المحرر موضوع: كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية (جزء 9 – مبدأ ماكيافيللي وموقف اللاهوتيين الاسبان)  (زيارة 1197 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية (جزء 9 – مبدأ ماكيافيللي وموقف اللاهوتيين الاسبان)*

بداية وبما اننا لا زلنا في زمن الميلاد أتمنى ميلاد مجيد للكل وكل عام وانتم بخير.

شعوب العالم الجديد والحقوق الطبيعية:
على مرّ السنين ونحن نسمع عن المآسي الديموغرافية التي وقعت بشعوب العالم الجديد والمُستكشف حديثاً (الأمريكيتين)، ولكن مَن كان أعظم المنتقدين الصريحين للاساءات التي حلّت بالسكان الأصليين؟ الجواب، لاهوتيي الكنيسة الكاثوليكية!

لقد رأينا في الجزء السابق، مَن كان وراء نشوء فكرة الحقوق الطبيعية للبشر كونهم بشر ويمتلكون النفس المخلوقة على صورة الله ومثاله. وفي هذا المقال سنرى كيف انتشرت وامتدت هذه الفكرة لتشمل العالم كله. هذا بحد ذاته فكر ثوري وخلاق.

فاذا ما فحصنا التاريخ البشري على مر العصور، فلن نرى أي مؤسسة أو جماعة بشرية قامت بالنظر الى شعوب العالم المختلفة والمتناحرة، واقترحت بأن تمنح الحقوق نفسها لكل هؤلاء لكونهم بشراً مثلهم! ولكن هذه الفكرة قد خرجت من قلب الكنيسة الكاثوليكية.

مبدأ ماكيافيللي و"الأمير":
ولكي نتمكن من تقدير عظمة هذا الفكر الثوري للكنيسة الكاثوليكية، سنبدأ من الجانب المناقض تماماً لهذا التعليم،. لذلك سنركز على الفيلسوف السياسي ماكيافيللي Machiavelli من القرن السادس عشر حيث كتب في سنة 1513 كتاب الأمير The Prince.

عندما نقرأ (الأمير) فاننا نرى تحليل علماني محض للسياسة، فالله مُبعد عن هذه المعادلة بشكل كامل وأيضاً الأخلاقيات. فهو يعلّم بأن الحكومات يجب أن تفعل ما يحلو لها لغرض البقاء. اذا تخيلنا لوهلة ماذا كان سيكون جواب القديس توما الأكويني عن البعض من هذه الجوانب السياسية، كواجب والتزامات الدول الأخلاقية؟ وما هي وظيفة الحاكم؟ كان سيكون جوابه كالآتي:

ان غرض وهدف الله في تكوين هذه المؤسسات كان كذا وكذا ويبدأ من تلك النقطة وهلم جراً. أما ماكيافيللي فان هذا لم يكن ليخطر بباله ولا يهتم بتلك الأمور أصلاً، ولكن بدلاً من ذلك فان ماكيافيللي ينظر الى الدول بشكل حسابات باردة وعديمة الروح والغاية فقط هي البقاء في السلطة.

فأسوأ شيء يمكن أن يحدث بالنسبة لفكر ماكيافيللي هو سقوط وانهيار الدولة. ولا يهم كيف هي الوسائل للوصول الى تلك الغاية المطلقة، فكلها تصبح مقبولة لغرض الحفاظ على هيبة الدولة. وهذه الوسائل قد تتضمن الكذب، الخداع، السرقة وغيرها أسوأ بكثير.

مثال نموذجي على نصائح ماكيافيللي للحكام – يجب أن تظهروا بمظهر الكرماء، ولكنك لا تكونوا أغبياء وحمقى لدرجة أن تكون فعلاً كرماء!

مثال آخر نموذجي – من الجيد أن يحبك شعبك ولكن الأحسن والأهم من ذلك هو أن يخافوك!

والسبب الذي جعل ماكيافيللي يحتقر الكنيسة الكاثوليكية والمسيحية بشكل عام هو تعليمها الأساسي بأن الدول أيضاً خاضعة للمبادئ والقواعد الأخلاقية، أما الدولة بحسب ماكيافيللي فهي غير معنية بأي قواعد أخلاقية أو أي قواعد أخرى عدا مبدأ الضرورة.

لذلك فهو ازدرى تعليم الكنيسة بحثّها وتشجيعها للدول وكذلك الأفراد لترعى الفضائل الكبرى – الحكمة، ضبط النفس، الثبات، العدل وكذلك يجب أن تسعى أيضاً للفضائل اللاهوتية الثلاثة: الايمان، الرجاء والمحبة. كل هذه الفضائل تسقط في نظر ماكيافيللي، لتبقى فضيلة واحدة، وهي القدرة على البقاء على قيد الحياة وهذا يطبق بشكل خاص للدول. فالدول يجب أللا تنهار ولذلك يجب أن تفعل ما يحلو لها وبأي وسيلة كانت للوصول الى هذه الغاية. وانه من غير العدل أن تخضع الدول الى التدقيق والفحص الأخلاقي لتصرفاتها. هذا ببساطة هو تعليم ماكيافيللي.

موقف الكنيسة الكاثوليكية من فلسفة ماكيافيللي:
الكنيسة بالطبع أدانت رسالة ماكيافيللي، فهي تؤمن بأن الحكومات والدول يجب أن تخضع للمبادئ الأخلاقية. المراهق وهو في سن المراهقة يؤمن بأنه غير خاضع للقواعد الأخلاقية العامة، ويقرر بنفسه القواعد التي يسنها لنفسه، حتى ان أكثرية المراهقين عندما ينضجون، يدركون كم كانوا أغبياء في اعتقادهم هذا. ولكن هذه هي عقلية المراهق: لا أحتاج الى انجيلكم، ولا لكرازاتكم وتعليمكم، ولا حتى للاستماع الى والديَّ، أنا سأكوّن قواعدي الخاصة... الخ من هذا الهراء! هذا بالطبع شيء سيء عندما يُعلّم المراهق هذه الامور، ولكن عندما تؤمن الحكومات والدول بهذه الأشياء، عندها سنصل الى مرحلة خطرة للغاية!

لم تُعلّم الكنيسة فقط بأن الدولة خاضعة للمسائلة القانونية، ولكنها أيضاً خاضعة للتدقيق والأخلاقي فيما يتعلق بتعاملها مع دول أخرى بتطبيق قواعد العدالة الغير قابلة للتغيير مهما كانت الحالة. فهنالك قواعد أخلاقية للتعامل مع دول اخرى! ماكيافيللي كان يشمئز من هذا التعليم. وهذه الفكرة هي ما تمسى بالقانون الدولي. فكرة ان كل الدول خاضعة لقواعد وقيود معينة وتطبق على الكل بالتساوي.

هل يساند مبدأ القانون الدولي دور الامم المتحدة؟
دعوني هنا ان أستبق اعتراض معقول ومقبول. لأن القانون الدولي لا يتضمن مساندته للامم المتحدة ومجلس الأمن، فهذه المنظمة وكما يقول الكثير من المعترضين بأنها – في جزء كبير منها – مكوّنة من أشخاص غريبي الأطوار وأيضاً خطرين على السلم العالمي! وأنا أرى بأن هذا الكلام فيه الكثير من الحقيقة المرّة بالطبع.

لأنك اذا أسست الامم المتحدة لتنظيم ادارة علاقة الدول مع بعضها البعض، السؤال هو من ينظم عمل الامم المتحدة نفسه للتأكد من انها تقوم بالعمل الصائب؟ لذلك فالشيء المهم هي المبادئ التي تكون عليها القانون الدولي، أما كيفية تطبيقه فهذا موضوع آخر ومبدأ القانون الدولي ليس بالضرورة اعطاء الصلاحية للامم المتحدة لفعل ما تريد.

أزمة الضمير عند اللاهوتيين الاسبان:
في القرن الخامس عشر ومروراً بالقرن السادس عشر، بدأ اللاهوتيون الاسبان وعامة الناس في اسبانيا بتلقي تقارير عن سوء معاملة الأسبان والحكومة الاسبانية للسكان الأصليين في الأمريكيتين. وقد أثار هذا الأمر أزمة ضميرية حادة بين الفلاسفة واللاهوتيون الاسبان. فبدأوا يسألون أنفسهم، كيف نتعامل نحن مع هؤلاء الأقوام؟ هل حكوماتنا تلتزم بالقواعد الأخلاقية التي نحن نؤمن بها؟ وبدأوا يتأملون بطبيعة الالتزامات الأخلاقية وخاصة فيما يتعلق بالمستوى الدولي.

مثال على ذلك، بدأوا يسألون أنفسهم أسئلة حاسمة: كيف يجب أن تتعامل الشعوب المختلفة مع بعضها البعض؟ كيف يجب على الدول أن تتعامل مع بعضها؟ هل هنالك قواعد مطلقة يجب اطاعتها؟ هذه العلاقة بين الاسبان وشعوب العالم الجديد قد وفّرت فرصة غير مسبوقة للمفكرين والفلاسفة واللاهوتيين للتفكير بهذه الأسئلة.

ومن هنا بدأت فكرة القانون الدولي بالتكوّن عندما ركز اللاهوتيون الاسبان بانتقاد أفعال حكومتهم، وقرروا بأن هنالك فعلاً قواعد أخلاقية تطبق على الجميع وأكدوا بأن في بعض الحالات فان حكومتنا لا تطيع هذه القواعد.

الحضارات القديمة وعلاقاتها مع بعضها البعض:
ان مجرد تكوّن أزمة ضمير عند اللاهوتيين الاسبان هو ليس بشيء صغير. فنحن ليس لدينا أي توثيق لأي حضارة انتقدت ممارساتها الشخصية بهذا الشكل الحضاري، فهذا لم يخطر ببال أي من الحضارات السابقة أو الحكام الطغاة القدماء. ولكننا عندما ندرس انتقادات اللاهوتيين الاسبان لأفعال حكوماتهم، فاننا نرى أصواتاً تنادي بتطبيق القواعد والمبادئ الأخلاقية على الكل وبالتساوي. أما في العالم القديم فالحالة لم تكن كذلك، بل كانت القبائل المتناحرة تقول بأن هنالك قواعد تطبق علينا وقواعد اخرى تطبق على باقي الشعوب، لأننا نحن الأقوام الحسنة والشعوب الصالحة وأما الباقي فهم البرابرة. 

الأب الروحي للقانون الدولي، اللاهوتي فرانسيسكو دي فيتوريا:
الأب فرانسيسكو دي فيتوريا Francisco De Vitoria كان بروفيسور في جامعة سالامانكا University of Salamanca ويُلَقّب بالأب الروحي للقانون الدولي حيث كتب جيمس براون سكوت James Brown Scott كتاباً في عشرينيات القرن العشرين يُدعى بـ الأصل الاسباني للقانون الدولي The Spanish Origin of International Law وقال فيه التالي:

"لقد زود فرانسيسكو دي فيتوريا العالم في يومه نموذح قانوني يُعتبر تحفة لجميع الامم ان كانت في حالة الحرب أو السلم"

وقد تكلمنا في المقالات السابقة القليل من هذا تعليم في تقليد الحروب العادلة.

وما ركز عليه فيتوريا هو مبدأ حقوق الانسان لكل انسان نظراً لكونه انسان، وليس لكونه كاثوليكي، لاتيني، اوروبي أو اسباني أو أي شيء آخر. من هذه الحقوق، الحق بالحياة والحق بالتملك الخاص وهذه حقوق طبيعية وضرورية لكي يستمر الانسان بعطائه في هذه الحياة.

ماذا يعني كل ذلك؟ هذا المبدأ يجعل من المستحيل أن يفكر أي انسان بأن الجريمة ستكون أقل خطورة اذا ما قتلت شخصاً غير مسيحي أو كاثوليكي أو من غير عرق. على العكس! حيث قال الأب دومينكو دي سوتو Domingo de Soto – وهو زميل للأب فيتوريا في جامعة سالامانكا – التالي:

"الأشخاص الذين هم في حالة النعمة – ويقصد هنا الكاثوليكيين الصالحين – ليسوا أحسن من الخطأة أو الوثنيين فيما يتعلق بالحقوق الطبيعية ولو بمقدار ضئيل!"

موقف اللاهوتيين الاسبان من حكام شعوب العالم الجديد:
أليس هذا عكس ما يعتقده معظم الناس عن الكنيسة الكاثوليكية على مر السنين؟ أعتقد بأن الناس عندهم هذا الانطباع بأن الكنيسة تفضل الأشخاص المنتمين لها على الباقي، ولكننا الآن نرى بأن أحد أعظم مفكريها يقول بأن الحقوق الطبيعية مساوية للكل ويجب على كل انسان أن يتمتع بها كونهم يشتركون بذات الطبيعة البشرية نفسها.

اذن ماذا استنتج فيتوريا بعد أن نظر الى وضعية بلاده وحكومتها والى شعوب العالم الجديد والسكان الأصليين؟ حيث قال بأن هؤلاء الشعوب، ولكونهم بشراً مثلنا، لهم نفس الحقوق الطبيعية التي نتمتع بها. فهم يمتلكون بلادهم بنفس المبادئ التي جعلتنا نحن الاسبان نمتلك بلدنا واتفق معه أيضاً دومينكو دي سوتو وغيره من الأساتذة المعاصرين له، بأن حكم الأمراء الوثنيين على شعوبهم هو حكم شرعي – اذا لم يقترف أي جريمة – ولا يجب اسقاط حكم ذلك الأمير فقط لكونه وثني.

وهذا أيضا هو عكس الاعتقاد الخاطئ للناس بحيث انهم يعتقدون بأن الكنيسة كانت تُعلّم بانه اذا كان الحاكم وثني فيجب اسقاطه وازاحته من الحكم وتنصيب آخر كاثوليكي (كما يحدث في باقي الديانات). ولكننا نرى بان هؤلاء العلماء والمفكرين الكاثوليك كانوا يُعلّمون بان لكل دولة حقها في الحكم الذاتي والحقوق الطبيعية هي متاحة لكل البشر كونهم بشراً، بل ويجب احترام حقوق بعضها البعض.

الشيء الثاني الذي ركز عليه فيتوريا هو ان فكرة القانون الطبيعي أو الحقوق الطبيعية هي موجودة حتى في باقي المجتمعات الغير مسيحية. لانها مطبوعة في قلوبنا، ونحن بالاضافة لهذه الحقوق الطبيعية فلدينا الوصايا العشرة. ولكن هذه الوصايا – بحسب فكرة فيتوريا – فهي مجرد تذكير للقوانين الطبيعية فان أي انسان، يستطيع أن يفهمها ويقدرها اذا ما تأمل بها لمدة طويلة بما فيه الكفاية، لأننا كلنا كبشر نتمتع بالحس الأساسي لتمييز الخطأ من الصواب.

اذن هذا الحس الأساسي يمكن أن يصبح الأساس لقواعد التعامل بين الدول وهذه القواعد ستصبح مُلزِمة لباقي الشعوب التي لم تسمع حتى بالانجيل، أو الوصايا العشرة أو حتى ترفض الانجيل. فاننا بالنهاية، ندرك ونعرف بأن الغزوات والفتوحات لمجرد السيطرة شيء خاطئ ومرفوض، كذلك السرقة والقتل. نحن نعرف ذلك لأن الله طبع هذا الحس الأساسي في قلوبنا، وهذا أصبح الأساس للتفاهم المشترك للالتزامات الدولية.

انتقاد اللاهوتيين الاسبان لحكومة بلادهم:
وهذا يعني بأن شعوب العالم الجديد لديهم أيضاً هذا الحس الأساسي لتمييز الخطأ من الصواب. وهذا ما جعل اللاهوتيين الاسبان لينتقدوا حكومتهم ويخضعوها للفحص الأخلاقي ويعترفوا بأنهم فشلوا في تطبيق القواعد الأخلاقية التي يجب أن تطبق على جميع البشر وبالتساوي، وهذا بحد ذاته شيء خارق للطبيعة في تاريخ العالم كله! لأن محاولة الاسبان للرجوع الى الخلف والتأمل في تعامل شعبهم مع شعوب العالم الجديد واقرارهم بانهم فشلوا في العيش بحسب القواعد الأخلاقية المطلقة، هو شيء أقل ما يُقال عنه بأنه جديد للعالم وغير مسبوق أبداً.

لقد كتب لويس هانكي Lewis Hanke كتاباً يُدعى كفاح الاسبان للعدالة في فتح أمريكا The Spanish Struggle for Justice in Conquest of America وما يقوله فيه هو ما تحدثنا به الآن بالضبط وهو محاولة اللاهوتيين الاسبان توصية قواعد وقوانين ملزِمة للجميع. وان قابلية هؤلاء الاسبان للنظر بشكل موضوعي للسكان الأصليين والاعتراف بانسانيتهم المشتَرَكة معهم، كان انجازاً عظيما بكل المقاييس.

هل نجد مثل هذه الثقافة في باقي الحضارات؟
هذا النوع من النزاهة والتجرد، وهذه القابلية للنظر الى شعوب العالم والرغبة لتطبيق نفس القواعد عليهم كما تطبقها على نفسك وتلتزم بنفس القوانين التي تتوقع من الآخرين الالتزام بها، هذا التجرد وهذه النزاهة ليست بالطبع مغروسة ومزروعة في كل الحضارات. على سبيل المثال، السكان الأصليين في أمريكا لم يمتلكوا هذه القابلية للنظر بنفس التجرد وتطبيق نفس القواعد الأخلاقية على نفسهم وعلى غيرهم من الشعوب.

المؤرخ من جامعة هارفرد Samuel Eliot Morison قال بأن الهنود الحمر من نفس المنطقة او اللغة لم يكن لديهم حتى أسماء مشتركة، وكل قبيلة كانت تسمي نفسها "نحن الشعب" وتسمي جيرانها بكلمة تعني "البرابرة" أو شيء من هذا القبيل. وهذه الثقافة تنطبق على البعض من باقي الثقافات المعاصرة أيضاً. حسناً اذا كانت هذه نظرتك، فكيف ستستطيع أن تمتلك هذا التجرد وهذه النزاهة بحيث تطبق نفس القوانين والقواعد على نفسك وعلى غيرك بالتساوي؟ هذا لن يحدث أبداً

لذلك فان هذه الفكرة بجعل كل الدول، صغيرة كانت أم كبيرة، ذات خلفيات ثقافية وحضارية مختلفة، تخضع كلها لنفس القوانين بالتساوي، هذه الفكرة لم تكن لتحصل على الأرض الخصبة ضمن النظرة الشوفينية الضيقة التي كانت منتشرة بشكل هائل في تاريخ البشرية.

الخلاصة:
لذلك فالشكر هو للكنيسة الكاثوليكية ومفهومها الثوري في وحدة الجنس البشري الأساسية والتي جعلتنا نفكر بقوانين كونية ودولية تحكم جميع الشعوب. لذلك فعندما ننتقد أفعال الاسبان تجاه الشعوب الأصلية، فانه يجب أن نشكر المفاهيم التي وفّرها اللاهوتيون الكاثوليك الاسبان نفسهم للانتقاد، مما أمكنا أن نفعل ذلك.

قال الشاعر البيروفي ماريو فارغس يوسا Mario Vargas Llosa عندما تحدث عن انتقادات الاسبان نفسهم لحكومتهم:

"لقد انتقدوا بعضهم البعض وأيضاً سياسة حكومة بلادهم باسم المبادئ الأخلاقية والتي كانت بالنسبة لهم أهم من أي مبدأ آخر سواء كان بأسم الدولة أو بأسم القومية، هذه القابلية وهذا الاصرار والتأكيد على انتقاد حضارتك، لم تكن ممكنة في أي حضارة اخرى سبقت الحضارة الاسبانية. في كل الحضارات الكبرى والعظيمة التي مضت والتي سبقتهم، لم يكن باستطاعة أي فرد أن ينتقد أخلاقياً النظام الاجتماعي الذي هو جزء منه."

لذلك فالكنيسة الكاثوليكية هي التي أسست ودافعت عن هذه الحقوق والقواعد والمبادئ الأخلاقية الكونية.

في المقال المقبل سنرى عكس هذا التوجه بالضبط! عندما تؤسس الدول العلمانية الملحدة عكس حقوق الانسان هذه تجاه الكاثوليك بالذات! فبسبب كونك كاثوليكي فيمكن ان تُسجن، تُعذَّب، او تُقتَل. وسنرى مرة اخرى هذه الامجاد العظيمة للكاثوليك بوجه الدمار والتخريب... فترقبوا الجزء الأخير من هذه السلسلة.

*هذه السلسلة من المقالات مأخوذة ومترجمة – بتصرف من كاتب هذه الأسطر – من كتاب للبروفيسور والمؤرخ المعاصر توماس وودز وعنوانه:
كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية
How The Catholic Church built Western Civilization
وكذلك مأخوذة من برنامج كان قد عرض على شبكة EWTN الكاثوليكية العالمية للبروفيسور نفسه قبل عدة سنوات عن نفس الموضوع، حيث قمت بتسجيلها في ارشيفي الخاص وأرتأيت بأن أترجمها وأنشرها للمصلحة العامة... فقد آن أوانها.



غير متصل صباح قيا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1621
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ألأخ Catholic
تحية وتقدير
رائع كالعادة .. ألسلوك ألميكافيلي , وأسمح لي بإطلاق صفة ألسلوك , يسود معظم شرائح مجتمعنا وأفراده , وبالأخص ألسياسيين منهم . يبقى سياسيونا في دفاعهم عن ألمسحوقين عندما لا يكونوا في ألسلطة , لينقبلوا إلى ساحقين ميكافيليين عند إستلامها . لا غرابة أن تنفرد ألمسيحية بصورة عامة والكاثوليكية خاصة بدفاعها عن ألحق ومقاومتها للمظالم فذلك من صلب عقيدتها , ووقوف ألكثير من رجال ألدين وإستشهادهم نتيجة تعاطفهم مع ألمسحوقين في أمريكا أللاتينية  خير دليل على ذلك .
تحياتي وإلى ألمزيد
                                     د.صباح قيّا

متصل Michael Cipi

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 4015
    • مشاهدة الملف الشخصي
صحـيح كلامك أخي صباح ، ولكـنك تلاحـظ الزيغان عـنـد آخـرين الـيوم

وقـد قـلتُ يوماً للمرحـوم القـس فـيليب هـيلاي عـنـد زيارته لأستراليا : مَن منكم أنتم رجال الـدين يرتـضي لـنـفـسه الـيوم أن تـدخـل شـوكة في يـده من أجـل المسيح ؟ فإبتـسم فـقـط !!!

أخي العـزيز : لـقـد ولى زمن مار شـمعـون برصبّاعي ، ومار يعـقـوب أسقـف نـصيـبين ... ولن ترى واحـداً مثل الشهـيـد فـرج رحـو .... ألله يرحم المنـتـقـلين .... ويساعـد الأحـياء

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأخ د. صباح قيا المحترم، تحية لك وكل عام وانت بخير.

شكرا لك على تشجيعك وكلماتك!

السياسة بحسب تعريف البعض هي فن الممكن! هذا التعريف القصير جداً يتحمل عدة تأويلات وتفسيرات وليس بالضرورة أن يكون فن الممكن بأية وسيلة كانت، لأنها عند ذلك تصبح تطبيق لمبدأ أو سلوك ماكيافيللي وكما أشرت حضرتك. أما اذا كان فن الممكن بحدود المبادئ الأخلاقية وضمن القوانين الطبيعية التي شرحتها في المقالات السابقة عندها تكون السياسة بالاتجاه الصحيح.

الكنيسة تعترف بأن السياسة هي فن نبيل اذا ما تم استخدامه لخدمة الناس وليس لاستعبادهم! وللأسف الجزء الكبير مما يُمارس اليوم خاصة في الشرق والدول العربية هو استعباد للشعوب تحت شعارات رنانة وبراقة، لكن فارغة المحتوى والضمير.

ولا ننسى بأن هنالك سياسيين ورجال دولة وعلماء اجتماع مرفوعين على مذابح الكنيسة الكاثوليكية كالقديس توماس مور Thomas More الذي أعلنه البابا بيوس الحادي عشر سنة 1935 قديساً وأعلنه البابا يوحنا بولس الثاني سنة 2000 شفيعاً للسياسيين ورجال الدولة!

قصة هذا الشهيد جداً ممتعة وباختصار شديد سأحاول تلخيصها بأن توماس مور (1478 - 1535) كان مستشاراً مهماً لدى الملك هنري الثامن، ملك انكلترا، وقد عارض بشدة ما يسمى بــ"الاصلاح البروتستانتي" - سآتي على هذا الموضوع في الجزء التالي والأخير من هذه السلسلة الشيقة. ووقف ضد الملك في تقسيمه للكنيسة الكاثوليكية لجعل نفسه رئيساً للكنيسة في انكلترا، مما أغضب الملك كثيراً فحاكمه وأعدمه!


شكرا على مداخلتك مرة أخرى وزمن ميلاد مجيد.

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأخ Michael Cipi المحترم، تحية الميلاد بما اننا لا زلنا في زمن الميلاد...

اقتباس "أخي العـزيز : لـقـد ولى زمن مار شـمعـون برصبّاعي ، ومار يعـقـوب أسقـف نـصيـبين ... ولن ترى واحـداً مثل الشهـيـد فـرج رحـو" انتهى الاقتباس

في كل وقت وزمان نقول لقد ولى زمن الخير! أو كثيراً ما نردد عبارة (الله يرحم أيام زمان)، أو (كانت الطيبة موجودة أيام زمان فقط!) أليس كذلك؟ وكأننا نسير باتجاه المستقبل السيئ ان صح التعبير وان الماضي كان فيه كل الخير والطيبة والى ما هنالك من الأوصاف الجميلة والحالمة.

الواقع لا يقول ذلك أبداً، فالترحم على أيام العز والخير والاستشهاد في سبيل الايمان كان من اكثر الامور التي نقولها قبل استشهاد الأب رغيد كني، ولكن مع استشهاده مع ثلاثة من الشمامسة بدأنا نقول بأن أيام الأب رغيد كني قد ولت الى غير رجعة... وما هي اللا فترة قصيرة حتى استشهد المطران فرج رحو والآن نترحم على تلك الأيام ولكن نسينا بأنه قبل فترة وجيزة تم اختطاف مطرانين في سوريا وبعدها وقبل أيام من كتابة هذا المقال تم اختطاف راهبات معلولة التي أصبحت قصتهم في كل بيت وقرية. ونحن لا زلنا نردد هذه عبارة "لقد ولى زمن فلان وفلان"!

اقتباس "وقـد قـلتُ يوماً للمرحـوم القـس فـيليب هـيلاي عـنـد زيارته لأستراليا : مَن منكم أنتم رجال الـدين يرتـضي لـنـفـسه الـيوم أن تـدخـل شـوكة في يـده من أجـل المسيح ؟ فإبتـسم فـقـط !!!" انتهى الاقتباس

السؤال الأهم - عندما نسأل الكاهن أو المطران عن استعداده للتضحية في سبيل المسيح - هل سألنا أنفسنا هذا السؤال بالأول؟ أليس كلنا مدعوون للقداسة؟ ألا ترى أخي العزيز بأننا نطالب رجال الدين ما لا نستطيع فعله نحن العلمانيين؟ الكهنوت ليس لغرض تحمل الصعاب (فقط) - بالرغم من اننا نعرف رجال دين مضحين كثيرين ولكنهم يعملون بصمت - الكهنوت هو لخدمة شعب الرب وليس بالضرورة أن يتحمل الكاهن أو المطران أكثر مما يتحمله العلماني.

شكرا لك على المداخلة وأتمنى أن تكون فكرتي واضحة.

تابع الجزء الأخير من هذه السلسلة لنتحدث عن أمثلة معاصرة وحية لبطولات عظيمة لكاثوليك كل ذنبهم انهم كانوا كاثوليك فقط! ولم يقترفوا أي ذنب أو جريمة غير ايمانهم وطاعتهم لتعليم الكنيسة وبابا روما!


تحياتي وزمن ميلاد مجيد...

غير متصل عبدالاحـد قلو

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1595
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاخ العزيز كاثوليك ..مع تحية الميلاد
وهكذا اضفت لنا معلومات جديدة عن كنيستنا الكاثوليكية ومدى تاثيرها على سلوك حكوماتهم الغير اللائق للسكان الاصليين في دول امريكا الجنوبية..واصبحت عندي معلومة عن المدعو ميكافيللي.. حيث كنا نعرف بمبدئه بان الغاية تبرر الوسيلة.. وكما هي شائعة لسياسيينا في بلدنا العراق..مستغلين تمثيل شرائحهم الاجتماعية لمنفعتهم الخاصة..
بالاضافة الى انه، فقد كانت له تعاليم غير اخلاقية مشجعة لخداع المجتمع لصالح الحكام..
ولكن انتبهت في مقالتك على التعبير ( أزمة الضمير عند اللاهوتيين الاسبان:) وقد اتضح لي بان المعنى هو بان اللاهوتيون الاسبان عندهم ازمة!!
ولكن بعد ان قرأت تفسيرك لهذه العبارة اتضح بانك قاصد.. بانهم يعالجون ازمة الضمير الموجودة لدى الحكام.. فبرأي تحتاج العبارة الى اعادة صياغتها..
مع تقديري لجهدك العظيم في اغنائنا بهذه الطروحات القيمة عن عظمة كنيستنا الكاثوليكية عبر التاريخ..تقبل تحياتي

عبدالاحد قلو

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأخ عبد الأحد قلو المحترم، تحية الميلاد...

اقتباس "ولكن انتبهت في مقالتك على التعبير ( أزمة الضمير عند اللاهوتيين الاسبان) وقد اتضح لي بان المعنى هو بان اللاهوتيون الاسبان عندهم ازمة!!
ولكن بعد ان قرأت تفسيرك لهذه العبارة اتضح بانك قاصد.. بانهم يعالجون ازمة الضمير الموجودة لدى الحكام.. فبرأي تحتاج العبارة الى اعادة صياغتها.."
انتهى الاقتباس

كلامك صحيح وأنا لم أنتبه لهذه الجملة (ازمة الضمير عند اللاهوتيين الاسبان) بالمعنى السلبي الذي قد تتضمنه، واقتراحك باعادة صياغتها في محله.

لذلك فانني سأصيغه بعبارة (صراع مع النفس عند اللاهوتيين الاسبان) لأن هذا هو بالضبط ما عانوه اللاهوتيون الاسبان بعد تلقيهم تقارير متتالية تبين وتؤكد سوء معاملة حكومتهم تجاه السكان الأصليين من شعوب العالم الجديد في الأمريكيتين. هذا الصراع مع النفس الذي يضع الانسان وضميره على المحك. هل يساند ويدعم أبناء شعبه وقومه وجنسيته؟ أم يدعم المبادئ الأخلاقية التي أسسوها وآمنوا بها أنفسهم؟!

والنتيجة كانت، وبعد تأملهم بالوقائع والمبادئ الأخلاقية، بأنهم قرروا بأن ينتقدوا أبناء جلدتهم وحكومتهم لعدم تمسكهم بالقواعد الأخلاقية والقوانين الطبيعية التي يؤمنون بها. هذه المبادرة العظيمة أقل ما يمكن أن يقال عنها بانها غير مسبوقة، فنحن اليوم نتحدث من منطلق القانون الدولي والمساواة بين البشر ونأخذ هذه الأفكار كبديهيات ومسلّمات ولكن لم نكن نعرف – أنا على الأقل – بانها خرجت من قلب الكنيسة الكاثوليكية ولاهوتييها ومفكريها الاسبان قبل 500 سنة!

هذه المبادرة لجعل الآخر مساوٍ لي في الحقوق والمبادئ لم تكن موجودة قبل هذه الفترة في باقي الحضارات السابقة وحتى الببعض من الحضارات المعاصرة. والدليل بأن هذه القواعد الأخلاقية المتمثلة بالقانون الدولي، لا تطبق ولحد هذه اللحظة في الكثير من البلدان المعاصرة ذات الطابع الشرقي الاسلامي والعروبي مع كل الأسف!

شكراً لك مرة اخرى على تنبيهك ومداخلتك.


سنة مباركة على الجميع