المحرر موضوع: صراع مذهبي مقيت على قبر المسيح والخاسر الوحيد شعبنا  (زيارة 2478 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ليون برخو

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2141
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صراع مذهبي مقيت على قبر المسيح والخاسر الوحيد شعبنا

ليون برخو
جامعة يونشوبنك-السويد


كنت في زيارة عمل إلى إسرائيل بدعوة من المركز الثقافي الفرنسي في القدس وجامعة تل أبيب. الزيارة إستمرت حوالي أسبوعين. قد لا يهتم القراء من أبناء شعبنا بمعرفة ما أقوم به من نشاطات لأننا نحن الأكاديميين نُتهم من قبل البعض بالتكرار وإدخال الملل في نفوس قرائنا ومستمعينا. لذا سأدخل في صلب الموضوع مباشرة.

محطات الألام

 الذي يزور القدس لا بد وان يزور المحطات الرئيسة في حياة المسيح، رسول السلام والمحبة والعطاء والغفران والتسامح وقبول الأخر كما هو وليس كما أريده أنا أن يكون.  

وكأي مسيحي بدأت بمحطات او طريق الألام. ولم أكن لوحدي حيث هناك أفواج وأفواج من السياح بعضهم يحمل صلبان كبيرة تشبها بالمسيح وأخرون يرتلون كل بلغته. البعض قد خلع أحذيته ويمشي طول الطريق حافيا متوقفا في كل محطة وراكعا وخاشعا وقارعا على صدره.

والطريق الملتوي طوله حوالي كيلومترين. على جانبيه دكاكين يبيع أغلب أصحابها إيقونات ورموز مسيحية من الخشب وغيره من المواد. وعليك الحذر. المكان المقدس لا يعني غياب الغش.

ماذا حل بالمسيحيين الفلسطينيين

وقد كان أغلب أصحاب هذه الدكاكين والشقق التي فوقها من المسيحيين الفلسطينيين. بالطبع هذا كان في السابق قبل إحتلال المدينة القديمة من قبل إسرائيل في عام 1967 . أما اليوم فالغالبية العظمى من أصحاب المحلات هم من إخواننا  المسلمين العرب. واليوم على طول وعرض طريق الألام لم يبقى إلا حوالي 15 عائلة مسيحية.

ماذا حل بالمسيحيين الفلسطينيين هذا شأن قد نتناوله في مقال قادم. هذا الموضوع بحد ذاته مؤشر خطير للطريقة التي تتلاعب بها السلطة او المؤسسة، مدنية كانت او كنسية، بمصير مسيحيي المشرق والنفاق والرياء في التعامل مع هذه البقعة الحساسة من العالم.

إحمل إنجيلك معك

وأنت في المدينة القديمة تتوارد إلى خاطرك الكثير مما تعلمته من الإنجيل. تتذكر كيف يصف الإنجيل معجزات المسيح وكرازاته وأقواله في هذه المدينة المقدسة. وأكثر ما تذكرته كان دخوله المهيب إلى المدينة قبل صلبه بأيام ونتذكره نحن بإحتفالات عيد الشعانين. ومن ثم ما جرى له بعد هذا العيد بفترة قصيرة حيث أُلقي القبض عليه وحوكم وصلب.

وأنت تمشي من محطة إلى أخرى تصل إلى بداية تلة لا بد وأن كانت خالية في وقت المسيح إلا أنها الأن مبنية برمتها وتتذكر قصة حمله لصليبه وما جرى له من حديث مع النسوة وسمعان القيرواني الذي حمل الصليب عنه لبعض الوقت.

وكلما تتقدم صوب رأس التلة يزداد التأمل في جوهر الرسالة والبشارة التي تركها لنا المسيح. وأنصح أي زائر في المستقبل أن يحمل إنجيله معه ويقرأ النصوص الخاصة بكل منطقة تطئها قدماه. هذا ما فعلته أنا.

إقرأ العشاء الأخير

وفتحت الكتاب وقرأت العشاء الأخير. وعندما تقرأ إعتمد على قرأتك وتفسيرك للنص وأنت أقرب جغرافيا إلى موقع الحدث. وإن قرأت ما قاله المسيح يوم الفصح لتلاميذه قبل ألامه لربما رأيت (كما رأيت أنا) كم نحن بعيدون عن جوهر الإنجيل. يعلمنا المسيح ما هي المحبة وما هو قبول الأخر وما هو التسامح لأن ليس هناك محبة وتضحية أعظم من أن يمنح المرء ذاته قربانا من أجل قريبه أي ان يحبه ويقبله كما هو وعلى المذهب الذي هو عليه وعلى الدين الذي هو عليه ولا كما يحلو لي او يروق لي.

وتتذكر أيضا كيف أن المسيح غسل أرجل تلاميذه وقال لهم أنظروا أنتم تقولون انا السيد وانا الرب وكيف تنازلت وغسلت أرجلكم. أريد أن تفعلوا هكذا مع بعضكم البعض وان تتعظوا وتأخذوا عبرة من التضحية القادمة التي سأقوم بها من أجلكم ومن أجل الإنسانية جمعاء بمذاهبها وأديانها وألوانها وأجناسها المختلفة حيث سأبذل عنكم وعنها نفسي وحياتي.

الصدمة

ولكن ما أن تصل إلى كنيسة القيامة حتى ترى العجب العجائب. ترى هناك سبعة مذاهب مسيحية في صراع مرير وأحيانا بالتواطء مع السلطات الإسرائيلة لتهميش بعضها البعض والنيل من بعضها. مذاهب كبيرة (حيتان كبيرة) بودها أن تفترس المذاهب الصغيرة (السمك الصغير).

ما يحدث في كنيسة القيامة يقدم الدليل القاطع لنظريتي التي أرددها دائما وهي أنه علينا نحن المسيحيين أن نميز بين الكنيسة كسلطة ومؤسسة وبين الكنيسة كرسالة سماء. وهنا أقول أنني كمسيحي رأيت المؤسساتية والسلطوية في أبرز اوجهها عند قبر المسيح ولم أرى شيء من الملكوت الذي لا يمكن الحصول عليه دون تطبيق رسالة السماء وهي المحبة كما أظهرها بالأمثلة والممارسة المسيحُ لتلاميذه.

معارك طاحنة

هذه المذاهب قد جعلت من قبر المسيح مكانا للتباهي والإحتفال برموزها السلطوية والمؤسساتية (رجال الدين). فهناك كنائس عديدة وامام كل كنيسة قائم بأعمالها وتهرع الناس إلى حيث تحط مذهبيتها. وقد زين كل مذهب الجزء الذي يحتله من القبر بطريقة تدل على سلطته ومؤسسته وكوني مطلع على هذه الأمور كان بإمكاني تشخيص عائدية المكان وإسم المذهب من خلال الزينة والصور والإيقونات أو عدمها.

ورجال الدين هنا قد يتعاركون بالعصي والحجارة وتحتدم المعارك بينهم أحيانا حيث يسقط البعض أرضا مضرجا بدمه. والمال يجري هنا مثل الأنهار بطريقة عجيبة. والأنكى من هذا فالناس تدخل بأحذيتها والبعض قد يدخل ومعه  البسكويت والمشروبات الغازية او ربما ...في أقدس مكان لدى المسيحية.

يدخلون القبر بأسلحتهم  وبساطيلهم

أما جنود او شرطة الإحتلال الإسرائيلي فحدث ولا حرج. أمضيت صباح يوم احد بجوار القبر ونهضت مبكرا لحضور قداس بلغة أجدادي السريانية ورأيت ما لم تراه العين. يدخل جنود الإحتلال بمسدساتهم وأسلحتهم وبساطيلهم حيث قبر المسيح.

وعندما حضر رجل دين كبير خرج الناس للإحتفاء به وهم ينشدون أمامه والشرطة الإسرائيلية تدفع بالناس جانبا كي تفسح المجال له وصار الناس يقبلون أيدي رجل الدين وصليبة ونسينا كلنا أننا نقف حيث كان الصليب الحقيقي والقبر الذي دفن فيه المسيح. وتُرفع الرايات التي تدل على المذهب وبالإمكان تشخيصها، وعلى الحيطان صور لزعماء بعض المذاهب.

المذهبية وما أدراك ما المذهبية

وكل هذه المذاهب في صراع مرير ومقيت مع بعضها تغذيه وتدعمه السلطات الإسرائيلية. والكل تقريبا عليه أن يهادن هذه السلطات وأحيانا حتى على حساب الرسالة والبشارة وقد جمعت أدلة كثيرة على ذلك.

وكل هذه المذاهب تنطلق من أحقية زعيمها في حمل مفاتيح الجنة (أي خليفة المسيح على الأرض والمسيح لم يوكل أي شخص كي يرثه أو يمثله او يقوم بمقامه على الأرض) ومع المفاتيح يمنح لنفسه الحق في تفسير النص لا بل وضع تفسيره  الخاص فوق النص المقدس بغية تثبيت سلطته أما بقية الإنجيل وروحه وجوهره التي يمكن إختصارها بأربعة كلمات – المحبة والعطاء والغفران والتسامح – فهذه شأن أخر.

ولأن كل مذهب يعتقد أنه على الصواب والأخرون على خطأ او ربما هراطقة وكفرة، كما يفعل بعض أفراد ورجال دين شعبنا وبالمكشوف في مواقعهم الإعلامية او ربما في كرازاتهم، شنت بعض هذه المذاهب في الماضي الحروب المدمرة وأقامت محاكم صورية ومارست التعذيب بأبشع صوره وأحرقت الذين يخالفونها الرأي وهم أحياء وأرسلت البعثات التبشيرية ولا تزال لتحويل المسيحيين من مذهب إلى أخر لا بل العمل على تعميذهم من جديد كما حدث ويحدث في العراق مثلا.

والخاسر شعبنا

وبينما كان فريق من ابناء شعبنا يرتل بالسريانية ضمن برنامج القداس وإذا بصوت أرغن (ألة موسيقية) يصدح بواسطة سماعات كبيرة  وبنبرة نشاز تصم الأذان لدرجة صرنا بالكاد نسمع بعضنا.

والجزء المخصص لأبناء شعبنا من السريان الأرثذوكوس جزء صغير جدا لكنه مهم لأنه أقرب الأجزاء لما ورد في الإنجيل حيث لا تزال الكهوف شاخصة فيه وهو برمته عبارة عن كهف كبير في صخرة هائلة.

وهناك أثار دخان او ربما حريق كبير والمكان بحاجة إلى تعمير وترميم وتصليح والمذبح ليس في هيئة مرضية ولائقة إلا أن أبناء شعبنا ليس بإستطاعتهم فعل أي شيء واليوم أكثر ما يخشون هو إستيلاء الحيتان المذهبية الكبيرة ذات العلاقات الأخطبوطية مع السلطات الإسرائيلية عليه وخسارة هذا الركن المتواضع من قبر المسيح.

حتى في هذه البقعة المقدسة تجري محاربة شعبنا. وإسرائيل تسرح وتمرح لما تراه من صراع مذهبي مقيت على قبر المسيح وتستخدمه ببراعة فائقة وبدبلوماسية لا يتقنها إلا الدهاة لمصلحتها وتطبق على المذاهب، او ربما هذا ما تريده المذاهب الكبيرة،  ذات القوانين التي كانت سائدة في العهد العثماني كما تطبق على الملايين من الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة قوانين الإنتداب (الإستعمار) البريطاني وامام انظار العالم المتمدن وهو يعيش العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

والله لو أتى المسيح لفعل بكم ما فعله بالمؤسسة التي كانت تدير الهيكل يوم دخوله المهيب إلى أورشليم. وأترك تكملة القصة للقارىء.