ويعود الأمر أيضا إلى نزوح مبكر لعدد من أبنائها وأسرها، مع تواصلهم المنتظم عموما مع اسرهم في العطلة الصيفية
*تنوعت محطات خدمتك الكهنوتية في محطات سواء في المهجر او هنا في داخل الوطن فما هي الخبرة التي استقيتها من كل تلك المحطات؟
-أراني أنتمي إلى مفهوم المسيحيين المؤمنين العلمانيين، في كوننا نعيش وحدة تلقائية ضمن شعب الله المؤمن في كنيسة المسيح. وما تفاعل عندي من خبرة، بين المهجر وداخل الوطن، هو ان هذه الدعوة المباركة لدى العلمانيين هي رسالة مسيحية تاريخية ملقاة على عاتقهم من الرب يسوع نفسه تجاه الكتبة والفريسيين: اعملوا بأقوالهم ولا تعملوا بأعمالهم... وأملي ان يستمر العلمانيون في تلقي نداء الرب وإلهام الروح القدس للمضي في هذه الرسالة، بمسؤولية ورحمة تجاه المقصرين بحق وحدتهم. ولست بهذا ادعوهم الى الانصهار في نسبية "ماكو فرق" بل ان يسيروا ضمن التعليم الاصيل لكنائسنا الرسولية، ويميزوا الغث من السمين. ولهم ميدان واسع في هذا المضمار: المصاهرة بين أبناء وبنات الكنائس، المشاركة في الفعاليات الليتورجية والشبابية والثقافية والفنية والرياضية حيثما تتوفر، الانفتاح على الحضور المسيحي الأصيل في الغرب المسيحي ايضا. ولكني ايضا ادعوهم إلى ان ينخرطوا شبابا وشابات في المؤسسات التعليمية الرصينة، لكيما هم بدورهم يصيرون، في زمن التحديات هذا، اصواتا صارخة في البرية.
*كنت في احدى تلك المحطات على تماس مع ابناء شعبنا في المهجر ، فماهي التصورات التي حظيت بها في تلك المحطة واردت ان تسلط الضوء عليها خصوصا وان الكثير من ابناء شعبنا يرنو نحو اختيار خيار الهجرة المرير للاستقرار بعيدا عما يشهده الوطن من تجاذبات وغياب استقرار؟
-يزداد الاعتقاد، خصوصا مع استتباب المزيد الامن في العيش، أن الهجرة في نهاية الأمر، ليست دائما مرتبطة بعدم الاستقرار، وحتى الفساد يمكن ان تجده في البرازيل والارجنتين وسواهما، فهي إذن نزوع شخصي، نحو مكان آخر. هذا ما يدفع الى حركات الهجرة بين امريكا وكندا، بين بلدان امريكا اللاتينية الى امريكا الشمالية، بحثا عن الجديد وعن شيء من الرفاهية يفتقدونها بهذه الطريقة أو تلك. أما مع شعبنا فقد وصل الحال الى خيار لم الشمل من الذين لهم قسم اكبر من اسرهم في الخارج. وحتى هؤلاء، اعجبوني بالملاحظة ان أولادهم لا يريدون الهجرة.
أما عن التصورات التي توفرت عندي بشأن شعبنا ما بين الوطن وبلاد الانتشار فأجدني اسلط الضوء مجدد على هاجس وحدة شعبنا، وفي إطار التساؤل: ما هي نسب الأذى التي تصيب شعبنا من جراء الانقسام بين الداخل والخارج؟
في الداخل، لا شك ان الأذى يصيب شعبنا من جراء انقسامات المسيحية، أمام القاصي والداني، أمام الرسميين والأهالي، لكن شعبنا يبقى، في الآخر، في وطن حاضن للتنوع ضمن الهوية العراقية الواحدة وضمن الوطن الواحد. والانقسام ذاته مرتبط إلى حدّ ما بمرحلة زمنية وعمرية، أشار إليها أحدهم: إن المشاكل تبقى مع بقاء أصحابها، وتنتهي مع رحيلهم، في زمن لا تطبق فيه رئاسات دينية، دون غيرها، عامل حدود السن التقاعدي للزعيم الديني. وهناك أذى في الانقسام على مستوى الجناح الكاثوليكي بين كنائسنا الشرق اوسطية. مما لا يضاهيه انقسام، كما اعتقد، على مستوى الكتلة الكاثوليكية في العالم برمته.
أما في الخارج فالأذى أقوى لأنه مصيري، لأنه مسألة بقاء أو زوال. إذ ان شعبنا يوشك أن يتشتت إلى البدع المحيطة، إلى اللادينية، ويفقد خصوصيته، عندما تتنافس عليه الخورنات الشرقية الكاثوليكية وسواها. فيتفتت شعبنا على موزاييك من الخورنات المجهرية، متجاورة مع بعضها، معظمها يتكلم العربية، وكلها يتكلم اللغة المهجرية عينها، وكل ينظمّ إلى جماعته بعدد محدود، وكل يفتح الباب لجماعة الاخر.
فإذا تم التنسيق والتقارب بين الرئاسات الكنسية في الداخل، تنتعش الحالة في الخارج، والفائدة متبادلة، على أن الاهمية بمكان هي العمل على هذا التقارب محليا في أوطان الكراسي البطريركية، لأن انتعاش شعبنا المسيحي ووحدته في الداخل يجد صداه الايجابي في الخارج والعكس بالعكس.
على انه يوجد في الخارج، مؤشر لافت للانتباه، هو أن الجمعيات والرابطات الثقافية والفولكلورية والادبية والفنية والرياضية لشعبنا، يمكنها أن تجمع شعبنا بصرف النظر عن انتمائه المذهبي او الطائفي، فهذه الجمعيات والرابطات تلقى مقبوليتها الرسمية والدعم من لدن الدول الراعية للخصوصيات الاثنية. وهذه رسالة توحيدية لها بالغ الأهمية على شعبنا في المستقبل القريب، في حال لا يتوفر، على المدى القادم من الزمن، احتمال لوحدة وتنسيق بين الرئاسات الكنيسة الشرق أوسطية، بينما الوقت يتسارع وينذر بأن شعبنا قد يتوجّه مع تراكم السنوات إلى الانصهار الثقافي و الإيماني في الكتل المسيحية أو الثقافية الكبرى أو غيرها، كما حدث مع غيره من المكونات الاثنية المغتربة.


أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية