عايد محمد كريدي.... صديق الطفولة بعد ستة عقود...


المحرر موضوع: عايد محمد كريدي.... صديق الطفولة بعد ستة عقود...  (زيارة 173 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 167
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عايد محمد كريدي.... صديق الطفولة بعد ستة عقود...
د. عبد الرضا عوض
منذ عام 1959 ونحن في عام 2019 والذكريات الجميلة لأيام الصبا تجري في عروقنا ، ستون عاما مضن بنحسهن وجمالهن ، والذكرى صادحة لابل تتراقص أمام اعيننا ، مئات المواقف والاحداث مرت بنا لكن تلك الأيام لها طعم خاص لا يمحى من الذاكرة.
بحكم المهنة  وبحثاً عن رزق تتعيش عليه أسرة قوامها ستة افراد انتقل بنا والدي الى قصبة المحاويل ثم الى شمال القصبة مجاورين الثكنة العسكرية التي يعمل بها وهذه الثكنة العسكرية أسست من قبل الجيش البريطاني سنة 1942، ثم آلت الى الجيش العراقي سنة 1954، وقبل ان اصل الى السن الذي يؤهلني للانضمام في صفوف التلاميذ تمكن الأهل عن طريق احد معارف والدي بقبولي طالباً مستمعاً ثم اصيلاً وأنا في الخامسة من عمري وكان ذلك عام 1957 ، وعند قيام ثورة 14 تموز كنت قد انتقلت من الصف الاول الى الصف  الثاني فجئت نقلاً الى مدرسة سميت رسميا (الريف الزاهر) وللتخفيف يطلق عليها الأهالي (الريفية) ، وهي تسمية مستوحاة من دار المعلمين الريفية التي أصبحت بنايتها ضمن الثكنة العسكرية إذ انشأت في اربعينيات القرن الماضي وعلى بعد 1كم من المدرسة التي قُبلت فيها ، وبالكاد اتذكر مفردات أيام الثورة الأولى.
كانت المدرسة قد شيدت سنة 1946م وهي مكونة من ستة صفوف بطابق واحد ، والقبول فيها مختلط (بنين وبنات)، وطلبتها خليط من مستويات اجتماعية وثقافية متفاوتة ، ومن مدن عراقية شتى، عرب ، وكرد ، وتركمان ، فمنهم أولاد الذوات ومنهم من ينحدر من طبقة فلاحية سحيقة ، واتذكر كان معنا عدد من الطالبات علق بذاكرتي اسماء بعض منهن من بنات الضباط الكبار في المعسكر تميزن بملابسهن الفاخرة قياساً مع الغير ، ولم تغب اسمائهن عن ذاكرتي رغم مرور سنين طوال وكان معنا في الصف طالب اسمه (اياد محمد سالم) ، وعند قيام محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959 واشتراك احد العناصر العروبية بالمحاولة (اياد سعيد ثابت) لم يخفِ أياد تأييده لحركة الشواف فرحنا نطلق عليه الاسم الثاني فيغتاظ غضبا ، ولكن سرعان ما نهون عليه مع العلم ان والده كان فعلا من العروبيين ومن محلة السفينة بالأعظمية وقريب لذاك المتهم، التقيت (أياد ) اثناء دراستي ببغداد وكانت لحظات لا تنسى حينما استذكرنا تلك الأيام البريئة الجميلة ..
كان من اساتذتها الذين بقيت اسمائهم عالقة بذاكرتي كاظم عبد الحمزة البنيان ، وشهيد جاسم الزبيدي قصير القامة من القوميين العرب ، وغازي احسين الذي لم تفارق شفتيه السيكارة ، ومحمود رشيد الجبر الذي اظهر تعاطفاً كبيراً في قمع حركة الشواف يومذاك ، وقد علمت أن هذا الرجل (محمود) قد تعرض للسجن عدة مرات بعد انقلاب شباط 1963 وقد توفي في هذه السنة (2019) ، ومحمد العميدي (من آل طربيس)، هؤلاء من قصبة المحاويل ، وهناك فئة ثانية من مدينة الحلة، اذكر منهم الأساتذة: عبد الله حسان الأحمد الذي اكمل دراسته للحقوق وقتذاك وياسين علوش ، وعبد الحسن الدليمي (ابو اسامة) ، وعبيد (معلم الرياضة) لا اتذكر اسم والده.
 في الصف الثالث جاء نقلا من مدينة الحلة طالب عليه سمات النعمة وذلك بمؤشر بسيط هو انه يرتدي القميص والبنطال اسوة بأولاد الذوات في حين كان بقية تلاميذ المدرسة يرتدون (الدشداشة) وينتعلون حذاء الكتان الابيض فقط في أحسن الأحوال،!! وهذا التلميذ الجديد اسمه (عايد ) وعَرفنا به شقيقه الأكبر (الحاج مهدي كريدي أبو زهير) الذي تجمعنا واياه جورة حسنة ، قال: ان عايد يسكن مع شقيق آخر يكبره هو ضابط اسمه (صباح) ، كان (عايد) وما زال ، دمث الاخلاق ، خفيف الظل ، لا تفارقه المزحة ، تقرب مني وتقربت منه ، اعتقد ان ذلك بسبب وحدة المنبع الجغرافي ، فكلانا الوحيدين في المدرسة قد قدمنا من الحلة، فضلاً عن ان شقيقه الأكبر(ابو زهير) تجمعه مع والدي صداقة متينة ومخلصة بقيت على حالها حتى وفاتهما رحمهما الله ، فهو يناديني من تلك الأيام بـ (ابن الملا) اشارة لوالدي الذي يكنى عند اصدقائه بالملا ، وبقي هكذا حتى ايامنا هذه.
كان ذلك التلميذ الذي وصلنا نقلاً لم يتباه علينا مثل بقية ابناء الميسورين بالرغم من ان والده كان ضابطاً في الجيش العراقي ، وشقيقه ضابط شاب رياضي برتبة ملازم اسمه (صباح)، ولابد ان نذكر ان عايد مع مرور الأيام اصابته العدوى فتطوع هو ايضا في سلك العسكرية بعد قبوله طالباً في كلية الطب وتخرج فيها طبيباً عسكرياً قضى وطراً من عمره متنقلاً ما بين بغداد وكركوك ، كان عايد من المتفوقين يتنافس معه على الصدارة في الفصل (عبد الهادي مكطوف) الذي هو الآخر اصبح طبيباً يعمل ويسكن حاليا في الحلة.
المدرسة كانت تبعد عن دارنا بمقدار لا يزيد عن مائة متر ، وعايد يصل المدرسة بسيارة عسكرية تنقله مع بعض التلاميذ من ابناء الضباط ، لكن اغلب البقية الباقية من التلاميذ كان وصولهم للمدرسة باستخدامهم ركوب الحمير، فكان هناك مربط في باب المدرسة لعشرات الحمير بجانب سيارة الأستاذ عبد الله حسان الاحمد (الفوكس واكن)، وجود الحمير كان تندر عايد كونها غريبة عنه فبقيت تعليقاته، بوصفها احياناً مقاربة بأسماء السيارات آنذاك ....
من أجمل واندر الذكريات التي بقيت عالقة في الذهن ان (عايد) قد اخبرنا في يوما ما بأن مهرجاناً رياضياً سيقام في المعسكر وان شقيقه صباح سيشارك كأحد المتسابقين في ذلك الكرنفال ، وكان ذلك في ربيع 1960م ، ونحن لم نعرف ماهي طبيعة المسابقات وفعلاً اقيم المهرجان لألعاب سباقات الساحة والميدان في ساحة مستديرة زرع حولها اشجار الكالبتوس كان الإنكليز قبل ان يغادروا المعسكر قد اعدوها لمثل هذه المناسبة والسباق كان بمشاركة عدد من الوحدات العسكرية حضرت من أماكن اخرى ، وحضرت فرقة موسيقى الجيش التي استقدمت من مقرها في مدينة الديوانية حيث مقر الفرقة الاولى ، وكان اسم الزعيم عبد الكريم قاسم يتردد كثيراً ، وجرى الاستعراض الرياضي العسكري بحضور رجال ادارة الدولة في اللواء وبدأت المسابقات، وأمر لا ينسى ان وزع علينا قناني (الكوكا كولا) مجاناً ، وهذه هي المرة الاولى التي احضر واشاهد مسابقات الساحة والميدان في حياتي مباشرة ، ومن أجمل المفاجأت أن يكون (الملازم صباح محمد كريدي) بطلاً للساحة والميدان في ذلك الاحتفال ، فازداد الفتى بهاءاً فوق بهاء. وعرفت لاحقاً ان من بين المتسابقين صديقنا الخلوق عبد الأئمة عبد الهادي ميرة ، وذكر لي بعد وقت طويل ان الحزب الشيوعي كانت له يد في انجاح ذلك المهرجان.
لم يكن لدينا وسائل لهو وترفيه كما هو الآن عليه ، فضلاً عن اننا لا نتمكن من قراءة القصص بعد ، ولا وجود لدار عرض سينمائي والبث التلفزيوني ضعيف جداً ، فكنا نتسلى بأسماء افلام لم نشاهدها (طرزان ، هرقل الجبار ، عنتر وعبلة) ومع اسماء الرياضيين الكبار من الشباب آنذاك (عمو بابا ، يورا ، جمولي) وهكذا ، ثم حدث امر لا اعرف هل هو صدفة ام بتبويب مركزي هو قدوم شقيق عايد اسمه (صلاح) يكبره سنوات مطبقاً للتعليم في مدرستنا كي يؤهل للتخرج في دار المعلمين ثم ليعين في سلك التعليم فزاد رصيد عايد نقطة على زملائه.
كانت الحياة بسيطة وغير معقدة ، لكن وعياً تمدد في شخصية اي فرد منا بسبب احداث الاعوام 1958-1959 ، فالمناهج كانت غير ثابتة وقضينا سنة أو سنتين نتعلم بطريقة الملازم المدرسية ولا وجود للكتب عندنا في تلك السنين، والمدرسة مشمولة بكاملها بــ(التغذية المدرسية) وهذا ما كان معدوما قبل قيام الثورة ، كذلك كنا نتناول جبراً كرات زيتية واحدة كل يوم قبل التغذية قيل لنا انها (زيت السمك)، تفيد تقوية الجسم.
وكان من معلمينا من يعتقد بالفكر العروبي ، ومنهم من يعتقد بالفكر الشيوعي ، ففي احداث 1959 يتصرف التلاميذ على انهم رجال رغم ان جغرافية المكان لا تشجع على التظاهرات ولا المسيرات ، كان مدير المدرسة رجل كيس اسمه طاهر آل طربيس العميدي ، معتدل في ادارته ، اتذكر ان التلاميذ ارادوا الخروج من المدرسة ليعربوا عن فرحتهم بفشل حركة الشواف فأراد أحد المعلمين من أصحاب الفكر العروبي منعهم (....) لكن الاستاذ محمود رشيد شتمه واراد ان يضربه فخرج التلاميذ وهم يهتفون بحياة الزعيم عبد الكريم وسلامة ثورة تموز المجيدة حاملين صديقنا (عبد الرزاق مكطوف) على الاكتف مبتهجين بالقضاء على تلك المؤامرة !!، وبعد مدة قصيرة حضر احد منتسبي مديرية المعارف في الحلة ممن يجيدون الرسم وعرفت فيما بعد انه محمد علي شاكر شعابث فرسم خارطة الوطن العربي على الجدار القريب من غرفة المدير وشخص دولة الجزائر التي لم تستقل بعد فكتب (الجزائر الحرة)!!.
ولم انس ذلك المعلم الشاب الذي قدم من بغداد الكاظمية اسمه (وداد) ببشرته البيضاء وعيونه الزرق ، وخلقه الحميد ، واذكر انه جلب معه مرة جهاز تسجيل (ابو البكرة) واسمعنا اناشيد وطنية ،ومن الطريف أسرني عايد وهذه لم انساها (تدري لو استاذ وداد بنية جان يخبل) ، وكنا نضحك خلسة ، ومع ذلك كان اغلب المعلمين من ابناء الحلة وبمجرد معرفتهم بانحدارنا المدائني نكون محل اهتمام وتقدير هؤلاء الاساتذة .
لم يطل بنا المقام في (الريف الزاهر) فقد انتقلت أنا في خريف عام 1962 الى مدينتنا الحلة في العام نفسه قبل ان ننهي الدراسة الابتدائية ، فكنت انا في مدرسة صفي الدين الابتدائية ، واعتقد ان عايد قد امسى في مدرسة الرشاد الابتدائية وهي الأقرب لبيت والده في محلة القاضية.
كنا نلتقي في مناسبات على غير موعد واحياناً بفترات متباعدة وسريعة فمشاغل الحياة ابعدتنا لكن الموّدة بقيت كما هي لم تغيرها الأيام ولا السنون.
ايام على قصرها جسدت القول الحكيم (العلم في الصغر كالنقش على الحجر) ، التقيت بمئات لا بل بآلاف من طلبة وعمال وموظفين ، ولم يعلق بذاكرتي الا القليل فكان (عايد) قد احتل مساحة في الذاكرة ومن المؤكد ان تلك الأيام على قلتها بقيت احداثها تتراقص امامنا .....
هذه الذكريات كتبتها منتشلا اياها من ذاكرة  محملة بمختلف القضايا بعد ستة عقود بناءاً على طلب الدكتور عايد وانا ازوره بعد ان ألمت به وعكة صحية ، فقال لي : (بروح الملا ، رجائي ان تدون ذكريات تلك الأيام كما هي ، فإنها متعة بعد شقاء مرير مع هذه الحياة الفانية ، وحتى يعرف ابنائنا جزء من السيرة) ، وهذا له ما اراد , وختمتها اليوم الفاتح من تموز 2019م 0
والحمد لله رب العالمين..