المحرر موضوع: الفلسفة البنيوية Structuralism Philosophy  (زيارة 7530 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2227
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الفلسفة البنيوية   Structuralism Philosophy
مقال العدد الثامن لمجلة بابلون التي تصدر في مدينة ملبورن
الفلسفة البنيوية
بقلم يوحنا بيداويد

مدرسة من المدارس الفلسفية الحديثة، ظهرت في بداية القرن العشرين على يد العالم اللغوي السويسري فريدناند دي سوسير سنة (1857-1913) (1) وتطورت على يد عالم الأنثروبولوجي كلود ليفي ستروس (2). استقطبت عدد كبير من الفلاسفة والعلماء في القرن العشرين بعد ان تبنتها معظم فروع العلوم الإنسانية والعلمية(3) مثل (علم الاجتماع. علم النفس وعلم اللغة وعلم سيسيولوجيا).
تأثرت هذه المدرسة الفلسفية بالأفكار المدرسة اللغوية (الشكلية) التي ظهرت في موسكو وتطورت في براغ بين 1915 الى 19130، ركزت الاخيرة اهتمامها على الشكل والترتيب الداخلي للنص بعيدا عن الظروف والإطار الخارجي الذي كان يوحي ان التعبير الادبي دائما يفسر على أساس انه انعكاس للواقع الخارجي المتأثر بأفكار الفلسفية والحياة الاجتماعية. فعندما يكتب شاعر ما قصيدة بليغة لا يعني هو من اوجد المفردات المستخدمة وانما أعاد ترتيبها بشكل الذي تعطي هذا الاطباع ربما بسبب الصورة الجديدة او تلاحم النغمة ار الإيقاع او الوزن الشعري، لان هذه المفردات والاسماء والأدوات والصور موجودة في أي لغة حسب قوالب محكمة ككلية متكاملة بالنسبة للمجتمع المتحدث بهذه اللغة(4)، بهذا قيل ان البنيوية قتلت الشاعر والمؤلف والعالم والفنان.

لهذا اتخذت هذه المدرسة من أدوات المستخدمة من النص وتركيبها محور نهجها، فهي لا تبالي بالعوامل الخارجية التي قد تؤثر على النص، ما يهما هي الأدوات المستخدمة في تركيب النص (الوثيقة نفسها) بغض النظر عن مشاعر الكاتب وسيرته ودوافعه وبيئته او أي إطار خارجي له علاقة بالنص.
بصورة عامة ان الفلسفة البنيوية هي المنهج الذي يحاول تفسير كل نشاطات الانسان ومنتوجاته الفكرية وانطباعاته، لأنها ليست طبيعية وانما مبتكرة. خاصة في موضوع التعريف وإعطاء المعاني بسبب استخدامه اللغة. انها محاولة لتفسير الأشياء بالتناظر والتشابه الموجود في السيمائية، في العلامات والرموز وبقية وسائل الاتصال التي تشرح كيفية إعطاء الأسماء والمعاني للأشياء.
تركت علاقة الإنسان بلغته وبالكون المحيط به النقطة المركزية لاهتمام النظرية البنيوية في كافة علوم المعرفة: الفيزياء، والرياضيات، والانثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والفلسفة والأدب. وركزت المعرفة البنيوية على كون (العالم) حقيقة واقعة يمكن للإنسان إدراكها بأكمله عن طريق تطبيق المنهج البنيوي في التفكيك والتركيب الرموز والعلاقات واللغة في هذه المعارف، لهذا كان على الفلسفة البنيوية ان تكون ذات توجه معرفي شمولي (إبستيمولوجي).
قام عالم الاجتماع واللسانيات و الأنثروبولوجي كلود ليفي ستروس بنقل المنهج البنائي للغة الى المجتمعات القديمة، معتمدة على المقولة التي تقول: " كل مؤسسة او عادة او اسطورة مستندة على بنية غير واعية لمؤسسيها (انتاج العقل الباطن) على الباحث الكشف عنها ، لان فيها يتمظهر شكل نشاط العقلي البشري بصورة عامة، فحدد مرتكزات الأساسية لنهج النظرية البنيوية كاللغة والكلام واللسان، والدال والمدلول، والسانكرونية والدياكرونية، والمحور الأفقي والمحور التركيبي، والتقرير والإيحاء، والمستويات اللغوية من صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية
كان الهدف منها في البداية الى إيجاد منهج الذي يفسر النظام او النسق (البنية) الذي يربط جميع القوانين والظواهر الموجودة في الطبيعة، أي إيجاد منهج يساعد للوصول الى الحقيقة الأساسية للوجود. و المثال المستخدم شعبيا لهذا المفهوم هو نظام القرابة بالدم بين افراد العائلة لأنها تشكل بنية العائلة بمرور الزمن.

يرجع الكثير من الدارسون سبب ظهور هذه المدرسة وهذا النهج من التفكير الى عدة عوامل منها: -
أولا -عجز المدراس الفلسفة الحديثة إيجاد قاسم مشترك بينها، فكل واحدة بدات تبتعد عن مركز قضية الانسان المتعلقة بوجود، فكانت تغرق في بحوثها مبتعدة عن جوهر القضية بعد ارتكازها على ظاهرة محددة من الظواهر العديدة الموجودة في الكون والمكتشفة جديدا.
ثانيا-  تحاول الفلسفة البنيوية القضاء على الانعزالية التي اوجدتها الفلسفة الوجودية على يد سورين كيركارد والعدمية التي وضعها نيتشه والمثالية المجردة لهيجل والظاهراتية  المبهمة لكونت، وتعيد الامل للإنسان عن طريق تبسيط ظواهر الطبيعة وعلاقتها الخفية ببعضها (5).
 
ثالثا- كما قلنا تبحث المدرسة البنيوية عن إيجاد الجذور المشتركة للمعرفة الإنسانية، ومن ثم تأسيس نظام موحد يفسر جميع الظواهر في الطبيعة، فهي تحاول تفكيك النصوص(الظواهر) الى عناصرها الأساسية من اجل إعادة تركيبها على نسق واحد كي يفهمها الانسان. حيث كان اهم ما انجزه العالم الأنثروبولوجي كلود ليفي ستروس، هو إيجاد العلاقات بين العلامات والرموز التي ابتكرها الانسان من بداية ترميزه للغة والتي استخدمها في إعطاء المعاني وترميز الظواهر والتعبير عن طريق العلامات.
1-   هناك أربعة مجالات تركز عليها المدرسة البنيوية في تفسيرها لأي ظاهرة وهي أساس النظام (مثلا إذا كان المقصود مثلا لغة نعني قواعد تلك اللغة)، أساس الذي يحدد موقع كل عنصر من عناصر هذه الظاهرة (بالنسبة للغة تكون أجزاء الكلام أي الاسم والفعل والحرف)، القوانين الأساسية التي تتفاعل مع الموجود عوضا، وأخيرا الاساسات التي تقع تحت خلف الظاهرة المرئية.  قال أستاذ الفلسفة الأكاديمي البريطاني سايموند بلاك بيرن: " ان البنيوية تومن بان ظاهرة حياة الانسان غير قابل للفهم من غير العلاقات المتداخلة، هذه العلاقات التي تكون الظاهرة بينما خلف الاختلافات المرئية على السطح للظاهرة يوجد قوانين مجردة. يعد من ناحية التاريخية يعد القديس اللاهوتي اوغسطينوس الفيلسوف الأول في التاريخ الذي تطرق الى اللغة وتحليلها، وأنها عاجزة عن نقل الحقيقة لأنها قاصرة عن إيجاد مرادفات للتعبير عن كل المشاعر التي يشعر بها الانسان. فالكلمة ماهي الا علامة على الأشياء الموجودة في الخارج. ويرى الفيلسوف اوغسطينوس ان اللغة هي طاهرة مادية صوت يخرج من الحبال الصوتية في الحنجرة وتطرق طبلة الاذن، ولكنها هي ظاهرة روحية أيضا، لان صوت مفردة الله في العربية مثلا يختلف عن صوت كلمة God في الإنكليزية ولكن المعنى واحد المقصود هو واحد.
في الختام نستطيع القول كانت محاولات معظم الفلاسفة في القرن العشرين للبحث عن المبدأ او الطريق المؤدي الى الحقيقة هي عن طريق اللغة تفكيك رمزها وعلامات وبناء بديهيات منطقية جديدة مع البرهنة عن طريق الرياضيات التحليلية.


.......................
2-   كان سوسير أول من قال: "أن اللغة نظام من العلامات، أي أنها مجرد نسق من العلامات تتعلق الواحدة بالأخرى، والعلاقة بينهما علاقة تحكمية غير قابلة للشك او التأويل، أي ان دلالة العلامة لا تاتي من نفسها وانما تتحدد حسب علاقة النسق بين عناصر اللغة (البنية)، ولا يفهمها الا المتحدثين بها فقط"
3-   ينظر لفي ستراوس إلى نظرية سوسير التي تعتبر اللغة نسقا مستقلا بذاته، كنسق يقوم على التشبث بالعلاقات الفاعلة تصل مكونات العلامة اللغوية، أي تصل بين نسق اللغة والكلام الفردي من جهة، وبين الصورة الصوتية(الدال) والمفهوم(المدلول) من جهة ثانية.
4-   حاول علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات تطبيق النظرية البنية في حقولها، فوجدت هناك أربعة أنواع القوى في الكون هي الجاذبية (التي تعطي للجسم كتلته في الطبيعة)، والنووية (بين الذرات والالكترونات)، والكهرومغناطيسية (بين اقطاب الشحنة الموجبة والسالبة) والنووية الضعيفة (تعمل على اطلاق موجات إشعاعية من بعض العناصر المشعة)؟
5-   اللغة ككائن حي تتطور حسب وعي وتقدم فكر مجتمعها.
6-   يرى علماء الاجتماع النفس بان رغبة الانسان بالتدين او تعلقهم بالدين هو حاجة ضرورية لأنه توجد حل شمولي أكثر لمشاكله الفكرية الناتجة من التفكير العميق.
المصادر:
1-   أطلس الفلسفة، بيتر كونزمان، فرانز-بيتر بوركاد، فرانز فيدمان، ترجمة د. جورج كتورة، الطبعة الأولى، المكتبة الشرقية، بيروت لبنان 2001.
2-   نصوص من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط اوغسطين، انسليم، توما الاكويني، د. حسن حنفي، الطبعة الأولى، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2005.
3-   Basic Teaching of the Great Philosophers، S.E. Frost، Jr، Doubleday & Company، In united States of Americans. 1962.
4-   Philosophy 100 Essential Thinkers، Philip Stokes، Arcturus publishing limited، London, 2005




غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2227
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: الفلسفة البنيوية
« رد #1 في: 08:54 24/12/2017 »

فرديناند دي سوسير


كلود-ليفي-ستراوس-

غير متصل د.عبدالله رابي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 973
  • د.عبدالله مرقس رابي
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: الفلسفة البنيوية
« رد #2 في: 04:01 05/01/2018 »
الاخ العزيز يوحنا بيداويذ المحترم
كل عام وانت بخير
مقال علمي جدير بالاهتمام، اذ تنقلنا من خلاله الى الاجواء الاكاديمية الحقيقية.وعن اهم اتجاه تنظيري في العلوم قاطبة وهو البنيوية التي جاءت كرد فعل للنظرية الحتمية ،والافكار المطروحة هنا طورت بحيث في عصرنا الان تسمى بالبنيوية الحديثة.وهي الاتجاه الماكروي في دراسة الظاهرة،وفي علم الاجتماع عندما نقول علينا تفسير الظاهرة الاجتماعية شمولياً ،أي انطلاقاً من النظرية البنيوية ، وليس الحتمية التي يتشبث بها بعض الاخوة غير الاختصاصيين ، فمثلا لو حاولنا تفسير "الجريمة" من الخطأ القول ان عامل الوراثة هو المسؤول عن دفع الفرد للسلوك الاجرامي ، هذه تسمى بالحتمية الوراثية او نقول ان الفقر هو العامل الوحيد لدفع الفرد للجريمة ،هذه تسمى الحتمية الاقتصادية.بينما البنيوية في علم الاجتماع تفسر الجريمة في ربطها بعشرات العوامل، اي انها لاتجرد الفرد من ارتباطه بالبنية الاجتماعية ،فكل نسق اجتماعي هو مرتبط بالانساق الاجتماعية الاخرى ومرتبطة بحالة دايناميكية واستاتيكية فتشكل البناء الاجتماعي الذي لا يمكن تجريد اي نسق منه عند دراسته.فالبنيوية هي النظرية الشمولية في تفسير الظاهرة بمختلف العلوم ،وهنا في مقالتك الرائعة ركزت على البنيوية اللغوية .
ملاحظة :
في الفقرة الاولى عن الامثلة للعلوم في استخدام البنيوية ،ذكرت علم الاجتماع والسوسيولوجية ،انهما واحد علم الاجتماع هو السسيولوجيا ،ارجو الانتباه لربما وردت سهوا مثل علم النفس هو سايكولوجي.
شكرا
تحياتي
اخوكم
د. رابي

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2227
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: الفلسفة البنيوية
« رد #3 في: 15:29 05/01/2018 »

الاخ العزيز د. عبد الله رابي المحترم
تحية
شكرا لمروركم على مقالنا  واغنائه بمعلومات مفيدة وجديدة.
اخوكم يوحنا بيداويد