العلوم و التكنلوجيا > منتدى بنك المعرفة

ابن البيطار

(1/1)

مهند البشي:
ابن البيطار
 

أمضى أبو محمد ضياء الدين عبد الله بن أحمد بن البيطار حياته باحثاً عن الأعشاب والنباتات، فكان ألمع عالم نباتي عرفه التراث العلمي العربي. 
والتطبيب بالأعشاب قديم جداً ، يرجع إلى أقدم عصور التاريخ . فبعض المحفوظات من أوراق البردي التي استعملها الفراعنة في تدوين معارفهم،    دلت على أن الكهنة في ذلك الوقت عرفوا الكثير عن أسرار الأعشاب و التداوي بها . وهنالك ما يثبت أن قدماء الهنود مارسوا هذه المهنة أيضاً ، وحذقوا بها . وجاء بعد ذلك قدماء حكماء اليونان الذين وضعوا مؤلفات عن التداوي بالأعشاب في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد ، وأشهرهم في هذا المضمار هيبوقراط وتيوقراستوس وديسكوريدس وكاليتوس . وبقيت مؤلفات هؤلاء الحكماء المصدر الأساسي لهذا العلم، إلى أن جاء بعدهم الأطباء وعلماء النبات والعشابين العرب والمسلمين الذين أخذوا هذا العلم عنهم وأضافوا إليه وتوسعوا فيه .
بلغ اهتمام العشابين والصيادلة العرب في فنهم أنهم كانوا لا يكتفون في دراسة كتب النبات والعقاقير المؤلفة أو المترجمة، بل عمدوا إلى التجول في مختلف الأقطار يجرون التجارب على الحشائش والأعشاب،   ويبحثون عن طرق جديدة للتحضير والتنقية،  فاخترعوا الإنبيق وفرقوا بين الأحماض والقلويات،  ودرسوا ألاف العقاقير الطبية .
ومن أبرز العلماء العرب والمسلمين في هذا المجال جابر بن حيان،  وأبو بكر الرازي،  وابن سينا وداوود الانطاكي. 
إلا أن صاحب هذا العلم،  الذي أمضى حياته منكباً على التحصيل في هذا الحقل يعمل ويضع ، ويجمع حتى لقب بأبي الأعشاب والعشابين في زمنه ، هو ابن البيطار .
ولد ابن البيطار ( 1190 – 1248 م ) في مدينة مالقة الأندلسية ،   في زمن تزاحمت فيه المحن و الاضطرابات . وتلقى العلم في مالقة قبل أن يغادرها وهو في العشرين من عمره ، على أستاذه أبي العباس أحمد بن مفرج ، المعروف بالنباتي. 
وكان ابن البيطار يساعد أستاذه على ملاحظة أوصاف النباتات ودراسة خواصها الطبية،      فنشأ أول حياته عشاباً  يدرس في وعي وفهم ذكي أوصاف النباتات المختلفة، وخواصها ، ومزاياها العلاجية وكيفية استخراج الدواء منها ، والجرعات المناسبة،  فجمع بين الطب،   والصيدلة والنبات  .
كانت أكثر الأدوية خلاصات طبية تؤخذ من الأعشاب،   ولذلك عرف أطباء ذلك الزمان بالعشابين. 
قبل أن يستقر في مصر والشام، سافر ابن البيطار إلى بلاد الإغريق وأقصى بلاد الروم،  وإلى المغرب وتونس ، وافريقية الشمالية،وآسيا الصغرى ، بهدف الدراسة والاتصال بعلماء النبات في هذه البلاد ، ومشاهدة الأعشاب الطبية التي تنبت فيها ، وتشتهر بها ، وملاحظة أوصافها ومنابتها ، ومزاياها الفلاحية، ثم دراسة أصول العقاقير الطبية على علماء تلك الأقطار ونقل ما يمكن نقله عنهم.     
عرف ابن البيطار في حياته العلمية بالدقة في النقل عن غيره من الأقدمين والمتأخرين،  واختبار آرائهم،   ويتضح ذلك في ما رواه في مقدمة كتابه " الجامع " :
" وما صح عندي بالمشاهدة والنظر ، وثبت لدي بالمخبر لا الخبر ، أخذت به ، وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية والماهية للصواب والتحقيق ، نبذته ولم أعمل به " .
وتلك هي أسس الطريقة العلمية الحديثة أو الطريقة التجريبية . وابن البيطار حين سلك هذه الطريقة،  فإنما كان يسير في طريق سلط عليه علماء العرب قبله الأضواء والمشاعل ، فسار على هديهم، معتمداً في كتابته وتأليفه على المشاهدة والملاحظة والتجربة والاستنباط . لذلك كان واحداً من علماء العرب الذين شاركوا في بناء صرح أسلوب التفكير العلمي،  ومهدوا بأساليبهم في البحث إلى تقرير المنهج التجريبي،  الذي كان له الفضل العظيم في تقدم العلوم الطبيعية في عصرنا الحاضر .
كتاب الجامع:
سلك ابن البيطار أميناً في نقله . فلم يدع لنفسه دواءً لم يصنعه ، أو نباتاً لم يدرسه .
وكانت له تعليقات ذات أهمية على أبحاث وأقوال غيره من العلماء ، إلى جانب إضافات أتى بها في تجاربه واختباراته الخاصة . والتي لم تكن معروفة من قبل . ولم تذكر في أي كتاب قبله . ومما يشهد على أمانته العلمية، إنه لا ينسى أن ينسب الآراء المختلفة في المواد الدوائية إلى أصحابها ، ولم يدع لنفسه رأياً أو قولاً طيباً ليس له ، مما يؤكد تلك الصفة البارزة في علماء العرب والمسلمين،  وهي التمسك الشديد بالأمانة العلمية،  والحرص على الاعتراف بفضل من سبقهم. ومن نظرياته القيمة إنه عنى في ترتيب مادة كتابه " الجامع " حسب حروف المعجم، ذاكراً اسم كل نبتة وخصائصها ومنافعها .
ومن نظرياته المهمة، إنه كان ينظر في العلة والمعلول ، ثم في كل نبتة أو مادة عضوية لها علاقة في الموضوع الذي يراد النظر فيه ، ثم ينظر في ما كتب حول الموضوع . ولا سيما في الآراء والتعليقات . بعد كل هذا التحصيل يعتكف ليدرس الحالة ثم يعلل ويشرح . وكثيراً ما كان يصيب قلب الموضوع . فيصف ما يراد وصفه ، ويحضر ما يراد تحضيره .
وعلى هذا النحو من العمل ، سار ابن البيطار في عرض حقائقه العلمية المهمة .
اتفق العلماء القدماء منهم، والمحدثون على أنه كان العالم الذي انتهى إليه علم الصيدلة وصناعتها . اعترف الذين ترجموا له حديثاً  " أن مؤلفات ابن البيطار تعتبر ذخيرة علمية وطنية لا مثيل لها قديماً وحديثاً " .
ويقرر ماكس مايرهوف أن ابن البيطار كان أعظم كاتب ظهر في علم النبات . ويقول M.M.Sharit  في الطبيعة العربية لكتاب " الفكر الإسلامي منابعه وأثاره " . :
" إنه ألمع مؤلف في علن النبات في العصور الوسطى " .
ويقول جاك . س . ريسلر ، الأستاذ في المعهد الإسلامي في باريس في كتابه " الحضارة العربية " :
 " ونظر إلى ابن البيطار حتى القرن السادس عشر على أنه أعظم عالم نبات اختص في العقاقير " . 
النبع :
تأثر ابن البيطار كثيراً في مناهج أساتذته الذين تلقى العلم عليهم في أول حياته ، وفي مقدمتهم أبو العباس أحمد بن مفرج الذي نسبت إليه كتب كثيرة في النبات . وأخرى في الرحلات . ومما لا شك فيه أن ابن البيطار قد أفاد كثيراً مما رواه أستاذه ووعاه بدقة . فكان يشترك مع أستاذه في ملاحظة أوصاف النباتات وخصائصها العلاجية . ويبدو أن صلته بأستاذه كانت أقوى من صلته بأي أستاذ آخر من أساتذته.
ومن تلاميذ ابن البيطار إبراهيم بن موسى السويدي،  صاحب كتابين لم يطبعا لكن أثر الأستاذ فيهما واضح ، أحدهما مخطوط باسم " السمات في أسماء النبات " . ويقرر ماكس مايرهوف أن يوسف بن إسماعيل الكتبي البغدادي ألف كتاباً بعنوان " ما لا يسع الطبيب جهله "
 ( 1310 م ) وأشار إليه بروكلمان.  وهو تلخيص لابن البيطار . وممن تأثروا به من تلاميذه أبو المنى اليهودي،  وهو أبو المنى داود بن أبي النصر المعروف بكوهين العطار ، في كتابه
" منهاج الدكان ودستور الأعيان في أعمال و تركيب الأدوية النافعة للأبدان "
( 658 ه – 1260 م ) . و يشتمل عل مجموعة من النصائح الطبية لمن يريد أن يحترف صناعة الصيدلة،وفي مقدمتها أن يكون على غاية من الدين والثقة والتحرز والخوف من الله تعالى أولاً ومن الناس ثانياً وتناول الفصل الحادي والعشرين من الكتاب قائمة في شرح أسماء الأدوية المفردة مرتبة ترتيباً أبجدياً ، ومن أهم أبوابه الباب الرابع والعشرون الذي يتحدث عن كيفية اتخاذ الأدوية المفردة، وفي أي زمان تجنى . ومن أي مكان،  وكيف تخزن،  وأي الأوعية تخزن فيها ، وما يفسدها وما يصلحها إذا بدا فيها الفساد ، وذكر ما يفعل مع بعض الأدوية ليمتنع فسادها ، وفي أعمار الأدوية المفردة والمركبة . ومعظم ما ذكر في منهاج " الدكان " منقول عن ابن البيطار .
من الواضح أن كتب ابن البيطار ومؤلفاته كان لها تأثير بعيد المدى في الطب والصيدلة . ومن المؤكد أن الأوروبيين قد نقلوها عن طريق الترجمات اللاتينية التي وصلت إلى أيديهم في عصر النهضة  ومن أهم كتبه وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً وشهرة " الجامع لمفردات الأدوية والأغذية " . الذي نشر في أربعة أجزاء العام 1785 ، ووضعت له ترجمة كاملة في اللغة الفرنسية بقلم دانيل لوكليرك ، ثم ترجمة ألمانية وضعها فون زونتهايمر J.V.Sohtheime في جزئين طبعا في شتوتغارت
( 1840 – 1842 م ) ، ولكنها أقل قيمة من الناحتين الفنية والعلمية من الترجمة الفرنسية . ومن كتبه أيضاً " المغني في الأدوية المفردة " ، ولكنه لم يطبع ولم يترجم بعد ، سلك فيه ابن البيطار مسكاً يختلف عن منهجه الذي اتبعه في كتاب " الجامع " ،  إذ رتبه ترتيباً جديداً لا يحسب الحروف الأبجدية، ولكن بحسب الأعضاء الألمة،وقسمه عشرين فصلاً تناول فيها علاج الأعضاء عضواً عضواً في طريقة مختصرة، وقد قصد منه أن يكون مرجعاً موجزاً ، ينتفع به الأطباء في الحالات العاجلة . وقد اشتمل على الأدوية الخاصة في أمراض الرأس ، ثم الأّذن،  وهكذا ، وعرض فيه للأدوية المجملة،  والأدوية المضادة للحمى ، وأكثر العقاقير شيوعاً واستعمالاً .
ومن كتبه المعروفة " كتاب الإبانة والإعلام عما في المنهاج من العلل والأوهام " ، وكتاب " الأفعال العجيبة " ثم شرح كتاب  ديسقوريدس ، الذي يعتبر من الكتب التي لها قيمة علمية كبيرة في ميدان الصيدلة . ويزعم الدومييلي الإيطالي،  مشايعاً لجورج سارتون،  إن كتب هذا النباتي العشاب الأندلسي،  بدأت في الظهور متأخرة في أوروبا ، بعد أن ظهرت الترجمات اللاتينية،      لذلك كان تأثيرها محلياً . ويزعم أيضاً أن تأثيرها المحلي ظهر في صورة أوسع وأشمل في مراكش والمغرب والمشرق وفارس والهند والواقع التاريخي يدحض هذا الزعم،    إذا أن كثيراً من العلماء لا يوافقون الدومييلي ويقررون أن تأثير كتب ابن البيطار كان واسعاً شاملاً في أوروبة وفي غيرها من البلدان الإفريقية والآسيوية،      ومن هؤلاء العلامة روسكا الذي يعترف بأهمية كتاب " الجامع " وأثره البالغ وقيمته العلمية،      ويؤكد أنه كان عاملاً من أهم العوامل في تقدم علم النبات عند الغربيين.   
بعض وصفات  ابن البيطار :
الأترج :
نبتة طعمها طيب، وريحها طيب،   تنفع المعدة،  وتفتق شهوة الطعام.  وتسكن العطش ، وتقطع الإسهال . ويقال له الترنح أيضاً . وقبل ثمر من جنس الليمون شجرة، والعامة تسميه الكباد وهو من شجر الطب والحماض ما في جوف الأترجة .
الأثمد :
وهو الكحل الأصبهاني،  وروى خير أكحالكم الأثمد وقيل فيه إنه حجر يكتحل به ويعرف علماء الكيميا باسم : انيموان " .
الأس :
يقطع الإسهال ، وإذا جلس في طبيخه نفع في خروج المقعدة والرحم،  وذلك بسبب احتوائه على العفص ، وهو شجر عطر الرائحة الواحدة أسة .
البنفسج :
شرابه يسكن الأوجاع الباطنة،  ويستعمل في الحقن والمنقوعات والمطابيخ والفتايل والضمادات . وهو نبات زهره سمنجوني اللون طيب الرائحة .
الحصرم :
ماؤه يقطع الإسهال والقيء ، وينبه الشهوة،وشراب الحصرم المنعنع يقطع الغثيان.  وهو أول العنب ما دام أخضر حامضاً .
الحلبة :
تدر البول ، وتنفع في علاج " القولنج " ، وروى لو تعلم أمتي ما في الحلبة لاشتروها ، ولو بوزنها ذهباً ، ومن خاصيتها أنها تطيب رائحة الرجيع ونتن العرق والبول .
الخبازي :
نبات بارد طيب يلين الطبع ، وينفع في السعال ، وبزرها يدخل في الحقن الملينة وغيرها  ، وطبيخها ينفع في علاج حكة المقعد .
وتقول فيها بعض المراجع العربية : هي بقلة معروفة مستديرة الورق ، فيها لعابية، وتؤكل مطبوخة ويتداوى بها .

atoraia_6:
شكرا على هذا الموضوع القيّم

hewy:
     
شكرا على الموضوع القيم








 

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة