المحرر موضوع: كيف نجا الطفل ( باسم رشو ) من مجزرة صوريا ؟!!!  (زيارة 1389 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل وحيد كوريال ياقو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 173
    • مشاهدة الملف الشخصي
    كيف نجا الطفل ( باسم رشو ) من مجزرة صوريا ؟!!!

في مثل هذه الايام من كل عام يستذكر ابناء شعبنا في العراق وفي كافة انحاء العالم المجزرة التاريخية البشعة التي ارتكبت بحق ابناء شعبنا المسالمين في قرية ( صوريا ) في 16 – 9 - 1969 ..
هذه المجزرة التي ارتكبت بحق هؤلاء الناس البسطاء الابرياء من دون ذنب اقترفوه ولا جرم ارتكبوه سوى انه شاء القدر ان ينفجر لغم مزروع على الطريق القريب من قريتهم تحت عجلة عسكرية كانت تمر من هناك .. 
وهذه المجزرة طبعا ليست الوحيدة التي ترتكب بحق ابناء شعبنا خلال تاريخهم الطويل بل هي واحدة من المجازر الكثيرة التي ارتكبت بحق ابناء هذا الشعب وخاصة بعد اعتناقهم المسيحية خلال القرن الاول الميلادي .. فمن مجازر شابور والفرس وما لحقتها من مظالم واعتداءات كثيرة بسبب اعتناقهم المسيحية ومرورا بمذابح بدرخان والامير الاعور  والى مجازر سيفو وكوارث هكاري واورمي واسبابها المعروفة وانتهاءا بسميل وصوريا والمجازر الحديثة التي ما زالت مستمرة على ابناء هذا الشعب وخاصة على من بقي منهم في العراق وبالاخص بعد سقوط النظام السابق الحاكم في العراق الذي كانت هذه المجزرة التي نحن بصددها تعتبر باكورة منجزات ( ثورته ) التي قام بها في شباط 1963 وانقلابه في تموز 1968 ,  فهي تعتبر اول مذبحة جماعية بعد استلام النظام للحكم في العراق وثان مذبحة جماعية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة بعد مذبحة ( سميل ) سنة 1933 , حيث قام بتنفيذها احد ازلام النظام الذي كرم ورفع بعد تنفيذه لهذه الجريمة التي لم يكن لها اي مبرر , حيث يروى ان هذا الضابط امر بجمع اهالي القرية وطلب منهم ان يأتوا بالذي وضع اللغم على الطريق , ومن ثم اطلق النار عليهم وامر بأحراق القرية من دون ان يكترث لتوسلات اهالي القرية البسطاء ومن دون ان يجدي معه محاولات الكاهن الذي صادف ان يكون هناك ومحاولاته لاقناعه بأنه لا علاقة لأهل القرية بذلك لثنيه عن قراره .. ومن دون ان يستجيب هذا الضابط لأستعطاف الشيوخ له وصرخات النساء وفزع الاطفال ومحاولات بعضهم وخاصة ابنة المختار ( ليلى ) التي قيل انها اندفعت تستجدي هذا الضابط لكي لا يقتل والدها المختار , الا انه اطلق عليه النار وارداه قتيلا فما كان منها الا ان هجمت عليه وانتزعت منه رشاشته فسحب مسدسه واطلق عليها النار وقتلها , وفي رواية اخرى ان احد الجنود قام بقتلها , ومهما يكن فالنتيجة هي نفسها وقيل ايضا انه عقابا لها القيت جثتها في النار بعد ان احرقوا القرية .. وبذلك فأن هذه المجزرة تعتبر الاسرع تقريرا والاسهل تنفيذا على مدى التاريخ  حيث لم يكن اتخاذ القرار لها الا دقائق معدودة واما تنفيذها فلم يستغرق سوى دقائق معدودة ايضا , وبعد تلك الدقائق المعدودة انتهى كل شيء وطويت صفحتها وذهب من ذهب فيها واما من بقي فلم يستطع حتى الكلام عنها او حتى ذكرها , وهكذا بقيت مكتومة طيلة العقود الماضية التي كان النظام السابق الحاكم في العراق يتستر عليها حيث كان المسؤول الاول عنها وعن غيرها من الجرائم اللاحقة التي ارتكبت بحق العراقيين جميعا ..
هذه المجزرة التي اختلفت كثيرا عن كل المجازر التي ارتكبت بحق ابناء شعبنا  وانفردت عنها وتميزت بكون ضحاياها لم يكن لهم اية علاقة بالسبب المباشر الذي ارتكبت من اجله الجريمة فهي حدثت نتيجة الصراع الدموي الذي كان يجري بين الحكومة العراقية التي كانت تحاول القضاء على ما كانت تسميه التمرد الكردي وبين المقاتلين الاكراد الذين كانوا يطالبون بحقوقهم المشروعة , ولم يكن لهؤلاء الضحايا من ابناء شعبنا اية علاقة بالموضوع اطلاقا ..
هذه المجزرة التي تعتبر بحق مجزرة لأنها لم تفرق بين رجل وامرأة ولا بين طفل وشيخ مسن , ولم ينجو منها احدا سوى الذين وقعوا تحت الجثث ومنهم طفل عمره اربعون يوما وكان في مهده وقد حملته امه الى هناك مع مهده لكي لا توقظه , وجدوه حيا تحت الجثث بعد المذبحة وقد كانت امه قد حمته بجسدها , واطفال اخرون وقعوا تحت اجساد ابائهم او لربما ان ابائهم قد ضموهم تحت اجسادهم في لحظاتهم الاخيرة .. ومن هؤلاء الاطفال الذين كتب لهم النجاة كان محدثنا السيد ( باسم رشو ) الذي كان في السادسة من عمره انذاك والذي شاء القدر ان يكون هناك يوم وقوع الجريمة وشاء له القدر ايضا ان ينجو منها بأعجوبة لأنه وقع تحت جثة والده , وهكذا كتب له النجاة مع بقية من نجا من اهالي القرية ليكونوا شهود عيان على تلك المجزرة البشعة التي كتب عنها الكثيرين من الاخوة الكتاب وقد ابدعوا جميعهم بما كتبوا ولكن لا يمكن لأي كان ان يصفها بصدق وامان اكثر مما يصفها من رأها وشاهدها بأم عينه ولا يمكن لأحد ان يتكلم عنها بمشاعر من عاش احداثها ونجا منها بأعجوبة ومنهم محدثنا السيد ( باسم رشو ) بالرغم من صغر سنه انذاك الا انه مازال يتذكر تلك اللحظات المأساوية وتلك الاحداث المروعة ولذلك نكتفي بما يتذكره هذا الشاهد الذي عاش المجزرة بكل احداثها وتفاصيلها , وقد طلبنا منه ان يروي لنا الواقعة كما يتذكرها بالضبط من دون اية اضافة حيث ان ذلك ليكفي لمعرفة بشاعة المذبحة وفظاعتها .. 
يقول السيد ( باسم رشو ) واسمه الصحيح ( جبرائيل يلدا رشو ) ولكن يدعونه في البيت ( باسم ) :-   كنا نعيش في بغداد التي هاجرنا اليها سنة 1963 من قريتنا ( صوريا ) التي ولدت فيها في نفس السنة وذلك بسبب تعرض القرية الى اعتداءات وتجاوزات كثيرة   من قبل القوات الحكومية التي كانت تحاول القضاء على ما كانت تسميه التمرد الكردي بعد نشوب الحركة الكردية في شمال العراق سنة 1960 ..
وهناك في بغداد عندما اصبحت في السادسة من عمري اي في سن الدخول الى المدرسة كان لزاما ان يكون لي هوية الاحوال المدنية ( الهوية العراقية )  ولهذا السبب سافرنا انا ووالدي واختي التي كانت تكبرني بأقل من سنتين الى قريتنا ( صوريا ) لغرض   الحصول على هوية الاحوال المدنية اللازمة لتسجيلنا في المدرسة ..
وهكذا شاء القدر ان نصل الى القرية قبل ايام معدودة من يوم وقوع الكارثة , وهناك في القرية قضينا وقتا ممتعا خلال تلك الايام المعدودة مع جدي وجدتي وبقية اهلنا الذين كانوا ما زالوا يعيشون فيها  وكانوا فرحين جدا بقدومنا ووجودنا معهم وخاصة جدتي التي لم تراني منذ ولادتي فلم تكن تصدق وجودنا معهم وكانت لا تعرف ماذا تفعل لنا وماذا تقدم لنا طيلة تلك الايام .. 
واما في صباح يوم الحادثة وكان يوم ثلاثاء فأتذكر اننا كنا جالسين في بيت جدي نتناول الفطور البسيط الذي اعدته لنا جدتي العجوز التي كانت فرحة جدا وهي تعد لنا الطعام , وفي تلك الاثناء سمعنا بمرور قافلة عسكرية بالقرب من القرية وكان ذلك امرا اعتياديا وقد تعود عليه اهل القرية , وقد توقفت القافلة امام بيت اخ المختار القريب من الشارع  فتم استضافتهم كالعادة من تقديم الماء واللبن ( الشنينة ) لهم  ثم واصلوا طريقهم .. وبعد فترة وجيزة تفاجأنا بصوت انفجار بالقرب من القرية فأستغرب اهالي القرية من ذلك الانفجار  ووقع خوف بينهم فهرب بعضهم وخاصة الشباب الذين كانوا في سن العسكرية الى الوادي القريب من القرية واختبؤوا هناك , وبينما كان الكاهن الذي صادف ان كان حاضرا هناك لأداء القداس لأهالي القرية يحاول طمأنة الناس وتهدئتهم كي لا يخافوا حيث كان يقول انه سيتكلم معهم ويخبرهم بأنه لا علاقة لأهل القرية بذلك وهم حتما سيأخذون بكلامه لأنه كاهن ..
ولم يدم طويلا حيث رأينا القافلة العسكرية قد رجعت الى القرية ورأينا بعض العسكريين يطوقون القرية واخرون يدخلون البيوت ويخرجون الناس عنوة من بيوتهم واجبروهم بالتجمع في قطعة ارض مسيجة بجانب القرية .. وهكذا تم جمع كافة اهالي القرية صغارا وكبارا نساءا ورجالا في تلك الارض المسيجة التي كانت مسيجة لحمايتها من الحيوانات ولم تكن حظيرة حيوانات كما قيل في بعض الروايات ..
واتذكر انه عندما وصلنا انا ووالدي واختي بصحبة جدي وجدتي الى هناك  كان الجنود يطوقون المنطقة  وكان معظم اهالي القرية هناك وفي مقدمتهم الكاهن والمختار  وكانوا قد امروا ان يقف الرجال على جهة والنساء على جهة ثانية .. وما اتذكره انني كنت واقفا امام والدي وكان والدي يضع كلتا يديه فوق كتفي .. وبعدها حدثت فوضى وصياح وعويل واطلاق نار على جهة الرجال اولا , ولا اعرف ماذا حدث بعد ذلك ولكني شعرت بأن والدي كان يضغط على كتفي بقوة من دون ان اعرف لماذا ولا اتذكر ما الذي جرى اثناء ذلك بالضبط الى ان وجدت نفسي تحت الجثث ورأيت بعضهم يهربون من خلال فتحة في السياج الخشبي الذي حطموه  فهربت معهم من دون ان اعرف لماذا ولا الى اين انا ذاهب , وهكذا هربت مع هؤلاء الفارين وبعدها لحق بنا ابن عمتي الذي كان في نفس عمري فمشينا سويا مع هؤلاء الهاربين المفزوعين من دون ان نعرف الى اين نحن ذاهبون .. وبعد حين وبعد ان قطعنا مسافة رأيت امرأة تتقدم نحونا لم اكن اعرفها وكانت تصرخ وتبكي وتولول , فحملتني على ظهرها وحملت ابن عمتي على صدرها ومشت بنا مع هؤلاء الناس الهاربين الى ان اوصلتنا الى قرية ( افزروك ) القريبة من قريتنا وهناك تركتنا في بيت احدهم وعادت مسرعة الى القرية ..
وفي المساء رجعت الينا ومعها جدي وجدتي وكان جدي مصابا برجله بينما كانت جدتي مصابة بذراعها وكانت يدها على وشك ان تنقطع .. وعندها عرفت ان تلك الامرأة هي عمتي الثانية التي كانت تسكن في قرية ( بخلوجا ) المجاورة لقريتنا والتي لم اكن قد رأيتها منذ ولادتي وقد جاءت مع من جاء من القرى المجاورة لنجدتنا .. وعندها عرفت ايضا ان والدي قد قتل وكذلك اختي ورضيع عمتي التي كانت تحمله على صدرها مع بقية  من قتل من اهل قريتي من مسيحيين ومسلمين في هذه المجزرة التي انا شاهد عيان عليها ... 
وفي اليوم التالي لم يستطع اهالي القرية الناجين من المجزرة وبمعاونة اهالي القرى المجاورة من دفن الضحايا بسبب خوفهم من قصف الطائرات التي كانت تجوب سماء المنطقة وهكذا بقيت الجثث في مكانها الى اليوم الثالث ولهذا لم يستطيعوا من فرزها ودفنها بشكل منفرد بسبب تعفنها  ورائحتها فتم دفنهم في مقبرة جماعية بجانب القرية .. 
واما الجرحى فقد كان هناك امر عسكري بعدم ادخالهم الى المستشفى لأعتبارهم من العصاة والمتمردين على الحكومة , وقيل انه سيقتل كل من يراجع المستشفى , وهكذا بقي الجرحى من دون علاج وجروح بعضهم تنزف وتتلوث وحالتهم تسوء الى ان تدخل بعض رجال الدين فسمح لهم اخيرا بتلقي العلاج ولكن الوقت كان متأخرا بالنسبة لبعضهم .. ففيما يخص جدتي مثلا فقد تم بتر ذراعها من كتفها بسبب تلوث جرحها نتيجة ذلك التأخير ..   
ويختتم السيد ( باسم رشو) كلامه عن قصة نجاته من تلك المجزرة فيقول :
هكذا شاء القدر ان اكون هناك في تلك المجزرة التي ارتكبتها قوات الحكومة العراقية والتي راح ضحيتها الابرياء المسالمين من اهل قريتي الذين لم يكن لهم اي ذنب بما حصل , ومنهم والدي الذي كان ينوي حصولي على هوية الاحوال المدنية العراقية التي تثبت بأنني عراقي ومولود من ابوين عراقيين بالولادة ..
وهو يطالب الان الجهات الرسمية المسؤولة في العراق بالتعويض عما فقده وخسره في تلك المجزرة  ويطالب ايضا بأعتبارها جريمة ابادة جماعية ...
ونحن بدورنا لا يسعنا الا ان نضم صوتنا الى صوت هذا الشاهد العيان الذي شاهد كل شيء عن تلك الجريمة البشعة والتي نجا منها بأعجوبة فهي فعلا تعتبر جريمة ابادة جماعية لانها لم تفرق بين رجل وامرأة ولا بين كبير وصغير ولا حتى رجل دين ...
الراحة الابدية لأرواح شهداء صوريا الذين التحقوا بقوافل الشهداء السابقين والصبر والسلوان لابناء هذا الشعب الذي كثرت مذابحه وتعددت مجازره والسبب واحد ...

    وحيد كوريال ياقو
    ايلول – 2010
         مشيكن