المحرر موضوع: قوات الحشد الشعبي وانتهاك الإطار الدستوري  (زيارة 373 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 32008
    • مشاهدة الملف الشخصي
قوات الحشد الشعبي وانتهاك الإطار الدستوري

بقلم: ادهم إبراهيم
عاش العراق فترات عصيبة من المآسي والفوضى بعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة عام 2003.وكنتيجة طبيعية لحل الجيش العراقي، أصبحت الدولة العراقية من بين أكثر أنظمة المنطقة معاناة من التدخلات الخارجية والاضطرابات الداخلية.وبعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مساحات واسعة، وما تبعه من إصدار فتوى دينية تشكلت قوات عسكرية خارج نطاق الدولة باسم الحشد الشعبي لصد التنظيم الإرهابي.
وبالرغم من زوال الأسباب الداعية لتشكيلها ظلت هذه القوات مستمرة بعملها، مما أثار تساؤلات حول الشرعية الدستورية وتوازن القوى داخل الأمة، خصوصا بعد انضواء العديد من الميليشيات الحزبية تحت لوائها، وتصنيف العديد منها ضمن قائمة الإرهاب مثل حركة النجباء وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله.
استمدت قوات الحشد الشعبي شرعيتها من الفتوى الدينية، ثم استمرت بموجب قانون مثير للجدل لكون الدستور العراقي لا يعترف بأي تشكيلات عسكرية خارج إطار المؤسسة العسكرية المتمثلة بوزارة الدفاع ورئاسة أركان الجيش.
وقد نصت المادة 9 الفقرة (ب) من الدستور على “حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة”.إضافة إلى أن الفقرة الأولى من المادة 9 من الدستور تنص على أنه لا يجوز للقوات المسلحة العراقية وأفرادها، ومن ضمنهم العسكريون العاملون في وزارة الدفاع أو أية دوائر أو منظمات تابعة لها، الترشح في انتخابات لإشغال مراكز سياسية، ولا يجوز لهم القيام بحملات انتخابية لصالح مرشحين فيها.
وإذا ما اعتبرت تشكيلات الحشد الشعبي من القوات المسلحة فإنها تقع في مطب آخر. حيث تم ترشيح عدد من قادتها في الانتخابات البرلمانية، انخرطوا بالعمل السياسي مثل رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي يترأس حركة عطاء، وكذلك قيادات عصائب أهل الحق وقيادات بدر وغيرها. وفي ذلك مخالفة صريحة للدستور.غالبا ما حدثت مواجهات بين فصائل الحشد الشعبي المختلفة، وهذا مؤشر على عمق خلافاتها وتشظي قيادتها.
وقد عبر مصدر حكومي بقوله إن “موقف الحكومة العراقية محرج، إذ أن تلك المواجهات هي خروج عن القانون وعن سلطة الدولة وتهديد للأمن المجتمعي، وإن المطلوب من الحكومة تطبيق القانون على الجميع”. وكل محاولات التهدئة تشير إلى تهافت الإجراءات الحكومية وضعف سلطة الدولة.
وفي تشرين الأول – أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون من الحشد الشعبي في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم وتعذيبهم. وشنت بعض عناصر الحشد أيضاً هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق.
كما جرى اقتحام المنطقة الخضراء من قبل فصائل تابعة للحشد الشعبي عدة مرات مهددة سلطة الدولة، مما يدل على الفوضى والإخلال بالأمن العام.وأحد أكبر التحديات التي يطرحها الحشد الشعبي هو قياداته المستقلة فعليا، والقرارات البعيدة عن نهج السلطة. وقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ عمليات دون علم الحكومة.وهناك الكثير من الفصائل المسلحة التي تتخذ من الحشد الشعبي غطاء لها تبتز المواطنين والشركات الاستثمارية العاملة من دون مساءلة.
ولا تخفي بعض فصائل الحشد الشعبي ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني وتلقيها الدعم العسكري والسياسي منه، كما تعتبر نفسها وبشكل واضح جزءا لا يتجزأ من محور المقاومة الذي تديره إيران في المنطقة.ودعا المرجع الديني علي السيستاني إلى وضع “كل الأسلحة التي استخدمت لمحاربة المتشددين تحت سيطرة الحكومة العراقية”.ولم تلق هذه الدعوات الأذن الصاغية رغم التأييد الكبير الذي ناله مقترح دمجها مع الجيش في مناسبات كثيرة.
وفي عام 2019 طلبت أربعة ألوية قتالية محسوبة على المرجعية الدينية في النجف وكربلاء إلحاقها بالقائد العام للقوات المسلحة وفك ارتباطها إدارياً وعملياتياً من بـ“ هيئة الحشد الشعبي”، بعد خلافات مع قيادات الحشد الموالية لإيران. واستجاب رئيس الوزراء الأسبق لهذا الطلب.
ثم أصدر في وقت لاحق من العام نفسه قراره بضم كافة تشكيلات الحشد الشعبي للقوات المسلحة وإغلاق مقراتها، إلا أن رئيس هيئة الحشد والكثير من الفصائل رفضت تنفيذ القرار.في عام 2021 قادت منظمة “العدالة للعراق” حملة المطالبة الوطنية بحل الحشد الشعبي، جاء فيها “أن فصائل الحشد الشعبي أصبحت ليست فقط منتفية الحاجة إليها، بل إن بقاءها يمثل ضررا كبيرا بالمصالح الوطنية، مما يجعل المطالبة بحلها من أهم الواجبات الوطنية، ومن أهم شروط تهيئة الأرضية المناسبة والضرورية لإجراء التغيير الذي نتطلع إليه، على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي، وعلى صعيد تحقيق كامل السيادة الوطنية، وتحقيق هيبة الدولة، وبذلك نعتبر حلها من أهم المطالب الوطنية التي تتخذ موقع الأولوية”.
إن وجود فصائل مسلحة موازية للجيش النظامي، يتحدى احتكار الدولة لاستخدام القوة، ويقوض سلطة القوات المسلحة العراقية وغيرها من المؤسسات الأمنية الشرعية المُنْشَأة بموجب الدستور. وعلاوة على ذلك فإن انتماء قوات الحشد الشعبي إلى مختلف التكتلات السياسية والدينية يزيد من تعقيد وضعها ضمن الإطار الدستوري.
وفي حين تحتفظ بعض الفصائل داخل قوات الحشد الشعبي بعلاقات وثيقة مع الأحزاب السياسية والزعماء الدينيين، تعمل فصائل أخرى بشكل مستقل، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين قوات الأمن المدعومة من الدولة والميليشيات الخاصة.
ويؤدي الافتقار إلى الوضوح إلى تفاقم المخاوف بشأن المساءلة والقيادة والسيطرة نتيجة إساءة استخدام السلطة، وقد صَعَّبَ ذلك من عمل القضاء وقوى الأمن الداخلي في محاسبة الجريمة المنظمة وأخلّ بقواعد المساءلة والعدالة.إن إنهاء ملف الحشد الشعبي أصبح من الضرورات الأساسية لضمان وحدة واستقلال العراق. ويتطلب التصدي لهذه التحديات نهجا شاملا يؤكد على سيادة القانون واستقلال الدولة، وضمان عمل جميع قوات الأمن ضمن إطار الدستور وخدمة مصالح جميع المواطنين العراقيين.