الوعي، بين الأمس واليوم


المحرر موضوع: الوعي، بين الأمس واليوم  (زيارة 497 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المطران مار يوسف توما

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 52
    • مشاهدة الملف الشخصي
الوعي، بين الأمس واليوم
« في: 21:55 30/05/2019 »
الوعي، بين الأمس واليوم
المطران الدكتور يوسف توما
يمكنني القول إن الوعي هو أجمل هدية تمنحنا إياها هذه الحياة أو بالأحرى نمنحها نحن للحياة عندما نعي معنى وجودنا ودورنا فيها. لكن الصعوبة تكمن بأن الوعي ليس له شكل ولا يمكن تحفيزه طالما لم يكن مرتبطا بحدث ما. فغالبا أمر بسيط قد يحرك الوعي لدينا، مثل قصة تفاحة نيوتن (1643 - 1727) التي حرّكت كل تساؤلات العصر الحديث واختراعاته. قبل الوعي، كنا كأنما نعيش في فراغ كوني هائل وحقل عملاق لا نهاية له بإمكانية وعي محتمل فقط. وطالما لا يوجد حدث ما، لا يمكن أن يكون هناك أي وعي. الحدث يجعل الوعي يتحرّك، إنه كالقدحة في السيارة "السِلف". عندما يستيقظ الوعي يصبح كل شيء واضحا في مكانه حتى الفراغ نفسه، من هنا درسوا ما هو غير ملموس كالموجات والاشعاعات الفائقة.
الحدث يجعل الوعي حقيقيًا، ثم يولد التساؤل حول زمن الحدث ومكانه بالتحديد في الفضاء. وهذا أطلقوا عليه اسم الزمكان (الزمان والمكان)، وبعده يأتي سؤال آخر يقول: "ثم، ماذا بعد ذلك؟" الغاية!
قضى العلم وقتا طويلا ليجيب على تساؤل قديم بقدم الإنسان: "كيف صارت الأمور؟"، كانت أولا الأساطير محاولات لأجوبة مريحة، ثم جاءت العلوم فسيطرت على كل حيّز. إلا أنها لم تستطع أن تجيب على الغاية، فبقي الإنسان حائرا، إذ لا يكفي أن نعرف "كيف صارت الأمور؟"، بل: "لماذا صارت؟ ما هو الهدف منها؟"، بل أصبحت حيرتنا أكبر من حيرة أجدادنا. حتى لو تهربنا نحن أيضا واخترعنا أساطير كثيرة استخرجناها من العلوم، لكنها لم تشبعنا بل بقي الكل جائعا. 
ماذا نلاحظ؟
نلاحظ أن الوعي تضاعف من خلال قراءة المزيد من الأحداث، وإطلاق العنان لدراسات شاملة لكل زمان ومكان، التاريخ والجغرافية، والتدقيق بملاحظة كائنات أخرى تعيش معنا، تعلمنا أنها أشكال حياة ذكية أقدم منا تكيّفت، بل صارت أذكى من البشر في بعض الأمور. قرأت منذ أشهر ثلاثة كتب، إثنان لبيتر فوليبن Wohlleben (حياة الحيوانات الخفية وحياة الأشجار الخفية)، وآخر لإيفا ماير Eva Meijer الهولندية، عن وجود لغات تفاهم بين الحيوانات. فوعينا أن أشكال الحياة من حولنا أعقد بكثير مما كنا نتصوّر، إنها في كل مكان: على الجبال وفي البحار وفي الجوّ وتحت الأرض.
إن كل شكل من أشكال الحياة التي من حولنا يمكن اعتباره أيضا شكلا من الوعي، تمكن من احتلال موقع في الفراغ الهائل المحيط، فــ "الطبيعة تكره الفراغ" أو تحبه وتحتله بكفاءة وذكاء. وإذا ما أردنا التعمّق نقول: في كل مكان وزمان كأنما الفراغ نفسه يعي ويحفز بشكل أو بآخر من يسكن فيه. لأن من الخطأ اعتبار أن هويتنا تكمن في أجسادنا، أو بما حولنا من أشياء فقط، علينا أن ندرك أننا لسنا مجرد هيئات، ولكننا نتفاعل مع الفراغ أيضا. فالمهندس المعماري مثلا لا يصنع البيت فحسب، إنما يخلق الفراغ الذي سنعيش فيه وهو الأهم! كذلك النجار لا يصنع الدولاب إلا من أجل الفراغات التي فيه وغير ذلك من أمثلة...
هكذا لن نتجنب السؤال الملح لمعنى الحياة: "ثم، ماذا؟" أو "ماذا بعد كل ذلك؟"، سقراءة الأحداث تدفعنا دفعا إلى هذا السؤال الذي نحتاج إليه: ما معنى الأحداث بالنسبة إلينا ككيانات واعية؟ هل هي قصة لا تنتهي، أم أن "الفلك دوّار"، والأمور مجرد تكرار... كما قالت بعض الحضارات الآسيوية؟
اكتشف علم الفلك أنه قبل 13 مليار سنة، حدث ما سمّي بالدويّ الأعظم Big Bang، وبدأت القصة بترتيب مدهش ومسار يتّجه نحو "الوعي"، هل هذا يعني أن في الكون شكل من أشكال الوعي يتجاوزنا؟ المؤمنون يطلقون عليه اسم "الله الخالق"، لكنهم ينسون أن كلمة (الخلق) تختلف عن (الصناعة)، فالله لم يصنعنا بل وضع في مسار وجودنا إمكانية "صيرورة"، نحن لسنا أبناء الماضي، لكننا مدعوين لولادات عديدة في المستقبل! وهذه الفكرة ستصالحنا حتى مع نظرية التطوّر، أو ما يسميه البعض "التصميم الذكي"، وتشفينا من أشكال السلفيّة والرجعيّة والبكاء على الأطلال...
الزمان والمكان إذن مرتبطان بقوة في استمرارية يبيّنها تطور الوعي، الذي يظهر أينما حدث شيء ما في الكون، لكنه يحتاج إلى من يشعر به ويعيهِ. وهذا أيضا يسميه المتصوفون "التسبيح"، لأن "السماوات تنطق بمجد الله، والفَلَكُ يخبِرُ بعَمَل يديه" (مز 19/1).
قال أحد العلماء: "نحن نجهد أنفسنا لنتسلق تلة العلم، وعندما نصل إلى القمة نجد الروحانيين جالسين فوقها قبلنا".
هذا يعني إذن أننا على هذه الأرض جميعنا كائنات كونية، لنتناقش الأحداث التي "مضت"، ونقرأ التي تحدث "الآن"، لكن الأهم هو أن نتوقع التي "سوف تأتي" في المستقبل، وهذا ما اتجه نحوه الكتاب المقدس في عهديه، ففي القديم نقرأ في سفر دنيال أن الملاك يقول له: "إنك رجل الرغبة، جئت لأخبرك... فتأمَل وافهم!" (9/23). (اختلف المترجمون حول كلمة "من يرغب" Homme de désir هل هي رغبة الله أم رغبة الانسان؟ لكن باعتقادي الرغبة في كليهما)، أي عليك أن تعي ما ينقص، الآن وهنا، من معنى، وبذلك يولد الكلام، لذا قيل: "في البدء كان الكلمة، وبه كان كل شيء..." (يو 1/1). وفي ختام العهد الجديد نقرأ: "من كان عطشانا فليأت ومن كان لديه رغبة فليأخذ ماء الحياة" (رؤ 22: 17).
بدأتُ حياتي العملية في العراق، بعد عودتي من فرنسا، انتقلت عام 1983 إلى بغداد وقررت أن أتتلمذ للنحل، فاشتريت خليتين من بساتين الراشدية قرب بغداد، واكتشفت أن النحل ظهر قبل 200 مليون سنة، في حين نحن البشر نكاد نرجع إلى ثمانية ملايين سنة فقط، للنحل إذن خبرة متراكمة في هذا العالم أكثر من البشر، بالتكيّف والوعي لهذا العالم. هذا علمني التواضع، خصوصا بعد قراءتي كتاب كارل فون فريتش Karl von Frisch (1886 - 1982) العالم النمساوي الذي فكك طلاسم لغة النحل وحصل على جائزة نوبل عام 1973. منذئذ، وبفضل علماء مثله أخذنا حجمنا الحقيقي، أننا لسنا آلهة، ولا حيوانات، إنما كائنات مدعوّة لأن تعيَ وتفهم موقعها في هذا الكون، وهذا مشروع يتجاوز كل معتقداتنا الدينية وآيديولوجياتنا السياسية، وحكاياتنا الخرافية من الأمس واليوم.
كركوك 30 أيار 2019
"Nous nous efforçons de gravir la colline de la science et, lorsque nous atteignons le sommet, nous trouvons les spiritualistes assis au-dessus de nous."

Lorsque le savant atteint le sommet de la colline, il trouve le spirituel assis dessus





غير متصل يوسف ابو يوسف

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 5813
  • الجنس: ذكر
  • ان كنت كاذبا فتلك مصيبه وان كنت صادقا المصيبه اعظم
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: الوعي، بين الأمس واليوم
« رد #1 في: 15:38 31/05/2019 »
شلاما وايقارا:

اقتباس (قال أحد العلماء: "نحن نجهد أنفسنا لنتسلق تلة العلم، وعندما نصل إلى القمة نجد الروحانيين جالسين فوقها قبلنا".) كلام صحيح ...فكل الاختراعات والاكتشافات بالامس واليوم وغداً مذكوره في القرآن واذا ما تصدكون روحوا اسألوا المسلمين  8) 8) .

تحياتي.

                                      ظافر شَنو

والحياةُ الأبديَّةُ هيَ أنْ يَعرِفوكَ أنتَ الإلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا يَسوعَ المَسيحَ. الذي أرْسَلْتَهُ. (يوحنا 17\3)