المحرر موضوع: سرطان الفكر... هل من علاج ؟  (زيارة 602 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح قيا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1475
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
سرطان الفكر... هل من علاج ؟
« في: 22:00 11/08/2014 »
سرطان الفكر... هل من علاج ؟
د . صباح قيّا              
زارني في عيادتي ببغداد مريض عراقي من أصول ارمنية عاد لتوه من زيارة لأقربائه في دولة أرمينيا بعد سقوط المعسكر الإشتراكي . سألته بعد أن أنهيت المعاينة السريرية . كيف أحوال الأرمن هنالك ؟  بالتأكيد أنهم مسرورون بعد حصولهم على الإستقلال وحلم أرمينيا الكبرى غدى ضمن الممكن بعد أن كان شبه مستحيل . اجابني مبتسماً : دكتور ،  كما تعلم ,  أن  أهم عاملين يحددان سلوك الأنسان في المجتمع هما سلطة ألقانون وعمق الإيمان ، واستمر قائلاً : في السابق كان هنالك حكم يفرض الطاعة والإلتزام بصرامة وحزم ، فلذلك توفر النظام رغم ضعف الإيمان  . أما الآن فلا هذي ولا تلك.. فتصور واقع الحال وما آلت اليه الأمور .. بصراحة وللأسف الشديد هنالك فوضى . 

نعم .. شرائع الدول تتحكم بأبنائها ، وتعاليم الأديان بأتباعها ... يدافع المواطن عن بلده بقدر يتناسب مع قوة شعوره بالأنتماء ، ويتمسك بمعتقده بما ينسجم  مع شدة إلأيمان .. يتبادر الآن تساؤلي : أين موقع  الموجة الجديدة والتي يطلق عليها " داعش " بين ناموس البشر ورسالة السماء ؟  وفي أية مسافة  تقف ؟ لقد كتب عنها الكثير وفي كل لحظة تعيد علينا الأقلام ما سبق وأن قرأناه ونادراً بالخبر الجديد . قالوا عنهم : إرهابيين .. متطرفين متعصبين .. تكفيريين .. قتلة مجرمين .. أدمغة مغسولة لا ترحم ولا تلين .. بلا ذمة  ولا ضمير  .. أعداء  الله وأحفاد الشياطين .. والكثير الكثير من الصفات والنعوت التي تزيّن الفجار والفاسقين ومصاصي الدماء من السفاكين ، وعليهم اللعنة الى يوم الدين .. آمين .... برايي الشخصي تلك المزايا نابعة عن عواطف وردود فعل إنسانية  طبيعية الى حدٍ ما ، ولكنها ليست قريبة من التشخيص الفعلي لهذا الداء الفكري ،  والذي من دونه لا يمكن وصف العلاج اللازم لشفائه من جهة ، واتخاذ الاجراءات الوقائية للوقاية منه والحد من انتشاره من جهة  أخرى ... إنه سرطان فكري  يتوهم من يعتقد بسهولة استئصاله ..  لماذا ؟ عودة الى ما ذكر أعلاه عن ناموس البشر .. إنهم ينفذون ما يؤمرون به بدقة وقناعة .. إطاعتهم عمياء لتعليمات مرجعهم ويلتزمون بها شاكرين .. يذهبون للموت بجرأة ويقاومون حتى النهاية بشجاعة . كل من في صفوفهم  مقتنع تماماً بذلك ،  والحماس يلهب من يلتحق معهم .. أعمار متفاوتة ، أجناس  متنوعة ، لغات متعددة ، مهن ومواهب مختلفة ... طريقهم واحد وهدفهم واضح . لا يتردد أي منهم لنيل الشهادة ، وتتسارع الفتيات لدخول الجنة من خلالهم ... إنها سلوكيات  فكرية  فائقة الطبيعة ... والآن مع شريعة الله .. يخافون الله ويهابونه من خلال تطبقيهم لآياته حرفياً ... يقتلون حسبما يشاؤون إعلاءً لأسمه... يستقبلون الموت بفرح لينالوا ما وعدهم به في جنته . هكذا كانت البداية قبل 1400 سنة والتاريخ يعيد نفسه .. إنه الفكر ولن يدحر إلا بالفكر ، رغم أن  السيف قد يقضي على حامله .

من الذي يستطيع أن يواجه هذا السرطان الفكري ويهزمه بالحجة والمنطق ؟ أنا  ؟ كلا..   أنت ؟ كلا ... نحن ؟ كلا ....... " هم "  ؟ نعم .  " هم " من يتمكن على ذلك إن حقا أراد ... " هم " من قرأ ويتبع نفس الكتاب وصاحبه .. هم من تصل كلمته الى جموعه ... فبدل أن يردد على الجيل عظمة الأمة أيام زمان وعدالة الخليفة في كل مكان ... وبذلك يغرس عند الأطفال بذور العودة الى تلك الأيام بنفس الطريقة القديمة المبنية على القتل والدمار ، والأختيار بين دفع الجزية أو حد السيف او اعتناق الأسلام .. والذي بدوره يؤدي الى نمو التطرف والتعصب بدل الألتزام ، ومن ثم العنف والإرهاب بدل الوئام كما يحصل الآن .... وأيضا " هم " من  عليه أن يعلم الدين بآياته المكية السلمية ، ويتجاوز آيات المدينة الدموية بل يلغيها من منهاجه تماماً لكي يقطع الطريق عن حمل مثل هذا الفكر الهدام .... إنه صراع وحرب فكرية بين من يقوم  بتنفيذ  ما جاء في آيات المدينة حالياً  وبين من يؤمن بنفس الدين ويتحتم عليه رفضها إن حقاً يرغب بالأنتصار .... فإن لم يتجرأ على ذلك يبقى الكلام المعسول عن هذا الدين بأنه يدعو للمحبة والسلام  مجرد كلمات يستهلكها قائلها قبل غيره ... ولا يمكن إنكار من أفلح بالأبتعاد عن تلك الآيات بإدخاله مبدا " ألأجتهاد " والذي خفف كثيراً من تأثيرها على أتباعه ... وللأسف الشديد لا يأخذ بمبدأ " ألإجتهاد " الكثير من المذاهب  وهي نفسها التي يتحول أصحابها الى سيوف حادة بسبب التقيد بالنص الحرفي رغم تغير الوقت والظرف .

 لا تخلو المسيحية من التقيد بالنصوص حرفياً ... وهنالك من يعيش في هذا القرن بالطريقة التي كان  يعيشها المسيح ورسله .. حياة بسيطة في الملبس والمأكل..  يعتمد على إبداعاته الذاتية ويرفض منتوجات العصر .. ولكن لا يختلف في الجوهر عن من يواكب العصر بإيمانه ... ألكل يبشر بالمحبة ويدعو للسلام .. إنه فكر الإيمان المسيحي ألذي يرفض العنف ويؤمن بأن " من ياتي بالسيف به يهلك ... جوهر الإسلام كما ذكر أعلاه .. ولكي يبتعد المسلم عن من يجاهر اليوم بجوهره كما جاء قديماً وعن من يدعو لتطبيقه و تنفيذه  كما تم سابقاً عليه أن يجابه بالقول وبالفعل هذا الفكر وإلا فهو ضمناً متضامن معه وإن لم ينتمي  .ً

لا بد أن اذكر أنه في بداية الحرب العراقية – الأيرانية وأنا في المستشفى مع بعض الزملاء نستمع مساءً الى بيان القيادة العامة للقوات المسلحة . كان بيننا أحد الزملاء ممن حصل على شهادة الأختصاص في جراحة الكسور والعظام  من المملكة المتحدة يحسب القتلى من الطرفين حسب البيان ثم يردد مباشرة بأسف وحزن المجموع يعقبه "  نقص من  أمة ألأسلام  " ، مثلاً  20 قتيل من الجانب الإيراني و 10 شهداء من قواتنا  ولسان حاله يقول :  نقص 30 من امة الإسلام .... ماذا سيولد عن هذا الفكر ؟ وما هي الأجواء التي ستترعرع فيها فلذات أكباده ...  فحتماً مثل هذا الفكر يجعل الأيمان نقمة لا نعمة ... أجتنبوه ولا تمارسوه فالحل أنتم لا نحن ... والعلاج الشافي عندكم وليس عندنا .. أنه دينكم واجبكم  أن تشذبوه ... فمن على استعداد للموت كقنبلة موقوتة , لا يهمه الموت بأية وسيلة أخرى ... هذا ما يجب أن تمنعوه .. ولن يتحقق الا بتغذية الفكر ثقافة التعايش السلمي وقبول الطرف الآخر ...