المحرر موضوع: هَمَسَاتْ ليل الخريف  (زيارة 129 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نمير لوسيا

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 14
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
هَمَسَاتْ ليل الخريف
« في: 12:29 28/09/2019 »
هَمَسَاتْ ليل الخريف
طّل الخريف سريعاً ولبَسَت الارض حِلَتها الجديدة بألوانها الزاهية التي تُظهر جمال وبصمات فنان الطبيعة الاول ، ولَبَسَت السماء حلّتها البيضاء والرمادية وتبدّلت الاهواء ومن حين لآخر بدأت تهبُ تيارات قوّية باردة تدك جدران البيوت واسطحها وفي ذات الوقت بدأت ظُلمة الليل تزدادُ رهبتها فتهوى امام جَبَروتها ساعات النهارالخجولة في صراعٍ تتبدل فيه موازين القوى بأنتظام تبعاً للفصول والمواسم وفي صراعٍ مستمر لم تُحسم فيه الغلبة لأي منهما منذ ان ألقت الشمس بأولى إطلالاتها على وجه الأرض حينما كانت الأرض باردة خاوية خالية وروح الله تُرفِرفُ على وجهها. في ذلك اليوم الخريفي كانت ساعات النهار قصيرةً وباردة والشمس بدت بعيدة وخجولة اذ كانت منزوية خلف سُحُب كثيفة تحجب روحها الجميلة واشعتها الدافئة عن عشاقها في هذا الفضاء اللامدروك ، أقبل الليل سريعاً وعاد توما الى بيته مع دابته بعد يومٍ طويل امضاه في الحقول وما ان دخل عتبة الباب حتى نادته امه سْيّا باسمه توما توما اغسل يديك ورجليك فالعشاء حاضر اذ كانت قد اعدت للعشاء طبقاً من العدس الحار وبعض المقبلات من خبز الرقاق الجاف والزيتون الاخضر وبعض مخلالات الشلغم والشوندر بعصيره اللذيذ ، وعلى نور الفانوس الزيتي الذي كانت السنة لهيب الفتيل تتراقص بوتيرة يتغير معها النوربين جدران تلك الغرفة المُعتمة تناولت الوالدة وإبنها العشاء وتقاسما الزاد والطمأنينة ، فقد كان توما كل عالمها بعدما اخذت الاقدار زوجها وابنها زيّا وكانت هي كل عالمه ففي ذلك البيت البسيط وتلك الغرفة البسيطة الكامنة فوق السرداب جلسا حول مدفئة الفحم يتسامران ويكسران صمت الليل ومن حين لاخر ينصتا الى همسات الليل وهما يتناولا بعضاً من السفرجل والبلوط المشوي الى ان اجتاحت اجسادهم المرهقة موجة النوم فرقد كل منهم في سريره وصلى قبل ان تركب نفوسهم قطار النوم وليس في نفس كل منهم امنية وسعادة اعظم من ان تلتقي عيونهم في محطة الفجر القادمة قبل انبلاج الصباح ليكملا رحلة قطار الحياة القادمة سويةًً.