الحوار والراي الحر > المنبر الحر

ذكريات - الإفلات من قبضة المجرم ناظم كزار!؟( 1ــ 2 )

(1/1)

جاسم الحلوائي:
ذكريات
الإفلات من قبضة المجرم ناظم كزار!؟
( 1ــ 2 )
جاسم الحلوائي
jasem8@maktoob.com
ناظم كزار جلاد بعثي معروف، وهو مسؤول شخصيا عن قتل وتعذيب عشرات  الألوف من بنات وأبناء الشعب العراقي، غالبيتهم من الشيوعيين وأنصارهم. لم أقابله يوما، وإنما مررت بمديريته دون أن يمسني بسوء، إذ كان مرغما على إطلاق  سراحي لأسباب سياسية. وعندما توفرت الفرصة له ليلقي القبض علي، فلت من قبضته.

في ايلول 1969، سافرت الى موسكو لإجراء عملية جراحية لأذني إقترحها علي أكثر من طبيب اخصائي عراقي. لم أتمكن من إجراء العملية في العراق لأنها تتطلب رقودي في المستشفى، في حين كنت مختفيا آنئذ. كنت سكرتيرا لمنطقة الفرات الأوسط ومقيما في مدينة الحلة. وقد سافرت بشكل غير شرعي الى القامشلي، عبر الموصل والمثلث العراقي ـ التركي ـ السوري وصولا الى دمشق، فموسكو. وخلال هذه السفرة إستخدمت أغلب وسائط النقل المعروفة ـ المشي، الحيوان، التراكتور، سيارة جيب، الباص، وأخيرا الطائرة.

بعد إجراء العملية الجراحية، شبه الفاشلة، منعت من السفر بالطائرة لمدة ستة أشهر. فكان لابد من العودة بالقطار. لكن قسم العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي إعترض على سفري، عبر ممثلهم الرفيق نيجكن. فالسفر بالقطار يستلزم المرور بعدد من البلدان ــ رومانيا وبلغاريا وتركيا، وهذا غير ممكن بجوازي المزّور.
وإ قترح علي الحصول على جواز سفر من السفارة العراقية. ولم يكن المقترح بمعزل عن رغبة موسكو في تنمية العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث. لم يخطر المقترح ببالي ولم أستسغه في باديء الأمر، ولكن الموقف الإيجابي لقيادة منظمتنا في موسكو منه، والتأكيد على إن حقي مضمون في عدم الإجابة على أي سؤال لا أرغب الإجابة عليه في السفارة العراقية، شجعني على الموافقة. رافقتني الى السفارة الرفيقة أم إيمان ( ثمينة ناجي يوسف، زوجة الشهيد سلام عادل) كشاهد على عراقيتي، وهو إجراء روتيني . وتمت المعاملة بالسفارة بشكل روتيني ومنحت جواز مرور صالح لسفرة واحدة. فرجعت من موسكو الى حلب بالقطار.

في دمشق التقيت بالرفيق عزيز محمد وذلك في تشرين الثاني 1969. لقد حاولت إقناعه بعودتي الى العراق بشكل شرعي، لإعتقادي بأن السلطة لم تكن في وارد إلقاء القبض على إعضاء اللجنة المركزية آنئذ، فقد أعتقل بهاء الدين نوري، عضو اللجنة المركزية، صدفة، في تلك الفترة بالذات، واطلق سراحه، بعد أن أعادوا له أوراقه ومسدسه وإعتذروا منه. وافق الرفيق عزيز بعد أن أكدت له بأني أتحمل شخصيا مسؤولية هذا القرار. وكنت شديد الرغبة في التخلص من وعثاء السفر في الطريق غير الشرعي، يحفزني في ذلك حيازتي على جواز أصولي.

سافرت عن طريق الرطبة.اوقفتني شرطة الحدود لوجود أمر بإلقاء القبض علي عام 1963! ضمن قائمة تضم أسماء الكثيرين، ظل منهم في ذاكرتي الشهيدين جمال الحيدري وعبد الجبار وهبي؟! أخبرتهم بان عفوا قد صدر عني وعن مجموعة من قيادة الحزب نهاية عام 1968، وإن القائمة، التي يتحدثون عنها، قديمة، وبإمكانهم الإتصال ببغداد والتأكد من ذلك.
لم يعيروا إهتماما لكلامي وحجزوني، وعلى الأرجح بعد إتصالهم ببغداد!. بعد قضاء ليلة واحدة في موقف الرطبة رحلت الى مركز شرطة الرمادي. ومن هناك أرسلت برقية الى نوري عبد الرزاق، وكان أحد شخصيات حزبنا العلنية، أخبرته فيها بنبأ إعتقالي. بعد ليلتين في الرمادي سفرت الى مديرية أمن بغداد. زج بي في موقف يضم حوالي 30 معتقلا. نادوني مساءً وقادوني في دروب شبه مظلمة، تثير بعض الفزع، سيما وأنا لا أعرف الى أين يقودونني، ولكنني أعرف بأن مديرالدائرة هو المجرم ناظم كزار.
وأخيرا أدخلوني غرفة صغيرة اخذوا لي طبع أصابع وكذلك ما يسمى بصحيفة أعمال ( وهي إستمارة تتضمن معلومات عادية عن الشخص) ومن ثم أعادوني الى الموقف.، وإستنتجت،مماجرى، بأن الأمر ليس خطيرا. في اليوم التالي نودي علي وأدخلوني على محمد صالح، وهو نفس مدير الشعبة الذي اشرف على تعذيبي عام 1965. إستقبلني بترحاب وقال:
 
ـ بس شفت إسمك عرفتك، ماكو شي، هسه تطلع. وقعت أوراقك ورسلته للمدير العام ناظم كزار... إي..إي.. ناظم كزار... صايرلي مدير عام، شايف هيج دنيا . بشرفك تقبل سياسي مثل عبد الرحمن البزاز يخلو يمشي مثل الجلب، ويكنس الموقف؟

أدهشني كلا مه وحيرني مقصده، لذلك تجنبت االإجابة بالكلام وعبرت بحركة إستغراب من شفتي جوابا على سؤاله. رفع من على مكتبه نسخة من صحيفة "طريق الشعب" ووجهها الي وقال:

ــ هاي آخر عدد.
ــ قاريها.
ــ وين قاريها؟
ــ بموسكو
ــ بموسكو.. شوصلها؟ (كان إستغرابه في محله، فبعد خروجي من الموقف عرفت إن ما قرأته كان العدد ما قبل الأخير).
ــ ما أعرف!
ــ شنو رايك بيها؟
ــ آني شنو رأيي، يو إنت شنو رأيك؟
ــ آني أكول لا شيش اولا كباب.
ــ شتريدها إنت، شيش يو كباب؟
ــ يو شيش يو كباب. ( أما إنحراف الحزب الى اليسار أو الى اليمين، هذا ما كانت تطمح اليه الأجهزة الأمنية آنئذ، لتكون على بينة من أمرها ولتنفيذ خططها في إضعاف الحزب بسهولة.
ــ ليش سافرت بدون جواز اصولي، لو مراجعنا جان منحناك جواز سفر.
ـ إذا ما عدكم مانع من سفري، ارفعوا المنع عني، حتى مديرية السفر والجنسية تمنحني جواز.

عادت الأوراق من ناظم كزار تحمل موافقته على إطلاق سراحي. خرجت من مكتب محمد صالح وهو ينادي :
ـ راجعنا إذا تريد تسافر
ـ أراجع مديرية السفر.

خرجت من مديرية الأمن، بعد أن إستلمت حقيبتي وذهبت الى بيت أحد أخوتي، قبل سفري الى مدينة الحلة للإلتقاء بعائلتي.

بعد عودتي من السفرأنيطت بي مسؤولية منظمة بغداد، وذلك في بداية 1970. وكان مكتب بغداد يتكون من الشهيد محمد الخضري والفقيد ماجد عبد الرضا وأنا. وفي نهاية السنة، إشتدت الحملة الإرهابية ضد الحزب وتدهورت العلاقة مع حزب البعث، والتي كانت هشة بالأساس، الى حد القطيعة.

لم تتوقف حملات الإرهاب البعثية يوما واحدا ضد الحزب الشيوعي، كانت تشتد وتضعف بالإرتباط مع أي نجاح يحققه الحزب في تعزيز وتوسيع نفوذه. فقد إشتد الإرهاب بعد أيام من إتفاق الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة على بيان 11 آذار 1970، الذي يقر بالحكم الذاتي للشعب الكردي، لأن الجماهير الشعبية إعتبرت ذلك إنتصارا للحركة الكوردية و الحزب الديمقراطي الكوردستاني ولسياسة الحزب الشيوعي العراقي وكفاحه من أجل تحقيق أماني الشعب الكردي. وقد عبرت الجماهير الشعبية عن ذلك في مظاهراتها العفوية في مساء 11 آذار. في حين لم يتمكن حزب البعث من تجيير الإنتصار لحسابه. لأن الرأي العام الداخلي والخارجي كان يعرف إن ما تحقق ليس من صلب سياسته. وهكذا سنرى كيف إشتدت الحملة الإرهابية ضد الحزب بعد الإتفاقية المذكورة.

يوم 20 آذار إختطف، في وضح النهار، جهاز الأمن الذي يديره ناظم كزارـ صدام، الكادر الحزبي المتقدم الشهيد محمد الخضري وهو في طريقه الى كازينو صدر القناة ببغداد لحضور حفل، أقيم من قبل مجلس السلم والتضامن، بمناسبة صدور بيان 11 آذار. وقد عثر عليه، في اليوم التالي، مقتولا، في سيارته المتروكة في طريق بغداد ـ  بلد، و قد إخترقت جسمه 18 رصاصة وعلى جسده آثار التعذيب.

في 21 آذار،عيد نوروز، تجمع الشيوعيون وأنصارهم في الميدان في قلب بغداد للمشاركة بمسيرة دعما لبيان 11  آذار . وقد تصدر المسيرة مجموعة من قادة الحزب المعروفين، فما كان من أزلام النظام إلا أن عزلوا القيادة وفرقوا التجمع بالهراوات!!.

في 10 تموز طرحت صحيفة "الثورة" شروط  حزب البعث للجبهة؛ وسمتها "طريق الشعب" في عددها الصادر في الأول من آب " شروط البعث التعجيزية للجبهة " وقد فندَت تلك الشروط بعد أن ناقشتها. وإستخلصت ما يلي: " إننا لانتجنى على الحقيقة والواقع إذا قلنا إن الشروط التي يطرحها البعث كأساس لإقامة الجبهة لايمكن أن تحظى بتأييد الحزب او منظمة وطنية في العراق بما فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتحالف مع البعث على أساس إتفاقية 11 آذار 1970 ويطمح الى جعل هذا التحالف ( قاعدة رئيسية للجبهة ) ويتطلع الى توسيعها وتعميقها كي تضم جميع الأحزاب والهيئات الوطنية في العراق" وإختتم الحزب مناقشته بالمطالبة بإلغاء تلك الشروط.


في آب أعتقل الكادر الفلاحي المعروف كاظم الجاسم، عضو لجنة منطقة الفرات  الأوسط. واعتقل الكادر الحزبي المحترف عزيز حميد، خريج معهد كارل ماركس للإقتصاد في بلغاريا. وكان هناك قلق جدي على حياتهما فقد كانا بيد الجلادين ناظم كزار ـ صدام التكريتي.

يتبع[/b][/size][/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة