المحرر موضوع: وجهة نظر: عودة مجالس المحافظات إنعاشٌ للمحاصصة وعودة لأدوات الفساد  (زيارة 525 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 431
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وجهة نظر:
عودة مجالس المحافظات إنعاشٌ للمحاصصة وعودة لأدوات الفساد
لويس إقليمس
بغداد، في 15 شباط 2023
بعد أن شهدت مجالس المحافظات اعتراضًا كبيرًا وانتقادات لاذعة من شرائح واسعة في المجتمع العراقي منذ إقرار قانونها في 2008 بسبب ما أُثير حولها من شكوكٍ وجدل بصدد منافعها من أضرارها على الصعيد الوطني، تعود اليوم للواجهة ثانية بسبب إصرار جهاتٍ وأحزاب مستحكمة بالسلطة على إعادة ممثليها في هذه المجالس من أجل تقاسم المغانم وتنشيط مكاتبها الاقتصادية في السطو على مشاريع المحافظات وميزانيات هذه الأخيرة بذات الطرق والوسائل التي يتمُّ فيها توزيع المغانم بين الكتل السياسية. ففي الوقت الذي أثبتت الوقائع والتجارب كونها إحدى أدوات المحاصصة الحزبية، يرى فيها آخرون أنها من ضمن الوسائل السالكة لإعادة سياسة أحزاب السلطة في خلق صراعات جانبية وتجاذبات سياسية تستهدف قبل أيّ شيء السعي لإبعاد شبح التهم عن دوائرها في مراكز القرار وخلق أجواء ضبابية تتيح لممثليهم في هذه المجالس حصدَ منافع ومكاسب جانبية بهدف ترويضهم ونيل رضاهم وضمان ولائهم ومَن يناصرهم على السواء. في حين أنَّ البلاد تحتاجُ قبل أي شيء أن تكون لها حكومة مركزية قوية تفرض هيبتها على الحكومات المحلية القائمة المتمثلةً بالمحافظ ومساعديه من دون أن تتقاطع الصلاحيات وتتعارض المصالح العليا مع هذه الأخيرة أو مع إدارة أقاليم قوية هي الأخرى تجيد أداء واجباتها المهنية والوطنية من دون فرض الإرادات أو اقتناص الفرص لمنافع حزبية وفئوية وشخصية ضيقة.
 ومن ضمن الآراء المثارة هذه الأيام بعد إجازة البرلمان القراءة الأولى لتعديل القانون الحالي لمجالس المحافظات، هناك مَن يعتقد بكونها مجرّد حلقة فائضة وزائدة في سجل إدارة الدولة المعتمدة على التوافق والتحاصص في كلّ شيء وأيّ شيء بعد إثبات فشلها في إدارة موارد المحافظات التي صُرفت لها مبالغ طائلة مقابل تعثرّ وتلكّؤ غالبية المشاريع التي ثُبّتت وأُجيزت وأصبحت حبرًا على ورق ليس إلاّ. والدليل ما تعانيه مدن وقرى غالبية المحافظات من تخلّف في إنجاز المشاريع ولاسيّما في بنيتها التحتية والخدمية بسبب ضعف الرقابة واقتناص التخصيصات وسرقتها من قبل أفراد متنفذين في هذه المجالس، محميّين بغطاء حزبي وسياسي وحتى ديني وطائفي وقومي. من هنا، فالشارع العراقي في غالبيته لا يرحب بعودة هذه المجالس، وإنّما سطوة الأحزاب المتسلطة هي التي تسعى لعودتها لأغراض انتخابية ومنفعية ودعائية بحتة عبر خلق مناصب تسهمُ بتمرير ميزانيات مشبوهة لصالحها. وهذا ممّا يتطلبُ في أيّ تعديلٍ دستوري قادم توفر الشجاعة التامة لإلغاء المادة التي تشرعنُ سن قانونها من أصله.
إنّ مَن يدّعي الحرص على مصالح الشعب في إعادة هذ الملف إلى الواجهة بعد اتفاق الكتل السياسية المتنفذة في ما يُسمّى بإدارة الدولة على تفعيله وإقراره ثانية، واهمٌ ومغالِطٌ في تبريره. فقد أثبتت التجربة السابقة صعوبة إقرار العديد من المشاريع التي احتاجتها المحافظات أو التي تم اقتراحُها واصطدمت بمصالح أعضاء المجالس بسبب الخلاف في الاستحواذ على العقود والأشغال والمشاريع وتقاسمها بين المتنفذين، ما اثار خلافات بينية اصطدمت وأعاقت تمرير تلك المشاريع أو تنفيذها بقدرٍ رديء في التخطيط والعمل والإنجاز. لسنا هنا بصدد إنكار ما تلحقه المركزية في اتخاذ القرار والحكم وإدارة الدولة، بل ما ينبغي الالتفات إليه والتنبه له وجود إدارة متفق عليها في كلّ منطقة أو محافظة تتيح لها الحكومة المركزية إدارةَ شؤونها المحلية تحت أمرة المحافظ ونوابه ومعاونيه بمراقبة حثيثة من الحكومة المركزية والمؤسسة التشريعية والأجهزة الرقابية المالية الساعية لتحقيق أعلى درجات النزاهة وبما يتيسر لها من وسائل وسلطة مستقلة. وهذا بحدّ ذاته كفيلٌ بالحدّ من تشعّب مراكز الإدارة والحكم وتركها فريسة للمحاصصة بين ممثلي الكتل السياسية في تلك المحافظات. فالتجربة السابقة تثبت ما هدفنا إليه في نقد هذه العودة غير المرحَّب بها في العديد من الأوساط الشعبية التي كانت شاهدًا على فساد معظم المجالس في فترة التجربة السابقة غير الناجحة.
كما أنَّ عملية البناء والتقدم يمكن أن تسير وفق سياقها الإداري المنشود بإشراف المحافظ ومعاونيه من دون بعثرة الجهود في حالة اختيار الشخص المناسب على رأس إدارة المنطقة أو المحافظة ووضع السبل التي تتيح مراقبة الأداء ومراجعة الخطط ومحاسبة المقصّرين والحدّ من أشكال الفساد في إنجاز المشاريع والخدمات. وهذا يعني تحقيق سبل التفاهم ما بين إدارة المركز المتمثلة بالحكومة ورئيسها من جهة والمحافظ ومعاونيه من جهة أخرى، من دون حصول تقاطعات في كلّ ما يخصّ مصلحة المحافظة وأبناءَها وقصباتها وقراها. ذلك لأنَّ إقرارها ثانية في قانون جديد، يعني رضوخها لتفاهمات سياسية بين الكتل الحاكمة المتحاصصة وفق مبدأ تقاسم السلطة والتشاركية في المناصب والمغانم، إضافة إلى ما قد تشكله من تعسفٍ وظلمٍ لتطلعات الأحزاب الناشئة والجماعات الصغيرة في المجتمع العراقي التي تسعى لخلق شكلٍ من الاستقلال الذاتي عن صيغ التكتلات السياسية الحالية وأحزاب السلطة، الإسلامية منها بصورة خاصة، من تلك المهيمنة في نفوذها على سائر مؤسسات الدولة ومرافقها. وهذه من أدوات السخط القائمة ضدّ هذا الشكل من الإرادة السياسية التي تفرض سطوتها بشتى الوسائل وتسعى لتواصل سيطرتها ونفوذها على مقدرات البلاد والعباد.

رفض شعبي وحرص وطني
للتذكير فقط، فإن هذه المجالس أو ما يُعرف بالإدارات المحلية للأقاليم والمحافظات، تعرّضت للانتقاد بعد اشتداد المظاهرات التشرينية ومطالبتها بإلغائها بسبب ما حامت حولها من شبهات فساد ووسائل بذخ غير مبرّر وخلق صراعات بين الكتل المتحاربة تستهدف الإثراء على حساب الشعب عبر الانفراد بتحقيق مكاسب عن مشاريع وهمية في غالبيتها أضحت مادة للكسب الحرام والتراشق بالاتهامات بين ممثلي الكتل في هذه المجالس. فقد أثبتت العديد من الوقائع والأحداث خروجها عن خدمة المواطن ومصلحة المحافظة باتجاه مغاير وسالب ليتربع معظمُ أعضائها على عرش الفساد والهدر بالمال العام عبر صفقات وتفاهمات سيطرت عليها الكتل المتنفذة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مَن تولّى اللجان المالية وملفات الاستثمار التي خضعت لابتزازٍ بأشكاله المعنوية والمالية والاجتماعية وحتى الأخلاقية. ويرى كثيرون أن المبالغ المصروفة على مرتبات أعضاء هذه المجالس بلغت ملايين الدولارات سنويًا من دون ان يشعر المواطن بأية خدمات محسوسة في حياته اليومية. ناهيك عن الامتيازات الشخصية في السفر والتسهيلات وعشرات الحراس الشخصيين والسيارات المرافقة للأعضاء وما تشكله هذه من إرباك في السير والنظام العام وقطع الطرق والشوارع ووضع المصدّات غير الأصولية في مواقع السكن اينما كانوا وحلّوا. لذا حريٌّ بالحكومة القائمة وبما تبقى من ساسة وطنيين عقلاء أن يكون لهم رؤية صائبة في الحدّ من النفقات غير الضرورية التي ستتحملها ميزانية الدولة في إنفاقها على المرتبات والنفقات الترفيهية والإدارية والضيافة والخطورة غير الضرورية، وعوض ذلك تخصيصها لمشاريع ذات قيمة مضافة لمنفعة الشعب والطبقات المحتاجة، ومنها قطاع السكن والكهرباء والخدمات البلدية وما سواها.
 هناك مخاوف من سعي جهات عميقة في الدولة تتهيّأ لاستبدال التزام الحكومة التي تشكلت وفق آليات متفق عليها في إدارة الدولة للمطلب الشعبي بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة بهذه التوليفة البديلة التي يُراد بها تثبيت دعائم احتياطية مضافة لمكاتب أحزاب السلطة استعدادًا للانتخابات التشريعية المؤجلة في حساباتهم المبطنة. أي لا إشارات لغاية الساعة بوجود الإرادة السياسية لإجراء هذه الأخيرة كما تعهدَ ائتلاف إدارة الدولة وأشار إليه بوضوح رئيس الوزراء قبل استلامه السلطة خلال فترة ترشحه للمنصب التنفيذي. بل إن الدلائل تشير أيضًا إلى مساعٍ لتغيير القانون الانتخابي الذي لم تفلح فيه غالبية الأحزاب الإسلامية في بلوغ الحدّ الأدنى من المقاعد النيابية في التجربة التشريعية السابقة التي خلقت إرباكًا ملحوظًا في العملية السياسية برمّتها والتي أدت إلى النتائج التي نحن عليها اليوم بكلّ سلبياتها بسبب خضوع رأس الحكومة لمزاج الكتل التي أتت به إلى السلطة باعترافِ مَن في السلطة أنفسهم. فهذه الأحزاب الخائبة زادت من جهودها ومساعيها لأجل تغيير القانون الانتخابي لمجلس النواب أيضًا وإعادته إلى صيغته الداعمة للأحزاب الكبيرة أي إلى صيغة "سانت ليغو" الأول بهدف حصر مكاسب المستقلين والحدّ من فرصهم في بلوغ عتبة الفوز. وهذا منافٍ للخيار الشعبي المطالب حينها بتغيير هذا القانون من أجل ضمان مشاركة واسعة لممثلي الشعب وعدم اقتصار التمثيل على ذات الوجوه من الولائيين الذين تطلقهم أحزاب السلطة وقياداتها الإسلامية للسطو على الحكم وإدامة بقائها في السلطة ما شاءت الأقدار، بصمّ الآذان عن رغبة المرجعية والنخب المثقفة بالتغيير وعدم إعادة تجربة المجرَّب لفشلها في خدمة البلد والشعب معًا. بل هناك تحرّكات مشبوهة تخصّ طريقة تصويت ملاكات وأفراد الحشد الشعبي لضمان ولائها لأحزاب السلطة وكتلها الإسلامية أيضًا.
نحن هنا، لسنا بالضدّ من رؤية نظام سياسي لا مركزي عندما يكون الهدف منه خدمة المجتمع وأهل المنطقة من ساستهم وممثليهم الحقيقيين من نفس المحافظة والمنطقة. لكنّ التجربة كانت قاسية بسبب خروج معظم هذه المجالس عن الهدف الأسمى من تشكيلها لأجل خدمة المحافظات وأهلها. فالواقع كان مريرًا وصادمًا، عندما فُتحت أبواب الحساب مؤخرًا من جهات رقابية أخذت على عاتقها مراجعة العقود والموازنات الانفجارية التي ضاعت في كواليس معظم هذه المجالس عبر صفقات مشبوهة كان من نتائجها فضح المستور بين أعضائها، كما كشفته محاكم مجلس القضاء الأعلى ودوائر النزاهة بسبب تقاطع المصالح والاختلاف على سرقة أموال ومشاريع في معظمها وهمية وظلت حبرًا على ورق. ولو جرت تساؤلات وجولات محاسبة وفق مبدأ "من أين لك هذا"، كما حصل مع بعض المتورطين في هذه المجالس وغيرها من ساسة الصدفة وفي عموم مناصب الدولة، لوقف العراقيون والعالم على مآسٍ وجرائم سرقة فظيعة وهدر بالمال العام والإثراء الفاضح لنفرٍ من هؤلاء على حساب مصالح أهل مناطقهم. بل هم أثبتوا أنهم جزءٌ من مافيات وأدوات فساد ظهرت في العلن، ما تسببَ بخلق ردود أفعالٍ سلبية ضدّ الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية بسبب فساد الساسة وأحزاب السلطة. من هنا يكون التوجه الحكومي والسلطة التشريعية لعودة مجالس المحافظات كما مقرَّر لها بعد أشهر، وسيلةً لاستمرار تدمير البلاد وسرقة أموال الشعب وإرجاء الوعد بإقامة انتخابات وطنية تشريعية مبكرة عوضًا عنها، بحسب الوعد والتعهد، إلاّ إذا أُجريت تعديلات أساسية وإجرائية وهيكلية على قانونها بحيث تخدم الوطن والشعب وتأخذ في الحسبان تبنّي مجمل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حكمت البلد وفرضت إرادتها على الدولة والحكومة ومؤسساتها بعد كشف المستور وفضح مصالح السراق ولصوص الليل والنهار والعمل على محاسبتهم بلا مجاملة ولا غطاء ديني أو سياسي أو حزبي أو شخصيّ. فالإرضاء الحقيقي يجب أن يكون لصالح الشعب وليس لأحزاب السلطة الرافضة لترك سياسة منظومة المحاصصة وتقاسم المغانم والكعكة.