المحرر موضوع: فاقـد الضـمير لا يخـطأ  (زيارة 2159 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Michael Cipi

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 4005
    • مشاهدة الملف الشخصي
فاقـد الضـمير لا يخـطأ
« في: 17:33 11/08/2007 »
فاقـد الضـمير لا يخـطأ

بقـلم : مايكـل سـيـﭘـي / سـدني

إبتـدأتْ الجـريمة عـلى كـوكـبنا حـين قـتل قائينُ هابيلَ وتبــِِعَـتها مجازر بشـرية عـبر العـصور يندى لها الجـبـين أنـتـَجـتْ مقالع قـبور ضمّتْ عـظامها . إنـنا نرى عـلامات يومنا المظلم مستمرة عـلى نهـجـها ومنوالها الظالم وبهـذا فإنها تجـيز لنا التـنبّـؤ بكـوارث هائلة تـنتظر الإنسان إذا فـقـد كامل صفـته الإنسانية وعـندها سـيجـلس القـرفـصاء فاقـد الحـياء أمام الحـمل الوديع الذي يستمتع بالحـقـول ، وزهـور الربـيع التي تزيّن السهـول . إن بعـض عـلماء النفـس يرَون أن الإنسان عـدوانيّ الطبع ولكـنه قابل الترويض فـيتهـذب سـلوكه ، كما أن عـلماء إجـتماع آخـرين يقـرأون بـياض صفـحـة ولادته والتي سـرعان ما تمتلىء بكـتابات ملونة لا يقـرأها المصاب بعـمى الألوان . و فـريق آخـر يقـول : أعـطـني طفـلاً أعـطيك ما تريد ........محامياً ، محارباً ، ناسكاً ، طبـيـباً .......... . إنّ  إنسانـنا هـذا ، أرقى وأفـضل الكائنات الحـية فـهـو مطربها وراقـصها ، إنه عالمها وأديـبها ومبرمج نشاطها ، فـما الذي جـعـله يتـصف بروحـية جـميلة إيجابـية تارة ، و بسـلوكية هـمجـية سـلبـية تارة أخـرى ؟ إن الخالق أحاط الإنسان بنور الشمس وبالماء والهـواء والأرض المثمرة والمليئة بالكـنوز وأعـطاه القـدرة التي تمكـّـنه من متابعة المشوار تصاعـدياً حـتى يصبح كاملاً ( كما أن أبانا السماوي هـو كامل ) . إن المقـدرة المهـداة له هي التي تؤهّـله أن يكـون قائد نفـسه وما حـوله ، إنها روحَه ، قـدرته العـقـلية التي إذا إستطاع تحَـسّـسها وتسخـيرها لمشاركة الآخـرين حـياتـَه فإنه يرتقي درجة أعـلى في سُـلـّم القـيم الإنسانية ويصبح ذا ضـمير . فالضمير إحـساس ذاتيّ منبثـق من خـلايا الدماغ المتفاعـلة فـيما بـينها بحـركة نلمسها ذهـنياً ، إنه شـعـورٌ حي لا يشـعـر به إلاّ صاحـبه الذي يجـعـله يؤمِن أن الحـياة ليست جـديرة مع الوحـدانية الإنفـرادية ، والفـرحة لا تكـون مع الذات الوحـيدة المنفـردة في الكَـون بل أنّ السعادة شـعـور أمام الغـير يحـتاج إلى جـسر للمرور والعـبور كي يصـل إلى الطرف الثاني ، هـذا الجـسر لا يـبنيه إلا الضمير وإلاّ فأمام مَن سـيتباهى السعـيد بسعادتِه ؟ ثم ! إذا لم يشاركه غـيرُه إيّاها فإنه سينسج حـوله شرنقة ويتكـيّس بداخـلها فـتـنـتحـر متعـتـَُه هـناك ويخـسرها . إن شـرود الإنسان بتعـمّد عـن هـذا الإحـساس وتجـنـّبه التفاعـل معه والتمرّد عـلى السَـير بإتجاه شـعاعه سـيؤدي إلى فـقـدانه له حـتماً وعـندئـذ يوصف بأنه ليس له ضمير ، وبالعامّية نقـول عـنه ( ضميرسس ) فـيتصرف وفـقاً لإملاءاته بغـياب ضميره معـتقـداً أن مَن يحـيط به نيامٌ لا يرَونه . تـُرى كـيف يمكـن إسـتـنهاض الضمير عـند فاقـديه ؟ إن الداركـين والمُصلحـين وأصحاب الضمير عِـبر الزمن فـطِـنواإلى هـذه المأساة وإنطلقـوا مِن مبدأ حُـسن النية عـند الغـير وإعـتبروا أن بعـض الناس لا يملكـون تلك القـدرة الكامنة ولا ذلك الإحـساس كما ليست لديهـم القابلية عـلى الإستمتاع بالتآلف مع الغـير ، إنهـم فاقـدي الشـعـور بأنـنا شـُركاء في الكَـون ولنا حـصص متساوية في الإستمتاع بمشاهـدة نجـومه وإستـنشاق عـطر زهـوره وشرب مياهه ، إنهـم بلا ضمير فـليس عـندهـم ميزان ولا يتعاملون مع الآخـرين في السوق بالمقايضة أو بالنقـود ، إنهـم لا يعـرفـون ما هي الكـفة اليمنى واليسرى ، ولم تسنح لهـم الفـرصة يوماً أن شاهـدوا رمز العـدالة ، كما أنهـم أشـبه بسُـكارى لا يمشون بتوازن ...... وعـليه فإن فاقـد الضمير ليس مخـطئاً في أحـكامه ومكايـيله القــَرَقـوشـيّة . فـلأجـل كل ذلك نظر هـؤلاء المصلحـين الداركـين نظرة عـطف إليهـم وفـكّروا في تـنشيط خـلايا إحـساسهـم لغـرض إستـنهاض الضمير عـندهـم فـوضعـوا لهـم إرشادات مُلزمة و موثــّقة يعاقــَب الزائغ عـنها فـسُمّيتْ ( قـوانين ) فأمسَتْ المخالـَـفة معـروفة لمَن لا يدركها ، ويؤكـّد مار ﭘـولص بقـوله : أنا لم أعـرف الخـطيئة إلاّ بالشريعة – روما 7:7 ، وعـلى خـط مواز لها تبلوَرتْ عـند الناس أسُـسٌ تـنظــّم العلاقات بـين أفـراد المجـتمع يتـناقــَـلونها بـينهـم شـفـهـياً ويقـبلون بها طـَوعاً وهي ما تسمى ( العِـرف الإجـتماعي ) . وحـينما ظـَهَـر القانون بُـنيَ جـسر متين بـين ضفـتــَي النهـر وأقـيم سياج عـلى جانبَـيه خـوفاً من سقـوط السابلة ، ونـُصبَ تمثال العـدالة وهـو ( الميزان المتوازن أفـقـياً ) في وسط الساحة التي تـتقـدّم بناية المحـكـمة تباهـياً وإعـلاناً للجـمهـور أن دار العـدل تحـكـم بالعـدل ! ولكـن صار يُرثى عـلى الميزان وكـفــّـتــَيه ، لماذا ؟ لأن البعـض صار يُلقي حُـجَـيراته عـليه فـتـتساقـط بصورة عـشوائية وبتفاوت عـلى جانبـيه فأفـقـده توازنه مما حـدى بأفـلاطون قـبل أكـثر من 2400 عام أن حاور زميله بوليمارخـوس وهـما يسيران بجـوار صرح دار المحـكـمة في أثـينا فـسأله أولاً : ما هـذه البناية يا بوليمارخـوس ؟ قال : هـذه دار العـدالة ، فـسأله أفـلاطون : وما هـذا التمثال في وسط الساحة أمام البناية ؟ قال : هـذا رمز عـدالة الأحـكام داخـل المحـكـمة ، فـقال أفـلاطون : إذن الآن أصبح لي واضحاً لماذا نـُصب هـذا الرمز خارج المحـكـمة . وفي الحـقـيقة فإن الجـسر المشار إليه لم يحـل المشـكـلة ، لماذا ؟ لأن أولئك الناس الذين بُـنيَ لهـم صاروا يعـبرون النهـر سباحة من تحـت الجـسر ليلاً ويمدّون مَن يهـمّه الأمر بسَمَكة نهاراً وهـم يعـلمون ، وهـنا نقـول : أنّ تعاسـته أكـبر إذا كان الإنسان يعـلم أنه بلا ضمير ، لأنه يعـرف إطار الصورة ولكـنه يُخـرج حافـتها من أحـد جـوانبه فـيُشـوّهـها لغـيره . وسيعـلم الذين ظلموا أيّ منقـلب ينقـلبون إنْ لم يكـونوا قـد إنقـلبوا حـتى اليوم ، وإن غـداً لناظره لقـريـب . وتهــانينا لكـــل فاقـــد ضميـــره لأنـــه لا يخـــطأ .