Menu

المحرر موضوع: المواقف النقدية / قراءة في نقد القصة القصيرة في العراق  (زيارة 3222 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر



المواقف النقدية
قراءة في نقد القصة القصيرة في العراق
الإهداء إلى من طاعنا من أجلي خيول الدهر إلى والديًّ العزيزين

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

يعنى النقد الأدبي عناية بالغة بدراسة النصوص ـ أدبية كانت أو نقدية ـ وسواء اعتمد النقد المقومات الذوقية أولم يعتمدها فإنه ـ بالنتيجة ـ يتأسس على معايير محددة تمكن الناقد من تحليل النص وتفسيره وتقويمه، بمعنى أنه يتجاوز الذوق إلى عملية ذهنية واعية، ويكشف النقد ـ من هذه الزاوية ـ عن القيمة الفنية والمعرفية للنصوص، ليلتقي بألوان المعرفة الأخرى ويستقل عنها في آن، وبهذا يسهم النقد الأدبي في تشكيل نوع من الوعي الفني والمعرفي للأديب والناقد بخاصة، والمجتمع بعامة.
وتأسيساً على هذا اتجه البحث إلى دراسة النشاط النقدي في العراق، وبخاصة ما أثارته القصة القصيرة من تصورات وتحليلات نقدية، ليسهم هذا التحديد في تخصيص دراسة تهدف إلى مزيد من الدقة في المعالجة والتحليل، وليعصم الباحث من الإسراف في التعميم إذا وزع جهده في دراسة النشاط النقدي بأسره، كما أنَّ هذا التحديد يسهم في الكشف عن التجليات النقدية المتنوعة حول هذا الشكل الأدبي دون غيره من الأشكال الأدبية الأخرى، ويتحدد البحث ـ من زاوية أخرى ـ بإطار زماني يمتد من مطلع القرن العشرين ـ البدايات الأولى للنقد ـ ويتوقف في عام 1967م، ليرصد مرحلة دقيقة من مراحل النقد في العراق، تميزت بخصائص وسمات معينة، وانطوت على مواقف نقدية متغايرة، تبلورت وتكاملت في هذه المرحلة، ويهدف البحث ـ من ثم ـ إلى الإحاطة بها، ومتابعة تطورها، وتأسيس أصولها.
ويصدر هذا البحث عن تصور أولى لطبيعة الأدب والنقد يرى فيه أنَّ الأديب والناقد يصدران عن تصورات سابقة تحكم رؤيتهما للعالم والإنسان، ومن الطبيعي أنْ تتغاير هذه التصورات فردية وعامة، ومن الطبيعي أيضاً أنْ تنعكس آثارها على النصوص الأدبية من حيث تحديد وظائفها، وماهياتها، وبنائها، وأداتها، فالناقد الذي يرى في الأدب صورة حرفية للواقع، بمعنى مراقبة الواقع وتسجيل أحداثه، يضاد الناقد الذي يرى فيه تعبيراً عن الانفعال أو تصويراً له، ففي حين يركز الأول جهده على العالم الخارجي، يركزه الثاني على العالم الداخلي، ويختلف عنهما ناقد آخر يوفق بين العالمين بطريقة ما، في أثناء تحليله، وهذا يعني أنَّ هناك بنية تختفي وراء هذه التصورات، وكان ينبغي أن يتجه الدرس النقدي ليكشف عنها، ويحدد عناصرها، ما دام النقد عملاً ذهنياً واعياً.
وفي ضوء ما سلف ومن خلال عملية استقرائية للنصوص النقدية اتضح أنَّ هناك مجموعة من الرؤى تعاقبت على الساحة النقدية في العراق، فهناك رؤية تغلب الموضوع على الذات، وتجعل العقل متحكماً في إبداع النص وفي كيفية نقده، أطلقت عليها «الرؤية التقليدية«، وتضادها رؤية تغلب الذات على الموضوع، وتجعل الذات مصدرها في الوعيين الفني والمعرفي على السواء، وتنعكس آثارها ـ بالضرورة ـ على إبداع النص ونقده، أطلقت عليها « الرؤية الرومانسية »، وهناك مجموعة من الرؤى حاولت الانفلات من الرومانسية من ناحية، وسعت إلى التوفيق بين الذات والموضوع، مع تغاير كيفي في طبيعة هذا التوفيق من ناحية أخرى، كما أنها تزامنت في مرحلة تاريخية معينة، وتنحصر هذه الرؤى : بالوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية.
وفي ضوء هذا توزع البحث على ثلاثة أبواب يختص الباب الأول بالموقف التقليدي، ويختص الباب الثاني بالموقف الرومانسي، ويختص الباب الثالث بالمواقف : الوجودية، والواقعية النقدية، الواقعية الاشتراكية، التي جمعت تحت عنوان « الانفلات من الرومانسية » وينطوي كل باب على ثلاثة فصول : يُعنى الفصل الأول : من كل باب بـرؤية النقاد، وتحديدهم لوظائف القصة القصيرة، ويُعنى الفصل الثاني : من كل باب بطبيعة القصة القصيرة، وخصص الفصل الثالث من كل باب : لبناء القصة القصيرة وأداتها، غير أنَّ الضرورة المنهجية اقتضت في ضوء الكيف النقدي أولاً، والكمي ثانياً، أن تعالج الوجودية والواقعية النقدية بصفحات محدودة في أوائل الباب الثالث، وتنطوي دراستهما على عرض رؤيتهما وتحديدهما لقضايا النقد الأساسية شأنهما شأن المواقف النقدية الأخرى، وافرد البحث للواقعية الاشتراكية في ضوء تجلياتها النقدية كيفاً وكماً ثلاثة فصول، شأنها شأن فصول الموقفين التقليدي والرومانسي.
وكان من الضروري أن يسبق كل باب من أبواب البحث مدخل صغير تناولت فيه التطورات السياسية والاجتماعية، وحاولت اختزاله إلى أقصى حد، ويتحدد في هذا المدخل المرحلة الزمنية التي نما فيها الموقف النقدي وتطور، فالموقف التقليدي يمتد من مطلع القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية، في حين يمتد الموقف الرومانسي من الحرب العالمية الثانية حتى أوائل الخمسينات، وتتزامن في « الانفلات من الرومانسية » الوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، في مرحلة زمنية تمتد من أوائل الخمسينات حتى عام 1967م، وعلى الرغم من تواكب المواقف النقدية وتعاقبها زمنياً فإنَّ هذا لا يعني حداً فاصلاً بينها، وإنما يمثل المرحلة التي ازدهر فيها هذا الموقف دون غيره، لأننا نجد نقاداً يسبقون مراحلهم أو يتخلفون عنها، وعلى سبيل المثال تأخر بعض النقاد التقليديين إلى الخمسينات والستينات.


أ. د. كريم عبيد هليل الوائلي





الباب الأول
الموقف التقليدي

مدخل :

لا تختلف المكونات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في مطلع القرن العشرين عنه في القرن التاسع عشر إلا في الدرجة، ويمكن تعميم هذا بشيء من التجاوز حتى الحرب العالمية الثانية، وحقيقة ما حصل تغير نسبي بطيء في أحايين كثيرة تسهم فيه بعض الأحداث السياسية كإعلان الدستور العثماني « 1908 م » الذي لم يترك أثراً إلا في صفوف الفئة المثقفة، وكاحتلال الإنجليز العراق في أثناء الحرب العالمية الأولى الذي استشرت آثاره في أغلب طبقات الشعب.
ومهما يكن من إطلاق الأحكام في اعتبار إعلان الدستور العثماني «بداية عهد جديد في التفكير العربي عامة والعراقي خاصة » ، فإنَّ هذا يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى تغيرات بطيئة سابقة لإعلان الدستور، ولذلك قابل المثقفون العراقيون إعلان الدستور «بحماس عظيم ورحبوا به في قصائدهم وأشعارهم وخطبهم » وتحفزوا على أثر ذلك لتأسيس مجموعة من الأحزاب السياسية أسهمت في بث بذور الوعي في صفوف المتعلمين على قلتهم.
وتمثل حركة الدستور بارقة أمل كانت آثارها واضحة على المثقفين في المجتمع، ويمثل الدستور في تصور أحد الباحثين « ظاهرة انفتاح المجتمع العراقي على العالم الخارجي لأول مرة » ، ولكنه على كل الأحوال لم يظهر تأثيره إلا في مراحل لاحقة، ونلمح في النقد الأدبي بعض الإشارات التي توهم في ظاهرها التأثر بالوافد، والتحدث عن روائيين ومبدعين غربيين، أو محاولة التحدث عن نتاجات أجنبية تلخيصاً أو نقداً، غير أنَّ احتلال الإنجليز العراق أحدث اضطراباً عنيفاً في صفوف الشعب العراقي، تحول إلى مواجهة قتالية بين أفراد الشعب والمستعمر، وكان الشعب يعي خطورة هذا الاحتلال، وأنه يمثل تسلطاً عليه، ولذا بدأت بوادر تمهيدية للقيام بشيء ما، ثم تفجرت بعد ذلك ثورة كبرى في صيف 1920 م.
ويرى عبد اللّه الفياض أنَّ ثورة العشرين تمثل « ظاهرة اجتماعية معقدة تمتد جذورها إلى ما وراء صيف سنة 1920م، وأن أدواراً تمهيدية سبقت الثورة المسلحة... فحركة الوعي الفكري التي بذرت بذورها في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وتأسيس الجمعيات والأحزاب... كلها عوامل ممهدة لثورة سنة 1920 » ، وأجبرت ثورة العشرين الاستعمار البريطاني على التخلي عن الحكم المباشر للعراق، وتنصيب ملك عربي مسلم ! هو فيصل بن الحسين، وبذلك تأسست أول حكومة عربية ! في العراق.
ولم تسهم الحكومة في إحداث تغيرات جذرية في الواقع، لأسباب معروفة، كما أنّ الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي تمتهن الفلاحة، ويحكمهم بشكل مباشر «المالكون» المرتبطون بنظام الدولة، ويرتبط نظام الدولة بهم أيضاً، ولذلك فهم يستعبدون الفلاحين مقابل نسبة ضئيلة جداً من المحصول التي تذهب هي الأخرى هدراً إزاء الديون المتـراكمة عليهم من «المالكين»، فضلاً عن تفشي البطالة المقنعة. ويبدو جور«المالكين» وظلمهم واضحاً لأنه لا قانون يحمي الفلاح، وبإمكان المالك أن يطرد الفلاح « متى أراد ويلاحقه بالديون التي أخذها ليأكل بها، وليعيش، وقد حكمت بعض القوانين عليه بالبقاء في خدمة الإقطاعي حتى يسدد ديونه، ولا يجوز لمالك آخر أن يستخدمه ما دام مديناً بمبلغ لمالك آخر » ، وندرك خطورة ذلك أيضاً إذا عرفنا أنَّ دخل الفلاح العراقي ـ كما ينقل ذلك يوسف عز الدين عن الباحثة الإنكليزية « دورين وارنر » ـ يتردد بين «خمسة باونات وخمسين باونا » .
ويعـاني المجتـمع العراقي من تفشي الجهل والأمية، إذ ليس للتعليم في الفترة العثمانية « شأن يذكر »، وإذا كان « تعليم البنين أيام العثمانيين مهملاً أشد الإهمال فما هو حال تعليم البنات في ذلك العهد » ، ويتفشى الجهل والأمية في صفوف الفلاحين بشكل كبير، بسبب مكافحة المالكين له، لأنهم «يرتعبون من تعليم الفلاح خوفاً من أنْ يشعر بالغبن الواقع عليه من قبلهم » ، وينحصر التعليم، على قلته، في بعض مراكز المدن، ولعلنا ندرك خطورة هذا إذا علمنا أنَّ تعداد السكان لسنة 1947 م يبين أنَّ نسبة الأمية في العراق كانت تتجاوز 90 % .
وفي ضوء هذا يعاني المثقفون من مشاكل عديدة، منها ما يتصل بطبيعة النظام السياسي، ومنها ما يتصل بالواقع الاجتماعي المتخلف الذي يعيشون فيه، ويسعون إلى إصلاحه، ولكنهم لم يستطيعوا الكشف عن الجذور الحقيقية لهذا التخلف ومحاولة علاجه، ولذلك اتجهت محاولتهم إلى حركة إصلاحية يدعون إليها، وقد انعكست آثارها على تحديد الوعي الفكري، وتحديد معالم الحركة النقدية في العراق في هذه المرحلة.





الفصل الأول
الرؤية والوظيفة

(1)

تحدد الوظيفة التعليمية أهمية الأشكال القصصية ودورها في الواقع الاجتماعي، فالأعمال القصصية تسعى إلى « تهذيب الأفكار والعواطف وانتقاد العادات الباطلة والأخلاق الفاسدة والأوضاع الضارة » ، وتتجه الوظيفة إلى الفكر مرة، وإلى الذات مرة أخرى، وإلى الواقع الاجتماعي مرة ثالثة، وتتباين أنماط معالجتها، إذ يعمد الناقد التقليدي ـ من جهة الفكر والذات ـ إلى «التهذيب » الذي يقود إلى لون من ألوان البناء، ويعمد من جهة الواقع الاجتماعي إلى « الانتقاد » الذي يقود إلى شكل من أشكال الهدم، ويولي الناقد « الفكر » عناية خاصة تفوق عنايته بـ « الذات » التي تتأخر عنه في الرتبة، ليكوّنا الأساس الذي يصدر عنه الناقد في تأمل واقعه، فالانتقاد محاولة لتجاوز ما هو سلبي في الواقع، والتهذيب سعى لإرساء ما هو إيجابي في الفكر والسلوك.
وتتحدد علاقة القاص بواقعه ـ في تصور الناقد التقليدي ـ من خلال بعدين، هما : الأصل : الذي يمثله الواقع، والصورة : التي تمثلها الأشكال القصصية، ويتضح هذا من خلال التأكيد على أنْ تصف القصة « الحياة الاجتماعية على ما هي عليه » أي محاكاة الواقع بأبعاده الإيجابية والسلبية على السواء، أو أنْ تصف « التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وجهاز حكومته » ، أي تأكيد الناقد على الجوانب السلبية اجتماعية وسياسية، أو أن تكون القصة القصيرة « صورة ناطقة للحياة الواقعة » ، إنَّ عناية هذه النصوص بمحاكاة أحد البعدين السلبي أو الإيجابي في الواقع، أو كليهما معاً، يقود إلى نتيجة يبدو فيها القاص محايداً إزاء واقعه، أي أنه يولي أهمية خاصة لتصور مثالي يجعل الفكر في المقدمة، والذات والواقع الاجتماعي في المراتب التالية له، وهذا يعني أنَّ الفكر هو الذي يحدد الزاوية التي يصدر عنها الناقد والقاص معاً في أثناء تأملهما الواقع، وفي أثناء محاكاة أبعاده السلبية والإيجابية على السواء.
وهذا من شأنه أن يعلي من دور العقل، وهو « لا يعني صواب الرأي الفردي فحسب، بل يعني كذلك موافقة هذا الرأي للتقاليد والعرف السائد » ، مما تنعكس آثاره على كيفية تحليل الأشكال القصصية، فالقاص ـ في تصور الناقد التقليدي ـ « يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبني عليها القصة، قبل أن يفكر في هيكل القصة نفسها وعقدتها وحبك حوادثها » وبهذا نكون إزاء بنائين ـ أحدهما سابق وهو بناء الفكر، وثانيهما لاحق وهو بناء القصة، وهما مترابطان ارتباط المعلول بعلته، وعلى صعيد القصة القصيرة يكون الفكر سابقاً لبنائها ومستقلاً عنها أيضاً، ويترتب على هذا تحكم العقل في حوادث القصة لتكون ـ لدى رفائيل بطي ـ « متسلسلة الواحدة تلو الأخرى بأسلوب يرضاه المنطق » ، ليصل الأمر حداً ـ لدى أنور شاؤل ـ في « الاتساق والتناسب والدقة » ، ويصل هذا التفكير ذروته في الصنعة عبر تماثل القصة القصيرة و« إنشاء عمارة » التي تعني تماثلاً بين المشبه « القصة » والمشبه به «البناية » بأسلوب هندسي يتحكم فيه المنطق إلى أبعد الحدود.
وتقود الأبعاد السابقة « التعليم، والمحاكاة، والصنعة » إلى تأكيد دور العقل في تحديد وظيفة القصة القصيرة وماهيتها وأداتها وبنائها، وتأسيساً على هذا تتخصص القصص القصيرة شأنها شأن العلوم بــ « دراسة نفسيات الناس وأخلاقهم وعاداتهم وحالتهم الاجتماعية مع نقدها بالطريقة الموضوعية أوبجكتيف » ، وهذا التخصص في دراسة المجتمع سيكولوجيا وأخلاقياً واجتماعياً، يعني في أبرز جوانبه تعطيلاً للأبعاد الذاتية، والإعلاء من نـزعة تجريدية تجعل العقل أداتها في الكشف عن قضايا موضوعية محددة، وقد يوحي النص السالف بالجمع بين البعدين العلمي والفني في آن، غير أنَّ تصـوراً لرائد من رواد القصة القصيرة في العراق ـ محمود أحمـد السيد ـ يرى في الأشكال القصصيـة « دراسة ليس إلا » ، ليؤكد الأبعاد الموضوعية التي يوصلنا العقل إليها، وتأصيلاً على هذا، رفض محمود أحمد السيد النتاجات القصصية التي تعتمد الخيال، لأنها تنأى عن هذه الموضوعية المحكومة بالعقل.
وتنعكس آثار الموضوعية على الوصف القصصي وحوادث القصة لأنها تفرض على القاص نمطاً من « الوصف الهادئ الرزين للنوازع الإنسانية » ، وأن تكون حوادث القصة قريبة من العقل والمنطق، ولذا رأينا رفائيل بطي يثنى على محمود تيمور لأنه « يرمي في قصصه إلى القضاء على التقاليد البالية وإحلال الأحكام العقلية مكانها » .
وفي ضوء هذا يجعل الناقد التقليدي العقل أداته التي يصدر عنها في التفكير، ووسيلته في تحليل الأشكال القصصية، فهو الذي يمكنه من الكشف المعرفي عن ماهيات الظواهر وعللها، ويمكنه أيضاً من الكشف عن الأفكار الذهنية المجردة التي تتسم بالثبات والخلود، ومن ثم، فإنَّ الناقد التقليدي يفصل المحسوس عن المعقول، وعالم الفكر عن عالم الحس، ويعني التفكير لديه : أنَّ الوعي يسبق الوجود، وفي ضوء هذا فإنه يلغي كل متغير في الواقع الاجتماعي، أو يعمد ـ على الأقل ـ إلى إحكامه بالعقل، لأن الثوابت قضايا ذهنية مجردة ترتكز إلى العقل، وإنْ المتغيرات مرتبطة بالحواس العاجزة عن كشف الثوابت، وبهذا يتحول الإدراك من إدراكي أنا الخاص إلى إدراك عام ينطوي على مجموعة من الحقائق بوصفها ثابتة وعامة لجميع الأفراد، ويقودنا الحديث عن الثابت الذي يكشفه العقل، والمتغير الذي تخدعنا به الحواس، يقودنا إلى الثنائية التي تحكم التفكير التقليدي بوصفه تصوراً أحادي الطرف، وهي : ثنائية العقل والجسد، إذ يمثل العقل الأداة المنطقية التي تمكن الناقـد من الكشف عن ماهيات الظواهر وعللها، في حين يعجز الجسـد «الحواس » عن الكشف عن هذه الماهيات.

( 2 )

وحين يتفاعل الناقد التقليدي مع واقعه الاجتماعي يعي تماماً أنَّ صورة المجتمع ليست متوافقة مع مكوناته الذهنية، فكانت ردود فعله تتوافق مع ما في المجتمع من حسن، وتتغاير مع ما فيه من قبح، بمقدار انسجام هذه الردود أو افتراقها عن العقل، ولهذا فهو يسعى إلى توظيف كل إمكاناته الفكرية من أجل النهوض بهذا المجتمع، ويمكن أن « يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات» ، أو يمكن لهذه الأشكال القصصية أن تسهم في « إصلاح ما فسد في اجتماع أمة من أخلاق وعادات وتقاليد » ، وهذا يعني أنَّ الناقد يسعى ـ هنا ـ إلى الكشف عن مواطن الحسن والقبح في الواقع الاجتماعي، غير أنَّ الحسن والقبح قيمتان فكريتان موجودتان في الذهن أصلاً، ويبحث الناقد عن مصاديقهما في الواقع، وأن هذه الوظيفة لا يمكن أن يحققها أي فرد، بل هي اختصاص صفوة الأمة التي ينبغي عليها تشخيص أدواء الأمة، ومن ثم تصف لها العلاج، ومن هنا جاء تشبيه الناقد لتخلف المجتمع بالأمراض المزمنة التي تقتضي وجود مصلحين قادرين على وعي الواقع ليكونوا « أطباء حاذقين »، ولكنهم ـ كما يرى الناقد ـ « نفر قليل والقليل كالعدم » ، وهذا يعني أنَّ وظيفة الناقد فكرية أولاً، وإصلاحية ثانياً، لأن مجتمعه الذي يعيش فيه يعاني من أمراض عديدة تقتضي منه حذقاً لإنقاذه.
وفي ضوء هذا يمكننا تفسير تصورات الناقد التقليدي التي تبحث عن أنماط مثالية معينة ينبغي تحقيقها في المجتمع، ولهذا يشترط محمود أحمد السيد في الفن بعامة والقصة بخاصة أن ترمز إلى « المثل الأعلى » الذي يتحدد لديه بــ « الهدف البعيد الذي يصبوا إليه المثاليون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم حتى يتحقق الرقي الإنساني والسعادة التامة» ، ويتضح من هذا أنَّ المثال يعني قيمة ذهنية تجريدية تعني الحسن لا القبح، كما أنه يمثل غاية يسعى الناقد لتحقيقها في الواقع، ويشترك فيها مع المثاليين عموماً.
ويعمد الناقد التقليدي إلى اختبار واقعه الاجتماعي في ضوء « المثال » الذي يتبناه، وبهذا يتحكم المثال في الواقع الاجتماعي، وما يضطرب فيه من تغيرات، إذ يرى محمود أحمد السيد ، في السياسة مثلاً ـ وبخاصةً في أوربا ـ أنها «مجموعة أكاذيب ورياء وخداع يتقنها « الدبلوماسيون » في مدارس الاستعمار، ويتخذون منها وسائل وذرائع للتحكم في الشعوب الضعيفة » وبهذا تنأى السياسة عن المثال الذي ينبغي أن يحقق في أبرز جوانبه قيماً تعليمية تضاد الكذب والرياء والخداع، وفي ضوء هذا تمثل على أحسن الأحوال شكلاً من أشكال المتغير الذي تصبح فيه «السياسة بعيدة عن المثل العليا » وما دام الأمر كذلك فإنَّ على القاص أن يتحلى بأخلاقية تتعالى على النشاط اليومي المتكرر القائم على الزيف والخداع، ويتأسس على هذا رفض محمود أحمد السيد للقصة السياسية، لأن الفن في تصوره « أسمى من أن يتنـزل إلى حضيض السياسة »، وإذا كان محمود أحمد السيد يرفض توظيف السياسة في القصة القصيرة للأسباب التي ذكرناها، فإنَّ أمين أحمد يرى أنَّ هناك دوراً ما للسياسة لابد لها من تأديته في الواقع، ولكنه يفصل بين السياسة والنتاجات الأدبية بسبب ميادينهما المتباينة، ويرفض الجمع بينهما في نص واحد، لأنَّ الجمع بينهما « دليل الضعف والتكلف » . إنَّ السياسة تمثل لدى الناقد التقليدي شكلاً من أشكال المتغير، ولذلك لا يمكن توظيفها في الأشكال القصصية، وما دامت السياسة بعيدة عن المثل العليا « كان حتماً على أهل الفن إبعادها عن عناصر فنهم » .
وإذا كان العقل متحكماً في تصورات الناقد التقليدي إزاء السياسة وتوظيفها في القصة القصيرة، فإنَّ موقفه لا يختلف إزاء موضوع إنساني خالد كالحب ـ مثلاً ـ الذي يوظفه في القصة القصيرة من خلال مستويين متضادين : الحب الجسدي أو المدنس المحرم، والحب الروحي أو الطاهر الشريف، وتتحكم رؤية الناقد ـ هنا ـ في التمييز بين نوعي الحب، فالحب الروحي يمثل نمط الحسن، أي مثال القيمة الذهنية المجردة والعامة لجميع أفراد النوع، وينطوي على أبعاد خلقية قوامها الفضيلة والعفة، ويفرض ـ من الناحية الفنية ـ على الشخصيات القصصية ضربا من العبادة، أما الحب الجسدي فإنه يهبط بالإنسان والمجتمع من درجات الرقي والكمال إلى مستوى أرضي وضيع، في حين يمثل الحب الروحي كما يرى يوسف الشرهان « أعنف صور الرجولة لأنه يسمو بصاحبه من ميدان الحب الأرضي إلى عليين » ، وهذا يعني البحث عن مثل أعلى للحب من ناحية، و تحكم العقل الصارم في الذات من ناحية ثانية، ليقودا ـ المثال والعقل ـ من جهة التحليل الفني للقصة القصيرة إلى « الوصف الهادئ الرزين للنوازع الإنسانية » . ويتسامى الناقد التقليدي بالحب الروحي من العلاقات الاجتماعية الجسدية المتغايرة إلى علاقات روحية ثابتة، أي أنه يحاول إلغاء الجسد والتسامي بالإنسان من حالة الخصوصية والفردية إلى الثابت ـ المثال، والعام، والجماعي ـ، وتتحدد في ضوء هذا علاقة الحب بالقيم الروحية المطلقة وبالمدركات الذهنية المجردة.
ويَعني الحب الجسدي طغيان الجسد ـ والحواس ـ على الروح، ونأي السلوك عن المثل، ويقود من زاوية أخرى إلى كسر فكرة التعقيل، وإفساح المجال للذات لتعبر عن رغبات الجسد، ويقود هذا اجتماعياً إلى تغيير غير محدد لبعده عن الضوابط العقلية، ويقود معرفياً إلى تصورات نسبية ذاتية تغاير الأبعاد المعرفية الثابتة الصادرة عن العقل وأنماطه الحسنة.
إنَّ الأدباء الذين يوظفون الحب الجسدي ـ في تصـور الناقد التقليدي ـ إنما «يشجعون على ارتكاب الموبقات بأقاصيصهم عن الحب » ، وتتم محاربة هذه الموبقات بالعودة إلى التصورات العقلية، فيتكئ الناقد على أبعاد تعليمية يحدد فيها كيفية توظيف الأدب من أجل « إصلاح المفاسد »، أو يتبنى مرة ثانية معطيات دينية ترفض ممارسة الحب الجسدي أصلاً، فضلاً عن معالجته فنياً، أو يعتمد على إجماع العلماء والمصلحين الذين يرفضون هذا الضرب من الحب.
ويرفض الناقد التقليدي توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية لأنه ـ ابتداء ـ يرفض القبح ـ المتغير ـ الذي يمثل الحب الجسدي أحد أبعاده، ويتبنى الناقد مثال الحسن ـ الثابت ـ ويعمد إلى إرسائه في الواقع، ولذلك فهو يؤكد أهمية الفكرة وأثرها الفاعل في الإصلاح الاجتماعي، لأنه يتصور أنَّ توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية يفسد الأخلاق من جهتي الفكرة والأسلوب .
ويقلل محمود أحمد السيد كثيرا من أهمية « الحب » وتوظيفه في الأشكال القصصية لدرجة يرفض فيها قصصه الغرامية « في سبيل الزواج » و«مصير الضعفاء » و « النكبات » التي يصفها بالفساد، ويعدها لطخة عار في حياته وحياة الأدب ، ويرى من ناحية أخرى « أنَّ الغرام لم يعد في العصر الحاضر شرطاً أساسياً للقصص، وعلى الأخص الصغيرة منها » ، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك من يدعو إلى توظيف الحب الجسدي في القصة القصيرة إذا تمكن القاص من تحويله إلى « أداة لإصلاح... المفاسد المنحطة » ، وإذا أدى وظائفه عبر مستويي شرف الفكر وشرف اللفظ ! !.
ويحاول محمود أحمد السيد أن يتجاوز الرؤية التقليدية، ويتضح هذا من خلال سعيه للموازنة بين المقولات الذهنية المجردة من ناحية وما يحصل في الواقع الاجتماعي من ناحية أخرى، فهو يتهم بعض كتاب القصة القصيرة بأنهم خياليون بسبب « حرصهم على العفاف والفضيلة في حين يفشو الفسق والفجور ويكثر الاستهتار بالدين » ، مدركاً التغير الكائن في الواقع الاجتماعي الذي أصبحت فيه العلاقات الاجتماعية «تستند إلى الماديات وإلى المال أكثر مما تستند إلى المعنويات كالحب والشرف والفضيلة » .
ويحاول محمود أحمد السيد التمرد على مفهوم المحاكاة رافضا أن يكون النقل الفوتوغرافي غاية الفن ووسيلته، ويحرص أن تكون أحداث القصة « من أشباه الحوادث الواقعة، إن لم تكن واقعة بذاتها، على أن لا يكون الكاتب « آلة فوتوغرافية » ينقل ما يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث، كما هي « طبقا للأصل »، لأن النقل لم يكن يوما غاية للفن » ، ويؤكد ضرورة اقتران العمل الأدبي بالدعوة إلى مُثل عليا، يقول : «إنَّ نقل الواقع وحده لا يكفي إن لم يكن فيه شيء من الدعوة ـ بصورة خفية ـ إلى المثل الأعلى » ، وفي الوقت نفسه يدعو محمود أحمد السيد إلى نسبية الشعور والجمال، وهما ملمحان يشيران إلى مؤثرات ذاتية رومانسية، ولكنه يلجم ذلك كله بمقولات تقليدية، فالمثل الأعلى الذي أشار إليه يقود معرفيا إلى الثبات، وهو هدف تقليدي، هذا فضلا عن تأكيده على الحقائق الثابتة المستقرة، لأنه يدعو القاص إلى تسجيل ما يراه في طبيعة الإنسان وأخلاقه، وأن « يسجل بجانبها ما يراه في نفسه ونفوسهم من خلال كاملة وصفات على حالها، وله كذلك أن يرمز بأخلاق وعادات وسجايا يلبسها بطل قصته إلى المثل الأعلى الذي يريده للناس، على أن يكون تحليله للبطل وأشخاص القصة الآخرين وتشريحه ما في بواطنهم من عناصر الخير والشر من عناصر الفضيلة والرذيلة، من عناصر النقص والكمال صادقا حقيقياً أو قريباً من الحقيقة » .
وفي ضوء هذا يعمد الناقد التقليدي إلى الموازنة بين المقولات الذهنية المجردة وما يحصل في الواقع الاجتماعي من تغير، لتكون القصة القصيرة صورة لهما معا، ويمكن تأدية ذلك من خلال وصف الواقع بما ينطوي عليه «من عادات وتقاليد ومبادئ وأخلاق وآداب، وبما فيه من نقص وانحطاط » .
إنَّ الأديب التقليدي « أديب الحياة، أديب الحقائق... كاتب الدماغ والفكر » ، ولذا فهو يحاكي مثال الحسن ومصاديقه في الواقع، ويحاكي الجانب السلبي في الواقع، وفي ضوء هذا يمكننا من تفسير تأكيد محمود أحمد السيد على عرض الحقيقة، وضرورة تصويرها كما هي عليه أولاً، وضرورة الالتزام بالمثل الأعلى والتعبير عنه فنيا ثانياً، ورفضه للخيال الذي يقود إلى تحرر الأشكال القصصية عن العقل، وتمكين الذات من التعبير عن مواقفها النسبية المتغايرة ثالثاً.
إن الحقيقة التي يتبناها الناقد التقليدي حقيقة ثابتة لا تخضع للمؤثرات الزمانية والمكانية، وتتحدد لدى محمود أحمد السيد في ضوء بعدي : الإدراك العقلي، ومثال الحسن، اللذين ينبغي أن يعرضهما القاص من أجل تجاوز الحب الجسدي المتغير إلى الحب الروحي الثابت، وهذا يمثل شكلاً من أشكال تحسين الحسن ـ المثال ـ، غير أنه ـ من ناحية أخرى ـ يكشف عن الواقع وما يضطرب فيه من ألوان الحب الجسدي، ليكشف للمتلقي عن نمط القبح كي ينأى عنه، وفي ضوء هذا يمزج الناقد التقليدي بين المثال وتصوير الواقع لتحقيق أبعاد تعليمية تقوم على أساس التحسين والتقبيح من ناحية، ولتمكين المتلقي من وعي واقعه، ومن ثم، المساهمة في إصلاحه من ناحية ثانية.
وفي ضوء هذا، يدعو الناقد إلى توظيف الحب الجسدي في القصة إذا كان يقود إلى وظيفة تعليمية، وبخلاف ذلك يرفض « الروايات الخلاعية والقصص الغرامية » ، التي تترك آثارها السلبية على بناء المجتمع لما فيها من «التهتك مما يندي لها جبين الشباب فضلا عن فتاة الخدر » ، ويرى ناقد آخر ضرورة نأى القاص عن « المواضيع التافهة والأقاصيص الفارغة والروايات السقيمة التي ليس تحتها كبير أمر، ولا يستفيد مطالعها أي فائدة، بل بعكس ذلك يضيع وقتاً ثميناً في قراءتها لو صرفه في مطالعة الكتب الجليلة لجني فائدة عظيمة » ، ودفعت هذه الدعوات إلى رفض القصص المترجمة التي تنطوي على الحب الجسدي لأن «أغلبها مفسدة للآداب والعقول » .

( 3 )

يمثل التراث عند الناقد التقليدي قيمة مطلقة يرتكز عليها العقل لتمكين القيم الفكرية من الثبات والإسهام في إنهاض الأمة، ولذلك فإنَّ دعوته إلى التراث لتثبيت تصوراته الفكرية وقيمه الاجتماعية، ولكنه على الرغم من ذلك يلتقي بأشكال قصصية في الحاضر لم يألفها تراثه، ولذلك فإنه يعمد إلى التوفيق بين الأشكال القصصية الحديثة وما يشتمل عليه التراث العربي من حكايات.ولذلك يمثل الماضي أصلاً لا يمكن الخروج عليه، ولذلك فهو يؤكد وجود الأشكال القصصية في التراث القومي وفي تراث الأمم الأخرى كالإغريق مثلاً، ويصل الأمر حداً أن تكون القصة عرفت بوعي الإنسان وجوده .
وفي ضوء هذا يعد جعفر الخليلي كل ما ينطوي على حكاية قصة، كالملحمة والمسرحية ـ عند الإغريق ـ وكالحكايات التي يرويها المؤرخون عن أيام العرب، وكذلك ما يرد في القرآن الكريم والمقامات وألف ليلة وليلة وغيرها ، إنَّ القصة في تصور جعفر الخليلي قديمة قدم التاريخ، وإن الأدب العربي لم يخل منها، وبهذا يكون عنصر القص ـ وليس الحبكة ـ الحد الحاسم في تحديد الأشكال القصصية، وليس التغاير بين القصة في القديم والحديث كائناً في حبكتها، قدر ما هو حاصل في « سبك القصة وصورتها وأغراضها » ، وبهذا يفصل جعفر الخليلي بين شكل القصة القصيرة ومضمونها من ناحية، ويرى أنَّ التغيرات الاجتماعية والفكرية لم تترك آثارها على تغيير ماهية هذا الشكل إن صح ما ذهب إليه من ناحية أخرى، وفي ضوء هذا تكون المقامة قصة كاملة أو قريبة من الكمال ، غير أنه يستدرك بأن الأدب العربي لم يعرف من الأشكال القصصية سوى القصة القصيرة، أما الرواية والمسرحية فلم يعرف الأدب العربي عنها إلا النـزر اليسير .
وإذا كان التغاير في البناء والأداة لا يؤثران في تحديد ماهية الأشكال الأدبية في الماضي والحاضر، كما يرى ذلك جعفر الخليلي، فإنَّ الفرق في تصور عبد الغني شوقي لا يكمن في الشكل الفني قديماً وحديثاً، وإنما يكمن في وظيفة هذا الشكل الذي يتجه لمجرد « التسلية والفكاهة أو لإثارة الحماس في صدور الجند » قديماً، وهو يسعى إلى تغيير وظيفتها متأثراً بالغربيين من أجل «إصلاح الفاسد وإقامة المعوج وانتقاد شائن العادات وضارها والحث على مفيدها ونافعها » .
ومهما قيل فإنَّ النقاد متفقون على أنَّ القصة موجودة في التراث العربي، ويتفقون أيضا على أنَّ الحكاية تمثل ماهيتها، أما العناصر الأخرى فلا يمكنها أن تغير من هذه الماهية شيئاً، وينصب الخلاف على أداتها وأغراضها مرة وعلى وظيفتها مرة أخرى ، أما محمود أحمد السيد فإنه يؤكد معرفة العرب للقصة، ولكنه ينفي عنهم قدرتهم على إتقانها فنياً، وليس لدى العرب إلا ألف ليلة وليلة، وهي تتسم لديه بالنقص والقصور والفجاجة .

( 4 )

إنَّ رؤية الناقد التقليدي تقوده إلى نظرة شمولية تعلي من أهمية المجتمع، وتقلل كثيرا من دور الفرد، ولذلك نجد النصوص النقدية تغفل دور الفرد وأهميته، وتتجه في الغالب إلى الجماعة والمجتمع، ويوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة في هذا الإطار، وتكون « خير أنواع القصص ما كان أنفعها لغالبية المجتمع » ، وبما أنَّ الذات الفردية تفرز الخاص والمتغير، وهي تغاير الوعي الجماعي الذي يرسي العام والثابت، فإنَّ الناقد يسعى إلى إلغاء الذات الفردية، أو يحاول إحكامها بالعقل، ويقلل من دورها في الكشف المعرفي وإسهامها في العمل الفني، وتتحول الذات من حيث كونها أداة تمكن القاص والمتلقي من الإدراك الشخصي إلى ذات عامة تشمل النوع الإنساني، وتعبر عن روح الجماعة، وينطوي تحتها جميع أفراده.
ولما كان الإنسان في المفهوم التقليدي كائناً اجتماعياً عاقلاً مندمجاً بالجماعة وليس منفصلاً عنها، فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى إيجاد مجتمع متماسك تحكمه وحدة الفكر، وتتحقق هذه الوحدة عبر المعطيات العقلية التي يتبناها، وليس من خلال «الأنا »، لأنّ الأخيرة تعرض مستويات فكرية متغايرة، تنأى عن الثبات من ناحية، وغير قادرة على التواصل بين المستويات الفكرية المتغايرة من ناحية أخرى، إنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى إرساء الثابت، بعيداً عن نسبية «الأنا » وتغايرها.
ويتحقق التواصل في المجتمع من خلال ثقافة محكومة بالعقل، وصياغة الشخصية الفردية في ضوئها ويمحو هذا الفوارق الفردية بين الأفراد، بحيث تصبح الشخصية نسخة مكررة لأصل مثالي ثابت، أو هي حصيلة متوسط الشخصيات، وتصبح الثقافة موحدة، وتنطوي على نسيج فكري يكون العقل محوره وغايته في آن، ويتبنى الناقد التقليدي مفاهيم الوعي الجماعي متمثلا بأفكار الأمة مرة، وأفكار الصفوة التي هي خلاصة تجارب السلف مرة أخرى، ويرفض الوعي الفردي، لأنّ الأول يعبر عن الثابت والعام، ويعبر الثاني عن الفردي والمتغير والشاذ أحيانا.

( 5 )


ويربط بعض النقاد التقليديين أسباب تخلف الأشكال القصصية بتخلف المجتمع، ويقرنون تطور هذه الأشكال بتغيره، ولا يمثل هذا الاقتران سوى شكل سطحي في الوعي، فالناقد ممتاز أكرم العمري يقرن تخلف القصة القصيرة بمجمل التخلف الاجتماعي، ولكنه يحدد لذلك أسباباً : كشيوع الجهل وتفشي الأمية ، ويشاطره هذا الرأي يوسف عجاج الذي يرجع السبب إلى «قلة الطبقة المثقفة » ، وإذا كانت الأبعاد الفكرية ـ هنا ـ سبباً في التخلف الاجتماعي والأدبي على السواء فإنَّ العمري يرجع التخلف الأدبي إلى مشكلة اجتماعية محددة تتصل بعدم اختلاط الجنسين في المجتمع العراقي، مما يترك ـ في تصوره ـ آثاراً سلبية على تطور الأشكال الأدبية بعامة والقصة القصيرة بخاصة.
إنَّ النقاد التقليديين يقرنون ـ هنا ـ بوعي بسيط بين تخلف الأشكال القصصية وتخلف الواقع الاجتماعي، ولكن شالوم درويش يرجع التخلف الاجتماعي : إلى بعد اقتصادي، وهو ما يعانيه المجتمع من فقر، وإلى بعد في الوعي بسبب الجهل المتفشي في المجتمع، ولكنهما ليسا السببين اللذين قادا إلى تخلف الأشكال القصصية، لأنّ تخلف القصة ليس مرده إلى « حياتنا الاجتماعية أو إلى عزلة المرأة » ولأنّ النبوغ غير مقترن بتخلف المجتمع أو تطوره ـ دائماً ـ ولذلك فإنَّ « تولستوي لو كان عراقياً لما كان غير تولستوي الذي نعرفه، والذي يمجده عالم اليوم كقصاص أعظم، هذا لو فسح الجهل والفقر لنبوغة مجال الظهور والتفوق » .
وإذا كان العمري ودرويش يعرضان بعض أسباب تخلف القصة فإنَّ يوسف عجاج يتحدث عما يتعرض له الأدباء والكتاب من ضغوط سياسية ، ويتفق معه عبد الحق فاضل، الذي يستشهد بما يعانيه القاص ذو النون أيوب لوصفه « التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وفي جهاز حكومته » ولكنه يبرر ذلك بأن ذا النون أيوب قاص « مخلص شريف الغرض لا يدعو لحزب ولا يعارض حكومة... بل أنَّ المتأمل ليجد ذنون أيوب يؤيد الحكومة ويمهد لها سبيل الإصلاح الذي اضطلعت به » .
ويتبنى الناقد التقليدي التغيير المرحلي المقنن، وهو مفهوم إصلاحي، ولذلك فإنَّ عبد المجيد لطفي يرى ضرورة تغذية « الحركة الأدبية، لا القيام بالثورة، وإنما القيام بإصلاح اجتماعي هادئ » وترى سعاد الهاشمي أنه « يمكن أن يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات » ، وفي ضوء هذا كله يوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة من أجل إحداث هذا الإصلاح، فجاسم محمد الرجب يدرك أنَّ القصة القصيرة يمكن توظيفها في اتجاهين متضادين، إذ يمكن أن يوظفها « أصحاب المبادئ الإصلاحية » و « أصحاب المبادئ الافسادية » أيضاً، لأنهم جميعاً ـ في تصور الناقد ـ وجدوا في القصة « مجالاً جذاباً واسعاً لبث أفكارهم ونشر أغراضهم » ، ولذلك فهو يقصد توظيف القصة القصيرة في مجال واحد فقط، هو ما يعود بالنفع على غالبية المجتمع.
ولما كان الناقـد التقليدي يهدف إلى تثبيت المجتمع وقيـمه فإنه يعارض أنصار « المبادئ الافسادية » لأنهم يشجعون كل ما هو متغير، والمتغير يقود إلى تفكيك المجتمع، أما القاص التقليدي فإنه يوظف النافع، وحين تعرض القصة القصيرة « التيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والمذاهب الاقتصادية » إنما تعرض لما هو إيجابي، وبهذا نستطيع تفسير رفض الناقد التقليدي « الروايات الخلاعية والأقاصيص الغرامية » وكذلك الروايات المترجمة لأنّ أغلبها « مفسدة للآداب والعقول واللغة » ولأنها لا تنطوي على أية فائدة، فضلا عن دورها في إفساد المجتمع وتفكيكه، وفي ضوء هذا فإنَّ الناقد يهدف إلى إصلاح الواقع، أي « تحسينه مع الاحتفاظ به، أي تغيير ما يبدو فيه من خلل، دون تغيير الكل، أو استبداله، وهذا يعني ضمنا صحة الواقع في أساسه، والإصلاح بهذا المعنى، هو الإبقاء على الواقع كأساس، مع إجراء تعديلات عليه يتمكن بها من الاستمرار والبقاء» .
إنَّ الوعي بتخلف الواقع الاجتماعي حدا ببعض النقاد التقليديين إلى رفض توظيف القصة القصيرة لمجرد التسلية لاهتمامهم بفاعلية الأشكال القصصية ودورها في الحياة، ولأنها تمثل « وسيلة » يمكنها أن تسهم في نهضة الشعوب عبر تزويد القراء بالمعرفة لأنها « تزيد من علمهم وترفع من مكانهم» ، إذ يؤكد رفائيل بطي أنَّ القصة « وسيلة » يسعى من خلالها إلى « نشر الآراء والمبادئ » و « نشر النظريات الاجتماعية والخلقية على الجمهور » أو أنها ـ على حد تعبير سعاد الهاشمي ـ « أداة تعليمية قوية يتم بها نقل وشرح الآراء والنظريات والمكتشفات العلمية » ، وفي ضوء هذا فالقصة « وسيلة » القاص التعليمية، فهي أداته في الإصلاح، وليست الحكاية فيها سوى إطار خارجي يشوق المتلقي لمتابعة القراءة، ولذلك تلمح سعاد الهاشمي إلى أن يعرض القاص قصصه « بصورة شيقة » لتؤثر في المتلقي، ما دام هدف الناقد، هنا، ليس القص، وإنما السعي نحو تثقيف المجتمع والنهوض به .


( 6 )

وتسهم القصة في إصلاح المجتمع، وتكون وظيفة القاص مماثلة ومشابهة لدور الطبيب الذي يتزود بأدوات قادرة على الكشف عما في المريض « المجتمع » من أمراض « خلل أو نقص »، ولذلك فإنَّ القاص يتزود أولاً بمعرفة فكرية تسبق الممارسة، ثم ينتقل إلى الواقع، وإذا كان المشرط أو الدواء أداة الطبيب فإنَّ القصة واحدة من أدوات الناقد التي تمثل «الدواء الناجح لأدوائنا الاجتماعية » ، ولذلك فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى الكشف عن السلبي ويوظف القصة القصيرة من أجل اجتثاثه من خلال انتقاد « المساوئ الاجتماعية» ، ويتحقق هذا كله من خلال موقف القاص « الذي يدين بدين الريالست» عبر أداة لغوية يسلط فيها القاص بقوة بيانه « نورا على دياجير الظلام » ليتحقق الكشف عما في الواقع أو « ما في أعماقه من حقائق » غير أنَّ هذه الأداة على الـرغم من خـطورتها يرافقها من حيث الأهمية « انتقاء الحوادث » من الواقع فتتواكب الأداة وجمال بيانها وانتقاء حوادث القصة في الإصلاح.
وفي ضوء هذا يتمكن القاص من الكشف عن المشاكل الاجتماعية الغامضة لتمكن المتلقي من وعيها ووضع الحلول لها، وهذا يعني أنَّ الكشف عن الواقع ومشاكله لا يتأتي لكل فرد، وإنما لصنف خاص من الناس يكون القاص أحـدهم، فيعمد إلى معالجة «المساوئ الاجتماعية... بجرأة نادرة » ، وهذا يقتضي بالضرورة قدرة في الوعي، ولذلك يشترط الناقد أن يكون المصلح والمفكر كالطبيب، وعلى الرغم من أنَّ الناقد يدرك خطورة الأمراض المزمنة التي تحيق بالشرق فإنه يفتقر ـ في الحقيقة ـ إلى أطباء حاذقين وهم نفر قليل، والقليل كالعدم .
ويعمد محمود أحمد السيد إلى « تصوير الحياة الشعبية » موحياً أنها غاية الأشكال القصصية لديه، غير أنَّ التصوير لديه ليست غاية مقصودة لذاتها وإنما من أجل أن يظهر «الجوانب الكاملة والناقصة التي يسعى إلى إصلاحها » ، وبذلك يكون «التصوير » وسيلة لغاية أخرى يقصد منها الناقد الكشف عن السلب والإيجاب في الواقع، وتتحدد أهمية القصة عند رفائيل بطي « لأنها تصور الحياة الاجتماعية التي تحياها الجماعة صورة حية بأشخاصها وبيئتها، وهي تكشف كثيرا من خبايا النفوس فتظهرها عارية واضحة أما الأنظار » ويتبني رفائيل بطي المذهب الواقعي «الريالست » أو التحقيقي ـ كما يطلق عليه أحياناً ـ الذي يرى أنصـاره ضرورة عرض الرذيـلة «بقذارتها والفضيلة يجب أن لا يغالي في تنميقها » لأنَّ القاص ـ والحالة هذه ـ يكشف عن الواقع الاجتماعي ويبحث عن النمط الفكري فيه عبر تصويره، ولأنّ القاص من ناحية أخرى يكتب عن « حقائق موجودة لا عن أمور خيالية ليست موجودة إلا في مخيلته » .
إنَّ القصة القصيرة التي يبدعها القاص أو تلك التي يعمد إلى ترجمتها إنما تقود إلى غاية محددة « لأجل العبرة وكفى » كما يرى ذلك محمود أحمد السيد، كما أنّ «التصوير » الذي يعمد إليه الناقد التقليدي يقود بالنتيجة إلى وظيفة تعليمية تمر عبر «التحسين والتقبيح » الذي يتجلى من خلال عرض الجوانب الإيجابية والسلبية، ويتحقق هذان البعدان من خلال تصوير الشخصية الخيرة والشريرة، وما تتركانه من آثار في المتلقي ترغيباً وترهيباً، فحين يصور القاص الشخصية الخيرة «يحملك لأن تتعشق تلك المناقب وتسعى لتلك المزايا الكاملة » وحين يصور الشخصية الشريرة « يحملك على الاشمئزاز والنفور منها ويولد فيك الميل إلى تجنبها » .
ويتحدد تصوير الحسن والقبح في مستويين : مستوى تصوير الحسن والقبح كما هما عليه أو تحسين الحسن وتقبيح القبيح لتتركا آثارهما في المتلقي معرفياً وأخلاقيا ،إن الناقد لا يسعى ـ والحالة هذه ـ إلى التغير الجذري للواقع، وإنما إضفاء سمات الرضا على مواطن الحسن ومحاولته إصلاح الجوانب السطحية للقبح، ولذلك فإنَّ القصة في تصور الناقد ـ ما دامت تحقق هذين البعدين ـ « خير مثقف للأخلاق والعادات » .
وتتركز الوظيفة التعليمية ـ هنا ـ في جانب أخلاقي يرجع في الحقيقة إلى جذر معرفي يلح عليه الناقد وهو « تهذيب النفوس ودفعها إلى مراقي العمران وأبعد مطارح الآداب الصادقة » ، إنَّ الناقد لا يملك الأدوات المعرفية الكافية التي تمكنه من التوغل عميقاً في الواقع، ولذا فهو يعالج جانبا من أعراض المرض لا المرض ذاته، كما أنه يعي طرفاً واحداَ من الظاهرة وليس وعياً كلياً للظاهرة بأكملها، ويرى الخطأ في جزئية منفصلة عن كلياتها، ولهذا انصبت أغلب معالجاته على الزاوية التعليمية دون وعي محدد لمسبباتها وتشابكها مع غيرها في الفكر والواقع على السواء.
تحتل الوظيفة التعليمية القسط الأكبر من تفكير الناقد التقليدي، ولكنه من ناحية أخرى يدرك أنَّ غزارة الموضوعية في القصة مدعاة للنفور منها لفقدانها التشويق والتأثير معاً، ولهذا يشيد الكرملي بالنتاجات القصصية التي يبدعها الغربيون لأنها تحقق في تصوره « فائدة أدبية ومغزى لطيفا يعود بالنفع على الألفة «الهيئة الاجتماعية »، فيحث على الوظيفة التعليمية في « تشرب حب الآداب والمناقب والمآثر » كما أنه يدعو من ناحية أخرى إلى « تسلية القارئ ».ويمتزج في ضوء هذا بعدا التعليم والتسلية لدى الكرملي لتمكين المتلقي من ممارسة دوره في تحقيق « المنفعة » التي تعود بالأساس على المجتمع بالفائدة، وينطوي تفكير الكرملي على تحديد نمط الحسن في المآثر والمناقب التي تتحول إلى غاية يسعى إلى تحقيقها في الواقع.
وتتبنى جريدة « صدى بابل » في أول عدد من أعدادها « نشر المقالات السياسية والخطب الأدبية والمباحث العلمية »، ولكنها لم تقتصر على هذه الأبعاد، بل تسعى إلى « إمتاع القارئ » بنشر « ما يلذ سمعه وتلذ مطالعته » من الروايات الفكاهية، ويتحدد هذا الإمتاع في ضوء شروط يتوقف عليها «صلاح شؤون الجامعة الإنسانية في الحالتين السياسية والمدنية » ، إنَّ الفكاهة ـ هنا ـ تمثل لوناً من ألوان المتعة والتسلية، ولكنها توظف لدى الناقد لتكون « وسيلة » تقود إلى هدف تعليمي، ويتضح هذا من خلال إشادة محمود أحمد السيد بالقصة القصيرة لأنها « فكاهة الناقد ببصره وبصيرته إلى صميم الحياة وصميم الناس » ، أو أنَّ قصص جعفر الخليلي كما يرى عبد الحق فاضل «تغلب عليها روح الفكاهة والتسلية وإنْ كانت لا تخلو من نقدات منها اللاذع ومنها الرقيق » ، فليست التسلية ـ والحالة هذه ـ جذراً أساسياً يوازي التعليم قدر ما هي واسطة يتوسل بها الناقد لتحقيق وظيفته التعليمية.
ويتردد الناقد التقليدي في توظيف القصة بين بعدين متمايزين : التعليم أو التسلية، ولذلك فإنه يُعرّف القصة بأنها « حادثة خيالية يقصد بها شرح نظرية علمية أو فلسفية أو اجتماعية أو أخلاقية أو نفسية أو لمجرد التسلية » ، ليجاور بين التعليم والتسلية، غير أنَّ «الحادثة » الخيالية التي يشترطها الناقد لا تبتعد تماماً عن العقل، وإنما يشترط فيها أن تكون «كاملة من النواقص والشوائب وقريبة من العقل والمنطق » ، وبهذا يتحكم العقل بالتسلية، شأنها شأن العواطف التي ينبغي أن يكون وصفها هادئاً رزيناً.




غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر


الفصل الثاني
طبيعة القصة القصيرة

( 1 )

يلح الناقد التقليدي على استخدام مصطلح « التصوير » ويتوسل به لتحقيق مهمته التعليمية، ونلحظ هذا الإلحاح في تعريفات القصة، أو إشادة النقاد التقليديين بالقصص التي رأوا فيها إبداعاً، فالقصة لدى رفائيل بطي « تصور الحياة الاجتماعية » ، وتتحدد واقعيتها عند يوسف عجاج لأنها « تصور نواحي الحياة كما هي دون إبهام » ، ويحدد الناقد ـ هنا ـ بعدي « التصوير » و « الوضوح » معا، في حين يؤكد رفائيل بطي « التصوير » الذي يعالج الواقع وحده، ويركز الناقدان ـ هنا ـ على تصوير الحياة الاجتماعية أو جوانب منها، غير أنَّ «التصوير » يخرج لدى ناقد آخر ليشمل الحياة التي نعيش فيها فهي ـ أي القصة ـ « صور عن المجتمع والناس » ، في حين يضيّق محمود أحمد السيد مجالها في « تصوير الحياة الشعبية » ، وبين هذا الاتساع المفرط للتصوير الذي يشمل الحياة، أو الضيق في مجالات الحياة الشعبية، يحصرها شاؤل حداد في إطار اجتماعي محدد يقتصر على المعدمين والمستضعفين لتصور القصة « الفقير وكيف يتضور جوعا والمسكين وكيف تحيط به الآلام » ، وإذا كانت التحديدات السابقة تؤكد بعداً سطحياً في التصوير ـ إن جاز التعبير ـ فإنَّ محمود أحمد السيد يرى في القصة ـ في مكان آخر ـ « صورة مجسمة من صور الحياة الاجتماعية » وبذلك يسعى إلى «التجسيم » في التصوير ويتسع الواقع لديه من الجوانب الشعبية إلى الحياة الاجتماعية، أو تكون القصة «صورا ناطقة للحياة الواقعية » كما يرى ضياء الدين سعيد، وفي مقابل « التصوير المجسم » و «التصوير الناطق » لا تقترن الصورة بالوضوح وحده ـ كما أشار إلى ذلك يوسف عجاج ـ وإنما بالصدق والوضوح لتكون القصص صوراً «صادقة واضحة من الحياة اليومية المعتادة » .
ولم يقتصر الناقد التقليدي على مصطلح « التصوير » ولكنه يتكئ على «الوصف » الذي يشابه التصوير إلى حد كبير، وبخاصة أنَّ بعض النقاد استخدموا كلا المصطلحين دون تمييز بينهما، أو تفضيل أحدهما على الآخر، ولذلك فإنَّ يوسف عجاج الذي تبنى مصطلح « التصوير » يتبنى هنا «الوصف» فهو يشيد بـ « مصير الضعفاء»، رواية محمود أحمد السيد لأنها «وصف واف لمساوئ الحكم العثماني » ، أما محمد رضا المظفر فهو يتبنى «المذهب الواقعي » الذي يرى أنَّ أنصاره « وصفوا لنا الحياة الاجتماعية على ما هي عليه » ، ويفضل ناقد آخر الأدباء الأوربيين على العرب لأنّ الأوربيين «يصفون بيئتهم التي تختلف جد الاختلاف عن البيئة العربية » ، ويحث على «إدخال فن القصة في الأدب العربي وذلك لأنّ القصة تصف الحياة الراهنة المحلية» ، ويصل الأمر حداً لدى عبد الحق فاضل، وهو يشيد بـ « برج بابل» مجموعة ذي النون أيوب القصصية لأنها تتناول « وصف هذا التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وفي جهاز حكومته » .
ويتكئ الناقد من ناحية ثالثة على مصطلح « المرآة » فيرى رفائيل بطي ـ الذي كان قد تبنى مصطلح التصوير ـ في كتابات محمود تيمور أنها « مرآة صادقة لأشخاص بيئتة وحوادثهم » ، ولم يكن القاص وحده هو الذي يعتمد « المرآة » أداة في معالجة الواقع بل إنَّ « الشاعر والروائي كلاهما مرآة عصره» كما يرى ذلك عبد الكريم الجبيلي، ويستخدم جعفر الخليلي « المرآة » وانعكاس الأشياء عليها بشكل آلي، لأنّ الإنسان إن كان قد عرف القصة منذ عرف نفسه فهي « مرآة تعكس كل حركاته وسكناته وأفكاره » .
وفي ضوء هذا نرى إلحاحاً على ثلاثة مصطلحات أساسية « التصوير » و«الوصف » و« المرآة » ويتبنى بعض النقاد مصطلحين أو أكثر دون تحديد الفوارق بينها، وتتردد دلالة هذه المصطلحات بين الآلية « التصوير » إذ يحمل القاص «مصورته على منكبية » , و يشترط جعفر الخليلي أن تكون الإحاطة بالموضوع «كمثل عدسة المصور التي عليها أن تتقن اتجاهها لتلتقط الصورة المطلوبة بحقيقتها » لأنّ القصة في تصوره « ليست إلا صورة الواقع » ولكنه من ناحية أخرى على الرغم من تأكيده أنَّ الواقع يمثل « قاعدة أساسية للقصة » فإنه لا يرى لزاما أن تصور القصة ما يحدث من أحداث فقط بل «تضيف لها وتزيد عليها » ، كما أنَّ محمود أحمد السيد ينفي أن يكون الكاتب « آلة فوتوغرافية وينقل ما يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث كما هي طبقاً للأصل » .
وفي ضوء هذا تتصل القصة بمعطى خارجي « الواقع » الذي يمثل الأصل، ويتسع هذا الأصل أو يضيق في التحديد فيكون « العصر » أو «الحياة » أو « ناحية منها » أو «الحياة الاجتماعية » أو « الحياة اليومية العامة أو الواقعة » أو « الحياة الشعبية »، وإذا كان الواقع يمثل « الأصل » فإنَّ القصة القصيرة تمثل « الصورة » وتتحقق العلاقة بينهما عبر « التصوير » و «الوصف » و « المرآة » غير أنَّ تحديد الواقع يكشف من ناحية عن أبعاد « التصوير » و«الوصف » و « المرآة »، ويحدد من ثم طبيعة القصة القصيرة، وتتجلى أهمية الواقع ـ على الرغم من فضفاضية تحديده ـ في أنه يمثل في أحد جوانبه «الحقيقة » التي يسعى الناقد إلى الكشف عنها وتوظيفها في القصة القصيرة لإيصال أبعاد معرفية إلى المتلقي.

( 2 )

يمثل الواقع أحد طرفي العلاقة في حين تمثل القصة القصيرة الطرف الآخر، وتحكم العلاقة بينهما وسائط متعددة يمكن تقسيمها من حيث أداء وظائفها إلى : محاكاة ما هو كائن، ومحاكاة ما يمكن أن يكون، ويعالج الوسيط : ـ التصوير، أو الوصف، أو المرآة ـ الواقع « على ما هو عليه » ، كما يرى ذلك محمد رضا المظفر في أثناء وصفه القصة الواقعية، كما أنَّ ليلى جاسم رغم تبنيها القصة الحديثة التي لم تستطيع أن تفهم منها إلا أنها « تعتمد على نقل واقعة اجتماعية تنقل كما هي » ، ويسعى الناقد التقليدي إلى تأكيد حرفية المحاكاة من خلال « دقة التصوير » ، و« صدقه » ، أو أنَّ الناقد يحث الأدباء على تصوير « ما يقع تحت أبصارهم » ، والدقة ـ هنا ـ تعني النقل الحرفي الأمين للواقع، كما أنَّ الصدق لا يعني خصيصة ذاتية تقربنا من التفكير الرومانسي، بقدر ما يعني خصيصة عقلية تسعى إلى تحقيق مشابهة الواقع في جانبه المرئي عبر حاسة البصر، وينطوي الواقع ـ في تصور الناقد ـ على قدر من الحقيقة، ويسعى الناقد والقاص معاً إلى الكشف عنها، وتتمثل معالجتهما له في ضوء مايطلق عليه ستولنيتز المحاكاة البسيطة التي تعني « الترديد الحرفي الأمين لموضوعات التجربة المعتادة وحوادثها » لتكون القصة القصيرة صورة أمينة للواقع، أو أنها « مماثل لما نعرفه في الواقع » .
إنَّ النقل الحرفي يجعل الوسيط ـ التصوير والوصف ـ مجرد آلة يحملها القاص، فهي « مصورته » ، كما يرى عبد الحق فاضل، أو « مرآته » ، كما يدعو إلى ذلك عبد الكريم الجبيلي، و يرى فيها رفائيل بطي الصدق لأنه «يظهر على لوحتها الصقيلة حقائق الحياة مرة كانت أو حلوة » ، وتحدد « المرآة » الكيفية التي يتم بها تشكيل القصة القصيرة، وتتميز « المرآة » لدى الناقد التقليدي بأنها جسم مادي مسطح، ولذا فإنها قادرة على عكس الصور من الخارج، وتعمد إلى تثبيتها دون تمثل لما يحدث فيها من تفاعل، كما أنَّ المرآة من ناحية أخرى تعني بالجوانب المرئية من الواقع، وليست قادرة على اختراق القشرة الخارجية له، حتى في تعاملها مع العوالم الداخلية للإنسان فإنها تتأملها بوصفها كتلا مادية صامتة تمثل نمطاً مستقلاً، إضافة إلى أنَّ المرآة لا تقدر على تصوير الحياة كلها، وإنما تتجه إلى جانب من جوانبها، ومن أجل هذا يمسك القاص قبضة المرآة ويدورها في جوانب متخيرة من الواقع.
وما دامت « المرآة » جسماً مادياً صقيلاً فإنها لا تلون الواقع الخارجي كما يفعل المنشور الزجاجي عند مرور الضوء فيه، ويوحي وصف « الصقيل » بسمتي «الوضوح » و« الصدق » اللتين أشرنا إليهما، بحيث يقودان إلى مشابهة تامة للواقع الخارجي.
وفي ضوء هذا كله تعكس « المرآة » الواقع كما هو عليه دون حذف منه، أو إضافة، أو تغيير فيه، وأخطر من هذا أنها تنقل الواقع بعشوائيته، لأنّ الصورة المعكوسة في المرآة لا تعني إلا صورة الواقع الماثل أمامها، وتكون هذه الصورة هي القصة القصيرة التي تتسم بعشوائيتها وتنافر عناصرها، وهذا التصور إن كان صحيحاً نظرياً فإنَّ الناقد التقليدي يرفض هذه العشوائية لأنَّ النص القصص ينطوي على قدر من التنظيم على الرغم من أنَّ بعض الأصول النظرية التي يعرضها الناقد التقليدي لا تقود إلى هذه النتيجة ؛ ويتحدد تجاوز العشوائية حين يكون القاص « مصوراً هاوياً قد حمل مصورته على منكبيه وراح يتجول ‎، فكلما وقعت عينه على منظر معجب التقط صورته » ، وينطوي هذا النص على البعد الآلي الذي تقود إليه الآلة ـ مرآة أو مصورة ـ ولكنه من ناحية أخرى يؤكد قدراَ معيناً من التنظيم، على الرغم من أن القاص لا يعمل شيئاً سوى حمل هذه الآلة وتصوير جوانب متخيرة من الواقع تقود إلى هذا القدر المتجاوز من التنظيم، ولا يوحي «الإعجاب » هنا بخصيصة رومانسية مرتدة إلى الذات، لأنَّ القاص حين يتجول في الواقع إنما يبحث فيه عما يتواءم وتفكيره ويخدم تصوراته.
ويقودنا هذا كله إلى قضية مهمة مفادها أنَّ الناقد يخلط القصة بالتاريخ، لأنَّ القاص ما دام يحاكي الواقع كما هو عليه فإنَّ الأعمال القصصية تتحول إلى سجل لحوادث الحياة، ومن ثم إلى وثائق تاريخية للواقع الاجتماعي، ويؤكد الناقد التقليدي هذه الخصيصة لأنَّ كلا من القاص والمؤرخ ـ في تصور لطفي بكر صدقي ـ إنما يرصد الوقائع التي تحدث في الحياة ويعمد إلى تسجيلها ومحاكاتها، لأنّ القصة ـ كما يرى ـ «فيما تحكى من حوادث النفوس ووقائع الحياة تاريخا أو ليس التاريخ سجل الأخبار والحوادث العظيمة التي كابدتها الإنسانية في سيرها منذ القدم، وكذلك القصة حكاية التاريخ لإنسان أو لجماعة من الناس » ، ويصل الأمر حداً لدى ناقد آخر يرفض فيه «أدب القصة » لأسباب معرفية لأنَّ « أدب القصة تشجيع للأقلام على ناحية من الأدب لا تعنى كثيرا بالحقائق » ويتبنى « القصة » التي تعني لديه التاريخ، لأنّ القصة ـ التاريخ تعني «التحدث عن أمر تاريخي واقع » وهذا الأخير لا يقتضي مواهب معينة لأنه بمقدور أي إنسان أن يضطلع به، ولذلك فإنَّ الناقد يميز بين « القصة ــ الأدب »، و «القصة ــ التاريخ » بمقدار قربهما من الواقع والحقيقة، ولذا فإنَّ « القصة ــ الأدب » تعني « تنميق عبارة... هي بين أمرين... أن تكون كلها مخترعة أو تكون مزيجة بين بين » في حين تنقل « القصة ــ التاريخ » الواقع على ما هو عليه محافظة على الواقع والحقيقة معاً.
وفي ضوء هذا يكون التاريخ أكثر قيمة وفائدة من القصة لاقترانه بنقل ما يحدث، في حين تقترن القصة بالكذب، لأنَّ الناقد حين يميز بين التاريخ والقصة يجد « البون الشاسع بين الصدق والكذب » ، ويتخلف الناقد التقليدي ـ هنا ـ كثيراً عن الوعي الآرسطي الذي يعطي الفن قيمة أكبر لعنايته بالكليات، ويقلل من قيمة التاريخ لعنايته بالجزئيات .

( 3 )

وفي ضوء ما تقدم تكون القصة القصيرة « صورة » تقود معرفياً إلى الكشف عن «حقائق موجودة » ولا ترجع هذه الحقائق إلى خصائص فردية تتصل بالإنسان الفرد بل تتصل بالنوع أو الجماعة، لأنَّ القصة كما يرى رفائيل بطي « تصور الحياة الاجتماعية التي تحياها الجماعة » ، فالقصة القصيرة ـ من هذه الناحية ـ تكشف عن أبعاد معرفية تتصل بالأفكار الذهنية المجردة، وهذه الأبعاد حقائق موجودة، يؤكدها بعدا الحسن والقبح تنظيراً وممارسة، كما أنها تسهم في تمكين المتلقي من وعي واقعه الاجتماعي، لأنّ الأشكال القصصية «تكشف كثيراً عن خبايا النفوس فتظهرها عارية أمام الأنظار » ، وهذا الكشف يقود إلى أحد قطبي المدركات الذهنية « القبح » ولذا يصف رفائيل بطي هذا النمط من القصص بالواقعية « الريالست » ويطلب من القراء أن يقابلوها بالترحيب، لأنَّ أنصار المذهب الواقعي يكشفون عما في الواقع، ولأنّ الرذيلة « في عرفهم يجب أن تعرض بقذارتها والفضيلة يجب أن لا يغالى في تنميقها » ، لتقود الأشكال القصصية إلى بعد تعليمي يعي فيه المتلقي عيوب واقعه لأن «العيوب إذا ظلت خافية كبرت واستعصى على الناس استئصالها » .
إنَّ القصة القصيرة تصور « الجوهر » لا « العرضي » ويتمثل « الجوهر » في المدركات الذهنية التي يتصورها العقل، فالقصة تصور الحسن والقبح لتحبيب الأول للمتلقي وتنفيره من الثاني،، وإذا كان العقل يمثل «الجوهر » فإنَّ الذات تمثل « العرضي »، ولذلك يلجم الناقد التقليدي تصرفاتها في ضوء مدركاته الذهنية فيعطل المخيلة ومن ثم الخيال، ويتضح تعطيل دور الذات والخيال من خلال دعوة الناقد رفائيل بطي إلى ضرورة كشف القاص عن الحقائق الكائنة في الواقع « لاعن أمور خيالية ليست إلا في مخيلته » أو من خلال ثناء ناقد آخر على « برج بابل » مجموعة ذي النون أيوب القصصية لأنّ حوادث قصصه « حقيقية لا أثر للخيال أو التعمل فيها » ، وفي ضوء هذا يعرض الناقد التقليدي ثنائياته الضدية التي يكون فيها العقل والحقيقة «الجوهر » في جانب، والذات والخيال « العرضي » في جانب آخر، ويعطل الناقد التقليدي المخيلة لارتباطها بالذات والحواس، لأنها أقل رتبة من العقل في الكشف المعرفي من ناحية، و لأنها تكشف عن المتغير لا الثابت من ناحية أخرى، وبهذا يسعى الناقد إلى تحديد دورها أو إلغائه تماماً.
و يدرك الناقد التقليدي سمة في العمل القصصي، ولكنه إدراك أولى بسيط، فهو يعي « التصوير » بشكله الآلي أو المحاكاة ببعدها البسيط ويكون دور القاص ـ هنا ـ المراقبة الكسولة للواقع، وتقدم القصة القصيرة ـ من هذه الناحية ـ بعداً سلبياً في الكشف المعرفي يكون فيه النص صورة ثابتة للواقع وليست قادرة على موازاته.
إنَّ القصة القصيرة في مستوى محاكاة ما هو كائن « تشبه » النمط الكائن في الواقع الخارجي الذي لا تتحقق أبعاده لمجرد كونه كائناً في الواقع، وإنما لأنّ الناقد يجد فيه صدى للنمط الفكري الذي يتبناه، ولذلك فنحن إزاء بحث عن نمط في الواقع يماثل في حقيقته نمطاً كائناً في الذهن، وتحاكى القصة القصيرة النمط الكائن في الواقع ليقترب هذا التفكير من المحاكاة الأفلاطونية التي تنأى فيها النتاجات الأدبية عن الحقيقة « المثال » رتبتين، فهناك مثل أعلى « نمط » وصورة له في الواقع، ثم محاولة الأديب محاكاة النمط الكائن في الواقع، ولكن الفرق لدى الناقد التقليدي يكمن في أهمية تصوير النمط الكائن في الواقع، لكونه لا يبتعد ـ في تصوره ـ عن الحقيقة رتبتين، لأنه يمكن المتلقي من وعي المدركات الذهنية المجردة الكائنة في الواقع، والتي يتأسس من خلالها تحديد أبعاد تعليمية تسهم في إصلاح المجتمع بالنتيجة.

( 4 )

تمثل «الحقيقة » المصدر الذي يقتبس منها الأديب التقليدي تشكيله عمله الأدبي، فهو يرى أنَّ المواد الأولية « مقتبسة من الواقع » ، وتتحول الحقيقة لديه إلى مدركات ذهنية مجردة تتمثل مرة في قيمة خلقية محكمة بالعقل أو« نظرية علمية أو فلسفية ونحوها» ، المهم انها تمثل جوانب متعددة لظاهرة واحدة هي الحقيقة، إنها « الجوهر » الذي يسعى الناقد إلى إرسائه وضرورة الكشف عنه، ولذلك لاحظنا أنَّ الناقد التقليدي في مستوى محاكاة ما هو كائن لا يعنى إلا بالجوهر، ويرفض من ثم كل « عرضي » لأنّ الأخير لا يقود ـ في تصوره ـ إلى أبعاد معرفية تترك آثارها الفاعلة في الواقع المتخلف.
ويتجاوز محمود أحمد السيد المحاكاة البسيطة رافضاً التصوير الآلي الذي يتحول فيه القاص إلى « آلة فوتوغرافية وينقل ما يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث كما هي طبقاً للأصل » لتكون القصة القصيرة شكلاً يوازي الأشكال الفنية الأخرى ورافضاً أن يكون النقل الحرفي غاية الفن ، ويرفض يوسف عجاج النقل الحرفي للواقع، فليس شرطاً ـ في تصوره ـ أن تكون حوادث القصة « قد وقعت فعلا وإنما تكون قابلة للوقوع فإنَّ لم تكن كذلك خرجت عن نطاق القصة الواقعية » ، ويرى جعفر الخليلي أنَّ القصة « لا تلزم نفسها بما يحدث فقط... إنها تضيف لها وتزيد عليها » .
وفي ضوء هذا ينفي محمود أحمد السيد فنية الأشكال القصصية، وينفي يوسف عجاج واقعيتها إنْ هي اعتمدت نسخ الواقع حرفياً، كما يرى جعفر الخليلي ضرورة الحذف من الواقع والإضافة إليه لتشكيل قصة قصيرة، وبهذا يتجاوز الناقد التقليدي ـ هنا ـ محاكاة ما هو كائن إلى محاكاة ما يمكن أن يكون، أي مجاوزة المحاكاة البسيطة إلى أنماط أخرى، قد توحي في ظاهرها تجاوزاً للموقف كله، غير أنَّ إدراكنا الكيفية التي تتم بها تجعلنا ندور في إطار المحاكاة، لأنّ الناقد التقليدي لا يخرج عن محاكاة الواقع إلى إسقاط ذاتي عليه، ولا يتأمل واقعه عبر حركة جدلية بين الذات والموضوع .
إنَّ القصة القصيرة على الرغم من أنَّ موادها الأساسية مقتبسة من الواقع فإنّ «حوادثها خيالية لا أساس لها من الصحة » أو أنها « حادثة خيالية يقصد بها شرح نظرية علمية أو فلسفية » فالجوهر يتمثل مرة « بالواقع » ومرة بالأبعاد المعرفية التي تنطوي عليها النظريات العلمية والفلسفية، في حين يتمثل « العرضي » بـ « الخيال » الذي يفتقر إلى الصحة، ويمثل الخيال إطاراً خارجياً يعمد من خلاله القاص إلى ترتيب «جوهره ».
وإذا كان الناقد التقليدي في مستوى محاكاة ما هو كائن لا يعني إلا بالجوهر ويرفض كل عرضي، فإنه ـ هنا ـ يجمع بين الجوهر « الحقيقة » والعرضي « الخيال » لا على أساس أنَّ كلا منهما يمثل طرفاً أساسياً في الإدراك المعرفي، وإنما ليحقق « الخيال » الأبعاد الفنية للأشكال القصصية لتجمع القصة في تصور شاكر السعيد « بين الحقيقة والخيال » ، أو أنَّ العمل القصصي ـ كما يرى جميل علي ـ « يجمع بين الحقيقة والخيال » أو يصل الأمر حداً في «استساغة الوهم » .
ويبرز هنا دور الخيال الذي يؤثر في تشكيل الأبعاد الفنية للقصة القصيرة، غير أنه في النصوص السابقة غير محدد بأبعاد، ويصفه جعفر الخليلي بـ « الشرارة » « التي تبعث الحياة الحقيقية في الرواية.... وهذا الخيال لا يقتصر على الاختراع فقط، بل أنه يدرك الأشياء ويحسها فهو يضاعف الأشياء التي تبدو عادية مألوفة وهكذا فهو يمدها بقوة جديدة » وقد توحي « الشرارة » بأبعاد رومانسية تقترب من « الحدس » غير أنَّ الخليلي في مكان آخر يرفض القصص القائمة على «الخيال المحض الذي لا يمت إلى الحقيقة بشيء»، وبهذا يحكم الناقد الخيال بأبعاد عقلية، ويعمد إلى التمييز بين القصة والأسطورة بأن « القصة صفحة من صفحات الحياة الواقعية والأسطورة رمز من رموز الخيال » ؛ ويؤكد الناقد التقليدي أهمية «الخيال » ودوره في تشكيل القصة القصيرة، ويحكمه الناقد من خلال بعدين أحدهما : يرتبط بـ « الجوهر » وثانيهما : يرتد إلى الواقع، فتكون القصة « صورة » مماثلة للواقع يعتمد فيها القاص على «انتقاء » الحوادث الكائنة فيه، كما أنه ينسج في ضوئها ما يحتمل أن يكون واقعاً، ولذلك فالخيال لا يبتعد عن العقل، وإنما هو مرتد إليه، فهو والحالة هذه « خيال متعقل » .
ويرفض الناقد التقليدي توظيف « الخيال » في مستوى « محاكاة ما هو كائن »لارتداده إلى أداة معرفية تغاير العقل وترتبط بالذات والحواس، فيكون الخيال أقل رتبة من العقل في الكشف المعرفي، ولأنه من ناحية أخرى يمثل العرضي الذي ينأى عنه التفكير التقليدي، غير أنَّ الناقد في مستوى « محاكاة ما يمكن أن يكون » يوظف الخيال لتحقيق وظائفه التعليمية، محكماً إياه بمقومات عقلية.
ان المحاكاة تعمد ـ والحالة هذه ـ إلى تثبيت المشهدين الحسي والنفسي في الواقع، ولهذا يشترط الناقد في المخيلة الصدق والأمانة، وعدم تجاوزها العقل والواقع، وفي ضوء هذا تشتمل المحاكاة على تجربة محكمة بالإدراك العقلي، ويقدم القاص إدراكه عبر هذه التجربة التي تنطوي على الموضوعات العامة، وبهذا تعجز المحاكاة عن مجاوزة «المشابهة» إلى « التغاير » لأن «المشابهة » تعني تثبيت الواقع الخارجي وكشف الحقائق المستقرة فيه، وليس الكشف عن عالم جديد، وتندمج فيه تجارب الماضي والحاضر والمستقبل، ومن شأن هذا العالم إثراء المتلقي بمزيد من الوعي والمعرفة.






الفصل الثالث
البناء والأداة

( 1 )
يوظف الناقد التقليدي الأشكال الأدبية من أجل وظيفته التعليمية، وهو يدرك أنَّ هذه الأشكال تتفاوت من حيث التأثير، وجاء اهتمامه بالشعر وتوظيفه إياه سابقاً للأجناس الأدبية الأخرى، لعراقة الشعر أولاً، ولاستقرار الكثير من قيمة ومفاهيمه ثانياً، ثم نشأت أشكال أدبية حديثة ساهمت الصحافة في ظهورها ونموها كالمقالة، أو ساعدت على تطورها كالقصة القصيرة.ويرى الناقد أنَّ القصة القصيرة لا تؤثر في المجتمع بشكل مباشر كما تفعل المقالة، ولذا رأينا من يصرح بأهمية المقالة وتفضيلها على القصة القصيرة، بل يعد الأديب مبدعاً لا لكونه يكتب هذا الأدب المتدني ـ القصة القصيرة ـ وإنما لأنه يكتب مقالة تترك آثارها الإيجابية في إصلاح المجتمع وتعليمه ؛ وقد وقع الناقد التقليدي تحت وطأة تأثير المقالة لإلحاح الوظيفة التعليمية عليه، ولأنّ المقالة أكثر فائدة وأهمية من القصة، وترك هذا التفكير آثاره في تحديد طبيعة القصة وبنائها، وهو تصور واكب البدايات الأولى للقصة في العراق التي كانت تمثل شكلاً أقرب إلى المقالة، وهذا يعني من جانب آخر أنَّ الناقد التقليدي يرى في الأشكال القصصية واسطة يتوسل بها إلى غايته التعليمية، وليست غاية في ذاتها.
ومهما قيل في أنَّ المقالة تتناول موضوعاً مركزاً وتعتمد التقرير لا التصوير، وتعرض قضية لها آثارها في المجتمع، فإنَّ البعد الجوهري الذي يلم أجزاءها هو وحدة الموضوع، وقد سيطر هذا الفهم على الناقد التقليدي وهو يحلل الأشكال القصصية، إذ لا فرق بين المقالة والقصة القصيرة، غير أنَّ الأولى تكتب بشكل تقريري مباشر، قد نجد فيه أثراً للحكاية أو لا نجد، وتصاغ الفكرة في القصة القصيرة في قالب قصصي، نجد فيها جوانب من التصوير ممتزجة بتقريرات المقالة، ومؤكدة أفكار القاص، ومن هنا نفسر تأكيدات الناقد التقليدي أن تكون القصة مرتكزة على « الفكرة القوية ذات الخطر في حياة الأفراد والجماعات » كما أنَّ عبد الحق فاضل وهو في معرض إشادته بنتاجات ذي النون أيوب يجرده من كونه قاصاً، لأنه لم يعمد لكتابة قصة قصيرة، بل كان يسعى لعرض أفكاره وتصوراته، وما الأشكال القصصية إلا إحدى الوسائل لتوصيل هذه الأفكار، ولذلك فهو يهيئ الأفكار والآراء التي يريد عرضها، ثم تأتي عملية التفكير في صوغ عناصر القصة وكيفية تركيبها « إنَّ ذنون ليس عاشقا للفن القصص لذاته فهو يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبني عليها قصصه قبل أن يفكر في هيكل القصة نفسها وعقدتها وحبك حوادثها » ، إنَّ هذا التصور يذكرنا ببنية القصيدة في التراث النقدي عند ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشعر ، وهو تصور تحكمه الصنعة التي تعني أنَّ التخطيط يسبق التنفيذ.
وإذا كان الناقد التقليدي يسعى لعرض مفاهيمه الفكرية من خلال القصة فإنه يعرض أفكار صفوة المجتمع، ويعبر عن الوعي الجماعي لا الفردي، بحيث يتحول مفهوم القصة القصيرة عنده إلى صورة للعقل الجماعي، لأنّ بعض المجتمعات ـ كما يعرض ذلك مصطفى سويف ـ تكون على درجة رفيعة من التكامل... وهي التي تقوم على أساس تحقق النحن، وهذه المجتمعات ذات حظ كبير من الثبات وتحقق لأعضائها نوعاً من التوازن السيكولوجي يفقدونه إذا انفصلوا عنها، وبهذا فإنَّ «النحن » أخذت تشكل أفكار « الأنا » وتصوراتها لدى الناقد التقليدي، وتحولها من كونها « أنا » فردية تمكن الفرد من الإدراك الشخصي إلى « نحن » جماعية تخدم الجماعة قبل الفرد، وتفكر بالمجتمع قبل تفكيرها بالإنسان الفرد.
وفي ضوء هذا يؤكد الناقد التقليدي ضرورة عيش القاص الحياة الاجتماعية وتعبيره عن مشاكلها ومعضلاتها، لأنّ القاص لا يمكنه أن يبدع دون تمثل أدواء المجتمع، غير أنَّ الناقد التقليدي شأنه شأن القاص لم يدرك الصراعات الداخلية في المجتمع، إذ كان يرى المجتمع من خلال بعد ظاهري سطحي لم يتجاوز قشرته الخارجية، إنه يتناول ما يحدث وليس تناول الحياة بتساؤل كيف حدث ؟ ولماذا حدث ؟ ؛ وبقدر ما أدى به ذلك إلى استبعاد الجوانب الذاتية، أدى به التركيز على القصة بوصفها قالباً فكرياً أو وعاءً لمحتويات يراد توصيلها إلى « النحن » وبقدر ما يفصل هذا بين الشكل والمضمون فإنه يجعل المضمون من قبيل الأفكار الإصلاحية ويجعل الشكل من قبيل الوعاء المزخرف الذي يغري القراء بتقبل هذه الأفكار الإصلاحية والنتيجة هي تفتيت وحدة العمل القصصي والتعامل مع القصة القصيرة بمستويين يتصل أولهما بالأفكار، ويتصل ثانيهما باللغة والأسلوب، ويجمع بين المستويين المجاورة، أما الوحدة فترتد إلى وحدة موضوع ذات طابع شبه منطقي.
إنَّ المضمون في تصور الناقد التقليدي فكرة تعالج مشكلة من خلال تصورات القاص الذهنية المجردة فيتأمل الفكرة من خلال بعديها السلبي أو الإيجابي، أو كليهما معاً، غافلاً بذلك الذات وفاسحاً المجال للعقل ليتدخل في تشكيل القصة القصيرة، ويتضح هذا من خلال حرص الناقد أن تكون القصة « مجالاً جذاباً واسعاً » يمكن الأدباء من بث «أفكارهم ونشر أغراضهم » ولأنّ القصة ليست « كلاماً خالياً من الغرض » ، ليكون الشكل أداة لغوية «بليغة عالية » وبذلك تنفصم العرى الوثيقة التي تؤدي إلى تشابك الشكل والمضمون، لأنّ الأخير هو صورة الإدراك التي ينشدها الناقد في النتاج القصصي.
ويأتي الفصل بين الشكل والمضمون استجابة طبيعية للفصل بين الذات والموضوع و «الأنا » و « النحن » كما أنَّ الوحدة التي يؤمن بها الناقد هي وحدة الموضوع غافلاً بذلك ما تقدمه الذات من مدركات، ويمثل الشكل وعاء يصب فيه القاص مضمونه، ويتأتى هذا بسبب رؤية الناقد التقليدي وما نتج عنها من تحديد وظائف القصة القصيرة وكيفية محاكاة الواقع ؛ إنَّ المضمون ـ عند الناقد التقليدي ـ إدراك تعقلي للعالم والمجتمع والإنسان يعالج فيه الناقد ـ ابتداء ـ تحقيق وظيفته التعليمية، ويصاغ هذا المضمون في قالب أدبي يكون بمثابة الوعاء، وليس بينهما أي تفاعل بحيث لا يمكننا رؤية أحدهما بحضور الآخر.

( 2 )

يتأمل الناقد التقليدي ( الأداة ) من خلال علاقته الوثيقة بتراثه النقدي ولما كان التراث النقدي منصرفاً لدراسة الشعر، فإنه يتأمل الأداة في ضوء هذا المنظور، لعراقة الشعر واستقرار الكثير من قيمه ومفاهيمه أولاً، ولحداثة القصة القصيرة ثانياً، ونلمس آثار هذا واضحة في استعارته مصطلحات نقد الشعر من خلال تأكيده إسباغ روح الشعر على القصة وتغذيتها بالخيال وصبها في قوالب لفظية ، كما نلحظ اهتمامه بتحليل القصة القصيرة من منظور شعري، وذلك بعقد المقارنة بين القصة والقصيدة، محاولاً عرض أوجه الشبه بينهما من خلال انتقائهما المفردة وجمال إيقاعها وفخامة أسلوبها، فضلاً عن تسلسل أحداث القصة وعمق أفكارها، وهو بذلك يجافى التصور الذي تلتقي فيه القصة القصيرة بالقصيدة من خلال اختيار المفردة الموحية، ولجوء القصة إلى التكرار، ومحاولات القاص تشكيل مفردات تؤثر على المتلقي بإيقاعها، ومن خلال تأدية القصة مهمة القصيدة من حيث الصور النفسية والأحاسيس والدقة في انتقاء الألفاظ .
وعلى الرغم من تأكيد الناقد التقليدي أنَّ النثر أداة القصة القصيرة فإنه يستشهد بنصوص شعرية يعدها قصصا كالملاحم والمسرحيات الإغريقية، أو اشتملت فيها الحكاية على الشعر كالحكاية الشعبية والمقامات، أو لم تعتمد الشعر في الغالب كالقصة التاريخية الشعبية والنوادر والحكايات، وهذا يعني أنَّ القصة أقرب إلى الفنون القولية، بل أنها فن صوتي يعني في أحد جوانبه بصياغة المفردة وإيقاعها الصوتي.
وإذا جاز لنا أن نصف مستويين للغة : مستوى خارجي يتعامل مع اللغة وتراكيبها ومفرداتها من خلال مدلولاتها المعجمية، ومستوى داخلي يتفاعل مع إيحاءات هذه المفردات وظلالها وخلق موحيات جديدة للمفردة من خلال أنساق العبارة وتركيبها، فإنَّ الناقد التقليدي يتعامل مع اللغة بمستواها الخارجي الذي يحولها إلى مجرد أداة موضوعية موشاة بزخرفة كتوشية الخطيب خطبته وضرورة تحميل هذه الخطبة بالفكرة المعززة بالدليل والبرهان.
ويدرك رفائيل بطي خطر السجع والتكلف في التعبير، لأنهما يشوهان لغة القصة ويعيقان القاص من التعبير عن رؤيته ، كما أنه ينأى بالقصة عن غايتها الأساسية، ويعنى تماماً بالألفاظ لأنّ القاص ـ هنا ـ « يجد كل الجد وراء كلمة ليقيمها إزاء أختها ويقابلها بها » مما يترك آثاره في البحث عن كلمات لا تؤدي المعنى المقصود، ولا تحقق غاية القاص في تأكيد الفكرة، كما أنَّ رفائيل بطي إضافة إلى تأكيده أداة القصة النثرية وضرورة نأيها عن السجع لما فيه من قيود فإنه ينبه إلى ضرورة ابتعاد القاص عن كل «كلمة مقعرة أو نافرة قلقة » لما تتركه هذه الكلمة من إعاقة الترسل في الأسلوب.
ويتبنى الناقد التقليدي اللغة التفسيرية الشارحة عبر دعوته إلى البساطة والسهولة في الأداء، لا لغاية اقتضتها الضرورات الفنية المرتبطة بطبيعة القصة القصيرة، ولكن من أجل أن تكون آثار القاص في متناول كل شخص كي يستطيع فهمها ، وبذلك تكون اللغة أداة تفسيرية تحقق وظيفة القصة التعليمية، كما أنَّ سهولتها تمكن المتلقي من إدراك ما يعرضه القاص من أفكار وتصورات.
وفي ضوء هذا يحث ضياء الدين سعيد على أن يحافظ القاص في نتاجه القصصي على « اللغة العربية الفصيحة الجزلة الجذابة وبلاغة مطبوعة لا تكلف فيها ولا تصنع » مؤكداً جمال الأسلوب وضرورة التواءم في المفردة بين الدال والمدلول، وبتعبير آخر المواءمة بين شرف اللفظة وشرف معناها، وهذا يعني أنه يحدد علاقة وثيقة بين اللغة والفكر، غير أنها علاقة الوعاء للمادة، وتتحول اللغة ـ والحالة هذه ـ إلى أداة توصيل تخدم تصورات القاص وأفكاره، وينبغي للغة القصة أن تحافظ على سماتها الجمالية التي تسهم في تزيين جمال الفكرة.
وتردد الناقد التقليدي بين جزالة الألفاظ ورشاقتها ! واهتم بالتشبيهات والاستعارات التي يرى أنها تعطي جمالاً أسلوبياً فريداً، وهو متأثر ـ هنا ـ بنقد الشعر الذي يعنى بانتخاب المفردة وما يرافقها من تلوينات صوتية، بحيث يكون التعبير اللغوي منسجماً مع ما يريده القاص من فكرة، ويحدد جعفر الخليلي شرطاً أساسياً في اللغة هو «استعمال الكلمات التي تحمل المعنى المطلوب أكثر من غيرها بينما تكون أخف من غيرها على النفوس وتعمل على الجرس أو ما شابه ذلك في الواقع » وهذا يعني تأكيد الناقد اختيار المفردة الدالة على المعنى المقصود مع دقة وإحكام في استخدامها، وضرورة الالتفات إلى جرسها الموسيقي الذي يترك آثاره في المتلقي ؛ إنَّ عناية الناقد التقليدي البالغة باللغة لا يعني إغفاله المضمون، ولكنه يمثل الوعاء المزخرف الذي يغري به المتلقي في تقبل الأفكار الإصلاحية ومواصلة مطالعتها.

( 3 )

إنَّ عناية الناقد التقليدي بالمضمون الذي يعنى في الغالب الموضوع الذي تشتمل عليه القصة القصيرة، وعنايته بالأداة اللغوية التي تمثل الوعاء الذي يجذب المتلقي ليغريه بمطالعة القصة والتأثر بها لم يصرفاه عن اهتمامه بعناصر القصة القصيرة كالشخصية التي تتحد عنده في نمطين : « الشخصية ـ الفكرة » و« الشخصية المحلية » ؛ وتتجاوب «الشخصية ـ الفكرة » مع التفكير العام للناقد التقليدي لأنها تحمل أفكاره وتصوراته، فهي تمثل عقلاً محضا تفتقر إلى حريتها وقدرتها على التعبير عن ذاتها، ويكون ظهور القاص واضحاً يتحدث عنها وعن أفكارها، ويرى محمود أحمد السيد ضرورة ظهور القاص جنباً إلى جنب شخصياته، وقد أطلق على هذا « ذاتية الأداء » الذي تبناه في مرحلة من مراحل حياته لغاية لم يفصح عنها، ثم لجأ بعد ذلك إلى « الموضوعية » التي تعني اختفاء القاص وراء شخصياته » .
وتحولت « الشخصية ـ الفكرة » على يد الناقد التقليدي إلى قيمة تجريدية، فالأدباء ـ في تصور عبد الغني شوقي ـ إنما « يمثلون في أشخاص رواياتهم الفضائل » من ناحية « ويجسمون الرذائل » من ناحية أخرى، وهذا يعني أنَّ القاص لا يعنى بالشخصية بوصفها كائناً إنسانياً، وإنما لكونها وعاء ينطوي على أفكار مجردة‎ لابد من تمثيلها في العمل الأدبي، لأنّ الناقد لا يعنى ـ هنا ـ بالعرضي قدر عنايتة بالجوهر، أي القيم التي تحملها الشخصية، ويوزع الناقد هذه القيم على طرفين متضادين من الشخصيات، الشخصيات التي تمثل عنصر الخير وتضادها الشخصيات التي تمثل عنصر الشر، ليؤكد مقولته الفكرية في إرساء بعدي التحسين والتقبيح في العمل الأدبي أولاً، وفي الواقع الاجتماعي ثانياً ؛ ويقود التجريد إلى نقل المتلقي من واقعه الذي يعيش فيه إلى واقع مثالي تتجسد فيه القيم الذهنية ببعديها السلبي والإيجابي لتخدم الأبعاد التعليمية، وإذا كانت « الشخصية ـ الفكرة » شخصية تجريدية فإنها بهذه السمات شخصية مسطحة تتسم بكمالها وثباتها وفقدانها حريتها وإرادتها، وبهذا يؤكد الناقد ـ عبر هذه الشخصية ـ أبعاده المعرفية المتمثلة بالتعليم في النص القصصي.
ولم يقتصر الناقد على هذا، بل أخذ يصنف الشخصيات الخيرة والشريرة على أساس طبقي، فالشخصية الخيرة تمثل طبقة عليا، هي طبقة الأكابر، والشخصية الشريرة تعبر عن طبقة دنيا، هي طبقة الأصاغر، ويهب الناقد للشخصية الخيرة العواطف السامية والأخلاق الكريمة، ويخلع على الشخصية الشريرة ما يتناسب مع طراز حياتها من سباب وشتم وقذف .
ويدعو الناقد التقليدي من زاوية أخرى إلى الشخصية المحلية محددة بإطاريها المكاني والزماني، رافضاً بذلك القصص المتأثرة بالبيئات الأجنبية، إذ يحدد الناقد البيئة العراقية مكاناً يتكئ عليه القاص في بناء عمله القصصي، لإدراكه أنَّ تصوير بيئات مكانية أخرى يعني الخروج على الوظيفة التعليمية ؛ ويرافق التأكيد على الأبعاد المكانية أن تحافظ الشخصية على سمات محلية خاصة في ملامحها وأسمائها أيضاً. وتقتصر الملامح المحلية على الوصف الخارجي للشخصية، وبهذا لا تقود الملامح المحلية إلى إثراء الشخصية بما يختلج في أعماقها من مواقف، ووعي ردود فعلها إزاء الواقع الخارجي، ويشير الناقد إلى الزمان وأهميته، ولكنه يحوّل هذين البعدين ـ الزمان والمكان ـ إلى ثوابت مستقرة لا يتركان آثارهما في تشكيل الشخصية وخضوعها لهما أو تمردها عليهما، بل هما عنصران تابعان للشخصية، ويستخدمهما الناقد لمجرد إيهام المتلقي بحدوث هذه القصة في واقعه الاجتماعي.
وتنعكس آثار هذا التفكير على الحدث الذي يشترط فيه محمود أحمد السيد ضرورة انتقائه من الواقع الذي يعيش فيه القاص، وألاّ يكون واقعاً في بيئة مكانية أخرى، وأنْ يكون من « أشباه الحوادث الواقعة إنْ لم تكن واقعة بذاتها » ويتبنى شاؤل حداد هذه التصورات ويشترط انتقاء الحوادث من شريحة اجتماعية محددة : شريحة المعدمين والمستضعفين .
أما علاقة الحدث ببناء القصة فإنه محكوم بمقومات عقلية لابد فيها من تسلسل الحوادث وتعاقبها بأسلوب يرضاه المنطق ـ على حد تعبير رفائيل بطي ـ كما أنَّ محمود أحمد السيد يجعل العقل متحكماً في حوادث القصة وفي تماسك النص القصصي، وتتحول حوادث القصة ـ هنا ـ إلى أدوات رياضية تجريدية يتحكم فيها العقل، ويفرض فيها الناقد منطقه الخاص دون أن يعي أنَّ للقصة منطقها الفني الخاص، ومن اللافت للانتباه أنَّ الناقد يعنى بالحدث وكأنه جزئية مستقلة عن غيرها.

( 4 )

أما الحوار القصصي فينبغي أن يكون عربياً فصيحاً، أما عند من أجاز الحوار بالعامية فإنه يرتكز إلى دعوى أنَّ اللهجة العراقية أقرب إلى لغة كتابتنا، وليس مهما طبيعة الحوار الذي تستخدمه الشخصيات، وإنما المهم أسلوبه وكيفيته، وقدرته التعبير الفني عن المستويات المتباينة للشخصيات، وإمكانه الإفصاح عن مستوياتها الفكرية والوجدانية المختلفة، وينحاز الناقد التقليدي للحوار بالفصحى لإيمانه بقداسة العربية، ولأنَّ الحوار العامي يعجز عن أداء المعاني الدقيقة التي تقدر الفصحى على أدائها، كما أنه يتجاوز في دعوته هذه الأطر الإقليمية إلى أبعاد قومية، لأنَّ التعبير العامي يعجز عن إيصال الأفكار إلى المتلقي العربي، يضاف إلى هذا أنَّ القصة العراقية لم تلجأ في المرحلة التقليدية إلى الحوار العامي ـ في الغالب ـ ومن أجل هذا كله يعيب رفائيل بطي على محمود تيمور «تمسكه بأهداب اللغة العامية آخذاً في ذلك بالرأي المعروف بأنَّ الحوار أو « المحادثات » يجب أن تكون بلغة المتكلمين، ولما كانت أكثر قصصه مصرية فالواجب أن يكون حوار أشخاصها باللغة المصرية أو اللغة العامية، لغة الكلام... بمعنى أنَّ المؤلف ينـزل إلى حضيض التعابير الركيكة والألفاظ المغلوطة أحياناً وأداء أسلوب الدهماء القبيح... أما نحن فلا ندعو له بالنجاح فيها بل نرى أن يصرف جهده إلى اللغة الفصحى، وبوسعه أن يفرغ أقواله أحياناً في قالب من السهولة مما يجعلها قريبة من العامية، ولكنها ليست العامية، وبذلك تتم خدمته للأدب واللغة « .
ويرى رفائيل بطي أنَّ للحوار العامي قدرته على إضفاء الواقعية على القصة القصيرة، وهو يرد ـ والحالة هذه ـ على أنصار الواقعية اللفظية التي ترى أنَّ واقعية القصة تتحقق في إحدى جوانبها بالحوار العامي، ولهذا حاول الناقد أن يحل هذا الأشكال بالموازنة بين قدسية اللغة الفصحى وتأدية الحوار بلغة قصصية التي تتحقق ببساطة الحوار وسهولته وقدرته على التعبير عن الشخصيات، بحيث يكون قريباً من العامية وليس عامياً، وهذا يقتضي انتقاء المفردات العامية ذات الجذور الفصيحة، واستخدامها في الحوار لتحقيق هذه الموازنة الصعبة، ويعد هذا تصوراً مبكراً في هذه المرحلة من التفكير التقليدي.
وإذا كان البناء الفني للقصة القصية يقتضي انسجاماً بين الحوار ومستوى الشخصية الفكري والوجداني فإنَّ أي محاولة لكسر هذا الانسجام تنعكس آثاره على الشخصية من ناحية وعلى البناء الفني للقصة القصيرة من ناحية أخرى، ولما كان القاص التقليدي يعرض نتاجه بأداة بلاغية مقصودة لذاتها فإنه من الطبيعي أن يقود هذا إلى انفصام الحوار عن الشخصية، ويؤدي إلى خلل في بنية القصة، كما أنَّ الشخصية نمطية لأنّ القاص يمنح نفسه الحق في التعبير عن جميع الشخصيات، ويقطع السرد في الوقت الذي يشاء، إما لاستعراض معلوماته، أو لتقديم موعظة للمتلقي، أو للتنبيه لغرابة الأحداث، وهذا يعني أنَّ الحوار مفروض على الشخصية وعلى الحدث، ومنفصل عنهما في الوقت ذاته .
وأدى التحاور في ضوء الغايتين اللتين دعا إليهما الناقد أن يعرض الحوار بمستوى لغوي واحد، فلا نجد تفاوتاً في المستويات اللغوية للشخصيات المتحاورة على الصعيدين الفكري والوجداني، لأنّ الحوار تحول إلى منبر خطابي يعرض فيه القاص أفكاره وتصوراته ويوشيه بألوان البلاغة، وقد تحولت شخصيات القصة والحالة هذه إلى شخصيات نمطية تفتقر إلى السمات الداخلية التي تحدد ملامحها، وتعبر عن أفكار القاص المثالية المطلقة، وبالإمكان إعطاء الحوار لأي شخصية من الشخصيات دون أن يترك أثرا في وحدة البناء والنسيج.

( 5 )

تعد « الحكاية » لدى العديد من النقاد التقليديين محوراً أساسياً تقوم عليه بنية القصة القصيرة، ولذلك لم أجد تمييزاً محدداً في العديد من النصوص النقدية بين القصة القصيرة والرواية ـ مثلا ـ بل إنَّ الناقد التقليدي يعتبر كل ما احتوى عنصراً من الحكاية قصة، ويطلق عليها قصة مرة أو رواية مرة أخرى التي تعنى لدى بعض النقاد «المسرحية» وتتداخل لدى العديد من النقاد كثير من الأشكال الأدبية التي يعتبرها قصصا كالملحمة والمسرحية ؛ ويحاول رفائيل بطي تحديد بعض المصطلحات النقدية فالقصة القصيرة أو الأقصوصة تقابل « كونت بالأفرنسية وستورى بالانكليزية » ، ويرجع ناقدً آخر تحديد القصة القصيرة إلى عناصر ذاتية كائنة في النص الأدبي نفسه، فالقصة القصيرة لديه«حكاية مرصوصة لحادثة واحدة في أسطر محدودة » لتكون القصة محددة بعنصر القص والحادثة والحجم بوصفها جميعاً معياراً يحدد ماهية القصة القصيرة، ويحاول محمود أحمد السيد التمييز بين القصة القصيرة والرواية ويرى أنهما تشتركان في عنصرين : أحدهما الحادثة التي تعبر عن موقف سطحي أو عميق، وثانيهما التحليل النفسي الذي ينبغي أن تنطوي عليه الحادثة ـ ويبدو أنه متأثر ـ هنا ـ بالأدب الروسي في القرن التاسع عشر والمدرسة المصرية التحليلية ـ غير أنَّ القصة تتميز لديه بالفردية المقترنة بالغرابة والشذوذ، ويخطو محمود أحمد السيد خطوة نوعية في تحديد القصة القصيرة لأنها تعبر عن فن الفرد المأزوم وكأنه يلتقي بالتصورات الحديثة التي ترى أنَّ القصة القصيرة « بعيدة عن الجماعة ورمانتيكية وفردية ومتأبية » في حين تختلف الرواية عند محمود أحمد السيد عن القصة القصيرة « بالبطولة والعقدة وبشيء من الغرام وتحبيب المثل الأعلى » ، وعلى الرغم ما يوحيه النص من خلو القصة القصيرة من العقدة فإنه يوحي من ناحية أخرى بامتداد الرواية في تناول الشخصية وإبراز جوانبها المتعددة، وإذا كان محمود أحمد السيد يختلف عن بقية النقاد في وعيه وتفصيله الفوارق بين الرواية والقصة القصيرة فإنَّ ناقداً آخر يعتبر العقدة المعيار الأساسي في التمييز بين الأشكال القصصية، فالمقامة لديه ليست قصة لخلوها من العقدة .
وتتحدد نظرة الناقد التقليدي للقصة القصيرة بوصفها بنية متراكبة من خلال مشابهتها إنشاء بناية أو عمارة، ويبدو التشابه بين كلا البناءين على أساس الصنعة التي بإمكان الإنسان أن يمتلكها من خلال الدربة والممارسة، ويرى الناقد التقليدي أنَّ أولى مستلزمات البناءين وضع تصميم هندسي يحدد فيه الإطار العام الذي يتشكل من خلاله العمل، وتحديد المنفعة المرجوة منه، ولذلك فإنَّ مهندس البناية يلتقي ومنشئ القصة في رسم التصميم الهندسي الذي ينبغي أن ينطوي على ما يؤدي إلى الغاية المطلوبة ، ويشترط الناقد لذلك ضرورة توفر المواد الأساسية لكلا البناءين، فالأسمنت والطابوق يقابله في القصة الأخبار والحوادث، ورصف الطابوق بنظام معين يقابله في القصة ربط حادثة أو ترتيب فكرة.ان أوجه المشابهة التي يعقدها الناقد بين بناء المساكن وبناء القصة يعني تأكيد العقل والصنعة من ناحية، وإغفال الذات والأبعاد الفنية في النص القصصي من ناحية أخرى، ويرتبط بهذا كله الوظيفة التي يسعى الناقد إلى تحقيقها في كلا البناءين.
ويظهر الإحكام العقلي واضحاً من خلال الدعوة إلى تصميم هندسي إضافة إلى عقد المقارنة بين القصة القصيرة وبعد مادي يمكن الإنسان تحقيقه من خلال الدربة والممارسة، كما يؤكد تحقيق الأبعاد المتراصة القائمة على التناسب والتناسق في كلا البناءين، وهذا يعني أنَّ البعد الجمالي يتحقق لديه من خلال سمات رياضية قوامها المنطق وأبعادها المسافات والترتيب، وإنْ الإخلال بهذه القيم معناه الإخلال بقيمة العمل الجمالي.
ومن الآراء النقدية التي تؤكد « الصنعة » في بناء القصة القصيرة ما يراه عبد الحق فاضل في أنَّ القاص « يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبنى عليها القصة قبل أن يفكر في هيكل القصة نفسها » كما يظهر الإحكام العقلي، من خلال مشابهة أخرى يعقدها جعفر الخليلي بين القصة القصيرة وأبعاد النحو العربي المنطقية، فهو يرى « أنَّ القصة ـ باختصار ـ حكاية فنية تبدأ من نقطة معينة «كالمبتدأ » في النحو، وتنتهي في نقطة معينة «كالخبر » تعبر عن فكرة أو حادث » .
وفي ضوء هذا كله تقود الآراء النقدية في بناء القصة إلى مزيد من الإحكام العقلي، يرتد إلى الأساس الفكري الذي يصدر عنه الناقد التقليدي، وهو قائم على تغليب الموضوع على الذات، وتغليب العقل وما ينتج منه، على الجسد وما يصدر عنه.





الموقف الرومانسي



مدخل :

حين نتأمل لغة الناقد الأدبي في العراق منذ الثلاثينات، ومروراً بالحرب العالمية الثانية، حتى أوائل الخمسينات، نجد جملة من المتغيرات في أنساق اللغة النقدية تغاير طبيعة اللغة في الموقف التقليدي، من حيث مفرداتها التي تعنى بالمشاعر والانفعال والخيال، واهتمامها بالعالم الداخلي للإنسان، وتأكيدها العفوية والتلقائية في التعبير، فضلاً عن اهتمامها بحرية الإنسان الفرد ، ولا ريب أنَّ اللغة تمثل نسقاً ينطوي على رؤية تحدد الأخيرة للناقد موقفه من العالم والمجتمع والإنسان، وتنعكس آثارها على تحديد وظائف القصة القصيرة، وطبيعتها، وبنائها، وأداتها، وما التغير في طبيعة اللغة إلا صورة لتغير الرؤية النقدية، وتغير في محصلة التفكير الذي ينأى عن الثبات إلى النسبية.
ولم يكن التغير مقتصراً على الرؤية واللغة فحسب ولكنه شمل جوانب أخرى من ال

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر

الفصل الثاني
طبيعة القصة القصيرة

( 1 )


يعبر الناقد الرومانسي عن تجربة القاص الانفعالية بصفات تتضمن دلالة «التعبير » على نحو من الأنحاء، ولذلك فإنَّ القصة القصيرة «صدور طبيعي » عن الذات، وليس وصفا لها، ويتسم الصدور الطبيعي هذا بسمات « الدفق » و« الحرارة » و«الإشراق» ، وهذه الصفات الثلاث صفات طبيعية حسية، أضفاها الناقد على ظاهرة لا مادية، فالدفق يعني الصدور على هيئة جرعات متتالية، ويحمل من ثم سمات المادة المتدفقة، بمعنى أنَّ التعبير ينطوي على سمات التجربة الانفعالية كلها، أما الحرارة فتعني صدق التعبير والأداء، وكأن الإشراق يأتي متمما لصورة التعبير الطبيعية.
إن صفات « الدفق » و « الحرارة » و « الإشراق » صفات طبيعية لو تأملناها في محاولة لاستنطاق النص لرأينا أنَّ : « الإشراق » و« الحرارة » يرتبطان بمصدر إشعاع طبيعي ـ كالشمس مثلاً ـ وإنَّ « الدفق » ظاهرة طبيعية تنبع من الداخل ـ كالأرض ـ ولو ذهبنا مع الناقد على أنَّ القلب يمثل مصدر التجربة الانفعالية فإنَّ هذه الصفات الثلاث تمثل سر تدفق الدم من القلب، فتحتوي ماهية الدم وصفاته من الدفق والحرارة والإشراق ولم يقتصر الناقد الرومانسي على ذلك بل حاول تجلية مفهوم التعبير من خلال توصيفات أخرى، إذ يتمثل التعبير على هيئة التدفق الجارف، أو السيل المنحدر من عل، أو على شكل فيض الشعور ، وهذه جميعا تدل على صدور عن غامض، ولا ريب أنَّ العالم الداخلي يمثل وجودا غامضا، وهو وجود لا مادي، ولذلك لجأ الناقد الرومانسي إلى توصيفه عبر عدد من الصفات الحسية المستقاة من الطبيعة، كالدفق والسيل والنبع، ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الأوصاف تنطوي في أبرز جوانبها على سمات داخلية، أي ضغط أو عصر من الداخل إلى الخارج، أو عنف صاخب من أعلى غامض ومجهول ؛ إنَّ التعبير ـ في هذه الحالة ـ صدور طبيعي يتضمن سمات الداخل وخصائصه، فالنبع والتدفق، والشكوى والتفريج، على الرغم من أنها تتضمن سمات الداخل وخصائصه فإنها تتميز بعفوية ظهورها وتلقائية بروزها، ومن ثم فهي بعيدة عن التصنع والتكلف .
إن الصدق خاصية داخلية، ولذا فهو يرتبط بتجربة القاص الانفعالية، وليس غريبا أن يجعل الناقد الصدق منحصرا في التجربة الشخصية، أي في مدى عيش الأحداث ومعرفة أبعادها ، ولا يستقل صدق التجربة عن معاناة تخليقها، فالناقد عبد القادر حسن أمين يؤكد أهمية المعاناة قبل التعبير وفي أثنائه، ولذلك فإنَّ القاص يمر بحالة من التأزم في وعي ذاته وانفعاله، ووعي تجربته الجمالية أيضا، ويصل الأمر حدا في أن يعيش القاص شبه غيبوبة، وكأنها تمثل مرحلة التمخض.
ويتعرض الناقد إلى الحديث عن مراحل التطور الجنيني للإبداع الأدبي، إذ تتمثل التجربة أولا بمرحلة غموض يعيش فيها الأديب هواجس مضببة، ولا يعرف ماهياتها، وتمثل لديه حالة لا وعي يفقد فيها قدرته على التفكير الواعي، ثم تأتي المرحلة التالية التي تمثل « ومضة من ومضات النفس البشرية » ، وبعد مرحلة نضج هذه الومضة في أعماق الشاعر ـ وهي تشبه إلى حد كبير مرحلة الحمل ـ ينتقل المبدع إلى حالة التفريج عن الانفعال ـ وهي تشبه مرحلة المخاض والولادة ـ ليكون التعبير تدفقا، أوسيلا، أو نبعا، وتقترن بهذه الأوصاف سمتا العفوية والتلقائية اللتين أشرنا إليهما، ومن ثم ينساب التعبير ـ بحسب تعبير الناقد ـ « كما ينساب الغدير بين المروج والأزاهير » .
وإذا كان الناقد فيما سلف لم يصرح بمرحلة الحمل والولادة فإنَّ صالح سلمان يؤكد أنَّ العمل الأدبي يشبه الكائن الحي الذي لا بد له أن يمر بهاتين المرحلتين، إذ تمثل مرحلة الحمل بذر الفكرة في أعماق القاص وتغذيتها عبر تجاربه وإدراكه ووعيه، وتعني مرحلة الولادة خروج الكائن الحي كاملا ومحافظا على وحدته ، وما دامت القصة تشبه الكائن الحي فلا بد أن يتخلق أصلاً في رحم امرأة واحدة،أي أن يبدعها كاتب واحد، ولذلك يرفض صالح سلمان أن يبدع القصة القصيرة أكثر من قاص، لأنها ستفتقر إلى الوحدة العضوية، تماما، كما أنَّ الإنسان «لن يولد مجزوءاً من عدة بطون... فكذلك... القصة لا يمكن أن يكتبها اثنان أو ثلاثة أو أكثر... وإلا فمن الممكن أن تلد ثلاث نساء طفلاً واحداً !! » .
إن الناقد يؤكد خصوصية التجربة الانفعالية، وخصوصية الخلق الأدبي، اللذين يقودان إلى تفرد الأساليب الأدبية وتغايرها، بحسب تغاير الأدباء والمبدعين، ويبعث هذا التصور على تحديد التمايز بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة الزيتية،إذ يرى عبد المجيد لطفي أنَّ الصورة الفوتوغرافية تقدم شكلا مماثلا للحياة، ومن شأنه أن يكون مألوفا ومتكررا، أما اللوحة الزيتية فإنها تستمد خصوصيتها من معطيات ذاتية، ومن ثم تتجاوز المألوف وصوره المتكررة، ومن هنا يكمن الفرق بين طبيعة الحوادث في الواقع، وطبيعتها في القصة القصيرة .
وما دام التحويل الذاتي يسهم في تحديد الملامح الفنية للقصة القصيرة، فهي من هذه الزاوية تشبه اللوحة الزيتية، وهي بخلاف التصوير الفوتوغرافي الذي يتطابق مع الواقع تماما، ومن شأن هذا التصور أن يقود إلى عقد مقارنة أخرى بين القصة القصيرة والتاريخ، فالتاريخ يشبه التصوير الفوتوغرافي لأنه يعمد إلى وصف الأحداث الكائنة في الواقع الخارجي وصفا محايداً، أما القصة القصيرة فإنها تصور العالم الداخلي للإنسان، ومن هنا جاءت العناية البالغة للناقد بتحليل الانفعالات الداخلية للشخصيات القصصية .
وبهذا تكون الذات الطرف الفاعل في العملية الإبداعية، وتتحدد لدى زيد الفلاحي بالروح التي « تفيض بالرحمة والحنان » والتي تلقي ظلالها على الواقع فتشكله وتلونه بالقيم النبيلة التي يتبناها القاص ؛ أو تتحدد ـ لدى نـزار عباس ـ بالروح العراقية القلقة المعذبة، بمعنى التأكيد على الخصوصية المحلية من ناحية والتوغل في أعماق الذات الإنسانية من ناحية أخرى، وبذلك تكون القصة « صادرة من الأعماق » ؛أو أن تكون صادرة عن ذات القاص أو على وجه الدقة من « قلبه الرقيق الذي يعيش معاني الفضيلة والخير »، وما دام الأمر كذلك تنفصل القصة القصيرة عن الواقع، فهي «موضوعات عاطفية خيالية لا تعالج مشكلة ولا تضع حلا لموضوع اجتماعي » ، وإذا كانت القصة القصيرة تتصل بمعطيات ذاتية وتتجاوز الفوتوغرافية فإنها ستنعكس آثارها على المتلقي الذي يتجاوز هو الآخر التأمل الذهني للمشاهد الثابتة إلى انفعال بتجربة خاصة تنتقل آثارها إليه من النص.

( 2 )

ويعمد الناقد الرومانسي من ناحية أخرى إلى تجليه طبيعة القصة القصيرة من خلال مرآة الداخل التي يصفها علي الخاقاني بأنها « مرآة المجتمع »، وحين تقترن بالصدق تقدم صورة حقيقية للواقع الاجتماعي، وحين تكون مزيفة ـ على حد تعبيره ـ فلا تقدم إلا صورة مشوهة لهذا الواقع، والمرآة ـ هنا ـ جسم مادي مسطح له القدرة على عكس صور الواقع الاجتماعي، ويوحي عنصرا الصدق والكذب بخصائص رومانسية، ولكنه في الوقت نفسه يمكن تفسيره بمشابهة الواقع الاجتماعي، وبذا نكون إزاء الرؤية التقليدية، فتعمد المرآة، وصدقها ـ الذي يعني مشابهة الواقع ـ إلى نسخ حرفي للواقع الاجتماعي، غير أنَّ علي الخاقاني يلح على ضرورة فهم الجسم المرئي الموضوع أمام المرآة ـ أي المجتمع، لأنه بوعي هذا تنكشف رؤية الناقد من ناحية، وتتضح صورة الواقع الاجتماعي، وتتجلى طبيعة الأداة التي تتفاعل معه من ناحية ثانية.
إنَّ الواقع الذي تعكسه المرآة محدد لدى الخاقاني بأنه « كله ألم وحزن وضيق وكله مسطور بالدماء القانية والدموع السافحة »، وهذا يعني أنه واقع آخر غير الواقع التقليدي، لأنّ تحديده بهذه السمات التشاؤمية « الألم والحزن والدماء والدموع »، يعني أنَّ الإسقاطات الذاتية هي التي حددته وشكلته ولونته بهذه الكيفية، فهو ـ والحالة هذه ـ الواقع الذي تمثلته الذات بعد إسقاطاتها عليه، وبهذا يغاير الواقع التقليدي الثابت، وتتغاير من أجل ذلك الصورة التي تعكسها المرآة التي يستخدمها الناقد الرومانسي.
إنَّ القصة القصيرة في حالة المرآة التقليدية تُنقل من الواقع بشكل مباشر، ولكنها في المرآة الرومانسية تمر عبر الإسقاط الذاتي عليه، وبذلك تبرز خصوصية القاص في تلوين الواقع، لتتغاير القصص القصيرة من قاص لآخر، في حين بقيت في الموقف التقليدي صوراً مكررة للواقع، وتتشابه فيها النصوص الأدبية لدى الأدباء ؛ وإذا أردنا أن نقارن بين المرآتين التقليدية والرومانسية ـ بغض النظر عن الإسقاط الذاتي في الموقف الرومانسي ـ فإنَّ المرآة التقليدية مسطحة وتعكس الأشياء والظواهر كما هي عليه، وبشكل آلي، ولكنها في الموقف الرومانسي مرآة مقعرة أو محدبة وملونة تعكس الظواهر والأشياء بعد تشكيلها وتلوينها.

( 3 )

اتضح مما سلف أنَّ الناقد الرومانسي يوجه عنايته إلى العالم الداخلي ويراه المصدر الحقيقي المعرفي والفني، وإذا كان قد عني بالصدور الطبيعي مرة، ومرآة الداخل مرة، فإنه عني هنا بمحاكاة الداخل، وإذا كان الناقد التقليدي يعمد إلى محاكاة الواقع الخارجي فإنَّ الناقد الرومانسي يعمد إلى محاكاة العالم الداخلي، وعبّر عن هذا المستوى بمصطلحات ترددت بين «الوصف، والإفصاح، والتصور، والانتزاع، والنقل ».
إنَّ « الوصف » و « النقل » و « التصوير » أقرب المصطلحات لجوهر المحاكاة لأنها تعني مشابهة القصة القصيرة للواقع، وإذا كانت هذه المصطلحات تُعنى في الموقف التقليدي بمشابهة الواقع الخارجي، فإنها في الموقف الرومانسي تُعني بوصف العالم الداخلي، ولذلك يؤكد الناقد الرومانسي أنَّ القصة تعمد إلى « نقل الحياة بما فيها من أحاسيس ومشاعر » ، وأنَّ القاص يهتم « بتصوير العواطف في صور شعرية خيالية » والإشارة إلى « نقل الحياة » تقودنا إلى المحاكاة ولكنها ـ هذه المرة ـ محاكاة منعكسة، يحكي فيها القاص ما هو في الداخل، أي ما في حياة الفرد « من أحاسيس ومشاعر » فالقصة القصيرة ـ من هذه الزاوية ـ شأنها شأن العمل الأدبي « صورة خيالية » تصور العواطف والمشاعر ، وهي صورة خيالية لأنها لا تلتزم حرفياً بهذه العواطف والمشاعر، وإنما تحاكيها عن طريق تقديم « تجربة نفسية كاملة » .
وتتشابه المحاكاتان في الموقفين التقليدي والرومانسي، ففي الموقف التقليدي يتحكم العقل بها لتقديم صورة محايدة ومماثلة للواقع، وفي الموقف الرومانسي تقدم صوراً تتغاير بتغاير الذوات، وما دامت الفوارق موجودة في التجارب النفسية المختلفة فمن الطبيعي أن تتغاير في ضوئها محاكاتها، غير أنَّ كلا المحاكاتين تمثلان بعداً واحداً هو التصور الثابت للواقع الخارجي عند التقليديين، أو محاكاة الداخل ووصفه عند الرومانسيين، ومما يؤكد التقارب بين المحاكاتين المحافظة التامة والدقيقة لأبعاد التجربة النفسية ونقلها ثابتة إلى المتلقي، أي تثبيت مشاهد التجربة النفسية، وليس تخليقها، ولذلك دعا فيصل السامر إلى ضرورة عيش القاص التجربة النفسية، ومعاينة أبعادها بدقة، ومن ثم نقلها إلى المتلقي كما عاش هو فيها .
ومن أجل تحقيق هذا كله يؤكد فيصل السامر شروطا ينبغي الالتزام بها كالملاحظة الدقيقة والنظرة الواسعة ـ وهما شرطان تقليديان ـ إضافة إلى شروط أخرى تصدر عن رؤية رومانسية كالإحساس والشعور، وهذا يعني أنَّ الناقد الرومانسي لم يستطيع بعد تجاوز التفكير التقليدي، وما زالت رواسبه مبثوثة في ثنايا تفكيره ، ونلمس آثار هذه الرواسب في دعوة الناقد إلى وصف وتصوير الداخلي، وليس التعبير عنه، إذ مازال يدعو إلى « تصوير خلجات النفس » ، وإذا كانت خلجات النفس متغايرة فإنَّ وصفها يضطر القاص إلى التحدث عنها، أي تقديم صورة خارجية للانفعال، وليس تعبيراً عنه.
وإذا كانت مصطلحات « النقل » و « التصوير » و « الوصف » تقترب كثيراً من جوهر المحاكاة فإنَّ مصطلحي « الإفصاح » و « الانتزاع » يبعدان عنها قليلاً ليقتربا من التعبير، ويمثل « الإفصاح » إظهار ما يضطرب في أعماق القاص من أحاسيس وانفعالات ؛ ويستطيع القاص عبر « الإفصاح » أن يعبر عن « صور الحياة وما يعتلج في نفسه من خلجات وأحاسيس » ، وينبه الناقد ـ هنا ـ إلى أنَّ صـور الحيـاة هذه «بمثابة ينبوع غزير يستمد منه الفنان والأديب فنه وأدبه » ، وهذا يعني أنَّ هناك بعدين يتركان أثريهما في إبداع القصة القصيرة : الحياة بوصفها المادة الخام للقاص، وذاته التي تشكل هذه المادة، وقد توحي هذه بأبعاد واقعية غير أنَّ مفهوم الإفصاح عن خلجات النفس وأحاسيسها يعني أنَّ الإسقاط الذاتي قد أسهم في تشكيل الواقع وتلوينه، وبهذا تكون القصة القصيرة صورة لما في الذات من أحاسيس وانفعالات، وتنعكس فيها صور الحزن والفرح التي أكد الناقد ضرورة التعبير عنها.ويبدو أنَّ الناقد الرومانسي في تبنيه مفهوم الإفصاح متأثر بميخائيل نعيمة في حديثه عن حاجتنا « إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية : من رجاء ويأس، وفوز وفشل، وايمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات » .
ويمثل « الانتزاع » صورة أخرى من صور تجاوز محاكاة الداخل، لأنّ الانتزاع ينطوي على معاناة وجهد يكابدهما القاص في أثناء انتزاعه صوره الفنية من الحياة من ناحية ولأنه ـ من ناحية أخرى ـ أكثر توصيفاً لعلاقة القصة القصيرة بالواقع.
وتنطوي هذه المصطلحات المختلفة على مفهوم المحاكاة، فهي أدوات تقليدية يصور بها الرومانسيون عالمهم الداخلي، فهم يحاكون هذه المرة الداخل، ومن ثم تحول هذه الأدوات النتاجات القصصية إلى صور ثابتة للعالم الداخلي، وبذا نكون إزاء نتاج قصصي هو مزيج من التفكيرين التقليدي والرومانسي، وإزاء بعد سلبي في الكشف المعرفي بسبب الأداة التقليدية، وعلى الرغم من هذا كله فإنَّ هذه تمثل خطوة حاول فيها الناقد كسر المعالجة الخارجية للواقع إلى معالجة داخلية، وأن حافظ فيها على أداة تقليدية ؛ وتنعكس آثار هذا على المتلقي، إذ إنه لا يزال أمام صورة ثابتة يحاول القاص أن ينقلها محايداً، ويبقى المتلقي سلبياً في تلقي القصة القصيرة، لأنه إزاء تلقٍ تام لم يفسح المجال له فيه بالإضافة إليه أو التغيير فيه، ويعمد إلى تأمله والكشف عن أبعاده المعرفية الثابتة، وإذن فليست هناك حقائق جديدة مكتشفة إلا بقدر من التجاوز.






الفصل الثالث
البناء والأداة

( 1 )

على الرغم من أنَّ الناقد الرومانسي يؤكد دور الموهبة وأهميتها في إبداع القصة القصيرة، وانها متمردة على القواعد، فإننا نلتقي بنصوص نقدية تعنى بقواعد القصة القصيرة، وتتحدث عن أهميتها، غير أنَّ حديث الناقد الرومانسي عن قواعد القصة ليس مستقلا عن عالم القاص الداخلي، إذ يؤكد دور موهبته في خلق قواعده الخاصة، وقد يؤكد الناقد عنصراً أو عنصرين من عناصر القصة، كما فعل عبد الوهاب الأمين الذي حدد نجاح القصة ببدايتها ونهايتها ، وقد يؤكد ناقد آخر ـ عبد الجبار الخليلي ـ قواعد عديدة للقصة لا تستقل عن عالم المبدع الداخلي، بل تمثل القواعد جسم القصة، وتمثل الموهبة روحها، وعلى الرغم من أنَّ الناقد يستعير تشبيها تراثيا للعلاقة بين اللفظ والمعنى، والروح والجسد، فإنه يؤكد تقاطع قواعد القصة بموهبة القاص، ولذلك يمثل التمهيد «بداية القصة أو الأساس الذي يقوم عليه هيكلها، وهو أول ما يسترعي انتباه القارئ ويثير شعوره » ، بمعنى أنَّ المعطيات الذاتية تحدد من ناحية قواعد القصة، وتؤثر في المتلقي توصيلا وتشويقا.
وأضاف عبد الجبار الخليلي جملة من القواعد كالسياق الذي يرى فيه « ترتيب حوادث القصة ترتيباً منطقياً يهدف إلى إثارة مؤثر واحد في نفس القارئ والسير به إلى قمة القصة أو ذروتها » ، ونلمس في هذا بعض رواسب التفكير التقليدي التي تتخذ تسلسل الحوادث وضرورة تعاقبها المنطقي وسيلة للتأثير في المتلقي، وبذلك يتبدى بناء القصة القصيرة في خطوتين أوليتين ـ البداية والسياق ـ ما زالتا تمثلان امتداداً أفقياً في البناء، وهو الآخر جزء من رواسب التفكير التقليدي.
ويحاول الناقد تجاوز البنية الأفقية لتشكيل بنية هرمية متراكبة للقصة القصيرة، تتأزم في ذروة حيث « تضطرب عواطف القارئ ويزداد تلهفه لمعرفة النتيجة، وفيها تبرز معرفة القاص لنفسية القراء ومقدرته الفنية في إهاجة عواطفهم وتشوقهم لمعرفة الغاية أو الحل » ، ثم يأتي «الحل » الذي يخفت فيه « اضطرام العواطف ويزول ما قد نشأ من مؤثرات ليبقى أثر واحد وإحساس واحد يرسخ في نفس القارئ ويثبت في ذهنه » .
ويظهر من خلال هذه اننا ما زلنا في دائرة التفكير التقليدي، بسبب التأكيد على تقنين القواعد، وكل الذي تغير طبيعة البناء من امتداد أفقي إلى شكل هرمي متراكب، ولو عدنا إلى الدلالات المرافقة للقواعد التي أرساها الناقد الرومانسي لوجدنا تغايراً في التحليل والتركيب في أثناء عرضه هذه القواعد.
إنَّ القواعد الأربع التي أرساها الناقد عبد الجبار الخليلي واكبها في « التمهيد » ضرورة « التوصيل » من خلال إثارة المشاعر وتشويق المتلقي لمواصلة القراءة، ويرافق «السياق » توتر يصل بالمتلقي إلى ذروة القصة، ويرافق « العقدة » تأزم الانفعال، ويرافق « الحل » التفريج عن هذا الانفعال.
إنَّ قواعد القصة التي أرساها الناقد متداخلة مع التجربة الانفعالية، ومتدرجة معها، وتمر بالمستويات ذاتها فهي على صعيد البناء:

تمهيد ـــــ سياق ــــــ عقدة ـــــ حل

وعلى صعيد الانفعال :

أوليات الانفعال ــــ نمو الانفعال ــــ تأزم الانفعال ـــ التفريج

ولا يلغي الناقد ـ هنا ـ قواعد القصة القصيرة وإنما يقرن هذه القواعد بعالم المبدع الداخلي، في حين ترتبط قواعد القصة لدى عبد المجيد لطفي ، بالموهبة والعبقرية، أي أنَّ القاص يولد بناء قصصه متغايراً من قصة لأخرى مؤكداً علاقة هذا التغاير بتجربة القاص الانفعالية، وبهذا يتجاوز الناقد القواعد والقوانين التي يرسيها الموقف التقليدي، وهذا يعني أنَّ عبد الجبار لطفي يسعى إلى بنية جديدة للقصة القصيرة تتجاوز البنائين الإفقي والهرمي، وإذا كان هذان البناءان يحددان قواعد القصص القصيرة بتسلسل وتعاقب معروفين فإنَّ مضامين القصص وشخصياتها وحوادثها مرتبطة بهذا البناء، إذ يتوقع المتلقي نهاية القصة من البداية، ومن أجل أن يتجاوز عبد المجيد لطفي ذلك قرن النهاية بالغرابة، أو عدم توقعها على وجه الدقة.
ويتحدد بناء القصة القصيرة ـ لدى صالح سلمان بــ « الوحدة » التي تشبه في أحد مستوياتها وحدة الكائن الإنساني الحي ، ومحاولة تتبع هذا « الكائن » ابتداء من تكونه حتى ولادته، وتمر القصة القصيرة بمرحلتين : مرحلة البذرة والنمو، ومرحلة الولادة التي تخرج بها القصة متكاملة لتعيش في الواقع.
وتتشكل « الوحدة » بذرة في أعماق القاص، ولا يمكن لهذه البذرة أن تلد فجأة، إذ لابد من تغذيتها ونموها، وتتم تغذيتها من خلال تفكير القاص وتجاربه وانطباعاته الخاصة، ولذلك فإنَّ الفكرة تعيش في أعماق الذات منذ كونها « بذرة » إلى أن تصل درجة النضج لتحقق من ثم تكاملها، وفي ضوء هذا نستطيع تفسير إلحاح الناقد فيصل السامر على أنَّ القصة القصيرة « تجربة نفسية كاملة تنقل إلى القارئ كاملة » .
إنَّ خصوصية البنية القصصية تعني، في الوقت نفسه، خصوصية الشخصية والحدث، وتعني أيضاً معرفة القاص شخصياته وحوادث قصصه معرفة دقيقة، وفي ضوء ذلك يرفض الناقد صالح سلمان أن يبدع قصة قصيرة واحدة أكثر من قاص، لأنه يستحيل أن يتحقق هذا كما يستحيل « أن تلد ثلاث نساء طفلاً واحداً !! » .
و يرفض عبد اللّه نيازي الشروط التقليدية التي لا تتجاوز ـ في تصوره ـ شرطين أساسيين وهما العقدة والحل، وكونهما يشكلان القصة القصيرة بطريقة السرد المنطقي ، ويستبدلهما بوحدتين متداخلتي التأثير في القصة القصيرة، إحداهما تتصل بالتجربة الانفعالية في الذات، أطلق عليها « الوحدة الشعورية »، والثانية ـ تبدو في ظاهرها كائنة في العالم الخارجي وهي « الوحدة الزمانية » ، وترتبط « الوحـدة الشعورية » بالذات ارتباطاً وثيقاً وهي تعني عناية دقيقة بالتجربة الانفعالية، وما يضطرب في النفس من أحاسيس وخلجات ؛ وتنطوي « الوحدة الشعورية » على « وحدة زمنية» لأنه لا يتأتى للوحدة الشعورية أن تعمد إلى تركيب عمل فني منفصلاً عن وحدته الزمنية، ويعي الناقد الرومانسي مستويين من مستويات الوحدة الزمنية : مستوى الوحدة الزمنية المتداخلة في الوحدة الشعورية، التي يعمد فيها القاص إلى « تتبع دقيق لما يعتمل في النفس من أحاسيس وخلجات لفترة معينة من الزمن قد تستغرق نفس الفترة الزمنية التي تنتهي بها القصة » ومستوى آخر يعني « الوقت » فحسب.


( 2 )


كانت ملامح الشخصيات القصصية في الموقف التقليدي متماثلة، لأن ماهية الشخصية ذات طبيعة نمطية ممثلة لأحد بعدي الخير أو الشر، ويتجاوز الناقد الرومانسي ذلك إلى شخصية إنسانية عادية، فالقاص « يتجه أول ما يتجه إلى الإنسان يضيق فيه مداه ويركز فيه انتباهه.... فغرضه بحث سيكولوجي محض يقصد به الوقوف على جميع ما يفتعل في أعماقه، ويضطرب في سرائره فليس الإنسان بسيطاً يتأرجح بين كفتي الخير والشر » ، ولهذا كان التأكيد على سمتين تحددان للشخصية القصصية طبيعتها ووظيفتها، تتصل الأولى : بالملامح المحلية، أي أن تكون معبرة عن واقع اجتماعي عراقي، بمعنى أن يعبر القاص عن « الروح العراقية القلقة المعذبة » ، وتتصل الثانية بعالم الشخصية الداخلي، وما تشتمل عليه من قلق ومعاناة، أي بما تنطوي عليه الشخصية من تمزق وانفصام « من القرارة، من قرارة الروح من الداخل » .
وتتميز الشخصية الرومانسية بوحدتين جسدية وداخلية، ولذلك يؤكد صفاء خلوصي أهمية تناسق الشخصية الجسدي، بحيث لا يكون رأسها من إنسان، وجسدها من إنسان ثان، وأن يكون عالمها الداخلي معبرا عنها، وعن سلوكها، وتقترن وحدة الشخصية بوحدة التجربة الانفعالية للقاص، أو بتجارب حياته النفسية وتطورها، ولذلك فالقصة وحوادثها وشخصياتها إنما هي أجزاء متفرقة من تاريخ حياة القاص النفسية ، إذن فالشخصية القصصية هنا صورة وصدى لحياة القاص النفسية، وتعبير عن تصوراته وتجاربه الشخصية، ولا يدل هذا على تعارض معرفي، لأن كلا من القاص وشخصيته القصصية يسعيان لتجاوز المألوف وكسر القواعد والقوانين، بمعنى أنَّ القاص حين يختفي خلف شخصياته في العمل الأدبي إنما يهب شخصياته حريتها، وهي في الوقت نفسه تعبر عن رؤية القاص، ومشبعة بأفكاره وتصوراته، مما يدفع إلى « تغلغل الأديب في ما يدور في عقول الأبطال وبواطنهم » .
وتنعكس آثار ذلك على المتلقي الذي يتجاوز التعامل الذهني مع الشخصيات النمطية إلى تفاعل وجداني مع شخصيات إنسانية عادية، تعبر عن هواجسها وقلقها وحبها وكرهها، ومن ثم تمكن القصة الرومانسية المتلقي من البحث عن نفسه واكتشافها، ومن هنا يظهر نـزار عباس صلة المبدع بالمتلقي، إذ يتم من خلال ذلك نفاذ الشخصية القصصية إلى ذات المتلقي لتثير أحاسيسه وانفعالاته وتتجاوب معها وتتوحد بها.
ويدرك الناقد الرومانسي أهمية حرية الشخصية القصصية في عالمها الفني، كي تتدفق بعفوية وتلقائية، ويعقد الناقد لذلك مقارنة بين الشخصيتين التقليدية والرومانسية في إطار بنائيهما الفنيين، فالقاص التقليدي ـ على وفق مفهوم الصنعة الذي يجعل التخطيط سابقاً والتنفيذ لاحقاً ـ يرسي قواعد القصة وعقدتها أولا، ثم يصوغ شخصيات تناسب طبيعة هذه القواعد وعقدتها، وبهذا تكون الشخصية مقحمة على بناء القصة، ويحكمها العقل، ويحدد أبعادها التسلسل والتناسب المنطقيين،أما الشخصية الرومانسية فإنَّ خلقها يتزامن وخلق بناء القصة وقواعدها، وتتميز بحريتها وخصوصيتها، ولذلك يشترط الناقد أولا خلق الشخصيات القصصية، ومنحها حريتها، ومن ثم تتخلق عقدة القصة من تلقاء نفسها.
وتشكل البنية التقليدية شخصياتها، وتحدد بناءها في ذهن القاص قبل شروعه في أداء عمله القصصي، وتتحول الشخصية والحالة هذه إلى دمية تحركها أصابع القاص، غير أنَّ الشخصية الرومانسية هي التي تشكل بنية القصة القصيرة، لإنَّ القاص يعمد إلى «خلق» بطله ثم يتركه يواجه مصيره في الحياة، ليشكل عبر ذلك بناء القصة القصيرة بشكل عفوي وتلقائي، وبذلك تتحقق وحدة القصة القصيرة من خلال التزاوج بين وحدة الشخصية « الحرة » ووحدة البناء.
وإذا كانت الشخصية التقليدية نمطية تمثل أحد عنصري الخير أو الشر، فإنها في الوقت نفسه تتميز بخصائص طبقية معينة، إذ يجعل الناقد التقليدي شخصياته الخيرة قرينة الطبقة الأرستقراطية، ويجعل الشخصيات الشريرة معبرة عن الطبقات المسحوقة، غير أنَّ الناقد الرومانسي يعنى بالطبقتين الوسطى والكادحة، ولذا جاءت عنايته بالشحاذين والكناسين وموزعي البريد ، ولم يقتصر على ذلك، بل راح يفتش عن الشاذ والغريب، من جهتي الملامح الجسدية والنفسية، ويتجه شاكر خصباك لدراسة الشخصية في إطار بنائها الاجتماعي والاقتصادي، ويعقد مقارنة بين ما تفرزه الطبقة الأرستقراطية التي تعيش الترف والبذخ، وما تفرزه الطبقتان الوسطى والكادحة من تعبير عن الإنسان العادي بكل همومه ومشاكله.
ولا تستقل « الطبيعة » عن بناء القصة وبناء شخصياتها، بل تسهم في إضفاء سمات إيحائية تتناغم مع ذات الشخصية القصصية، وبما تنطوي عليه من معاناة وقلق وتأزم، وبهذا يكشف وصف الطبيعة عن جوانب من عالم الشخصية الداخلي، كما أنها تكشف للشخصية جانبا خافيا عنها، وكأن الطبيعة أصبحت مظهراً من مظاهر اللاشعور الذي تحاول الشخصية القصصية الكشف عنه والتفاعل مع تجلياته ومعطياته.
وإذا كانت الشخصية القصصية تتميز بوحدتيها الجسدية والنفسية وكونها تعبر عن ملامح محلية منحصرة في طبقتين وسطى وكادحة، فإنَّ المكان يسهم هو الآخر في تجلية ذلك، عبر تناغمه مع الشخصية وعناصر القصة الأخرى، ولذلك فالبيئة العراقية تضفي سمات محلية على الشخصية، وتمكنها من التعبير عن عالمها الداخلي بعفوية وتلقائية، وتكون أكثر تأثيراً وفاعلية بالمتلقي.
وتنعكس آثار هذا على الحدث وعلاقته بالشخصية، فنرى أنَّ الشخصية والحدث منفصلان تمام الانفصال في الموقف التقليدي في حين يندمج الحدث بالشخصية ليكون معبراً عن الشخصية ذاتها في الموقف الرومانسي، غير أنَّ الناقد لم يشر إلى الحدث إلا نادراً، ويعنى بالشخصية عناية بالغة، ويعمد إلى تأكيد التصوير على هيئة صور مستقلة تشدها وحدة الموضوع، ووحدة الهدف ، أو تصور قائم على أساس « التداعي » المنظم في الذات، ويحدده القاص من خلال تداعيات البطل، وليس من خلال تداعيات ذات المبدع .

( 4 )

لا ريب أنَّ الذات ـ عند الناقد الرومانسي ـ تخلق قواعدها الخاصة، وتنفر من القيود الخارجية المفروضة عليها، ولذلك فإنَّ كل شيء في القصة القصيرة ينبع من الذات الفاعلة، بناء، وعقدة، وشخصية، وأداة، ولعل أبرز ما يتمرد عليه الناقد الرومانسي تلك القيود العقلية الصارمة التي تجنح بالأداء نحو التقريرية مرة، أو نحو فرض قواعد صارمة كالوزن والقافية ـ في الشعر ـ مرة أخرى ؛ وفي ضوء هذا يعني حسين مردان عناية فائقة بالمفردة من ناحية، وبالتركيب اللغوي للقصة القصيرة من ناحية أخرى، ويرى أنَّ التقريرية ـ وهي نتاج عملية ذهنية واعية ـ تقود إلى وصف سطحي للحدث والسرد، ووصف خارجي للشخصية القصصية، ومن شأن هذا أن تتجاور مكونات القصة، بمعنى تفكك وحدة الشخصية القصصية، ومن ثم تفكك العمل الفني، وافتقاره إلى وحدته العضوية.
وإذا كانت التقريرية نتاج عملية ذهنية واعية فإنَّ قواعد القصة والوزن والقافية بمفهومهما المعياري في الشعر نتاج العميلة نفسها، ولذا فالقواعد لا تعبر عن الذات، بل هي مفروضة عليها، وتمثل قيداً « والقيد يجور على الفن في أكثر من ناحية، والشاعر إذ تعتمل في ذهنه فكرة معينة ويحاول أن يصبها في قالب لفظي تقتضيه القافية أن يحوم حول فكرته دون أن ينفذ إلى لبابها، وكثيراً ما يساق إلى معان ما كان قد ارتضاها واطمأن إليها، ومعنى هذا أنَّ الشعر غير مؤتمن على أفكار الشاعر وعواطفه الأمانة المنشودة في الفن كوسيلة معبرة، وبتعبير أصح أنَّ الشعر فن لا ينقل أحاسيس صاحبه وانطباعاته العاطفية والفكرية كما تختمر في ذهنه وتعمل في أعماقه، بل كما ترتضيه لها القافية من صورة وهيكل » ، وهذا يعني أنَّ الوزن والقافية يؤثران في طبيعة التعبير عن الذات، لكونهما مفروضين عليها، وليسا صادرين عنها، ومن ثم يكون الأداء اللغوي محكوما بضوابط ذهنية خارجية.
إن هذا الأداء يجور على الفن ويعيق الأديب عن التعبير عن توتره وانفعاله، ويقود ـ على أحسن الأحوال ـ إلى وصف الانفعال، وليس التعبير عنه، كما أنه يمنع الأديب من التعبير التلقائي عن الانفعالات المختلفة، ويتبنى الناقد مستوى متحرراً من الأداء، يتجاوز فيه القواعد الخارجية، لتكون قواعد القصة وأداؤها نابعا من الذات، ويسهم الأداء اللغوي في الإفصاح عن أحاسيس الأديب وأفكاره ومشاعره ، وهذا يعني دعوة إلى لغة نثرية مرنة تنبع من الذات أولاً، وتعبر عنها بصدق ثانياً.
ولا يعني رفض الناقد الرومانسي للقيود الخارجية للشعر متمثلة في الوزن والقافية رفضاً للخصائص الفنية للشعر، وإنما كان رفضه لهما لكونهما يمثلان قيدين خارجيين، ولكنه يقارب بين القصيدة والقصة من حيث خصائصهما الفنية متجسدة بشعريتهما، ولذلك يؤكد أن تكون القصة القصيرة معبرة عن تجربة القاص الانفعالية « بروح شعرية ملؤها عنف العاطفة وحرارة التعبير » ، وإن الذات هي الأساس الذي يحدد شاعرية القصة والقصيدة، ولذلك يشترط الناقد الرومانسي في القاص أن يكون « قصصياً يسبح في أجواء شعرية » .

( 5 )

ولما كانت الشخصية القصصية محلية وتتسم بخصوصيتها ووحدتها وحريتها، فإنه من الطبيعي أن تعبر عن نفسها بلغتها الخاصة، مما يثير الحديث عن الحوار بوصفه أحد المقومات الفنية للقصة القصيرة، ولذلك اشترط بعض النقاد في الحوار أن يكون عاميا، لأنه يمثل ملمحاً فنياً، ويعبر عن الدوافع الداخلية للشخصية القصصية، ويوحي بواقعية الشخصيات ومحليتها، ويشترط عبد المنعم إبراهيم إضافة إلى ذلك أن يتطابق الحوار مع المستويات الطبقية والفكرية للشخصيات القصصية .
إن الناقد الرومانسي يؤكد ضرورة استخدام الحوار العامي لإرساء الملامح المحلية لشخصياته، وتحقيق الإيهام بواقعيتها، كما أنه يدرك أيضاً أنَّ الحوار يشكل جزءاً مهماً من الشخصية ، إذ يصور دوافع الشخصية ويجعلها أكثر تجسيداً وحضوراً بحيث نسمع أفكارها وتصوراتها، ويكون الحوار العامي ـ في تصور الناقد ـ أكثر تحقيقاً للدوافع الداخلية ولأداء واقعية اللفظ.
وتعني « واقعية » الحوار العامي تعبيرا طبيعيا عن الذات، ولذلك فهي تحقق لدى الناقد الرومانسي غاية فنية تسهم في إرساء ملامح الشخصية المحلية، وتعبر عن عالمها الداخلي، فضلاً عن كون الحوار جزءاً أساسيا من الشخصية، في تصور الناقد حسين مردان، فكما أنَّ القاص الرومانسي « يخلق » شخصياته فإنَّ «خلق » تحاورها يصدر بتلقائية وعفوية من خلال تحديد طبيعتها، وبذلك يتحدد «خلق » الشخصية لغاية فنية، ويكون حوارها تابعاً لهذا « الخلق » ليحقق غاية فنية ، إنَّ الحوار بالعامية يخرج من كونه تحقيقاً لواقعية لفظية إلى غاية فنية تنسجم وطبيعة بناء القصة القصيرة، ويصل تدقيق الناقد الرومانسي حداً في تحقيق وظيفة الحوار الفنية.
ويتبنى حسين مردان « الحوار المتجانس » الذي يحافظ فيه على التحاور بالعامية ويرفض الحوار اللامتجانس الذي « يتناوب بين اللغة العامية والفصحى » ، ويتأتى رفضه هذا المستوى لأنه يبعد المتلقي عن إيهامه بواقعية الشخصية وتحديد سماتها المحلية، ويؤدي من ثم إلى تفكك القصة القصيرة، ويحافظ الحوار المتجانس على الدوافع الداخلية للشخصية، ولأنه يمثل من جانب آخر جزءاً مهماً من الشخصية، ويسهم في تحقيق تماسك الشخصية وخصوصيتها إضافة إلى تجسيدها وحضورها في القصة القصيرة، وعلى الرغم من أنَّ الناقد الرومانسي يتبنى الحوار العامي لقدرته التعبير عن الدوافع الداخلية فإنه يلمح إلى عدم رفضه الحوار بالفصحى، غير أنه أميل إلى العامية وبهذا يكون هذا التفكير قد خطا خطوة نحو لغة قصصية في الحوار.





الباب الثالث
الانفلات من الرومانسية

مدخل:


شهد العراق من أوائل الخمسينات تغيراً واضحاً في البنية الاجتماعية والسياسية، ويظهر هذا التغير في « فئة المثقفين ... الذين نما عددهم وتزايد نتيجة التوسع المطرد في التعليم » ، كما أسهمت هجرة العديد من الفلاحين إلى المدن في نمو شرائح اجتماعية جديدة، كما تغير ـ نسبياً ـ تعامل الفلاح المهاجر الجديد بنوع آخر من العلائق، وإن حافظ بشكل عام لفترة طويلة من الزمن على أغلب القيم التي يحملها، ولا أريد المغالاة في نوع هذا التغير، ولكن احتكاك الفلاحين بمجتمع يغاير المجتمع الريفي يترك آثاره دون شك في نوع العلائق التي يمارسونها والأفكار التي يتبنونها.
ورافق التغير الاجتماعي تغير في البنية السياسية، وتتضح آثار ذلك بشكل واضح في الحركات والمنظمات السياسية بمختلف أنواعها واتجاهاتها ، وقد أسهمت هذه الحركات في بلورة الوعي، كما يبدو في المظاهرات الصاخبة التي قادتها هذه الحركات في العهدين الملكي والجمهوري رفضاً أو تأييداً.
ومن الطبيعي أن تنعكس آثار هذا التغير على الحركة النقدية، إضافة إلى التأثر بالوافد من الأفكار عن طريق الأقطار العربية كمصر ولبنان، أو الاطلاع على الوافد بشكل مباشر، ولذلك رأينا أوائل الخمسينات صوتاً ينادي بالتفكير الوجودي، وهناك دعوات للواقعية النقدية، وأخرى واضحة المعالم للواقعية الاشتراكية.
وقد أسهمت هذه المستويات المختلفة في النشاط النقدي لأنها وجدت واقعاً تنمو فيه، ولا يعني هذا إغفال مواقف فكرية وسياسية أخرى وجدت هي الأخرى في المجتمع واقعاً تنمو فيه لكنها لم تسهم في النشاط النقدي، وأن أسهمت في نتاجات أدبية محدودة.
ويمثل النقد الوجودي والواقعي النقدي حلا لمشكلة الانتماء لبعض الاتجاهات الفكرية التي تريد تحقيق هويتها بعيداً عن المستويات التقليدية والواقعية الاشتراكية، فالواقعية النقدية ـ مثلاً ـ تحاول حل هذه الإشكالية وعرض الحلول لها، فهي من ناحية تمثل شكلاً من أشكال الانفلات من الرومانسية فضلاً عن أنها تتجاوز الموقف التقليدي، ولكنها لا تنجذب إلى الواقعية الاشتراكية، ولكنها تتأمل الواقع وتحاول حل مشكلاته وتسعى إلى تغييره، كما أنها هي الأخرى تؤمن بالالتزام، وكأن ناقد الواقعية النقدية ينافس غيره من النقاد في رؤية الواقع والسعي إلى تغييره، غير أنَّ الفرق ـ لديه ـ يكمن في الأهداف الإنسانية التي يدعو إليها.
ومهما يكن من أمر هذه المواقف فإنها جميعاً حاولت التوفيق بين الذات والموضوع، وقد تعايشت فترة من الزمن تعرض حلولا فكرية ونقدية في ضوء حركتها في واقعها الاجتماعي، وسيعنى البحث بالتفكيرين الوجودي والواقعي النقدي في الصفحات التالية، محاولاً إلقاء الضوء على أفكارهما، ثم يعنى بالواقعية الاشتراكية في ثلاثة فصول.





الوجودية

( 1 )


كان الناقد التقليدي يصدر عن رؤية تغلب الموضوع على الذات، ويعارضه الناقد الرومانسي الذي يغلب في رؤيته الذات على الموضوع، أما الناقد الوجودي فإنه يصدر عن رؤية ترى ضرورة التفاعل بين الذات والموضوع معا، بحيث يحيل كل منهما على الآخر، ويحاول نهاد التكرلي حل مشكلة نظرية المعرفة التي تخبطت فيها النظريات السابقة إلى طرفين متناقضين : الذات إلى الموضوع أو العكس، ويتابع الناقد نهاد التكرلي انجازات الفلاسفة : هايدجر وميرلوبونتي وسارتر التي ترى أنه « لا وجود للموضوع إلا من حيث هو محيل إلى ذات، فإنَّ وجوده « من أجل » هذه الذات ولا وجود للذات إلا من حيث أنها دالة على موضوع » .
ويتحدد في ضوء هذا موقف الناقد الوجودي من خلال وصف نوع من المركب بين الذات والموضوع، غير أنَّ كفة الذات تترجح على الموضوع، لأنَّ الناقد الوجودي يعلي من شأن الذات، ومن شأن الوعي الفردي، ويؤكد أنَّ القيمة كائنة في ذات الإنسان الموجود، بمعنى أنَّ الذات تمثل مركزاً تستقطب نحوها عالماً مخصوصاً، بل يمكن القول مع الناقد التكرلي : « لا وجود للذات الشاعرة إلا إذا تركز حولها عالم مخصوص، ولا وجود لهذه الذات إلا « مع » هذا العالم » ، كما أنَّ العالم هو الآخر لا وجود له يستقل عن الذات، وإنما يتحقق وجوده وصيرورته من أجل هذه الذات .
إن الناقد الوجودي يعلي من الذات ومن الوعي الفردي ـ كما أشرنا ـ ومن ثم تتحدد علاقة الذات بموضوعها في حالة « ارتماء في العالم الخارجي مع الشعور بالذات بأقوى صورة ممكنة » ، وتأسيسا على ذلك تتبدى طبيعة العالم والمعرفة التي يكشف عنها، فالعالم في صيرورته وتغيره عالم نسبي، والحقائق التي تتخلق من تفاعل الذات بالعالم حقائق نسبية، وليست أزلية ثابتة، ولذلك كان التكرلي يؤكد في مواطن عديدة أنَّ النص الأدبي كشف عن شيء معين للآخرين ، والكشف بطبيعته يرتكز على ذات تميط اللثام عن نمط من المعرفة في أثناء تفاعلها مع موضوعها، وتحاول تقديمه للآخرين.
ويرى التكرلي أنَّ الأديب ينبغي أن يقدم شيئاً جديداً لمجتمعه، ويحاول توصيف مشاكل العصر، واتخاذ موقف محدد منها، لأنَّ هذا جزء من مسئوليته بصفته إنساناً حراً يكتب إلى بشر أحرار، أو يفترض بهم أن يكونوا أحراراً، ويدعو التكرلي إلى أن يؤدي الأديب دوره في مسئوليته إزاء عصره، فهو « مسؤول عما يكتب وهو في موقف بالنسبة لعصره، ولن يستطيع مهما فعل أن يهرب من هذا الموقف، لأنه حتى لو كتب من دون أن يقول شيئا معينا فسيمنح صمته هذا معنى معينا » ، ومن ثم ينبغي أن يسأل نفسه، ماذا فعل ؟ وهو يصطدم « بأزمة إنسانيته وكيفية ترقيتها والعلو بها والكشف عن أوجها » .
إن المشاركة الفاعلة في الحياة تعني إسهام القاص بوعي العالم والعيش فيه، والإسهام في تغييره، بمعنى « أن تجد نفسك قرب هذه الجماعة التي تكافح معها، وأن تشعر بالخطر قرب لحم تلك المرأة التي تحبها، وأن تشعر بالارتياح عندما تساهم في حل هذه المشاكل التي تقلق بني قومك » ، إنَّ إبداع القصة لا ينفك ـ في الحقيقة ـ عن وعي ديناميكية الحياة هذه، من ناحية، وضرورة « التعبير عن مشاكلنا وبيئتنا بصورة فنية إنسانية » من ناحية ثانية، وإن هذا التفاعل الواعي ـ بين ديناميكية الحياة، وضرورة التعبير عنها فنياً ـ هو الذي يقود إلى خلق القصة القصيرة، ولذلك فليست القصة عملية ذهنية يقوم فيها القاص بدور الوسيط الذي يصف الواقع ويسرد الحوادث، كما أنَّ ليس كل حادثة يمكن أن ترتب وتسرد على شكل قصة، ولا كل وصف وتحليل يمكن أن يخلق شخصية حية، إنَّ القصة لا تقلد الواقع، بل « هي خلق فني قبل كل شيء، فليست كل حادثة يمكن أن ترتب وتسرد على شكل أقصوصة، ولا كل وصف وتحليل يمكن أن يخلق شخصية قصصية حية، بل إنَّ المهمة أخطر وأشق من هذا بكثير، إنَّ الأمر يتعلق بخلق عالم خاص وخلق شخصيات « حية » تعيش في هذا العالم ويستطيع القارئ أن يشاركها حياتها وعـواطفها وأهـواءها وينتظر الحوادث معها » .
وفي ضوء هذا ينقد الناقد الوجودي الأديب الرومانسي الذي ينكفئ على ذاته مجتراً عواطفه بصورة ذاتية، وغير شاعر بما يجري حوله في الواقع، وينقد الأديب التقليدي الذي يرمي نفسه في العالم الخارجي، ويضيع نفسه فيه، لأنه يرى أنَّ الفن تسجيل للحوادث الواقعية كما تجري ، وينقد أيضا من يهرب من واقعه ومسئوليته محتمياً بالماضي، ولائذاً بتاريخه وتراثه، إذ ينقب في كتب التاريخ عن موضوع مندثر يقدمه على هيئة قصة أو مسرحية أو كتاب أدبي، إنَّ التاريخ عند نهاد التكرلي في حركة مستمرة، وإنه لا يعيد نفسه، وإن محاولة تثبيته أمر مستحيل، والعودة الآلية إليه غير صحيحة، بمعنى نقل أحداثه كما هي عليه، «دون محاولة خلقها من جديد وجعلها رمزاً لمواقفنا الحاضرة .
وينقد أخيرا كاتبين، أحدهما : يتملق السلطة ويعبر عن ثقافتها، على الرغم من علمه بجورها واستبدادها، فهو يمارس قدراً كبيراً من الخيانة لنفسه ولمجتمعه، لتحقيق كسب قريب رخيص، وثانيهما كاتب شغلته الصياغة على وفق المقولات البلاغية فراح ينمق صياغة العبارات بوصفها غاية، فبقي يكتب دون أن يقول شيئا، على حد تعبير الناقد .
إن هؤلاء جميعا يغفلون ـ في تصور التكرلي ـ أنَّ الأدب خلق وحرية قبل كل شيء، وبهذا يرجع إلى تصوره السابق الذي تحدد بكيفية معينة إزاء الذات وموضوعها، فضلا عن نسبية العالم ونسبية الحقائق.
وتعني الحرية دور الذات الفاعل إزاء موضوعها، وتعني القدرة على فعل الأشياء، وهي جزء من الوعي ، وأن الخلق يعني توظيف اللغة بوصفها مادة الأديب، وهي محددة بجمل وكلمات، ليخلق منها « عالماً حياً سريع الحركة تعيش فيه مخلوقات حية تؤثر في المتلقي وتفرض عليه نفسها بالرغم من قصر المدة التي تعيش فيها أمامه » ، إنَّ هذا العالم الذي يخلقه القاص ليس صورة للواقع، وإنما هو عالم يتوازى معه، وقد أكد التكرلي ذلك بقوله إنَّ « الأقصوصة ليست « تقليداً » للحياة بل خلق لها، خلق تتركز فيه الحياة الإنسانية إلى أقصى حد، وهذا هو جوهر الخلق القصصي فلا خلق بدون خيال وبدون فن» .
ولا يعرف الواقع عند الناقد الوجودي الاستقرار، فهو في حالة صيرورة مستمرة، وتجدد دائم، وينبغي أن يواكب القاص تطوره وتغيره، ومحاولة تطويره ونموه نحو مستقبل أفضل، وحين يستمد القاص أعماله الأدبية من الواقع فإنه لا يحاكي الواقع، أو ينسخ أحداثه، إنه يحذف منه، ويضيف إليه، ويغير فيه، باختصار « إنَّ القصة هي غير الواقع، وهي لا تصف حياة معينة كما تحدث كل يوم، بل إنَّ المؤلف يرتب الحوادث ويخلق الشخصيات بصورة تختلف عما يجري في عالم الواقع »، إنَّ القاص يخلق واقعاً فنياً جديداً، يختلف عن الواقع، وإن اعتمد عليه، ولكنه يظل في وجوده موازياً للواقع، ولعله أكثر تأثيراً منه، وفي ضوء هذا يقدم معرفة جديدة للمتلقي، ويحاول فيها حل أزمة الإنسان المعاصر.
وما دام الناقد الوجودي يخلق واقعا فنيا جديدا يوازي الواقع ويتجاوزه، فإنه من الطبيعي أن يوهم المتلقي بواقعية عمله الفني،ولذلك ينبغي أن تكون شخصياته وحوادثها منتزعة من الواقع، أي احتمالية هذه الشخصيات في الواقع الفعلي، فضلا عن إمكان حدوث حركتها وفعلها فيه.
وتخضع القصة لقوانينها الخاصة بها، أي قوانين خلقها، وخلق شخصياتها وأحداثها، وليست احتمالية وقوعها أو مماثلتها للواقع، إنها تقليد للحياة، بل هي خلق لها ، وفي ضوء هذا لا تكون القصة وصفاً محايداً للواقع، بل هي خلق فني، إذ « ليست كل حادثة يمكن أن ترتب وتسرد على شكل أقصوصة، ولا كل وصف وتحليل أن يخلق شخصية قصصية » ، وإنما يتم ذلك من خلال « خلق عالم خاص تترك فيه شخصيات «حية» ترتبط بهذا العالم أوثق ارتباط » .


(2)

ويحدد الناقد الوجودي لغته بوصفها أداة للإبداع الأدبي، فكما أنَّ الألحان تمثل المادة الخام للموسيقي، والألوان مادة الرسام، فإنَّ الأديب يعبر عما يريد بواسطة الكلمات، ويتحقق الكشف عن شيء يقع وراء هذه الكلمات، إذن فاللغة وسيلة لخلق عالم فني تتحرك فيه شخصيات، « فالكلمات كلما اختفت من أمامنا وأصبحت تشف بصورة أوضع عن العالم الذي يقع خلقها كلما كانت أقدر على التعبير وعلى إظهار هذا العالم وكلما كان القصصي متمكنا من فنه، وكلما كانت كلماته تقف حجر عثرة في سبيل الوصول إلى عالمه كلما كانت أقصوصته قاصرة عن التعبير وكلما كان أسلوبه جافاً سقيماً، فالأمر لا يتعلق باختيار الكلمات البليغة التي يحسن وقعها في الأذن بل باختيار كلمات لها قدرة إيحائية هائلة في التعبير، كلمات لا تكاد عينك تستقر عليها حتى تنفذ إلى وراءها، إلى ذلك العالم الذي ينتظرك » .
وبهذا يؤكد نهاد التكرلي أنَّ القصة القصيرة فن مقروء وليس فناً قولياً، لأنَّ تفاعل القاص بكيفية معينة مع لغته يحدد طبيعة العالم الذي يخلقه القاص، ولا ريب أنَّ هذا «يحتاج إلى مهارة فنية كبيرة، والسبب في ذلك هو أنَّ مؤلف الأقصوصة مطلوب إليه أن يخلق من مادة محدودة جدا من الجمل والكلمات عالماً حياً سريع الحركة تعيش فيه مخلوقات حية تؤثر في المتلقي وتفرض عليه نفسها بالرغم من قصر المدة التي تعيش فيها أمامه » .
وتسهم الكلمة بفاعلية في تخيل عالم القصة الذي خلقه القاص، ومن ثم فإنَّ العناية بالكلمة بمدى تأديتها خلق هذا العالم، بمعنى التأكيد على قدرتها على التصوير والإيحاء، وليس التنغيم وا

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر



الواقعية النقدية

( 1 )

لو حاولنا أن نرد أفكار الواقعية النقدية لتأثيرات المواقف النقدية السابقة لقادنا هذا التفكير بشكل ساذج إلى تمزيق التفكير الواقعي النقدي وتشتيته في إطاري الموقفين التقليدي والرومانسي، وبذلك ننسف ادعاءنا في أنَّ الواقعية النقدية محاولة للانفلات من الرومانسية، وحين نعمد إلى هذه المعالجة السطحية سنرد الرؤية الواقعية النقدية في تأملها الواقع إلى الرؤية التقليدية المتمثلة في عنايتها بـ« تصوير » الواقع الخارجي و « تاريخيته»، وإلى الرؤية الرومانسية بعنايتها بالذات وتضخيم دورها، ويؤدي هذا إلى تعسف في دراسته النصوص النقدية، وتحميلها أفكاراً ما كانت لتحتويها، فضلاً عن الدراسة السطحية لمستوياتها.
ان « التصوير » الذي دعت إليه الواقعية النقدية يرجع بجذوره إلى مقولات تقليدية، يحاول فيها القاص تصوير الواقع الاجتماعي وعرض مشكلاته، وبتعبير أدق، نقل محايد لمشكلات التجربة اليومية المعتادة، ويكون فيها العقل مراقباً كسولاً يرصد العلائق الاجتماعية، ويقدم منها العبرة والعظة لا غير، ويثير « التاريخ » الإشكالية ذاتها التي تجعل للعقل مكانته المهمة في رصد الواقع الاجتماعي، وضرورة تأمله عبر تثبيت المشاهد الحسية والمرئية، وتقديمها للمتلقي في ضوء كشف معرفي يعني بالثابت لا المتغير، وبالنموذج لا الفردي، وقد يتعزز لنا الدليل من خلال تصورات الواقعية النقدية الملحة على معالجة الواقع الاجتماعي والنأي عن التحليق في الخيال والأحلام والأساطير وذكر الخوارق.
إنَّ الآراء السابقة على الرغم من إيحائها بأفكار تقليدية فإنها تعني الاتجاه إلى الواقع الذي يهب القصة القصيرة سماتها الواقعيـة، ويؤكد الناقد أنَّ علاقة القاص بالواقع من خلال « احتمالية » وقوع الحوادث والشخصيات في الواقع الاجتماعي، وتعني معالجة الواقع عبر رؤية تمكن القاص من الحذف منه، أو التغيير فيه، أو الإضافة إليه، لتشكيل فني يختلف عن الواقع الاجتماعي وإن استقى مادته الأساسية منه.
وينطوي رأي على جواد الطاهر على مقولتي الممكن والمحتمل اللتين نادى بهما أرسطو، ويضعنا ـ من ثم ـ، في إطار ما ندّعى نفيه، غير أنَّ دعوة الواقعية النقدية إلى استيحاء الحوادث والشخصيات من الواقع الاجتماعي ومحاولة تشكيلها في القصة القصيرة، يجعلنا نؤكد دور التحويل الذاتي وإسهاماته في العمل الأدبي.
وتؤكد الواقعية النقدية أهمية الذات ودورها الفاعل في تشكيل القصة القصيرة، ولذلك فإنَّ القاص يعبر عن « روحه الأدبية ووجدانه الاجتماعي » ، وإنَّ تحليل الفن القصصي من خلال « الفردية » و « الوجدان » الاجتماعي يضفيان بعض السمات الرومانسية على الواقعية النقدية ويؤديان ـ من ثم ـ إلى تأكيد « المعاناة » في إبداع القصة القصيرة، فالقاص يتألم « بعمق لظاهرة من ظواهر حياتنا الكثيرة » ، ويتحقق الجمال الفني للعمل القصصي عبر « الذات » و « المعاناة » اللتين تضفيان على القصة القصيرة سماتها الفنية، وبذلك تعرض الواقعية النقدية « الصدق » خصيصة ذاتية تسهم في تشكيل القصة القصيرة، وتعني من جانب آخر إعطاء الذات قدراً أكبر من الأهمية.
إنَّ عناية الواقعية النقدية بالذات لا يعني إغفالها الجانب الموضوعي إذ يشترط جميل سعيد في القاص أن « يعمد إلى صور المجتمع فيعرضها عرض الشاعر الفنان » ، وفي ضوء هذا يؤكد الناقد دور الذات التي تتسلل فتلون صور المجتمع، فهو يؤكد ضرورة «عرض » صور المجتمع من خلال تفاعلها مع الذات، غير أنه لم يحدد مساهمة هذا التفاعل في إيجاد وعي معرفي يترك آثاره في تغيير الواقع بشكل محدد.
إنَّ الإدراك المعرفي يتحقق في الواقعية النقدية من خلال العلاقة الفاعلة بين الذات والموضوع، فليست الذات المصدر الرئيسي للمعرفة، وليس الواقع هو الذي يحقق لنا الكشف المعرفي من خلال تأكيدات عقلية نبحث عنها في الواقع ذاته، وإنما يتحقق الكشف المعرفي عبر هذه العلاقة الفاعلة المترددة بين الذات والموضوع، إنَّ الواقعية النقدية من هذه الزاوية تحاول السيطرة على الانفعالات « من خلال تجربة هي نتاج لتفاعل عالمين هما العالم الخارجي والداخلي للمبدع » .
وانعكست آثار هذا الإدراك على توظيف القصة القصيرة التي يتجاذبها بعدان أساسيان : هما الذات والموضوع، ويعبر عنهما الناقد من خلال أزمتين : الأزمة المادية والأزمة النفسية، ولذلك فإنه يقع في إشكاليتين خطيرتين، إحداهما تقع في الخارج، والثانية في الذات، ولو كانت الإشكالية كائنة في الإطار الخارجي أو في مجال الأزمة المادية لكانت القصة القصيرة أقرب إلى المقال الاجتماعي أو الفلسفي منها إلى الفن، وإذا كانت في إطار الذات أو في مجال الأزمة النفسية لكانت القصة القصيرة تهويمات خيالية تعبر عن الغريب والشاذ، ولكن القصة القصيرة « أزمة مادية وأزمة نفسية، بل إنَّ الأزمة النفسية لتكون الصفحة الأكثر إشراقاً والأكثر تأثيراً » .
وفي ضوء هذا يمنح الناقد الواقعي النقدي الذات قدراً أكبر من العناية والاهتمام، وينطوي هذا التفكير على تأكيد « الفردية » وما ينتج عنهما من تأكيد دور الخيال في إنتاج قصة قصيرة وضرورة توافر ضرب من الحرية على صعيدي التفكير والإبداع الفني.

(2 )

وتسعى الواقعية النقدية إلى التغير من خلال القصة القصيرة ولا يمكننا إدراك تصوراتها هذه إلا إذا فهمنا أنها تنأى عن التفكير التقليدي من ناحية، وتحاول الانفلات من الرومانسية من ناحية ثانية، كما أنها تنأى من ناحية ثالثة عن الواقعية الاشتراكية، ويتحدد التغير الذي تسعى إليه الواقعية النقدية من خلال موقفها من الالتزام.إذ يوازن داود سلوم بين الأديب « الذي يخلص لفنه الفردي الذاتي » والأديب الملتزم، ويرى أنَّ الأول «يؤدي واجباً أدبياً وسياسياً، ويكون أدبه أكثر جودة لأنه خلاصة تجارب إنسانية عامة باقية، أما من يعالج الأدب الملتزم فهو عارف مقدماً أن يعالج موضوعات سوف تفقد قيمتها في يوم من الأيام » ، ويخلص داود سلوم من هذا كله إلى ضرورة «تصوير» القاص مجتمعه، دون أن « يدعو إلى فكرة أو حزب، الأديب ينقل حقائق الحياة المؤلمة ويصور الفقراء والمعدمين والمرضى » .
أما مفهوم الالتزام عند علي جواد الطاهر فإنه يدور في إطار فكرة أو عقيدة، غير أنَّ الفكرة عامة والعقيدة إنسانية ولم يحدد الناقد أبعادهما، فهو يريـد من القاص أن يربط نفسـه «بالركب الإنساني وينذر نفسه لمحاربة استغلال الإنسان أخاه الإنسان » .
ونخلص من هذا كله إلى أنَّ الناقد الواقعي النقدي يعارض التفكير التقليدي والرومانسي من ناحية، ويعارض الواقعية الاشتراكية من ناحية أخرى، وكان من الطبيعي أن يشارك الواقعيون النقديون الوجوديين في الإيمان بمحتوي إنساني عام، يصبح بمثابة معيار وغاية للأديب، وهو بخلاف الواقعية الاشتراكية التي تركز على محتوى طبقي كغاية ومعيار، وفي ضوء هذا يمكن للواقعي النقدي وللوجودي ـ معاً ـ أن يحدثانا عن الالتزام، ولكن بالإنسانية والمثل الأعلى، ونقد كل ما يعوق حركة الإنسان، في حين يؤمن الناقد الواقعي الاشتراكي بالالتزام ولكن من خلال قضية طبقة معينة هي الطبقة العاملة.
وتسعى الواقعية النقدية إلى تغير الواقع، غير أنَّ الفرق يتمثل في شكل التغيير غير المحدد الذي تسعى وراءه، إنه تغيير يقوم على الإصلاح وليس الثورة، ويكون جوهر التغيير وجوهر الالتزام أيضاً السعي إلى تحقيق « تجارب إنسانية عامة باقية » ـ كما يحدد ذلك علي جواد الطاهر ـ أي بعد عام يتجاور الطبقات جميعاً، وليس إلى بعد طبقي محدد كما تذهب الواقعية الاشتراكية.

( 3 )

ترى الواقعية النقدية على الصعيد المعرفي ضرورة الحركة الفاعلة بين الذات والموضوع التي انعكست آثارها على طبيعة الإبداع الفني، كما عنيت بالذات وقدرتها الخلاقة على تشكيل القصة القصيرة، غير أنَّ الواقعية النقدية لا يتأتى لها تكاملها من خلال « واقع » يعرض فيه القاص الموضوعات المراد تأملها، أو من خلال « ذات » تمكن القاص من إعطاء نتاجه القصصي سماته الفنية، وإنما يتحقق ذلك ـ بالإضافة إليهما ـ من خلال « النقد » الذي تدعو إليه الواقعية النقدية.
ويحدد « النقد » علاقة ذات حدين، إحداهما ترتبط بالواقع والأخرى بالمتلقي، ويكون القاص متجهاً ـ حينئذ ـ إلى الجوانب السلبية في الواقع الاجتماعي، ملقياً عليها الأضواء ومحاولاً إظهارها أمام المتلقي، ويتحدد في ضوء هذا الكشف المعرفي الذي تسعى الواقعية النقدية إلى إرسائه، فهي تسعى إلى تثبيت الجوانب الإيجابية في الواقع دون تنبيه لها وتأكيد لدورها الفاعل في الواقع، ولكنها على الرغم من هذا تدرك أهمية التطور في المجتمع والتغير الذي يفرز مشكلاته، وبذلك تحاول التنبيه إلى المساوئ ليعي المجتمع مشكلاته، ويوجه القاص النقد المباشر لها، وتكمن معالجة الواقع في إطار الجوانب السلبية ونقد مظاهرها فحسب.
وتصور الواقعية النقدية الجانب السوداوي المنهار من العالم، وبذلك تعرض أبعاداً تشاؤمية تقيد حركة المبدع والمتلقي معاً، وإذا كانت الواقعية النقدية تكشف عن الجانب المظلم من العالم فإنها تخفي تماماً الجانب المشرق فيه، وبذلك تقدم وعياً سلبياً في إدراك العلاقة بين الإنسان وعالمه، وتكبل ـ من ثم ـ حركة الإنسان من المساهمة في تغيير هذه العلاقة نحو الأفضل.
ويصور القاص الجانب المنهار من العالم، أي أنه يقوم بعرضه أمام المتلقي، وينطوي التصوير والعرض على النقد ضمناً، أو يعمد القاص إلى نقده بشكل مباشر، ويتوقف عند هذا ولا يتجاوزه. أما كيف يتم تغيير الجانب المنهار من العالم ؟ فإنَّ الناقد لم يعنه ذلك، وإن ألمح إليه أحياناً، دون تحديد الكيفية التي يتم بها التغيير .
وإذا كانت الواقعية النقدية تدرك أنَّ الإنسان موجود في هذا العالم المنهار فإنها لم تحدد كيف جاء ؟ وما هو دوره فيه ؟ وكيف يمكنه أن يعيش فيه بشكل فاعل ؟ وكل الذي تفعله نقد هذا العالم ومحاولة تغييره بشكل غير محدد، وفي ضوء هذا يكون التفكير الواقعي النقدي سلبياً إزاء المشكلات الاجتماعية لمعالجته إياها من خلال التصوير والعرض والنقد، وليس من خلال المساهمة في التغيير المحدد، وتنعكس آثار هذا التفكير على القاص والمتلقي، ليصبحا مجرد أدوات تنقل الواقع وانفعالاتهما به، وتتلقى المشكلات الاجتماعية معانية في تلقيها، ويصور القاص هذه المشكلات ويتلقاها المتلقي دون تخليق وعي جديد يسهم في تحديد أسبابها ونتائجها.
وعلى الرغم من إيمان الواقعية النقدية بتجدد الواقع الاجتماعي وتغييره فإنَّ وظيفة القصة القصيرة ليست الكشف عن مسببات هذه المشكلات أو المساهمة في تشكيل وعي وعالم جديدين، ولكنها تُعنى بعيش الإنسان في هذا الواقع، وليس بمقدورها أن تزود المتلقي بكشف ووعي ومعرفة إيجابية تمكنه من النهوض، ويتحقق هذا عبر مستويين : مستوى الإمتاع الفردي للمتلقي، ومستوى النقد الذي يتميز بطابع السخرية والنكتة أحياناً، وينبه إلى المشكلات دون معالجتها، كما أنَّ مساهمة القاص في إمتاع المتلقي لا على نحو التغيير، وإنما في امتصاص وعيه إلى مجرد الإمتاع فحسب .
وتلمح الواقعية النقدية أحياناً إلى نظريات مستقبلية، أو تعليلات توحي بالتغيير نحو هدف محدد، وهي في كلا الحالتين إما أن تسخر من الواقعية الاشتراكية كما يعمد إلى ذلك داود سلوم ، أو أنها تمثل بذور الواقعية الاشتراكية في بعدها الآلي على أحسن الأحوال كما هو الحال عند علي جواد الطاهر .

( 4 )


على الرغم من أنَّ الناقد الواقعي النقدي يحدد سمات خارجية تحدد ملامح الشخصية، فإنه يعنى أيضا بعالمها الداخلي، ولقد تحددت الملامح بالتعبير عن محلية الشخصية وخصوصيتها، بمعنى أن تكون معبرة عن واقع اجتماعي معين، ومن ثم لا بد من تحركها في زمان ومكان محددين ؛ أما الملامح الداخلية للشخصية فإنها تتحدد بعالمها الداخلي وما يضطرب فيه من هواجس وانفعالات ؛ ولم يكن الأمر مقتصراً على خصوصية الشخصية والعناية بعالمها الداخلي بل يصل الأمر حداً إلى معالجة الأمراض النفسية، وضرورة عقد المواقف النفسية للشخصية القصصية وانسجام الشخصية وحالتها النفسية ، وأن يخدم الحدث الشخصية القصصية ذاتها.
ويدعو داود سلوم إلى تبني « تيار الوعي » بوصفه أسلوباً فنياً يمكن القاص من المشاركة الذاتية في الإبداع، فضلاً عن كونه وسيلة تمكن أيضاً من معالجة المشكلات الاجتماعية بعيداً عن قيود الالتزام الذي تفرضه الوجودية والواقعية الاشتراكية، ويرى علي جواد الطاهر أنَّ الإغراق في استخدام « تيار الوعي » يشوه معالم الشخصية العراقية ويبعدها عن خصوصيتها ومحليتها، لأنَّ تيار الوعي أسلوب فني غربي، ويعبر عن حالة اجتماعية خاصة يعيشها المجتمع الأوربي، وإنَّ إقحام هذا الأسلوب بإفراط يؤدي إلى الإحساس بغرابة الشخصية وشذوذها .
وتقود المواءمة بين الشخصية القصصية وواقعها الاجتماعي إلى ضرورة التواءم بين الشكل والمضمون الذي يؤكده الناقد الواقعي النقدي على صعيد التنظير، ولكنه في التطبيق يفصل بينهما لحد يتعرض فيه لدقة المضمون وأصالته لعنايته بالمشكلة الاجتماعية، والتفاته إلى رداءة الشكل الذي لم يستطع القاص تحقيقه لافتقاره إلى القدرات الفنية المرتبطة بالذات ؛ إنَّ الفصل بين الشكل والمضمون يعني أنَّ العلاقة بين الذات والموضوع لم تكن قائمة على أساس متفاعل على الرغم من تأكيدات الواقعية النقدية تفاعلهما ـ نظرياً في بعض الأحيان ـ غير أنَّ ترجيح الذات على الموضوع، أو العكس، يؤدي إلى الفصل بين الشكل والمضمون، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الواقعية النقدية تحاول تأكيد التفاعل بين الشكل والمضمون من خلال نقدها الرؤية التقليدية للفن التي تعنى بالمضمون، وتحول القصة القصيرة إلى مقالة دون العناية بالمشاعر الإنسانية التي تمثل جانباً مهماً في الواقع الاجتماعي والفني ، وبذلك تحاول الواقعية النقدية تحقيق تفاعل الذات والموضوع ومن ثم شكل القصة القصيرة ومضمونها.
وتترك هذه التصورات آثارها على نسيج القصة القصيرة التي تتجاوز الصيغ المحفوظة وأساليب البديع والبيان إلى لغة موحية تعمد فيها إلى الهمس بحيث تتدفق فيها غزارة العاطفة وقدرتها على تحويل القصص النثرية إلى قصائد عاطفية تكثر فيها الموحيات الشعرية .
وعلى الرغم من هذا كله فإنَّ الواقعية النقدية ما تزال ترى ـ لدى علي جواد الطاهر ـ جمال النسيج اللغوي بمقدار متانة الجمل وانسياب تراكيبها ، كما يدرك الناقد الواقعي النقدي أهمية الحوار وضرورة استخدام العامية لتحقيق واقعية الشخصية، ولكنه يدرك أيضاً أنَّ الإيغال بالحوار العامي يضر نسيج القصة القصيرة ويؤثر ـ من ثم ـ على بنائها وأفكارها .


( 5 )

وتمثل الواقعية النقدية محاولة للانفلات من الرومانسية بعرضها العلاقة الفاعلة بين الذات والموضوع، وعلى الرغم من الكم الوفير الذي عرضته الواقعية النقدية، فإنها وقعت في جوانب كثيرة من تفكيرها في تعميم مسرف، يظهر في إصدار الأحكام الانطباعية، وكون نقادها يعمدون إلى تلخيص القصص وإصدار الأحكام عليها، وعلى الرغم من ذلك فإنها تمثل وعياً نوعياً بالقياس إلى المواقف النقدية السابقة، بحيث تترك آثاراً في التفكير الفردي والجماعي نحو التغيير لهدف محدد.
وسأورد نماذج للأحكام الانطباعية وتلخيص القصص القصيرة لنستكمل الصورة عن طبيعة النصوص النقدية التي تعرضها الواقعية النقدية، إذ يرى جميل سعيد في قصة «أبطال الخمرة » لمحمود أحمد السيد و« خلاصتها أنَّ موظفاً كان لا يحب الخمرة ولا يقامر، وكان دائم الوعظ لأصحابه الموظفين، وقد سبب هذا أن نفروا منه وسموه «الوحشي » وصار ثقيلاً على أصحابه فطرد من وظيفته.. وغنى عن القول أنَّ الكاتب كان عليه أن ينصر الحق على الباطل ليرغب الناس في الدعوة إليه » .
ويرى داود سلوم في مجموعة باسم عبد الحميد حمودي القصصية « أنا عاطل وقصص أخرى » إنَّ القاص لم يستطع إثارتنا على الرغم من المفارقات العديدة التي يسببها النقاب والعباءة التي تجعل المرء لا يفرق بين امرأته التي تسير معه وامرأة أخرى تسير في زحام الشارع !! » ؛ ويقول داود سلوم « إنَّ قصة الخطيئة للسيد رضا الدين الحيدري ظهرت في بغداد عام 1955 تقوم على تمحل واستحالة الحدوث، وينقصها شيء من الذوق والأدب.. تقوم حوادثها على علاقة شاب سكران بأخته، وتكون بعد ذلك راقصة، وبعد عشرين سنة يلتقي بها، وكأنه يعرفها فيتزوجها فتظهر أنها أخته !! موضوع لا يمس الحياة ولا يمت لها بسبب إلا في ذهن الحيدري المريض المتناقض » .





الواقعية الاشتراكية
الفصل الأول
الرؤية والوظيفة

( 1 )


حين نطالع النصوص النقدية التي تعرضها الواقعية الاشتراكية نلتقي بـ « كم » وفير من الآراء تلتقي أحياناً وتتغاير مستوياتها أحياناً أخرى، ونلحظ فيها تغليب الموضوع على الذات مرة، ووحدة جدلية بينهما مرة أخرى، ولو قمنا بدراسة الموقف النقدي بوصفه كلا متماسكاً لوقعنا في خلط تنعكس آثاره على تحديد وظائف القصة القصيرة وكيفية تفاعل القاص بواقعه، ومن ثم تحديد بناء القصة القصيرة وأداتها، كما أننا نشوه رؤيتنا في دراسة تميل إلى تعميم التفكير لا خصوصيته، وتنأى عن تعميق رأينا في وعي جذور التفكير الذي يرجع في الحقيقة إلى تغاير نسبي في الرؤية وإن كان لتفكير فلسفي محدد.
وإذا كانت الماركسية تمثل تفكيراً محدداً فإنَّ قراءتها وتناولها من زاويا مختلفة وفي ضوء رواسب فكرية مختلفة يؤدي إلى تغاير في المفاهيم تلتقي أحياناً، وتتغاير في أحيان أخرى عن الأسس العريضة للماركسية ذاتها، وفي ضوء هذا رأينا تغايراً في الرؤية لطبيعة الماركسية بوصفها تصوراً مادياً للعالم والإنسان، ويتحدد هذا التغاير في مستويين : مستوى يعمد إلى تغليب الموضوع على الذات وهو ما يمكننا تسميته بــ « الواقعية الآلية »، ومستوى يعمد إلى وحدة جدلية بين الذات والموضوع وهو ما يمكننا تسميته بــ «الواقعية المتجاوزة ».
ولا نلتقي بإشكاليات نقدية مهمة ونحن نتأمل « الواقعية المتجاوزة »، ولكن دراستنا للواقعية الآلية تجعلنا نصطدم بإشكالية جوهرية تلتقي فيها الواقعية الآلية بالتفكير التقليدي بتغليب الموضوع على الذات، غير أنَّ التفكير التقليدي يصدر عن مقولات مثالية تجعل العقل محور التفكير، ويحاول من خلال الإحكام العقلي تحليل الواقع الاجتماعي والعمل الفني معاً، في حين ترفض الواقعية الآلية مستويات الثبات هذه، وترتد في تفكيرها إلى مادية الوعي وتأثيرات البنية التحتية في تشكيل الواقع الاجتماعي، وصدور الأدب متأثراً بالمستويين السابقين البنية التحتية والطبقة الاجتماعية.
وليس هذا تبريراً لأنّ تغليب الموضوع على الذات في الواقعية الآلية جاء في مرحلة زمنية متأخرة بالقياس إلى ظهور التفكير التقليدي، وإذا كنا نعمد إلى ذلك في كون المرحلة الزمنية تحدد مستويات الوعي بإطلاق فإننا ندل على سذاجة في تمثل الموقف وإدراكه، لأنَّ الفرق في المرحلة التاريخية لا يعني فاصلاً حاداً حتى في التفكير الماركسي، إذ يصح أن يتأخر الوعي عن التطور الحضاري أو يسبقه، ولكن الفرق أننا نلتقي بتصور يغاير التفكير التقليدي من حيث الجذور، وإن التقى معه ببعض السمات على صعيد تغليب الموضوع على الذات.

( 2 )

وتتحدد رؤية الواقعية الآلية من خلال العلاقة بين المادة والفكر التي أرست دعائمها الماركسية، وحددت من ثم موقف الإنسان من العالم والمجتمع والتاريخ في إطار الوعي المادي الموضوعي، مدركة أنَّ العمليات الإنتاجية تحكم وجود الإنسان الاجتماعي، وتحدد نوعية تفكيره في الأطوار الحضارية المتعاقبة، ولذلك فإنَّ مجمل العلاقات الإنتاجية تمثل الأساس في تشكيل التغيرات في المجتمع ـ أي مجتمع ـ وتنعكس آثارها عليه، وتسهم في تشكيل وعي الإنسان وتطوير أذواقه، ولذلك فإنَّ وعي الإنسان وأذواقه ليست مفروضة عبر تصورات مثالية ثابتة، وإنما مرتبطة بطبيعة حركة الواقع المادي، فهي متغيرة تبعاً لتغييره، وإذن فليست هناك أذواق أزلية، ولا طبيعة ثابتة متكررة، كما أنَّ التاريخ لا يعيد نفسه، وإنما يمر بحركة مصعدة نحو الأرقى، إذ يرى ماركس «أن البشر خلال الإنتاج المادي لحياتهم، يدخلون في علاقات محددة لابد منها، مستقلة عن إرادتهم هي علاقات الإنتاج، التي تستجيب لمرحلة محددة من تطور قوى إنتاجهم المادية، ويؤسس مجموع هذه العلاقات البنية الاقتصادية للمجتمع، أي الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والتشريعية، والذي تستجيب له أشكال محددة من الوعي الاجتماعي، أنَّ نمط الحياة المادية يحدد عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عموماً، وليس وعي البشر هو يحدد وجودهم، بل العكس إنَّ وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم » .
وفي ضوء هذا تحددت ملامح البنيتين التحتية والفوقية، وعلى هذا الأساس تتبنى الواقعية الآلية التفسير المادي الذي يخضع فيه الأدب إلى قوانين التطور الاجتماعي، وتدرك التاريخ والمجتمع والإنسان من خلاله، وهو نتيجة طبيعية لانعكاسات مادية، تمثلها أدوات الإنتاج ومجمل العلاقات الإنتاجية، وتنعكس آثار التغيرات الطارئة على البنية الفوقية بشكل حتمي ومباشر، لتشكيل الطبقات الاجتماعية على وفق لحتمية الشرط التاريخي، ويتحدد في ضوئها طبيعة الوعي بوصفه إفرازا طبيعيا تشكل أساساً لانعكاسات البنية التحتية في المجتمع، ولذلك فإنَّ البنية التحتية تشكل الطبقات الاجتماعية وتحدد ـ من ثم ـ طراز عيشها وأساليبها في التفكير ومصالحها الخاصة ونوعية أهدافها .
وفي ضوء هذا ترى الواقعية الآلية أنَّ هناك قانوناً يتحكم في الظاهرتين الطبيعية والاجتماعية، ويتحكم في النص الأدبي أيضا، وإذا كان المجتمع يمثل الكل والأدب يمثل الجزء فإنَّ « القانون الذي يسري على الكل « المجتمع » إنما هو نفس القانون الذي يسري على الجزء« الأدب »، وهو هنا قانون تفاعل النقائض الدايلكتي » ، ويؤكد هذا التصور أنَّ الإنسان الفرد، على الرغم من استقلاليته وخصوصيته فإنه « محكوم بأوضاع المجتمع الذي يعيش فيه ولا سبيل إلى ترقيته وإصلاحه إلا بترقية وإصلاح هذه الأوضاع التي تسيره وتستبد به وتكيف حياته المادية وحياته المعنوية على السواء » ، مما يؤكد المقولة الشهيرة لغوركي «إن الإنسان لا يمكن إدراكه خارج الواقع » .
إن الأساس المعرفي الذي تتبناه الواقعية الآلية لا يمكن إدراكه إلا في ضوء وعينا رؤيتها للطبقة الاجتماعية وكيفية تطورها، ولما كانت الطبقة الاجتماعية ـ كما عرضنا ـ تتطور بحسب تطور وسائل الإنتاج، وإنَّ الفن والفكر مرتبطان بتطورها بشكل حتمي، فإنَّ هذا يعني أنَّ رؤيتها من حيث الجذر تتحدد بأن أي اهتزاز في البنية التحتية تنعكس آثاره بشكل مباشر على تغير العلائق الاجتماعية، ومن ثم في تشكيل الطبقة الاجتماعية، كما أنَّ تغير الطبقة يؤدي ـ بشكل حاسم ـ إلى التأثير في نوعية التفكير.

اهتزاز البنية التحتية = تغير طبقي.
التغــير الطبـقي = وعي يتغير وأدب يتغير.

إنَّ المرحلة التاريخية التي يمر بها أي مجتمع تنطوي بذاتها على وعي خاص للعالم والإنسان، وتمر المراحل التاريخية بتطور تصاعدي وليست مرتدة إلى الوراء، وبذلك ترتقي معها نوعية الوعي الذي تفرزه، والذي كان في مرحلة من المراحل يشوبه الغموض، ليتجه في مرحلة أخرى إلى الواقع لإدراك العالم والإنسان من خلال الوعي المادي للحقائق الموضوعية ، ويرتبط الفن والوعي الفكري بحتمية الشرط التاريخي الذي يحدد وظائف الأدب وبناءه وأدواته تبعاً لسيادة الطبقة الاجتماعية والكيفية التي يصدر من خلالها الأديب، ولذلك تقسم الواقعية الآلية المجتمع إلى طبقات، وتؤدي كل طبقة وظيفة محددة في مرحلتها التاريخية المعينة، وتكون فيها مسيطرة على وسائل الإنتاج الفكري، لأنها مسيطرة ـ أساسا ـ على وسائل الإنتاج المادي، ففي حالة سيادة الطبقة الإقطاعية في العراق ـ مثلا ـ يعنى الأدب بمصالح هذه الطبقة، ويوظف من أجل الترف والتسلية، وتحقق هذه الوظيفة طموحات الطبقة المرتبطة بمصالح الاستعمار، ولذلك فإنها ترسي وعياً يعرقل تطور المجتمع في منعها إدخال أدوات الإنتاج الحديثة التي تسهم في خلق طبقة عاملة ووعي ماركسي يصدر عنها ليساهم في التغيير الاجتماعي نحو الأفضل .
إنَّ تركيبة المجتمع في العراق تقاسمته في أحد أدواره الحضارية طبقتان متمايزتان، هما : الإقطاع والفلاحون، ويدرك عبد العزيز خانقاه الفوارق في تحديد مفهوم الإقطاع الأوربي بشكله المعروف والنظام شبه الإقطاعي الذي كان سائداً في العراق، ولذلك وصف المجتمع بأنه « شبه إقطاعي يتصف بوجود التمايز الطبقي » ، ويدرك الناقد أنّ لكل طبقة مصالحها الاقتصادية التي تحدد لها وعيها وطموحاتها وأهدافها، ولذلك فإنَّ الإقطاع يسعى على الصعيد المعرفي إلى تثبيت المجتمع من خلال فرض قيمه الفكرية، ويعمد إلى توظيف الفن من أجل وظيفتين هما : التعليم والتسلية، في حين يحاول الفلاحون ترقية حياتهم، ومن هنا تولد الصراع الحتمي بين طبقتين متغايرتين تختلفان في امتلاكهما وسائل الإنتاج، ولذلك اتجه الأدب ومنه القصة القصيرة إلى تصوير هذا الصراع، صراع الطبقة الكادحة والطبقة المستغلة.
وفي ضوء هذا لا يمكن أن يكون الأدب الذي تقدمه هذه الطبقة الرجعية ـ على حد تعبير يحيى عبد المجيد ـ أدباً ذا جودة ، لأنّ الشرط التاريخي يتحكم بشكل آلي في تحديد مفهوم الأدب وتحديد وظيفته في ضوء الطبقة الاجتماعية التي تنتجه وتصبغه وتلونه بتفكيرها، ولذلك رأينا الطبقة الإقطاعية تسخر الأدب لمصالحها وتحدده في إطار التسلية والترفيه، إنَّ هذا اللون من الأدب يرتبط بهذه الطبقة ويزول بزوالها، وحين يجد الناقد أدباً يسعى للتسلية فإنه يرتبط حتماً ببقايا الإقطاع الذي يسنده الاستعمار .
ولم تكن حتمية التطور الحضاري مقتصرة على طبقة بعينها بل إنها مطردة على مستويات طبقية أخرى، وتؤكد الواقعية الآلية أنَّ ازدهار الأدب الرومانسي مشروط حتماً بالثورة الصناعية، وبظهور الطبقة البرجوازية، وقاد هذا التطور إلى العناية بالإنسان الفرد وبذاتيته خدمة لمصالح هذه الطبقة، ولذلك فإنَّ الأدب يوظف لخدمة التفكير الرومانسي لتحقيق الحرية المطلقة وإعلاء شأن الذات والفردية لاستمرار هذه الطبقة في البقاء والعطاء .
وتدرك الواقعية الآلية أنَّ أيديولوجية أي طبقة إنما هي انعكاس لوضعها الاقتصادي، وتعبير عن مصالحها الخاصة، وتنعكس هذه الأيديولوجية على نوعية الأدب الذي تنتجه، ولذلك فإنَّ مضامين الأدب البرجوازي تعبر عن « عالم هذه الطبقة بالذات : الجنس والفراغ والضجر، على أنها مآثر الحضارة الراهنة : ذلك أنَّ الطبقة الوسطى يائسة ضجرة من الحياة عديمة المستقبل » ، إنَّ الأيديولوجية البرجوازية تصدر عن وضع الطبقة ذاتها، فهي لا تتأمل الواقع من أجل تغييره نحو الأفضل، كما أنها لا تدرك القوانين التي تتحكم فيه، وإنما تتجه إليه لتصوره بالشكل الذي يتلاءم مع مصالحها الطبقية، لأنها تصوره انطلاقاً من أخلاقية تعتمد الاستغلال أسلوباً .
وتصدر الطبقتان الإقطاعية والبرجوازية صدوراً طبيعياً عن وضعهما الاجتماعي وبذلك يرتد الأدب ـ ومنه القصة القصيرة ـ إلى المجتمع، ويمثل ظاهرة اجتماعية تعبر عن وضع الطبقة الاجتماعية التي حددتها البنية التحتية، وهذا يعني أنَّ القاص حين يصدر عن طبقة اجتماعية معينة فإنه يخدم أيديولوجيتها، ولذلك فإنَّ جميع الأشكال الأدبية تعبر عن روح طبقية وتخدم أيديولوجية هذه الطبقات .
وتدرك الواقعية الآلية التطور الحتمي الحاصل في أنساق المجتمع، وكيف تتواكب الأشكال الفنية مع طبيعة هذا التطور ولذلك يرى الناقد أنَّ «القصة والرواية في الغرب... تمثل التطور الطبيعي والحتمي الذي حدث في أوربا » ، مما أدى إلى أن يترك الشرط التاريخي آثاره في تلوين الأدب وتنويعه، فكان الأدب الوجودي وأدب اللامعقول، ويرى الناقد أنَّ هذه المستويات الأدبية تعبر بصدق لأنها في الحقيقة انعكاس لطور حضاري تعاني فيه الطبقات الاجتماعية المتصارعة ، وهذا يعبر عن الانهيار الحتمي الذي يحيق بطبيعة التفكير الرأسمالي الذي أفرز هذه المستويات الأدبية ، وفي ضوء هذا تعنى الواقعية الآلية بمضامين القصص القصيرة وتعبيرها عن مصالح الطبقات المسحوقة، وأن أي تعبير عن طبقة أخرى فإنه لا يزود المتلقي بوعي وكشف ومعرفة، لذلك تتحكم الآلية في تحليل الواقع مغفلة بذلك الوعي الماركسي القائم على أساس « إنَّ عصور الازدهار الفني لا تتوافق على الدوام وعصور الازدهار الاقتصادي، وإنَّ الروائع الفنية تحافظ على قيمة دائمة وعلى سحر مستديم حتى بعد زوال الحضارات التي أنجبتها » .
وإذا كانت الواقعية الآلية تلمح إلى وجود صراع طبقي بين طبقتين متمايزتين فإنها تدرك أنَّ الطبقة الواحدة تخضع هي الأخرى للصراع نفسه لتحمل نقيضها معها، وتفرز التناقضات في الطبقة الاجتماعية أزمات فكرية ونفسية في الطبقة الواحدة ، ويعكس الأديب هذه الأزمات الناجمة بسبب التناقض الحتمي في حركة الطبقة ذاتها.
وليس غريبا أن نلتقي بهذه التصورات أحيانا لدى بعض النقاد الذين يتجاوزن الواقعية الآلية، ويؤكدون أنَّ هناك قانونا جدليا يحكم الظاهرتين الطبيعية والإنسانية معا، ويسير هذا القانون في إطار حركة ما أطلق عليه عبد الملك نوري « الخط الحلزوني في سيره نحو الأعلى والأرقى كما يقتضي المنطق الدايلكتي » ، وعلى الرغم مما يوحيه هذا التصور من جدلية التفاعل بين الذات والموضوع فإنَّ الناقد يصدر أحكامه النقدية بحسب المقولات الآلية، ولذلك فإنَّ أدب الطبقة البرجوازية ليس تقدمياً لأنه يمثل أدب الأبراج العاجية، ولأنه غير قادر على عكس « التطور الحلزوني فإذن، هو أدب رجعي وانعزالي وغير معبر عن طبيعة الواقع والحياة » .
وفي ضوء هذا تصنف الأعمال الأدبية بحسب الطبقات الاجتماعية التي أبدعتها، وتصنف تبعا لذلك القيم الفنية والمعرفية التي تشتمل عليها، فالأدبان الإقطاعي والرومانسي أدبان رجعيان انعزاليان، لأنهما يصدران عن طبقتين رجعيتين، كما أنَّ الأدب الذي ينتجه الأديب الغربي هو الآخر أدب متخلف، لأنه أدب يميني، أو بحسب تعبير الناقد « إنَّ المثقف اليميني لا يستطيع أن ينتج أدباً جيداً لأنه ربط نفسه بالقوى المنهارة والميتة في المجتمع » ، أما أدب الواقعية الاشتراكية فهو يمثل « الانعكاس الحي لأيديولوجية الطبقة العاملة في الأدب وعنايتها بالمضمون لا يعني تفريطاً بالناحية الشكلية، فلا توجد مدرسة أدبية لا تعالج موضوعاً اجتماعياً... إذ أنها تعالج القضايا الاجتماعية من وجهة نظر اشتراكية » .

( 3 )

أما الواقعية المتجاوزة فإنها تدرك أنَّ الواقع يشكل طبيعة الوعي ويحدد مسار التفكير والإبداع، وذلك عبر فاعلية البشر في صنع تاريخهم، وتحدد الواقعية المتجاوزة استقلال المادة عن الوعي، وأن العالم يمتاز بوجود مستقل عن وعينا الخاص، غير أنَّ هذا العالم على الرغم من كونه يشكل وعي الإنسان فإنَّ الإنسان بدوره يسهم في تغييره، وبذلك يصنع ذاته وتاريخه، ويحقق مستقبله عبر حركة فاعلة يكون فيها لليد والآلة دور حاسم في تغيير الواقع والإنسان.
وإذا كانت الواقعية المتجاوزة تدرك أنَّ الواقع يشكل الوعي فإنها تتجاوز الواقعية الآلية، مستندة إلى مقولة ماركس الشهيرة « ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم بل، العكس أنَّ وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم » ، وفي ضوء هذا فإنَّ الواقعية المتجاوزة ترى أنَّ البنية التحتية تؤثر في الظاهرة الأدبية « بصورة غير مباشرة وعلى نحو بالغ التعقيد » ، ولذلك جاء اهتمامها منصباً على علاقة التأثير المزدوج بين المجتمع والأدب، وتحدد الواقعية المتجاوزة أنَّ طبيعة الوعي لا تتم بشكل آلي ـ كما تدركه الواقعية الآلية ـ لأنَّ معالجة الواقع السطحية دون النفاذ من قشرته الخارجية لا يؤدي إلى وعي عميق للأنشطة الداخلية التي تحدد مساره، ولذلك فلابد من تمكين الناقد من النفاذ بعمق إلى الواقع لتعميق وعيه بحيث يتمكن من تهذيب وعيه دون الانفصال من الواقع، لأنَّ الانفصال عنه يعني العودة إلى المطلق واللانهائي اللذين يتبناهما التفكير الرومانسي، ولذلك تتبنى الواقعية المتجاوزة الواقع بوصفه الجذر الرئيسي لصدور تفكير علمي، وتنعكس آثار هذا على النتاج الفني، فإنَّ لم يعتمد على الواقع من حيث البدء فإنَّ هذا يؤدي إلى غربة النتاج الفني عن واقعه، وتترك الغربة آثارها في المتلقي الذي ينأى عن الأعمال الأدبية التي هي صورة لواقع آخر غير واقعه .
وترفض الواقعية المتجاوزة آلية تطور الإنسان الفرد في إطار طبقته الاجتماعية، لأنه من الممكن ألاّ يتلاءم الإنسان وواقعه الاجتماعي وانحداره الطبقي ليعبر عن مستويات الغربة الاجتماعية، فيهرب من واقعه لأنه ـ على سبيل المثال ـ يمثل موقفاً يائساً لا يقوى فيه على الوقوف أمام مشكلات الحياة وصعابها، فيحلق في أجواء الخيال ، ولأنّ الانحدار الطبقي لا يعني بالضرورة اتخاذ موقف محدد تبعاً للطبقة التي ينحدر منها الإنسان الفرد، بل يمكن أن يخضع لها أو يتمرد عليها.
ولم تصنف الواقعية المتجاوزة الطبقات إلى رجعية وتقدمية بإطلاق، بشكل آلي، ولكنها تصنفها بمقدار ما تسهم في التحول الاجتماعي، وبمقدار ما يسهم الأدباء المنحدرون منها في تزويد المجتمع بالوعي، ولذلك فإنَّ الطبقة البرجوازية ليست متخلفة دوماً ـ كما ترى الواقعية الآلية ـ بل أنها تمارس دوراً إيجابياً، ولكنها في مرحلة من المراحل تتحول إلى عائق يحاول إيقاف تطور المجتمع، فتفقد حينئذ دورها الإيجابي من جهتي الفكر والممارسة.


( 4 )

ويمثل الواقع وجوداً موضوعياً مستقلاً عن الوعي الإنساني، وإنه ليس به حاجة للإنسان أو وعيه لكي يكون موجودا ، ويتحدد وعي الإنسان، بعالمه وبذاته، من خلال حركة فاعلة بين الذات وموضوعها، بحيث يؤثر كل منهما في الآخر، ولذا فإنَّ الوعي يتحقق « بانعكاس مؤثر متأثر للحقائق الموضوعية في هذه الحياة » ، إنَّ مفهوم الانعكاس المؤثر المتأثر يتجاوز الانعكاس الآلي الذي يجعل الحقائق الموضوعية فاعلة، والذات منفعلة، ولذلك تتجلى فاعلية الانعكاس عند فيصل القاضي « في اندفاعاته وتعرجاته بين نفس الفنان وبين مشاكل الواقع » بمعنى أنَّ هناك جدلا يتم بين بعدي الذات وموضوعها ، وقد أكد ذلك أحمد عبد الكريم الذي تحدث عن « دائرة التأثيرات المتعاكسة بين أحداث العالم الخارجي وعالم الأحاسيس والشعور » ، إذن هناك وحدة جدلية بين الذات والموضوع تنعكس آثارها على الإبداع الأدبي، ليشبه العمل الأدبي « شغل عامل الطين » ، أو أن يمثل انعكاسا لتناقضات المجتمع، وهذا يعني أنَّ القصة القصيرة مزيج من إدراك الذات لواقعها الاجتماعي وقوانينه الفاعل، أو على حد تعبير الناقد « صورة مجسدة لإدراك الفنان لواقع مجتمعه » .
وإذا كان الإبداع يتولد من تجادل الذات مع موضوعها فإنَّ وظيفته تتأثر هي الأخرى بهذا التجادل، بمعنى أنها تمثل شكلا من أشكال إدراك الواقع الاجتماعي، والإسهام في تغييره، ولذلك أكد موفق خضر أهمية القصة لأنها « تؤثر في الواقع فتغيره » ، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الناقد لم يحدد الكيفية التي يتم بها تغييره، وإن ألمح إلى أهمية ذلك وخطورته.
إن التجربة وليدة تفاعل مثمر بين رؤية الأديب من ناحية، وواقعه الاجتماعي من ناحية ثانية، وذاته المدركة من ناحية ثالثة، بمعنى أنَّ الرؤية تحدد للتجربة أبعادها الأيديولوجية، وتحدد الزاوية التي يطل منها الأديب على واقعه، وكيفية تفاعله معه، كما أنها ـ أخيرا ـ لا تنفصل عن الأبعاد الذاتية التي تخلع على القصة القصيرة خصوصيتها الفنية المتفردة، وتدفع هذه التصورات الأديب ليكون مسئولا إزاء واقعه الاجتماعي، لأنَّ الأديب « لا يكتب إلا ليعبر عن تلك الحاجة الاجتماعية الضرورية والتي تعكس ليس ظروف الحياة الراهنة وحسب، وإنما ترسم خطوط المستقبل وتسعى إلى حياة أفضل » .
وتبدو الوظيفة الاجتماعية غائمة الملامح، لأنَّ ثمة تصوراً يعد كل تعبير يشتمل على موقف اجتماعي ملتزماً، فالأدب الرومانسي ـ على هذا الأساس ـ أدب ملتزم بمفاهيم طبقة اجتماعية معينة، فهو بالضرورة يعبر عن وظيفة اجتماعية، إلى الحد الذي يذهب فيه الناقد إلى القول بأن « من ينكر غاية الفن الاجتماعي إنما يغالط نفسه » ، كما أنَّ « أدب الذات مهما كان ذاتياً.. فهو يتصل بجذور اجتماعية قوية وظاهرة... أنه جزء من مأساة مجتمع يتخبط بين تيارات متناقضة تحمل في داخلها مبررات انتفائها وزوالها الحتمي » .
إن الوظيفة الاجتماعية تتحدد في إطار الرؤية التي تصدر عنها الواقعية الاشتراكية و « في طريقة تناول الموضوع على وفق الأيديولوجية الطبقية التي تتبناها » ، ولذلك فهي ترفض الأدب الرومانسي لأنَّ القاص يهرب فيه عن واقعه الاجتماعي، ويفرض على نفسه عزلة معينة، ولذلك مهما قيل عنه بأنه يصدر عن وعي طبقة اجتماعية معينة فإنه لا يتجاوز الانفعال إلى المساهمة في تغيير الواقع، بمعنى أنَّ الأدب الذي ينتجه يحافظ على مصالح طبقية معينة، ومن ثم « لا يستطيع أن ينتج أدباً جيداً لأنه ربط نفسه بالقوى المنهارة والميتة في المجتمع » .
وإذا كانت الواقعية الاشتراكية تتجاوز هذا الفهم الفضفاض للوظيفة الاجتماعية، فإنها تتجاوز في الوقت نفسه مفهوم الالتزام لدى الوجوديين إلى التزام ماركسي، لأنَّ الالتزام الوجودي، يتحدد على وفق « فكرة الموقف ووجهة النظر في الإنتاج الأدبي والفني » فهو التزام يصدر عن نظرة ذاتية ووعي فردي، ويتجاوزه الالتزام الماركسي في وعي الإنسان أصلاً بوصفه كائناً اجتماعيا طبقيا، ولذلك فإنه يفسر « الأدب والفن تفسيراً اجتماعياً طبقياً يهدف إلى قيادة المجتمع نحو هدف معين » .
وقد تزامنت مع هذه التصورات المتقدمة تصورات أخرى يمتزج فيها الالتزام بمقولات أخلاقية، ولذلك فرضت على الأديب ألاّ « يتحدث في كل شيء كالجنس والخرافات والتجارب الشخصية والفردية التافهة » ، ويحث الناقد على خوض «مجالات الحياة الأكثر اتساعاً كالسياسة وقضايا الشعب التي هي أهم من أي شيء آخر » ،ويرى أنَّ ذلك تعبير عن مشكلات ذاتية فردية، وهي ترويج لأفكار الطبقات البرجوازية والرأسمالية التي تهدف إلى إبعاد الأديب عن واقعه الاجتماعي كما أنها «ترغب في احتكار العمل السياسي وصرف عامة الشعب عن الخوض في مشكلاته السياسية وكأن السياسة وقف على طبقة ممتازة » ؛ وترجعنا هذه التصورات إلى مفاهيم الواقعية الآلية التي تهدف إلى توظيف السياسة بشكل مباشر في العمل الأدبي، وكأن الجنس وتوظيفه لا يمثل وسيلة من وسائل القاص التي يمكن أن يفجر من خلالها قضية سياسية!!.
وفي ضوء هذا يمكننا تفسير العناية الفائقة بالمضمون، لأنَّ جودة العمل الأدبي وتقدميته مرتبطة به، ويمكننا إدراك التوصيف القيمي الذي يقرن أدب الطبقة العاملة بالثورية والتقدمية، ويقرن آداب الطبقات الأخرى بالرجعية والتخلف، إنَّ النصوص الأدبية عند الواقعية الآلية أقرب إلى المقالات السياسية والاجتماعية، والمعرفة التي تنطوي عليها مباشرة وسطحية، وتختلف عنها الواقعية المتجاوزة التي يمثل فيها التحويل الذاتي عنصراً أساسياً في تشكيل العمل الأدبي، وبذلك تكون القصة القصية مشتملة على المعرفة بذاتها.
إنَّ توظيف المشكلات الاجتماعية والسياسية في الواقعية الآلية يتم من خلال وصفها الخارجي، دون تحويل ذاتي لها، فهي أقرب إلى التصوير الفوتوغرافي، ولذلك فإنَّ القصة القصيرة لم تستطيع التوغل في أعماق الواقع لاكتشاف القوانين المتحكمة فيه، كما أنها غير قادرة على التأثير الفاعل في المتلقي بسبب الأبعاد المعرفية الوعظية، في حين تتحول الطاقة الاجتماعية والسياسية في الواقعية المتجاوزة ـ في الأقل على الصعيد النظري ـ لتكون كامنة في الفن نفسه .

(5 )

إنَّ الوظيفة المعرفية للقصة القصيرة تمثل الوظيفة الجوهرية في الواقعية الاشتراكية، مع تفاوت نوعي في تحديد مستوياتها على صعيدي الواقعية الآلية، والمتجاوزة، فالواقعية الآلية تصدر عن رؤية آلية، وتمثل القصة القصيرة إلزاماً مفروضاً على القاص، فهي تدرك أنَّ التغيير الاجتماعي يحصل بقوة ليس بإمكان الإنسان التدخل فيها، بمعنى أنه يتم بشكل حتمي تحدده حركة البنية التحتية، ويحكم القصة القصيرة في ضوء هذا طرف فاعل هو: الواقع الموضوعي ، وطرف متلق : الذات المدركة التي افتقرت إلى حريتها وخصوصيتها الفردية، وقد قاد هذا كله إلى تحديد مستويات الوظيفة المعرفية للقصة القصيرة في إطار مراقبة الواقع الخارجي وتفسيره، وحتى في عودتها إلى الماضي فإنها لا ترجع إليه على أنه خصيصة مكنت الحاضر من الوجود لأنها ـ في الحقيقة ـ ترفض الماضي وإن كان يمثل مرحلة من مراحل التطور الحتمي.
إنَّ الواقعية الآلية تؤمن بــالإنسان الفرد بوصفه مجرد متلق للنص الأدبي، ومتأمل لما يحصل في البنية الاجتماعية، يعي ما يطرأ في الواقع دون محاولة للمساهمة في تغييره، وتكون الأبعاد المعرفية التي تقدمها في القصة القصيرة أقرب إلى المقالات الفكرية، لأنها مفتقرة أساساً إلى التحويل الذاتي، ولذلك فإنها تقدم بعداً معرفياً سلبياً، ولا تسعى الواقعية الآلية إلى تغيير الإنسان الفرد وواقعه الاجتماعي إلا في إطار حركة البنية الاجتماعية التي هي ارتداد طبيعي للبنية التحتية، وليس بالإمكان تجاوز هذا، ولذلك فهي تسلب الإنسان قدراته في الإبداع والتغيير، ومن ثم تعمد فنياً إلى تفسير الواقع وليس المساهمة في تغييره.
أما الواقعية المتجاوزة فإنها تدرك أنَّ الأدب شكل من أشكال المعرفة، وترفض في ضوئه مستويات الكشف عن الحقيقة المنطقية التي يتبناها التفكير التقليدي، وترفض أيضاً الكشف عن لانهائية الحقيقة التي يتبناها التفكير الرومانسي، لأنَّ الماركسية تعطي الذات قدراً من العناية تتحدد في ضوء الوحدة الجدلية الفاعلة بين الذات والموضوع، إنَّ الوظيفة المعرفية للواقعية المتجاوزة مرتبطة بالواقع الاجتماعي المتغير وبوحدة الذات والموضوع وتشابك العلائق بينهما، وتحقق الوظيفة المعرفية ـ والحالة هذه ـ كشفاً معرفياً للواقع ينطوي على تغييره، وكشف الجوانب الخفية الفاعلة فيه ودور الإنسان إزاءها.
ان أدب الواقعية المتجاوزة لا يقدم الأبعاد المعرفية بحيث توازي المعارف الأخرى كالفلسفة والتاريخ، وإنما بما يمتاز به العمل الأدبي بخصوصيته المعرفية المتفردة التي يساهم فيها التحويل الذاتي في الكشف المعرفي، ويشتمل الأدب على المعرفة بطريقة خاصة ليست موضوعية كالفلسفة، ولا هي ذاتية صرفة كالأدب الرومانسي، وإنما عبر امتزاج متشابك من الذاتية والموضوعية لا يمكن الفصل بينهما، ويتأتى هذا عبر الوحدة الجدلية بين الذات والموضوع.
وإن كانت الأبعاد المعرفية في الفلسفة تعرض بشكل مباشر ومركز يعمد فيه المفكر إلى عرض أفكاره عبر مصطلحات محددة وتصورات خاصة، فإنَّ الأبعاد المعرفية التي تقدمها القصة القصيرة وإن كانت تلتقي في النتيجة أو تتغاير مع الكشف المعرفي الذي تقدمه الفلسفة فإنها تعرض أبعادها المعرفية بطريقة خاصة غير مباشرة لتكون المعرفة حينئذ كامنة في القصة القصيرة.
إنَّ الوظيفة المعرفية في الواقعية المتجاوزة تمكن الإنسان من وعي ذاته وعالمه معاً، فهي تعمد إلى تشكيل الإنسان من جديد وتمكنه من تفسير العالم من ناحية، و إدراك القوانين المتحكمة فيه، ومحاولة تغييره من ناحية ثانية، ويعمد فيها الإنسان إلى صنع ذاته وصنع تاريخه بنفسه، وتغيير واقعه .
وفي ضوء هذا نجد تغايراً في تحديد الوظيفة المعرفية التي تتبناها الواقعيتان الآلية والمتجاوزة، فالأولى تنظر إلى الحاضر وتعمد إلى تفسير الواقع الاجتماعي والتطور الحاصل فيه بشكل حتمي، مما يفقدها النظرة المستقبلية التي يكون فيها الحاضر تجاوزاً للماضي، وإنَّ المستقبل لا يصنع إلا في ضوء الحاضر ذاته، وتعمد الواقعية المتجاوزة إلى وعي الماضي للإفادة منه في الحاضر، ووعي الحاضر لتشكيل نظرة مستقبلية، مما يمكن للقاص أن يتنبأ من خلالها بما سيحصل مستقبلاً داعياً له ومبشراً بحدوثه، ولكي يتمكن المتلقي ـ من ثم ـ من وعي الماضي والحاضر والمستقبل، ليسهم ـ أخيراً ـ في تغيير ذاته وعالمه معاً.
وتتميز الواقعية المتجاوزة بنظرتها المتفائلة وثقتها بالمستقبل الذي يمكن التنبؤ به في ضوء الحاضر، ولذلك أضحى التفاؤل والثقة بال

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر



الفصل الثاني
طبيعة القصة القصيرة


( 1 )


ترى الواقعية الاشتراكية أنَّ تغير الواقع مرتد أساساً إلى البنية التحتية، غير أنَّ هناك تفاوتاً في إدراك الواقع والكيفية التي يتم فيها تغييره، فالواقعية الآلية على الرغم من تبنيها الأصول الماركسية فإنها لا تدرك من هذه الأصول إلا جانبها الآلي في التنظير والممارسة، ولذلك حكّمت حتمية التطور في الواقع ذاته، فهي ـ والحالة هذه ـ لا تدرك من الواقع إلا قشرته الخارجية، وإلا الجانب المرئي منه، وهي غير قادرة على التوغل في أعماقه، وتفتقر إلى إدراك العوامل الخفية الفاعلة فيه.
إنَّ المعرفة هي الواقع ـ في تصور الواقعية الآلية ـ وبمقدار وعي الواقع وإدراك القوانين المتحكمة فيه حتمياً، يتمكن الإنسان من تحقيق الكشف المعرفي والمساهمة في إيصاله إلى الآخرين، ولذلك تحددت جماليات القصة القصيرة بمدى مشابهتها للواقع المادي، لأنّ الواقع المادي يحدد أبعاد المعرفة، وكلما كانت الأشكال الأدبية ومنها القصة القصيرة « تعكس الواقع المادي » تحققت تقدميتها، وحققت من ثم نجاحها الفني، وفي ضوء هذا يحدد الانعكاس مستويات المعرفة والفن معاً، وفي ضوء هذا يغفل الناقد الجوانب الخفية المؤثرة في تغيير الواقع، ومعطلاً إسهامات التحويل الذاتي في تأمله، فتكون النتيجة ـ حينئذ ـ قائمة على أساس الطرف الفاعل « الواقع » الذي يحدد المعرفة والفن، والطرف المنفعل « الذات » التي تنسج الواقع وتصوره، وتنقل ما يحدث فيه من تغيير، كما أنَّ وظيفة القاص ليست تشكيلاً جديداً للواقع، وإنما تحقيق هذا الانعكاس الصادق للواقع المادي فحسب .
ويقودنا هذا إلى مفهوم « الانعكاس » الذي تحدده الواقعية الآلية مرة بالمفردة ذاتها، ومرة أخرى باقترانه بتحديدات تقليدية كـ« التصوير » و« النقل »، كما أنَّ مصطلح « الانعكاس » يوحي بأبعاد مرآوية تتوازى ومفهوم المحاكاة، غير أنَّ إدراك مفهوم الانعكاس لا يتم دون إدراك الأساس الفلسفي للواقعية الآلية الذي يقوم على أساس تغليب الموضوع على الذات، والذي حدد أنَّ المعرفة كائنة في الواقع الاجتماعي، مع محاولة الحد من دور الذات وتعطيل دور المخيلة.
إنَّ الانعكاس له دلالته الواضحة في تحديد البعد المرآوي الذي يقتضي وجود شيء مادي مدرك وأداة مادية تعكسه، غير أنَّ هذه الأداة لها القدرة الشفافة على عكس الصور، وما دامت الأداة مادية فليس بإمكانها أن تعكس إلا الجوانب الحسية من الواقع المادي، والجوانب المرئية منها فحسب، ولذلك فإنها « مرآة » مسطحة ليست قادرة على تلوين الصور أو تغييرها، أو حتى تشويهها، وذلك لاعتقاد الناقد أنًّ المعرفة كائنة في الواقع، وأنَّ تغيير الواقع يعني بالضرورة تلوين المعرفة التي يريد توصيلها للمتلقي، إنَّ الناقد يحد من دور الذات في تشكيل الواقع، وبذلك يختفي الأديب وراء « المرآة »، ويمسك قبضتها ليحركها في الجوانب المتخيرة التي يريد تصويرها.
وفي ضوء هذا فإنَّ « المرآة » تصور القشرة الخارجية المادية المرئية للواقع، وغير قادرة على التغلغل في أعماقه، وبذلك يفتقر القاص إلى القدرة على البحث عن الدوافع الخفية التي تحرك هذه القشرة اللهم إلا في جانبها الآلي، كما أنَّ النص الأدبي للقصة القصيرة، يفتقر هو الآخر إلى العمق في تحليل الواقع وفي وعي دوافع حركة الإنسان فيه.
ويشابه « الانعكاس » « المرآة » التقليدية من حيث كونهما أداتين تعالجان الواقع المادي، وضرورة تصويره من خلال تخير جوانب معينة منه، وتكون معالجتهما للجوانب المرئية من التجربة الحسية دون تجاوزها إلى أعماق الواقع وإدراك الدوافع المؤثرة فيه والمساهمة في تغييره، ولكن الجذور الفكرية تتغاير ـ في الحقيقة ـ وتتغاير في ضوئها الكيفيات التي يتم بها تأمل الواقع، على الرغم من كون الأداة واحدة مهما تغيرت المسميات، فالناقد التقليدي لا يعنى بالواقع الاجتماعي كما هو عليه عبر المرآة التقليدية إلا بقدر من التجاوز، ولكنه يبحث في الواقع الاجتماعي عما يتلاءم وتفكيره، وتكون المرآة التقليدية أداته في تصوير الواقع الذي يتلاءم والتفكير المثالي، ويعمد ـ والحالة هذه ـ إلى تصوير الواقع في ضوء رؤيته، أما الناقد الواقعي الآلي فإنه يعنى بالواقع على أنه الحقيقة المعرفية الخاضعة للتطور والتغيير، بعيداً عن القبلْيات الفكرية، ويكون الانعكاس والحالة هذه تصويراً آلياً دقيقاً للواقع، وليس بحثاً في الواقع عما يتلاءم والفكر.
إنَّ الانعكاس الآلي في تصور الواقعية الآلية يتم عفوياً لا تكلف فيه ولا إجهاد، لأنّ الحس البصري هو الذي يوجه التجربة ويعرض مشكلاتها، وتتأتى عفوية المعالجة لافتقارها إلى المعاناة، وعدم تدخل الذات بفعاليتها في تشكيل الواقع، ولذلك يكون تحديد الواقع فضفاضاً لاشتماله الحياة، وتكون وظيفة القاص وصف الحوادث الواقعية فيها مهما كانت، ويتسم نشاط القاص بالآلية في إطاري « ربط » الحوادث وتوصيلها إلى المتلقي عبر الكلمة .
إنَّ القاص ـ والحالة هذه ـ حتى إذا كان يدرك التناقضات الكائنة في البنية الاجتماعية، ويعي جذورها ودوافعها الأساسية فإنَّ نقل هذه التناقضات سيقودنا حتماً إلى الانعكاس الآلي ، لأنّ الواقع ينطوي بطبيعته على نظامه الخاص الذي يتسم بالعشوائية، ولذلك فإنَّ القاص الذي يعمد إلى تصوير هذه العشوائية يقود إلى مماثلة الواقع ومشابهته تماماً، بحيث تتحول العلاقة إلى مجاورة الواقع، لا التفاعل معه للتأثير فيه.
و يتأمل القاص الواقع وأحداثه عبر آلية الإدراك الحسي المباشر، وعبر الوصف في تجميع الحوادث وربطها، ويأتي إتقان النص الأدبي للقصة القصيرة من خلال معالجة لغوية لا تسعى لغير المعالجة المباشرة للحادثة وعرض أبعادها الحسية، وتكون القصة القصيرة في ضوء هذا صورة للواقع الاجتماعي، ويكمن دور القاص في تدوير المرآة وتحريكها في جوانب متخيرة من الواقع، وتكون وظيفة الانعكاس تقديم التجربة المألوفة التي تقدم ـ من ثم ـ بعداً سلبياً في المعرفة، بحيث يؤدي كل بعد فيه دوره الفاعل في تشابك بنائه ودلالاته.
وتنطوي القصة القصيرة على تصوير الواقع اليومي المعتاد، وما دام الأدباء يتأملون واقعاً محدداً، فإنه من الطبيعي أنْ تتشابه النتاجات القصصية في الأقل على صعيد تصوير الحوادث المتكررة في الحياة، أما الفرق في « الروابط » التي تحدث عنها أنيس زكي فإنها لا تترك آثاراً واضحة بحيث تشكل أعمالاً أدبية متغايرة.
وإذا كان الوعي المباشر للواقع يحدد الوظيفة المعرفية للواقعية الآلية فإنَّ آثار هذا الوعي تنعكس على كيفية تحليل الواقع، وتكون وظيفة الانعكاس اكتشاف الواقع المادي وتسليط الأضواء عليه، ولذلك فإنَّ تصوير الواقع لا يحقق غير تكراره، ويفتقر ـ من ثم ـ إلى تقديم كشف معرفي يثري تفكير المتلقي، ويمكنه من تغيير ذاته، وتغيير عالمه أيضاً، إنَّ الانعكاس الأدبي صورة من صور الانعكاس المعرفي، وليس تجاوراً له، ويمتاز من حيث البدء بسلبيته في رؤية الواقع القائمة على أساس مرآوي، ويعتمد فيها الناقد على نقل الحقائق المادية من الحياة دون محاولة للإضافة لها أو الحذف منها، إنها معالجة آلية للواقع وليس خلقاً جديداً له.
إنَّ الواقعية الآلية تسعى إلى جعل الانعكاس عملاً موضوعياً يقوم على أساس علمي، سعياً إلى تقنين كل ظاهرة في إطار العلم، وما دام القاص يعنى بالواقع الاجتماعي فإنَّ الانعكاس هو أداته، ويقتضي هذا ـ في ضوء هذا التصور ـ أن يكون الانعكاس قائماً على أساس آلي موضوعي معاً، وينطوي على النسخ الخارجي للواقع، كما يبرز فيه إحكام عقلي يقود الظاهرة لتحقيق أبعادها العلمية المنشودة ، وتعمد الواقعية الآلية من أجل تحقيق هذا كله إلى معاينة الواقع، ورصد ظواهره وأحداثه، ونقله إلى العمل الأدبي، كما حدثت في الواقع دون محاولة للتدخل الذاتي في تحويله إلى واقع جديد، فالواقعية الآلية عاجزة إذن عن تغيير الواقع حتى على صعيد العمل الفني للقصة القصيرة، كما أنها عاجزة أساساً عن تغييره فعلاً، لأنها تؤمن بتطوره الحتمي، وليس بمقدور الإنسان الفرد تحقيق التغيير، ولذلك تساوقت نظرة الناقد على صعيد الرؤية، ومن ثم من جهة الانعكاسين المعرفي والفني.
ويشترط ناظم توفيق « الصدق » في الانعكاس لتمثيل المراحل المتغايرة في الواقع،، ولذلك فالقصة تصور الجانب السوداوي من الحياة في العهد الملكي، وهذا من شأنه أن يقدم صورة حية وواقعية عنه ،ويبدع القاص نتاجه في ضوء مستويين : مستوى الفكرة التي تحدد له « قتامة » الحياة في المرحلة الملكية، ومستوى كيفية الإبداع التي يحددها بــ « عمق التصوير »، وتتأكد ـ هنا ـ مسئولية القاص بتصوير الواقع الاجتماعي، كما أنَّ الصدق ينحصر في دقة التصوير ليس غير.
ولا تنطوي « التجربة » في الانعكاس الآلي على أبعاد ذاتية واضحة التأثير، لأنها تعني الارتماء في الواقع الاجتماعي وفي جانب محدد منه ومحاولة الانحياز له، إنها تعني «وصف التجربة بنجاح » ، وما دامت التجربة تتحدد في ضوء الارتماء في الواقع فإنَّ الإدراك الحسي هو الطرف الفاعل الذي يسهم في تشكيلها عبر رصد الظاهرة الاجتماعية ووصفها، وليس في البحث عن جذورها والدوافع التي أدت إلى ظهورها.

( 2 )

ويمثل الواقع عند الواقعية المتجاوزة المادة الخام التي يتأثر بها ويؤثر فيها، وينطوي الواقع على صراع وتناقضات داخلية، وأن الأديب يعبر عن طبيعة هذا الصراع في الواقع، فهو انعكاس له ، أو هو بحسب تعبير فيصل القاضي « الأساس القاعدي للفكر وكافة إبداعات الإنسان » ، ولا يعني الواقع الحياة بكل أبعادها ومكوناتها، وإنما يدل على إطار اجتماعي ينحصر غالبا في الطبقات الفقيرة، وكيفية كفاحها، وإحساسها بالظلمين الاقتصادي والاجتماعي، ويعكس الأديب في عمله الأدبي هذا الواقع الذي يعيش فيه، وليس وصفا لواقع آخر، سواء أكان وصفاً تاريخياً لأحداث تاريخية قديمة، أم وصفاً لواقع اجتماعي يغاير واقعه كالواقع الأوربي، ولذلك يرفض باسم عبد الحميد حمودي أن تكون القصة تصويراً لما كان ، لأنَّ القاص ـ في هذه الحالة ـ يشبه المؤرخ الذي ينقب في المصادر التاريخية ليصف أحداث واقع قديم.
ولا يستقل الانعكاس الفني للواقع ـ المادة الخام ـ عن تجربة الأديب الخاصة، لأنَّ مجرد نقل الواقع يعني وعيا سطحيا للصراع الداخلي فيه، ولذلك تسهم التجربة في تمكين القاص من الانفعال بالواقع، ومن ثم التعبير عنه فنياً.ولا يعني هذا أنَّ التجربة والصدق في التعبير يعودان إلى أبعاد رومانسية، لأنَّ الناقد يعد هذا جزءاً من « تصوير غير الممكن » ، لأنَّ التجربة تخضع في أحد جوانبها للرؤية، ولذلك تخفي التجربة وراءها موقفاً خاصاً « بالنسبة للحياة ومشاكلها، وبالنسبة للإنسان وأزماته » ، وإذا كان الانعكاس الآلي يعني تصويرا فوتوغرافيا للواقع، فإنَّ الانعكاس الفني يتجاوز ذلك، لأنَّ الفنان يضفي على العمل الأدبي « لمسات من فنه وطابعه وروحه » ، بمعنى أنَّ الانعكاس الفني يعتمد التجربة التي هي مزيج من التفاعل المثمر بين الرؤية والذات من ناحية، والواقع من ناحية أخرى، وينبغي أن ندرك أن الذات ليست كياناً مستقلاً عن الرؤية والواقع، لأنَّ الذات ومعاناتها قد تشكلتا في إطار الرؤية، ولذلك فإنَّ الذاتية والمعاناة لا يمكن فصلها عن الموقف الأيديولوجي.، وما دام التأثير متبادلاً بين الواقع والذات فإنَّ النص الأدبي للقصة القصيرة ليس صورة للواقع ـ كما هو الحال في الانعكاس الآلي ـ وإنما هو انعكاس فني لمزيج من التأثر والتأثير بين الواقع والذات .
ويؤكد الناقد أهمية « التجربة الانفعالية » لأنه يرى أنَّ القصة « أقرب الفنون إلى الحياة لأنها تعيش التجربة منفعلة بها بشكل يجعل تسجيلها تسجيل قطاع اجتزأ من الواقع» ، إن الحد من التحويل الذاتي في إبداع العمل الأدبي يجعل الانعكاس آليا، ويجعل الفنان « مجرد مصور ينقل ما يحدث في الواقع بصورة حوادث جامدة » ، بمعنى أنَّ النص الأدبي يفتقر إلى الخصائص الفنية، لأنه لا يعدو أن يكون وصفا تاريخيا لواقع اجتماعي، ويصبح الأديب ناقلاً للخبر وليس مبدعاً لنص أدبي ، وفي ضوء هذا تكون القصة القصيرة صورة فوتوغرافية للواقع، ويدل هذا على إغراق في الواقعية ـ كما يرى ذلك عبدالرحمن الدايني ـ وتمثل في الوقت نفسه نوعا من التطرف الفكري.
وإذا كان الانعكاس الآلي يحد من التحويل الذاتي، ويحافظ على ثبات الواقع، فإنَّ الانعكاس الفني يصبح « فعالاً لمشاكل الواقع » ، ويهدف إلى تغييره، لأنَّ « قيمة القصة الكبرى كفن أن تؤثر في الواقع فتغيره أو على الأقل تعمل على تغييره » .
إنَّ الانعكاس الآلي يسير على وفق خط رتيب يكون فيه الواقع طرفاً فاعلاً والذات متلقياً سلبياً، غير أنَّ الانعكاس الفني يتجاوز هذا الوعي إلى تردد حركة الخط عمقاً واندفاعاً وتأثراً بين « نفس الأديب وبين مشاكل الواقع » ، ويدرك صلاح خالص أنَّ الحقائق الموضوعية موجودة في الواقع، غير أنَّ توظيفها فنياً لا يتم بتصويرها آلياً وإنما في التعبير عنها بشكل ذاتي، أي أنَّ الفنان يعبر عن الحقائق الموضوعية، لا كما هي موجودة في الحياة، وإنما كما يشعر بها ويحس، ولذا فالعمل الفني هو نتاج للتفاعل بين نفس الأديب ومؤثرات الحياة ، ولا يعني هذا أننا إزاء ذات رومانسية، لأنَّ الذات عند صلاح خالص «نتاج معقد لمجموعة من المؤثرات مصدرها المحيط الخارجي » .
إن العلاقة بين الذات والموضوع ما زالت قائمة على أساس تبادلية التأثير ، ولم يستطيع أن يحدد العلاقة الجدلية بينهما، لأنَّ نظرته ما تزال تميل إلى التعميم في وعيه الواقع، دون إدراك ما يضطرب فيه من تناقضات، وتتضح الوحدة بين الذات والموضوع عبر حركة خط يندفع في تعرجاته واندفاعاته بين نفس الفنان والواقع ، وبذلك ينطوي الواقع أساساً، على نوع من الحركة، وينطوي أيضاً على تناقضات في ذاته، وإنَّ حركة تبادل التأثير تترك آثارها في وعي الواقع وتشكيله، كما أنَّ الواقع هو الآخر يترك آثاره في تشكيل وعي الذات وكيفية معالجتها إياه، هذه الحركة المترددة بين الذات والموضوع تحدد بشكل أو بآخر جانباً مهماً من الوحدة الجدلية بينهما.
وتتحدد وظيفة الانعكاس في وعي تناقضات الواقع والتغلغل في ثناياه والبحث عن الدوافع الخفية الفاعلة فيه، أو « فعل النفاذ إلى الواقع بصورة مبدعة » ، وتتحقق هذه الوظيفة قوة وضعفاً في ضوء الوحدة الجدلية بين الذات والموضوع أو ما أطلق عليه أحمد عبد الكريم بـ « دائـرة التأثيرات المتعاكسة بين العالم الخارجي وعالم الأحاسيس والشعور» ، وكلما أعطيت هذه الوحدة أهميتها، واتسعت تأثيراتها، تماسك العمل الأدبي فنياً، وازداد قرباً من الواقع، وينطوي من ثم على كشف ووعي ومعرفة، حيث يعمق النص القصصي فهمنا بالحياة .


(3)


إن القصة القصيرة لا تنقل الواقع كما هو عليه، لأنها أساساً عمل منظم يتجاوز عشوائية الواقع، كما أنها لا تشابه الواقع أو تماثله، لأنَّ القاص يهدف إلى تجاوزه، كما أنَّ التحويل الذاتي يسهم هو الآخر في تجاوز النقل الآلي له، وهذا يعني إسهام كل من الذات وموضوعها في عملية الإبداع، ومن ثم فإنَّ التجربة ليست ذاتية، وليست موضوعية، وإنما هي ذاتية وموضوعية معا.
وتسهم الوحدة الجدلية بين الذات والموضوع في تزويد القصة القصيرة بأبعاد معرفية تتغاير مع أنماط المعرفة الأخرى، كالتاريخ والفلسفة، كما تتغاير طبيعة العمل الأدبي مع الواقع، لأنَّ القاص « يفكك الواقع، ويختار منه، ثم يعيد تأليفه من جديد بروح جديدة تعكس إيمانه ومقدرته على تحسس الواقع ووعيه، وبذلك يخلق عوالمه ويكون أهلا لأن يدعى قاصاً» ، وهذا يعني أنَّ الأديب في الانعكاس الفني يتجادل مع الواقع « مع إعادة خلق ذاتي له، وهناك يقوم الموقف الشخصي وأحاسيس الكاتب بإظهار وفرز كل الاختلافات » ، ويقود الانعكاس الفني إلى خلق فني تتوازى فيه القصة القصيرة مع الواقع، وتتوازى مع أنماط المعرفة الأخرى، كالفلسفة والتاريخ والعلوم، غير أنَّ القصة القصيرة تتميز بعالمها الخاص المنظم، وتتضمن معرفتها الخاصة بها،وهي تختلف دون شك عن أنماط المعرفة الأخرى.
وعلى الرغم من أنَّ القصة القصيرة تستقي مادتها من الواقع فإنها تعيد تخليقه من جديد، وتتجاوزه بمعرفتها الخاصة، وتوهم المتلقي بمماثلته عبر احتمالية وقوع أحداثه، وبهذا يتمكن القاص من سرد قصة « لم تجر في الواقع ولكن حذاقة الكاتب تستطيع أن تقنع القارئ بأنَّ هذا الحادث قد جرى بالواقع » ، وفي ضوء هذا فإنَّ الواقع الفني للقصة القصيرة « عالم خيالي متصور وهمي، والوهم في العمل الأدبي سيكون ذا علاقة معقدة لذلك القطاع من الواقع الذي يعكسه... « وإنَّ » خلق مجال للاحتمال هو.... جزء «من» الانعكاس الفني » .
وتسهم احتمالية وقوع الحوادث باقتناع المتلقي بواقعية القصة، اما إذا اعتمدت القصة على الصدفة فإنَّ المتلقي « لا يستسيغها ولا يمكن إقناعه بأنها واقعية » ، ويتأتى هذا في تصور الناقد من ضعف القاص، أو « عدم قدرته على خلق الجو الملائم مما جعلها قصة غير واقعية » .
وتؤثر القصة في المتلقي عبر اقتناعه باحتمالية وقوع الحوادث، ويشعر بأنها «منتزعة من الحياة، ولأنّ القارئ يجد فيها نفسه وظروفه ومجتمعه » ، وبهذا يكون عالم القصة عالم المتلقي الخاص، ما دام يعبر عن مشكلاته الخاصة، فهو أقرب إلى ذاته وواقعه، ومن شأن هذا أن يدفع إلى تأمل الواقع الاجتماعي والإسهام في تغييره.
إن المتلقي في أثناء قراءته للقصة القصيرة يسهم في تشكيل واقعها الفني بتحويل ذاتي آخر، يشبه إلى حد ما حالة الإبداع التي قام بها القاص، ويحدث تفاعل جدلي بين المتلقي وعالم القصة الفني من ناحية، وبين المتلقي والواقع الاجتماعي من ناحية ثانية، إنَّ هذا التواصل بين المتلقي والقصة يختلف عن التواصل الفكري الذي تهدف إليه أنماط المعرفة الأخرى، لأنَّ الواقع الفني للقصة القصيرة يصبح واقع المتلقي الشخصي، ويصبح عالمها عالمه الخاص،بحيث تغدو الشخصيات القصصية جزءا من وعي المتلقي وإدراكه، وفي ضوء هذا تسهم القصة في تغيير رؤية المتلقي، وتغير من ثم علاقاته بواقعه، ولذلك فإنَّ تجليات الواقع الفني تحول المتلقي إلى طرف فاعل في كيفية تفاعله مع واقعه الاجتماعي.
وتتجاوز الواقعية المتجاوزة نمطين سلبيين من أنماط العلاقة بالواقع، نمط « تصوير ما هو كائن » ، ونمط تصوير « ما هو غير ممكن » ، وتلمح بالنمط الأول إلى التصوير الفوتوغرافي للواقع، الذي يعنى بنقل الحوادث ونسخها، والحد من التحويل الذاتي في الإبداع، وتشير في النمط الثاني إلى النأي عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه القاص، وتصوير المتخيل والفردي، وهي إشارة إلى الأدب الرومانسي، وتتبنى الواقعية المتجاوزة «ما يجب أن يكون بالاستناد إلى ما هو كائن » ، وبهذا يدرك الناقد أنَّ الواقع وجود موضوعي مستقل عن وعي الإنسان، ويدرك أيضا أنَّ المعرفة ليست كائنة في الواقع، بحيث يتحول العمل الأدبي إلى مجرد انعكاس آلي له، وإنما تتولد المعرفة من تفاعل الذات مع واقعها، ويعي القاص القوانين المتحكمة فيه، وطبيعة الصراع الحاصل في أنساقه، ثم يعمد إلى تشكيله من جديد، أي أنَّ جدلا بين الذات المدركة والواقع المدرك يشكل واقعا فنيا جديدا، هو « ما يجب أن يكون »، وليست العلاقة بين « ما يجب أن يكون » منفصلة «عن ما هو كائن » وإنما يعتمد القاص على ـ ما هو كائن ـ، ولكنه يضيف إليه، ويحذف منه، ويغير فيه، إنه باختصار يعيد خلقه من جديد، إنَّ الواقع الجديد الذي يشكله القاص لا تنقطع جذوره عن الواقع الأول، غير أنَّ الواقع الجديد يمتاز بتنظيمه، إننا إزاء عالم جديد هو « أكثر اكتمالاً من الواقع الاعتيادي » ، وأكثر تأثيراً منه في المتلقي.
وعلى الرغم من أنَّ الواقع الاجتماعي ـ ما هو كائن ـ يشتمل على جوانب قاتمة معتمة، فإنَّ القاص لا يصور ـ فقط ـ هذا الجانب السوداوي والمنهار من العالم، وإنما « يصور ما هو قاتم مظلم وما هو منير مشرق » ، وبهذا ينبئ عن نظرة مستقبلية متفائلة، ومن ثم تكون الواقعية المتجاوزة، بحسب تصور الناقد « فعالة ومنفعلة في آن واحد » .






الفصل الثالث
البناء والأداة

( 1 )


تتميز الشخصية التقليدية بانها شخصية سطحية، وتؤدي وظائف أخلاقية معينة، وتعبر عن أحد عنصري الخير أو الشر، فهي مجرد فكرة، ولا تعبر عن واقع اجتماعي معين، وتماثلها الشخصية الرومانسية بتعبيرها عن عالم المبدع الداخلي، فهي صورة مثالية لشخصية حالمة أو شاذة ؛ أما الواقعية الاشتراكية فإنها تدرك الإنسان في إطار واقعه الاجتماعي، ومن ثم فهي تعنى بشخصية الإنسان العادي، أو على حد تعبير الناقد، تعنى بـ ( الإنسان الموجود في المدى الحضاري » ، وهذا يعني أنَّ الناقد يتبنى شخصية الإنسان العادي الذي يماثلنا تماماً، وأنَّ الشخصيات القصصية لابد أن تعيش واقعاً يماثل واقعنا وأن تتنفس هذه الشخصيات « الهواء الذي نتنفسه » .
ولم يقتصر الناقد على ذلك بل يرى أن تعبر الشخصية عن أبعاد فكرية وطبقية محددة، ومن ثم لا تعيش الشخصية حياتها، أو تعبر عن عالمها الداخلي بعيداً عن واقعها الاجتماعي المحدد، فليس غريبا، والحالة هذه، أن يلح الناقد على ضرورة تعبير الشخصية عن « الإنسان الحديث بجذوره الفكرية والطبقية » ، ولا يعني هذا أنَّ الشخصية تصوير فوتوغرافي للواقع، وإنما هي « انعكاس لواقع اجتماعي معين » .
ويمايز الناقد بين نمطين للشخصية، أحدهما النمط السلبي، والآخر النمط الإيجابي، ويعبر النمط السلبي عن الطبقة البرجوازية، إذ تبدو فيه الشخصية فردية قلقة لا تتجاوز في رؤيتها وسلوكها المصالح الذاتية الخاصة، فهي، والحالة هذه، شخصية سلبية قلقة ـ كما يرى الناقد ـ وأنَّ خصائصها هذه انعكاس لواقع الطبقة البرجوازية، بوضعها الطبقي، وقلقها المعاش، واقتصادها المضطرب ، بمعنى أنها لم تستقر على وضع اقتصادي ثابت ، ولا ينفي الناقد حيوية هذه الشخصية على الرغم من سلبيتها إزاء الواقع، فهي شخصية : تكد، وتحيى، وتموت، وتدفعها حوافز الواقع وعقده واضطراب المشاكل الحاصلة فيه، وتتميز بيأسها وقلقها وحيرتها، ولذلك فهي تعبير حقيقي عن الطبقة البرجوازية.
أما النموذج الإيجابي الذي تتبناه الواقعية الاشتراكية فهو يتجاوز أساسا الشخصية المثالية الحالمة بالأفكار الميتافيزيقية والمعطيات الأخلاقية، وتتحدد بالإنسان العادي الذي يعبر عن قوة الإنسان وضعفه وتناقضاته، ولكنه يتميز بتفاعله مع واقعه، ومحاولته السيطرة عليه، بمعنى أنه يدرك الواقع ويسهم في تغييره، ولذا فإنه يزود المتلقي بالوعي والمعرفة من ناحية، ويمتعه ويثير إعجابه من ناحية ثانية.
ويتحدد النمط الإيجابي عند باسم عبد الحميد حمودي في إطار الطبقة العاملة في الغالب، وبذلك يعنى الناقد بالحس الطبقي للشخصية ، ويصنف محمد خضير الشخصية العمالية إلى نمطين : الشخصية العمالية الواقعية الانتقادية، والشخصية العمالية الواقعية الفعالة المتفتحة، ويرى أن كلتا الشخصيتين إيجابيتان، إلا أنَّ الفرق بينهما في الالتزام والقدرة على معالجة مشاكل الطبقة العاملة وأمانيها .
إن الشخصية العمالية الانتقادية تنفعل بالواقع، وينطوي عالمها الداخلي على نظرة سوداوية للعالم والإنسان، ويقودها هذا إلى اليأس في تغيير العالم، ومن ثم يتحول ذلك إلي إحباط يترك آثاره على عالم الشخصية الداخلي المشتمل على القلق والشقاء من ناحية، ويؤثر على وحدة الشخصية وتماسكها من ناحية ثانية.ومن الغريب أن يعد الناقد هذه الشخصية إيجابية، ويبدو أنَّ ذلك يعود إلى أنها شخصية عمالية فحسب.أما الشخصية العمالية الفعالة فإنها تتتجاوز الشخصية الانتقادية، وذلك بخروجها من دائرة اليأس إلى المساهمة الفاعلة في تغيير الواقع، فالشخصية الفعالة تستمد رؤيتها وممارستها من واقعها اليومي، أي الكفاح الطبقي على صعيد الإنتاج، وتوظيف ذلك عبر ممارسة سياسية، كما أنها تمتاز بوعيها الصراع الحاصل في الواقع، وهو صراع طبقي.
وعلى الرغم من أنَّ النمط الإيجابي انعكاس لواقع اجتماعي متخلف فإنه ليس صورة فوتوغرافية له، بمعنى أنَّ الشخصية تعي الواقع وتتجاوزه، وتكون الشخصية أكثر ثراء وغنى من الواقع، وتسهم في تشكيل وعي المتلقي، وتمكنه من فهم العالم والإنسان، إنَّ النمط الإيجابي يعيش معنا في عالمنا الخاص، ويحفر في أعماقنا، ويؤثر فينا.

( 2 )

إن النقل الفوتوغرافي من الواقع يجعل القصة القصيرة « هيكلاً عظمياً لحوادث وشخصيات وأفكار بسيطة » ، وتصبح فيه الشخصيات نسخاً مكررة سواء في ملامحها الخارجية أو عالمها النفسي، وتتميز الشخصية الواقعية بحريتها واستقلالها عن مبدعها، أو على حد تعبير أحمد عبد الكريم إنَّ الشخصية « تعيش حياة مستقلة خارجة عن دائرة إرادة خالقها » ، إنَّ حرية الشخصية لا تعني تعبيرها عن واقع اجتماعي آخر، بل على العكس،إنَّ حريتها تتحدد في واقعها الاجتماعي المحدد، أو بحسب تعبير الناقد أنَّ «للشخصيات حرية ضمن الجو المحيط بها » .
إنَّ « خلق » الشخصية وامتلاكها حريتها وحياتها يقود إلى تماسكها وتكاملها، بمعنى « أنَّ القاص يجب أن يخلقها ناضجة مكتملة » ، وهذا يدل على أنَّ للشخصية بعدين جوهريين : فرديتها واجتماعيتها، وتنطوي فرديتها على تأكيد ملامحها الخارجية وعالمها الداخلي، وتنطوي اجتماعيتها على موقفها الطبقي، وكونها شخصية تعيش صراعاً في واقع اجتماعي محدد، ومن شأن هذا أنْ يهب الشخصية أبعادها الفكرية ويحدد أبعادها المحلية أيضاً ، لأنّ « الأدب لا يعرض لنا الإنسان بشكل مجرد، ولكن يعرضه لنا في ثوب حي كشخص موجود في الواقع.. بنفسيته بشهواته بنجاحه في الحياة أو فشله بأتراحه وأفراحه » .
وفي ضوء هذا تستقل الشخصية القصصية تماما عن مبدعها، وتعبر عن تجربتها الخاصة في واقعها، ومن ثم تحدد رؤيتها ومصيرها، وحين يعمد القاص إلى تحميل الشخصية تجربته الخاصة فإنَّ شخصياته ستكون ضامرة ومفككة في إيحائها ودلالاتها، كما أنها لا تترك آثارها الفاعلة في المتلقي، وإذا تمكن القاص من النجاح في تقديم شخصيته في قصة قصيرة فإنه ليس من الممكن أنْ يزود المتلقي بنصوص أدبية أخرى إلا بوجه واحد وصور متكررة لتجربة واحدة، و حين يعمد القاص إلى مزج تجاربه بتجارب شخصياته يعني هذا تشويه عالم الشخصية ذاتها، ولا يعني هذا تعطيل تجربة القاص، ولكن لا يمكن أن تكون هذه التجربة هي المنبع الوحيد للشخصيات وعالمها الداخلي .
إنَّ الشخصيات الواقعية تتميز بأنها شخصيات حية تعبر عن رؤاها وتعيش صراعها في الواقع، وتؤدي معرفياً إلى تزويد المتلقي بالوعي، وتقود فنياً إلى تماسك العمل الفني، غير أنَّ القاص حين يطبع شخصياته بطابعه الخاص يحولها كما يرى عامر رشيد إلى « تماثيل جامدة ينسب إليها المؤلف أفكاره.. ويحاول جاهداً أن يبث فيها الحياة والحركة فلا يمنى إلا بالفشل » .
ولا تنفصل الحادثة عن الشخصية، ففي الوقت الذي يختار فيه « القاص موضوعه وأشخاصه، يختار الحوادث الملائمة لها » ، وليست الحادثة نقلا فوتوغرافيا لحوادث الواقع، وإنما هي جزء من بناء القصة الفني، كما أنَّ الإسهاب في تصوير الحدث ـ لدى باسم عبد الحميد حمودي ـ يخرج القصة عن أبعادها الفنية،إذ يرى ضرورة تكثيف الحدث وتحديده في زمان ومكان معينين،لأن إغراق الحدث بتفاصيل كثيرة يقيد حركة الشخصية ويمنعها من التعبير عن عالمها الداخلي، ولا يفصل الناقد ـ في الحقيقة ـ بين الشخصية والحدث، لأنَّ الحدث هو الشخصية في أثناء تحركها وأداء فعلها، وإنَّ فصلهما عن بعض يعني فقدان الشخصية حياتها وحريتها، وتصل العناية بالحدث لدرجة ـ لدى فؤاد التكرلي ـ في أن يعتبرها « الهيكل العظمي للأقصوصة، وما لم تبدأ وقائع الحادثة بشكل سليم وتسير حسب منطق البداية حتى تنتهي النهاية المقنعة، فلن تكون حادثة قصصية » .

( 3 )


ويمثل الحوار أحد أركان النسيج اللغوي، وهو « جزء لا يتجزأ من الشخصية » ويوظفه القاص من أجل استكمال ملامح الشخصية ليجعلها أكثر تجسيداً وحضوراً، ويسهم في دفع حركة الحدث وتماسكه، ولما كانت الشخصية واقعية فإنَّ حوارها ينبغي أنْ يكون معبراً عنها، فهل تعبر الشخصية عن دوافعها وانفعالاتها ومخاوفها وتناقضاتها باللهجة المحلية التي تؤديها في الواقع الاجتماعي، أم تتحاور بلغة أخرى ؟.وأفرزت هذه القضية دعوة إلى حوار عامي،أو ما أطلق عليه الواقعية اللفظية.
وينبه دعاة « الواقعية اللفظية » إلى الفوارق بين لغة الحوار الفصيح في القصة ولغة الشخصية في الواقع، مما يؤثر في تشكيل الشخصية، بحيث يؤدي إلى تنافرها بين الفن والواقع، إذ ليس من الممكن تصوير الشخصية الواقعية مع إغفال لغتها التي تتكلم بها، ومن أجل تجاوز هذا المشكل يلجأ عبد اللّه الخطيب إلى ضرورة « تناسب» أو « تطابق» الحوار مع مستوى الشخصية الفكري والطبقي والسيكولوجي، لأنَّ الفصحى ـ في تصوره ـ عاجزة عن أداء هذا الدور .
وحين يحافظ القاص على لغة الشخصية التي تتكلم فيها في الواقع فإنه يضفي عليها سمات الحياة، فتغدو أكثر تجسيداً وحضوراً أمام المتلقي، لأنَّ المتلقي يتأمل حياتها وحريتها، ويسمع صوتها بلغتها، ولا تتحقق حياة الشخصية وحريتها ـ في تصورهم ـ إلا عبر الحوار العامي الذي يمكن من عرض شخصية كاملة تكشف عن أيديولوجيتها، كما أنَّ إجبار الشخصية على التحاور بالفصحى يقود إلى « تشويهها » ، وذلك بسبب تحاورها بغير لغتها، يضاف لهذا أنها لا يمكنها التعبير عن عالمها الداخلي إلا بالحوار العامي، لأنه في تصور عبد اللّه الخطيب مرآة صافية لأيديولوجية الشخصية ولسيكولوجيتها .
ويخلص من هذا كله إلى أنَّ الحوار العامي هو « اللغة الوحيدة التي تكشف عن أحاسيس وأفكار هؤلاء الناس بصورة واضحة وجلية لأنها لغتهم وهي المرآة الصافية لسيكولوجيتهم » ، وفي ضوء هذا يترك الحوار العامي آثاره في « حياة » الشخصية و«حريتها » من ناحية، ويترك آثاره في تحديد « خصوصية » الشخصية من حيث مستواها الفكري والأيديولوجي والطبقي من ناحية أخرى، ويسهم الحوار العامي بالإضافة إلى ذلك في تحديد الملامح المحلية للشخصية لأنه يساهم في تحديد الواقع الذي تعيش فيه الشخصية، أو ما أطلق عليه عبد الملك نوري بـ « الجو المحيط بها » .
وتتميز العامية عند عبد اللّه الخطيب بأنها « تلقائية، تلد فجأة، وتتفجر فجأة، ناثرة أدق الأحاسيس والمشاعر العميقة، إنها لغة آنية لا تخضع للفلسفة ولا للتدابير العقلية والنقلية، إنها لغة الأحاسيس والمشاعر الصادقة عند السواد من الشعب، إنها روح الشعب» ، وتلقائية الحوار تعني صدوره الطبيعي بعيداً عن الفصحى الذي تخضع فيه الأخيرة للفلسفة، كما أنَّ الفصحى لغة المنطق والسلبية والتفكير الهادي ، أو أنها كما يرى عبد الملك نوري « لغة قريش الفخمة » .
وتمتاز العامية عن الفصحى في أنَّ الأخيرة تقتضي التكثيف كشرط من شروط إبداع القصة القصيرة، في حين أنَّ العامية « مكثفة تكثيفاً رائعاً، إنها لغة سريعة بعكس اللغة الفصحى » ، وبالإضافة إلى تلقائية العامية وتكثيفها يرى عبد الملك نوري في العامية أثرها الإيقاعي في الذات بشكل يتجاوز الفصحى فيما لو عمد الأديب إلى تحويل الحوار العامي إلى الفصحى ، كما تمتاز العامية ببساطة أدائها وسهولة إدراكها ؛ ويؤدي الحوار العامي وظيفة « توصيلية » تيسر إيصال النص إلى المتلقي ، وإذا كان الحوار يحقق وظيفة توصيلية، تمكن المتلقي من الإدراك والوعي فإنَّ الحوار العامي ـ في تصور فائق بطي ـ يحقق هذه الوظيفة بدقة أكثر لبساطة لغته وسهولتها ؛ وفي ضوء هذا تحقق اللغة العامية وظيفة فنية لإضفاء سمات واقعية على الشخصية والحدث، وعلى القصة القصيرة أيضاً، كما أنها تمكن المتلقي من إدراك القصة القصيرة عبر « التوصيل » الذي يمكنه من التأثير في المتلقي .
إنَّ الحوار العامي يؤدي إلى تناسب الحوار وتطابقه مع مستوى الشخصية الفكري والطبقي في حين يعجز الحوار الفصيح عن أداء هذا كله، فضلاً عن انعكاساته على المتلقي الذي يشعره أنَّ الشخصية غير واقعية، ويجعله من ناحية أخرى يعني باللغة كغاية مقصودة لذاتها، وليست وسيلة فيهتم بمفرداتها دون العناية بمضمونها ، ويدرك عبد اللّه الخطيب صعوبة فهم وإدراك الحوار العامي العراقي في الأقطار العربية الأخرى، غير أنَّ هذا ليس عسيراً، وبخاصة أنَّ لهجات عربية أخرى كالمصرية والسورية أمكن فهمهما الأقطار العربية ، ولذلك فإنَّ الحاجز الذي يفصل بين اللهجات العربية ليس صعباً وبالإمكان تجاوزه، ويتحمس النقاد للحوار العامي لتحقيق وظيفتين أساسيتين، تتصل الأولى بواقعية الشخصية، وتتصل الثانية بالوظيفة التوصيلية
وإذا كانت الدعوة إلى الواقعية قد أخذت حيزاً من التفكير النقدي فإنَّ هناك دعوة أخرى لا تعني بالحوار سواء أكان عامياً أم فصيحاً ، وإنما تعرض القضية على أساس فني، بمقدار ما يخدم الشخصية والعمل الفني معاً، وتميز هذه الدعوة بين اللغة الفصحى بوصفها أداة للتوصيل وبين عملية خلق جديد متميزة في القصة تكون اللغة إحدى أدواتها، ولأنّ الفصحى لا يمكنها في كل الأحوال أن تقدم نصاً إبداعياً خصوصاً حين يعالجها من يفتقر إلى أدواته إذ تتحول لديه إلى تراكيب « كسيحة هزيلة شاحبة » .
ويسعى عبد الجبار عباس إلى تحويل حوار القصة العامية من العامية المبتذلة إلى «عامية فنية نابضة » ، في حين يتردد بعض النقاد في الدعوة إلى الحوار العامي أو الفصيح، ويشترط بعضهم « الحوار المتجانس » الذي ينبغي أن يلتزم مستوى لغوياً واحداً عامياً أو فصيحاً، بسبب ما يحدث الحوار الذي يمزج العامية بالفصحى من نشاز في واقعية الشخصية، وتنعكس آثاره من ثم على بناء القصة القصيرة، ويتحقق في ضوء هذا كله ما كان يدعو إليه عبد الجبار عباس في أن تكون القصة « فصيحة المفردة عامية الروح والدلالة » ، ويمثل هذا التصور نقله من واقعية الألفاظ إلى أبعاد فنية، هي ـ من ثم ـ خطوة نحو اللغة القصصية في الحوار.
ويدرك النقاد الداعون إلى الحوار باللغة القصصية « الثالثة » ، خطورة الدعوة إلى الحوار العامي، بحجة صلاحية العامية ودقتها في التعبير عن الشخصية، وبسبب الفرق بين مستوى الشخصية في الواقع وتحاورها في القصة القصيرة، وبذلك ينطوي تفكير الواقعية اللفظية على تأكيد عجز الفصحى عن أداء دورها الفاعل، وإن كان هناك من يذهب إلى أهمية « العامية في أثناء السرد » .
إنَّ الواقعية اللفظية تترك آثارها السلبية على وعي اللغة من ناحية وعلى الكيفية التي يتم فيها توظيفها من ناحية أخرى، ومن أجل معالجة هذا الخلط يعمد إلى تحديد اللغة بوصفها وسيلة وليست غاية مقصودة لذاتها، وبإمكانها تصوير الشخصية والتعبير عنها، وما تأكيدات الواقعية اللفظية على الحوار بالعامية إلا عناية بالعامية من حيث كونها غاية وليست وسيلة.
وإذا كانت الواقعية اللفظية تسعى من أجل « تناسب » الحوار ومستوى الشخصية الفكري والطبقي، وتعمد إلى حل المشكلة بالعامية، فإنَّ هذا انـزلاق على سطح المشكلة وليس توغلاً في أعماقها، لأنَّ الحوار باللغة القصصية « الثالثة » لا يغفل هذه الحقيقة، بل يؤكد أهميتها وفاعليتها، وإن بإمكان الفصحى أداء هذا الدور بحيث يناسب الحوار مستوى الشخصية الفكري والطبقي معاً عبر مفردة فصيحة تنطوي بذاتها على دلالتها العامية، وبإمكانها التعبير عن المستويات المتفاوتة للشخصيات.
ويدرك الناقد أنَّ « قطع الحوار الجيدة وحدها لا تكفي ما لم تواكب أفكار القصة حوارها، والصحيح أن يواكب شخوصها » ، وبذلك يكون الحوار في خدمة الشخصية وضرورة مواكبة مستواها الفكري والطبقي، فاللغة القصصية والحالة هذه، تحل المشكلة بالمحافظة على واقعية الشخصية وتناسب الحوار ومستواها، لا بالحوار العامي وإنما عبر لغة ليست عامية، ولكنها فصيحة في مفرداتها، عامية في روحها ودلالاتها.
وفي ضوء هذا تعاني العامية بسبب قلة مفرداتها من التعبير عن كثير من الأخيلة والمعاني « وحين تريد التعبير عن المعاني الدقيقة تلجأ إلى استعارة المفردات من الفصيحة» ، فضلا عن أنَّ « أكثر الألفاظ العامية عربية أصابها التحريف في النطق للتخفيف والتيسير » ، وتترك العامية في تصور مولود جابر الدوري آثارها السلبية في زيادة تفكك الأمة وبذلك فهي تلعب دوراً سياسياً غير مباشر، لأنَّ الدعوة إلى الحوار العامي إنما هي تشجيع لنوع من الأدب الإقليمي لا يمكنه أن يخرج عن حدود القطر العربي الواحد، وإنما يكون مجرد بضاعة للاستهلاك المحلي على حد تعبيره ، وتفقد العامية أثرها في التأثير الفاعل في المتلقي لأنها تحقق غاية مؤداها توصيل القصة القصيرة إلى المتلقي، محاولة الحفاظ على واقعية الشخصية وضرورة تناسب حوارها ومستواها الفكري والطبقي، وهي والحالة هذه لا تصلح للتعبير إلا عن المعاني الشائعة في حين يكون الحوار باللغة القصصية أكثر ثراء وتأثيراً وإيحاء.
ويدرك بعض النقاد أنَّ المفردة العربية تختلف في دلالاتها وموحياتها في إطارها السياقي بعيداً عن معناها المحدد في المعجم، ويرى الناقد أنَّ « المؤلف هو الذي يهب الحياة لتلك الألفاظ باختيارها مع مشتقاتها بحسه المرهف وشعوره، بما توحيه معانيها من ظلال واستعماله في المحل المناسب ثم أنَّ لكل لفظة درجة من الإيحاء الموسيقية التي يعبرون عنها بهارمونيكا الألفاظ » .
وإذا كانت الواقعية اللفظية تحقق عبر الحوار العامي القدرة على توصيل القصة القصيرة، فهي تقع في تناقض بين السرد الفصيح والحوار العامي، مما يؤدي إلى تغاير المستويات اللغوية في القصة القصيرة، وتستطيع اللغة القصصية في الحوار من تذويب هذا التغاير في مستوى لغوي واحد، وتحافظ على تناسب الحوار ومستوى الشخصية الفكري والطبقي معاً.

( 4 )

إنَّ لغة القصة القصيرة تشكيل جديد في نظام اللغة، وبذلك تتجاوز التعامل العام للغة إلى استخدام له خصوصيته يمتاز بتغاير مستويات الأساليب بين الأدباء، ويدرك الناقد الواقعي أنَّ اللغة وسيلة وليست غاية مقصودة لذاتها من أجل البلاغة ، وتحقق اللغة في تصور الناقد الواقعي غايتين جوهريتين : إحداهما تتصل بالنص الأدبي للقصة القصيرة والأخرى بالمتلقي، إذ تمكن اللغة القاص من تشكيل صور تتلاحق في النص، ويتميز التلاحق بسرعته أو إبطائه بحسب الظروف الفنية المصاحبة للإبداع، وبذلك تكون اللغة وسيلة للتعبير عن الشخصيات وكيفية تصويرها ، وليست غاية القصة والحالة هذه تسجيل الواقع ومحاكاته كما يرد في الذهن، وإنما تتحدد في الكيفية الخاصة « لتقديم نوع معين من الحقائق » ، وفي ضوء هذا توظف من أجل أبعاد معرفية تترك آثارها على المتلقي لتمكنه من إدراك واقعه ومساهمته الفاعلة في تغييره، ويدرك أهمية اللغة ودورها في توصيل القصة القصيرة، لأنَّ القاص يتمكن من خلالها من تشكيل القصة القصيرة وأفكارها، ومن ثم التأثير في مخيلة المتلقي لتحقيق الأبعاد المعرفية التي يرجوها الناقد الواقعي.
إنَّ اللغة بحد ذاتها لا تؤدي وظيفتي « التوصيل » و « التأثير بالمتلقي » بل أنَّ مجمل النص الأدبي للقصة القصيرة هو الذي يحقق ذلك ويحدده فؤاد التكرلي : ‏‏بالحادثة والصورة « التي أوصلتها إلى القارئ لغة دقيقة ملائمة » ، ويعنى فؤاد التكرلي بـ«الكلمة» عناية خاصة من حيث اختيارها وكيفية تركيبها مع غيرها في تشكيل نسيج لغوي متميز، فهو يرى ضرورة الاقتصاد في الكلمات، لأنه إزاء شكل فني مضغوط و مساحة محددة، ويرى أنَّ الكلمات في القصة القصيرة « أحجار يجب أن تتساوى في قيمتها » ، وعلى الرغم من التشبيه البالغ الرداءة لما يوحيه من الجمود بين الوحدات، فإنَّ الناقد يؤكد تفاعلية الكلمات في ضوء سياقها، بحيث يخدم نسيج القصة القصيرة.
ويتحقق توصيل القصة القصيرة عبر الكلمة التي تسعى إلى « خلق حركة بواسطة الصور المتتابعة » وضرورة حضور هذه الصور وتأثيرها في مخيلة المتلقي، واختفاء الكلمات وراءها، ولذلك يشترط الناقد ضرورة اختيار المفردة وتأديتها وظيفتها بأقصر السبل معتمدا الاقتصاد في التعبير .
ومن أجل هذه كله يؤكد عبد الصمد خانقاه أن تؤدي اللغة وظيفتها بالإيحاء ، الذي يتأتى دوره في الاقتصاد في الكلمات، واللجوء إلى الجمل القصيرة المتتابعة السريعة ، ويرى عامر رشيد السامرائي أنَّ الإيحاء يتحقق مرة بدقة انتقاء المفردة، وأخرى بالرمز، ومرة ثالثة بحركة ما في تقنية القصة القصيرة ذاتها .
وفي ضوء هذا يميز الناقد بين لغة الرواية والقصة القصيرة، ففي حين تعمد الرواية في الغالب إلى التفصيل في تصوير الحدث والشخصية، تعمد القصة القصيرة إلى الإيجاز والاقتصاد في الكلمة، وتعتمد جملاً قصيرة تؤدي فيها كل كلمة دورها الفاعل في الأداء، يقودنا هذا من ثم إلى أنَّ القصة القصيرة فن مضغوط لا يستقيم فيه الأداء بالإسهاب، وإنما بثراء الكلمة، وتركيز العبارة، وبالإيحاء الذي تنطوي عليه الصور المتتابعة، فضلاً عن كثافة الحوار .
وإذا كان محمود العبطة يؤكد أنَّ القصة القصيرة لا تتناول حياة الشخصية من الميلاد إلى الممات لأنها مقيدة من حيث البدء بالقصر ـ وإن كان هذا تحديداً ساذجاً للقصة القصيرة ـ ولذلك فالقصة تعمد إلى معالجة لحظة أو موقف في حياة الإنسان، وتسهم اللغة في تصوير هذه اللحظة وتنأى عن التعميم والتقرير من أجل التجسيم والتفصيل ، إنَّ التعميم والتقرير يقودان وظيفياً : إلى بعد تعليمي، وفنياً : إلى ضرب من ضروب المقالة، غير أنَّ التجسيم والتفصيل يتناولان جزئيات صغيرة في الشخصية والحدث، ويعمدان إلى تجسيمها وتفصيلها من خلال التصوير.
ومن أجل تحقيق هذا يسعى الناقد إلى نظام خاص في معالجة اللغة ينتقي فيها مفرداته، ويضع كل كلمة في موضعها لتؤدي وظيفتها في البناء العام للقصة، وأن نأى القاص عن هذا المستوى من الأداء يرتد به إلى مقولات تقليدية توقعه من ثم في التقريرية والوعظية والخطابية .
ويضفي الناقد على القصة القصيرة سمات شعرية، دفعته أن يقرن بينهما وبين القصيدة ولذلك يرى أنَّ القصة تمتاز بـ « نـزوعها الشعري ليس الكلمة وحدها شعرية فحسب، بل الأخيلة والصور والموضوع كذلك، أنها بالأحرى قصيدة تحكي قصة » ، وتشترك القصة القصيرة والقصيدة في التعبير عن « لحظات شعورية قصيرة » ، غير أنَّ القصة القصيرة لها مجالها الأرحب، لأنَّ القصيدة تعتمد الإيحاء في التأثير بالمتلقي، غير أنَّ القصة القصيرة تعتمد الإيحاء من ناحية، والتأثير على مخيلة المتلقي في التصوير، عبر تلاحق الصور المتتابعة من ناحية أخرى، غير أنَّ هذا لا يعني أن تتحول القصة القصيرة إلى قصيدة، أو أن يضع القاص « كلاماً شعرياً تجريدياً على لسان أحد العمال البسطاء » ، إذ لابد أن تتواكب لغة الشخصية بما توحيه من روح شعرية ومستواها الفكري والطبقي، وفي ضوء هذا يرفض فؤاد التكرلي أن تتحول اللغة إلى ضرب مقصود من الغموض أو انتفاء الدلالة، كما يرفض أن تسف اللغة لتتحول إلى لغة صحفية .

( 5 )

تعنى الواقعية الاشتراكية عناية فائقة بالمضمون، إذ يمثل عند موسى الشيخ علي «اللب الذي بدونه لا تساوي القصة شيئاً » ، إنَّ « قيمة » العمل الأدبي « يقررها المضمون الفكري » ، كما يرى ذلك شجاع العاني، يميز موسى الشيخ علي بين مستويين من مستويات المضمون : المضمون «المفيد » القادر على عكس الواقع، والمضمون «الفاسد » الذي ينقله القاص من الخيال ، وبذلك ترتد الجودة والرداءة في ضوء المنفعة وعدمها، وهو شكل من أشكال الارتداد إلى المقولات التقليدية التي تجعل من التعليم غايتها المثلى، وتوظف النصوص الأدبية للقصة القصيرة من أجلها، ويحاول الناقد الواقعي أن يخطو خطوات نحو وعي أدق لعلاقة الشكل بالمضمون في ضوء « توافقيتهما » أو «التوازن بينهما » أو « تلازمهما » أو « الانسجام التام بينهما »، غير أنَّ هذه المستويات ما زالت تفصل بينهما.
ومن الجدير بالإشارة أنَّ الشكل والمضمون لا يزالان غامضين عند النقاد، إذ يتحدد المضمون عند محمد روزنامجي وعبد الصمد خانقاه ـ في الغالب ـ بالموضوع الاجتماعي ، ويتحدد الشكل لديهما بالأداء أو الصياغة اللغوية ، ويقابل فؤاد الونداوي بين الشكل والمضمون على أساس «المضمون الرصين » و « الشكل أو التعبير » وفي ضوء هذا يتحدد المضمون في الغالب بالموضوعات الاجتماعية التي يعالجها النقاد، ويتحدد الشكل بالأداء والصياغة اللغوية، ويرفض عبد الرحمن الدايني أن يكون المضمون منفصلاً عن الواقع، أو كونه فكرة في ذهن القاص، لأنه يؤدي إلى « تزييف الوا

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر


حول كلمة ميتافيزيقا

قد تكون هذه الكلمة إحدى الكلمات التي تثير أكبر نفور لدى الماركسيين ، وخاصة أولئك الذين لم يتجاوزا الأفكار البكر ، لم يبدأوا الحوار الذي وجده أرنست فيشر ضروريا مع تيارات الفكر المعاصر الأخرى.
وكما يرى ميرلو – بونتي ، فالميتافيزيقا التي قادتها الكانتية الى نظام مباديء يستخدمها العقل عند خلق العالم أو عالم الأخلاقيات ، تستمر ، رغم تجاهل الذرائعية لها في هذا الدور. وتستمر في الأدب حياتها الخفية. وفي هذا الوضع عثر عليها ، مرة أخرى ، النقاد المعاصرون مما كان أمرا لامفر منه. وفي كتاب إيتمبل Etiemble وجوكلير Gauclere ( رامبو Rimbaud) نقرأ على سبيل المثال : الميتافيزيقا ليست بالضرورة جوهر الشيء" 9 “ moumenon ، وكان رامبو قد أحس بذلك بصورة أكثر حيوية من غيره ، وهكذا بنى ميتافيزيقا الملموس ورأى الأشياء في ذاتها ، الزهور في ذاتها.
ويمكن البرهنة على أن كلمات مثل ( الظاهرة ) و ( الشيء في ذاته ) تستخدم بصورة إعتباطية ، كما أنه ينبغي التفرغ لإمكانيات الفن في الوصول الى المطلق. فكلمة ميتافيزيقا تستخدم في ذات المعنى الوارد لدى سارتر في ( الوجود والعدم ) والذي يتصل بالإكتمال الفعلي للإنسان. إلا أن الإكتمال الحقيقي ، وهو المعيار الأساسي ليس في الوجودية فقط بل الماركسية أيضا ، لا يمكن تحقيقه بالتفكير الصرف بل بما يقرّبنا منه ، أي النشاط الشمولي للروح وخاصة الإبداع الفني. لذلك علينا أن لا نستغرب حين أضطر الفلاسفة الى ذكر الفن عندما أرادوا ، بالفعل ، الإحتكاك بالمطلق. و في حالة الوجوديين تمثل هذا بالروايات والمؤلفات المسرحية ، وحتى لدى الفلاسفة ممن سبقوا الوجودية نلحظ إغراءا مشابها : يلجا أفلاطون الى الشعر والأسطورة كي يكمل وصف الحركة الجدلية التي تقودنا صوب الأفكار ، أما هيغل فيستخدم أسطورتي دون جوان وفاوست لتجسيد دراما الوعي الشقي ، والتي يمكن العثور على معناها في العالم الفعلي و التأريخي الذي يحيا فيه الإنسان.
وفي النهاية فإن وجهة النظر الميتافيزيقية ، كما تقول الوجودية ، هي ، ربما ، الوحيدة التي تكون شكلا لتوحيد عوالم البسيكولوجيا والسوسيولوجيا بحيث يسمح للإنسان بالتعرف على ذلك الإكتمال الإنساني : الرغبة في المطلق ، إرادة القوة ، إغراء التمرد ، الخوف من الوحدة والموت ،أي الصفات التي تكون ، رغم ظهورها في إنسان محدد في الزمكان ، لكنها غير متغيرة في أيّ عصر ومجتمع . ولهذا السبب تثير مشاعرنا وتهّزنا مسرحيات سوفكليس رغم أن المجتمعات التي ظهرت فيها قد زالت : هذا التفسير الحقيقي لا غيره للقضية التي أثارها ماركس ، لكنها لم تحل بصورة كاملة. ولربما هو السبب في النفور من الإعتراف بوجود قيم فوق تأريخية في الإنسان.



دراما الوجود

ماقاله ياسبرز عن الوجود ينطبق على الرواية أيضا : الوجود هو إغتنام . وجوهره ( الإستمرار في الإندفاع ) . و احوال الإنكسار تقرر إيقاعه. إنه مدّ وجزر مستمران . حالات إنتصار وهزيمة مستمرة . و السكينة لايمكن نيلها إلا من خلال الكرب ، والغياب من خلال الحضور ، و الإيمان من خلال الإثم. الحياة الروحية هي صراع دائب للمتناقضات التي تتصادم بصورة عنيفة وتتباعد لغاية الإنفصال التام. وعلى كل وجود ٍأن يُبقي على هذا الإتصال بين المتناقضات في توتر مؤلم لا ُتعرف له نهاية.



قتامة الرواية


هناك العديد من الأسباب التي تجعل الرواية المعاصرة أكثر قتامة وتزيد من الصعوبات ، أكثر من أيّ وقت مضى ، في قراءتها وفهمها:
1 - ( مركز الرؤية ) لاوجود الآن لذلك الراوية الشبيه بالرب العليم ، الذي يوضح كل شيء . اليوم ُتكتب الرواية من زاوية كل بطل من أبطالها. و الواقع الكامل هو نتيجة لقاء صيغ متنوعة ، ليست هي على الدوام متصلة فيما بينها بصورة وثيقة كما أنها ليست ذات معنى .
2 - إنعدام الزمن بالمعنى الفلكي ، والمشترك للجميع ، إذ ليس هناك غيرالأزمان الداخلية .
3 – غياب المنطق الذي كان يميّز الرواية القديمة التي كتبت بروح عقلانية.
4 - إقتحام تحت الوعي واللاوعي للعوالم المظلمة في جوهرها.
5 - لايجري الكلام الآن عن الشخصيات ، فهي تنشط في حضورنا و تكشف عن هويتها بكلماتها وأفعالها التي هي ، بالتالي - وإذا لم يرافقها الوصف الداخلي أوالتحليل – غير واضحة و ليست ذات معنى واحد.
و في هذه الشروط يبدو العمل الأدبي كأنه غير منته ، والقاريء هو من يكمله أو يطوّره. كذلك فالخلق يحصل في ذهن القاريء.



إستعادة الجسد لحقوقه

لقد ُنقلت روح الأزمان الحديثة الى العلم. وهذا يخص القضايا العامة. إلا أن رفض كل ماهو فردي يكون تدميرا للملموس ، وهكذا يتم تحطيم الجسد بالمعنى الفلسفي حين بُنيت الأزمان الحديثة. والأفلاطونيون رفضوه لأسباب دينية وميتافيزيقية ، أما العلم ففعل ذلك بدهاء غنوسيولوجي.
ووسط شقاءات الإنسان جاءت هذه لتعمّق وحدته. إن الطرد الأبستمولوجي للإنفعال و العاطفة المتوقدة والأخذ بالعقل الشمولي والموضوعي قد حوّلا الإنسان الى شيء ، ومعلوم أن الشيء لا يخاطب الشيء : البلد الذي تقدّم فيه الإتصال الألكتروني هو كذلك البلد الذي يكون فيه الإنسان في أشد وحدة.
إن لغة الحياة و ليس الرياضيات ، هي تلك اللغة الأخرى ، الحيّة ، و التي يمثلها الفن والحب والصداقة. إنها مجرد تعبير عن الحاجة الى الإتصال كي يمكن لل(أنا) أن تهرب من جزيرتها وتتغلب على وحدتها. وهذه الحاجة يمكن تطمينها حين يتم التوّجه من الأنا الى الأخرى بدون وساطة رموز العلم التجريدية ، بل بفضل الرموز الملموسة للفن : بفضل الصورة . وكلما عمّقنا عالمنا الخاص نكون قد إقتربنا أكثر من الآخرين.
لا أريد القول إن الأزمان الحديثة لاتعرف الجسد ، فهي قد قامت بعمل واحد لاغير : حرمته من قابليات التعرف و دفعته في عالم الموضوعية الصرفة دون أن تلاحظ أنها ، بهذه الصورة ، قد شيّأت الإنسان ذاته ، فالجسد هو العماد الفعلي لشخصية الإنسان. إن هذه الحضارة التشطيرية قد بثت الشقاق بين كل واحد وكل شيء : كذلك بين الروح والجسد. وكانت النتائج رهيبة . لنأخذ الحب مثلا : جسد الإنسان الآخر هو في الحب شيء. وإذا كان للتقارب طابع جسدي فقط يمكن لل(أنا ) أن تتخطى عالمها وُتقيم الإتصال. لذلك فالإيروسية الصرفة هي أمر مؤس إذ أبقتنا في وحدتنا حيث ندرك ، لدرجة أكبر، التقارب الناقص. وهذا يفسر السبب الذي من أجله يكون الحب أحد المواضيع الرئيسية لألدب. و في ازماننا وصل الحب أبعادا تراجيدية وميتافيزيقية. إنه شيء لم يُعرف لغاية الآن . فهو حاليا ليس بحب البلاطات من عصر الفرسان ، ولا رواية عاطفية من القرن الثامن عشر.
إن إعادة الحقوق للجسد ، والتي قامت بها الوجودية ، قد ردّت القيمة والروح الأدبية للبسيكولوجيا إذ قلصت من حقوق العقل . فالرواية لوحدها قادرة على أن تنقذ الفكر الصرف والعواطف المتقدة والأحلام والأساطير ، بعبارة أخرى: الأنثروبولوجيا الحقيقية ( الميتافيزيقا و الميتا – منطق ) يمكن أن تكتمل فعلا في الرواية فقط ، على شرط أن نعامل هذا الصنف الأدبي ، وهو أمر واضح ، بأوسع شكل ومن دون أيّ شعور بالذنب يعذب أنصار الأدب النقي ، والخنوع الزائف للعلم .



الجسد والروح و الأدب

كنتُ قد ذكرت بأن نيتشه لم يعترف بعلو العلم على الباقي . و في هذا الإختيار تكمن كل الثورة الأنثرو – مركزية التي جرت في أزماننا. وبدل الشيء التجاوزي أو الذات وُجد في المركز شخص محدد persona ذو وعي جديد بالجسد الداعم للشخص.
إن حيوية vitalism نيتشه تبلغ ذروتها في الفينومينولوجيا الوجودية حيث تمضي هذه أبعد من البيولوجيا biologism العادية ومن دون أن تنبذ الإنسان الملموس ككل. وعن حق وجد هايديغير أنه ان تكون إنسانا يعني أن تكون في العالم ، وهذا امر ممكن من خلال الجسد. فالجسد هو الذي يمنحنا الفردية و أفق العالم أي ( أنا هنا ). وليست هذه الأنا بمراقب محايد وذي حضور شمولي ( شأن الحال في العلم وأو الأدب الموضوعي ) بل هي ( أنا ) ملموسة ومغلقة في الجسد الذي يجعل مني ( وجودا متوجها صوب الموت ) ، ومن هنا الأهمية الميتافيزيقية للجسد.
إن هذه الكونكريتية للفلسفة الجديدة قد ميّزت على الدوام الأدب الذي لم يكف أبدا عن أن يكون أنثرومركزيا "10 “ رغم أن الكثيرين من المنظرين ، وهي مفارقة فعلا ، أرادوا هذا الشيء بالذات. إن هذه الكونكريتية تعيد للإنسان بعده الحقيقي والتراجيدي. ويصبح الوجود تراجيديا من خلال ثنائيته الأساسية: الإنتماء المتزامن لعالم الطبيعة وعالم الروح ، فنحن كجسد نعود الى الطبيعة وككائن روحي نسهم في المطلق والأبدية. والروح المحمولة الى أعلى ، من خلال رغائبنا في البداية ، محكوم عليها بالموت من خلال تجسّدها ( إمتلاكها الجسد ) وبذلك إنما تعبّر بصورة كاملة عن ا لمصير البائس للإنسان ، وهي المصدر الفعلي لشقائنا. فنحن نقدر على أن نكون سعداء كحيوانات أو كأرواح صرفة ، ولكن ليس كبشر.



الرواية كتعبير عن الروحية

يقول كلاغيز klages وهو يقتفي إثر نيتشه ، بأن الروح Geist هي تعبير عن ما هوعاقل وتجاوزي transcendent في الإنسان ، فهي تعّكر بل وتنسق الوجود الخلاق في العنصر العقلي واللاشخصي والموضوعي ، وهذا شيء يخص الروح وحدها ، إذ أن النفس قوة مرتبطة ، بشدة ، بالطبيعة الحيّة. إنها خالقة الرموز والأساطير ، وتعرف كيف تفسر الألغاز التي يجابهها الإنسان ، وتعرف الروح بالكاد كيف تسحرها.
إن الروح تدمرعالم الأساطير بالمفاهيم المكررة آليا ، إنها هروب من الشخص والموت. وتطلق الروح أحكامها في الحين الذي تحيا فيه النفس. والروح هي القوة الوحيدة في الإنسان القادرة على حل التناقضات التي تغذيها هي ذاتها كما لو أنها شبكة ملقاة فوق الواقع الرجراج. وتسمح الرموز وحدها التي عثرت عليها النفس بالوصول الى الحقيقة النهائية عن الإنسان ، و ليس مفاهيم العلم الجافة. والنفس وحدها قد تعبّر عن مرور الحياة وعن الواقع – خارج – العقل .
من هنا الأهمية التعرفية للرواية. فالرواية هي عمل من أعمال النفس و ليس الروح.



الفلسفة الوجودية والشعر

لا تولد الوجودية في العصر الرومانسي فقط بل للأسباب التي جاءت بالرومانسية ، حتى أن لغتها تنحدر من الشعر. ولغاية اليوم بعد هوسيرل ، والتغلب على ذاتية كيركيغارد المتطرفة ، يمكن ملاحظة الأصل الرومانسي لدى مفكر مثل : ياسبرز الذي يدافع عن ( التوقد الشعري لليل ) أمام ( قانون النهار ) حين ذكر بأن على الفلسفة أن تحفر في العمق ، و أن لاتتبعثر أفقيا ، إذ أنها تتوجه صوب اللغة المشفرة التي يريد بها الإنسان أن ينادي أخيه الإنسان من جزيرته الموحشة. و ليس بصدفة أن يصبح الموت العقدة التقليدية للوجودي ، بل يكاد يكون المرادف للموضوع الرومانسي.



الأفكار النقية و الأفكار المجسَّدة


ليس تولستوي الأخلاقي أكثر حقيقية من مؤلفه القصير عن الفن ، بل تلك الشخصية المعقدة والمأخوذة التي نجدها في ( يوميات مجنون ). وفكرة الكاتب النقية ليست هي جانبه اليومي بينما في القص يمتلك صوته العالم الكدِر، عالم ظلماته. هناك النفس غير الأكيدة التي تعاني بين الجسد والروح ، والمعذبة أحيانا بعواصف الجسد ، و الطامحة بأبدية الروح النقية والمليئة بالتردد بين الوقتي و المطلق ، وهذه كلها مملكة النثر. و بين النفس والروح النقية يحصل ذات الفارق القائم بين الحياة والإجهاز عليها ، بين الخطيئة والفضيلة ، بين الشيطانية و الآ لوهية. ومثل هذه الهاوية تفصل الكاتب عن الفيلسوف.
وهذا لايعني أن لامكان ( أو لاينبغي أن يكون ) في النثر للفكر أو أن ليس بمكنة الناس من لحم ودم أن يفكروا وهم يبكون أو يضحكون أو ينفعلون بشيء ما ، وهم في نفس الوقت يمضون بالتفكير و يتناقشون. إلا أن هذه الأفكار ليست بنتاج غير ملوَّث للعقل ، بل ظاهرة غير شفافة تماما، لحياة الفرد الروحية. فهؤلاء الناس لايتكرسون للفلسفة و لاينفعلون بها. وبين الشخصية الحقيقية في الرواية والدمية التي تكررالأفكار النقية غير الملوَّثة ، يوجد ذات الفارق بين الإنسان المسمّى عمانوئيل كانت ( بأمراضه وحالات ضعفه وجسده العليل ومشاعره ) و الأفكار من ( نقد العقل الخالص ).
من ناحية أخرى لاينبغي الإعتقاد بأن الشخصيات الروائية ، كشخصيات مخترعة وكائنة على الورق فقط بحكم إرادة الفنان ، لاتعرف الحرية ، وفي جميع الأحوال لايحصل على الدوام . فهي تولد كاملة في ذهن المبدع ، ولذلك يعبّر بعضها بهذه الطريقة أو تلك بصورة أفضل أو أكثر أمانة لأفكار المؤلف نفسه ، إلا أنه حتى في هذه الحالات ، حين تتقمص الأفكار جميع الشخوص وترافق مختلف الأوضاع والعواطف والأحداث الأخرى ، لاتكون بالضبط ذات الأفكار التي قالها المؤلف بلسانه. فهذه الأفكار التي شوّهتها التوترات الجديدة ( تكون في الأدب ، عادة ، شيطانية ورهيبة ) تكسب البريق الذي لم تملكه من قبل ، والتباينات اللونية والمعاني ، كما تحقق قابلية رؤية غير إعتيادية. إنها في المحصلة أفكار الآخرين. عدا ذلك فالناس الفعليون هم أحرار ، وأبطال الكتب ليسوا بحقيقيين أيضا إن لم يكونوا أحرارا. حينها تصبح الرواية صورة عادية بدون قيمة. و يحس الفنان أزاء شخوصه، كما المشاهِد العاجز أمام شخص غريب : قد يرى وحتى قد يحدس أفعاله ، لكن ليس بمقدوره أن يتفاداها ( مما يوضح الدرجة التي يمكن فيها للإنسان أن يكون حرا وأن يؤكد على أن هذه الحرية ليست على النقيض من المعرفة الشاملة الإلهية )، فثمة شيء لايقاوم يشع من أعماق وجود آخر ، من حريته ، و ليس بقدرة أيّ مؤلف أو مشاهِد أن يعترض سبيله. وهو أمر مثير للعجب وغريب في البعد الأنثولوجي أن هذه الشخصية تصبح إمتدادا للفنان ، وأن كل شيء يجري كما لو أن جزيئة كانت شاهدا شيزوفرينيا على أخرى ، على ما تفعله أو تزمع فعله ، شاهدا عاجزا.
إذا كانت الحياة ُتعتبر تمثيلا للحرية في إطار مواضعات معينة ، فإن حياة البطل الروائي هي حرة بصورة مضاعفة ، لأنها تسمح للمؤلف بالتعرف على مصائر أخرى بصورة سرية. وفي نفس الوقت هي محاولة للتملص من محدودياتنا المحتومة وهروب من اليومي . إن الفارق بين العصابي الذي يخلقه الفنان والآخر الحقيقي يعتمد على مسألة أن الأول قد يعيد الكاتب له الصواب ، أما الثاني فلايبقى أمامه غير المستشفى . ومن السذاجة الإعتقاد ، كما يفعل بعضهم ، بأن دوستويفسكي هو شخصية من دوستويفسكي . وهو أمر بيّن بأنه قد مَنح بعض خصاله لإيفان وديمتري و ألوشا وسمييردياكوف ، ألا أنه لو قدّر لألوشا أن يكتب ( الأخوة كارامازوف ) لما إستطاع . كذلك لاينبغي الإعتقاد بأن أفكار ديمتري كارامازوف تعبّر تماما عن أفكار دوستويفسكي ، فهي بأفضل الأحوال أفكار إنتظمت في ذهن الكاتب أثناء أحلام النوم و أنصاف الأحلام و أحوال الإنفعال أو نوبة الصرع ، ومن ثم إلتقت بأفكار أخرى متباينة وتلونت بأحاسيس الذنب و الألم ، وإتصلت بالرغبة في الإنتحار أو القتل .
بفضل هذه الجدلية الوجودية التي تنحدر من نفس الكاتب وتتجسد في الأبطال الروائيين الذين هم بدورهم يتصارعون فيما بينهم أو يصارعون أنفسهم ، يتوضح فارق آخر عميق بين الروائي والفيلسوف : نهج التفكير ينبغي أن يكون كلا مجموعا وخاليا من التناقضات ، بينما أفكار الكاتب هي معقدة ومليئة بالتناقضات ومتعددة المعاني. والآن كيف يبدو مفهوم ثربانتث عن العالم ؟ أهو ذاك الذي يعبّر عنه دون كيخوت أم الآخر الذي يلغو به سانشو بانزا ؟ أيّ أفكار عن الحكومة و الحب والصداقة والسلطة وأفراح الحياة يعتنقها ثربانتث حقا ؟ و لنكن واثقين بأنها الأولى والثانية، فأحيانا كان يفكر كمادي وأسقف بدون إيمان ، وفي أخرى إنقاد الى المثالية اللامعقولة لجنونه ، ولربما هاجمه نوعان من التفكير في الوقت نفسه، يخوضان في قلبه صراعا عنيفا وميلانخولياً، في ذلك القلب الذي يملكه الخالقون العظام حيث تجتمع كل عيوب البشرية ومحاسنها ، كامل عظمة الإنسان و بؤسه.
إلا أنه رغم تعدد المعاني في الشخصيات ، فإننا نملك بعد قراءة الرواية الجيدة إنطباعا باننا قد نظرنا بطريقة خاصة متحيزة الى عالم البشر ، وليس من خلال الأفكار المبعثرة التي يلقيها الأبطال بل المناخ العام و الجو المتميز الذي يلف الأشياء والناس في هذا العالم الروائي ، وأسطع مثال على ذلك هو كافكا : عنده لانعثر على شخصيات على وجه التقريب بل على ذلك الجو. والحال نفسها في الروايات الأخرى ، المختلفة والمليئة بالناس مثل ( الأخوة كارامازوف ) أو ( ضوء في آب ). وعلينا أن نستشهد هنا بأقوال مورافيا : ( إن " أيدولوجيا" وعقيدة الكاتب تعبران عن نفسها دائما بالإيماءات و الأحاسيس بطريقة تعتمد على خلق ميتافيزيقا دقيقة ثم حرمانها من كامل الطبقة الأيدولوجية كي لايبقى شيء غير الحقائق الجافة. ومثل هذا الإنطباع يخلقه ، على الأقل، كافكا ).



نشاز الأصوات

عندما نقارن النوتات الموسيقية الأخرى لموتسارت بالأولى ندرك أهمية النشاز الصوتي ، ونفهم قوة نفاذه الى طبقات الجمال النقي لكي يصل المناطق الأكثر عمقا. وهذا الشيء نلقاه ، لكن لدرجة أكبر ، في أدب زماننا ، : النشاز عند رامبو ودوستويفسكي وجويس إنما هو ديناميت يدمر المناظر الطبيعية التقليدية كي يكشف عن الحقائق النهائية التي هي غالباما تكون قاسية ومخيفة عميقا في الإنسان.
ولنذكر هنا مشهد السوق في ( مدام بوفاري ) و الذي يجري على ساحات ثلاث متزامنة : في الأسفل حيث الجمع البشري المتدافع وسط الماشية ، ثم في الأعلى حيث يطلق الموظفون ، بإحتفالية، خطبا فارغة ، وفي طابق أعلى يكرر أدولف كلمات الحب الملتهبة. وبفضل جدلية العادية هذه وأصوات الحيوان المتزامنة مع الأحداث والخطب والبلاغة الغرامية يحقق فلوبير تأثيرا يهدم العاطفية المبتذلة والعادية البوروجوازية. وهي مفارقة أن يصبح الجو الرومانسي من خلال كل هذا يائسا ومؤثرا بدرجة أكبر.
وأكيد أن النشاز لم يكتشفه ادب أزماننا. ولنتذكر هنا كيف جابه شكسبير التهريج بالرقة ، وماذا حققه ثربانتث بفضل شخصيتي كيخوت وبانزا ، وكم هي قاسية النشازات في جحيم دانتي ، الا أن النشاز لم يلعب من قبل مثل هذا الدور الجوهري كما في أدب أزماننا الشرس .


إستعادة العالم السحري

الفن كالحلم يقتحم أراض للإنسان سحيقة في القدم ، ومازال وسيطة كي يستعيد إكتماله المفقود والذي يكون أجزاءا لاتنفصل : الواقع والفنتازيا ، العلم والسحر ، الشعر والفكرة النقية . وليس بصدفة أن يرحل الفنانون في البلدان التي يسود فيها ، وبأقسى ما يمكن ، العقل التجريدي ، بحثا عن الفردوس المفقود : الفن الطفلي ، الزنجي أو من جزر المحيط الهاديء ، الفن الذي لم تمضغه الحضارة التكنوقراطية بعد.


الوجودية و الماركسية

إذا عاملنا الإنسان كمبدأ وهدف ، و إذا إعتبرنا أن النشاط هو الشيء الأول ، و أن كل ما يعرفه الإنسان ولد من عمله ومن مقاومة العالم لمساعيه ، نلاحظ حينها أن الوجودية و الماركسية قريبة الواحدة من الأخرى. كذلك إذا تكلمنا عن الوجودية الفينومينولوجية والديالكتيكية ، وتناولنا ماركس ليس من خلال الخفضية reductionism الإقتصادية بل كنظرية عن الإكتمال الملموس للوجود.
لكن تبقى هنا ، برأيي ، فوارق معينة : الموقف من الأسطورة و قيم الفن ما فوق التأريخية ( في الماركسية تكون بيّنة آثار فلسفة التنوير ) ومن قضية الدين أيضا.
بالنسبة للماركسي يكون أمرا غير مسموح به إلصاق صفات تجاوزية transcendent بالإسنان كإنسان. إلا أنني أسأل : طالما أن الطبيعة تسبق وجود الإنسان وهي حتى لو كانت مُصاغة ومؤنسنة على يده فإنها تستمر بعده ، وهكذا ألا يمكن الإفتراض بوجود رب قبلها وبعدها ؟ يمكن التدليل بشكل صائب على أنه بذات الأسلوب الذي تعرّف فيه الإنسان على الطبيعة ، وأثناء عملية تحقيق ذاته ، ينبغي عليه أيضا أن يصعد درجات السلم الإلهي ، وهذا ليس بلا إمكان منطقي.


قضية اللغة عند الكاتب

يوجد حاليا الكتاب و المنظرون الذين لايملك الأدب عندهم أيّ معنى إذا لم يكن منطلقه الثورة الكلامية. ومعلوم أن كل شيء يعتمد على النطاق الذي يُمنح لهذه المقولة .
و بالأحجار العتيقة ذاتها ثَوَّر كابابلانكا Capablanca لعبة الشطرنج . ومن الأحجار ذاتها التي بنيت منها الكنائس على الطراز الروماني شيّدت الثقافة الجديدة الكاتدرائياتِ الغوطية . وهذا يدلل على علو البنية على عناصرها . وتكون هي الكلمات بالنسبة للغة.
إلا أنه ليس من المسموح به الإنقياد الى هذه اللعبة ، خاصة لكلمة ( جديد ) التي تثيرالقدرالأكبر من أحوال سوء الفهم السيمانتيكية . فعمل مثل ( المحاكمة ) ينبغي تناوله كاملا كلغة جديدة ، وليس البحث فيه عن عبارات phrases مبتكرة ، أو حالات إبتعاد عن المالوف النحوي أو المورفولوجي. وكان اللاهوتي والرومانسي الألماني شيلايماهير Scheleimacher قد إعتبر أنه في البدء ينبغي الإهتمام بالكل. إذن يكون وهما الكلامُ عن الثورة حين لا يحصل شيء غير هدم الكلمات وحتى لو هُدِم النحو. لكن الإستثناء قد يخص السيمانتيك أو المناخ الأسلوبي لكامل العمل الفني ، كما هو الحال عند جويس.
أنا لا أنكر إمكانية تجديد الأدب بالوسائط الشكلية ، إلا أنني لا أعتبر ذلك الوسيطةَ الوحيدة كما يريد بعض المتطرفين . و يبين كافكا أن ذلك ليس بالأمر الضروري . والكثيرون من ورثة جويس الهزيلين يريدون التدليل على أن هذا لايكفي البتة. و يجدر تذكير هؤلاء المنادين بهذه الطريقة ، بقابلية كافكا الفائقة في أن يعيد القيمة للكلمات وحتى ألأكثر تواضعا : لانهاية المعاني اللاهوتية و الفلسفية التي يستخلصها هو من الكلمة القانونية المستهلكة " المحاكمة “. أكيد أنه ، بهذا المعنى ، مجدّد كبير للغة . لكن أليس كل كاتب كبير هو هذا المجدّد؟ إن كلمة ( الحب ) لاتعني بعد بروست الشيء نفسه.


الأدب والفنون الجميلة


كما أعلم كان هدف سوفكليس ودانتي وشكسبير ليس الجمال بل تعميق وضعنا البشري و فحص مهاويه وأطرافه. والأكيد أننا نعثر في أعمالهم على الجمال لكن ليس ذاك الجمال الذي يُبحَث عنه ، عادة. الجمال للجمال نفسه ، بل آخر - عظيما ، تراجيديا تمزقه التناقضات والفزع. وجميع التراجيديات التي كتبها الإنسان ، بدءا بالحكاية عن مصير أوديب عبر قصة ( موت إيفان إيليتش ) تُظهِر جمال المهاوي.


الشعر و النثر

النثر هو النهار و الشعر هو الليل ، طعامه الوحوش والرموز ، وهو كلام الظلمات والمهاوي. إذن ليس هناك من رواية عظيمة لم تكن في المحصلة شعرا.


حول الأسلوب

الأسلوب هو الرجل ، الفرد ، الشيء الوحيد لا غيره : أسلوب النظر ، التحسس بالعالم ، إدراك الواقع ، وهذا وصل للأفكار الشخصية والإنفعالات والأحاسيس الشخصية بالحساسية الشخصية لا غيرها ، بالأحكام المسبقة و أحوال الهوس والعادات الشخصية.
وهكذا لامعنى للكلام عن أسلوب فيثاغورس في قانونه. إن على لغة العلم الصرف أن تستخدم رموزا نقية وتجريدية هي ، على السواء ، لاشخصية مثل الأفكار الأفلاطونيةالمشدودة بها. العلم هو عام أما الفن فهو فردي ، لذلك يملك الأسلوب الذي يفتقده العلم . الفن هو سبيل لإدراك العالم يعود الى كل خالق مليء بالعمق والفضول ،. وهوسبيل لايُقدَّم للآخرين.
وفي القديم إعتبر الخطباء الأسلوب زينة ، شيئا من نوع اللغة الإحتفالية. وفي الواقع يكون هو السبيل الوحيد للفنان كي يقول ما عنده. وإذا كانت النتيجة غيرإعتيادية فليس الفضل للغة بل للسبيل الذي يرى فيه ذلك الإنسان العالم.


حول المجاز

كانت أهم حلبة أدبية تجمّل الأسلوب هي المجاز لدى أرسطوطاليس. وكان أول من لاحظ هذا الخطأ جيامباتيستا فيكو G.Vico حين ذكر بأن الشعر واللغة هما في الجوهر الشيء ذاته ، والمجاز هو بعيد عن أن يكون هيئة أسلوبية فقط ، فهو يصبح الجهاز الأساسي لجميع اللغات ( أنظر كتابه" العلم الجديد Sciencia Nouva “ ) . في البدء إعتمد المجاز على الحركات الخرساء المتصلة بالأفكار و الأحاسيس التي كان على الإنسان التعبيرعنها. كذلك فالحروف الهيروغليفية والشارات والشعارات هي مجازات لاغير.. ومن الصعب الكلام أو الكتابة بدون مجازات. وحين يخيل لنا بأننا حققنا هذا الشيء فإنما يرجع الأمر الى أن المجازات صارت غير مرئية.


الفنان يخلق عمله و يحس به في جسده كله

لايمارس الإنسان العمل الفني و لايتحسس به عن طريق الرأس بل الجسد كله ، بالأحاسيس والمخاوف وأحوال القلق وحتى بالعرق. ويقول نيتشه إن تحفظاته أزاء فاغنر كانت ذات طبيعة فيزيولوجية. فلقد كان يتنفس بصعوبة ، ورجلاه خائرتان ومعدته خاوية تصرخ شأن القلب والدم والأحشاء.


تيارات أدبية جديدة

ليس هناك من شيء جديد تماما . كما أن أرسطوطاليس خرج من أفلاطون ( حتى لو كان قد تبرأ منه جزئيا ) فبيتهوفن ولد من موتسارت. لكن من الناحية الأخرى يكون المبدع العظيم ، عادة ، ثمرة كل من سبقه. فهو ينهب أعمال سابقيه كي يقوم بتركيب في إبداع جديد. وليس بالإمكان تصوّر فولكنر بدون بلزاك ، ودوستويفسكي وبروست وتوماس وولف T.Wolfe وهكسلي وجويس .
كذلك يحصل أن يدفع الإجهاد الذي تسببه المدارس الملزمة أو الرغبة في القول:” لا" ( وحتى بصورة جزئية ) للذين يحيطوننا أو يسبقوننا مباشرة ، الى الإعتماد على من أزاحهم هؤلاء جانبا ، أي أجدادنا. ويذكر بروست أن الأصالة تعتمد في الغالب على إرتداء قبعة قديمة مهملة. وهو نفسه لم يمض بعيدا إذ لم يرتبط بفلوبير و بلزاك أوغيرهما ممن سبقوه مباشرة ، بل بسان – سيمون ، كذلك بحث على مبعدة ، ليست كبيرة ، لدى جورج إليوت وتوماس هاردي وجون رسكن. أما كافكا فوجد سابقه في إنسان بعيد مثل ملفيل.
وتأريخ الأدب مليء باللتناقضات ، وقوته الدافعة والمخفية هي الخلاف والمعارضة. وحين لم يحتمل الأدب الفرنسي التحليلات توّجه الشباب ، أمثال سارتر ، بأبصارهم وكلهم إعجاب صوب الكتاب الأميركان الذين ضخوا الهواء بوصفهم الحي والمباشر للأحداث ، في المكان الذي كان جوّه خانقا.


إعادة الخلق الدائمة

لووقعت كارثة سبّبت للبشرية البؤس والجهل لتغيّر معنى جميع الأعمال الفنية وتبدد غنى ليوناردو دافنشي وغويا ، رقة الحوارات الأفلاطونية و روايات بروست ، حينها لايقدر أيّ أحد على أن يلاحظ في العمل الفني شيئا أكثر هو أكثر مما فيه. حتى أن البشرية تتبدل بإستمرار وبدون هذه الكارثة ، ومعها تتبدل الأعمال التي خلقها الإنسان : الحاضر يصحح الماضي. وثربانتث مؤلف ( دون كيخوت ) ليس هو نفس ثربانتث اليوم ، فذاك كان مغامرا مليئا بالمرح والحياة أما الآخر ، الحالي ، فهو أكاديمي ومدرسي.


حول التمرد الرومانسي مرة أخرى

لايتطور التأريخ أفقيا بل أنه نتيجة نشاط قوى متعارضة و تناقضات يغذي بعضها بعضا. ففي قلب الأزمنة الحديثة كمنت بذرة القوى التي إنقلبت في النهاية ضد الماكنة والعقلانية.
ويمكن تحديد الرينيسانس الإيطالي ، عموما ، كصفٍ تال من الكلمات : الكلاسية ، العقلانية ، التحكم ، النهائية ، الثبات ، الوضوح ، النهار ، الجوهر. أما الشعوب الجرمانية فيمكن تحديد هويتها ، وبالحذر اللازم ، كالتالي : الروح الرومانسية ، اللاعقلانية ، اللاتحكم ، اللانهائية ، الدينامية ، القتامة ، الليل ، الوجود.
هذه التناقضات الداخلية لاتوجد في حالة نقية بل تتوالد فيما بينها. و في إيطاليا عصر النهضة كانت هناك عناصر للغوتيك ، كما أن الشعوب الجرمانية لم تكن لامبالية أزاء العصر الهيليني. إذن فالأزمان الحديثة هي ، بشكل ما ، تركيب جدلي لتلك المفاهيم ، وما يشهد على ذلك إلقاء نظرة عابرة على البوروجوازية التي هي جوهر الأزمنة الحديثة ، فهي قد تطورت في إيطاليا أولا لكنها إكتسبت الأهمية الجوهرية لدى الشعوب الأنجلوساكسونية ، وفي النهاية كان عليها ، هي المشبعة بروح العقلانية ، أن تتحول ، نتيجة تحكمها و ديناميتها الى ضدها. وهكذا ، فالأزمان الحديثة تحيي على التوالي هذين الصفيّن من التناقضات . ولذلك تمخضت الطبيعية عن نقيضها – عبادة الماكنة ، كما الحيوية vitalism في التجريد ، والفردية في الجماعية.
وكانت لإيطاليا أسسٌ من العصور القديمة ، ولهذا السبب تميّز رينيسانسها بالصف الأول من المفاهيم ، ولكن ما كان للرأسمالية الإيطالية أن تولد البتة لو أقتصر الأمرعلى إحياء الأزمان الرومانية – اليونانية. فاليونانيون أعلنوا عن مفهوم ثابت ومنتهٍ للواقع وهو بالذات ما ألقى ، لحد بالغ ، بالتأثيرعلى الرينيسانس الإيطالي. ولقد عقدّت المسيحية والأمم الغوطية هذه القضية. معلوم أن الدين المسيحي هو تركيب لمفاهيم متناقضة ، حيث يربط الفلسفة اليونانية بالعناصراليهودية والمانوية الدينامية ، وهو منذ ولادته يحمل في جوفه عنصرين متعارضين. وبالإعتماد على العصروالشعوب والناسالذين إعتنقوها ، نقلت المسيحية نبرة التأمل الذي ميّز الأغريق وفي مرة أخرى نقلت النشاط أي الصفة اللصيقة باليهود، وتارة أخرى نقلت الجوهرأو الوجود. هذا النزاع يمكننا أن نلمسه في بعض الأحيان في إنسان واحد. فباسكال بدأ رياضيا ومات غيبيبا. وفي الإتساع الروحي قد تكمن القوى الكبرى لهذا الدين ، ففي كل مرة كان مهددا بالإنكسار نجد أن دافع الحياة يحوّل هيكله من جديد.
إن دينامية وحيوية المسيحية بلغتا أكمل تعبير وسط الشعوب الغوطية، و لذلك خلقت المعادِل لعالم الأزمان الحديثة. وبدون ذلك لما كانت مفهومة أزمنتنا الحالية. فهذه الشعوب التي لم تعرف تقاليد وثقافة إيطاليا إقتحمت العالم المتحضر كبرابرة ومجدّدين خلقوا مسيحية أكثر دينامية ، يهودية – كالفينية "11 “ ، و لذلك إستجمعوا القوى للغزوات التجارية .
إلا أن هذا العنصر الدينامي واللاعقلاني الذي جاءت به الشعوب الغوطية سيكون في المراحل التالية السبب في تمرد الرومانسيين المفتوح ضد المجتمع الذي أنجبهم.



الشجاعة الَخلقية

بعد صدور ( صوب سوان ) كتب الناقد هنري غيون H. Gheon أن بروست إمتلكته الشهوة في ( أن يخلق شيئا هو نقض عادٍٍ للعمل الفني، أي أنه سجلٌ لأحوال التحسس ومعلوماته ومن ثم تقديم لوحة لمناظر متبدلة وأرواح لكنها ليستبالكاملةأوالممتلئة). و أضاف يقول إن ما أثار إستغرابه هو المجابهة المشتتة بين أحلام الطفلالأولى وتلك المغامرة لسوان التي لم يقدر مسيو بروست ، بالتأكيد ، على معرفتها في زمن الطفولة . إنها تثقب روايته بدون أي سبب واضح .. وإلخ.



قواعد الخلق

( قولوا لأرنولد بينيت A.Bennet إن قواعد الخَلق لا ُتلزم إلا في الروايات التي تستنسخ الأخرى. والكتاب الذي ليس هو بنسخة للأخرى يملك بنيته. وما يسميه، هذا المقلد القديم عثرا ت، أسّميه أنا شخصية character ) د. ه. لورنس



ليس مريحا أن تكون عبقريا

يكتب هنري جيمس أنه في لحظة معينة لم يقدر على قراءة تولستوي أو دوستويفسكي بسبب إنعدام الذوق الجيد و المستوى الأستيتيكي الرفيع ، كذلك بسبب عنف مؤلفاتهما. ياللعجب !



الدولة ضد الفنان

ثمّن كونفوشيوس الفن على قدر خدمته للدولة. ولم يسمح أفلاطون إلا للشعر بتمجيد الأبطال والآلهة، و في ( الدولة ) منع أيَّّ نشاط فني لايكون ذا نفع لعموم الناس.
وهذه الظاهرة تبرز بحدة أكبر في أوقات الإنقلابات الكبرى . إذن نحن لانستغرب أحوال التطرف التي نشأت في روسيا . وكان روسو قد إتهم الفن بالفساد. وبعدها يطالب سان – جيس Saint – Just بأن يتجسد العقل في الشخص الفاضل و ليس الجميل. وكنست الثورة الفن بينما لم تنجب هي أيّ كاتب مهم ، حيث أرسلت الى المقصلة الشاعر الوحيد للعصر في حين كانت المسارح تقدّم أعمالا مبتذلة مثل ( الزوج الجمهوري ) أو ( المرأة الجمهورية ) أو ( العذراء ). وطالب أنصار سان – سيمون بفنٍ ( مفيد إجتماعيا ) ، و تقدميو العالم كله ما زالوا يطالبون العمل الفني بخدمة تطور البشرية و تقدمها. حتى أن الحال وصلت الى الحد الذي إعتبر فيه الفوضيون الروس زوجا من الأحذية هو أكثر نفعا من شكسبير كله.



نحن البرابرة

نحن ورثة الثقافة اللاتينية والفرنسية ، لكن ورثة إسبانيا ايضا شأن كل الأطراف البربرية لأوربا لم تمر بتجربة الرينيسانس بالمعنى العقلاني والعلمي الدقيق. لقد شببنا في قارة جديدة لا حدود لها ، ونحن نحس ونفهم دوستويفسكي وتولستوي وكيركيغارد و سترندبرغ ونيتشه وكافكا بصورة افضل. حتى لو كنا لانصلح لأيّ شيء آخر فبقدرتنا أن نوضح ، على الأقل ، لأوربيين معينين الجوهرالأكثرعمقا لبعض الأحداث الأوربية.
عدا ذلك فالبرابرة قاموا ، دائما ، بدور مهم فيما يخص الثقافات الأكثر ترفا. هكذا كان الحال مع الجرمان. فحين دخلوا على عرباتهم الحربية وقرونهم على رؤوسهم الى الإمبراطورية الرومانية المتهاوية ، وضعوا أسس الغوتيك وكاتدرائياته.
إن الثقافة جدلية على الدوام ( ليس بالمعنى الهيغلي بل كما فهمها كيركيغارد ) ، وفي صراع القوى ثمة دورلأميركا اللاتينية كانت تلعبه دائما في خلق الجديد ، وهذا راجع لأسباب هي عذرية القارة و بساطة روحها ومنظرها الطبيعي غير الإعتيادي الذي لا يحدّ ، كذلك لدمائها ، دماء الشعوب المُستخَّف بها أوغير المقدرة حق قدرها.





حول الفن الشعبي مرة أخرى

غالبا ما يقال اليوم ، ولأسباب سياسية ، عن الفن الشعبي كشيء معافى ، كمصدر للحقيقة و الطراوة. إلا أن القضية ليست بهذه البساطة.
لقد أعطت الروح القومية التي ولدت في أوربا ، الفن الشعبي قدره وبعدها بالغت في التقدير. فكما كان متجاهلا في وقت ما صار ، فجأة ، موضع عبادة الفنانين الذين يرون هذا الفن هوالأكثر أصالة ، والأقل تلكفا ، والأقرب الى قيم الأنسان العميقة. والحكم على أنتيوس وقدرته على إسترجاع قواه صارتا ، بشكل لامفر منه ، أقوالا شائعة.
وهي حقيقة أن الفن حين يصبح بلاطيا للغاية ، وحين تجهز الرغبة في إستمالة المتلقين المترفين على الفن وتحرمه من الدماء ، يَسمح له الرجوعُ الى الروح الشعبية بالعثور على القيم الأكثر أولية وحيوية وخاصة في المجتمعات الريفية التي لم تبتلعها دوامة التصنيع.
إلا أنه حتى آنذاك إعتبِرت ، في أغلب الأحيان ، الرقصاتُ أو الروايات التي لم تكن غير تحوير للفن الأرستقراطي من مظاهر الأصالة. مثلا كانت ترانيم عيد الميلاد الشعبية بقايا طقوس العيد البلاطية ، والأثاث كان تبسيطا وربطا للأساليب من الرينيسانس لغاية لويس الخامس عشر ، أما رقصاتنا الشعبية فليست إلا هجينا لرقصات الأرستقراطية الإسبانية. وبفعل الآلية التي تجعل الطبقات السفلى تقلد عادات الطبقات ذات الإمتيازات ( لغاية اليوم فكل عاملة متجر تسحرها صورة فوتوغرافية لحفل زواج في الأوساط الراقية ، كما نجدها تقلد تسريحة شعر النجمة السينمائية ) يتقبل عامة الناس أساليب و أشكال الفن المترف و يبسّطونها ويحوّرونها.
ويمكن القول عن الفن الشعبي ( غير الملوث ) للمجتمعات البدائية التي تعيش بعيدا عن الحضارة ، مثل مجمعات جزر المحيط الهاديء أو في أفريقيا قبل ظهور الرجل الأبيض ومخترعاته ، لكن ليس هناك من معنى ، بل أنها ديماغوغية عادية ، منح هذه الصفات للفن الجماعي الذي كوّنت ذوقه الصحف والتلفزيون.


مصدر الخيال fiction الأدبي

في هذه الحياة المحدودة والوحيدة التي مُنحت لنا نحن مرغمون ، المرة تلو الأخرى ، على إختيار طريق واحد حسب من بين طرق لا يحصى عددها. وأن تختار إمكانية واحدة يعني أنك تقذف البقية في العدم. وعن هذا الطريق المختار لانعرف حتى إلى أين يقودنا ، فرؤيتنا للمستقبل ضعيفة ونحن نشعر بقلق البحّار الذي عليه أن يتجنب الصخور الخطرة في الضباب أو الظلام. نحن لانعرف إلا أمرا واحدا وهو أن الموت ينتظرنا هناك لامحالة ، مما يجعل الإختيار أكثر إيلاما حين يصبح الوحيد الذي لا رجعة عنه. إنه يظهر كإختراع شيطاني كي يؤلمنا لحد أكبر، كنذير لخيبة أمل محتومة ، كطريق الى الخيبة والهزيمة . كل هذا ، ولكي تكتمل سخرية القدر ، هو من صنع ايدينا.
وفي الخيال الأدبي نبحث عن طرق أخرى ملقين في العالم شخوصا كما لو أنها من لحم ودم بينما تعود هي الى مملكة الأشباح. وهي تكمل ، عوضا عنا ، ولدرجة ما فينا ،المصائر التي حرمتنا منها تلك الحياة الوحيدة والرواية الملموسة ( الكونكريتية ) رغم أنها غير فعلية إلا أنها تكون الشكل الذي إخترعه الإنسان كي يتملص من هذه المحدودية. هو شكل هش كالحلم إلا أنه ، على الأقل ، أكثر خضوعا.
وهذا هو أحد مصادر الخيال الأدبي .
و الآخر قد يكون الرغبة في الأبدية التي يمتلكها الإنسان. وهي ليست على وفاق مع محدوديته ونهائيته. إن البحث عن الزمن الضائع ، وإستعادة الطفولة أوعاطفة ما ، والبقاء في حالة إنبهار، ما هي كلها إلا محض أوهام.



من مفارقات الخيال

الأمر المميز للرواية الجيدة هو أنها تجرّنا في عالمها ومن ثم ندور فيه منفصلين عن الواقع ، وبعدها ننساه. لكن كيف يحصل هذا المأر والرواية هذه هي من يكشف ذات الواقع المحيط بنا ؟



الأدب والبغاء

كيف العيش ؟ بالشكل الذي لايتضرر فيه الإبداع و لايتلوث ولايُهان ؟ قد نؤسس ورشة ميكانيك صغيرة أو العمل كموظف في بنك ، أو بيع سلع صغيرة في الشارع ، أو السطو على بنك.


العمل الفني بين الناس

ليس وعينا متماسكا أو واضحا ، والإنسان نفسه لا ( يعرف ) كيف هي أحاسيسه. فهي حين ُتقذف في العالم تنكسر في الوسط المغاير بطابعه ودرجة كثافته ، وترجع إلينا بعد أن تكون قد إرتطمت بالقلوب الأخرى ، وبذلك تزيد من بلبلتنا. وشيء شبيه بهذا يحصل مع شخصيات الرواية التي فقدت ذواتها ، فهي ليست كما كانت قبل القراءة . بهذه الصورة يصيغ كل قاريء ، ولحد ما ، العمل الأدبي. فكل جيل أو عصر يمنحه معنى جديدا.
وأكيد أن ليس كل رواية تثير أحاسيس القاريء بذات الصورة و الدرجة.



أدب الأمل ؟

لم يخلق الإنسان من اليأس وحده بل ، وهو أمر أساسي ، من الإيمان والأمل. وليس من الموت وحده ، بل من الرغبة في الحياة . و ليس من الوحدة فقط ، بل من الحاجة الى التفاهم و الحب. ويبيّن أدب سان – أكزيبري Saint – Exupery الى أيّ قدريمكن أن يكون الأدب عميقا ، رغم ذلك ، ومليئا بالمشاعرالدافئة والمتفائلة.
وقال نيتشه إن المتشائم هو مثالي مُسّت كرامته. و إذا أبدلنا هذه الحكمة قليلا فبمقدورنا القول إنه مثالي خاب أمله ، وحينها يكون من السهل إعتباره إنسانا خائب الأمل على طول الخط ، ففي طبيعته المثالية توجد سذاجة لاحدود لها. وكما أن طرد الأوهام تكون بدايته في الأوهام فإن اليأس ينبع من الأمل ، والأول والثاني – إنعدام الأوهام ، والأمل – هما ( وهو أمر غريب ) دلالة على الإيمان العميق والنبيل بالإنسان.
ولايصبح الشكوكيون الذين لا يؤمنون بأيّ شيء متشائمين. لذلك فأكبر أعمال الأدب المعاصر و أكثرها إمتلاءا لاتنحدر الى موقع الشكوكية العادية ، وكما حصل لأكثر من مرة ، في أزمان أناتول فرانس الساحرة حين سقطت في يأس قاتم مما يكون عاقبة لفقدان الإيمان ومقدمة لولادة آخر. إن الإنسان بحاجة الى النظام ، الى شيء متين يمكنه أن يستند إليه. وكان يخيل له بأنه عثر على هذا الشيء في النظام العلمي إلا أنه ادرك في النهاية بأن هذا النظام هو غريب على أعمق حاجاتنا الروحية ، وسقوط الحضارة التكنوقراطية ، وبمعزل عن أسبابه المادية ، قد بيّن بأن ذلك النظام الذي لايعطي أية أسس مأمونة يحوّلنا الى عبيد للماكنة التي لاتعرف الرحمة. وكان يخيل لنا بأننا قد غزونا العالم ولكن هذا العالم كاد أن يسحقنا. وجميع الذين لم يعثروا على ذواتهم في الأديان القديمة الحقيقية توجهوا صوب العقائد الجديدة ، العلمانية والسياسية.
وفي هذه الأحوال نشأ الأدب الجديد. أولاً كحاجة ملحة الى إحتواء الفوضى وفحص الوضع الإنساني في هذا الإضطراب كله . بعدها نشأ ، بفضل هذه الفحوص ومحاولة غامضة الى هذه الدرجة أو تلك ، في إظهار النظام الذي نحن بحاجة إليه ، و الطريق الهادي وسط هذا الركام.
وهكذا كان ينبغي هدم القيم الزائفة للمجتمع الذي تحكمه الفتيشيات أو الفريسيون والأصنام البورجوازية الصغيرة.
إلا أن عالم الرواية هو منطقة الرغائب ، والأحلام والأوهام ، عالم الواقع الذي لم يكن ، أوغير المحُقق ، كما لو أنه خرائب العادية ، وعلى إستعداد دائم للنشاط الهادف تحديّ كل ما يحيطنا. وفي أوقات النظام البوروجوازي إنحازت الرواية الى الفوضى والإضطراب ، و أبطالها ( أمثال راسكولنكوف ) وضعوا القنابل تحت الجسور والطرق في هذا المجتمع المرائي الذي كانوا يتعذبون فيه. إلا أنه اليوم ، حين سبّبت الحرب العالمية و الجمعية totalitarism فوضى عامة ، تبحث الرواية بلاوعي عن مملكة جديدة للأمل ، عن ضوء في الظلام و يابسة دائمة في مياه بلاحدود. ولقد دُمِّر الكثير . وحين يصبح التدمير فعليا ، على الرواية أن تتفرغ لنشر إيمان جديد.
وبالقدر الذي تكون فيه فرضيتي صحيحة بإستطاعتي القول ، و أنا غيرمجازف كثيرا ، أنه في السنوات القلائل القادمة ستحصل على أكبر شهرة تلك الكتب التي تكون قادرة لحد ما على نفح أمل جديد وحقيقي في الناس .


الفكرة اللحوح الخلاقة

لا ينبغي إختيار الموضوع ، بل علينا أن نسمح له بإختيارنا . لاينبغي البدء بالكتابة طالما أن الهوس لم يحاصرنا بعد ، ليبدأ بملاحقتنا والإنقضاض علينا من أكثر زوايا الوجود سرّية ، و أحيانا لسنين طويلة.


الأحلام تعود

في موقعٍٍ ما يروي جيد Gide إن الفنان ينبغي الحكم عليه ليس وفق قدرته على الخلق بل التضحية. من جهة أخرى فجميع هذه الزفرات التي تنبعث من مهاوينا الروحية ستظهر من جديد عاجلا أم آجلا ، ولربما تعطينا مواضيعا أكثر مواءمة للقدرات الكتابية .ويعترف غيته Goethe أن جميع الخطط غير المنتهية و المهملة لشتى التراجيديات قد خدمته في النهاية عند كتابة ( أفيغينيا في تاوريد ) “12 “.


عودة الى الأسطورة

حين كان الإنسان كلا و ليس مجموعا لأجزاء متناثرة يدعو الى الرثاء حقا ، كان الشعر والفكر تعبيرا عن روح الإنسان . وكما يقول ياسبرز إن الفلسفة تغلغلت في كامل الوجود البشري بدءا بالطقوس السحرية للكلمات عبر تقديم المصائر البشرية والإبتهال الى الله في الصلاة. وكان الشعر العميق الجميل هو الفلسفة الأولى ، والتعمق الأول في الكون ، وفجر التعرف المتكشف في الفكر السابق لسقراط.
وكان التمرد الرومانسي إقترابا مجّددا من الأسطورة. و العبقري فيكو السابق للرومانسية قد سبر أغوار ما عجز المفكرون الآخرون عن فهمه فيما بعد. و لحد ملحوظ كان مؤلفه بداية إعادة التقييم ، عبر فرويد – يونغ والتي بلغت ذروتها في أيامنا هذه و بدعم لايخلو من المفارقة من جانب ليفي – بريل Levy – Bruhl . ففي أعمال هذا العالم الأثنولوجي نجد التأكيد على عقم أيّّ محاولة للنظر العقلاني في الإنسان ككل. وهذا العمل الذي بدأ من أجل البرهنة على مسألة الإنتقال من الذهنية ( الأولية ) الى الوعي ( البراغماتي ) إنتهي بعدها ببضعة عقود بإعتراف مؤثر بالهزيمة ، إذ أضطر العالِم في النهاية الى الإعتراف بأن لاوجود لتلك الذهنية أو ( ماقبل المنطقية ) كدرجة أوطأ في تطورالإنسان. فهناك ليس إلا التعايش بين الذهنية و ذاك الوعي في كل عصر وثقافة. ولنلاحظ بأن هذه الذهنية ( البراغماتية ) - لاحيلة لي في الأمر، إلا أن هذه الصفة تسليني – لم تكتف بالإلتصاق بالفكر الغربي لكي تعلو ثقافتنا التكنوقراطية على الأخرى ، بل كذلك و للأسباب والدوافع ذاتها ، نشأ الإعتقاد بأن القدرة العقلية للرجل و بحكم إستعداده وقابليته الأكبر في التفكير المنطقي ، هي أكبر بكثير مما عند المرأة.
ووفق الفكر التنويري كلما إبتعد الإنسان عن الحالة الأسطورية – الشعرية تتسارع وتيرة تطوره. وعبّر توماس ل . بيكوك T.L.Peacock في عام 1920 عن هذا الأمر بأسلوب مفخم لايخلو من الغرابة : ( الشاعر في أزماننا متوحش في المجتمع المتمدين ). وفحوصات ليفي – بريل قد بينت الى أيّ درجة مريبة هذه الإدعاءات ، وكم هي بالغة الغرابة و العجرفة. إن الأسطورة التي ُطردت من عالم التفكير النقي إحتمت بالأدب ، وهذا دنسّها بدوره لكنه دافع عنها أيضا. وعلى المستوى الأعلى ديالكتيكيا فإن الأدب فتح ، الى جانب التفكير السحري ، بابه اأمام التفكير العقلاني أيضا.



إزالة الأسطرة demythification
إزالة التمويه demystification


كان فرويد عبقريا حقيقيا لكن بوجهين : إمتلك من جهة أساسا حدسيا للاوعي مما قرّبه من الرومانسيين ، ومن جهة أخرى كان طبّّ زمانه قد ربّاه وفق منهج البراغماتية. ويمكن أن نلاحظ عنده الميل الى إخضاع كل ظاهرة ثقافية للفحص العلمي شأن الحال عند الماركسيين . والمفكر

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر



حول مخاطر البنيوية

إن كل شيء هو بنية على وجه التقريب . وكما بيّن بروفسورٌ ما بكل حماس ، كل شيء بنية عدا ماهو بدون شكل. وهذا شبيه بالقول : عدا اللافقريات تكون البقية فقريات. وإذا تجاوزنا حماقة هذا الحكم الأجوف ، ففي الواقع ليس هناك من شيء تنظر إليه ليس ببنية. بدءا بالأخطبوط وإنتهاءا بمؤلف باخ ( عاطفة القديس متي ). كذلك فهو أمر أكيد بأنه لايمكن الكلام عن عنصر ما معزول بدون مراعاة الكل ، كما لاحظ أرسطوطاليس حين قال إن ( الكل يسبق الجزء ). وبهذا السياق كان ذلك رد فعل لا غنى عنه ضد الذروانية " 16 “ atomism التي خرجت من الفيزياء وتفشت كالوباء في الميادين الأخرى ، وأكتفي هنا بالإشارة الى العبث المتمثل بالأطباء الإختصاصيين . كيف يمكن أن توجد فئة أخصائيي القلب ؟ رجل المال قد يتعرض لنوبة قلبية بعد هبوط أسهم النقد ، وهنا ثمة حاجة الى وجود خبراء في العالم ، علماء العالم !. والبنيوية كانت كذلك رد فعل سليما على النظريات البراغماتية وعلى كل الأشياء الباهرة التي أفرزتها مدرسة تين Taine ، إلا أنها بالغت فيما بعد . كلا ، ليس هذا الأمر يغيظ الإنسان ، بل ما يغيظ هو إرهاب دوغمائيي البنيوية الذي يرافقه الإعجاب الفارغ بكل ماهو قادم من باريس ، سوية مع العطور و تسريحات الشعر . إنها خليط من الأنثولوجيا وكريستيان ديور. والموضات في الفنون الأصغر ( ولتكن هنا أزياء المرأة ) هي مبرَّرة لكنها في الفن الكبير تثير القرف. وطالما كانت البنيوية في عزّ مجدها لم أرغب الكلام عنها . والآن حين بدأ الإعتراف بأن الزمن قائم ، وأن البنى الإجتماعية تتبدل تحت تأثير الضغوط الخارجية ، وأن الأعمال الفنية ليست بشيء غريب على الأنا التي تخلقها وعلى العالم الذي تنشأ فيه ، حينها لايمكن الإعتراف بقيمتها الحقيقية والنهائية. وما كان يزعجني هو ضرورة الرقص بإيقاع واحد و لسبب واحد هو أن البنيوية كانت ملكة مكتبات باريس. و في الأخير فإن كل صبي يملك القليل من البصيرة في منتصف الثلاثينات كان يعرف ما هي البنيوية ، إذ ليس ممكنا دراسة نظرية النسبية أو نظرية الكم بدون الحساب التفاضلي وغيره من المباديء الأساسية الأخرى للبنيوية. عدا ذلك ، فحين كنت أتردد في عام 1944على معهد علوم اللغة Insitato Filologia تدرَّس وتترجم . أما الذين يذيعون علينا أفكاره اليوم فهم لم يكونوا قد ولدوا بعد آنذاك.
وكما هو الحال دائما ، فإن أشد إساءة لكل نظرية يأتي بها الدغمائيون الذي يحوّلون كل شيء الى كاريكاتور متحجّر. وهو أمر واضح بأن صفة الحركات الجديدة هي الإيمان بأنها تكشف الحقيقة المطلقة. وكل منهج فلسفي يسعى الى إنهاء الخلاف حول الذات والشيء طالما لم يصبح بعد ، هذا المنهج فصلا في تأريخ الفلسفة . وأفدح خطأ لمتطرفي هذا الإتجاه هو الطموح في الإطاحة بالتأريخ مما يبدو لي أمرا مبالغا فيه ، حين ندرك بأن كل ماهو حولنا زائل. وهم يلوحون بالتزامنية كما لو أنها عصا تنزل على رأس من لا يناصر الحداثة ! نعم ، نحن نعرف بأنها كانت رد فعل أزاء ذروانيي التأريخ و براغماتييه ودوغمائييه . لكن الأمر لا يخلو من المبالغة.
لننظر الى اللغة : إنها واقع يمّر بتحولات مستمرة شأن الثقافة كلها. وعلينا الإعتراف ، عاجلا أم آجلا ، - أوه ، يالتعاقب الأفكار الزمني ! - بهذه الحقيقة البسيطة لكنها المُحيية أيضا ، و القائلة بأن البنى تتغير وحتى إذا جاءت كنسق حالات التعاقب الزمني diachronique . و بذلك ينبغي الإعتراف بأنه في كل واقع لغوي تكمن بذرة التغيرات التي تقود الى بنية جديدة . مهلا ، بدون نرفزة ، فهذه ليست لطخة في الشرف.
إذن ، في المحصلة تكون البنيوية مبدأية لغاية نقطة واحدة . إلا أن هذا لايكفي. فمن هذه النقطة تبدو المخاطر. وأولاها عدم الإعتراف بدور التأريخ ، والثانية تقوية مفهوم الروح النشاطي وحتى السبرنتيكي ، أي تعميق إستلاب إنسان أزماننا و الذي سببه التكنيك. وتحليلات معيّنة هي حقيقية فيما يتعلق بأحوال الوجود الرياضية إلا أنها حقيقية نسبيا عند الإنسان. وهذا الطراز المتطرف من البنيوية ، كما لاحظ ليفيبفر Lefebvre عن حق ، يسبب أخطار أقنومية ( منح المجرد صفات فعلية ). وهو أمر واضح بأن أحوال التطرف هذه نشأت في الولايات المتحدة ووفقا للفتيشية العلمية المعهودة، وكما كان الحال مع جميع عبثيات البراغماتية المنطقية. و فيما يخص ممثلين معينين للنقد الجديد، هم يحتجون ضد الفهم البراغماتي للعمل الفني الذي يعطي أهمية خاصة للمشروطيات من نوع المناخ ، فهم قد وقعوا في خطأ الحلولية " 17 “ immanentism التي خيل لها أنها قد حوّلت الرواية الى فكرة أفلاطونية خارج الزمكان وغريبة على مصائر الإنسان والمجتمع. كذلك فالتحليلات الجادة التي يقوم بها أورباخ Auerbach في مؤلفه ( المحاكاة Mimezis ) حيث يكون سوريل " 18” Sorel إنعكاسا للشروط الإجتماعية والسياسية وحتى الإقتصادية من فترة عودة الملكية الى السلطة في فرنسا ، هي مبتسرة في منهجها ذي البعد الواحد. وأنا أعرف أن ليس جميع البنيويين قد وقعوا في فخ الإضحاك ، إلا أن هذا كان مصير الدوغمائيين الأكثر تعصبا. عدا ذلك فهم إستغلوا ، وما زالوا ، الوضع نتيجة لميلهم الى ( فن التوليف Ars Combinatoria ) والذي يعرفه كل من تفرغ ، مرة ، للرياضيات : حالات الإستبدال permutation والتحويل transformation والجبر الطوبولوجيtopologic ونظرية اللعب . إنها طرائقية مثالية و قد تكون الحقيقية وحدها بالنسبة لأحوال الوجود من عالم الرياضيات ، لكنها لاتصلح للبشر.
وفي الأخير فإن المبالغة في تقدير اللغة ، حتى في الأحوال الأكثر هوسا إستثناء أية حالات خارجية منها ، قد حوّلها الى خطاب بحثٍ هو من نوع خطاب حول الخطاب. وحصل هذا على حساب قطع كل الوشائج بالحياة . وأنا لا أجزم البتة بأنه قد منح إمتياز للمضمون على حساب الشكل . بل على العكس ، فأنا اعتقد بأنه في كل عمل عظيم لايمكن التفريق بين الإثنين كما لو أن كل المضامين تظهر دائما في شكل معين ، والشكل يحمل المضامين بأسلوب لامفر منه. فلو قررت المضامين لوحدها لما كان بالإمكان فهم الأعمال الفذة التي خلقها شكسبير من المواضيع العادية لعصره. وهذا المبدأ بالذات يدفعني الى فرض وقاية صحية على الأدب الذي يفضّل الشكل. بهذه الصورة ، ولو أن السبب معكوس ، اأقى مرتابا بجميع الآداب ( البانية ) و لكن المحرومة من القيم الحقيقية.
وتنطلق الوجودية والماركسية من الإنسان الملموس ( الوحيد الذي هو موجود فعلا ) وهذا يعني أن الإنطلاق هو من الذاتية . وهذا المفهوم يمنح الإنسان ، عامة ، كرامة فعلية لأنه لايعامله كنوع من الأشياء. وعلى العكس من ذلك يعتبر الماديون المتحجرون الإنسان نتيجة لعدد من العوامل ، كما لو أنه ذرّة أو قذيفة تتحكم بها الصدفة العمياء. إلا أن الذاتية ليست بشيء مغلق أو شخصية ، فهي في الكوغيتو Cogito الخاص بها لا تكتشف ذاتها فقط بل الآخرين أيضا. وخلافا للفكر الديكارتي والكانتي يتعرف الإنسان في الوجودية و الماركسية على السواء ، على نفسه من خلال الآخر ، و إكتشاف العالم الداخلي لإنسان واحد هو إكتشاف لعالم الآخر الذي يعيش معنا و يتعذب ويتحادث و يتفاهم معنا بالكلام والحركات والكراهية أو الحب ، بالفن أو المشاعر الدينية. إن هذا التفاعل الذاتي والصلة بين الذوات تقرر كلها الوجود الإنساني ، وهي تجري في كل لحظة بفضل العمل praxis الذي يخلق واقع الإنسان وتأريخه، إذن ليس ثمة هاوية بين الذات والشيء . ويخطيء الماديون الذين يبالغون في تقدير الشيء الذي يعتبرونه الواقع ، والآخرون الذين يعتقدون بأنه لايوجد إلا واقع الذات فقط . ولدى هيغل يكون الإنسان كينونة تأريخية تخلق ذاتها ، وتحقق العام من خلال الخاص.
ولنستشهد بشكسبير مرة أخرى : أيّ ( واقع ) يظهر في أعماله ؟ الخارجي فقط ؟ . هناك طراز من موظفي ( مسك الدفاتر ) لا يجد في مسرحياته إلا الشهادة الفنية على التراكم accumulation الأوليّ للرأسمال . وهذا المفهوم يفترض أن الحقيقة يمكن التعرف عليها بأسلوب آخر أيضا ، ولنقل من خلال علم الإجتماع رغم أنه في هذا المثال الملموس أُظهِِر الشيء بمساعدة شكل آخر. وهذا عبث واضح. فالفن هو لغة خاصة خلاقة تخلق واقعا آخر ، وتعبّرعنه بأسلوب لايسمح بنقله الى لغة أخرى. و بعضهم يريد أن يوضح الأحلام بدا من أن يراها في الرموز القائمة التي تظهر فيها. ألا يعبّر الحلم عن واقعٍ ما بالأسلوب الوحيد الممكن؟ والأكثر من ذلك ، فإن هذا التعبير هو الواقع بحد ذاته. والحال ذاتها مع السمفونيا أو الرواية. وما الذي أراد كافكا قوله في ( المحاكمة ) ؟ ما ذكره في الكتاب. غن الفن ، كالحلم و الأسطورة ، هو وَلهٌ وجودي لاغير. وفي كل الأحوال فهو تجلٍ لشيء و ليس هدفا لذاته، وهذا لا يعني أنه تعبير أو تجل ميكانيكي أو إنعكاس للواقع الموضوعي . وفكرة الإنعكاس ، المحاكاة mimezis ، هي أقانيم المادية السوقية والبراغماتية. حتى أن مدام دي ستايل De Stael تكلمت عن ( الفن الجمهوري ) تماما مثلما يقولون لنا ( الفن البوروجوازي ).. وهناك ، بلاشك ، إعتماد متبادل بين الفن والمجتمع ، وحتى لدرجة وجود تناظر بينهما. وفي مجتمع اليوم ، مثلا ، حيث يقضّ مضجع الإنسان تشيؤه ، يكون الحنين أقوى الى الفردية المفقودة ، الى الخصوصية المستعبَدة ، الى ( الأنا ) المغتصَبة ، ألا يدفع كل هذا الى التعبير عن ميل قوي الى الجهر الغنائي ؟ إلا أن هذا الموقف ليس بإنعكاس عادٍ ، بل هو فعل تمرد ورفض ، فعلٌ خَلقي يُغني بفضله الإنسان الواقع َ القائم خارجه. إن الإنسان ُينتج الإنسان ، هكذا كتب ماركس حين عبّر عن فكرة كم هي بعيدة عن ( الإنعكاس ) المعروف . وهنا ، شأن الحال مع الكثير من مظاهر الفكر المعاصر، ينبغي تكريم هيغل الجبار وفكرته عن الإنسان الذي يخلق نفسه بنفسه. الإنسان يخلق ذاته من خلال كل ماهو مفتوح أمام روحه الذاتية subjective : من الماكنة لغاية الشعر. وأيّ عمل فني ، واللغة أيضا ، تملك طبيعة ثنائية وديالكتيكية: إنه تعبير عن الواقع ، وفي ذات الوقت هو الواقع بحد ذاته ، واقع غير كائن عدا هذا العمل و لاقبله. و تظهر اللغة هنا كوسيطة وهدف بحد ذاته.
ويعتبر أنصار المحاكاة اللغةَ نسخة من العالم الخارجي وسلسلة من الشارات الكلمية تعيد ، برأيهم ، خلق سلسلة الوقائع بالشكل الذي تؤدي فيه الذاتية دور المرآة. وفي القطب الآخر يرتكب بعض البنيويين ، كما أظن ، خطأ معاكسا : اللغة بحد ذاتها ولذاتها. أكيد أنه ينبغي تناول اللغة كنظام بحد ذاته ومع تجاوز الدلالة للأغراض الطرائقية. لكن نسيان مسألة أن هذا الموقف هو مؤقت ( وينبغي أن يكون )، فذلك يعني كونه شيئا مضرا شأن كل تجاوز للدلالات والتأريخ الإنساني الذي يهدم ، في النهاية ومن الداخل ، جميعَ الأنظمة.
و أظن أن هناك رباطا قائما بين هذه النظرية المتطرفة ، والمبالغة في تقدير اللغة عند بعض الكتاب المعاصرين.


ليس هناك وجود لفن فردي بحت

يخلق الفنان عمله من عناصر وعيه ، إلا أن هذه العناصر تعتمد على حقائق العالم الخارجي الذي يعيش فيه ، وهذه العناصر هي صيغ وتراجم مشوَّهة لهذا وذاك. ولايظهر للإنسان خارجيا عالم الأشياء المادي فقط ، بل كذلك المجتمع الذي يوجد فيه ، في حين أن الفن يصبح ، وفق قانون المجاز المرسل metonymy إجتماعيا وجماعيا. ورغم أن من يخلقه هو الفرد ، فرد متميز شأن كل خالق ، إلا أنه لايمكن أن يكون هذا العمل فرديا تماما. فأن تحيا معناه أن تشارك في الحياة. والفنان يختم نهائيا هذه الدورة حين يلتحق من خلال عمله بمجتمعه ، وحين يثير ويختبر إنفعالات الناس المشاركين له في الحياة. إن الفن ، مثل الحب والصداقة ، لايوجد في الإنسان ، بل بين الناس .


الموضوع والتنفيذ

ينطلق الفنان من أحساس مسبق معتم وغير واضح ، ولايعرف ، بالأساس ، عن أي شيء يبحث طالما لم ينته من عمله ، وحتى حين ينتهي. في المرحلة الأولى يمكن القول إن الموضوع يسبق التعبير ، لكن مع نشوء العمل الفني يمنح الشكل الأشياء تلاوينا رقيقة وغامضة وغير متوقعة. حينها يمكن القول بأن التعبير خلق الموضوع. وفي الأخير ، بعد إنتهاء العمل ، يصبح الموضوع ووسائط التعبير كلا واحدا لايقبل التجزئة. لذلك يكون أمرا عقيما محاولة فصل المضمون عن الشكل أو القول ، ذلك ما يحدث غالبا، و كذلك القول بأن هناك مواضيع كبيرة وأخرى صغيرة ، قضايا رفيعة وأخرى عادية. والواقع ان الفنانين ، وعملهم أيضا، هم كبارأو صغار ، رفيعون أو عاديون. و نفس حكاية المؤلف الإيطالي البسيط ، من إيطاليا عصر النهضة ، قامت بخدمة شكسبير في كتابة إحدى أكبر مسرحياته.
وفي العمل الفني يختفي الشكل في المضمون . لذلك تكون فاشلة جميع محاولات نقل الأعمال التي هي في جوهرها أدبية الى السينما ، مثل أعمال فولكنر. مثلا ( المنفى ) صارت مجرد تلخيص ظاهري لعقد الرواية ، كما لو أن المضمون الفعلي هو في الكتاب فقط ، بكل غناه وبريقه وتعقيداته. وكل جملة أو صياغة لغوية تمنح الكل العادي للأحداث الثانوية الميلودرامية التي نقرأها في الملخصات البائسة لمجلة (ريدرز دايجست Readers Digest ).



من المبدع ؟

إنه الإنسان الذي يعثر في شيء معروف ( جيدا ) على أشياء غير معروفة . ولكنه أولا ً شخص ميّال الى المبالغة.



الرواية و العالم المعاصر

يكون الوهم fiction الروائي - وليس سرد المغامرات بل رواية بأبطالها و قضاياها – نتاجا مميزا للحضارة الغربية. ولماذا لم تنشأ هذه الظاهرة المتميزة في الثقافات الأخرى ؟ أعتقد أن للعوامل التالية تاثيرها:
1 - العقلانية التي نبذت القوى اللاعقلانية و دفعتها الى عالم أوطأ مما جعلها تنبعث في النهاية في مملكة الفنتازيا.
2 – المسيحية التي ألقت في الجحيم بغرائز الإنسان الأساسية و قوّضت الإنسجام السكوني بين الوثني والكون ، وبذلك أولدت الضمير القلق ، فالمسيحي هو إنسان مريض كما يقول باسكال.
3 – التكنوقراطية التي حوّلت الإنسان الى شيء حين كبسته في المدن الكبيرة وعمّقت وحدته ، وبذلك أبرزت ضرورة التفاهم الحقيقي بمساعدة الوهم الأدبي.
4 – اللاإستقرار الإجتماعي الذي خلق بنى طبقية رجراجة ( عكس الحال في المجتمعات المعتمدة على الطوائف الدينية أو في المنظومة البدائية والطبقية أو في المجتمع الذي لايخضع لعامل التغيير كما في القرون الوسطى) وقوى الإحساس بوقتية الوجود الإنساني وقلقه وشكوكه وحزنه.
5 – مكننة الكلمة التي أبدلت التقديم الشفهي بالكتاب المقروء في عزلة ، مما سمح بقيام تحليل معمَّق للقضايا والقدرة التحليلية للعقل التي جاءت بها الثقافة القائمة على العلم.





الرواية إستعادة للواحدية الأولية

كانت عملية العقلنة التي تناولتها في هذا الكتاب ، و الآخذة بالإزدياد ، عملية إستلاب الإنسان وتقوّضه في الوقت نفسه. و للأسف حين وصلنا المجتمع التكنوقراطي لم يبق شيء من الواحدية الأولية.
وضد هذه اللاأنسنة dehumanization ظهر تمرد الفنان ، وهو أمر طبيعي ، الذي يتعلق إبداعه بالإنسان الملموس ، كذلك يسهل إيضاح أسباب توجيه تمرده ضد الفكر التجريدي المسؤول عن هذه اللاأنسنة . لكن في غضبه العارم لايقدر ، على الغالب ، أن يفهم حقيقة أنه بالقدر الذي كان صحيحا رفض ذلك الفكر التجريدي كان خاطئا الإطاحة بالفكر الملموس. والأكثر من ذلك ، فهو لم يفقه بأنه حين تبرأ من الأفكار تماما in toto وسلمها للفلسفة قد زاد بنفسه من البؤس الذي تمرد ضده. ولاشيء قادرغير الفن على إنقاذ الإنسان بصورة تامة ، لكن على شرط إرجاع حقه ( وكان يملكه على الدوام ) في كامل غنى التفكير الشعري.
وفي الأخير فإن أيّ كاتب كبير لم تخطر بباله فكرة هذا النوع من الإنتحار ، وأنه لايعيش فقط في عالم التجارب بل القيم الأخلاقية ، و التعرفية و الميتافيزيقية التي تسم بميسمها ، بهذا الأسلوب أو ذاك ، الكاتب وعمله.
و ليس الإنسان ، حتى لو كان وحيدا ، بشيء أو حيوان . فهو يملك مشاكل غير مشاكل الحجر أو الطير ( الجوع ، الحماية الدائمة ، الغذاء ) ، فمتاعبه ومعاناته مرتبطة بالدرجة الرئيسية بوضعه الإجتماعي والنظام الذي يعيش فيه ، وظروفه العائلية وطبقته الإجتماعية و شهوة الثروة أو السلطة ، و الغضب بسبب هذا القدر من التعقيدات. وهل بالإمكان أن توجد رواية حقيقية ( وإن لم تعمق قضايا المصير الإنساني ) بدون أن تثير هذه القضايا وتتناوله ا؟ أو ليس هذا التناول هو في النهاية مجموعة أفكار غير موصولة أو منسقة ، غير مترابطة أو متكاملة ، أو هو فلسفة ما ؟ إن دراما روميو وجوليت ، كما لاحظ أحدهم ، ليست مسألة الجنس ذاته و لامسألة المشاعر ذاتها بل تلدها الشروط ذات الطبيعة الإجتماعية و السياسية. كذلك تكون بلا معنى رواية ( الأحمر و الأسود ) بددون تلك القشرة الإجتماعية للصدمات الأخلاقية والمطامح التي يتحرك في نطاقها البطل سوريل ، وبدون أفكار جان جاك روسو التي تكمن في أدب ستندال ، وبدون الأفكار التي تسبق العمل الأدبي ، وبدون الأيدولوجيا التي تلهم الرواية بهذه الصورة أو تلك وتحدّد هويتها ، و في جميع الأحوال تعطيها الإستمرارية ( البقاء ) الفلسفية و المعنى الإنساني. كما لايمكن فهم شعر دانتي العظيم بدون فلسفة توماس الإكويني التي تحكم أفكاره وحتى عالم الإنفعالات ، فتلك الأفكار تفجّرها ، وفي أضعف الأحوال تشوّهها. كذلك لايمكن للمرء أن يتصور بروست الغريب عليه برغسون و آراء زمنه في الموسيقى والتصوير الحب و الموت والحرب والسلام . وعن كل هذه القضايا يكتب ليونيل تريلنغ L.Trilling في كتابه ( المخيلة اللبراليةThe Liberal Imagination ).
ومن الناحية الأخرى فحضارتنا صارت مشدودة بصورة متزايدة بالقضايا و الأفكار ، ولربما لاوجود لإنسان غير مَعنيّ بالقضايا السياسية و الإجتماعية والأيدولوجيات السائدة ، وما زاد الطين بلة أن هذه كلها أثارت مثل هذا القدر الهائل من الإنفعال ( لنأخذ الفاشية مثلا ). والآن أيّ شخص ، عدا الروائي والكاتب المسرحي يقدر ، بل ينبغي عليه ، أن يقدّم شهادة لأحوال إعادة التقييم و التي هي على الدوام مضفورة ، بقوة ، بالأفكار. وبإسم أيّ قضية جنونية عليه أن يزيل عن عمله ( تحت تهديد الموت ) هذا المزيج من الأفكار و يبقي الإنفعال وحده ؟ إن الكثيرين من الكتاب سمعوا بأن الفلسفة و العلم يتفرغان للأفكار ، وحاولوا طردها من إبداعهم ممارسين عملا من نوع اللاعقلانية الغريبة تتمثل في أن الإنسان ، أراد أم لا ، لايتوقف عن التفكير أبدا. وأنا لا أرى سببا يكف الإنسان من أجله عن التفكير ، خاصة حين يصبح بطلا روائيا . ويكفي أن نفترض أن أيّ شيء سيبقى من أعمال بروست ، وجويس ، ومالرو ، أو تولستوي إذا نبذنا الأفكار ، كي ندرك عظم هذا العبث.
إن الكاتب الواعي ( و أنا لا أتحدث في هذا الكتاب عن الآخر غير الواعي ) يشكل وجودا متكاملا يستفيد بصورة كاملة من المواهب الإنفعالية و الفكرية كي يقدّم شهادة على الواقع الإنساني الذي هو إنفعالي و فكري بصورة متلاحمة . ويمكن للعلم أن يعمل بدون الذات ( الفاعل ) مقدّما الوصف الإعتيادي للأشياء ، إلا أن الفن غير قادر على العمل بدون أيّ واحد من هذين العنصرين. ورغم أن مملكة الفن هي الإنفعالات ، لكن علينا التذكر بأن الإنسان يمر بإنفعالات فكرية أيضا ، وأيّ واحد من الكتاب العظام الذين ذكرناهم لم يكتف بالإنفعالات الحسية ، إذ هو يرينا عالما مشتركا دراماتيكيا موصولة فيه ، بكل قوة ، المشاعر و الإنفعالات بالقيم الروحية ، والأفكار والعقائد الدينية أو الأخلاقية ، وطراز فلسفي أو أستيتيكي محدّد. إن هذه الرؤيا الكلية للعالم هي أمر ممكن بفضل إنسية humanism الكاتب الشمولية ، بفضل العمر الطويل المكرس و ليس للتأمل فقط ، بل التجارب و الإنفعالات والمعرفة التي غنمها من الأموات و الأحياء ، وكل ما يجعل كتابة الرواية أمرا لايحتاج الى الموهبة فقط بل الى تجربة ثرّة وعميقة.
من ناحية أخرى فهؤلاء المبدعون العظماء هم أفراد متميزون يجمعون ، عادة ، بين الحساسية البالغة وأعلى درجة من الذكاء ، وهم لا يعرفون كيف هو الفصل بين أفكارهم وأحاسيسهم كما يحصل لدى الفلاسفة الحقيقيين ، ولربما لأنهم يفهمون أحسن من غيرهم وحدة العالم الأساسية . كذلك فأبطالهم ليسوا بظل عادي لمعتقداتهم وإنما تجسيد أو تشخيص لتلك الأفكار. وكلما كان التجسيد اعمق وأكثر جوهرا كان ثقلهم الفكري أكبر ، و يصبح الوجود أكثر إمتلاءا كلما عمقناه بوعينا.
عدا ذلك لايمكن للرواية العميقة أن تملك طبيعة ميتافيزيقية ، فوراء جميع القضايا العائلية والإقتصادية الإجتماعية والسياسية التي تكون موضع الخلاف بين الناس تكمن دائما قضايا الإنسان النهائية : العذاب ، شهوة الحكم ، الدهشة و الفزع أمام الموت ، الحاجة الى المطلق والخلود ، التمرد على عبثية الوجود.
من ناحية أخرى ، تظهر هذه القضايا النهائية دائما في الأدب بشكل تجريدي كما يحصل في الطروحات الفلسفية ، بل من خلال الإنفعالات. قضية الخير والشر تطرح من خلال قيام طالب فقير بقتل مرابية . إلا أن الإنسان لايقتصر ، كما يخيل للموضوعيين ، على القتل بمساعدة قطعة حديد ، كذلك فهذا العمل لاترافقه الأحاسيس فقط. عدا ذلك فالإنسان هو كائن مفكر وقد يحصل أن لا تكون أفكاره هذيان مجرم مختل العقل ، بل نظاما تفكيريا لمرتكب جريمة يريد أن يصور من خلال فعلته هذه نظرية فلسفية ما ، معقدة ومثيرة للإستغراب ، كما يحصل في رواية دوستويفسكي. لذلك ، ففي الكثير من الروايات توجد الفلسفة ، ليس فقط في الطابع و المناخ العام كما في أعمال كافكا ، لكن قد تحصل فيها جدالات فلسفية بحتة ، كما هو الحال في الفصل عن المفتش الكبير في ( الأخوة كارامازوف ).
وفي الأخير ، ليس هناك من حاجة كي يعلن الفنان ، عن عمد ، أيدولوجيا معينة إذ أن حضوره في الثقافة يجعل من عمله ممثلا للأفكارالسائدة أو الإنقلابية أو بقايا الأيدولوجيات البائدة أو الإيمان العميق. وليس هناك من سبيل لفهم هاوثورن Howthorne أو ملفيل أو فولكنر بدون ( ميسم ) الأيدولوجيا البروتستانتية أو التفكير التوراتي ، رغم أنهما ليسا بمؤمنين أو بصورة أدق : ممارسين لطقوس العبادة. وهذا الميسم يمنح القيمة والديمومة لرواياتهم التي تتخطى بعيدا حدود التسجيل العادي للأحداث بفضل التأملات العميقة والمؤثرة في موضوع الخير والشر ، والقدرية والإرادة الحرة ، مما كان في الماضي مهمة للدين ، وحاليا إستعادت هذه المواضيع عظمها المصدم في أعمال هؤلاء الفنانين. وهذه التاملات تصل العظمة التراجيدية لأنها ممسوسة مثل جميع الفنانين العظماء الذين هم ممسوسون ، تنجب شخصيات لوّثها الشر ، بينما الشيطان يحقق في هذه الأعمال تجسّده الكامل الذي هو في الدراسات اللاهوتية نظري وتجريدي.
في كل رواية عظيمة ، كما في كل دراما عظيمة هناك فلسفة حياة وأيدولوجيا، لذلك قد يكون كامي Camus محقا حين يذكر بأن بلزاك ومالرو وكافكا هم كتاب فلسفيون. إن كل واحد من هؤلاء الفنانين العظماء يعبّرعن فلسفة حياة weltanschauung ، ولو أنه من الصحيح الكلام عن " رؤيا معينة للعالم " عن تحسس حدسي بالعالم والوجود الإنساني ، وعلى العكس من المفكر الصرف الذي يقدّم لنا في مؤلفاته هيكلا مفهوميا للواقع ، نجد أن الشاعر يظهر صورة ممتلئة تختلف عن ذلك الجسد المفهومي ، تماما كالأختلاف بين الكائن الحي والمخ المعّد في المختبر. و في تلك الروايات الرائعة لايحصل التدليل، كما يفعل الفلاسفة أو العلماء ، بل تتم عملية إظهار الواقع لاغير. لكن ليس الواقع الإعتباطي بل المُنتقى و المحوَّل على يد الفنان ووفقا لرؤيته الخاصة للعالم ، وبالشكل الذي يجعل من عمله لدرجة ما ، رسالة و أنه يعني شيئاوأنه يعني شيئا. إنه شكل يقدّم لنا الفنان ، بفضله ، الحقيقة عن الجحيم و السماء التي يراها و تعذبه تجربتها. وهو لايطرح البراهين ولايدلل على أية فرضية كما لايمارس الدعاية من أجل هذا الحزب أو تلك الكنيسة : إنه يقدّم لنا معنى ما يكاد أن يكون نقيضا للفرضية ، فالمؤلف يقوم في الرواية بأمر يختلف تماما عن أعمال جميع الدعائيين.
وتنشأ الروايات العظيمة لغرض آخرغيرالتعليم الأخلاقي ، التأثير البناء ، أو تنويم الإنسان وتهدئته في حضن الكنيسة أو حزب سياسي ما ، بل على العكس فهي قصائد مهمتها إيقاظ الإنسان وإخراجه من مستنقع الأقوال والقوالب المستهلكة ، ويدبّر هذا كله الشيطان و ليس محراب أو مكتب سياسي ما. و يكفي مقارنة ( موت إيفان أيليتش ) بأيّ رواية مخصصة للآنسة المهذبات تريد البرهنة على علو الفضيلة على الخطيئة ، لكي نتصور الهوة القائمة بين الرواية الفلسفية حقا ، و الأخرى ذات الفرضية.
نحن نعيش في عصر الأزمة و لكنه عصر البَتّ والتركيب أيضا. وأزاء التمزق العميق للإنسان يظهر الفن كوسيلة لإستعادة الوحدة المفقودة. وهذا كان الموقف العام للرومانسية التي جابهت الروح الأبولينية بالفاوستية. ولم يخطيء الناس من محيط الألمان العظماء حين أرادوا صهر المتناقضات – هلدرين ، شليغل ، شيللنغ – وربط الفلسفة بالفن والدين. وفي بحر جنون العلم شعرهؤلاء الناس ، بصورة حدسية ، بأنه ينبغي إستعادة الوحدة الأولية.
إن أهم نشاط للإنسان من أجل هذا التركيب هو الفن بالذات . ففيه تلتقي جميع النوعيات ، إنه مملكة الحلم والواقع ، اللاوعي والوعي ، الحساسية والذكاء . وفي رد فعله الأول يدور الفنان في مهاوي الوجود المظلمة ، ويستجيب لقوى السحر والحلم ، ويذرع في كل جهات هذه المنطقة التي لاتعرف الحدود ، ثم يتراجع الى مملكة الحلم وأراض للبشرية لاتطالها الذاكرة حيث ما زالت تسود هناك الغرائز الأساسية للحياة والموت ، وتبث الحياة في أشباح الجنس الطبيعي سِفاح القربى و الأبوة وجريمة قتل الأب. وهناك بالذات يعثر الفنان على المواضيع الكبيرة لتراجيدياته. ومن ثم يعود الفن ، على خلاف الحلم المعذب الذي عليه البقاء في تلك الأرض – أرض الغموض والفزع ، الى العالم البيّن من حيث مضت قوة التعبير : الضغط – السابق ex – pression المدفوعة الآن ، وحينها يحوّل الفنان بفضل قابلياته تلك الأمواج المغنومة من الظلمات وهو يقظ وواع ليس كإنسان قديم archaic أو سحري magic بل كساكن من سكنة عالمنا المعاصر ، كقاريء للكتب ومُشاهِد لأحداث يملك أحكامه الفكرية المسبقة و يشغل موقعا إجتماعيا وسياسيا. وهذه اللحظة التي يتراجع فيها دوستويفسكي قاتل الأب ، جزئيا أو بصورة غير واضحة ، مفسحا المكان لدوستويفسكي المسيحي والمفكر الذي يربط كلا الشبحين الليليين الخارجين من داخله بالأفكار السياسية اللاهوتية التي تتلاطم في رأسه ، والحوارات و التأملات التي سوف لن تملك أبدا ذلك النقاء البلوري للدراسات اللاهوتية أو الفلسفية ، فتلك القوى الظلامية تحييها وتغيّرها، ولأن شخصيات ولدت في تلك الممالك اللاعقلانية حيت تملك الإنفعالات قوة الكابوس الوحشية غير المكبوحة ، فإنها تذيعها. هذه القوى لاتحيي فقط الأفكار المعلنة من قبل الناطقين الروائيين ، بل تشوّهها لدرجة يصعب فيها مطابقتها بالأفكار التجريدية التي نتعرف عليها في الدراسات الأخلاقية أو اللاهوتية. فهي لن تعني الكلمات ذاتها ( يحق للإنسان أن يقتل ) الواردة في دراسة ما ، أوعلى لسان طالب متعصب يحمل السلاح بيده وقد سيطرت عليه الكراهية و الشكوى ، إذ أنما السلاح هو سلوك ووجه جنوني وبريق شيطاني في العيون يفرّق ، دائما ، بين النظرية الإعتيادية والملموسية الرهيبة.



* لوحة الغلاف للفنان العراقي جون نقاشيان

هوامش المترجم :

“1” ( أوبوموف ) إسم اشهر رواية للكاتب الروسي إيفان غونتشاروف ( 1859 – 1922 ) ويصوّر فيها بشكل متطرف كسل طبقة النبلاء و إحباطهم.
“ 2” شراب معتمد في بلدان اميركا اللاتينية يوخذ بنقع نبتة الماته.
“ 3 “ إستخدمتُ هذا المصطلح بالمعنى السوسيولوجي : نظام سلطة الأب .
“ 4 “ الفرنولوجيا phrenelogy نظرية خاطئة تقول بأن شكل جمجمة الإنسان وحجمها يقرران قدراته العقلية وخصائصه النفسية .
“ 5 “ نسبة الى Pindar بندار ( 520 – 242 قبل الميلاد ) الشاعر اليوناني ممثل ما يسمى بالغنائية الكورالية والذي كرس الكثير من أعماله لتمجيد الألعاب الأولمبية. وتميز شعره بسمو الأجواء وغنى الإستعارات الميثولوجية ومتانة الإنشاء والشكل المتفنن.
“ 6 “ مصطلح ( الشعبية ) يُقصد به ، هنا ، الإتجاه الأدبي المتفرع من مدرسة الطبيعية ، الذي يهدف طرح قضايا من حياة الناس العاديين.
“ 7 “ الأليزون – وفق الأساطير اليونانية والرومانية هي بلد الربيع الدائم والسعادة ، تأتيه أرواح الناس العادلين، بعد الموت.
“ 8 “ التنويرية هي نظرية في المعرفة تقول إن مصدر التعرف هو هداية العقل الربانية . ونلقى هذه النظرية بالدرجة الرئيسية في فلسفة القديس أوغسطين .
“ 9 “ و تعني الكلمة في الفلسفة جوهر الشيء و المناقض للظاهرة ، ولايمكن التعرف عليه ، وفق أفلاطون ، إلا يمساعدة العقل ، وفي فلسفة عمانوثيل كانت يقصد به ( الشيء في ذاته ) اي الفعلي الذي يصعب معرفته ، فهو قائم خارج الوعي . ورغم انه مصدر الإنطباعات إلا انه يؤكد على كينونته من خلال الظواهر التي تتيح التعرف عليه حسّيا فقط و ليس عقليا .
“ 10 “ anthropocentrism مفهوم يكون الأساس للعديد من الأنظمة الدينية و الفلسفية ، فحواه أن الإنسان هو مركز وغاية العالم ، وكل ما يحدث في الطبيعة يراعي هذا الواقع ، كما يعني المصطلح تفسير العالم من زاوية التجربة الإنسانية .
“ 11 “ نسبة الى كالفن المصلح الديني المعروف ( 1509 -1564 ) و الداعي الى الأصولية الأخلاقية بشكل خاص.
“ 12 “ الإسم نفسه تحمله مسرحية يوربيديس أيضا.
“ 13 “ إشارة واضحة الى كلمة فلوبير المعروفة ( مدام بوفاري هي أنا).
” 14” وفق الأسطورة الرومانية هن ربّات الإنتقام.
“ 15 “ ربّات رومانيات كانت مهمتهن الحفاظ على النظام وملاحقة المجرمين وخاصة القتلة منهم. ويرمزن ، عادة ، الى وخز الضمير ، وبعد موت أورستيس كن يُصوَّرن كربّات ذوات أجنحة وشعور منشورة معقودة فيها الأفاعي و في ايديهن شعلات أو سياط . وبدافع الخوف سُميّن أومينيندات ، اي الغيورات والشفوقات.
“ 16 “ كذلك يقال الذرّانية ، وهي مفهوم علمي يرجع الكل الى مكوّناته الأولية .
“ 17 “ مفهوم يعتبر التجربة هي التجربة الداخلية للإنسان ، كما ينفي الوجود الموضوعي للواقع ، ويعتبر الوعي الفردي المصدر الوحيد للتعرف على العالم.
“ 18 “ إسم بطل رواية ستندال ( الأحمر و الأسود ).

المصدر / القصة العربية

http://www.iraqstory.com/