Menu

المحرر موضوع: الفيلسوف الالماني نيتشه ومحاولته لقتل الله و خلق الانسان المتفوق!!  (زيارة 8326 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1326
الفيلسوف الالماني نيتشه
 ومحاولته لقتل الله و خلق الانسان المتفوق!!  

بقلم يوحنا ببيداويد
ملبوورن/ استراليا
5/12/2009

 عندما يحاول المرء ان يتصفح كتابا او موسوعة ببلوغرافية لتاريخ تطور الفكر الفلسفي الانساني ، قلما يجد  كتاباً او موسوعةً لا تخصص مساحة كبيرة للفيلسوف الالماني فريدرك نيتشه وفلسفته الغريبة، الذي يصفه البعض بأنه الاب الحقيقي للفكر النازية والعدمية.

على الرغم من غرابة افكاره نال نيتشه اعجاب العالم بسبب سباحته لوحده عكس التيار الفكر الانساني الذي سار منذ اللحظة الاولى من الوعي الانسان وبدأية مسيرة الحضارة . تشبه محاولته مثل قلب اتجاه حركة عقارب الساعة وقوانين الفيزيائية في الطبيعة.  حاول ايجاد مبادئ فلسفية عملية لبناء الانسان المتفوق الذي لم يكن قد ولد بعد ( حسب رأيه) عن طريق هدم القيم الدينية والفلسفية القديمة التي سبقته، عن طريق تبنيه القوة كفضيلة ومبدأ الاول في الحياة. على الرغم من كرهه لكل مَن كان له فضل عليه في تعليمه وبناء فكره او مساعدته ، الا انه الحقيقة يجب ان تقال لم ينكر نيتشه تأثره بشوبنهاور، لهذا بعض المحللين لفلسفته قالوا يمكن اعتبار نيشته خليفة لشوبنهاور كما كان سقراط  خليفة افلاطون، كان ايضا متأثرا بنظرية تطور لداروين وقائد الامة الالمانية بسمارك و مؤسس الفلسفة المثالية الحديثة هيجل.

ولادته:-
ولد فريدرك نيشته في 15 من تشرين الاول عام 1844 في بروسيا الالمانية لاب كان كاهنا لوثريا . وصادف  يوم ولادته في نفس اليوم ولادة الملك فريدرك وليام الرابع ملك بروسيا الالمانية. سمي بهذا الاسم لان والده كان من العاملين في البلاط الملكي كمربي لابناء الاسرة الحاكمة، تيمنا باسم الملك المولد الجديد .
 
توفي والده وهو في الخامسة من العمر الامر الذي ترك بصماته على حياته، فاوكلت مهمة تربيته الى بعض النسوة قريبات له اللواتي اسرفن في دلاله وتلطيفه بسبب تقيتهن. فاصبح حساساً جداً، حيث كان يرى في اعماله زملائه المدرسة الصبيانية  جريمة كبرى لا تغتفر. كان يقرأ الانجيل بطريقة مؤثرة على مسامع اصدقائه بحيث يجعلهم ان يتأثروا لحد ان تسقط الدموع من ماقيهم، فكانوا اصدقائه يطلقون عليه القسيس الصغير بسبب تصرفاته المسيحية المثالية . في نفس الوقت كان كثير السيطرة على ذاته، وله الامكانية في كبح عواطفه بدرجة لا تصدق.  القضية التي جعلها المهمة الاولى في حياته هي البحث عن وسائل التي تقوي  الجسد والعقل من ضعفهما فتمحي اثار العواطف من وجدانه.

لقد حاولتُ ان ابحث في عشرات المصادر عن سبب حدوث هذا الانقلاب الغريب في حياة نيتشه الذي كان قسيسا صغيرا الى الملحد وقاتل الله ، فلم اجد اي جواب له سوى انه خلل في جهاز العصبي الذي جعله مرهفاً ومتاثراً بما يجري حوله.
لقد اختار الابتعاد عن التدخين والنساء والخمر التي ظنها تعكر صفاء وعقله.
عندما اصبح عمره بحدود الثامنة عشرة انقلب على الاله المحبة والتسامح والعدالة والعفة الذي عبده وتعود على تقديم الصلوات  بخشوع وتقوى له لم تكن تصدق، واختار لنفسه الهاُ جديداً  هوالانسان نفسه، الانسان المتفوق او الاعلى (سوبرمان) الذي لم يكن مولوداً بعد.
 
في عام  1865 وقع في يده كتاب الفيلسوف شوبنهاور(العالم كأرادة وفكرة) الذي تأثر به كثيرا حيث وصفه قائلاً : " كان بمثابة  مراة رأيت فيها العلم والحياة وطبيعة نفسي مصورة في عظمة مخيفة، لقد بدأ لي ان شوبنهاور يخاطبني شخصيا في كلام"( 1)

عندما  بلغ الثالثة والعشرين التحق بالعكسرية، التي احبها كثيرا في داخل نفسه بسبب رغبته الكبيرة  للعيش لحظات انتصار القوة والبطولة (2).  لكن بعد ان اعفى عنه قائد وحدته بسرعة بسبب سقوطه من على ظهر جواده و نقص في بصرة، الامر الذي حرمه من تحقيق حلمه من الشعور بنشوة البطولة وسيادة قانون القوة.
عندما تخرج من جامعة باسل تم تعينه استاذا فيها.

يمكن تقسيم اعمال نيتشه الى ثلاثة مراحل هي:
المرحلة الاولى 1869 - 1876 : هي البدايات في التخصص علم اللغة الكلاسيكي.  ( فيولوجيا) ومن ثم  يصبح استاذا  في هذه المادة في جامعة بازل.
نشر في هذه الفترة كتابه الاول كان ( ولادة الماساة) الذي كتبه سنة 1870 (3).

في هذا الكتاب يوَحد نيتشه قطبي الفكر اليوناني المتمثل ( قوة الالهة ابولو ) الذي تتجسد فيه روح الحكمة و السلام والسكون والتامل العقلي مع  (قوة الاله الديونيزية ) قوة اله النشوة والهذيان الذي تتجسد فيه روح الفرح والمرح والسكرة والسرور المنبعث من النجاح في العمل، اله الصبر والحكمة والمنطق مع اله حب المجازفة والمخاطرة والبطولة والشهادة.
فخلق نيتشه من خياله الشعري الواسع (5)  انبل ايات الفن اليوناني، قوة الرجولة الفياضة المتعطشة الى البطولة وتحدي المعاصي  في ديونيسوس ونعومة ولطف الانوثة في ابولو في عمل درامي، حيث يمثل ديونيسوس صوت الموسيقى والاله ابولو يمثل الحوار الهادئ.

هذا العمل الدرامي اشترك  معه في العمل الموسيقار الالماني ريتشارد فجنر الذي كان يعيش بقرب من مدينة بازل، الذي تاثر به نيتشه كثيرا في بداية عمره، حيث مجد فجنر في اوساط الجامعات موسيقى الذي كان نال الشهرة الكبيرة من بعد هذا العمل الفني ما لبث انقلب عليه كعادته مع المحسنين عليه.

المرحلة الثانية  1876 - 1881
وصف نيتشه هذه المرحلة من حياته بأنها ( فلسفة ما قبل الظهر)
وكتب في هذه المرحلة اربع كتب وهي:
اعتبارات غير انية، انساني-انساني جدا ، الغسق(الفجر)، العلم والجزل. كان محتوى هذه الكتب عن المعركة التي شنها نيتشه على المسيحية في قضية الاخلاق ومبادئ الدينية والانحطاط الذي شب عليها حسب وصفه.

المرحلة الثالثة 1882 -1885
(هكذا تكلم زرداشت) كانت عنوان اضخم واشهر كتاب له. فيقول في بدايته :
 " جلست هناك انتظر ولا انتظر، وانعم بما هو فوق الخير والشر، فانعم بالضوء تارة وبالفعل طورا، ولم اجد الا نهارا بحيرة وزمانا وابديا ،وفجاة يا صديقي اصبح الواحد اثنين ومر بي زرادشت."(6).

هنا ظهر نيتشه مملوءً من النشوة والتفاؤل ووجد ضالته بعد تفكير عميق ومعناة طويلة، وجد المعلم الجديد (زرداشت)(7)  الذي بدا يعلم عن الانسان الاعلى الذي لم يخق بعد، سوبرمان. وقد بالغ بمدح نفسه نيتشه قائلا: " لو جمعنا كل ما شاهده العالم من خير وروح في اعاظم الرجال، لما استطاعوا جميعهم ان يأتوا بحدث واحد من احاديث زرداشت"
لقد اُجِل طبع هذا الكتاب عدة مرات و رفع الناشر الجزء الاخير منه لعدم صلاحيته من الناحية التجارية. اخيرا اضطر نيتشه طبعه على نفقته الخاصة ،ولم يبيع منه الا نسخا محدودة.

نيتشه الذي يتحدث على لسان المصلح الديني الفارسي زرادشت حينما يحمل البهلوان (سوبرمان) الذي كان يرقص على الحبال  بعد سقوطه ويقول له:" سادفنك لان حياتك كانت حافلة بالاخطار وانا ادعو الى المخاطرة في الحياة بل اقدر البطولة " (ص39 من كتاب هكذا تكلم زرادشت)
يصرح نيتشه في احدى حواراته بان الله قد مات فيقول في الصفحة 31:
" إنه لأمر مستغرب، ألم يسمع هذا الشيخ في غابة  ان الله قد مات !"
هذا هو بيت القصيد من كل فلسفة نيشته هو هدم القاعدة الرئيسة لكل فكر فلسفي او ديني الذي سبقه واعطاء تعاليم الدين الجديد واخلاقية لاسيما الديانة المسيحية ، انه حياة الرجل المتفوق (سوبرمان) الذي سعادته مبينة على المخاطرة والقوة والعنف وعدم مبالات الى الاخر.

لم يوُلد في التاريخ عدو اخر للمسيحية مثل نيتشه، فهو يرى في الفضائل المسيحية ما هي الا خلق روح العبودية والتشاؤم والحزن والخضوع للاخرين. فالمسيحية في نظره هي انتحار العقل؟!
ان قضية وجود فرق في تعبير المصطلحات الاخلاقية بين الطبقات كان احدى علامات بارزة في المجتمعات الحاكمة والمحكومة.
نيشته يرى هناك رؤيتان حول موضع الفضلية، بالنسبة لرومان او الحكام الفضيلة يعني الرجولة والشجاعة والبطولة، بينما عامة البشرية يراها المسالمة وقبول الخضوع والذل الذي دخل اوربا عن طريق اليهودية والمسيحية.

الاسياد ينالون مرتبتهم وموقعهم بين المجتمع بالفضيلة التي تأتي بالبطولة اوالفروسية و استخدام القوة .
نيتشه يرى ان مبدأ المساوة الذي وضعه السيد المسيح غير صحيح وغير عادل، لانه يدعوا الى الديمقراطية والاشتراكية الامر الذي  نادى به فقد الضعفاء المفلسين الضائعين في المجتمع، انه  مبدا شعبي وليس مبدأ الاسياد والابطال، ولهذا كل من يقوم على مبدا شعبي فهو يسر باتجاه الانحلال والسقوط والضياع بسبب ضعفه.
نيشته يكره مصطلح الانسانية ، والتضحية ويرى انها اعلى درجات استجداء الشفقة حينما يقبل الانسان التضحية من اجل الاخرين(9)
فالاخلاق الصحيحة في راي نيتشه هي موجودة في ارادة القوة التي تكلم عنها شوبنهاور. اي الرغبة في الاستملاك وتحقيق الذات، الانانية، او الذاتية . كأن نيشته هنا لا يريد من الانسان الا العمل بحسب القوى الغرائز الحيوانية فقط، كي يتهرب و يبتعد عن الحزن والياس ويتغلب على الشعور بالالم..

عندما يتكلم نيشته عن اخلاق سوبرمان، نراه يفرض عليه ان يكون مملوءً من البطش والقتل والقساوة والقوة ،عديم الشفقة. نيتشه  لا يرى اي حل في مشكلة الضعفاء والمرضي عن طريق الاهتمام بهم اوالشفقة عليهم او مساعدتهم،  بل يرى تدريبهم وتشجيعهم على استخدام القوة والتزامهم برغبة الامتلاك  هو السبيل الامثل لتحقيق السعادة.

فهو يشبه افلاطون هنا فقط في تأيده لحكم الاقلية والبحث عن النخبة المتفوقة ولكن افلاطون  لم يريد من الانسان ان يتخلى عن الانسانيته ابدأ،  بل اراد ان يؤسس مجتمع مسيحي اشتراكي قبل مجيء المسيحية نفسها. حيث كان يفضل وقوع السلطة في يد حكماء وعادلين و شجعان.

كان نيشته لا يريد من سوبرمان ان  يعيش بحسب الاخلاق القديمة المتوارثة من الديانات وبالاخص المسيحية التي تجعله ضعيفا صاحب ضمير.  يميز بين الخير والشر، وإنما يعيش فوقعها بل يزيلها من قاموسه الاخلاقي فكل شيء مباح امام الامير لتحقيق ارادته الشخصية  في (الميكافيلية) .

نيتشه يتصور نفسه اعظم من المسيح وان كتبه تخدم البشرية اكثر من الاناجيل . بل زعم ان التاريخ سيبدا من جديد من يوم ولادته بعد ان يطلع العالم على افكاره ، كما حصل من بعد  تاريخ الميلادي للسيد المسيح (10(

مراحل تقدم الروح :-
 حاول نيتشه اعطاء وصفا مشابه لصور هيجل عن مراحل تقدم الروح والوعي لدى الانسان، اومراحل التقدم الفكر .
 فرى ان الروح تشبه الجمل الذي يتحمل بألم ثقل الاخلاق القديمة المتوارثة من الاديان و افكار الفلسفية القديمة، ثم يتحول الى الاسد حينما يردد لسانه عبارة ( انا اريد). حينما يبلغ هذه المرحلة ويقول (انا يريد) اذن لا بد من الدخول في الصراع لتحقيق هذه الارادة والوصول الى حالة التملك. فيصارع الاسد (الانا)  التنين الذي يمثل هنا القيم  القديمة (في وعيه ) التي تقيد حياته ( اي حياة الاسد)، اي يرفض من الان وصاعدا الخضوع للقواعد الاخلاقية والدينية واللاجتماعية. لكن بعد ذلك يتحول الاسد (الانسان) الى  طفل (اي مرحلة الطفولة من حيث الوعي)  الذي يحب اللعب (لانها بداية اكتشاف الحقائق في هذا العالم)، ومن خلال لعبه سيخلق قيما جديدة للعالم وهكذا تستمر النفس في تحول من مرحلة الى مرحلة اخرى.ويستمر الدولاب بدورانه الابدي في تكرار العودة.

كل الفلسفات والاديان والحركات الاصلاحية قبل نيتشه او بعده، حاولت جعل القانون الذي يصون الحياة  قانونا مقدسا لانه يقوي الضمير الانساني  في تعامله مع الانسان الاخر المحيط به. من اجل تحقيق السلام والامن والتفاهم بين البشرية.  لكن نيتشه اختار ان يمشي عكس كل هؤلاء، متوهما بأن ارادة القوة هي القانون الطبيعي الذي يجب ان يتم تحقيقه في الحياة . فحاول نيتشه ان يصف الحضارة الانسانية وقيمها بالعدمية ، اي بدون قيمة تماماً.  من سقراط مؤسس علم الاخلاق  الى معلم الانسانية الاعظم يسوع المسيح ، لانه مبني على الكذب والخداع والوهم والخوف من العقوبة في عالم الاخر حيث يقول مجاوبا لرجل السيرك الذي كان وقع بينما كان يرقص فوق الحبال بعد ان كلمه الاخير واصفا اياه بالشيطان الذي جاء ليأخذه  الى جحيمه،
فجاوبه زرداشت قائلاً : " وشرفي يا صديقي ان ما تذكره لا وجود له، فليس من شيطان وليس من جحيم ، وان روحك تموت اسرع من جسدك فلا تخشى بعد الان"(11).

نيتشه يرى العالم ينقسم الى قسمين الاقوياء والضعفاء، فالاقوياء يزداد شأنهم وعظمتهم ونفوذهم لانهم فوق مقدرة البشر والاعراق والقيم والقوانين القديمة المبينة على الفكر اللاهوتي المسيحي لن تصلح لهم ابدا، وقسم الاخر، الضعفاء سيزدادون يأسا وحزنا والماً من جراء عيشهم هذا الواقع.

الحل هو عند نيتشه ليس بالعطف والشفقة على الضعفاء(كما قلنا سابقا ) كما هو الحال في المسيحية والانسانية  وانما تحمليهم مسؤولية  تشجيعهم الدفاع عن الذات بالحديد والنار، والعبور فوق الجماجم من اجل نيل نشوة الانتصار، تشجيع هؤلاء الضعفاء ليصبحوا الاقوياء، لا هدف لا غاية عنده، الهدف الاسمى هو الاستمرارية ، الاستمرار بالكفاح والشعور بنشوة الانتصار على الضعفاء والتغلب على الصعاب دوما، انها معركة ابدية  تبدأ عند ولادة اي انسان وتنتهي بموته.
الحل اذن هو في تجسيد مفهوم الذي اختلقه شوبنهاور (ارادة القوة) . قمة فلسفة نيتشه ظهرت في فكرته عن العود الابدي للانسان الاعلى الذي حجر اساس فلسفته، اي تطبيق مبدأ ارادة القوة او الاقتدار.

في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) يعمل مقارنة بين الانسان الاعلى المقتدر الذي هو من  الاقلية ، ومن قسم الاسياد الذي لهم شرف البطولة، مع قسم الضعفاء الذين ينتمون الى القطيع الذين يمجدون اخلاق الضعيفة ويركعون امام دكتاتورية الله الذي خلقوه من خيالهم ووهمهم كما هي في المسيحية.

سنة 1882 صدر كتابه ( العلم الجزل) وفيه وضع فكرته عن العود الابدي للانسان المتفوق، كأنه يصف خلود كلكامش بعد اكله نبتة الحياة، او وصول الراهب البوذي الى حالة نيرفانا، او الراهب المسيحي الى القداسة. يحاول نيتشه هنا وضع مفهوم جديد للخلود، اذا عبر الانسان المتفوق كل هذه العتبات، في النهاية تنال نفسه العودة المتكررة في هذا العالم حينما يقول : " هذا الحياة عليك، عليك ان تحياها مرة اخرى، او مرات اخرى........ ان ساعة وجود الرمل الابدية لا تنقطع عن التقلب من جديد وانت معها " (12)>

عن مفهوم الخير والشر، نيتشه يراه من صنع الاخلاق القديمة وبالاخص الديانة المسيحية، في المستقبل، اي في عالم الانسان الاعلى لن يكن هناك تمييز بينهما بقدر ما يجلب من المنفعة والفائدة في الحفاظ على القوة والحيوية (نيتشه هنا واضح في براغماتيته)، وان السيء هو كل ما يضعف ارادة القوة اي الاخلاق وقيم الروحية بالاحرى قرارات العقلية.السعادة  الحقيقة عنده هي الشعور بامتلاك القوة فقط.
 
كتبه
ولادة الماساة 1869، اعتبارات غير اني 1873-76، انساني – انساني جدا 1878، الفجر 1881، العلم الجزل 1882، هكذا تكلم زرداشت 1883-85، ما وراء الخير والشر 1886، ارادة القوة 1886، اصل الاخلاق وفصلها 1887، هذه هو الانسنا 1888، الدجال 1888.



نقد فلسفة نيشته
لقد تأثر نيتشه بفكر السلبي التشاؤمي لشوبنهاور الى درجة كبيرة ولم يتخلص من هذا الشعور الى نهاية حياته، بدليل في عشرة سنوات الاخيرة من عمره كان يعيش مختل العقل بسبب مرضه النفسي .

ان مفهوم نيتشه لارادة القوة يختلف عن مفهوم  شوبنهاور، عند نيتشه ارادة القوة هي ليست عمياء كما هي لدى شوبنهاور. وانما لها هدف وغاية.  بل هي الوسيلة اوالطريقة الوحيدة لتحقيق السعادة في هذا العالم .
يعلل نيتشه سبب تقديسه لمفهوم القوة لانها موجودة في ارجاء الكون وفي كل ثناياه. وكل شيء في هذا العالم يسير حسب قانون ارادة القوة ولا شيء غيره.

اما  فائدة الانسانية من الانتاج الفكري لفيلسوف الالماني على الرغم من الحاده  تكمن في عددة نقاط رئيسية هي :
اولاً :  اجبر المفكرين والعلماء ورجال الدين  يرجعون الى الوراء وينظرون الى القيم الاخلاقية التي تسير عليها المجتمعات في هذا العصر والتي هي  مبنية على تعاليم الدينية بصورة رئيسة او مباديء لفلسفات  انسانية، ان يعيدوا  غربلتها وفحصها بحسب النقد السلبي والوصف اللاذع (مقاييس نيتشه ) . هذه القيم الاخلاقية التي بالفعل اصحبت مريضة  في هذا العصر بسبب عدم جدواها في ايقاف الشر في هذا العالم  الذي يمكن لاي شخص شرير ان يجلب تأثيرا كبيرا بكل سهولة لعدد كبير من الناس.

ثانيا:  ان ما يحدث في العالم في هذه الايام وما يقوم به الارهابيين بعمليات تفخيخ ذواته من اجل قتل اكبر عدد ممكن من الناس الذين يخالفونهم في الراي او يتفوقون عليهم في القوة في كل انواعها هو تطبيق عملي لما نادى او تنبا  به نيشته. فالانسانية بحاجة الى قوانين رادعة اكثر دقيقة وصرامة.

ثالثا:   ان وعي الانسان الذي مر في عصور مختلفة والذي استمال خلال خمسة الالاف السنة الاخيرة الى  مبدأ الحكمة والعقل،  مبتعدا عن مبدا القوة الذي كان سائداً كقانون الغابة، اليوم يعود من دون وعيه او من دون شعوره الى تقديس تلك الايام التي كان مبدأ القوة سائدا، وها هم الارهابيون بعد النازيون باشكالهم الكثيرة  يتكلون على القوة في تحقيق اهدافه التي يظنونها مشروعة لانه لم يعد هناك الايمان بقوة تحكم بالحق بين الناس او تحققه.

رابعاً:  ان الانسان العصري واقف حائر مع نفسه ، هل يستمر في السير وراء  الحكمة التي تمثل الفكر بكل انواعه (الدين والفلسفي والعلمي)  والتي بدات تفقد بريقها بسبب عدم قدرة  المباديء والقيم الاخلاقية القديمة في حل مشاكل هذا العالم؟ ام يفضل القوة التي ظهرت بصيغ جديدة وغريبة لشدة تأثيرها على حياة الانسان،  لا سيما في عالم الاقتصاد الدولي والوسائل التكنلوجية الحديثة، والتي جسدها الارهابيون في اقبح وجه لها وهي قتل انفسهم من اجل قتل الاخرين الابرياء.


 



--------------
1-   ول ديورانت ص 508
2-   اصبحت فيما بعد منبعاً لفلسفته

3-    بعدها ترك المدينة وذهب الى جبال الالب بعيدا عن صخب الحياة اليومية وهمومها.

4-   نفس المصدر ص 519
5-   يقال صحاب الكتاب هكذا تكلم زرادشت : " لم يكتب في اللغة المانية شعرا اخر اكثر بلاغة مما كتبه نيتشه في هذا الكتاب)
6-   زرداشت مؤسس الديانة الزرداشتية عبدة النار . ولد في بلاد فارس؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
7-    كتابه هكذا تكلم زرداشت الصفحة 31
8-   نيشته لانه لا يؤمن بالله واللاهوت ويفسر مبداء المسيحية من ناحية الطبيعة وقوانينها لذلك هو هنا كالاعمى الذي يريد لا يستطيع القراءة.

9-   – ول ديورانت، قصة الفلسفة ، ص 551

10- هكذا تكلم زرادشت ص 39

11-اطلس الفلسفة ص 179

12-احد مفاهيم النادرة التي يتشابه موقف نيتشه مع موقف بقية الفلاسفة والاديان لعله ات من نتائج الواقعية الموجودة في الطبيعة البيلوجية للانسان.
 
المصادر:-
1- المطران كوركيس كرمو، الانسان وااله ،الجزء الاول، مؤسسة اورنيت للطباعة والنشر، مشيكان،1987
2- عبد القادر صالح، العقائد والاديان، دار المعارف، بيروت،2006 ، ص2487-
3-- S.E. Ffrost, Jr Basic Teaching of the Great Philosophers, Doubledy, New York,1962
4- بيتر كونزمان واخرون، اطلس الفلسفة، ترجمة د جورج كتورة، المطبعة الشرقية، الطبعة الاولى،1999 .
5- 1961 Bettrand Russel, History of western Philosophy, ninth edtition,George Allen & unwin ltd
6- ول ديورانت، قصة الفلسفة،مكتبة المعارف،الطبعة الرابعة،بيروت، 1979 .




 


 

Hämta Adobe Flash Player