المحرر موضوع: زيارة بابا الفاتيكان للعراق نافذة أمل مركونة للتغيير والإصلاح (في ذكراها الثالثة)  (زيارة 497 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 430
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
زيارة بابا الفاتيكان للعراق نافذة أمل مركونة للتغيير والإصلاح
(في ذكراها الثالثة)
لويس إقليمس
بغداد في 29شباط 2024
أعجبني ما قرأتُه عبر وسيلة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" من محاورة بين جدةٍ وحفيدة جلست تستمع لنصيحة جدتها صاحبة الخبرة في الحياة المليئة بكلّ أشكال النشاط والحركة بآمالها وآلامها، مسرّاتها ومشاكلها، نجاحاتها وانتكاساتها. فهذه هي عصارة الحياة. لا خطوط مستقيمة على مدار الساعة، ولا أدراجًا جاهزة للتسلق في كلّ حين وأيّ ظرف. فقد تُغلقُ أبوابٌ وتنفتح أخرى، أو قد تأتيك الرياحُ بنسيماتٍ تنفتح عبرها نوافذُ بديلة عن تلك الأبواب التي انغلقت لأية أسبابٍ كانت. هكذا أرادت فتاة مقبلة على الحياة أن تستلهم العبر والدروس من جدتها عندما سألتها بكل هدوء وروية واسترخاء: "ما هو الدرس الذي لا تريدينه أن يغيب عن ذهني أبدًا ما حييتُ"؟ فكان الردّ أكثر روعةً ممّا توقعته الحفيدة. قالت لها الجدّة :"عندما يُغلقُ بابٌ تُفتحُ نافذة، لا تركزي على الباب المغلق وتنسي النافذة بل انظري إلى النافذة". فالجدة قد استلهمت الدروس من سنواتٍ خبرتها عبر أشكال النشاط والتفاعل والتآلف والتكافل وتحمّل المصاعب وامتزاج هذه مع غيرها من أدوات الراحة والمتعة والاسترخاء وفي التكيّف مع هذه جميعًا مع نوافذ الأمل التي تنفتح بين فترة وأخرى بديلة لأبوابٍ أغلقتها الظروف والبشر المتحكمون بها على هواهم ووفق مصالحهم وأجنداتهم.
لدي قناعة بأنّ الحياة في عمومها، إلاّ ما ندر،لا تسيرُ وفق تظاريس مستقيمة سواءً في الراحة والمتعة والرفاهة والترف أو بسبب ظروفٍ ظالمة وقاسية في القهر والضنك والبؤس والمصيبة. فبعد الضيق يأتي الفرج وعقب البؤس حيث أبواب الاستراحة مغلقةٌ تأتي الساعة التي تنفتح فيها مثل هذه الأبوابٌ أو بديلاتها بشكل نوافذ كثيرة  متجانسة معها مليئة بأوكسجين نظيف يُنعش رئة المظلوم والبائس وفاقد الأمل بحياة أفضل يستحقها وفق المخطط الإلهي العادل. فلا يمكن للخالق أن يكون ظالمًا أبدًا لفئة من البشر على طول الخط، بل هناك بالتأكيد فرصٌ سانحة بمقدور الإنسان مهما كانت طبيعة حياته وظروفها أن يستغلَّها لصالح إنعاش وضعه وتصحيح مسار حياته بأيديه وعقله وبصيرته. وأحيانًا قد تُتاح مثل هذه الفرص النادرة غير المستغلَّة عبر نوافذ طارئة غير محسوبة في حسابات  الزمن، فتفقد فاعليتَها ويبقى الإنسان حابسًا كيانه ومشاعرَه  ضمن حلقات مظلمة مضيفًا اثقالاً أخرى على حمله السابق. ومن ضمن هذه تأتي النافذة المشرعة في المحبة والتسامح والتعايش والأخوّة الإنسانية التي فتحتها زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق قبل  ثلاث سنوات من هذا التاريخ، لكنها ظلّت حبيسة الرفوف البروتوكولية من دون جهودٍ سخية وناصحة في استغلالها لصالح الوطن والشعب بسائر مكوّناته، ولاسيّما المقهورة منها والمهمّشة والتي ماتزال تبتلع طُعم زعامات أحزاب السلطة ومَن يقف وراءَ دعمها بدءً من الغازي الأمريكي والغرب المنافق راعي ما يُعرف بالعملية السياسية الجرباء والعرجاء وصاحب تصدير الديمقراطية المنقوصة ومَن يقف معهما متعاونًا ومتشاركًا ومناصرًا في استدامة المكاسب والمصالح في ظلّ المنظومة السياسية الفاشلة.

نوافذ للتغيير والإصلاح
رباط الكلام، إذ أؤيّدُ بشدّة ما قامت وتقوم به وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية الرديفة في العراق في عملها الأمني الساعي لتحصين المجتمع العراقي من المؤثرات الدخيلة عليه، ولاسيّما آفة المخدّرات التي تنشط من شرق البلاد بفعل فاعل خبيث وحاقد منذ احتلاله فكريًا وعسكريًا سياسيًا ومجتمعيًا من قبل الغازي الأمريكي وأدواته وأعوانه في 2003، أشهد بأعلى صوتي بتقديم الجهات الوطنية، على قلّتها في البلاد، بين فترة وأخرى نوافذَ رشيدة متاحة لكلّ مَن اغترّ أو سقط في المحظور أو عاش في مستنقع الفساد المالي والإداري والأخلاقي لكي يُعيد النظر في مسيرة حياته وسلوكه. فالنوافذ المتاحة بدعمٍ وإسنادٍ من الحكومة العراقية القائمة التي استبشرنا بها جزءًا يسيرًا من الخير القادم بسبب إغلاق العديد من الأبواب المتاحة منذ السقوط في وحل الفساد واللاوطنية ومنها تلك الساعية لتصحيح مسارات أمثال هؤلاء المغرَّر بهم  وسواهم من طالبي الجاه والمال والسلطة بغير وجه حق ومن الطارئين والدخلاء والمستنفعين والمبتزين بكافة تصنيفاتهم القذرة، هي قادرة في ظل هذه الظروف "المتحركة" على إصلاح المكسور والمعطوب والهزيل في المجتمع العراقي الذي فقد قدرتَه البشرية والعلمية والتربوية والأخلاقية في العديد من جوانبه. والمعيب في هذا وذاك، أنَّ الشذوذ في مسيرة هذه الفئات الضالة الفاسدة التي أزكمت أنوف باقي الشعب الصابر الفاغر فاهُ في انتظار الفرج القادم بأبوابٍ ونوافذ جديدة، قد اصبح قاعدةً وأداةَ مفخرةٍ وتباهٍ وخيلاء، فيما الفئات التي تعرف ربَّها في النزاهة والخُلق الحسن والاستقامة في العمل والوظيفة والسلوك والتجارة والتربية والعلم والتسامي فوق المعاصي والشذوذ بكلّ أشكاله قد رُكنت جانبًا على الرفوف وأصبحت في عداد التخلّف والسذاجة والفشل والهون في بلوغ الأربِ ومعرفةِ رحمة الخالق ونعمته. أليس في هذا الحيد والزوغان في اتباع طريق الحق القويم ومسالك الحياة الطبيعية التي تريدها السماء خروجٌ عن المألوف وإرادة الخالق في إصلاح المجتمعات وبناء الأسس الصحيحة للأمم والبلدان وصولاً لعالمٍ أكثر رزانةً وعدلاً ونصحًا ورحمةً ومحبةً للخالق والبشر معًا؟
أمّا الحديث عن منزلقات عقيمة، قديمة أو جديدة أتت بها وسائل التواصل الاجتماعي الساعية خصيصًا لتدمير الأمم  والمجتمعات والبلدان، فقد أمسى حديثًا ذا شجون. لقد تماهى مثلاً ساسةٌ وزعماء وأدعياء دين وتقوى وصلاة مع الكثير من هذه المنزلقات والترّهات ضمن مسعاهم لزرع ما اصطلحته دوائر الغرب المهتزة أخلاقيًا ودينيًا واجتماعيًا بمصطلح "الجندر" الفاضح الذي تنادى له أرباب الشذوذ ومنهم زعامات دينية وسياسية، وتبناه أصحاب السوابق في تثبيته في بنية مجتمعنا العراقي الذي انزلق بفعل هؤلاء الشواذ والمفسدين في الأرض إلى دركات الأخلاق السفلى في الترويج لأشكال الفساد وتشجيع سرقة البلاد وثرواتها والهدر في المال العام بحججٍ وأعذار يدخلُ الفقه والمذهب لدى بعض (من غير تعميم) الزعامات الدينية التقليدية المضلِّلة ضمن دائرة المباح شعبيًا وبحجة المظلومية. ومادام المال العام مباحًا، فطريق استنفاذه واستغلاله والتكسب منه وسرقته بشتى الوسائل حلالٌ للشعب الغافل عن القيم العليا التي لا ترضى بها لا الطبيعة الهادئة ولا الحياة الفضلى والتي تنادي ب بفضحها أركانُ الأديان الحقيقية الصحيحة التي تحرّم هذه الأشكال من السرقات والتكسّب من السحت الحرام. فالشعوب الساذجة والبائسة التي فقدت سمة التمييز بين المقبول والمحظور عادت اليوم لترتكن لدين زعاماتها وسلطاتها وسطواتها عندما فقدت بوصلة العقل والبصر والبصيرة بفعل سطوة بعض هذه الزعامات الناشزة ومثيرة الجدل. ومثلُها لا تقلُّ فجاجةً وقباحةً ما طرأ من خنوعٍ معيب على بعض المحسوبين في خانة أصحاب الفكر والقلم وحاملي القيم التنويرية والتجديدية في الدين والمذهب. ناهيك عن السعي الدؤوب السلبي لتفكيك شأن العلم والعلماء وأدواتهم التربوية الصحيحة في إصلاح المجتمع من منطلق وطني وحضاري وبيئي دينيّ غير منغلقٍ على الذات بل منفتحٍ نحو سائر البشر من أديان وعقائد أخرى صاحبة الحق في التشارك في الوطن وفي أدوات العدل والمساواة والمواطنة من منطلق الحق المواطني والإنساني والبشري في كلّ شيء وأيّ شيء. فالمؤمنون الموحِّدون وسواهم وفق هذا المنظور إخوة، إن لم يكن في الدين والمذهب، فهُمْ كذلك في الإنسانية!

زيارة البابا للعراق نافذة منسية
أتت زيارة بابا الفاتيكان "فرنسيس" للعراق للفترة من 5-8 آذار 2021، لتقدمَ نافذة مضافة في طريق إصلاح المجتمع العراقي الغارق في شجون المحاصصة الحزبية وأشكال الطائفية وتقاسم السلطات والمناصب والمال العام بين أحزاب السلطة منذ 2003 ولغاية اليوم. فهذه الموجة الظالمة التي سمح بها الغازي الأمريكي لزعامات المعارضة التي ادّعت الوطنية وخدمة المجتمع وإصلاح شؤون الوطن وإنقاذ الشعب من ظلم النظام السابق بحسب الادّعاء الظاهر زمنَ المعارضة، قد امتدت واتسعت وفقدت معها كلّ مصداقية للغزاة وللشعب على السواء. لكنّ زعامات السلطة عوضَ ان تستغلَّ هذه الزيارة التاريخية كنافذة إضافية بعد غلق الكثير من الأبواب، من أجل الاهتمام بالوطن والأخذ بأيدي الشعب المقهور المغلوب على أمره في إصلاح المعوجّ والمعطوب والمكسور في مسيرتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، فقد أغلقتها هي الأخرى وركنتها على رفوف الزيارات البروتوكولية ولم ينتج عنها سوى الذكريات والصور وشيءٌ من إصرار كنيسة الفاتيكان في إحياء موقع إبراهيم أبي الأنبياء في أور الكلدانيين. وحتى هذه الفسحة ممّا تبقى من  النافذة المذكورة لم تنضج بعدُ بل مازالت تعاني من تلكّؤ وتباطؤ ومعرقلات.
في رأيي، كان بالإمكان استغلال هذه النافذة البابوية لتوسيع نطاق البناء والإعمار والتغيير في مسارات عديدة، ومنها إنعاش روح التآخي والانتماء للوطن وزيادة الاهتمام بطبيعة التعايش السلمي بين أتباع الديانات والإتنيات المختلفة في أجواء المصالحة والمحبة ونشر أدوات السلم الأهلي والعدالة والمساواة من منطلق مفهوم متفق عليه "كلُّنا إخوة". وهو ذات المفهوم الذي تشارك به بابا الفاتيكان فرنسيس يوم 6 آذار مع سماحة المرجع الشيعي العراقي  السيد علي السيستاني في لقائهما التاريخي. لكن من المؤسف أنّ هذا اللقاء لم يُستغلّ بطريقة وطنية ومجتمعية وإنسانية محليًا وإقليميًا ودوليًا بسبب قصورٍ في الجهات التي تدير دفة البلاد بطريقة المحاصصة وتقاسم المغانم وتوزيع الثروات والمناصب على أحزاب السلطة وبخاصة بين المثلث الحاكم الشيعي-السنّي- الكردي والتغاضي عن سائر حقوق باقي المكوّنات الدينية والإتنية الأخرى. وهذا عتبُنا على أصحاب القرار. بل نقولها بحسرة، كانت هذه الزيارة بمثابة تلك النافذة المضافة والفرصة التاريخية التي لا تُعوَّض والتي فُتحت بعد غلق أبواب الصحوة الوطنية وافتقار البلاد إلى أدوات أساسية في الانتماء الحقيقي للوطن وفي تحقيق سمات العدل والمساواة. وهذا ما يستوجب إعادة النظر في مفاهيم تلك الزيارة ومراجعة محطاتها الرمزية العديدة بدءً من بغداد عاصمة الرشيد، ومرورًا بالموصل وقرقوش/بخديدا وأربيل وأور الناصرية من أجل العودة بعراق الحضارة الرافدينية إلى مسارها السابق بالتقدّم على غيرها من بلدان المنطقة في كلّ شيء عندما كانت تُعرف قيمتُها الحقيقية الصارخة بين شعوب العالم. بل كان من الممكن، كما قال قداسة البابا في مداخلة له أمام حشد للحكومة والساسة أن تضمن هذه االنافذة الجديدة بناءً مستقبليًا للعراق في الشؤون والخطوات والأدوات التي توحّده وليس فيما يفرّق أبناء الشعب من عنف وتطرّف وتحزّب وخروج عن الحق وزوغان عن سمة التسامح التي تشكل ركنًا من أركان بناء المجتمع العراقي عبر السنين والقرون.
فهل ننتظر نوافذ أخرى للأمل والرجاء والإصلاح كالتي فتحتها زيارة البابا فرنسيس قبل ثلاث سنوات أم نتطلعُ لأبواب جديدة بحللٍ جديدة غير منقوبة ولا مرقَّعة ولا رثّة تشعُ بياضًا ناصعًا في العمل والمثابرة والإنتاج والنزاهة، والأهمّ بالإيمان الراسخ بعراقٍ واحد موحدٍ يجمع جميع الشركاء على طاولة المحبة والعدل والمساواة والشراكة الصحيحة كما تجمع الدجاجةُ فراخها تحت جناحيها؟