المحرر موضوع: اسوة حسنة بالاوكرانيين الكاثوليك لتكن صيحة عيدية وحدوية مدوية مع اخوتنا الارثوذكس  (زيارة 2666 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

اسوة حسنة بالاوكرانيين الكاثوليك
لتكن صيحة عيدية وحدوية مدوية مع اخوتنا الارثوذكس
المقال مقروء من عنوانه... وللقارئ الكريم الذي اختار ان يتصفح هذا المقال، اقول: إنها مجرد مفارقة دعتني الى كتابة هذه الصفحات، في هذه الايام التي يحتفل خلالها، اشقاؤنا الارثوذكس، بأسبوع الآلام بحسب التقويم اليولياني الشرقي، العائد الى عهد فصح العهد القديم، فصح المسيح بحسب تقويم الكتاب المقدس.
لقد كنت والحق يقال بطيئا في الانتباه إلى المفارقة، والانتفاض بحبور لصالحها. ويعود الامر، الى اننا في رعية البرتا الكندية نحتفل بالاوخارستيا في مدينة ادمنتون مرة بالشهر، في كنيسة للاوكرانيين الكاثوليك. ففي مطلع هذا العام، سبق وأن أخبرني الاب انطون تراسنكو، راعي كنيسة سان جورج الاوكرانية الكاثوليكية المضيفة لاحتفالنا، بأنهم في جمعة تواجدنا لقداس 6 كانون الثاني، سوف يحتاجون إلى الكنيسة، مباشرة بعد انتهاء قداسنا، لأنهم سيحتفلون بسهرة عيد الدنح. فحسبت ببساطة شديدة انهم في هذا التوقيت يحتفلون بأبهة متميزة، بعيد الدنح كما نفعل عموما في عيد الدنح اضافة الى احتفالنا بعيد ميلاد الرب يسوع، وكان قبل  العهد المسيحي عيد النور في العهود الوثنية، وتم تعميذه رمزيا كعيد لميلاد يسوع، عندما انتشرت المسيحية بمستوى امبراطورية واسعة النطاق.
وعندما حل شهر نيسان الجاري، وكانت جمعة الالام بحسب التقويم الغريغوري الغربي، يوم 6 نيسان ، كنا قد قمنا بتأجيل القداس الى ما بعد تلك الجمعة اي إلى يوم 13 نيسان، واكتفيت بأن اعلم راعي الخورنة الاوكرانية الكاثوليكية بذلك، في حالة أن يكون لديهم اي منهاج يختلط مع هذا التوقيت. ففاجأني الأب انطون إذ كتب لي: بأنهم كما احتفلوا، كعادتهم، بعيد الدنح، متزامنا مع توقيت الكنيسة الاوكرانية الارثوذكسية، فإن عيد القيامة أيضا يحتفلون به مع الارثوذكس بحسب التقويم اليولياني اي التقويم الشرقي اليهودي الأصيل.
وكما هو معروف فان عيد القيامة والاعياد المرتبطة به اعياد متغيرة التواريخ حيث يرتبط موعد عيد القيامة بموعد عيد الفصح اليهودي، وحيث أن الأشهر العبرية هي أشهر قمرية فهي متحركة بالنسبة للتقويم الغريغوري المعمول به فيتحرك عيد القيامة بين يومي 22 آذار- مارس و25 نيسان- ابريل لدى الكنائس الغربية التي تعتمد التقويم الغريغوري، بينما يتحرك التاريخ بين 4 نيسان-أبريل و8 ايار- مايو لدى الكنائس الشرقية التي تعتمد التقويم اليولياني.
ومما سبق ذكره يتبين ان الفصح الشرقي، هو الفصح اليهودي الذي اعتمده ربنا يسوع المسيح، وتعتمده الكنائس الأرثوذكسية الشقيقة، بحسب التقويم الشرقي اليولياني. ويتبين ان كنائسنا التي عادت الى احضان الشركة الكنسية مع كرسي بطرس هامة الرسل، اختارت ان تحتفل مع روما بالفصح الغربي الغريغوري. مما جعلها على الارض الواحدة وازاء ابناء عمومة واشقاء في الوطن الواحد تحتفل بتوقيت متباين بالفصح والصلب والقيامة. ولقد خيل لنا ولوقت طويل، ان كل هذا موضوع عقائدي لا يمكن المساس به، مهما كانت التضحيات منها تلقي السخرية من الجيران غير المسيحيين والتشرذم العائلي والاسري.
على أن التقيد بهذا الموضوع، على مستوى الشرق الأوسط، لم يكن مطلقا تماما، فنذكر ان حكومة صاحب الجلالة في الاردن، جعلت العيد مشتركا لدى المسيحيين في الاردن، بحسب التقويم الشرقي، ونظنه كذلك حتى الآن.
وها يتضح لنا الآن وبضوء المصادفة المشار إليها، بأن كنائس شرقية كاثوليكية أخرى، على مستوى الدولة الاوكرانية، تحتفل بعيد فصح مشترك، بحسب التقويم اليولياني. لعلها اتبعت هذا النهج، لاعتبارات اقتصادية او سياسية او لضغوط شعبية اخرى، ولكن يتبين أنها لم تكن بذلك تخرق أي عهد للشركة الكنسية مع خليفة مار بطرس الرسول.
من هنا فإن المعاناة المسيحية في كنائسنا الشرقية، بقي يشار اليها، لحد الآن، بأسلوب التوسل والاقناع مع ذوي القرار في توقيت العيد. لكنه مع الوقت، وخصوصا وأننا نعيش بين اوساط رسمية غير مسيحية ومنها اصولية، متعصبة وتضطهد غيرها، لا بد إذن من النظر بشكل أكثر جدية وأشد إلحاحا، إلى هذه المعاناة، وبما يشابه الصرخة الوحدوية الضاغطة، بطرق مختلفة، مع ذوي العلاقة، وصولا إلى تدابير وحلول منشودة جماهيريا ومسكونيا وسياسيا وقوميا، تؤدي الى الفصح الشرقي الموحد، وبما يضع الحد الفاصل لهذه المعاناة.
وبملاحظات بسيطة نرى، ان المعنيين في هذه الكنيسة أو تلك، قاموا بإجراءات تضاهي بجسامتها ان لم تتفوق عليها، في أمور أخرى غير موضوع البت في توحيد الاحتفال الفصحي، منها، على سبيل المثال لا الحصر، موضوع التعامل مع الاسم القومي.
فكنيستنا العريقة كنيسة المشرق، حملت اسم المشرق بمدلولاته الثقافية والجهوية ولأجيال عديدة. وعندما اتحد جانبنا الكاثوليكي بإعادة اللحمة مع كرسي بطرس هامة الرسل، حمل جانبنا الكاثوليكي في كنيسة المشرق، اسم الكنيسة الكلدانية، اسما قوميا عريقا، لا غبار عليه تاريخيا أو آثاريا، لكنه يبقى اسما ثقافيا تراثيا ولا يقف بالضد مع التوجه العقائدي للكنيسة الرسولية الجامعة الكاثوليكية. وفي منحى آخر فإن القسم الاخر من كنيسة المشرق غير الكاثوليكية، حمل اسما تاريخيا آثاريا أصيلا هو الآخر، وهو اسم كنيسة المشرق الاشورية. وهكذا، وبفعل الرئاسات الكنسية تم توزع الاسمين القوميين الكبيرين بين كل من أبناء الكنيستين الشقيقتين، من اشقاء وابناء عمومة وقبيلة. ولعلماء الدراسات (السريانية) التاريخية القومية للشعب السورايا، ان يتخذوا الشجاعة الادبية بأن ينفضوا أي غبار عن أي اسم أصيل لأبناء كنيسة المشرق سواء الكاثوليك أو غير الكاثوليك، الكلدان والاشوريين او يستمروا بالتصفيق لكليهما.
وهكذا فإنه من العجب العجاب ان أولي الامر في هاتين الكنيستين، استطاعوا ان يحمـّلوا أبناء الكنيستين الشقيقتين من كنيسة المشرق إياها، تسميتين قوميتين مختلفتين، كل منهما تسمية أصيلة. فكيف بهم إذا أوغلوا في القطيعة المسيحية الوحدوية بأن تكون احتفالات هذه الكنيسة او تلك، أو كلتاهما معا، في توقيت مختلف مع توقيت الكنائس الارثوذكسية؟
إن الظروف التي تزداد تأزما في المنطقة، من شأنها أن تحث الجانب الكاثوليكي في كنائسنا الشرق أوسطية عموما، والعراقية خصوصا، الى ان يذعن للاحتفال بالأعياد الفصحية، مع الإخوة الأرثوذكس، ليس مجاملة لهم، بل وقوفا حرا مع الخيار الأكثر اصالة، وهو التقويم اليولياني الشرقي المأخوذ من اليهود، اخوتنا البكر في الايمان (حسب تعبير البابا الطوباوي الكبير مار يوحنا بولس الثاني)، وهو فصح يرتقي الاحتفال به الى عهد فصح المسيح. وبسعيهم الى هذا الخيار الوحدوي يمنحون الاعتبار إلى الاشقاء الارثوذكس ويلملمون الجراح معهم لتعزية ابناء مختلف هذه الكنائس الشرقية، فيحتفل الابناء من ابوين كاثوليكي وارثوذكسي، بعيد الفصح عينه، فلا يقول أحدهما لابنه، هذا يا ابني ليس عيدنا، هذا عيد جماعة الاخر...
معاناة العيدين هذه، بفارق اسبوع او اسبوعين او اكثر، كم عشناها، وكم عانينا منها، وكأنها كانت وصية منزلة من السماء، وكأن ثمة لغز لا يحله حلال، وطلسم لا يفك رموزه فوّال. وبقى ذوو الامر يراوحون، بمجاملات صفراء، ولسان حالهم، من حيث يدرون او يتجاهلون، يستخف بمشاعر الناس وبسخريات الاخرين، مما عشناه ميدانيا، في الوحدة العسكرية وفي البطرية، في المدرسة او القيصرية. ولكنهم في الوقت عينه، تراهم لم يعترضوا على ان صاحب الجلالة في الاردن حدد العيد بجرة قلم، فكان عيدا مسيحيا فصحيا واحدا. وبقوا في سوى الاردن من اقطار، يأبون الا ان يلعبوا لعبة الكراسي، فتراهم يتزاورون ويتعانقون، يهنئ كل واحد الاخر في عيده، وأبناء أي جهة منهم يلعقون في الشارع جراح المهانة. وهكذا عودونا ان نعتقد باننا كمسيحيين من طوائف مختلفة ومن مذاهب متباينة، من الطبيعي ان كل واحد يعيّد في يوم، ويصلب ذكرى المسيح في يوم ويقيمه في يوم، وكأن توحيد العيد، مستقل عن الكراسي، وكأن توحيد العيد، لا يحدث الا بمعجزة من السماء وليس منهم.
ومن الغريب ان أولي الامر اياهم، تراهم تتقاذفهم التيارات القومية، يمنة ويسرة، وفي الغالب بعيدا بعض البعد عن جوهر الرسالة المسيحية الشاملة. وتحرّضهم حاشيتهم بكل ما يدغدغ إلى التصريح ذات اليمين، ثم التصريح ذات الشمال، مع التأكيد أن النية في كل ذلك هي المحبة المسيحية. عجبا ان هذه التيارات السياسية او الثقافية او القبلية او من اي نفوذ كانت، لا يحن قلبها، بجاه شعبها الممزق، بين كيان وآخر، بين حماة وكنة، بين خال وعمة، عجبا ان تلك التيارات لم تفكر في أن تمارس لمثل هذا الخير العميم نفوذها، على ذوي الشأن، فتقول لهم بالعربية البليغة الفصحى:
لقد بلغ السيل الزبى
وتهيب بهم، أن وحدوا، يا سادة، العيد، حبا بالمسيح والمسيحيين، وحياءًا من نظرائنا السياسيين، في محيطنا الطائفي المذهبي الذي يذبح أبناءنا، بدون ان يفرق بين دمائهم أكانت دماء الفصح الشرقي أم دماء الفصح الغربي.
التمني كل التمني، أن تفلح تلك دوائر النفوذ في تحسيس أكبر لذوي الشأن، الى ما هو خير عميم لأبناء هذه الكنائس، كما استطاعت ان تستميلهم الى مسائل أخرى، بالطريقة اياها، أكان الأمر لمصالح سياسية أم قومية أم قبلية، فكم بالأحرى ان يكون الأمر بهدف توحيد عيد الفصح، الذي من فرط تكراره سنويا في الشهر الواحد بين كل كنيسة وأخرى، بات كابوسا جاثما على صدور مؤمنينا الابرياء.
من الواضح إذن أنه ليس لكنيستنا الأم، الكنيسة الرومانية المقدسة يدًا في هذا التقسيم الخرافي، ما دمنا لم نجد ان الكرسي الرسولي قد اعترض على صاحب الجلالة في الاردن، عندما احدث المعجزة فوحد العيدين، وما دمنا نشهد أن الكنيسة الاوكرانية الكاثوليكية، ذات الشركة التامة مع روما تعيش الفصح الموحد مع الكنيسة الاوكرانية الارثوذكسية الشقيقة. وتبقى المسيحية كما وصفها البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني، تتنفس بالرئتين الكاثوليكية والارثوذكسية.
وما لم يحدث، من الان وحتى اعياد فصح أخرى، أي اجراء جدي ونهائي بهذه الطريقة او تلك لتوحيد توقيت الاعياد الفصحية للكنائس الشرقية الكاثوليكية بما ينسجم مع التوقيت الأصيل لفصح الكنائس الارثوذكسية، فان المعاناة بحق شعبنا ستبقى مستمرة حتى بعد موت اصحابها أو نياحة صانعيها والى يوم... يبعثون.
 إن أبناء كنائسنا الكاثوليكية الشرقية العائدة الى فرحة الشركة مع كرسي هامة الرسل، بحاجة إلى ان يتعاملوا مع كنائسهم، بمحبة بنوية ضاغطة، وبالطريقة المناسبة لكل كنيسة، سواء بطريقة التأثير السياسي الذي اثبت التاريخ انها تميل اليه، او بالضغط الشعبي المتواصل والمحب، مع وضع سيادة السفير البابوي في الصورة والذي تحسب له كنائسنا الشرقية الكاثوليكية كل حساب. وإن هناك ضغوطا عديدة ومتنوعة يمكن ممارستها، تتمثل بمبادرات هنا وهناك لا سبيل الى استعراضها، ويمليها على المعنيين ضميرهم المسكوني الوحدوي.

الأب نويل فرمان السناطي
رعية مريم العذراء الكاثوليكية للكلدان والاشوريين في البرتا - كالغري