هل انتهت حقاً أهمية وضرورة الإجراءات الحمائية للمنتجات الوطنية في العراق؟


المحرر موضوع: هل انتهت حقاً أهمية وضرورة الإجراءات الحمائية للمنتجات الوطنية في العراق؟  (زيارة 175 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1175
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

كاظم حبيب
هل انتهت حقاً أهمية وضرورة الإجراءات الحمائية للمنتجات الوطنية في العراق؟
نشر الزميل الدكتور حميد الكفائي مقالاً مهماً في جريدة الحياة بتاريخ 9 أغسطس/آب 2019 تحت عنوان "متى تنتهي الإدارة العشوائية للاقتصاد العراقي"، سجل فيه جملة من الأفكار الصائبة التي تعبر عن المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي في المرحلة الراهنة، التي لم يكف الاقتصاديون العراقيون عن ذكرها دوما دون أن تجد آذاناً صاغية لدى حكام العراق القدامى والجدد، ما عدا فترة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم القصيرة، حين كان الفقيد الأستاذ وعالم الاقتصاد إبراهيم كبة وزيراً للاقتصاد.
لقد شخص الزميل حميد الكفائي نقاطا جوهرية عديدة عبَّر فيها عن تلك المشكلات التي يمكن تلخيصها على النحو التالي: الاعتماد على مصدر واحد أساسي في تكوين الدخل القومي (النفط)، غياب التنوع في الاقتصاد العراقي، لاسيما قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، وبالتالي عدم تنويع مصادر الدخل القومي، "الاقتصاد العراقي في الحقيقة اقتصاد عشوائي يستمد أمواله من ريع النفط"، و"اقتصاد غير مستقر، تعبث به مافيات طفيلية تعتاش على السرقة والنهب والإجرام والتهريب. مافيات وعصابات مسلحة مرتبطة بدول أخرى، ومستغلة ضعف الحكومة". ورغم استقلال البنك المركزي من الناحية القانونية، إلا إن هذا "لا ينعكس على سياساته التي يساير بها الحكومات المتعاقبة"، ثم الكارثة الاقتصادية في المزاد العلني للدولار في العراق..، فـ "مزاد بيع العملة سيف ذو حدين يذبح الاقتصاد العراقي كل يوم"... " إضافة إلى ثبات سعر العملة بذريعة مواجهة التضخم المتفاقم في العراق". (قارن مع نص مقال الدكتور حميد الكفائي). ولم ينس الزميل الكفائي الإشارة إلى واقع الرثاثة الفعلية لمدينة بغداد المليئة بالقمامة. وأرى جازماً أن هذه الرثاثة تجسد في حقيقة الأمر رثاثة فكر وممارسات النخب والفئات الحاكمة وسياساتها ومواقفها من الشعب وإرادته ومصالحه، فالمهم عندها كيف تُبدع وتُنوع أساليب نهب المال العام، وليس من همومها كيف تنمس وتطور وتراكم الثروة الوطنية وتحسن أوضاع الاقتصاد ومستوى معيشة الغالبية العظمى من المجتمع.
ومع اتفاقي إلى حدود بعيدة فيما ذهب إليه الزميل الكفائي، إلا أني أرى بأنه قد جانب الصواب في واحدة من أهم السياسات الاقتصادية، التبادل التجاري/ إذ كتب:
"ليست هذه دعوة لاتخاذ إجراءات حمائية لحماية المنتجات العراقية، كرفع التعرفة الجمركية على الواردات مثلا، فمثل هذه الإجراءات عفا عليها الزمن ولم تعد مجدية، ولكن يجب الانتهاء من عشوائية الإدارة، وتنظيم الاقتصاد بحيث يتمكن من المساهمة في الاقتصاد العالمي وإنتاج بعض ما يُستهلك محلياً بعيدا من الاعتماد على تصدير المواد الأولية." وإذا كان الجزء الثاني من هذا المقتطف صائباً بشكل عام، فأن الجزء الأول منه لا يصلح للعراق، بل يعتبر مشاركة فعلية في استمرار وجود وفعل السمات السلبية في الاقتصاد العراقي، ومنها سمتا وحدانية الجانب والتبعية للدول المستوردة للنفط.
إن التشخيصات الصائبة التي سجلها الدكتور حميد الكفائي جعلني اعتقد بأن سيخرج باستنتاجات أخرى تماماً غير هذا الاستنتاج. فالزمن، الذي نحن فيه، لم يعف على سياسة الحمائية الجمركية العقلانية للصناعة والزراعة، وهي مجدية جداً للاقتصاد العراقي حين تقترن بسياسة تنموية اقتصادية واجتماعية ومالية ونقدية مستدامة وواعية ومدركة لحاجات العراق وإمكانياته وقدراته المادية والبشرية. 
السؤال العادل والمشروع الذي يفرض نفسه: كيف يمكن تغيير سمات التخلف والتشوه ووحدانية الجانب في الاقتصاد العراقي، إذا استمر العراق بممارسة سياسة "الباب المفتوح" في التجارة الخارجية ورفض اعتماد مبدأ الحمائية الجمركية؟ أرى بإن استنتاج الدكتور الكفائي ودعوته بعدم "اتخاذ إجراءات حمائية لحماية المنتجات العراقية، كرفع التعرفة الجمركية على الواردات مثلا"، قد ابتعد عما يفترض اتخاذه من إجراءات لتغيير واقع الاقتصاد العراقي ومعالجة مشكلاته. فما توصل إليه يعني جعل اقتصاد العراق مكشوفا بالكامل استيراداً وتصديراً على الخارج وتابعاً له، جزءاً متخلفاً ومشوهاً وتابعاً لعملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد الدولي، لاسيما الدول الرأسمالية الكبرى عموماً، إضافة إلى خضوعه الشديد للسياسة التي ترسمها إيران للاقتصاد العراقي.
من يتابع بعناية السوق العراقية منذ سنوات، سيرى عواقب سياسة الباب المفتوح في التجارة الخارجية، فهو مغرق بالسلع المستوردة من دول مثل إيران وتركيا والصين والدول الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى بعض الدول العربية. وعلى وفق المعلومات المتوفرة والمدققة فأن إيران وتركيا والولايات المتحدة تقف كلها، وبشكل مباشر، ضد تصنيع العراق، بل وأفشلت حتى، لاسيما إيران وتركيا، مشاريع إنتاج الطاقة وتنشيط منشآت قطاع الدولة واستثمار رؤوس الأموال في الصناعة أو تحديث وتطوير الزراعة.
إن السياسة الجمركية النيولبرالية التي فرضها بول بريمر، ومن ثم سار عليها الحكم الطائفي السياسي الفاسد، منذ العام 2004، تساهم بما لا يقبل الشك في إعاقة أي عملية تنمية صناعية وزراعية في العراق، وهي تريد احتكار السوق العراقي لسلعها الصناعية والزراعية. إن بعض الاقتصاديين اللبراليين الجدد ينصحون الحكام الفاسدين بالالتزام بقاعدتي الميزة المطلقة لآدم سميث والميزة النسبية لديفيد ريكاردو، وهما غير صالحتين لاقتصاد غالبية الدول النامية، ومنها العراق، إذ لا يجوز لها ولا للعراق التخلي عن سياسة التصنيع وتحديث الزراعة والبقاء في حالة التخلف، لأن بلداناً أخرى قادرة على إنتاج سلع بتكاليف أقل.
إن ممارسة سياسة حمائية للصناعة والزراعة في العراق لا تعني ممارسة سياسة الاعتماد على الذات كلية وفي كل الصناعات والمنتجات الزراعية، فهذا غير ممكن وخاطئ في عالمنا المعاصر والتقسيم الدولي الرأسمالي الجاري للعمل، وفي إطار   ثورة الإنفوميديا. إلّا إن من المفيد للعراق الاعتماد كثيراً على قدراته الذاتية بما يمتلك من موارد أولية لتنمية وتطوير صناعته وزراعته، مع الانتباه إلى تأمين حاجاته الاستيرادية بالنسبة لتلك السلع التي تساهم في تطوير اقتصاده وإشباع حاجات سكانه الأساسية.   
إن سياسية الباب المفتوح في التجارة الخارجية تقود في أوضاع العراق الراهنة، ولسنوات طويلة قادمة، إلى العواقب التالية:
1)   إن الوجهة التي تدعو إليها عملياً تحصر النشاط الاقتصادي العراقي في مجال التداول وبعيداً عن الإنتاج، وهي خسارة فادحة للاقتصاد الوطني وعملية التنمية وعملية تغيير بنية الاقتصاد الوطني المشوهة والمتخلفة وبنية الدخل القومي.
2)   إنها إضعاف للتوجه الضروري في السياسة الاقتصادية صوب تنمية القطاعين الصناعي والزراعي.
3)    كما إنها إضعاف للقدرة الفعلية على توفير أكثر فرص عمل للأيدي العاملة العاطلة والقوى العاملة الجديدة التي تدخل سنوياً في سوق العمل لاسيما في بلد مثل العراق حيث نسبة الولادات السنوية عالية.
4)   وفي هذا استنزاف نسبة عالية جداً من موارد النفط المالية، وعموم الدخل القومي، بسبب ارتفاع استيرادات العراق السنوية من السلع الاستهلاكية والكمالية وتنشيط النزعة الاستهلاكية لدى الفئات الغنية والميسورة.
5)   وهو إضعاف للقدرة على التثمير الإنتاجي في الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الإنتاجية وتقليص القدرة التراكمية الضرورية للرأسمال لإغناء وتعظيم الثروة الاجتماعية.
6)   وهذا يعني إبقاء العراق خاضعاً وتابعاً لتلك الدول التي تصدر له سلعها وتلك التي تستورد منه النفط الخام.
7)    وتهدد مثل هذه السياسية القدرة على توفير الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي في آن واحد. وهي المعضلة التي واجهت العراق أثناء الحصار الاقتصادي الدولي استيرادا وتصديراً.
8)   وعلينا أن نشير بأن مثل هذه السياسة تقود إلى المزيد من الفقراء في البلاد إلى المزيد من اتساع وتعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء والمزيد من التناقضات والصراعات والكثير من الفساد. إنها السياسة التي تنصح بها المؤسسات الرأسمالية الدولية الكبرى: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية!!
وكملاحظة أخيرة يمكن أن نرى كيف أن الدول الرأسمالية المتقدمة بدأت تمارس سياسة الحمائية الجمركية وتفرض ضرائب عالية على استيراداتها، وليس الحرب التجارية الجارية بين الولايات المتحدة والصين، وبين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، لاسيما ألمانيا، سوى تأكيد جديد بأن سياسة الحمائية الجمركية لم يعف عليها الزمن، بل مهمة جداً بالنسبة للدول النامية التي تسعى إلى تنمية وتطوير اقتصاداتها الوطنية وحياة مجتمعاتها، وهي في سباق ما يزال خاسراً مع الزمن!