الكاهنّ القاتل


المحرر موضوع: الكاهنّ القاتل  (زيارة 717 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 333
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الكاهنّ القاتل
« في: 07:54 12/04/2019 »
الكاهن القاتل
بقلم/ سلوان ساكو
(بعد أن زارني يوحنا بولس الثاني في السجن، فكّرت في الأمر ودرست الإنجيل مطوّلاً، وها أنا الآن أعرف الكتب المقدّسة أفضل من كثيرين آخرين. فإن رحّب بي البابا، سأصبح كاهناً وأحتفل بالقداس إن أرادني أن أفعل).     محمد علي آغا، 17 تموز 2017.
كان العام 1981 وفي الثالث عشر من أيار، تاريخ غير عادي بالنسبة لقداسة الحبر الروماني الأعظم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، مع القدر مرسوم على يدّ القاتل التركي محمد علي آغا، البالغ حينها من العمر 23 عام،  حيث عالج البابا بأربع أطلاقات قاتلة من مسدسه في ساحة القديس بطرس بدولة الفاتيكان. استقرت الرصاصات في الأمعاء الغليظة والأمعاء الدقيقة وقد نقل البابا إلى مشفى الفاتيكان، ثم إلى مستشفى جيميلي في روما بعد أن فقد كمية كبيرة من الدم. كان ذاكّ اليوم، أي يوم عملية الأغتيال، ذاته هو يوم عيد سيّدة فاطيما في البرتغال. علامات إستفهام كثيرة، دارت حول الشخص، من جنده، من دفعه إلى القيام  بعملية أغتيال أرفع شخصية مسيحية كاثوليكية في العالم، لِحسَاب من يعمل، من وظفه، من دعمه، والكثير من الأسئلة المحيرة، بانَّ جزء منها والآخر ظل طي الكتمان والنسيان حيث يحيط بذلك سرية شديدة لم ينجح أحدٌ في تبديده إلى الأن. وهذا ما فتح باباً أمام الخيال لينسج روايات عدة. صحيح إنْ علي صرح فيما بعد قائلاً،( أن الدافع وراء عملية اغتيال البابا هو بإيعاز من المخابرات السوڤييتية، لدور البابا في دعم تنظيم“سوليديرتي”البولندي المناهض للشيوعية). ولكن ظلت إلى اليوم الكثير من الأسئلة بدون أجوبة. تغيرت حياة علي آغا جذرياً حينما زاره البابا الراحل  يوحنا بولس الثاني في السجن بعدما  قبضت عليه السلطات الإيطالية وحكم عليه بالسجن المؤبد، منذ عام 1981. وأعلن في قرار مثير للجدل في حينها  أنه قد سامحه، حيث قال( ما تحدثنا عنه يجب أن يبقى سرًا بيني وبينه، تحدثت معه باعتباره شقيق، وقد عفوت له ولي كامل الثقة في ذلك). عشرين دقيقة فقط كانت كفيلة بتغير كل شيئ للأبد. ظل علي قابع في السجن الإيطالي حتى حلول عام 2000، بعدها أطلق سراحه لِيُحاكم في تركيا  عشر سنوات أخرى لقتله الصحفي التركي عبدي ابكجي رئيس تحرير صحيفة ميليت. وفي عام 2010 اطلق سراحه. طالب حينما كان في السجن بالجنسية البولندية التي هي جنسية البابا، ولكن لم يقبل طلبه. تقول بعض المصادر أنه  اعتنقَ علي آغا الكاثوليكية، بعدما قال أنه رأى اهتمام البابا بوالدته وإخوته وسؤاله عنهم. أهو مجنون أم عاقل الجواب صعبّ، ولكن يبدو أن الرجل تغير خلال فترة الثلاثين سنة الاخيرة، حتى أنه صرح قائلاً،( اريد العودة ليوم واحد فقط الى روما والصلاة على قبر يوحنا بولس الثاني لأعبر له عن امتناني الشديد لصفحه عني). وهذا ما فعله لاحقاً.  أملٌ يتسرب إلى نفسٍ ضاقت بالكرب واليأس لقاتل مأجور تسلسل الندم أليه وبات ضميره  يؤنبه.
سواء كانت هذه التصريحات صحيحة أم خاطئة، فمن المؤكد أن الرجل تغير، أو تغير مفهومه على الأقل نحو أخيه الأنسان، أيّ أنسان كان، وأثرتّ عليه الزيارة البابوية التاريخية والروحية في السجن إلى الأبد.
أهم شيء يمكن أن يفعله المرء أو يدركه في حياته هو أن يصبح الأنسان الفرد مسؤولاً عن نفسه وتقرير مصيره وصناعة اتجاهاته التي يراها مناسبة له وللأخرين، دون مصادرة حقوقهم وحياتهم، تنبع تلك الأفكار من مكانا قصيا في ذاته ونفسه، تتجلى على أشكال عدة، تتراءى له في رؤيا أو رسالة أو خطاب معين من شخص مجهول، أو على أي شكل كان، المهم هو فكَ الشيفرة الموجه. كان قول المعلم عظيم  وحكيم حين قال، ( اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ).
في النهاية، ربُما تكون معظم الأشياء والأكثر أهمية منها أنّ تأتي بعد تجربة مريرة ومؤلمة وصعبة، أيَّ لابد من التجربة والمعاناة لنتعلم منها، وأخذ العبرة من وحيها.