المحرر موضوع: صورة وحدث من التاريخ الآشوري:البقاء الآشوري سر من أسرار الطبيعة  (زيارة 4501 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أبرم شبيرا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 340
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صورة وحدث من التاريخ الآشوري:

البقاء الآشوري سر من أسرار الطبيعة
أبرم شبيرا


تطرقنا في الموضوع السابق عن كيفية إتخاذ السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري وعن المذبحة التي إرتكبها بعض الزمر من الجيش العراقي في عام 1933 بحق الآشوريين في قصبة سميل كرمز قومي للمأساة والتضحيات التي قدمها الآشوريون في سبيل بقاءهم وإستمرار وجودهم القومي
وفي هذا الموضوع نأخذ نموذجاً بسيطاً يتكون من صورة معبر وبعمق عن سلسلة المأساة التي لحقت بهم من دون أن تنتهي ومن دون أن تنهي وجودهم، هذا الوجود التي يعتبر وبحق سراً من أسرار الطبيعة التي يصعب فك غموضه. ونحن نتذكر يوم الشهيد في السابع من آب في ظل وحدة شعبنا (الكلداني السرياني الآشوري) فتشت في أوراقي "الآشورية" القديمة فوجدت الكثير منها التي عالجت هذا الموضوع، وإليكم واحد منها.
=====================
للطبيعة  أسرار غامضة تتعدد الاجتهادات والدراسات حولها ساعية إلى الكشف عنها أو حل جانب من جوانب غموضها. لايزال حتى اليوم، رغم التقدم العلمي والتقنـي الهائل في وسائل البحث المختلفة، هناك ظواهر يصعب على العلماء والباحثين حل أسرارها وفك رموزها  لذلك يضطر البعض منهم الى اللجوء  إلى مناهج ميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) لتفسير بعض من هذه الظواهر وإرجاع مسبباتها الى عوامل خارقة وخارجة عن ارادة الانسان أو إلى تفسيرات ميثولوجية أو ثيولوجية ترى في الخالق الأوحد وفي الدين والتفسيرات اللاهوتية المرجع الأخير في تعليل هذه الظواهر وهذا كان سبب من أسباب نشوء العديد من النظريات الفلسفية في هذا المجال مثل النظرية القدرية  (Fatalism) والقائلة بأن القدر يحكم الانسان وان كل شيء في العالم وفي الحياة الانسانية محدد تحديداً مسبقاً بقدر. أو مثل النظرية اللاأدرية   (Agnosticism) والتي تنكر كلياً امكانية معرفة العالم والظواهر المختلفة فيه من خلال ارادة ومعرفة الانسان لأنها خارج أطار ارادته. وهكذا مع بقية النطريات المثالية والميتافيزقية الاخرى. والاسرار الغامضة في جوانب معينة من تطور الحياة لا تقتصر على الجانب الطبيعي فحسب بل تشمل جوانب اجتماعية أيضاً إذ هناك العديد من الظواهر الاجتماعية بين مختلف شعوب العالم لا يزال العلم عاجزاً عن فهم اسرارها أو تتعدد الاراء حولها وتتنوع بحث تعجز في الوصول الى بديهيات عامة ومقبولة في تفسير هذه الظواهر.

هذه  الحالة  تنطبق في جوانب معينة عند دراسة تاريخ الآشوريين الذي يشوبه الكثير من الغموض والقصور والعجز في تفسير بعض الظواهر في هذا الشعب العريق، ومنها سر بقاء وتواصل الشعب الاشوري لقرون طويلة وعدم إفناءه وانقراضه رغم قسوة الظروف وعمق المأساة والمذابح والتشرد والأمراض الفتاكه والفواجع المهلكة وغيرها من المصائب والويلات التي واجها عبر مسيرته التاريخية الاسطورية. والآشوريون عبر تاريخهم  المدون وحده  الذي يمتد الى أكثر من خمسة ألآف سنة عانوا من هذه المصائب والويلات أكثر مما عان أي شعب أخر معروف في منطقة الشرق الأوسط فسلبت منه كل مقومات القوة والجاه والمال وفقد التيجان والسلطان وتشرد في أقاصي وزوايا الدنيا الا انه مع كل هذا لم تستطيع أن تقضي عليه وتفني اسمه ويتلاشى وجوده. والتوراة، التي تعتبر أقدم مرجع تاريخي وأكثر سعة وانتشاراً في العالم كرس اليهود منه عشرات الصفحات في خراب نينوى وهلاك آشور، وبالاخص ما كتبه ناحوم الذي عاش في بلاد آشور وتحديدا في ألقوش، كرس كل ما كتبه عن دمار نينوى عرين الأسود، الا انه مع هذا يختم ما كتبه بأسم الرب قائلاً "لقد نعست رعاتك يا آشور واضطجعت عظماؤك وتشتت شعبك على الجبال ولا من جامع يجمعهم" (ناحوم : 3 : 18). وتفسير هذا واضح ومبين: فالرعاة، والذي يقصد بهم الملوك والزعماء والقادة، لم يفنوا ولم يضمحلوا وانما أصبحوا خاملين هادئين غير فعالين في الحياة العامة في حين قصد نفس الشيء بالنسبة لعظماء آشور والمعني بهم الحكماء والفلاسفة وكبار رجال الدين والعلم.  أما بالنسبة للشعب فواضح كل الوضوح بأنه لم يفنى ولم يتلاشى بل كل ما يقوله عنهم انهم تشتتوا في الجبال ولا يوجد تنظيم أو دولة أو كيان معين يجمعهم في وحدة واحدة. وبعد أكثر من ألفي وخمسمائة سنة يعود المبشر الأنكليزي وكرام، وأيضا تحت ستار الدين ويعيش بين الآشوريين ويدس سموم قاتلة للروح الآشورية بين سطور كتبه العديدة التي كتبها عنهم. ففي مخيم بعقوبة عام 1919 عندما شاهد الآشوريين في أوضاعهم المأساوية والمزرية كتب يقول "ان حياة هذه الكنيسة القديمة والفريدة قد قضي عليها وأنقرضت بسبب المحن الصعبة والفضيعة التي مرت عليها" (التسوية الآشورية – 1922  – ص 31). ولكن سموم هذا المبشر في قتل النفس الآشورية لم تفد كثيراً ولم تستطيع القضاء على شعب هذه الكنيسة وحتى محاولته بعد الحرب العالمية الثانية مع مجموعة من كبار رجال الانكليز "المتعاطفون" مع القضية الآشورية في تشتيت الاشوريين واسكانهم في البرازيل لم تفلح أما صمود الشعب الآشوري فاصطدمت بقوة إرادة هذا الشعب في الصمود وأصراره على البقاء على أرض أبنائه وأجداده .
 


هذه نماذج مختارة وبسيطة في التعامل في سر البقاء الآشوري ، وصورة اليوم هي نموذج أيضاً من هذه النماذج التي لا يكفيها المجلدات والموسوعات في شرح المأساة البادية على وجوه رجال هذه الأمة ولكن مهما فصلت هذه المجلدات والموسوعات وزادت من تفسيرات وشروحات مأساة الآشوريين فأن جميعاً تؤكد حقيقة واحدة غير قابلة للشك وهي البقاء الآشوري وصموده طيلة هذا الدهر الطويل والعامر بالفواجع والمصائب. والصورة، موضوع الحدث، أخذت على أكثر احتمال، في بداية عام 1920 من قبل ( الميجر دبليو. بي. رودد ) الضابط الذي كان يعمل  في القوات البريطانية التي دخلت بغداد أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1917 وله مجموعة ممتازة من الصور الفوتوغرافية عن الشعب العراقي وتنوع طبقاته وقومياته، ومنها مجموعة عن الآشوريين أنثاء معايشتهم مأساة مخيم بعقوبة نشر البعض منها وكرام في كتابه المعروف " الآشوريون وجيرانهم". 

ولا أدري أفهل تحتاج القسمات البادية على وجوه هؤلاء أي شرح أو تفسير. لعمري لا أعتقد ذلك. فمن يحمل ذرة من الروح الآشورية يكفيه نظرة واحدة الى الصورة ويستكشف على الفور المأساة والمعاناة والتشرد التي واجهها هؤلاء في مسيرتهم الاسطورية  من هيكاري الى بعقوبة التي قضت على نصف عددهم، لا بل ويدرك، وعلى الفور أيضاً الاصرار البادي في نفوسهم على استمرار حياتهم ووجودهم. فإذا كان بوادر المأساة والمعاناة والتعب والارهاق بادية بشكل واضح على ملابس الرجل العجوز المرقعة وعلى تقاسيم وجهه وعلى تهالكه واتكاءه على عمود الخيمة في جلسة تعبر تعبيرا ساطعاً عن المسيرة الاسطورية التي اجتازها مشياً على الاقدام من منطقة هيكاري ومن ثم إلى أورمي في شمال إيران ومنها إلى مخيم بعقوبة في وسط العراق، فإن دلائل المستقل وآفاق الحياة وأستمرارها واضحة كل الوضوح في نظرات الطفل وفي وجهه المنبهر، لا بل ويبدو من قلنسوته (قبعته) بأنه يحمل آمال نصف الكرة الأرضية على رأسه ويظهر من جلسته وكأنه يترقب شيئاً ما  ويتأهيب للوثوب والانطلاق، ذلك الانطلاق الذي أستمر وتواصل حتى يومنا هذا .

أنها صورة من صور المأساة … صورة من صور الصمود والاصرار على التواصل القومي … صورة  لشعب مؤمن قدم قوافل من الشهداء من أجل استمرار وجوده … صورة لشعب عنيد يرفض الموت والفناء …. انها صورة الشعب الآشوري الخالد … صورة تعبر عن سر من اسرار الطبيعة … السر الذي يلف تاريخ هذا الشعب السخي والكريم  الذي أعطى للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذ حتى قليل القليل .
مرة أخرى أعود وأكرر ما قلته سابقاً بأنني بقيت وفياً لأوراقي "الآشورية" وهذا الوفاء لا يستقوى ولا يتواصل مسيرته مع مسيرة هذا الشعب إلا بوحدة جميع مكوناته وتسمياته المختلفة. فوحدة شعبنا الكلداني السرياني الآشوري كفيل بأن يخفف من معاناة شعبنا الطويلة ويتحقق من خلاله الأهداف التي ناضل أجدادنا من أجلها.