980x120

المحرر موضوع: دراسة نقدية لقصة ((الاقزام)) لللاديب عبد الفتاح المطلبي  (زيارة 2886 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حميـد الحريزي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 293
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                              الفتاح ألمطلبي
          يفتح مغاليق الذات في قصته ((الأقزام)) عبر سرد

                             الحيث وما بعد الحيث
       ((لإنقــــــــــــــــاذ َالنفس المولعة بالحيـــــــــــــــــــــاة ))

         

((النص نسيج لأقوال ناتجة من ألف بؤرة من بؤر الثقافة))1 رولان بارت

مقدمـــــــــــــــــــة
 الأديب المبدع عبد الفتاح ألمطلبي ،  مهندس زراعي متقاعد ،  تولد 2-10-1952،  العمارة  ناحية المشرح،  له رواية  صغيرة عن الخيال العلمي صادرة عن دار القادسية ببغداد 19686 ، حاصل على جائزة  مؤسسة المثقف لعام 2012. عضو مؤسس ل((ملتقى المثقف العراقي)) ، ألمطلبي  شاعر متميز  وكاتب قصة   مبدع ، وله مشاريع روائية قيد الانجاز، والمطلبي  كغيره من الكتاب والأدباء العراقيين اللذين  لا يحبون الأضواء ولا مجالس الحكام والمتنفذين ، خزانته  مكتظة بالعديد  من  المجاميع  الأدبية  التي  لم يستطع  جيبه المتقاعد ان يوصلها للمطبعة ، ستكون لنا  إطلالة  قصيرة  نحاول ان نلقي خلالها  الضوء على  إحدى  قصص ألمطلبي القصيرة المنشورة في موقع ((المثقف)) ومواقع أخرى، نتمنى ان تلقى  كتابات  الأديب الكبير  عبد الفتاح ألمطلبي  مزيدا من الاهتمام التي تستحق من قبل النقاد ، وذوي الشأن في دور النشر الحكومية والغير الحكومية لترى جواهره الإبداعية الرائعة  النور وتكتحل بها عيون القراء، ولا يحرمون من الأدب  ((ألمطلبي )) الرفيع....
جولة كشــــــــــــــــف بين ثنايا النص:-
يبدأ المبدع الأديب  المبدع عبد الفتاح ألمطلبي بإلقاء الضوء على  حالة الخوف والهلع واللا أمان التي استوطنت  روح  العراقي وريبتهِ   بكل ما حوله :الطريق ، السيارة،السوق، المطعم ...  الكل مسكون  بالمخاطر، يمكن ان يكون الإنسان المسالم صيدا سهلا لمفخخة  عمياء  او  عبوة في صندوق قمامة او  في داخل سيارة الأجرة ،كل شيء أصبح يحمل   شارة إنذار وتهديد بالموت للمواطن العراقي
((أن ركوب الباص يحتمل أن يكون مصدراً لخوفي إذ من المتوقع أن يدسّ راكبٌ ما كيسا يحوي قنبلة أو يلصق عبوة ناسفة في المقعد الأخير من الباص لذلك فضّلت الذهاب سيرا إلى عملي فهذه أمورٌ باتت واقعية وليست من بنات الخيال ))
خصوصا   وان (جسر الشعب) هو من  سيصله الى عمله اليومي ...  هذا الشعب  هو المستهدف بالقتل والحرق   والمهدد  بالانقراض ، جسر الشعب خيار المواطن الحر وليست جسورا أخرى كجسر المحتل او جسر الحاكم المهيمن على السلطة ....  في لحظة إشراق كبرى  يتطابق الوعي واللاوعي في مخيلة  الكاتب حين يتصور شجيرات وأعشاب الطريق غابة كبيرة   وأشجارا عملاقة  في نظر النمال الصغيرة  الهزيلة الضعيفة  قياسا لطول قامة الإنسان الواعي  هذا الذي يروم العنف والجهل ان   يقزمه
(( الشجيرات الصغيرة والكثيفة المحاطة بالأدغال لتبدو كغابة صغيرة تصلح لحكايات الأقزام على جانبي قناة الجيش وفكرت أن النمال التي تلجأ إليها ربما تراها غابة كثيفة من الأشجار ولو إن نملةً رفعت رأسها ربما تراني عملاقاً برأسٍ شاهقٍ إلى السماء البعيدة ))هذه التصورات ستختزن في  لا وعي المتحدث ، وستكون  محور  حديثه بعد الحادث ، وهنا  يشير الكاتب  عن وعي  ان  اللاوعي  لا يأتي من فراغ  بل هو  انعكاس  للواقع  ولكنه  يتجاوزه ويحلق في  فضاء خيال  الإنسان.. في ((الحيث)) وما بعد((الحيث))... حيث القهر الديكتاتوري، حيث الخرافة   والسلبية والتقهقر... حيث  المحتل العملاق وقدوره التي تسلق أجساد الأقزام ((جلس الوحش وأحاط الغابة بما فيها الذين هم نحن بساقيه الطويلتين يشرف علينا من فوق ومن كل الجهات وكلما أنشدنا طقوس قمرنا الغريق نسمع قرقرات بطنه الجائعة كيف لا وهي قرقرات بطن وحش عملاق شره ))،...
وهي إشارة واضحة الى الاستعمار الخارجي الأمريكي خصوصا واستعباده  للإنسان ونهبه للثروات.........
 ولع الشخصية وحبه للحياة  هي التي  تخرجه من حالة اللاوعي الجمعي  نتيجة العصف  الانفجاري الى حالة الوعي المعجزة  بعد ان يمر في حالة من الغيبوبة وفقدان الوعي المؤقتة كما يذكر الطبيب – رمز لأصحاب الاختصاص  والحكمة اللذين يؤكدون ان  حالة  التردي  وفقدان الوعي الحاضر  للإنسان العراقي  هي حالة مؤقتة  غير دائمة - لذوي  المصاب ، ليعيش حالة اللاوعي ألقسري بفعل مؤثر خارجي ممثل  بالعنف  والإرهاب كأحد عوامل ووسائل فقدان الوعي عند الإنسان، وهذه هي حقيقة   من يختزن  في ذاته حب الحياة وكره الفناء  والموت
                                ((و إنقاذ َهذه النفس المولعة بالحياة  ))
 الإنسان الواعي  القادر ان يعي لا وعيه  ويتفكر   مخزون  كهوفه  من تراكمات القهر والتجهيل والتضليل، فينتزع عصائب التخلف والتعمية من على عينيه،  اليوم يشعر  المثقف الواعي بحالة من  الغربة والاغتراب بالغة القسوة  والألم  في  واقع مجتمعي افتراسي دموي ، وفي ظل  عقلية القطيع  المطاوع المطيع  تسيره الخرافة  وتوجهه الغريزة الحيوانية الفجة، لا يعرف المقاومة ولا الرفض ولا الانتصار لأخيه المقهور  ، قطيع يسلق بعضه  بعضا ويحمل حطب سلقه ليبقى  النار مستعرة تحت قدر  العملاق  الرهيب ،العقل الكوني  الغاصب  الوحشي ، لسلق الأجساد وإطعام  هذا الوحش النهم  الى ابتلاع مزيدا من أجساد الضحايا مسلوبي  الإرادة
((أقنعنا ذلك العملاق المتوحش إن القدر هو مصيرنا وعلينا تقبل الأمر قال: إن أجدادكم سُلِقوا هنا فلا تكونوا عاقيّن وعليكم تقديس هذا القدر من أجل أرواح أجدادكم بدلا من الصراخ والعويل على حوت غادره البحر وها نحن كما ترى لم يتبق منا إلا القليل لقد تعلمنا كيف نفدي القدر بأرواحنا وارتاح العملاق المتوحش لأننا رحنا نسلق بعضنا ونضعه في فمه الكبير الذي لا يشبع طالباً المزيد))
 وهنا الكاتب البارع يشير الى واقع حال  شعبنا العراقي تحت ظل الاحتلال الأمريكي الهمجي المتوحش ونهم الرأسمالية  المسلحة لالتهام ثروات وذوات الشعوب المقهورة التي هيمن  عليها الجهل والشعور بالدونية والخنوع في ظل  قرون من قهر المحتل ((الوطني)) الديكتاتوري الذي سحق كرامة ومقاومة  وذوات أبناء شعبه ليحولهم الى أقزام  معدومة  الذات والارادة  ،
 ينحى الكاتب هنا  نحو  التحليل النفسي  للذات العراقية في ظل  الواقع الراهن ... يكشف عن خبايا  اللاوعي.. التوجسات المخاوف الموت الذي يتربص الحياة في كل مكان .. كما يلقي الضوء على  الروح المستسلمة المتقزمة وما ينتج عن ذلك من  تأبيد هيمنة الوحش الأكبر وفوران قدره الذي   يسلق الأجساد ويزهق الأرواح... انه  ببراعة المثقف الواعي يسلط  الضوء الكاشف لبواعث  الخوف  والشعور بالدونية للإنسان المقهور المستسلم لقدره... يرسل للمتلقي رسالة تحريضية للثورة والتمرد والعودة لقامته الحقيقة، وعدم التخفي تحت طحالب وحشائش وأدغال الخرافة والجهل والدونية
((و إن الحياة التي كنت أحرص على الاحتفاظ بها لم تعد في هذه الغابة التي صارت فيها النمال كالفيلة وديدان العشب كأفاعي الأناكوندا يمكن أن تبتلعك إحداها في أية لحظة يكون فيها الطالع مجافيا وحرونا وقررت الخروج من هذه الغابة مهما كلف الأمر))
نبوءة أم قراءة واقع واستشراف مستقبل:-
في  قصة ((الأقزام)) يعطينا الكاتب  منهج  علمي وموضوعي في طريقة التفكير والتحليل  والتركيب ومن ثم الاستنتاج.......
ففي ضوء المعطيات والأحداث اليومية المعاشة في بلد ركبته الفوضى وانهارت  مؤسسات الدولة وخصوصا الأمنية منها ، فتح الحدود على مصراعيها أمام عصابات السلب والنهب والجريمة التي تنادت من كل العالم مرافقة  المحتل   الذي  قرر مع سبق الترصد والإصرار على تدمير هذا البلد ونهب  ثرواته، خروج أفواج المجرمين والقتلة والسراق من السجون الصدامية  قبل الاحتلال وبعده، آلاف من  الجلادين ومدمني القتل ممن كانوا يعملون في  أجهزة السلطة، كون العراق ساحة صراع بين دول إقليمية وعالمية ، إذكاء نار الحقد العرقي والطائفي............
كل هذه المعطيات أدت الى فوران تنور العنف والإرهاب والجريمة بشكله الدموي ... لذلك فليس غريبا ان يتوقع إنسان عاقل  ناهيك عن كونه  واعي ومثقف يعيش وسط هذا الواقع ان يتعرض للقتل او الخطف او الإيذاء سواء في داره او في طريقه الى عمله او في محل استراحته ، فلم يبقى في البلاد ملاذا  آمنا للإنسان العراقي البسيط وسقطت  كل المحظورات والممنوعات والمحرمات القانونية والشرعية والعرفية  في ظل  سطوة قوى الجريمة والإرهاب والاقتتال الطائفي بين عصابات وميليشيات متقاتلة... بالإضافة الى حالة التجريف المريعة التي  تعرضت له الكنفورميا الاجتماعية الايجابية خلال عقود  الاستعمار والاستبداد والتجويع  والحروب  والتشرد...
ان من يفلت من  اثر العنف بفعل الصدفة مرة  او أكثر   ولكن تكرار  نفس الظروف يبطل مفعول الصدفة فيسري  فعل الحتمية وهو قانون الشمولية العنيفة وآثارها المدمرة...
رغم تحرز وتحسب (محب الحياة) الموظف الإنسان البسيط في بغداد الفوضى، يقع ضحية الفعل الإرهابي وتفجيراته..... وبذلك نخلص ان ما جاء في  القصة  على لسان  الراوي المتحدث إنما هو استنتاج  موضوعي وعلمي تماما ونتيجة متطابقة مع حيثيات الواقع المعاش .
ما وراء الواقع ،حيثياته ومسبباته:-
كان القاص المبدع عبد الفتاح ألمطلبي بدرجة عالية من الفطنة والوعي بما يجري فهو لم يركن  لتوصيف ما يجري من  إرهاب وقتل وسلب ونهب وإنما أراد ان يوضح الأسباب الكامنة وراء هذه الفوضى  والأسباب الكامنة وراء انجرار الناس الى طريق العنف والإرهاب، وما هي  أسباب استفحال  هذه العصابات وعدم  قدرة  السلطة ولا المجتمع على  وقفها واستئصالها حيث  يلقي الضوء على واقع المجتمع عند فقدانه الوعي  بعد عاصفة التفجير  ودخوله الافتراضي للغابة التي سبق  ان  ومضت في  وعيه قبل الحدث   كما  اشرنا آنفا ، فقد   استعار  الكاتب   نعت ((القزم))  ، هذا الإنسان قصير القامة ، القميء الشكل ،معدوم الإرادة ، فاقد القدرة على المقاومة بسبب هزال جسده وهزال روحه ، ليكون رمزا للإنسان العراقي الذي تعرض لعملية التقزيم والتجهيل والتدجين ألقسري خلال عقود  متراكمة من سنين  القهر والحرمان والعنف السلطوي...فأصبح ممسوخ الذات ، يشعر بالدونية والعجز  متماهيا مع قزميته المفروضة.... فسيادة ظاهرة  التقزيم في المجتمع تفسر لنا السبب الكامن وراء  استبداد الحاكم((الوطني)) او الحاكم العملاق الأجنبي ، واستفحال  سطوة  عصابات الإرهاب والسلب والنهب دون ان تجد  الردع  والشجب والرفض من قبل  جمع الأقزام هذا... مما يؤشر  الى   دوام ظاهرة القهر والقتل والفوضى مادام  الإنسان لم  يسترد   قامته الحقيقية وذاته المستلبة، كما ان القاص يرسل لنا  رسالة غير متفائلة  تؤشر صعوبة الخلاص ، حين يكون - الخلاص -  حلا فرديا لبطل القصة الذي  بدا الوحيد الذي قرر  استمرار حياته وإنسانيته ولم  يشارك الأقزام  سلبيتهم وخضوعهم  وقرر ان يستغل غفلة   العملاق المهيمن ليهرب من  هذه الغابة   - الواقع الاجتماعي المتردي- نحو فضاء الحرية مهما كانت  الصعوبات، ومما يجعل أمل الخلاص القريب مستبعدا  كون القاص لم  يلمح حتى الى وجود أي بادرة  ل((الأقزام)) لتتمثل فعل البطل  ومغامرته للخلاص والتحرر، إنما هم  ينتظرون مصيرهم  بالسلق بعد  ان يتكاثر عددهم   بعد ان منحهم العملاق  فترة  راحة محدودة للتكاثر ليديم  مصدره الغذائي من أجسادهم المسلوقة في قدره دائم الفوران بفعل  الحطب الذي  يجلبه هؤلاء  الأقزام مشروع السلق القادم ،ينتظرون مصيرهم بسلبية تامة.....
لقد أبدع  القاص حقا في تشريح  واقع مجتمع مستسلم خانع هو يديم نيران هلاكه  وفناءه وخرابه،...... وبذلك  فالمطلبي بغوص في استكشاف سر الإنسان  لأنه  يريد ان يكون الإنسان  بمعناه الايجابي الفاعل وليس القزم وكأنه  يشارك دستوفسكي قوله :-
((ان الإنسان سر يجب كشفه، يجب حله، فإذا بقيت تحاول كشفه طوال حياتك، فلا تقل انك أضعت وقتك، أنا  منشغل بهذا السر، لأني أريد ان أكون انسنا))  2.
الغرائبية وسيلة لتعريف وتوصيف الواقع:-
ضمن حبكة سردية  متماسكة  ، ولغة رشيقة مشبعة بدلالتها الأدبية  ، عابرة  بحار معناها القاموسي التقليدي، ومن اجل ان يعرض  الواقع بدلالة عميقة و ابلغ صوره ومظاهره ، وابتعادا عن  المباشرة في التوصيف ، لجأ القاص الى  الغرائبية في السرد ، عبر  تهويماته  في اللاوعي  في غابة الأقزام ، مستخدما  رموزا  ومجازات  لا يمكن استخدامها خارج السرد ألغرائبي، القزم، القدر العملاق ، غابة الأعشاب  المتعملقة ، النمال ، نيران السلق  المستعرة، المهيمن العملاق المتوحش ، والتهامه  لحوم البشر المسلوقة، نرى انه كان  موفقا جدا  في هذا المنحى، وموفقا في اختيار  رموزه وامتلاءها بدلالتها المبهرة..... واستطاع ان يمزج بين  الواقعية والغرائبية في السرد دون تكلف ودون إقحام....
.... هنا  يظهر دور الأديب والمثقف الفاعل الذي  يصرخ دون ان يخدش السمع ويحرض دون يزعق ، ويكشف  كوامن وأسباب القهر دون ان يمسك عصى المعلم او قدسية الرسول  ودون اعتلاء منابر الوعظ  المباشر والمتعالي ... انه ينمي حالة المناعة الداخلية في وعي الإنسان، ويطعمه جرعات  من مضادات   الخنوع والاستسلام عبر أثير  الكلمة الفاعلة وليس بواسطة  الحقن المؤلمة والعقاقير بالغة المرارة..الأديب  المميز يعالج الروح البشرية عن طريق الوخز بابر الجمال  والخيال ... هذا هو القاص الرائع عبد الفتاح ألمطلبي الكائن الشاعر الذي يتكأ  على ماضي وينعطف  صوب  مستقبل مأمول
(( الاتكاء والانعطاف هما خاصة الكائن الشاعر، فقولوا، ان شئتم، ان الشعور هو الصلة بين ما كان وما سيكونن قولوا انه جسر ملقى بين الماضي والمستقبل))3
في قصة ((الأقزام)) كان وكما هو دوما الأديب الكبير عبد الفتاح ألمطلبي بارعا  وقديرا وماهرا   حاذقا في إيصال رسالته للمتلقي دون ان  يشعره  بالدونية   ودون ان يؤنبه ولكنه يحرضه على الإفلات والخلاص من غابة الأقزام ...ومن يطلع على نصه القصصي ((الطفو)) الذي تماهى كثيرا من حيث المضمون وطريقة السرد مع ((الأقزام)) ، ولكن هنا مواجهة الإنسان الواعي  بطل القصة  مع  الإنسان  "الحيوان "لمتمثل بالجار ، وبدلا عن  التفجير  كان حادث السيارة التي أفقدته الوعي ، والنهاية مقاربة حيث استعادة الوعي  في المستشفى في الحالتين بعد الغوص في عالم اللاوعي والغيبوبة المؤقتة  والإفلات من  الوعي الى اللاوعي،وهنا هو يؤكد ان  الوعي يمكن ان يغيب  بفعل  العنف والقهر  ولكنه لم يمت ولابد له من صحوة، كذلك نجد مدى اهتمامه  بهذه الإشكالية عبر((تهويمات)) ألمطلبي  الشعرية –التي أبدع الشاعر والناقد هاتف بشبوش في  سبر أغوارها  والإبحار بكفاءة عالية  في بحر  مبانيها ومعانيها- يدرك ما ذهبنا إليه ، انه الإنسان الخالق فعلا كما يرى هنري برجسون :-
(( ان الإنسان الذي يتكئ دائما على مجموع ماضيه حتى يقوي فعله في المستقبل هو ظفر الحياة الكبير..... ذلك الإنسان هو الإنسان الخالق الى أعظم حد))4
ان من  يتابع نتاجات  الأدباء والمثقفين العراقيين خلال الفترة الأخيرة  يلمس بوضوح  ظاهرة  إحساسهم العميق  بواقع  الذات  المستلبة والمصادرة للإنسان العراقي بشكل عام وحالة المسخ التي  تتعرض لها هذه الذات ، والاختباء خلف الأقنعة  وازدواج الشخصية حد التشظي  والسريالية  بأقصى درجات تطرفها . ففي الوقت الذي نقرأ فيه  قصة عبد الفتاح ألمطلبي((الأقزام))   نقرأ قصة ((الكبش)) للقاص المبدع حامد فاضل في ((المثقف)) أيضا وبنفس الصفحة ، وهي((الكبش))  باختصار شديد عملية  جريئة وواعية  لتمزيق الأقنعة  والزيف السائد في المجتمع العراقي بمختلف شرائحه وطبقاته الاجتماعية حيث القردنة والثعلبة والتنمر  والسماجة المقرفة  التي  يواجهها الكاتب على لسان بطله اين  ما ذهب  مما يجعله يشعر  بأعلى درجات الاغتراب والاكتئاب ، وهي رسالة مضمرة  داخل  جسد القبح تدعو  لنفيه  وتدميره  والبحث  عن طرق ووسائل الخلاص منه ،صوب الجمال والصدق ،  إما ألمطلبي  أرسل رسالة  الخلاص والانعتاق مستغلا غفلة الرقيب المهيمن ومقتحما المخاطر  التي تلقي الضوء على  مكامن النفس البشرية وأسباب تشظيها وتحطمها وتمردها وما تتعرض له من القهر والحرمان المتواصل قبل وخلال  وما بعد ((الحيث))....
وبذلك  نستطيع ان نؤشر الى   وجود مصابيح تؤشر  طريق الخلاص  والتحرر والانعتاق من واقع مؤلم والتخلص من  ممارسة ذات اللطم وذات النشيد حين يختفي القمر  رمز الازدهار والتنوير والنهضة ،الذي أظهره في سمائنا أجدادنا  من خلال  إحساسهم العالي بذواتهم وعلو قاماتهم وطموحهم في بلوغ درجات الرفعة والمجد، واقتحامهم الصعاب وتحديهم المخاطر، وبذل عرق العناء ودماء العطاء لبلوغ ذرى المجد ، وليس باللطم والبكاء وجلد الذات نسترجع ما  فات ونبعث الروح في الرفات، وهنا  وظف  الكاتب ((الخرافة))
                 ((يا حوت يا بالي خلّي قمرنا العالي))  
في  إيصال وتجسيد فكرته ورسالته  للمتلقي للتحرر من اسر الخرافة  وهيمنتها على العقل الجمعي في أوقات تردي الوعي  ، حيث يعتقد الجمع ان الخرافة  إنما هي  حقيقة واقعة مما يبلد وعيه  ويرجع به القهقرى الى  الحقب البدائية الساذجة، والمفارقة ان يحدث مثل  هذا  التفكير في عصر العلم والمعرفة
 ((نحنُ كلما يختفي القمر ننشد ذات النشيد ونلطم ذات اللطم وننوح ذات النواح ورحنا نبتدع أناشيدَ ومراسيمَ جديدة وكبرت الأحزان وتضاءلت الآمال وتجاوز الزمن وجودنا ولم نلاحظ ما كان يحصل لنا ونحن في فورة حزننا على قمرنا وحنقنا على الحوت العتيد فقد تفشى بيننا مرض الضمور و القزم حتى صرنا كما ترانا ، وجيلا بعد جيل تحولت مدننا إلى مدن أقزام))

أبطال بلا أسماء:-
 نلاحظ في الكثير   من القص العراقي الحديث ان إبطال القصص  بدون اسما  وحتى  أوصاف لبنيته جسده ملبسه  ولو بشكل مختصر جدا ، فلاشك ان لكل ما ذكرناه دلالة على هوية  وكينونة  البطل،  ربما هذا ناتج عن تقليد  للسرد الغربي الحديث وخصوصا السرد الفرنسي ، وطغيان موجة  موت البطل  وموت المؤلف ، او  لان الاسم في عراق اليوم فقد دلالته ومعناه وسط  الفوضى الغير مسبوقة في سرقة وتقمص أسماء المناضلين والأبطال  او الرموز الدينية المقدسة، او هو انعكاس  للخوف المهيمن في الشارع على ذهن القاريء والمتلقي وتقديسه او  تدنيسه لبعض الرموز والأسماء، وقد يؤثر كثيرا على دلالته الحقيقة ، وقد يبعد القاريء   والمتلقي تماما عن  قراءة ومتابعة النص وتملي   معناه ومقاصده، او لان  ما تعرض له  البطل هو شامل  لكل الناس بغض النظر عن أسماءهم  وانتماءاتهم  وصفاتهم في زمن الإرهاب الأعمى وأنا أميل لهذا  التفسير والتبرير في قص ألمطلبي، ولكن لا يسعني ان احكم على  القاص عبد الفتاح ألمطلبي  ودوافعه لتجاهل الاسم والوصف للشخصيات، من خلال قراءة نص واحد من نصوصه وأنا أحاول ان انحي في نقدي للنص منحى النقد الأدبي وليس النقد الايدولوجي
فالمبدع ألمطلبي يأمل  ويعمل من اجل بناء شخصية  وذات  إنسانية  قوية  مبادرة فاعلة متوقدة الضمير  رفيعة الحس تمتلك أعلى درجات الشعور  برفعة ذاتها هي صاحبة القرار  في سلوكها اليومي  تفعله  عن  قناعة  ذاتية وليس إتباعا لتقليد او خضوعا لتهديد وكأنه يردد مع  دستوفيسكي قوله
(( أنا لا أريد ذلك المجتمع العلمي الذي ليس بإمكاني فيه ان اقترف الشر، ولكني أريد مجتمعا استطيع فيه ان اقترف كل الشرور ولكني اعزف عن ذلك بنفسي)) 5
في الختام لا يسعنا إلا ان نسجل  أعلى درجات الإعجاب  والتقدير  لإبداع الأديب  القدير  عبد الفتاح ألمطلبي ورفعة وثراء مخيلته  وعمق غوره في الذات الانسانية  وسمو رسالته الأدبية الثرة في بناء الإنسان والأوطان وفق قيم الجمال والكمال والحب والحرية والسلام...
كما إننا نلتمس العذر منه ومن  محبيه  ان شطح بنا الخيال او تعثر بنا المقال ولم نرتقي الى ذرى إبداعه وقمم نتاجه القصصي المبهر، بسبب  قصور العدة وقصر النفس....نتمنى ان تشفع لنا في  ذلك محبتنا وإعجابنا الكبير لنستظل  في ظل  الرياض ((المطلبية)) الوارفة الظلال والاقتطاف من ثمارها اليانعة ، دانية القطوف  بالشعر المبهر ، والسرد الساحر  .....

حميد الحريزي
تموز 2012

المراجع:-
1 - رولان بارت  الكتابة الثانية وفاتحة المتعة –منذر عياشي – المركز الثقافي ط1 1998 ص169.
2-  ص7 عودة الإنسان فزم دستوفسكي – ترجمة د. ثائر زين الدين منشورات دار علاء الدين ط.2009.
3- ص6 الطاقة الروحية هنري برجسون ترجمة الدكتور سامي ألدروبي الهيئة المصرية للتأليف والنشر.
4-  نفس المصدر ص23.
5- عودة الإنسان فزم دستوفسكي – ترجمة د. ثائر زين الدين منشورات دار علاء الدين ط.2009. ص23
النصوص باللون الازرق اقتباسات من   نص ((الاقزام)) للمطلبي.









 

980x120