عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ضياء نافع

صفحات: [1] 2
1
ابداع تشيخوف في عالم مورافيا الفني
أ.د. ضياء نافع
عنوان مقالتنا هو عنوان بحث علمي نشرته مجلة ( فيسنك) التي تصدرها جامعة خاركوف التربوية في اوكرانيا بعددها المرقم 4 (59) لعام 2016 , و هذا البحث بقلم أندرونوفا و جورينكو . العنوان مثير فعلا , او كما كنّا نقول في شبابنا ضاحكين – (يسيل اللعاب) , ومن الواضح انه بحث في الادب المقارن . استوقفني هذا العنوان المتميّز والجديد بالنسبة لي كليّا , اذ لم يسبق لي ان اطلعت على مقارنة بين الكاتب الروسي تشيخوف والكاتب الايطالي مورافيا , وهكذا بدأت رأسا ب(التهام!) هذا البحث , واود ان أعرض للقارئ العربي انطباعاتي عن هذا (الالتهام !) , اذ يبدو لي ان هذه المقارنة المبتكرة بين أديبين متباعدين (من حيث المكان والزمان واللغة والثقافة) ربما ستكون طريفة ومفيدة ايضا للقارئ , الذي يتابع ظواهر الادب العالمي بشكل عام , والادب المقارن بشكل خاص .
القيت النظرة الاولى على البحث اولا, ووجدته مكتوبا باللغة الروسية , رغم ان هناك في بدايته خلاصة باللغة الاوكرانية ثم بالروسية ثم بالانكليزية , وهذه ظاهرة علمية سليمة جدا , ويبدو ان ذلك من مستلزمات النشر في تلك المجلة العلمية الاوكرانية لجامعة خاركوف التربوية . يشغل البحث ست صفحات كاملة من المجلة المذكورة, وتوجد في نهاية البحث قائمة بالمصادرالتي اعتمدها الباحثان , وعددها ( 13) مصدرا , وكلها باللغة الروسية ليس الا. الاشارة الى المصادر وتثبيتها هي ضرورة علمية طبعا في نهاية البحوث كافة , ولكن الذي أثار استغرابي هنا , هو عندما وجدتها فقط باللغة الروسية لبحث يقارن بين ابداع كاتب روسي  بابداع كاتب ايطالي , اذ كنت أتوقع ان تكون هناك مصادر باللغة الايطالية ايضا  .
اطلعت على هذا البحث بكل امعان , وحاولت حتى ان أقرأ ما بين سطوره ايضا , واود ان أشير- قبل كل شئ – الى اعجابي الشديد  بالعنوان , اذ ان صياغته جاءت بشكل دقيق و موضوعي وموفّق جدا , فلا توجد في ذلك العنوان اي اشارة الى ( تأثير) تشيخوف على مورافيا , وانما هناك مفردة ( ابداع ) تشيخوف , وهو ابن القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين في روسيا , ( في العالم الفني) لمورافيا , وهو ابن اواسط القرن العشرين ونهايته في ايطاليا, ومن الواضح جدا , ان هذا العنوان لم يكن عفويا ابدا .  ان العنوان لا يوحي , الى ان ابداع تشيخوف قد ( أثّر) على ابداع مورافيا , كما يحاول عادة بعض الذين يكتبون في الادب المقارن , دون ان يأخذوا بنظر الاعتبار , ان ( المتأثّر به ) ان صحّ التعبير, لا يمكن ان يكون اديبا حقيقيا كبيرا , اذ ان القارئ يذهب مباشرة الى ( الاصل) , اي الى ( الذي يؤثّر) , وليس الى ( الفرع) , اي ( الذي يتأثّر به ) , وقضية ( التأثّر ) و ( التأثير) مسألة جديرة بالتأمّل العميق في دراسات الادب المقارن , وهي مسألة تختلف جذريا عن تشابه الموضوعة في نتاجات الادباء , سواء في اطار الادب القومي الواحد او في اطار الادب العالمي عموما , ابتداء من ( حي بن يقظان ) الى ( روبنسون كروزو ) فصاعدا .
يركز البحث على موضوعات تميّز بها ابداع تشيخوف , مثل سيكولوجية العبودية في علاقات البشر بين بعضهم البعض, او , التفاهة التي تسود في الحياة الانسانية الباهتة أصلا , او , ضيق النظرة الجامدة الى الحياة والتعامل معها انطلاقا من ( العلبة! ) التي صنعها ذلك الشخص لنفسه ويريد ان يخضع العالم حوله لمفاهيمه الجامدة , الى آخر تلك الافكار التشيخوفية العميقة التي ترتبط بابداعه . ثم يحاول الباحثان ان يشيرا الى تحديدها او ظهور ملامح منها في ابداع مورافيا هنا وهناك , مستندين الى الترجمات الروسية  لبعض روايات مورافيا ليس الا , وكذلك الى الدراسات الروسية حول مورافيا . البحث لا يرسم طبعا صورة متكاملة وشاملة لكل ( العالم الفني لمورافيا ) كما يشير العنوان , ولكنه يحدد فعلا وبشكل صحيح جدا خصائص التشيخوفية , ويحاول ان يجد انعكاساتها في عالم مورافيا الفني , وليس ذلك بالقليل في عالم البحث العلمي للادب المقارن , هذا المصطلح ( اي الادب المقارن), الذي لم يتبلور لحد الان كمادة مستقلة وقائمة بذاتها في الدراسات الانسانية , ولا يوجد قسم خاص للادب المقارن في الجامعات التي مررت بها اثناء مسيرتي , رغم ان قسم اللغة العربية في كليّة اللغات بجامعة صنعاء في اليمن قد كلّفني بتدريس مادة ( الادب المقارن) عندما كنت استاذا زائرا لمدة شهر واحد عندهم , وقد القيت محاضرات بمعدل ساعتين اسبوعيا , ولم يكن لديهم مفردات معينة لتلك المادة , فتناولت في محاضراتي الموضوعة العربية في الادب الروسي عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتولستوي وبونين , وذلك حسب اختصاصي الدقيق في تاريخ الادب الروسي , وكان الطلبة يتقبلون المادة بحماس لانها جديدة عليهم بكل معنى الكلمة ...
ابداع تشيخوف في عالم مورافيا الفني – محاولة مهمة في اغناء علم الادب المقارن وتوسيع مداراته, ولا اظن ان ترجمته الى العربية ستكون مقبولة, لانه يرتبط قبل كل شئ بالترجمات الروسية لادب مورافيا والدراسات الروسية عنه , ولكن الفكرة الجوهرية لهذه الدراسة تمتلك – بلا شك - حيويتها وقيمتها العلمية العميقة ... 

2
عن المواقف السياسية للكاتب كورولينكو
أ.د. ضياء نافع
قال عنه لوناجارسكي في اسفتاء تحريري بعد ثورة شباط / فبراير الروسية عام 1917 , ان الكاتب كورولينكو يصلح ( وجدير) ان يكون اول رئيس للجمهورية الروسية في التاريخ , وعلى الرغم من ان ذلك لم يحدث كما هو معروف, الا ان كورولينكو – مع ذلك - كان الكاتب الروسي الوحيد , الذي تمّ ترشيحه لهذا المنصب الرفيع في تاريخ روسيا ( وليس ذلك بالقليل ), وخصوصا ان ترشيحه قد تمّ من قبل شخص بمستوى لوناجارسكي واهميته, اذ انه اول وزير سوفيتي للثقافة والتعليم في الاتحاد السوفيتي ( انظر مقالتنا بعنوان – كورولينكو- الاديب والمناضل) . لقد تحدثنا في مقالتنا المذكورة تلك عن هذا الكاتب الروسي الكبير , وعن خصائص نتاجاته الابداعه وكذلك توقفنا قليلا عند  مواقفه السياسية بشكل عام , ولكننا نعود في مقالتنا هذه للحديث عن تلك المواقف السياسية بشكل دقيق ومحدد , وذلك بمناسبة عودة الاوساط الفكرية الروسية بشكل واسع للحديث عن تلك الايام و الاحداث التي ( هزّت العالم !!!) كما يقول عنوان الكتاب التاريخي الشهير للباحث الامريكي جون ريد.
 لقد صدر كتاب روسي عام 2017 بعنوان – ( كورولينكو والاضطرابات الثورية في روسيا 1917 – 1921) من تأليف الباحث الروسي سيرغي دميتريف , وهو كتاب ضخم يقع في (608) صفحة من القطع المتوسط , ومن الواضح طبعا حتى من عنوان هذا الكتاب , انه يتناول موقف كورولينكو من تلك الاحداث الهائلة , التي حصلت في تلك السنوات العاصفات في دولة الامبراطورية الروسية , والتي أدّت الى انهيار تلك الامبراطورية وتحوّلها الى دولة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ولأول مرّة في تاريخ العالم . صدور هذا الكتاب عام 2017 ليس صدفة طبعا , اذ ان الاوساط الفكرية عموما في روسيا الاتحادية بدأت بالكلام الواسع حول هذه المواضيع منذ اقتراب الذكرى المئوية الاولى لثورة اكتوبر 1917 , ولازالت تتحدّث عن تلك الاحداث الهائلة في تاريخ روسيا (والتي أثّرت طبعا حتى على مسيرة الاحداث في العالم ايضا) , ابتداء من الحرب العالمية الاولى (1914 ) , وثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 , والحرب الاهلية التي أعقبتها في روسيا, واخيرا الذكرى 150 عاما على ميلاد لينين ( 1870 – 2020 ) , التي مرّت قبل فترة من السنة  الحالية هذه, وقد انعكست اهتمامات المجتمع الروسي المعاصر هذه  طبعا في وسائل الاعلام الروسية كافة من تلفزيون وصحافة وندوات ومسرح وحتى في الاعمال السينمائية , ومن الطبيعي القول , ان الحديث عن المواقف السياسية لكورولينكو يرتبط حتما بهذه الاجواء الفكرية السائدة في الاوساط الروسية طبعا .
يجب الاشارة – قبل كل شئ – الى ان كورولينكو (  1853- 1921) كان علما فكريا متميّزا في مسيرة الفكر في روسيا اديبا وصحافيا, وقد أصدر كورولينكو مؤلفات عديدة جدا و متنوعة الاجناس , لدرجة , ان هناك بعض النقاد الروس يعتبرونه – ( وريث تولستوي) في تاريخ الادب الروسي , وهناك تصريح  للكاتب الكبير ايفان بونين يشير , الى ما معناه , انه ( اي بونين) كان لا يخاف من اي شئ ومن أي أحد عندما كان تولستوي على قيد الحياة , وانه الان كذلك (..لأن كورولينكو الرائع على قيد الحياة..) . لقد بدأ كورولينكو مسيرة حياته عبر السجون والمعتقلات نتيجة لمواقفه الفكرية المعارضة للسلطة القيصرية , اذ كان قريبا من الحركة الثورية الشعبية , حتى انه رفض ترديد القسم الخاص بالولاء للقيصر الروسي الجديد الكساندر الثالث عام 1881 , وتحمّل ( بسبب هذا الرفض) النفي الى سيبيريا لعدة سنوات نتيجة لهذا الموقف المبدئي المتميّز. لقد كان هذا الاديب والصحافي والمناضل نصيرا مخلصا وحقيقيا للحرية والعدالة في المجتمع الروسي بغض النظر عن طبيعة السلطة القائمة في البلاد, وعندما حدثت ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 , وقف الى جانبها مؤيدا , ولكنه لاحظ رأسا تلك الخروقات الرهيبة لحقوق الانسان , التي قام بها رجالات هذه الثورة وانصارها , ولم يتردد ابدا من الاعلان عن هذه الظواهر وشجبها بشكل علني وصريح ودقيق , لدرجة , ان لينين اقترح ان يتصل به لوناجارسكي ( الوزير السوفيتي للثقافة والتعليم كما أشرنا أعلاه) , وهذا ما حدث فعلا , اذ سافر الوزير اليه عام 1920 خصيصا الى بولتافا حيث كان كورولينكو مستقرّا والتقى معه , واتفقا ان يكتب كورولينكو له رسائل تتناول مواقفه الفكرية , ووعده لوناجارسكي ان يطلّع عليها ويجيبه , وقد كتب كورولينكو فعلا ست رسائل مطوّلة وتفصيلية اليه , الا ان لوناجارسكي لم يلتزم بوعده ولم يكتب له اي رسالة جوابية على رسائله تلك , وعندما توفي كورولينكو عام 1921 , ظهرت هذه الرسائل في كتاب خاص تمّ طبعه ونشره في باريس عام 1922 , وقد وصل هذا الكتاب طبعا الى روسيا , وذكر أحد البلاشفة في مذكراته , ان لينين اطلّع على هذا الكتاب عندما كان راقدا للعلاج في تلك الفترة ( بعد محاولة اغتياله المعروفة ) , وتشير المصادر الروسية الان حتى الى رقم هذا الكتاب في مكتبة الكرملين آنذاك .
مواقف الكاتب التقدمي الثوري كورولينكو من احداث بلاده السياسية الكبرى يمكن ان تعطينا – نحن العراقيين - درسا بليغا .  وهذا الدرس البليغ  يؤكّد مرة اخرى واخرى ,  ان الحرية والالتزام بها والدفاع عنها تبقى الهدف الاسمى للمثقفين كافة بغض النظر عن مسيرتهم السياسية وشعاراتها , وان  اي خرق للحرية من أي جهة كانت هو عمل مشين يؤثر سلبا على مسيرة الحرية باكملها .



3
أدب / الجبل والنهر والانسان
« في: 17:07 12/05/2020  »

الجبل والنهر والانسان


قصيدة للشاعر الكوري خفان جزين اي

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


الى المبدع يحيى السماوي , سيّد الشعراء...
ض.ن.
وحده الجبل ,
ثابت ابدا,
لايتحرّك ولا يتغيّر.
النهر
يتحرك دائما,
 يتحرك ويتغير.
امّا الانسان
فانه ليس ثابتا
 مثل الجبل ,
الانسان
مثل النهر
 يتحرّك دائما
 ويتغيّر,
و لكن الانسان
ليس مثل النهر
 دائما ,
اذ يمكن للانسان
 ان يذهب مرة ,
ولا يعود مرة اخرى
ابدا..
.....

هذه القصيدة اختارتها آنّا أخماتوفا ضمن اختياراتها من الشعر الكوري الكلاسيكي وترجمتها الى الروسية , وقد ترجمنا النص الروسي كما جاء عند أخماتوفا . القصيدة في الاصل بلا عنوان , والعنوان هنا من وضعنا .

4
تأملات حول حكاية بوشكين عن الصياد والسمكة
أ.د. ضياء نافع
عنوان هذه الحكاية الشعرية التي كتبها بوشكين هو – ( حكاية عن الصياد والسمكة) , وقد نشرها عام 1835( اي قبل وفاته بسنتين فقط) , وكان آنذاك في اوج شهرته ونضجه الفكري , واصبحت هذه الحكاية واحدة من أشهر حكاياته في روسيا , وخارجها ايضا ( هي مترجمة الى العديد من اللغات الاجنبية , بما فيها العربية ) . الحكاية موجودة اصلا باللغة الالمانية عند الاخوين غريم , بل وهناك حتى من يقول عن بوشكين , انه ( سرقها !!!) من الالمانية ( انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين بين الترجمة والاقتباس) , ونحن نقول هنا وبكل ثقة ايضا, هل كان الشاعر الروسي الكبير بوشكين فعلا بحاجة الى ( هذه السرقة !) الادبية العلنية , وهو الذي كان يمنح – وبكل طيبة خاطر- للادباء الروس حوله افكارا وموضوعات للكتابة الابداعية , ومنهم غوغول مثلا , الذي أعطاه فكرة ( المفتش), و فكرة ( الارواح الميّتة) والتي حوّلهما غوغول  بعدئذ الى نتاجات خالدة في الادب الروسي والعالمي .
( حكاية عن الصياد والسمكة) لبوشكين تبدو للوهلة الاولى نتاجا فنيّا يدخل ضمن أدب الاطفال ليس الا, وهي فعلا هكذا في الواقع , بل واصبحت حكاية حبيبة للصغار وقريبة جدا لقلوبهم , ولكن عظمة هذا  ألادب تكمن في انه أدب صغار وأدب كبار معا , فالصغار يجدون فيه ما يريدون ان يجدوا من متعة , والكبار يجدون فيه كذلك ما يبحثون عنه من حكمة وافكار عميقة , ولهذا , فان الادباء الذين يكتبون لنا هذا النوع من الادب هم دائما القلّة فقط , او النخبة منهم فقط , من (وزن!!!) بوشكين وأمثاله من القمم الادبية لدى مختلف الشعوب, ونتناول في مقالتنا هنا الجانب ( الآخر!) لهذه الحكاية الجميلة , الجانب العميق , الذي يخاطب به بوشكين الكبار في حكايته الطريفة للقراء الصغار, الجانب الذي كان يثير بوشكين في تلك المرحلة من مسيرته الفكرية .
نذكّر القارئ العربي – اولا - بالمضمون العام لتلك الحكاية . هناك صياد سمك يعيش في كوخ متواضع مع زوجته عند ساحل البحر , وهما يقتاتان السمك الذي يصطاده هذا الصياد , وفي يوم من الايام اصطاد سمكة ذهبية , ولكن هذه السمكة قالت له ان يعيدها الى البحر , وانها مقابل ذلك تستطيع ان تحقق له كل ما يطلب منها , وهكذا اعادها للبحر تلبية لرغبتها دون ان يطلب شيئا , وعاد الى بيته وحكى لزوجته قصة تلك السمكة الذهبية , وبدأت زوجته باجباره على العودة الى السمكة والطلب منها ان تحقق رغباتها , اذ طلبت تغيير المنزل , ثم تحويلها من فلاّحة الى نبيلة , ثم الى قيصرة , وكانت السمكة تحقق كل ما يطلب منها الصياد , ثم طلبت الزوجة من السمكة ان تحولها الى اميرة البحار وان تكون السمكة خادمة لها , فاستمعت السمكة الى ما قاله الصياد لها وغطست في البحر دون اي جواب , وظل الصياد يناديها ويناديها , ولكن السمكة تركته و اختفت , فلما عاد الصياد الى بيته , وجد بيته القديم وقد عاد كما كان سابقا , وشاهد زوجته وقد عادت الى وضعها كما كانت في السابق ايضا.
القارئ الصغير يبقى مندهشا وهو يتابع رغبات الزوجة وتحولاتها , ثم يرى عودتها الى حياة البؤس مرة اخرى , ويفهم هذا القارئ بنفسه (او ربما  يوضّحون له ), ان طمع الانسان يقتله . والقارئ الكبير يبقى مشدودا الى احداث الحكاية , ويفهم رأسا ( كما الصغير) ان الطمع قاتل , وان رغبات الطمّاع بلا انتهاء , ولكن هذا القارئ يبدأ بطرح الاسئلة, المرتبطة باحداث الحكاية وابطالها , ولماذا كتبها بوشكين وهو في ذروة مسيرته الابداعية. ابطال الحكاية هم الصياد وزوجته والسمكة . الصياد رمز الطيبة والبساطة والنقاء , و تسحره الكلمة الطيبة للسمكة , فيطلق سراحها دون ان يطلب اي شئ . زوجته رمز الطمع والجشع والرغبة باخضاع الجميع دون استثاء . السمكة رمز القوة والسلطة , والتي تقدر ان تعمل كل شئ , الا انها – مع ذلك – سقطت في شباك الصياد البسيط . ولكن اين موقع بوشكين بين هذا الثلاثي المتجسّد بالطيبة والجشع والسلطة ؟ هنا تكمن نقطة الخلاف بين ( المجتهدين !) . يرى البعض ان بوشكين أقرب الى الصياد , اي أقرب الى النقاء الذي تسحره الكلمة الطيبة , وان القيصر عندما قابله بعد منفاه , وقال كلمته الشهيرة , في انه سيكون رقيب بوشكين فقط ( وهو موقع لم يصله اي شاعر في كل تاريخ روسيا ), اي ان بوشكين , مثل الصياد , سحرته الكلمة الطيبة , وتقبّلها ووثق بها , ولكن لا السمكة ولا القيصر التزما بتلك الكلمة امام رمز النقاء في نهاية المطاف , وهكذا عادا الى حياتهما البائسة مرة اخرى , بغض النظر عن الاسباب التي أدّت الى تلك النتيجة. لكن البعض الآخر لا يتفق مع هذا الاجتهاد , ويرى , ان بوشكين أقرب للسمكة , التي اصطادها الصياد , فوعدته بتلبية مطالبه من اجل حريتها , وان السمكة فهمت في النهاية , انها يجب ان تختار بين الحرية وبين تلبية تلك المطالب , وانها اختارت الحرية , رغم ان الصياد أصطادها ثم منحها الحرية , اذ ان السمكة كانت آنذاك مضطرة ان تعده بتلبة مطالبه , ولكن الحرية تبقى أغلى من كل شئ وأعلى , وعندما وصلت تلك المطالب الى التخلّي عن حريتها , فانها اختارت الحرية رأسا دون اي تردد بشأن هذا الاختيار , وهذا ما فعله بوشكين ايضا في نهاية المطاف . وبغض النظر عن اختلاف المجتهدين بتفسيرهم لموقف بوشكين الفكري , ولكنهم اتفقوا , ان الشاعر الكبير استخدم تلك الحكاية الشعبية الشائعة للتعبير عن موقفه الفكري العميق تجاه تلك القضايا الكبرى , التي كانت تقف امامه في مجتمعه , وهي قضايا خالدة في مسيرة الانسان في كل مكان.....
     
   

5
أخماتوفا ليست أخماتوفا
أ.د. ضياء نافع
الى روح المبدع العراقي الراحل علي الشوك.
ض.ن.
اردت ان اهدي هذه المقالة الى الكثيرين من المعجبين بالشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا , ولكني قررت ان اهديها الى علي الشوك بالذات , لاني اتذكر جملته في مقالته عن أخماتوفا بعنوان – ( كنت أمتلك كل شئ / نموذج اديب زمن الدكتاتورية ) , والجملة تقول -  ( كانت تثير فضولي كثيرا باسمها الاسلامي ....فهي من سلالة جنكيز خان ...وقد اختارت اسمها التتري من جهة امها ...) . ومقالة علي الشوك المذكورة رائعة من وجهة نظري , وقد سبق لي ان كتبت حولها مقالة خاصة بعنوان – ( علي الشوك والادب الروسي ) , ولكني اريد هنا ان اتحدث عن موضوع آخر تماما , موضوع يرتبط ب ( اسمها الاسلامي !) كما يقول الشوك , وهذا الموضوع , كما يشير عنوان مقالتنا , عن أخماتوفا , التي هي (ليست أخماتوفا !!!) .
قبل كل شئ , يجب ان نتوقف قليلا عند لقب أخماتوفا باللغة الروسية , كي نوضّح أصله . اصل هذه اللقب هو الاسم العربي المعروف – ( أحمد ) , ولكن لا يوجد حرف الحاء بالروسية , وهكذا يتحول الحاء تلقائيا الى خاء , الموجود بالروسية , اما حرف الدال , فانه (وحسب قواعد التلفظ الروسية) يصبح مخففا لانه جاء في نهاية الكلمة , وهكذا يتحول الى تاء , ويضاف حرف الالف بعد الميم الى هذا الاسم تعويضا عن الفتحة , لعدم وجود (الحركات) بالروسية , وهكذا يتحوّل (أحمد) بالعربية الى (أخمات) بالروسية , وعندما يكون هذا الاسم لقبا للشخص , فانه وحسب القواعد الروسية ايضا يصبح (أخماتوف) للمذكر , و(أخماتوفا) للمؤنث , مثل ايفانوف وايفانوفا وبيتروف و بيتروفا ...الخ الالقاب الروسية المعروفة للجميع . وعليه , فان لقب الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا هو عربي الاصل وليس تتريا, ولكنه خضع للقواعد الروسية ليس الا واصبح هكذا . علي الشوك يقول , ان اسمها ( وهو يقصد هنا - لقبها  ) أثار فضوله, لانه (اسم اسلامي) , وما ذهب اليه علي الشوك بخصوص لقبها صحيح جزئيا , ولكن لا توجد ( لغة اسلامية !) , و اللغة العربية هي لغة الاسلام طبعا, ولهذا اقول ( صحيح جزئيا) حول ما كتب علي الشوك . هذا الاسم عربي بحت , ودخل الى لغات كثيرة اخرى ( بما فيها التترية ) عن طريق الاسلام طبعا , وعليه , اكرر , انه يمكن لنا ان نقول وبكل ثقة , ان لقب هذه الشاعرة الروسية عربي الاصل , وهو ( أحمد ) , وعندما دخل هذا الاسم العربي البحت الى اللغة الروسية , فانه خضع طبعا للقواعد الروسية وصياغتها , وهكذا تحول الى أخماتوفا .
النقطة الثانية , التي نريد ان نتوقف عندها قليلا ايضا , و ترتبط  بما أشرنا اليه أعلاه حول اصول لقبها ,  هي ان الشاعرة آنّا أخماتوفا نفسها لم تذكر , ان اصل اللقب الذي اختارته لنفسها هو عربي الاصل , وانما قالت , انه تتري , ويرتبط باسم احد اجدادها البعيدين من ناحية الام , وكل المصادر الروسية طبعا تؤكد وتكرر هذا الشئ , اي تعيد ما قالته وكتبته الشاعرة نفسها حول ذلك اللقب, ولم أجد اي اشارة في المصادر الروسية كافة الى ان اصول لقبها عربي , بل ان الجميع يقولون انه تتري  , وعلى الاغلب, فان الشاعرة نفسها لم تكن تتصوّر ذلك ايضا , وهي اصلا لم تفكّر بعمق ورويّة بخصوص ذلك اللقب , اذ انها كانت صبية في مقتبل عمرها , وهناك جملة طريفة كتبتها ليديا جوكوفسكايا في مذكراتها عن اخماتوفا تؤكد هذه الحقيقة,  والجملة جاءت على لسان اخماتوفا نفسها, والتي تقول فيها , انه ( ... فقط الفتاة المجنونة كان يمكن لها ان تختار هذا اللقب التتري لشاعرة روسية ...), اي ان اخماتوفا اختارت اللقب وهي فتاة مراهقة في ذلك العمر اليافع دون تفكير وتأملّ كما يجب .
اللقب الذي اختارته الشاعرة الروسية الشابة كان لاحدى جداتها من امها , والتي اكتسبته( اي اللقب) عند زواجها من اخماتوف التتري , وهو تتري متروّس , وكان اختيار الشاعرة لهذا اللقب لان والدها قد منعها منعا باتا من استخدام لقب عائلتهم عندما بدأت بنشر قصائدها , واعتبر ان ذلك يسئ الى اسم العائلة , وهكذا اضطرت الى اختيار اسم مستعار لنشر قصائدها , ووجدت اسم زوج ام جدتها لامها بهذا اللقب , واعجبت به واختارته ( وهي فتاة مراهقة ) نتيجة لرغبتها بالتفرّد , اضافة الى جمالية الاسم وجرسه ان صح التعبير , ولانه يتناغم مع روحية الاجواء الغرائبية التي كانت سائدة في روسيا بداية القرن العشرين بين الشعراء, ولانه يذكّر بلقب الخان أخمات , الذي يرجع اصوله - حسب الاقوال والاساطير - الى جنكيز خان نفسه في تلك القرون البعيدة.
آنّا أخماتوفا ليست أخماتوفا في الواقع , بل هي آنّا  أندريفنا غورينكو , التي ولدت عام 1889 في اوديسا باوكراينا في الامبراطورية الروسية , وتوفيت عام 1966 في الاتحاد السوفيتي , وتم دفنها في ضواحي لينينغراد, وعند قبرها ينتصب الصليب مثل قبور كل المسيحيين الارثذوكس , ولا علاقة لآنا أندريفنا غورينكو بأي تتري اسمه احمد او اخمات او اخماتوف , و هي ليست من احفاد جنكيز خان باي حال من الاحوال ...

6
عن تشيخوف في القرن الحادي والعشرين
أ.د. ضياء نافع
ولد تشيخوف في القرن التاسع عشر( كانون الثاني 1860) , وفي القرن الحادي والعشرين ( كانون الثاني 2020) , احتفلت الاوساط الثقافية الروسية بمرور ( 160 ) سنة على ميلاده . ظهرت الكثير من الكتابات الجديدة (والافكار الجديدة طبعا ) حول تشيخوف بهذه المناسبة , ونحاول هنا ان نستعرض للقارئ العربي النقاط الاساسية في تلك الكتابات , التي تحمل طبعا آراء الباحثين الروس عن تشيخوف في القرن الحادي والعشرين , وهي آراء واجتهادات ذاتية , ولكنها – بالتأكيد – تستحق التأمّل , وتستحق ان يتعرّف عليها القارئ العربي , اذ ان تشيخوف هو واحد من هؤلاء الادباء الروس القريبين روحيّا من هذا القارئ , وبالتالي , فان كل شئ جديد عنه سيكون – بلا شك - طريفا وممتعا لهذا القارئ.
توقف باحث من هؤلاء عند موضوع ( الثلاثي الروسي العالمي للادباء الروس) , وأشار انهم كانوا في البداية هكذا – دستويفسكي الاول وتولستوي الثاني وتشيخوف الثالث , ولكن ترتيبهم قد تغيّر بمسيرة الحياة الفكرية , اذ اصبح تولستوي الاول وجاء دستويفسكي الثاني , و تشيخوف بقى في موقعه الثالث , ولكن , الثلاثي هذا , كما يراه هذا الباحث اصبح هكذا الان – تشيخوف الاول وتشيخوف الثاني وتشيخوف الثالث , اذ تراجع الاهتمام بتولستوي رغم ان روايته الملحمية ( الحرب والسلم ) لا زالت تحتفظ بمكانها المتميّز واهميتها الاستثنائية في الادب العالمي , وتراجع الاهتمام بدستويفسكي رغم انه لازال يحتفظ بمكانته المتميّزة في مجال تشابك او تعشيق الادب والفلسفة معا , اما تشيخوف , فلا يوجد مكان لبيع الكتب في العالم لا يحتوي على كتاب لتشيخوف , ولا يوجد مسرح في العالم لا يعرض مسرحياته ضمن نشاطاته الفنية , ولا يوجد مخرج في العالم لا يحلم ان يقدّم مسرحية من مسرحياته ( وقد تذكرت اسماء مثقفي العراق ومسارح العراق ومخرجي العراق في النصف الثاني من القرن العشرين فصاعدا مثل شاكر خصباك ونعيم بدوي وعبد الامير الورد وسامي عبد الحميد وصلاح القصب وغيرهم , وقلت بيني وبين نفسي – نعم , هذا كلام صحيح فعلا عن تشيخوف, وان هذا الامر لازال كذلك ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين رغم ان العراق جريح الان كما هو معروف ولا يزال ينزف دما مع الاسف الشديد) .
 باحث آخر أشار الى ان تشيخوف عاش 44 سنة ليس الا , وانه توفي عام 1904 , اي انه رحل قبل تلك الاحداث الكبيرة و الهائلة التي حدثت في روسيا مثل الحرب الروسية – اليابانية , ثم ثورة 1905, ثم الحرب العالمية الاولى 1914, ثم ثورة اكتوبر1917 الاشتراكية , وانه لم يكتب عن كل ذلك طبعا, ولكن الروس الذين هربوا من روسيا بعد ثورة اكتوبر واصبحوا لاجئين , كانوا يعرضون وهم في الغرب مسرحية ( الاخوات / او الشقيقات الثلاث ) لتشيخوف , وهم يبكون ويرددون , كم تبدو الامور وكأنها من الماضي العتيق , و كم تبدو ايضا وكأنها تتحدّث عن الامس القريب ليس الا , اي ان اللاجئين الروس ( وهم صفوة المثقفين الروس آنذاك ) لم يجدوا في الادب الروسي غير تشيخوف ( الذي رحل قبل كل هذه الاحداث) كي يعبّر عن معاناتهم  وحنينهم الخانق الى موسكو ( وقد تذكرت ان اللاجئين الروس أطلقوا على دار النشر التي نظمّوها في الغرب اسم – دار تشيخوف للنشر, والتي ساهمت بشكل كبير في عملية النشر العالمي للادب الروسي ودراساته باللغة الروسية , وقدّمت مصادر مهمة جدا في هذا المجال لازالت تمتلك اهميتها لحد الان , وقلت بيني وبين نفسي , ان اطلاق اسم تشيخوف على دار النشر هذه لا يمكن ان تكون عفوية ابدا ).   
الباحث الثالث تحدّث عن العلاقة بين تشيخوف وبوشكين , وهو موضوع تناوله النقد الادبي الروسي بشكل او بآخر ( انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين وتشيخوف ) , ولكن هذا الباحث أشار الى عنصر جديد في هذه العلاقة , اذ انه يرى , ان بوشكين هو الاديب الروسي الوحيد , الذي يمكن ان نسميه ( الكاتب الحضاري ) , الذي تكلّم عن الانسان كما يجب ان يكون , خارج نطاق مشاغله ومشاكله الاجتماعية اليومية , ولم يأت من بعده من أستمر بهذا الطرح , لا غوغول ولا تورغينيف ولا دستويفسكي ولا تولستوي , وان تشيخوف عاد بالادب الروسي الى تلك المسيرة البوشكينية ( ان صح التعبير) , اي الى الموضوعة الحضارية العامة . و يرى هذا الباحث , ان اهمية تشيخوف تكمن في انه يجسّد الاستمرار الحقيقي لخط بوشكين في الادب الروسي , الخط الذي انقطع في مسيرة الادب الروسي بعد وفاة بوشكين ( وقد تذكرت ما قاله تولستوي عن تشيخوف بعد وفاته , وهو حديث واسع ومنشور في كثير من المصادر الروسية , ولكني اريد التاكيد هنا على جملة واحدة قالها تولستوي عن تشيخوف في ذلك الحديث, اذ قال , ان تشيخوف فنان لا يمكن مقارنته بأحد , لانه خلق اشكالا جديدة في الادب , وانه في مجال التكنيك أعلى منيّ كثيرا , وانني اقول هذا متخليّا عن كل مظاهر التواضع الكاذب ) .
ان الحديث المتنوع في القرن الحادي والعشرين عن ابداع تشيخوف يعني , ان هذا الفنان يخترق فعلا حدود الزمان ...

7
كريلوف في المناهج المدرسية الروسية
أ.د. ضياء نافع
لم اقابل شخصا من روسيا لا يعرف حكايات كريلوف واساطيره , او لا يحبها , وكان هناك دائما من يستشهد بمقاطع من تلك الحكايات والاساطير اثناء مسيرة الحياة بحلّوها ومرّها, وكنت اعتقد , ان هذا التعاطف الشامل والتناغم مع تلك الحكايات جاء نتيجة لجمالياتها وسلاستها وعمقها وحكمتها , ولكني فهمت الان , ان هذه الظاهرة الفكرية و الحيوية ليست فقط نتيجة لتلك الاسباب, وانها ليست عفوية ليس الا  , وانما جاءت ايضا نتيجة ( زراعة!) هذا الحب بين الناس والاعتناء به , اذ تبين , ان تلاميذ المدارس يدرسون هذه الحكايات والاساطير منذ الصف الثالث الابتدائي فصاعدا ( انطلاقا من المبدأ التربوي العتيق والخالد -  النقش في الحجر.. منذ الصغر!!! ), وتبين لي ابضا , ان هذه العملية التربوية الفريدة ابتدأت في روسيا قبل( 150) سنة ولم تتوقف لحد الان , بغض النظر عن كل الاحداث الهائلة التي حدثت في روسيا خلال هذه الفترة الطويلة من مسيرتها , والتي تحولت فيها الدولة الروسية من الامبراطورية الروسية التي يحكمها القيصر بشكل مطلق الى اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 والى روسيا الاتحادية في الوقت الحاضر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 .
لقد كتب كريلوف أكثر من (200)  حكاية واسطورة , ونشرها اثناء حياته بتسع طبعات , وهو رقم مدهش بالنسبة لذاك الزمان ( القرن التاسع عشر ) ولزماننا ايضا ( ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين) , واختارت اللجنة التربوية لاعداد المناهج الدراسية في المدارس الروسية مجموعة صغيرة من تلك الحكايات , وأدخلتها ووزعتّها ضمن النصوص والكتب المنهجية للغة الروسية وآدابها , وأعطت الى المدرسين الصلاحية المطلقة لاختيار اربع حكايات منها فقط ضمن المناهج المقررة لتلك المراحل. نحاول في هذه المقالة التحدّث عن حكايتين فقط من تلك الحكايات التي تم اختيارها من قبل اللجنة التربوية لاعداد تلك المناهج .
الحكاية الاولى , التي تتصدر هذه القائمة هي (الغراب والثعلب) , للكاتب الفرنسي لافونتين , والتي ترجمها كريلوف عن الفرنسية بتصرف ابداعي كبير جدا وصاغها بشعر روسي رقيق وسلسل وعذب جدا, وهكذا (التصقت!) هذه الحكاية باسم كريلوف في الوعي الاجتماعي الروسي لدرجة , ان الانسان الروسي البسيط ( ولحد الان !) لا يمكن ان يتقبّل- باي حال من الاحوال- ان كريلوف ليس مؤلفها وانما  مترجمها ليس الا , وقد علّق أحد الطلبة العراقيين المرحين مرة حول ذلك الموقف قائلا ( انها مسجّلة باسم كريلوف في الطابو الروسي !!!) . لقد كتبت عن اهمية تلك الحكاية في مقالتي بعنوان ( كريلوف ابن المقفع الروسي ), والتي يمكن الرجوع اليها طبعا , وتحدّثت في تلك المقالة حتى حول الترجمة العربية عن الفرنسية كما جاءت عند لافونتين( والتي قام بها علاء شطنان التميمي, وهو أحد خريجي قسم اللغة الفرنسية في كليّة اللغات الحبيبة) . عندما يقرأ التلميذ الروسي هذه الحكاية الجميلة في منهجه المدرسي بلغة كريلوف الرقراقة يتفهّم رأسا ( بشكل غير مباشر) ماذا يعني المديح الزائف للثعلب وهو ينظر الى قطعة الجبن عند الغراب , اي ان الفكرة التربوية العميقة تصل الى ذهنه اليافع بشكل مقنع وسلس , وهكذا تبقى في عقله وقلبه ( كالنقش في الحجر ) .
الحكاية الثانية هي ( الذئب والحمل ) , وهذه الحكاية ايضا للكاتب الفرنسي لافونتين , والتي ترجمها كريلوف بنفس ذلك الاسلوب الروسي الخالص ( ان صحّ التعبير) , والتي اصبحت كذلك – بالنسبة للروس - ترتبط باسمه , مثل حكاية (الغراب والثعلب) , التي أشرنا اليها أعلاه .  تقدّم حكاية الذئب والحمل ايضا للتلميذ الروسي درسا تربويا رائعا بشكل غير مباشر , اذ يرى هذا التلميذ اليافع كيف يتصرّف الذئب من موقع القوة, من اجل ان يفترس الحمل الصغير المسكين , ويحفظ التلميذ الجملة الاولى التي ترد في بداية هذه الحكاية , الجملة الحكيمة , التي تؤكّد , ان الضعيف مذنب دائما امام القويّ .
لقد اختارت لجنة المناهج حوالي عشرين حكاية واسطورة لكريلوف , منها مثلا , الكذاب / برميلان / الفضولي / الحمار والبلبل/ الفيل والكلب الصغير / وغيرها  , وكل هذه النتاجات المتنوعة الجميلة تحمل في سطورها حكمة تربوية عميقة ,و تؤكّد على القيم الاخلاقية في حياة الانسان في اطار رشيق ومرح وشفاف ...
حكايات كريلوف واساطيره (التي ترجمها او استعارها من الثقافات الاخرى وصاغها بلغته الجميلة) تساهم بشكل واضح في تربية الاجيال الروسية الصاعدة , فمتى تساهم حكايات ابن المقفع واساطيره التي ترجمها لنا  في تربية اجيالنا الصاعدة ؟

8
أدب / القارب
« في: 21:40 27/04/2020  »
القارب
=====

قصيدة للشاعرة الصينية المعاصرة فو تيانلين
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

 أقصى سعادة
 للقارب –
ايصال البشر
الى اماكنهم
وديارهم ,
 لكن القارب
يخاف جدا
من السير
في البرّ,
لأن
اسم القارب
في طفولته –
نهر ,
واسمه
في رجولته –
بحر ...
========================
ولدت الشاعرة الصينية فو تيانلين عام 1946 /  أصدرت العديد من المجاميع الشعرية , منها – نوتات خضراء / بين الاطفال والعالم / جزيرة موسيقية / عاشقة الشمس / نهاية وبداية / اوراق اشجار الليمون .../  تتضمن قصائدها دائما صورا فنية رمزية, لكنها واضحة المعالم ومفهومة  للقارئ رغم رمزيتها , لأن الرمزية هناك شفافة جدا, ويمكن ملاحظة ذلك حتى في عناوين دواوينها , وكذلك في قصيدتها هنا ,   فسعادة القارب ...ايصال البشر, لكنه لا يقدر ان يحصل على سعادته هذه , لأنه يخاف من السير في البرّ...

9
جوكوفسكي الشاعر والصحافي والمترجم والمعلم‬
أ.د. ضياء نافع
 هو المعلوم  جدا والمجهول جدا معا , المعلوم في تاريخ الادب الروسي ومسيرته بكل معنى الكلمة , والمجهول لدينا عربيّا مع الاسف الشديد بكل معنى الكلمة  ايضا , انه فاسيلي أندريفيتش جوكوفسكي ( 1783 – 1852 ) , أحد أعلام الادب الروسي الكبار في النصف الاول من القرن التاسع عشر , والذي يقف اسمه الان جنبا لجنب مع ادباء روسيا المشهورين في تلك الفترة مثل كارامزين وفانفيزن و بوشكين  وغوغول وغيرهم .... .
 سمعنا باسمه لاول مرّة عندما كنّا طلبة في جامعة موسكو , حيث ذكره استاذ مادة تاريخ الادب الروسي في النصف الاول من القرن التاسع عشر , وحدّثنا , كيف أهدى جوكوفسكي صورته الى بوشكين , وكتب عليها جملة دخلت في تاريخ الادب الروسي , وهي – ( الى  التلميذ المنتصر من المعلّم المندحر ) . هذه الجملة انحفرت في بالنا عندما كنّا يافعين , وادهشتنا بتواضعها وعمقها وجماليتها وطرافتها, ولازالت ترتبط باسمه لحد الان بالنسبة لنا . وعندما بدأنا لاحقا بالتعمق في دراستنا , ارتبط شئ آخر مهم جدا باسمه ايضا في أذهاننا , اذ تبين ان جوكوفسكي هو (ابو الرومانسية !) في تاريخ الشعر الروسي , وأحد طلائع الشعراء الرومانسيين  الروس , فما أجمل هذا الموقع وما أروعه في مسيرة الادب الروسي وتاريخه , وهكذا بدأنا ندرس نتاجاته  و ابداعاته , والتوسّع بالاطلاع على مختلف جوانب هذا الابداع , واكتشفنا انه شخصية كبيرة جدا في دنيا الادب والثقافة الروسية في ذلك العصر لدرجة انه اصبح عضوا عاملا في اكاديمية العلوم للامبراطورية الروسية منذ عام 1818 فصاعدا  باعتباره واحدا من أكابر الادباء الكلاسيكيين الروس , بل انه أضاف في علم العروض الروسي بحرا خاصا الى بحور الشعر الروسي يرتبط بخماسيات الشعر الحر في  روسيا , وكل هذا يرتبط بالنقطة الاولى في عنوان مقالتنا , اي جوكوفسكي الشاعر , اما النقطة الثانية , وهي الصحافي , فيرتبط اسمه باصدار دورية معروفة في تاريخ الصحافة الروسية هي – ( فيسنك يفروبا ) , والتي لعبت دورا بارزا في اوائل القرن التاسع عشر , عندما كان جوكوفسكي المحرر الرئيسي لها , واستمرّت هذه المجلة بالصدور طوال القرن التاسع عشر تقريبا , وساهمت مساهمة فعّالة في الحركة الثقافية الروسية. أمّا بخصوص النقطة الثالثة , وهي الترجمة ,  فاننا اكتشفنا ايضا , ان جوكوفسكي مترجم بارز (في ذلك الزمان البعيد) عن اللغات الالمانية والانكليزية والفرنسية , عندما كانت حركة الترجمة الادبية الى الروسية في بداياتها ليس الا , وان اسمه في مجال الترجمة يرتبط في كونه مترجم  (الاوديسه) الى الروسية , وان هذه الترجمة الرائدة  لازالت لحد الان تتفاعل و تتعايش مع القراء في روسيا رغم مرور قرنين ونيّف من الزمان على ظهورها , اذ انها لازالت تطبع ويعاد طبعها.أمّا النقطة الرابعة في عنوان مقالتنا , وهي – جوكوفسكي المعلّم , فان عائلة القيصر الروسي اختارته لتعليم ابنائها اللغة الروسية ,  وقد أدّى مهمته في هذا المجال بشكل مدهش  وحاز على ثقتهم وعلى مكانة متميّزة عندهم , واستخدم  جوكوفسكي علاقته الجيّدة بعائلة القيصر في خدمة الادباء الروس والحركة الادبية عموما ( انظر مقالتنا بعنوان – رسالة غوغول الى قيصر روسيا )
 وكل هذه النقاط التي ذكرناها بشكل خاطف وسريع ليس الا , تستحق واقعيا التوقف التفصيلي عندها باعتبارها جوانب مهمة في مسيرة الادب الروسي وتاريخه , ولكننا لا نستطيع في اطار مقالتنا التعريفية هذه  ان نتوقف عندها تفصيلا , ولهذا نختتم مقالتنا بالتوقف  عند حادثة تاريخية متميّزة ترتبط بهذا الكاتب الروسي الكبير , وهي , موقفه بعد مبارزة بوشكين عام 1837 , والتي أودت – كما هو معروف -  بحياة شاعر روسيا الكبير , او شمس الشعر الروسي كما يسمونه . لقد سمع جوكوفسكي في مدينة بطرسبورغ بمبارزة بوشكين , وحاول ان يقنع بوشكين بعدم القيام بها - و بكل ما يستطيع – وان يثنيه عن ذلك , ولكن بوشكين رفض كل هذه المحاولات , وأصرّ على المبارزة , وبعد ان حدثت تلك المبارزة و تم جرح بوشكين , ذهب جوكوفسكي الى بيت بوشكين , وعرف من طبيبه الخاص , ان جرحه مميت  , وكان في الغرفة المجاورة التي كان يرقد فيها بوشكين , وكان بوشكين في لحظاته الاخيرة , فأخذ جوكوفسكي يده وقبّلها , وعندما حملوا الجثمان , ذهب جوكوفسكي الى القصر الملكي , وحصل على الموافقة بحصر كل وثائق بوشكين واوراقه  في غرفة خاصة وختمها بمهره حفاظا عليها , ثم نقلها بعدئذ الى بيته مع أحد أقرب اصدقاء بوشكين , وهكذا استطاع الحفاظ على هذه الاوراق والوثائق التاريخية المهمة للشاعر الروسي الكبير , وابتدأ باعداد المؤلفات الكاملة لبوشكين للنشر , وأخذ على عاتقه المساعدة على استمرار طبع مجلة ( سوفريمينك ) التي كان يصدرها بوشكين ( انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين صحفيا ) .
كم توجد في تاريخ الادب الروسي من اسماء واحداث وظواهر شبه مجهولة للقراء العرب , وكم نحتاج الى جهود لتعريف هؤلاء القراء بكل هذا الكم الهائل من الاسماء والاحداث والظواهر في تاريخ الادب الروسي قديما وحديثا . 

10
تمثال لجحا وحماره في موسكو
أ.د. ضياء نافع
 نحن نسميه – جحا , ونعرفه حق المعرفة , وكنّا ولازلنا نحكي لبعضنا البعض حكاياته ونوادره المرحة , وقد ذكره ابن النديم نفسه في الفهرست هكذا – جحا العربي , اما عند الشعوب التي تتكلم الفارسية فاسمه - ملا نصر الدين , وعند الشعوب التي تتكلم التركية فهو - خوجه نصر الدين , وهناك اسماء عديدة اخرى لهذه الشخصية المرحة والطريفة في الشرق عند الشعوب الاخرى , وقد اطلعت على قائمة غير اعتيادية تتضمن ثلاثين اسما لهذه الشخصية المتميّزة  بثلاثين لغة من لغات مختلفة تماما لبلدان متنوعة , من القوقاز الى البلقان والى اسيا الوسطى , وهذا دليل طبعا على انه شخصية فولكلورية , ولا تهدف مقالتنا الى بحث اصول هذه الشخصية وتاريخها , ولكن من الواضح , ان  شعوب هذه البلدان تعرفه معرفة جيدة وتتمتع بحكاياته وجماليتها وحكمتها وعمقها الفلسفي , لانه شخصية ساخرة  ومشهورة جدا بمقالبها ومواقفها وخلاصة اقوالها الدقيقة والذكية , وباختصار , فان شخصية جحا تعيش بيننا دائما و منذ مئات السنوات , رغم اننا لا نعرف اسمه وتفاصيل حياته, فبعض المصادر تذكر , ان اسمه دجين بن ثابت الفزاري من الكوفة , والذي عاش في القرن السابع , وتتحدث مصادر اخرى , انه شخص آخر ولد وعاش وتوفي في تركيا حيث يوجد قبره , رغم اننا نقرأ على هذا القبر , انه فارغ , وان خوجة نصر الدين نفسه هو الذي بناه ليوهم الجميع انه توفي , وذلك كي يسافر متجولا في بلدان العالم , وفي ختام هذه الكتابة نقرأ , ان مناقشة ذلك الان دون فائدة , وانه يمكن ان نتوقع كل شئ من خوجة نصر الدين (وبالمناسبة , يوجد فلم سينمائي سوفيتي بعنوان – ( 12 قبرا لخوجه نصر الدين ) وهو فلم كوميدي تم انتاجه عام 1966 في طاجكستان السوفيتية , ويتحدث عن عودته على حماره الى عاصمة طاجكستان في القرن العشرين )  .
 لقد  اقاموا له  في تركيا عدة تماثيل , ومنها التمثال الذي يجسّده وهو يمتطي حماره , ولكن بعكس الشكل المفروض , اي ان وجهه الى الخلف وليس الى الامام كما يمتطون الجياد او الحمير عادة , وهي واحدة من حكاياته ومقالبه الشهيرة, ويوجد له ايضا تمثال آخر في مدينة بخارى باوزبكستان وهو يمتطي حماره , ولكن بصورة طبيعية , وليس بالعكس كما في التمثال التركي ,  اما تمثاله في موسكو , والذي نود ان نتوقف عنده هنا حسب عنوان مقالتنا , فقد تم افتتاحه عام 2006 بمبادرة وتنفيذ مؤسسة اسمها – (حوار الثقافات – عالم موحّد) , وهي منظمة توجد في اكثر من خمسين بلدا , وترعاها اليونسكو وجهات رسمية في نفس تلك البلدان , وفي روسيا ترعاها وتساندها وزارات الثقافة والتعليم والخارجية . التمثال الذي اقامته هذه المنظمة لجحا  مع حماره ايضا ( حمار جحا جزء لا يتجزأ من تراثه ), الا ان الفرق هنا بين هذا التمثال , وتماثيل تركيا واوزبكستان يكمن , في ان جحا يسير على قدميه , ويحمل بيده اليمنى كتابا كبيرا , ويسحب بيده اليسرى رشمة حماره , الذي يسير خلفه, والكتاب طبعا رمز المعرفة , ويرتدي جحا في هذا التمثال الرداء الشرقي ويضع عمامة صغيرة على الرأس , اما حماره , فهو في غاية الرشاقة  ويثير تعاطف الجميع واعجابهم, خصوصا وانه يذكّر بافلام الكارتون , وليس عبثا انه اصبح محبوبا جدا من قبل الصغار  , ومن الواضح للمشاهدين رأسا تلامع اذنيه ومكان الجلوس على ظهر هذا الحمار الرشيق , وذلك من كثرة جلوس المشاهدين عليه , اما التماع اذنيه , فيعزى الى ان الجميع يمسكون اذنيه , حيث اصبح ذلك رمزا  للفأل الحسن , كما اصبح تمثال كلب في احدى محطات المترو  بموسكو , لدرجة , ان هذا الكلب اصبح حتى مكانا لزيارة السواح الاجانب , هذا وقد سأل أحد المشاهدين لتمثال جحا فتاة امامه مسكت باذني الحمار عن سبب ذلك , فأجابت الفتاة ضاحكة , لانها تريد ان تصبح مثل جحا مرحة ومحبوبة وحكيمة .. علما ان النحّات الروسي أرلوف , الذي قام بنحت التمثال قد صرّح في يوم افتتاحه , ان هذا البطل الحكيم والمرح قد وصل الان الى موسكو من اعماق القرون السحيقة , كي يذّكرنا مرة اخرى , ان الكلمات المضحكة والحكيمية يمكن ان تساعد الانسان في اكثر المواقف صعوبة . وبالمناسبة , فان هناك اكثر من ألف حكاية وقصة لجحا مترجمة الى الروسية , وقد كتب مرة احد القراء الروس تعليقا يقول , انه يتذّكر دائما احدى هذه الحكايات وغالبا ما يرويها لاصدقائه والمحيطين به , وملخص هذه الحكاية , ان جحا وابنه كانا يركبان على الحمار معا , فقال له الناس , ان ذلك ظلم للحمار المسكين , فنزل جحا وترك ابنه على الحمار , فقال له الناس , ان ابنه عاق يركب الحمار ويجعل والده يمشي , فنزل الابن وركب جحا , فقال له الناس , يا له من أب قاس , يركب الحمار ويترك ابنه يمشي , فنزل جحا وأخذ يسير مع ابنه جنب الحمار , فقال الناس , ياللغباء , عندهما حمار ولا يستخدماه ويسيران جنبه . ويختتم هذا القارئ الروسي تعليقه قائلا , انه لم يجد طوال حياته ابدا حكاية حكيمة وحقيقية وواقعية ومرحة مثل هذه القصة .
تحية لمؤسسة -  (حوار الثقافات – عالم موحّد) الروسية , التي قامت بنصب تمثال جميل ورشيق وغير اعتيادي بتاتا في قلب موسكو , وتحية لهذا البطل الاسطوري الشرقي , الذي وصل الى موسكو مشيا على الاقدام , كي يقول للروس , ان الكلمة المرحة الحكيمة ضرورية و مهمّة للانسان وحياته ......




11
 
غوغول بين روسيا واوكرانيا
أ.د. ضياء نافع
لم يكن هذا الموضوع مطروحا في مسيرة الادب الروسي , ولم يتحدث أحد عنه بتاتا آنذاك  في الستينيات فصاعدا في الاتحاد السوفيتي او خارجه  , لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 , ظهرت وبرزت مواضيع جديدة وغريبة جدا ترتبط بمسيرة روسيا في مختلف المجالات , بما فيها طبعا في تاريخ الادب الروسي ايضا , و لم تكن هذه المواضيع متوقعة ابدا , ومنها هذا الموضوع عن الكاتب الكبير غوغول , الذي نتوقف عنده  في مقالتنا هذه , اذ يتناول الباحثون هذا الموضوع في السنوات الاخيرة , ويحالوا ان يحددوا , هل ان غوغول كاتب روسي ام كاتب اوكراني , وكل يدلو بدلوه كما يقولون , وما أغرب هذا الكلام وهذا الخيار بالنسبة لمؤلف تلك النتاجات الادبية الروسية العملاقة مثل قصص المعطف والانف وغيرها , او مسرحية المفتش ( التي يسمونها المفتش العام ) او رواية الارواح الميّتة ( التي يسمونها الانفس الميتة) , تلك النتاجات التي يعرفها العالم باكمله , وهي طبعا جزء لا يتجزأ من الادب الروسي  .
ظهر غوغول كما هو معروف في العقد الثاني من القرن التاسع عشر في الامبراطورية الروسية , وساهم جنبا لجنب مع بوشكين وادباء تلك الحقبة في مسيرة الادب الروسي وتوسيعها وتعميقها , واصبح – في الثلث الاول من ذلك القرن - اسما كبيرا ولامعا وعالميا في هذا الادب , رغم انه ( اي غوغول ) ولد في اوكرانيا من اب وام اوكرانيين , وان لغته الام كانت اللغة الاوكرانية طبعا ( وهي لغة شقيقة للغة الروسية ,  اذ انهما لغات سلافية , الا انها – مع ذلك - لغة اخرى ) , اي ان غوغول اوكراني اصيل , او ( ابّا عن جد ) كما نقول بلهجتنا العراقية الجميلة, ولكن اوكرانيا آنذاك كانت جزءا لا يتجزأ من الامبراطورية الروسية  ( واللغة الرسمية والسائدة في تلك الامبراطورية الواسعة هي اللغة الروسية ), ولم تكن اوكرانيا يوما من الايام  دولة مستقلة عنها , وكانت تسمى بكلمة روسية واحدة هي - ( مالو راسّيا ) , اي روسيا الصغرى , وهي جزء حيوي جدا من تلك الامبراطورية بكل معنى الكلمة , بل ان الدولة الروسية نفسها , في بدايتها في القرن العاشر , تأسست باسم يرتبط بمدينة كييف الاوكرانية , اذ كانت تلك الدولة نفسها تسمى – ( كييفسكايا  رووس ) , و  لم تستقر الترجمة العربية لهذه التسمية  لحد الان , فالترجمة الحرفية لها هي – ( روسيا الكييفيّة ) , واجتهادات المترجمين العرب كثيرة حول تلك التسمية, وليس ذلك موضوعنا الان.
 عندما وصلنا الى موسكو في بداية ستينيات القرن العشرين, وعشنا مع الطلبة الروس في الاقسام الداخلية للطلبة في الجامعات السوفيتية, لم نكن نميّز بين الروس والاوكرانيين بتاتا, اذ كانوا جميعا – بنين وبنات - بالنسبة لنا طلبة روس من حيث (الشكل والمضمون)  ان صح التعبير , فكلهم يتكلمون بلغة واحدة هي الروسية, واشكالهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم واعيادهم ...الخ واحدة تماما , وحتى الاسماء نفسها , فذاك ايفان ( ودلعه فانيا ) وتلك نتاليا ( ودلعها نتاشا ), و لم نكن آنذاك نعرف - ونحن نعيش بينهم ونتقاسم معهم كل شئ - من هو الروسي منهم ومن هو الاوكراني . كنّا طبعا نميّز بينهم القوقازيين مثلا , من اذربيجانين او جورجيين او أرمن , اذ كانت اشكالهم وتصرفاتهم تختلف عن الروس , والاسماء ايضا تختلف طبعا , وبالتدريج , وبمرور الوقت فهمنا , ان لاريسا من اوكرانيا وساشا من روسيا , الا اننا شعرنا انهم شعب واحد تقريبا, وانهم يتميزون , كما يتميّز ( المصلاوي ) عن ( البصراوي ) كما كنّا نتحدّث بيننا ونحن نضحك ونلهو  . وقد تذكرت كل هذا وانا اقرأ ما كتبه أحد الباحثين الروس عن غوغول , اذ كتب يقول , ان الكاتب الروسي العظيم غوغول , هو الابن العظيم للشعب الاوكراني , وان هذا ( العبث ) كما أسماه , في اننا يجب ان نحدد الان هل هو كاتب روسي او اوكراني  يجسّد ذلك الانفصال التراجيدي الاليم , الذي حدث بين الشعبين الروسي والاوكراني عام 1991 , وهو انفصال غير طبيعي بالمرّة , اذ لا يمكن ان يكون انفصال بين الكاتب غوغول والانسان غوغول .
 ان انفصال روسيا واوكرانيا عن بعضهما بعد كل هذه المسيرة التاريخية المشتركة الطويلة منذ القرن العاشر ولحد الان  يعني , كما يقول باحث روسي آخر , اننا يجب ان نفصل بين بوشكين وغوغول , ويستمر بالقول , ان تمثال بوشكين وتمثال غوغول يقفان معا وجنبا الى جنب ابدا في النصب الذي أقامه القيصر الروسي الكساندر الثاني وافتتحه في مدينة نوفغورود بمناسبة الذكرى الالفية لتأسيس الدولة الروسية , و الذي يقف شامخا منذ القرن التاسع عشر و لحد الان , ويختتم هذا الباحث كلامه قائلا , لا يمكن ان نهدم هذا النصب الخالد في تاريخ روسيا .
غوغول الاوكراني وابداعه الروسي هو رمز للتقارب الروحي والتعايش الفكري المتبادل بين روسيا واوكرانيا , رمز التلاحم  بين الثقافتين الشقيقتين , رمز لظاهرة خالدة وارتباط عضوي لا ينفصم , ولا يمكن له ان ينفصم ....



12
   
هل اختفت تتيانا بوشكين ومفاهيمها ؟
أ.د. ضياء نافع
تتيانا لارينا هي بطلة رواية بوشكين الشعرية – ( يفغيني اونيغين) , التي أحبت بطل تلك الرواية يفغيني اونيغين وكتبت له رسالة  رقيقة وصريحة ومباشرة  تعبّر فيها عن حبها له, وتبتدأ تلك الرسالة هكذا –
  أنا التي أكتب اليك , فماذا أكثر,                                                                                                             
      وماذا أقدر ان أقول أكثر ...                                                                                                                   
ولكن يفغيني اونيغين رفض الاستجابة لحبها آنذاك , ثم عاد بعد سنوات طويلة جدا يطلب حبها , فقالت له (ايضا بصراحة وبشكل مباشر) انها لاتزال تحبه , ولكنها ترفض الان الاستجابه له .
شخصية تتيانا لارينا أثارت ولا تزال تثير الجدال والنقاش بين نقاد الادب الروسي والباحثين في  تفصيلات تاريخه الصغيرة والكبيرة على السواء , هؤلاء الذين يدرسون نتاجات الادب الروسي , كي يحددوا سمات الشخصية الروسية وخصائصها في الواقع الحياتي, لانهم يعتبرون الادب هو التعبير الحي والتصوير المتكامل للحياة كما هي , وهم على حق طبعا بشأن ذلك , اذ حتى عندما نتأمل و نحلل بدقّة وعمق اللوحات السريالية ( بالمعنى العام للكلمة ) في الفن التشكيلي نجد ان تلك اللوحات (غير المفهومة للوهلة الاولى)  هي تعبير حي فعلا لواقع الانسان في ذلك المجتمع الذي رسم فيه الفنان التشكيلي لوحاته تلك ( لنتذكر الغورنيكا لبيكاسو مثلا ) , وذلك لان الفنون في كافة اجناسها واشكالها هي انعكاس للمجتمع الانساني مهما كانت انواعها.
كثيرون من النقاد و الادباء الروس كتبوا عن بطلة بوشكين - تتيانا لارينا , ومن هؤلاء النقاد يستشهدون عادة  باسماء بيلينسكي وبيساريف من القرن التاسع عشر و افسيانكو – كوليكوفسكي ( 1853 – 1920) من النقاد الذين ظهروا بعدهم  , و من الادباء باسم دستويفسكي , ونحاول ان نتوقف عند جوهر افكارهم العامة حول هذه البطلة , وموقفهم تجاهها .  لقد كان بيلينسكي مناصرا  لتتيانا لارينا وبحماس وكذلك افسيانكو – كوليكوفسكي , اما بيساريف فكان مضادا لها كليّا , وكان دستويفسكي يمجّدها , مثلما كان يمجّد بوشكين بشكل عام , ونحاول في نهاية المقالة توضيح الاجابة – بشكل او بآخر - حول السؤال الذي ثبتناه في عنوان مقالتنا , وهو – هل اختفت فلسفة تتيانا لارينا ومفاهيمها و روحيتها , ام هي موجودة لحد الان في روسيا ؟.
كتب بيلينسكي عن بوشكين كثيرا من المقالات المهمة , والتي لازالت تمتلك اهميتها من اجل فهم بوشكين ومكانته في مسيرة الادب الروسي , وقد توقف طبعا عند تتيانا لارينا بطلة روايه بوشكين المركزية – يفغيني اونيغين . تتيانا لارينا كما يراها بيلينسكي – ( ...استثنائية .. عميقة ..عاشقة ..الحب بالنسبة لها يمكن ان يكون متعة عظمى او معاناة عظمى , ولاشئ وسط .. ) رغم ان بيلينسكي يرى انها اصبحت ربّة عائلة هادئة , بعد ان ارتضت بتضحيتها لحبها , ويدافع كوليكوفسكي عنها ايضا في كتاباته بعد أكثر من نصف قرن من بيلينسكي , ويعتبرها ( أقوى روحيا من اونيغين ) , ويقارنها بسلسلة بطلات ظهرن في مسيرة الادب الروسي مثل بطلات تورغينيف وتولستوي , ولكنهن جميعا ( لم يجعلننا  ننسى تتيانا بوشكين ) , ويؤكد انها ( ستبقى  في أدبنا الى الابد ) .
اما بيساريف , فقد كان يرى انها – ( قروية حمقاء ) , وكتب يقول , انها تمتلك ( تصوّرات مريضة ) , ولهذا , ونتيجة لتلك التصوّرات , كانت تختلق احاسيس ومتطلبات وواجبات مفتعلة , وتصل الى تخطيط برامج لا تتناسق مع الواقع , وتحاول ان تحققها بعناد غريب . وبشكل عام , فان بيساريف صوّرها وكأنها امرأة مريضة , وكان ضدها تماما . بيساريف كان يعتبر بوشكين قد اصبح يمثّل مرحلة انتهت , ولا مجال هنا للحديث عن علاقة بيساريف ببوشكين , الا ان موقف هذا الناقد لم يؤثر على موقع بوشكين واهميته في دنيا الادب الروسي , ولم تتغيّر مكانة تتيانا لارينا نتيجة ذلك لدى القراء الروس ابدا .
اما دستويفسكي , فقد قال عن تتيانا لارينا, انها شخصية قوية , وتقف على تربتها بثبات وصلابة , وانها أعمق من يفغيني اونيغين وأذكى منه , ولهذا , فانها تعرف بدقة اين الحقيقة , وتقدر ان تحددها . ويرى دستويفسكي , ان بوشكين كان يجب ان يسمي روايته تتيانا لارينا وليس يفغيني اونيغين . لانها البطل الحقيقي الاول في تلك الرواية الشعرية .
هناك طبعا آراء اخرى حولها , منها مثلا , رأي نابوكوف , الذي يرى , ان ثورة اكتوبر 1917 قد غيّرت تلك المفاهيم , وان تتيانا لم تعد تلك البطلة النموذجية , ولا مجال لعرض تفصيلي لآراء نابوكوف , الذي ( يسيّس) الموضوع انطلاقا من موقفه السياسي طبعا , وهي نظرة نعرفها – نحن العراقيين – نتيجة تجربتنا الحياتية المريرة , وكم يوجد لدينا من هؤلاء الذين ( يسيّسون !) كل شئ.
ختاما , اود ان أشير , الى اني شخصيا رأيت كيف يتقبّل الروس هذه البطلة , وكيف ان تلاميذ المدارس الثانوية ( وخصوصا التلميذات ) يحفظون عن ظهر قلب رسالة تتيانا لارينا الى يفغيني اونيغين , وكيف يتنافسون لالقائها امام الآخرين عندما يطلبون منهم ذلك , وشاهدت كيف كان الطلبة (يتدافعون!) لاقتناء بطاقات لمشاهدة الفلم الذي يعرض الاوبرا حسب رواية بوشكين تلك , واعرف ايضا , ان تتيانا لارينا قد تحولت الى موضوع دائم لمادة ( الانشاء ) في المدارس الروسية.
تتيانا لارينا وفلسفتها لازالت موجودة في روسيا , ولازالت تتيانا تتمشى في شوارعها , ولازالت تثير التعاطف والحب ,  لان بوشكين لازال حيّا في روح روسيا و شعابها...

13
تصفيق لمؤرشف الادب الروسي في العراق
أ.د. ضياء نافع
المؤرشفون لا يولدون رأسا . ولادة المؤرشفين أكثر تعقيدا من ولادة الانسان , فالمؤرشف لا ينتظر تسعة أشهر في بطن امه كما الانسان , ولكنه ينتظر سنوات طويلة جدا في بطون الكتب والمصادر الصغيرة والكبيرة ويتعايش معها في السراء والضراء , لانه ( وقع في عشقها ), كما وقع قيس بحب ليلى , واحترقت يداه ( وما شعر ) حسب ما ذكر لنا احمد شوقي , الذي رأى هذه الحادثة بنفسه , عندما كان يراقبهما سرّا, ورواها لنا بعدئذ , وفضحهما , وجاء محمد عبد الوهاب وزاد الطين بلّة .
لقد التقيت مرّة في سبعينيات القرن الماضي بواحد من هؤلاء المؤرشفين ( من مدرسة قيس !) في البصرة , اثناء مهرجان المربد , ومن المؤكد ان القراء يعرفونه . انه عبد الرزاق الحسني صاحب تاريخ الوزارات العراقية . كنّا في صالة الفندق ننتظر الباص للذهاب الى جلسات المهرجان, وكان هناك ركن خاص يبيعون فيه الكتب , فتوجه الحسني الى هذا المكان بلهفة , واشترى كتابا , ورجع فرحا الى مكانه , وأخرج قلم الرصاص من جيبه , وبدأ يقرأ ويؤشّر في الكتاب , وقد أثار ذلك اهتمامي ( ولا اريد ان اقول فضولي طبعا ) , فاقتربت منه لارى عنوان هذا الكتاب الذي استحوذ على اهتمام المؤرشف الكبير , فاذا به أحد كتبه هو , فاقتربت منه وعبرّت عن استغرابي  مما رأيت , فقال لي بثقة , انه لم يراجع هذا الجزء من سلسلة كتبه مراجعة دقيقة وكما يجب , وانه فرح لانه وجده هنا , ويريد ان يستغل دقائق الانتظار هذه لمراجعة بعض صفحات هذا الجزء .
تذكرت اخبار قيس وكيف احترقت يداه وما شعر , وتذكرت كيف فرح الحسني عندما وجد كتابا من تأليفه واشتراه بلهفة , أقول , تذكرت كل ذلك عندما كنت اطالع ما نشره الدكتور منذر ملا كاظم ( الاستاذ المساعد في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد) حول غوغول قبل أيام قليلة . لقد نشر د. منذر هذه المادة في الفيسبوك فقط , ولم ينشرها في اي مجلة او جريدة ورقية او الكترونية ( وما اكثرها  في هذا الزمان ) , والنشر في الفيسبوك ( او صفحات التواصل الالكترني هذه ) يختفي بعد دقائق او ساعات ليس الا , وذلك لان د. منذر ملا كاظم نسّق واعدّ صورة ممتازة ورائعة ومتنوعة حول مادته تلك يتصدرها غوغول نفسه على اليسار , وجنبه كل تلك المصادر العربية , التي ذكرها حوله , وهي مصادر ومراجع نادرة جدا, ولم يعثر عليها - وبهذه السعة والشمولية - حتى المتخصصون في الادب الروسي من الباحثين العرب , بل حتى لا يحلمون بايجادها والاطلاع عليها , ولا اريد ان اقول ان البعض  منهم لا يعرف اصلا بوجودها.
لم أتذكر فقط قصص قيس والحسني , بل تذكرت طالبنا الهادئ والذكي منذر , عندما كان طالبا عندنا في قسم اللغة الروسية آنذاك , وكيف كان من بين أبرز الطلبة المتميّزين , لكنه لم يحاول , كما حاول معظم هؤلاء , الحصول على درجات التميّز باي وسيلة , كي يكون في الصدارة , وتذكرت عندما كتب منذر باشرافي اطروحة الماجستير عن غوغول , وكيف انه حصل على كل مصادره بنفسه , وتذكرت , كيف اني ( اكتشفت !!) موهبته بجمع المصادر , بما فيها رواية المرحومة حياة شرارة – ( اذا الايام أغسقت ) , وكيف انه جلبها لي للاطلاع عليها , عندما كانت هذه الرواية من أكبر الممنوعات , وكم كنت ممتنا له على هذا العمل الشجاع والجرئ في ذلك الوقت الصعب والرهيب  الذي كنّا نعيشه, وتذكرت , ان صديقي كامران قره داغي أعلمني قبل فترة في رسالة من لندن حيث يقيم , ان د. منذر اتصل به من بغداد ( دون معرفة سابقة ) وأخبره , انه يمكن له ان يرسل اليه كتبه المفقودة عن الادب الروسي , التي صدرت في بغداد في حينها , و هذا الشئ لكامران يعتبر لقطة رائعة , والتي لم يكن حتى ان يحلم بها , وتذكرت طبعا , ان جامعة فارونش , التي حصل فيها د. منذر على شهادة الدكتوراه  قد أصدرت له كتابا بالروسية عن غوغول في المشرق العربي , وهو طالب الدكتوراه العراقي الوحيد , الذي حقق هذا النجاح الباهر , والذي لم يتبجح د. منذر بشأنه او يتباهى , لانه لا يعرف هذه المظاهر اصلا , ويمكن لي ان أتصور ماذا كان سيفعل الآخرون لو حققوا مثل هذه النجاح الكبير , وكم اتمنى ان أحصل على نسخة من هذا الكتاب كي اطالعه واكتب عنه للقراء العرب , لانه يستحق ذلك فعلا .
هناك الكثير من النقاط الرائعة الاخرى حول هذا المؤرشف الموهوب للادب الروسي في العراق , ولا مجال حتى للاشارة اليها في مقالتنا هذه , ولكني أود ان اختتم حديثي عنه بما قاله لي المترجم العراقي الكبيرعن الروسية  د. تحسين رزاق عزيز حوله . لقد استطاع د. منذر ان يحصل على مسودات المرحوم  محمد يونس الخاصة باطروحته عن تولستوي , التي ناقشها في جامعة موسكو آنذاك , وهي مسودات مكتوبة بخط رشيق (تميّز به المرحوم محمد ) حول تلك المصادر الخاصة بتولستوي , فما أعظم هذه الثروة .
اعلن هنا وبكل فخر ميلاد مؤرشف الادب الروسي في العراق الدكتور منذر ملا كاظم , واشارك مع الجميع بالتصفيق الحاد له , وانتظر  تألّقه اللاحق في هذا المجال الجديد في الساحة الثقافية العراقية , واحلم ان  أرى يوما كتابا ضخما من تأليفه بعنوان – فهرس الادب الروسي  في العراق ( على غرار كتاب المرحوم د. عبد الآله أحمد عن فهرس القصة في العراق) كي نباهي به الامم ... 


14
المنبر الحر / تسفيتايفا مترجمة
« في: 16:55 06/04/2020  »
تسفيتايفا مترجمة
أ.د. ضياء نافع
لم نسمع باسمها عندما كنّا طلبة في بداية الستينيات  بجامعة  موسكو , الا ان الطلبة الروس حولنا كانوا يتهامسون حولها , خصوصا عندما بدأ ايليا ايرنبورغ  بنشر مذكراته (الناس . السنوات .الحياة) في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد ) , حيث أشار هناك الى اسماء عدد من الادباء الروس , الذين كانوا  ممنوعين من التداول العلني آنذاك , ومنهم تسفيتايفا , وعندما سمعنا باسمها , اعتقدنا , انها شاعرة مضادة للاتحاد السوفيتي وبنيته وآيدولوجيته , مثل كل مهاجر روسي الى الغرب بعد ثورة اكتوبر1917 , وكانت هذه الآراء متبلورة وجاهزة عندنا دون ان نقرأ حتى سطرا واحدا من شعرها .
عندما انتقلت الى جامعة باريس في النصف الثاني من الستينيات , اصطدمت ( نعم اصطدمت ) بواقع آخر يختلف تماما , اذ وجدت , ان جميع الاوساط الروسية هناك يعرفون شعرها , ويتحدثون عن انتحارها التراجيدي بعد سنتين من عودتها الى وطنها روسيا ( عادت عام 1939 وانتحرت عام 1941 ) وكان عمرها 49 سنة ليس الا . وقرأت قصائدها طبعا في باريس, ولم أجد ايّ أثرهناك لذلك التصوّر الساذج الذي كان لدينا ايام الدراسة في موسكو, بل اكتشفت عالما في غاية الروعة والجمال من الشعر الروسي , ولهذا , حرصت – أشدّ الحرص - على تعريف شعرها وحياتها لطلبتي  في جامعة بغداد لاحقا , وقد ذكّرني أحد طلبتي السابقين , عندما التقيته صدفة في موسكو مرّة قبل فترة قصيرة , انه لايزال يحفظ عن ظهر قلب قصيدتها الشهيرة – (يعجبني انك لست مريضا بي) , والتي كانت ضمن منهجنا الدراسي في الصف الثالث بقسم اللغة الروسية لمادة الشعر الروسي , وألقاها هذا الطالب امامي كي يثبت لي انه لازال يحفظ عن ظهر قلب تلك القصيدة  وهو يبتسم , وابتسمت أنا ايضا , وقلت له , ان القصيدة هذه قد تحولت الان الى اغنية روسية شهيرة جدا .
الحديث عن تسفيتايفا ( ذو شجون ) كما يقولون , لكني اريد ان اتوقف في هذه المقالة عند مجموعة مدهشة الجمال من القصائد , التي ترجمتها تسفيتايفا الى الروسيّة , والتي اطّلعت عليها قبل فترة قصيرة ليس الا , قصائد مختارة بعناية ورشاقة من الشعر الالماني والانكليزي والفرنسي والاسباني والبولوني  والجورجي والبلغاري وغيرها , وهي قصائد تستحق القراءة و التأمل فعلا , اولا , لأن شاعرة رائعة مثل  تسفيتايفا هي التي اختارتها , وهذا يعني انها كانت معجبة بها طبعا , و ثانيا ,لان شاعرة عظيمة بمستوى تسفيتايفا هي التي ترجمتها الى الروسية وصاغتها, فما أروع ذلك وما أجمله.
 و نبدأ الحديث قليلا عن مترجمة الشعر الاجنبي الى الروسية , الشاعرة مارينا تسفيتايفا , ونحاول ان نعطي نموذجا من تلك الترجمات .
ترجمت تسفيتايفا من الشعر النمساوي , ومنها قصيدة بعنوان – من قال لكم , ان كل شئ سيختفي , ومن الشعر الانكليزي , ومنها اغنية ستيفانو من المشهد الثاني لمسرحية شكسبير العاصفة , وترجمت من الشعر الالماني , ومنها اغنية شعبية بعنوان – اليوم الابيض لي أكثر سوادا من الليل , ومن الشعر الفرنسي , ومنها اغنية شعبية بعنوان – وأنا اقبّل حبيبتي , اقتطفت وردة , ومن الشعر الاسباني ترجمت تسفيتايفا  مجموعة مختارة من قصائد غارسيا لوركا , واقدم للقراء – ختاما - مقطعا من قصيدة  لوركا بترجمة تسفيتايفا, والقصيدة بعنوان – القيثارة .
القيثارة
=====
..........
يبدأ
  بكاء القيثارة .
آه , لا تنتظر منها
الصمت ,
لا تطلب منها
الصمت.
القيثارة تبكي
كما المياه تبكي
في المنحنيات,
كما الرياح  تبكي
فوق الثلوج,
......
كما الغروب يبكي
وهو يودّع الفجر,
كما الطير يبكي
وهو يودّع الحياة
تحت تهديد
لدغات
 الحيّات...
....
.....
تحية حب وتقدير للشاعرة مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها, وتحية حب وتقدير للمترجمة  مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها....

15
المنبر الحر / فيريسايف
« في: 20:49 03/04/2020  »
فيريسايف
أ.د. ضياء نافع
فيريسايف قبل كل شئ اديب وطبيب في آن واحد . ولد في روسيا الامبراطورية عام 1867 , وعاصر كل احداثها الكبيرة مثل الحرب الروسية – اليابانية (وشارك فيها كطبيب عسكري و لديه رواية قصيرة بعنوان – في الحرب اليابانية ) والحرب العالمية الاولى ( شارك فيها كطبيب عسكري ايضا ) , وتوفي في روسيا السوفيتية عام 1945 , اذ انه رفض الهجرة من روسيا كما فعل معظم المثقفين الروس بعد ثورة اكتوبر 1917 , و لهذا , فانه عاصر ايضا كل احداث روسيا السوفيتية مثل ثورة اكتوبر والحرب العالمية الثانية ونهايتها , اذ انه توفي في حزيران 1945 , اي بعد شهر من الانتصار على الهتلرية, وفي كل مسيرته الطويلة هذه كان طبيبا واديبا معا , وفي هذه الثنائية الغريبة ( ان صح التعبير ) تكمن احدى صفات التميّز لدى فيريسايف , اذ ان تشيخوف مثلا كان ايضا طبيبا واديبا معا , الا انه تفرّغ للادب وترك الطب واقعيا , اما فيريسايف فقد مارس عمله في كلا المجالين معا , ومن الطريف ان نشير هنا , ان فيريسايف ( وهو ابن طبيب بارز في حينه بمدينة تولا الروسية ومؤسس مستشفى فيها) التحق في الجامعة لدراسة الادب اولا, وبعد ان انهى دراسته تلك , عاد و التحق في الجامعة من جديد لدراسة الطب , وانهى ايضا دراسته هناك , وهكذا اصبح فيريسايف يمتلك اختصاصين - الادب والطب , و بقي هكذا طوال حياته متنقلا بينهما , وموحّدا لهما ايضا , وتوجد الان مستشفى بموسكو تسمى مستشفى فيريسايف , ويوجد تمثال للكاتب فيريسايف في مدينته تولا , تم افتتاحه عام 1958 .
لن نتوقف في مقالتنا هذه عند مهنة الطب طبعا , بل نريد فقط ان نتحدث بايجاز عن فيريسايف الاديب , كي نرسم صورة قلمية له للقارئ العربي , الذي يعرف عنه القليل جدا ليس الا. قبل كل شئ يجب القول , ان فيريسايف الاديب متعدد المواهب جدا, فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم وناقد ادبي وباحث وكاتب مذكرات وكاتب مؤلفات وثائقية ( وهي كتب تعتمد ترتيب الوثائق فقط وصولا الى رسم صورة قلمية متكاملة لشخصية شهيرة – ما), و في كل نشاطاته الادبية والفكرية الواسعة والمتنوعة هذه كان واقعيا وموضوعيا ويستند في كتاباته و بحوثه ودراساته دائما الى مصادر دقيقة واصيلة لا تقبل الشك , وكل هذا طبعا هو تأثير مباشر لمهنة الطب, اذ لا يمكن للطبيب الا ان يكون واقعيا في نظرته الى كل شئ حوله , فالطبيب يفحص اولا ثم يشخّص المرض ثم يحدد العلاج , وهذا ما فعله فيريسايف واقعيا في ادبه الابداعي .
  لنستعرض قليلا نشاطات فيريسايف الابداعية . فقد كان ينشر ومنذ عام 1887 قصصا قصيرة , وآخر نتاجاته في هذا المجال صدر عام 1945 بعنوان – قصص غير مختلقة عن الماضي , ولديه حوالي عشر روايات قصيرة , اما مساهماته في الكتابة المسرحية , فقد نشر مسرحيتين , واحدة منها بالاشتراك مع الكاتب الشهير بولغاكوف بعنوان – الايام الاخيرة , وقد صدرت عام 1935 , وهو مترجم للشعر  الاغريقي القديم , وقد زار اليونان من اجل هذا , و أصدر ديوانا خاصا يحتوي على ترجماته من الشعر الاغريقي القديم وحاز عام 1919 على جائزة بوشكين على هذا الديوان , ولازالت ترجمات فيريسايف الشعرية تطبع , ويعاد طبعها في روسيا لحد الان,
 وتوجد لديه مجموعة من كتب المذكرات , منها – ( مذكرات طبيب ) والتي أثارت ردود فعل كبيرة عندما نشرها , اذ انها تعدّ صورة فنية وسيكولوجية عميقة لفلسفة مهنة الطبيب , و ( في سنوات الشباب ), و ( السنوات الطلابية ), و( مذكرات أدبية ) , اما في مجال النقد الادبي , فيوجد عنده كتاب صادر عام 1910 عن دستويفسكي وتولستوي , وتوجد لديه ثلاثة كتب ضخمة يصنّفها النقاد تحت تسمية – وثائقيات , وتعتمد – كما ذكرنا أعلاه – على ترتيب الوثائق فقط وربطها مع بعض حسب تسلسلها الزمني, وهذا الاسلوب بالكتابة يحتاج الى معرفة معمقة جدا بالموضوع , ولأن فيريسايف كتب عن اديبين كبيرين في تاريخ الادب الروسي , فان هذه الكتب تعتبر الان كتابات في النقد الادبي , واصبحت هذه الكتب مصادر اساسية لكل من يريد ان يكتب عن هذين الاديبين , والكتب هذه هي – بوشكين في الحياة ( 1925 – 1926 ) , غوغول في الحياة ( 1933) , ورفاق بوشكين ( 1937 ) . لقد نشرت مقالة خاصة حول كتاب فيريسايف عن غوغول في الحياة بعنوان –  غوغول بقلم فيريسايف, واخطط لاحقا لكتابة مقالة حول فيريسايف وبوشكين , اذ ان الكتابين عن بوشكين تستحقان التأمل , وتستحقان تقديمهما للقارئ العربي بلا شك .
الكاتب الروسي فيريسايف ينتظر المترجمين العرب والباحثين العرب ....

 

16
شئ عن جامعة الصداقة في موسكو
أ.د. ضياء نافع
  كنّا في ذلك الحين طلبة في جامعة موسكو , عندما تم الاعلان في الاتحاد السوفيتي عام 1960 عن تأسيس جامعة جديدة في موسكو تسمى جامعة الصداقة بين الشعوب , وفهمنا, ان هذه الجامعة كانت خاصة فقط لطلبة بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية , وانها تهدف الى اعداد كوادرعلمية في مختلف الاختصاصات لتلك البلدان , التي حصلت على استقلالها في الفترة الاخيرة , البلدان التي كانت تسمى ( النامية ) عندئذ, و كلمة النامية هي مفردة مؤدّبة ومحسّنة لكلمة ( المتأخرة ) طبعا , وهي البلدان التي كانت تندرج ضمن ( العالم الثالث ) كما كانوا يسمّوه في ذلك الزمان ( ولا يزال هذا التعبير سائدا لحد الان  مع الاسف)  , وهو تعبيردقيق جدا يعني, ان هذه البلدان بعيدة جدا عن العالمين الاول والثاني ( ولم يخطر ببالنا آنذاك من هي بلدان العالم الاول ومن هي بلدان العالم الثاني!!) , وفهمنا ايضا ,ان الطلبة الذين سيدرسون فيها  يجب ان يكونوا من انصار ومؤيدي تلك الاحزاب السياسية التي تقف ضد سياسة الغرب وتؤيد اقامة و توسيع العلاقات المختلفة مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي في بلدانهم بشكل او بآخر . وعلمنا ايضا , ان القبول في هذه الجامعة يتم عن طريق المنظمات الاجتماعية مثل النقابات والاتحادات ...الخ وليس عن طريق الاتفاقات الدولية العامة كما كان يجري تنظيم العلاقات الثقافية بين الدول  , وباختصار , فان  جامعة الصداقة بين الشعوب كانت منذ بدايتها ذات طبيعة سياسية واضحة المعالم , وهذا هو الخطأ التاريخي الجسيم , الذي ارتكبته الجهات السوفيتية عند تأسيسها لتلك الجامعة , اذ ان الجامعة , اي جامعة , هي مؤسسة اكاديمية تخضع لضوابط علمية محددة وصارمة فبل كل شئ وليس لضوابط سياسية ابدا , وتلك ضوابط علمية معترف بها في كل بلدان العالم ,ونحن ( شاهدنا !) في العراق , ما الذي فعلته السياسة عندما ( اقتحمت !) الجامعات العراقية وخرّبت الضوابط العلمية وتقاليدها الممتازة , التي كانت سائدة فيها منذ تأسيس كلياتها المتفرقة في النصف الاول من القرن العشرين . ولكن يجب القول الان , ان  انطباعاتي عن الجامعة الروسية هذه اصبحت عتيقة جدا وترتبط بعصر انتهى فعلا , اذ ان جامعة الصداقة بين الشعوب في الوقت الحاضر قد تخلّصت بالتدريج من ذلك الخطأ الجسيم , ومن هذه المفاهيم السياسية الضيقة ( رغم ان هذه العملية المعقدة قد استغرقت فترة طويلة زمنيا) , وهكذا اصبحت هذه الجامعة في زماننا الان واحدة من الجامعات الروسية المرموقة جدا , رغم كل القيل والقال هنا وهناك , و ما اكثر تلك الاقاويل التي سمعناها بعد عودتنا الى العراق , وما أغرب الحكايات التي حاكتها ونشرتها القوى السياسية العراقية االمعادية للاتحاد السوفيتي سياسيا ضد هذه الجامعة المتفردة في بنيتها ونظامها , واروي هنا مثلا واحدا من تلك الثرثرات الغريبة التي سمعتها شخصيا مرة , ومن احد المسؤولين العراقيين والذي كان يسميها جامعة لومومبا , والذي تحدّث وبكل ثقة قائلا , ان هذه الجامعة تبعث طائرة سوفيتية خاصة الى افريقيا , ويقف الطيار في باب تلك الطائرة بالمطار الافريقي ويصيح – موسكو موسكو ( على طريقة سيارات النفرات في علاوي الحلة آنذاك ) , وهكذا يهرع الشباب الافريقي الى الطائرة , وعندما يتم اشغال كل مقاعدها , واستخدم هذا المسؤول كلمة ( تقبط ) , تقلع الطائرة من المطار الافريقي وتعود الى موسكو , حيث تلتحق هذه المجموعة بجامعة لومومبا , وتمنح هذه الجامعة بعد عدة سنوات شهادات عليا للجميع , حسب ما تقتضيه (القنطرات !!) .
لم اكن قريبا من اوساط هذه الجامعة في الستينيات, ولم اتعامل معها في تلك الفترة , ولكني كنت أعرف معلومة شبه علنية تقريبا, مثل كل الطلبة العراقيين في موسكو بشكل عام , و المعلومة هذه تقول , ان الحزب الشيوعي العراقي كان مسؤولا عن قبول الطلبة العراقيين في تلك الجامعة , وقد سمعت مرة من أحد الزملاء الذين أثق جدا بما يقول , ان الحزب الشيوعي العراقي أرسل من العراق المرحوم د. عبد الزهرة العيفاري ليكون طالبا في تلك الجامعة باسم الحزب الشيوعي العراقي, وقد وصل فعلا الى موسكو والتحق بهذه الجامعة , ثم اصبح ايضا مسؤولا عن عملية القبول في تلك الجامعة بالنسبة للعراقيين . والمرحوم العيفاري درس في جامعة الصداقة وتخرج فيها , ثم عاد الى العراق , ثم رجع لاكمال الدراسة العليا في تلك الجامعة , وبعد حصوله على درجة الكانديدات ( دكتوراه فلسفة ) تم تعينه في نفس كليّته , وهناك استطاع ان يحصل على شهادة دكتوراه علوم ( دوكتور ناووك ) وهي اعلى شهادة علمية في روسيا, واستمر بالتدريس هناك وحاز على درجة بروفيسور . وتوفي في موسكو قبل فترة قصيرة وتم دفنه هناك , وهو واحد من اوائل الطلبة العراقيين , الذين لم يرجعوا الى العراق بعد انهاء دراستهم , والذين قرروا البقاء في الاتحاد السوفيتي والاستقرار فيه والعمل في مؤسساته وضمن ضوابطه الادارية السائدة , ويستحق العيفاري - بلا شك - ان نتوقف أكثر عند مسيرته الطويلة في موسكو , ونروي قصته المتشعبة .
جامعة الصداقة الان تسمى رسميا – الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب , ويدرس فيها مئات الطلبة الروس جنبا لجنب مع الطلبة الاجانب , وتعدّ واحدة من ابرز الجامعات الروسية المعاصرة ...



17
وميداليته في موسكو  تمثال ستوليبين
أ.د. ضياء نافع
من التماثيل الجديدة التي اقيمت في موسكو في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تمثال لرئيس وزراء روسيا القيصرية ستوليبين , الذي تم تدشينه عام 2012 في مركز موسكو (حيث تقع بناية مجلس الوزراء او البيت الابيض الروسي كما يسميه البعض) , و بحضور الرئيس مدفيديف ( في حينه) ورئيس الوزراء بوتين آنذاك . ستوليبين هو واحد  من الشخصيات السياسية البارزة جدا في الامبراطورية الروسية القيصرية , وقد شغل عدة  مناصب كبيرة في حينه مثل منصب رئيس الوزراء , ووزير الداخلية ...الخ , وتم اغتياله عام 1911 في مدينة كييف الاوكرانية , حيث سافر للمشاركة بافتتاح تمثال للقيصر الكساندر الثاني (القيصر المحرر كما يسمونه لانه ألغى حق القنانة , اي عبودية الفلاحين الروس ) . لقد كان الجميع موجودين ( بما فيهم القيصر نيقولاي الثاني وعائلته ) في قاعة مسرح , وهناك أطلق احدهم اطلاقات نار من مسدسه على ستوليبين , وتوفى متأثرا بجراحه بعد فترة قصيرة في المستشفى , وتقول المصادر الروسية , ان ستوليبين توجه الى  ناحية القيصربعد اصابته وقال انه سعيد بالموت في سبيل القيصر .
اقامت روسيا القيصرية تمثالا ضخما لستوليبين في مدينة كييف بعد اغتياله  , الا ان البلاشفة ازالوا هذا التمثال عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917 , وكان اسم ستوليبين في العهد السوفيتي رمزا للفكر الرجعي المعادي للثورة . واتذكر الان الحوار الذي حدث مرة
    بين مجموعة من العراقيين اليساريين في موسكو بالستينيات حول نوري السعيد العراقي , وكيف قارنوه بشخصية ستوليبين الروسي , اذ ان كلاهما – حسب ذلك الحوار - لعبا دورا كبيرا في مسيرة الاحداث السياسية, وكلاهما حاولا – وبكل قواهما - تثبيت النظام الملكي الذي كان سائدا في بلاديهما , وكلاهما حاولا ايقاف وعرقلة المد الثوري الجماهيري بمختلف الوسائل , ولهذا, فان المتحاورين وصلوا الى استنتاج مفاده , ان مقتل ستوليبين ساعد على انتصار ثورة اكتوبر الروسية عام 1917 , مثل مقتل نوري السعيد , الذي ساعد على انتصار ثورة 14 تموز في العراق .
الامور تغيّرت طبعا بعد انهيار الدولة السوفيتية عام 1991, وحاولت بعض العناصر القومية المتطرفة الروسية ازالة تماثيل الحقبة السوفيتية هنا وهناك, كما حدث بعد ثورة اكتوبر آنذاك , ولكن اغلبية الشعب الروسي كانت ضد تكرار هذه العمليات غير الحضارية في تاريخ الشعوب , وقد كنت شاهدا اثناء زيارة لموسكو في اواسط التسعينيات لنقاش جرى في جامعة موسكو التربوية ( وهي الجهة التي دعتنا واستقبلتنا آنذاك ) بين رئيس الجامعة ومساعده ومجموعة من عمداء كليات تلك الجامعة , وكان من الواضح وجود اختلافات كثيرة وعميقة  بينهم بشأن ما كان يحدث في روسيا من احداث عاصفة , الا انهم كانوا جميعا – رغم اختلافاتهم الشديدة تلك حد التناقض - متفقين تماما على ضرورة ابقاء كل المعالم العمرانية في موسكو وبقية المدن الروسيّة كما هي , لأن هذه المعالم تعكس ( تعبيرا لعصرها وخصائصه الدقيقة بغض النظر عن الافكار السياسية التي كانت سائدة عندها ) , وكانوا يستشهدون بالمدن الاوربية العتيدة وكيف احتفظت بمعالمها رغم الاحداث الهائلة التي جرت هناك , وهو الرأي الذي انتصر فعلا رغم كل الخروقات التي حدثت هنا وهناك , وهكذا نرى الان تماثيل لينين لازالت في مختلف المدن الروسية , ومنها طبعا موسكو, ولا زال جثمانه مسجّى في مرقده الخاص الشهير وسط الساحة الحمراء بموسكو. 
 تغيّر الامور في روسيا الاتحادية قد انعكس ايضا باعادة النظر في بعض الافكار السوفيتية السابقة , وهناك نماذج كثيرة جدا حول ذلك , ومنها مثلا , الموقف تجاه ستوليبين, اذ ان هذه الشخصية السياسية دخلت التاريخ الروسي لانها ترتبط بمقترحات اصلاحية هائلة تقدّم بها ستوليبين في مختلف الامور, وخصوصا بشأن المسألة الفلاحية وتوزيع الارض على الفلاحين, وهي مسألة حسّاسة جدا في مسيرة روسيا , اذ ان المجتمع الروسي فلاحيّ بالاساس . الموقف من ستوليبين ابتدأ في برنامج تلفزيوني حاول ان يحدد اسماء شخصيات روسية بارزة في تاريخها , وقد شارك حوالي نصف مليون مشاهد بالتصويت , وكانت النتيجة تحديد ثلاثة اسماء هي - نيفسكي وستوليبين وستالين   (وجاء بوشكين الرابع) . اما اقامة تمثاله , فقد تم طرح المقترح في مجلس وزراء روسيا الاتحادية , وكان رئيس الوزراء بوتين آنذاك , والذي اقترح جمع تبرعات لاقامة هذا التمثال وافتتاحه في الذكرى ال150 سنة على ميلاده , وتبرع بوتين نفسه براتبه لذلك الشهر , وساهم الكثيرون بحملة التبرع تلك .
ختاما لهذه المقالة , نود ان نشير , الى ان وزير الخارجية الروسي لافروف احتفل في مايس 2020 بالذكرى السبعين لميلاده , وقد جرى تكريمه من قبل الحكومة الروسية بمنحه ميدالية ستوليبين ( صدر الامر باقامتها عام 2008 ) , اي ان الدولة الروسية لم تكتف بتدشين تمثال له , وانما قامت بتأسيس ميدالية تحمل اسمه , ومنح هذه الميدالية الى لافروف تعني , ان الدولة الروسية تقرن اسم ستوليبين بالخدمة الوطنية المتميّزة لروسيا , فما أعظم هذا الاعتراف بهذه الشخصية الكبيرة , وما أعظم هذا الاعتذار امامه ... 
 

18
لاكشين و الادباء الروس الكبار

أ.د. ضياء نافع
   هذه المقالة حول شخص روسي مجهول تماما للقارئ العربي اسمه فلاديمير ياكوفليفتش لاكشين , والذي اريد تقديمه للقارئ العربي , لانه يستحق ذلك فعلا , اذ انه متخصص بارز في تاريح الادب الروسي , بل يمكن القول انه عاشق متحمّس للادباء الروس الكبار ابتداء من بوشكين الى دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وانتهاء بسولجينيتسن , ولازالت  هذه الظاهرة واضحة المعالم لحد الان في مؤلفاته العديدة من كتب ومقالات ودراسات عن هؤلاء الادباء , والتي يتداولها القراء الروس في المكتبات العامة والخاصة او في مخازن بيع الكتب , او يطلعون عليها في المواقع الالكترونية المفتوحة للجميع , رغم ان لاكشين قد رحل مع الاسف الشديد عن الحياة منذ اكثر من ربع قرن , وكان آنذاك في الستين من عمره .
ولد لاكشين في موسكو عام 1933 , وعاصرفي طفولته الحرب العالمية الثانية , والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى ( 1941 – 1945 ) وسنواتها المرعبة الرهيبة , ثم عاصر اواخر زمن الستالينية الصارمة الصعىة , ثم ( وبعد وفاة ستالين عام 1953) عاصر بدايات مرحلة (ذوبان الجليد !) زمن خروشوف فصاعدا , ثم شاهد بعد ذلك كل التغييرات التي  حدثت في الاتحاد السوفيتي , وشاهد ايضا انهيار الدولة السوفيتة عام 1991, اذ انه توفي عام 1993 , وكان دائما في قلب كل هذه الاحداث الكبيرة في مصير روسيا , وكانت له مواقف محددة وواضحة تجاه كل ما حدث في وطنه , لانه كان الابن المثقف الروسي الحقيقي لبلده , وقد انعكس موقفه هذا في نشاطاته الفكرية تلك في الصحف و المجلات الادبية , التي كان يعمل فيها , او في الكتب العديدة التي اصدرها .
اصبح لاكشين في بداية الخمسينيات طالبا في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) بجامعة موسكو وتخرّج عام 1955  , ثم التحق بقسم الدراسات العليا في الكليّة التي تخرّج فيها , وحصل على شهادة الكانديدات في العلوم الفيلولوجية ( دكتوراه فلسفة)عام 1962 , وكان موضوع اطروحته حول تولستوي وتشيخوف , هذه الاطروحة التي بلورّها بعدئذ واصدرها في كتاب , وهكذا ظهر كتاب لاكشين الاول  عام 1963 , وكان بعنوان – تولستوي وتشيخوف  . جلب هذا الكتاب انتباه الباحثين و القراء رأسا بموضوعيته وعلميته وابتعاده عن الكلمات الطنانة والرنانة الجاهزة , والتي كانت سائدة بشكل او بآخر, اذ كان هذا الكتاب تعبيرا حقيقيا عن طبيعة المرحلة الجديدة في البحث العلمي السوفيتي , الذي كان يسعى الى تثبيت المفاهيم الحياتية ( ان صح التعبير) كما هي , وليس كما تريد الايديولوجية السائدة آنذاك , ولهذا , يعدّ هذا الكتاب ولحد الان واحدا من المراجع المهمة في موضوعة علم الادب المقارن بين علميين من أعلام الادب الروسي هما تولستوي وتشيخوف . لم يصدر لاكشين اي كتاب جديد منذ عام 1963 والى عام 1975 , اذ كان يعمل في الصحف والمجلات الادبية , وكان ايضا يحضّر اطروحة للحصول على شهادة دكتوراه العلوم ( دوكتور ناووك ) , وهي أعلى شهادة اكاديمية في روسيا , وقد حصل عليها لاكشين فعلا عام 1975 , وكانت اطروحته عن الكاتب المسرحي الروسي الكبير أستروفسكي ( انظر مقالتنا بعنوان – أستروفسكي شكسبير روسيا ). وهكذا بدأ لاكشين باصدار سلسلة كتبه بعد ذلك , اذ أصدر الطبعة الثانية المزيدة من كتابه الاول ( تولستوي و تشيخوف ) عام 1975 , ثم أصدر عام 1976 كتابه الثاني – ( أستروفسكي ) , ثم ( اللقاء الثاني ) , ثم ( مسرح أستروفسكي ) , ثم ( خمسة أسماء عظيمة ), ثم ( الباب المفتوح ) , ثم ( طرق صحفية ), ثم ( نوفي مير في زمن خروشوف ) , ثم ( شواطئ الثقافة ) , وغيرها ...اما نشاطه في الصحافة , فقد نشر اكثر من 300 مقالة متنوعة عن الادباء الروس , اذ انه عمل بعد تخرجه في اواسط الخمسينيات في صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) ثم في مجلة ( نوفي مير / العالم الجديد ) عندما كان الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي رئيسا لتحريرها , واصبح لاكشين نائبه الاول , وبالذات عندما نشرت هذه المجلة رواية سولجينيتسن القصيرة – ( يوم واحد من حياة ايفان دينيسيفتش ) , هذا النشر الذي فتح الطريق امام سولجينيتسن في الاتحاد السوفيتي والعالم , وهي مسألة معروفة طبعا , ولا ضرورة لاعادتها هنا . لقد كتب لاكشين عن موقف سولجينيتسن ودافع عنه , الا انه اختلف  معه سياسيا عندما سافر الى الغرب , وهو موقف يحتاج الى دراسة موضوعية هادئة  الان , اذ ان لاكشين لم يتقبل الهجوم الحاد على روسيا آنذاك , وكانت آخر مقالة له عام 1993 تدافع عن اسم روسيا والروس , اما آخر منصب في الصحافة الادبية , فقد كان لاكشين رئيسا لتحرير مجلة الادب الاجنبي , اضافة الى ان لاكشين عمل في مجال التلفزيون , وقدّم برامج تلفزيونية مشهورة جدا عن الادباء الروس الكبار , وهو الذي  ارشف الافلام الروسية عنهم .
 الصورة القلمية التخطيطية لهذا الناقد الادبي تعني , اننا يجب ان نتوسع بدراسة آثاره الفكرية , و ان نتعمق في تحليلها . لاكشين هو الارض البكر , التي تنتظر جهود الباحثين العرب لحراثتها ....




19
 
ايرنبورغ وخليل عبد العزيز في تأبين ناظم حكمت
أ.د. ضياء نافع
التقينا مرات ومرات , د. خليل عبد العزيز وانا , فهو زميل الدراسة في جامعة موسكو بالستينيات, وكتبت عدة مقالات تفصيلية ونشرتها عن احاديثه السياسية الممتعة وشبه المجهولة بالنسبة للتاريخ السياسي العراقي المعاصر , ورغم ان تلك الاحاديث كانت تدور عن قضايا صغيرة , الا انها مهمة للتعمق في مسيرة التاريخ السياسي العراقي الحديث وتحليل وقائعه والقاء الضوء على اسراره ( انظر مقالاتنا العديدة عنه ومنها على سبيل المثال وليس الحصر – خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز) , وأذكر اني قلت له مرة , انك سياسي قبل كل شئ وبعد كل شئ , فضحك خليل وقال نعم , هذا صحيح , فانا امارس السياسة منذ عام 1952 ولحد الان . ولكن يجب القول – مع ذلك – اننا تحدثنا في تلك اللقاءات العديدة عن بعض الاحداث الجانبية ايضا , البعيدة نسبيا عن السياسة رغم ارتباطها بالسياسة  - بشكل او بآخر- في نهاية المطاف , ويبدو لي انها تستحق التسجيل ايضا, اذ انها ممتعة اولا كما اظن , وثانيا , ربما تضيف تلك الاحاديث شيئا جديدا للقارئ , وها انا ذا اروي واحدة من تلك الاحاديث الطريفة هنا –
 حدث ذلك في موسكو عند وفاة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في عام 1963 . كلّف تنظيم الحزب الشيوعي العراقي / فرع الاتحاد السوفيتي خليل عبد العزيز بالذهاب الى قاعة الاعمدة في مركز موسكو لتمثيل الحزب في تأبين الشاعر , حيث كان جثمان ناظم حكمت مسجّى في تلك القاعة المهيبة بمركز موسكو لوداعه من قبل اهله واصدقائه , وذلك حسب التقاليد الروسية للدفن . ذهب خليل طبعا , ووقف مع الحاضرين , وقام بدوره كمندوب للحزب الشيوعي العراقي. في هذه الاثناء شاهد  فجأة الكاتب السوفيتي الشهير ايليا ايرنبورغ , او اهرنبورج كما يكتبه بعض المترجمين العرب . استطاع خليل طبعا التعرّف عليه , اذ انه معروف اعلاميا , واراد ان (ينتهز!) هذه الفرصة النادرة للحديث معه . لم يكن خليل يتصور هذا اللقاء او يتوقعه ,و لم يكن طبعا مستعدا له بتاتا , ولكن ومن اجل عدم تفويت فرصة مثل هذا اللقاء الطريف والتاريخي بالنسبة له ,  اقترب خليل من ايرنبورغ , ولم يستطع ان يقول السياسي خليل لارنبورغ سوى جملة واحدة  تعكس فعلا شخصية خليل السياسي في كل شئ , وتعبّر عن ذلك خير تعبير, والجملة هي  - هل انت ايليا ايرنبورغ , الذي كان ضد ستالين ؟  اندهش ايرنبورغ  من هذا الشخص الغريب في مأتم ناظم حكمت , ومن طبيعة سؤاله الغريب ايضا , وغير المتلائم بتاتا مع هذا الموقف , واستنتج ايرنبورغ طبعا , ان هذا الشخص , الذي يطرح مثل هذا السؤال عام 1963( اي بعد كل هذه السنوات من وفاة ستالين , وفي تأبين الشاعر التركي ناظم حكمت ) لا يمكن ان يكون سوفيتيا باي حال من الاحوال, فابتسم ايرنبورغ وسأله – من اين انت ؟ فاجاب خليل , انا من العراق , فقال له ايرنبورغ , وانتم تعرفون في العراق اني كنت ضد ستالين ؟ وتركه وهو يبتسم , وذهب للاستمرار بالمشاركة في عملية تنظيم التابين تلك .
ضحكت أنا , عندما حكى لي د. خليل عبد العزيز هذه الحادثة , وحكيت له , باني ساهمت ايضا في ذلك التابين , اذ كنت مع مجموعة من طلبة كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو ( وكانت قريبة من تلك القاعة في مركز موسكو ) , وعندما سمعنا بوفاة ناظم حكمت , قررنا الذهاب الى التأبين والمشاركة به تعبيرا عن حبنا واحترامنا لهذا الشاعر الكبير , وشاهدت هناك ايرنبورغ طبعا , الذي كان نشيطا بالمشاركة في مراسم التابين , لان ناظم حكمت كان صديقه و رفيق دربه الفكري , ولكني لم اتجاسر ان اقترب منه والتكلم معه , بل كنت انظر الى جثمان ناظم حكمت المسجّى بملابسه على سرير وسط القاعة , وكانت زوجته الروسية تجلس جنبه وهي تبكي بصمت وتمسّد وجهه بيدها , اما زوجته التركية وام ابنه  , فقد كانت تقف على بعد مترين تقريبا وهي تبكي بصمت ايضا وتنظر اليه والى زوجته الروسية الجالسة عند رأسه بحزن واضح .
اتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا للحديث عن لقاء د. خليل عبد العزيز مع الموسيقار السوفيتي الارمني الشهير آرام خاجاتوريان , وماذا قال لخليل عن الموسيقار محمد عبد الوهاب ...

20
بيساريف في تاريخ النقد الادبي الروسي
أ.د. ضياء نافع
   يعدّ بيساريف الناقد الثالث بعد تشرنيشيفسكي ودبرالوبوف في تاريخ النقد الادبي الروسي في الستينيات بالقرن التاسع عشر, اذ انه يتميّز باهميته وقيمته الفكرية ودوره الكبير في الحياة الادبية الروسية , اما نحن الطلبة العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو آنذاك , فان بيساريف ( عندما سمعنا باسمه في محاضرات استاذنا اول الامر ) فقد ركّزنا في حينها على نقطتين فقط , الاولى , انه مسكين لأنه غرق في النهر وتوفي عندما كان عمره 27 سنة ليس الا, وقد ترحّمنا عليه طبعا وتألّمنا لوفاته المبكرة, اما النقطة الثانية , فانه الناقد الادبي الذي كان يخطط زميلنا العراقي طالب الدراسات العليا سليم غاوي كتابة اطروحته عنه ( انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم –  10) , وأتذّكر الان كل ملامح هذه الصورة الساذجة وابتسم ...
نقاد الادب ليسوا نجوما في عالم الشهرة في كل مكان وزمان , وقد كنت اتحدث مرة – وقبل فترة قصيرة ليس الا – مع أحد الزملاء العراقيين عن الدكتور علي جواد الطاهر, فقال لي , انه لم يسمع بهذا الاسم ابدا .  ومهما تكن مكانة بيلينسكي كبيرة في دنيا النقد الادبي الروسي , ورغم اننا قد سمعنا عنه بعض الشئ آنذاك , فهو- مع ذلك – كان أقل شهرة من أي أديب روسي معروف لدى القراء العرب , ولهذا يمكن القول وبكل ثقة, ان الناقد الادبي بيساريف يكاد ان يكون شبه مجهول تقريبا لهؤلاء القراء , ولهذا ايضا , فاننا , الطلبة آنذاك في جامعة موسكو , ليس فقط كنّا لا نعرف مكانته وقيمته , بل – واقعيا - لم نكن حتى قد سمعنا باسمه أصلا .   
دميتري ايفانوفيتش بيساريف ( 1840- 1868 ) كاتب متعدد المواهب الفكرية بكل معنى الكلمة فعلا, فهو فيلسوف وناقد ادبي ومترجم وصحافي , واستطاع ان ( يحفر !) اسمه في تاريخ الفكر الروسي و في كل تلك المجالات الفكرية المتنوعة , رغم انه توفي في ريعان شبابه , اذ  كان في السابعة والعشرين من عمره ليس الا . ومن الضروري هنا اضافة ملاحظة مهمة جدا , وهي ان بيساريف حاز على هذه المكانة المتميّزة في تاريخ الفكر الروسي دون ان يصدر الكتب في حياته , بل نشر مقالاته ودراساته المتنوعة حول كل تلك المواضيع في  المجلات والصحف الروسية آنذاك ليس الا , والتي تمّ جمعها واصدارها من قبل الباحثين بعد فترة من وفاته , وصدرت مؤلفاته المختارة والكاملة  بعدة طبعات في روسيا (الامبراطورية والسوفيتية والاتحادية) منذ القرن التاسع عشر ولحد الان , وصدرت آخر تلك الطبعات في 12 مجلدا عن دار نشر ( العلم / ناووكا ) الروسية الشهيرة بين اعوام 2000 – 2012 , وكل هذا يعدّ – بلا شك - ظاهرة فكرية نادرة جدا في روسيا , ظاهرة تدعو الى التامّل فعلا.
بيساريف الفيلسوف يستحق التوقف عنده , اذ انه يعدّ الان واحدا من أعمدة الفلاسفة الروس , وقد تحدثت حتى بعض المصادر العربية حول فلسفته , وبيساريف المترجم يستحق التوقف عنده ايضا , لأنه قدّم ترجمات لا زالت مهمة في دنيا الفكر الروسي , وبيساريف الصحافي يستحق التوقف عنده ايضا , لأنه لعب دورا بارزا في مسيرة الصحافة الروسية بالستينيات وكان حتى المحرر الاساسي لاحدى اهم المجلات الفكرية الروسية وهي مجلة ( روسكويه سلوفو / الكلمة الروسية ) , وقد أدّت مساهماته الحادة في النشر والمناقشات المرتبطة بافكاره حتى الى اعتقاله لفترة طويلة نسبيا , ولكننا , والتزاما بعنوان مقالتنا , نتوقف فقط عند بيساريف الناقد الادبي في تاريخ النقد الادبي الروسي , ويجب التأكيد هنا , ان هناك العديد من الدراسات الاكاديمية باللغة الروسية حول هذا الناقد الادبي , بما فيها طبعا كتب ضخمة باكملها واطاريح علمية , ولهذا , فان هذه الموضوع كبير ومتشعب , وعليه فاننا – وفي اطار مقالتنا – لا يمكن لنا ان نتحدث عنه الا بايجاز شديد جدا ... 
بدأ الناقد الادبي بيساريف طريقه في مجال النقد الادبي بمقالات ظهرت في الصحافة الادبية منذ عام 1859( اي عندما كان عمره 19 سنة ليس الا ) , وهي مقالات تحليلية تناولت آخر ظواهر الادب الروسي في عصره , وكذلك تناول تاريخ اعلام الادب الروسي والموقف تجاههم . لقد اختلف بيساريف مع دبرالوبوف حول الكاتب المسرحي أستروفسكي وحول الروائي أبلوموف . وكتب بيساريف عن تورغينيف كثيرا , ورأى في شخصية روايته ( الاباء والبنون ) بازاروف – بطلا جديدا , رغم ان الناقد كان يعتقد , ان مأساة هذا البطل تكمن في وحدته المطلقة , وانه بسبب ذلك لم يستطع ان يحقق افكاره , وانه في نهاية المطاف أضاع حياته . هناك موقف مهم آخر يستحق الاشارة اليه هنا , وهو ما كتبه عن بوشكين في مقالة بحلقتين عنوانها – بوشكين وبيلينسكي , وغالبا ما يتحدث عنها الباحثون في تاريخ الادب الروسي . بيساريف كتب , ان بوشكين يمثّل مرحلة انتهت , وان بطله ( يفغيني اونيغين ) هو ( غير مفيد ) للمجتمع , لانه يبعد ( بضم الياء ) القارئ عن المشاكل الحقيقية للحياة , وتحدث بيساريف عن ضرورة ( عدم الاختلاط ) معه . لقد كانت هذه الافكار عن بوشكين جديدة وجريئة في مسيرة الادب الروسي , رغم انها لم تغيّر مكانة بوشكين في روسيا واقعيا .
بيساريف اسم كبير و مثير للجدل  في تاريخ روسيا وأدبها و فكرها  , واتمنى ان يساهم زملائي في الكتابة عنه وتعريف القراء العرب بنشاطاته الفكرية المتعددة , لأنه يستحق ذلك حقا.       




21
اول قصة قصيرة نشرها تشيخوف
أ.د. ضياء نافع
عنوان هذه القصة القصيرة هو – رسالة الى جار عالم , وقد نشرها تشيخوف عام 1880 , عندما كان طالبا في الصف الاول  بكلية الطب في جامعة موسكو , وهي ليست اول نتاج ادبي كتبه  تشيخوف, وانما اول عمل ابداعي نشره ( والفرق كبير طبعا بين الكتابة والنشر) , وبما ان هذا ( الطالب الشاب)  كان في بداية الطريق الى عالم الادب  والمساهمة به , ولأنه لم يكن واثقا من نفسه في مسيرته الابداعية , فقد نشر هذه القصة القصيرة باسم مستعار وهو – ( ....ف) , وهذا استخدام طريف جدا ومبتكر فعلا , اذ  جرت العادة على الاشارة الى الحرف الاول للاسم  في مثل هذه الحالات, اما تشيخوف فقد استخدم الحرف الاخير من اسمه, علما ان تشيخوف استخدم في بداية حياته الادبية العديد من الاسماء المستعارة الطريفة, وقد تمّ جمعها بعدئذ في قوائم خاصة, وهي منشورة الان بالروسية , وذلك باعتبارها جزءا  لا يتجزأ  من تراث تشيخوف الابداعي.
لازالت قصة ( رسالة الى جار عالم ) معروفة ومشهورة لحد الان , اي انها ( اخترقت !) القرن التاسع عشر والعشرين ونحن الان في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين . ومن الطريف الاشارة هنا, الى انها اصبحت القصة رقم واحد في مؤلفات تشيخوف المختارة بترجمة المترجم المصري الكبير المرحوم د. ابو بكر يوسف , والتي نشرتها دار رادوغا السوفيتية باربعة أجزاء في حينها ( وتم اعادة طبعها ونشرها في عالمنا العربي عدة مرات ), والتي تعد الان واحدة من اهم المصادر لنتاجات تشيخوف الادبية باللغة العربية , وبالتالي , يمكننا ان نقول وبدقة , ان هذه القصة القصيرة للطالب الروسي الشاب معروفة للقارئ العربي ايضا, وقد اطلعت مرّة على تعليقات كثيرة و متنوعة من القراء العرب حول هذه القصة القصيرة , منها على سبيل المثال , تعليق طريف باللهجة المصرية الجميلة حول رد فعل العالم بعد قراءة الرسالة ( مع صورة لفنان كوميدي مشهور) وهو يمسك بيده رسالة و يقول –  لو سمحتم شوفولي مين الاهبل اللي كتب الرسالة دي .
عنوان هذه القصة عندما تمّ  نشرها هو – ( رسالة من الاقطاعي بمنطقة الدون ستيبان فلاديميروفيتش ن الى الجار العالم الدكتور فريدريخ), وقد ظهرت بموسكو في العدد العاشر من مجلة (ستريكازا ) الفنية الفكاهية بتاريخ 9 آذار / مايس عام 1880 . حاول تشيخوف ان يصدر مجموعة من قصصه عام 1882 , وأدخل هذه القصة في تلك المجموعة , وعدّل العنوان الاصلي الى عنوان – رسالة الى جار عالم , الا ان المجموعة لم تصدر آنذاك لاسباب عديدة لا مجال للكلام عنها الان  .
 مضمون القصة بسيط جدا , اذ يكتب أحد الساكنين في قرية روسية ( وهو عسكري بسيط متقاعد ) رسالة الى جاره العالم, الذي وصل من بطرسبورغ للعيش في تلك القرية , والقصة القصيرة هذه لا تتضمن غير هذه الرسالة , التي تبدأ – مثل اي رسالة – بالتوجّه الى المرسل اليه , وتنتهي باسم المرسل . ويكتشف القارئ لهذه الرسالة مستوى كاتبها الضحل جدا ( شكلا ومضمونا ), والذي يحاول  في رسالته هذه ان ( يتباهى !) بمعلوماته العلمية وبشكل مضحك جدا وبلغة ركيكة ومليئة بالاخطاء الاملائية والاسلوبية , لدرجة ان واضعي المناهج في المدارس الروسية أدخلوا هذه القصة ضمن الدروس التعليمية , وذلك كتمرين لغوي للتلاميذ , ويطلبون منهم الاطلاع عليها وايجاد تلك الاخطاء , ويعد هذا التمرين من انجح الدروس , لأن التلاميذ يقرأون القصة بمتعة كبيرة ويصلّحون النص ذاك .
 لقد كتب شقيق تشيخوف ( واسمه ميخائيل) في ذكرياته عنه , ان تشيخوف في صباه كان يلقي امام ضيوف بيتهم ( محاضرة!) ساخرة , يجسّد فيها شخصية بروفيسور يتحدث عن اختراعاته العلمية , ويقول شقيقه , ان تشيخوف استخدم تلك الصور الفنية , التي كان يلقيها آنذاك , وكان الضيوف يستمعون اليه ويقهقهون من اعماق قلوبهم  . بل ان أحد الباحثين كتب مرة عن هذه القصة قائلا , ان طالب الكلية الطبية تشيخوف أراد ان يسخر من المضادين لافكار دارون , متأثرا بأحد اساتذة تلك الكلية , الذي كان مغرما بالدارونية  ويتكلم دائما عنها , وان ذلك انعكس بشكل مباشر في تلك القصة . 
قصة تشيخوف القصيرة ( رسالة الى جار عالم ) هي بداية لمرحلة مهمة جدا من مراحل مسيرة تشيخوف الابداعية , تسمى الان مرحلة القصص القصيرة الفكاهية الساخرة , والتي كتب فيها تشيخوف قصصا عديدة و شهيرة جدا , مثل الحرباء وموت موظف والبدين والنحيف وغيرها, هذه القصص التي لازالت حيوية في روسيا و في بقية بلدان العالم ايضا , بما فيها طبعا عالمنا العربي , وهي قصص قال عنها أحد النقاد الروس , لو ان روسيا تختفي من الوجود , فيمكن اعادتها على وفق قصص تشيخوف هذه... 


22
حياة شرارة ويسنينها في الربوع العربية
أ.د. ضياء نافع
يمكن القول ان الكتابة عن المرحومة أ.د. حياة شرارة قد بدأت لتوّها - ليس الا- في العراق , وقد لعبت دار ( المدى ) باعادة اصدار مؤلفاتها دورا بارزا بلا شك في هذه العملية , ولكنها ( اي الكتابة عن حياة شرارة ) لازالت تنتظر الباحثين العراقيين للتعمق في تراثها  واكتشاف وتحديد قيمته الحقيقة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته في العراق , واريد ان اكرر – مرة اخرى واخرى - مقترحي السابق لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد بضرورة كتابة اطروحة ماجستير عن دور أ.د. حياة شرارة في تاريخ القسم العلمي باعتبارها  واحدة من أبرز الاسماء وأعمقها في مسيرته , واكرر ايضا استعدادي للتعاون مع المشرف العلمي وطالب الماجستير لانجاز هذا العمل العلمي الرائد .
هذه المقالة هي واقعيا ذكريات و انطباعات خطرت لي بعد قراءة بحثها الموسوم – ( يسينين في الربوع العربية ) , المنشور في مجلة الاقلام العراقية ( العدد الصادر في شباط ( فبراير) لعام 1989 ) , التي أعدت الان الاطلاع عليه بمحض الصدفة , بعد كل تلك السنوات الطويلة التي مرّت , اطلعت عليه اعتزازا بذكرى المرحومة حياة ( ام مها ) واسمها ودورها في مسيرة قسم اللغة الروسية الحبيب الى قلبي وقلبها طبعا , واظن ,ان هذه الانطباعات ربما ستكون مفيدة حول هذا البحث المهم في تاريخ دراسة الادب الروسي في العراق , وهو موضوع اهتم به طوال مسيرة حياتي , منذ ان بدأت بدراسة اللغة الروسية وآدابها في جامعة موسكو عام 1959 ولحد الآن .
تذكرت رأسا , ان المرحومة حياة طلبت منّي (اي مصدر روسي حديث عن الشاعر يسينن في مكتبتي الشخصية) , فجلبت لها في اليوم التالي كتابا يتضمن دراسة عن ثلاثة شعراء روس هم كل من ماياكوفسكي وبيدني و يسنين , والكتاب هذا صادر في مدينة لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا ) العام 1980 . لقد أشارت حياة الى هذا الكتاب في مصادر البحث ضمن الكتب الروسية التي استخدمتها عند كتابة بحثها المذكور , علما انها كانت تعتمد دائما على مصادر باللغات العربية والروسية والانكليزية في بحوثها و كتاباتها , وهذه ملاحظة مهمة وجديرة بالتذكير بها عند الكلام عن حياة وعمق كتاباتها العلمية.
وتذكرت ايضا حديثنا عندما انجزت حياة بحثها , اذ انها اخبرتني عن رغبتها بنشره في مجلة الاقلام  , ولكني قلت لها , ان المجلة غير معتمدة بالنسبة للترقيات العلمية , ولكنها قالت , انها لا تهتم بذلك , وان هناك الكثير من القراء , الذين يتابعون هذه المجلة , وان هذا البحث ينسجم مع الصفة العامة لهذه المجلة , وان تقييم البحث من قبل القراء هو المهم وليس مكان النشر . وانا بشكل عام أؤيد هذه النظرة العلمية والموضوعية للبحث العلمي , ولكن الاجواء الاكاديمية الصارمة , التي كانت محيطة بنا لم تكن تؤيد ذلك ( لغة البحث يجب ان تكون بلغة الاختصاص والنشر في مجلات معتمدة ) , وأذكر اني ناقشت اللجنة العلمية في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب حول هذا الموضوع , عندما كان فرع اللغة الروسية هناك ضمن ذلك القسم قبل عام 1987 , وهي سنة تأسيس كلية اللغات ( انظر مقالتنا بعنوان – كلمة ليست متأخرة عن كمال قاسم نادر) . لقد اصطدمت حياة بهذه المشكلة عندما قدّمت هذا البحث للترقية العلمية ( للحصول على مرتبة الاستاذية ) , ولكن اسمها ومكانتها وتعاون لجنة الترقيات وتعاطفها معها ( كانت برئاسة المرحوم أ. د. علي منصور ) والظروف السياسية المحيطة بالعراق آنذآك , والتي أدّت الى عزل البلاد عن العالم , كل ذلك قد ساعدها على تخطي هذه العقبة البيروقراطية في نهاية المطاف .
تسمي حياة بحثها عن يسينين  ( مقالا ) , ولكن واقعيا , ان ماقدمته هناك هو بحث علمي صرف ومتكامل ومبتكر وأصيل في مجال الادب الروسي وجهود المترجمين العرب بتقديم هذا الادب بالعربية , اذ انها قارنت ترجمة حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن الخميسي وترجمتها الشخصية لقصيدتين مشهورتين من قصائد يسينين , وكانت المقارنة موضوعية وعلمية وصارمة فعلا , لدرجة انها اشارت الى ان ترجمة حسب الشيخ جعفر لاحدى مقاطع يسينين جاءت افضل من ترجمتها هي وترجمة الخميسي مرة , وكذلك اشارت , الى ان حسب اخطأ في فهم النص الروسي عند يسينين في مقطع آخر . وتحدثت حياة ايضا عن الفرق بينها وبين الخميسي , اذ اعتبرالخميسي ان قصائد يسنين ( من الشعر السوفيتي ) , بينما حياة تقول , انها اعتبرتها ( من الشعر الروسي ) , وتستشهد بموقف طه حسين من بعض الشعراء العرب وهل هم   من شعراء صدر الاسلام ام من شعراء الجاهلية , وهو موقف علمي شجاع جدا ومقارنة مبتكرة بكل معنى الكلمة ودليل على سعة الآفاق الثقافية لها , ولكن حياة لم تتطرق الى تفصيلات هذا الموضوع الشائك والحساس في ذلك الوقت , والذي اصبح في وقتنا الحاضر واضحا ( انظر مقالتنا بعنوان – حول مصطلح الادب السوفيتي).
لقد تمتعت جدا وانا اعيد قراءة بحث حياة شرارة الموسوم – يسينين في الربوع العربية , اذ اني تذكرت الايام الخوالي , وتذكرت صحة افكارنا حول طبيعة البحوث العلمية بغض النظر عن لغة البحث ومكان نشره , وتذكرت تلك المرأة العراقية اللبنانية الهادئة , ولكن الأحزان غمرتني بعدئذ, عندما تذكرت نهايتها المأساوية ...


23
مسرح غوغول يتحول الى مركز غوغول
أ.د. ضياء نافع
 
تأسس هذا المسرح  في موسكو عام 1925 , ومرّ طبعا - منذ ذلك الوقت ولحد الآن - بمختلف المراحل المتنوعة وحسب الاحداث التاريخية السوفيتية المعروفة , و التي كانت سائدة آنذاك  , وليس هدف هذه المقالة الحديث عن تاريخ  المسرح العتيد هذا, اذ اننا نود ان نتحدث هنا فقط عن نقطة واحدة محددة ومتميّزة جدا في مسيرة هذا المسرح ,  وهي , كما يشير عنوان مقالتنا , مسألة تحويله الى مركز بطراز خاص جدا للفنون , وهي ظاهرة فريدة جدا في تاريخ المسارح الروسية ومسيرتها بشكل عام , لم تحدث سابقا , ولم تتكرر لاحقا حسب معلوماتنا المتواضعة في هذا المجال.
   تمّ تحويل هذا المسرح الى مركز غوغول عام 2012 .  وجرت تحويرات في نفس تلك البناية , بحيث اصبحت  تضم  عدة اماكن وقاعات منفصلة عن بعضها البعض , يمكن لها ان تعرض عدة نشاطات ثقافية مختلفة في آن واحد , وتمّ كذلك تأهيل تلك القاعات  للعروض السينمائية , وتم تهيئة اماكن في البناية لأقامة معارض لغرض عرض الكتب والمطبوعات كافة وبيعها ايضا , واماكن معدّة لعقد الندوات الفكرية والاجتماعات المختلفة و القاء المحاضرات , واقامة معارض عرض اللوحات التشكيلية , وحتى تم تنظيم مقهى خاص , حيث يمكن لكل من يهتم بالشؤون الثقافية ان يجلس هناك ويدردش مع زملائه حول تلك الامور المرتبطة بتلك الاهتمامات الثقافة في مختلف فروعها وشعابها العديدة . وباختصار , حولّوا  مسرح غوغول الى مركزثقافي حقيقي بكل معنى الكلمة لمختلف النشاطات الفنية, مركز يحمل اسم غوغول طبعا  ويتناسب مع مكانته الكبيرة والمتميّزة في عالم الفكر الروسي والعالمي , وهكذا بدأ هذا المركز بالمساهمة في الحياة الثقافية الروسية وتفعيلها . وكما يحدث عادة في كل مكان , فقد أثار هذا العمل غير الاعتيادي ردود افعال مختلفة , اذ هناك من تقبّل هذه الخطوات الجديدة بحماس وتأييد كبير , وهناك من وقف ضدها بشدة وحزم ايضا , وكل جانب من هؤلاء كان يدافع عن رأيه ووجهة نظره , ومصالحه طبعا , اضافة الى الثرثارين والطفيليين والمدّعين وذوي النفوس المريضة نفسيا , الذين ( يدلون بدلوهم !!!) في مثل هذه النقاشات والحالات والتغيّرات , وهم ( يوزعون!) النصائح والارشادات والحكم والتعليقات والخلاصات, وهؤلاء - كما هو معروف - يبرزون في كل المجتمعات ... .
ترتبط كل هذه التغّيرات في مسرح غوغول باسم الفنان المسرحي سريبرينيكوف , الذي اصبح عام 2012 المدير الفني لهذا المسرح , وهو الذي اقترح تحويله الى مركز , واستطاع الحصول على الموافقات الاصولية اللازمة بشأن تنفيذها .
 ولد كيريل سيميونوفيتش سريبرينيكوف بالاتحاد السوفيتي عام 1969 في مدينة روستوف , وبرز هناك في عالم المسرح المحلي لتلك المدينة , وانتقل الى موسكو عام 2000 , واصبح واحدا من الفنانين البارزين الروس في مجال المسرح والسينما , وهو شخصية متميّزة اينما يعمل ويحلّ , ومن المؤكد ان تثير هذه الشخصية الفنية الناجحة الضجة حولها , وقد وصلت هذه ( الضجّة !) حتى الى المحاكم الروسية , التي تحاكمه منذ اكثر من سنتين بتهمة (سرقة!) اموال احدى الفرق المسرحية التي يديرها , ولكن على الرغم من كل هذا الضجيج حوله والحملات ضده , فانه يستمر بعمله الابداعي في المسرح والسينما , والحديث عن هذا الفنان الروسي المعاصر يتطلب مقالة خاصة تفصيلية طبعا كي تعرض ما له وما عليه كما يقولون , ولكني اريد ان اتوقف قليلا عند نقطة طريفة جدا في مسيرة ابداعه , نقطة تكمن في تناوله لبعض روائع الادب الروسي والعالمي وتحويلها الى مسرحيات تعرض على خشبة المسارح , ويمكن الاطلاع فقط على ريبورتوار مركز غوغل لعام 2020 لمعرفة هذه النقطة الفريدة والمتميّزة في ابداع ومسيرة مركز غوغول . نجد في قائمة هذا الريبورتوار تلك الروائع الادبية وتحويلها الى عروض مسرحية في القاعة الكبرى او القاعة الصغرى للمركز , فهناك مثلا رواية غوغول – الارواح الميتة ( والتي يسميها بعض زملائي العراقيين والعرب الانفس او النفوس الميتة خوفا من اجتهادات اللاهوتيين الجدد في عالمنا العربي العاصف !!) , وهناك ايضا رواية الكاتب الاسباني سرفانتس – دون كيخوته , وهناك ايضا اعمال ترتبط بالشعرمثل  الشاعر الروسي الكبير نكراسوف ( وهو ابرز شاعر روسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) وملحمته الشهيرة , او قصائد ماندلشتام , او آنّا أخماتوفا , او ماياكوفسكي , او بوشكين  ...
وأنا اكتب هذه السطور تذكرت صورة رهيبة شاهدتها لمسرح بغداد , حيث كانت فرقة المسرح الفني الحديث تقدّم روائعها . الصورة تلك تعرض مسرح يوسف العاني وسامي عبد الحميد وقاسم محمد... وقد تحوّل الى مكبّ للنفايات و الازبال ....

















 


24
مع سائق روسي في موسكو
أ.د. ضياء نافع
قلت له مبتسما , اني نادرا ما التقي بسائق روسي في سيارات الاجرة بموسكو , اذ ان معظمهم يكونون عادة من الشعوب السوفيتية سابقا , فقال لي , نعم , ان الامر فعلا كما تقول , و انا سائق (طارئ!!) على هذه المهنة , وهكذا بدأنا ندردش مع بعضنا . حكي لي هذا السائق الروسي قصته التي تعكس بلا شك وضعا خاصا في روسيا الاتحادية اليوم , ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين . وتبين من حديثه هذا , انه خريج كليّة الادارة في احدى الجامعات الروسية, وكان موظفا حسب اختصاصه وتحصيله الجامعي , ولكن الراتب في دائرته لم يكن يكفي بتاتا لمتطلبات الحياة , فاضطر ان يترك الوظيفة , و بدأ يبحث عن وظيفة اخرى أفضل , لكنه لم يجد عملا ملائما كما كان يرغب , فقرر ان يصبح سائقا لسيارة اجرة . سألته , ألم يندم بعدئذ على هذا القرار , فقال لي - الان احصل على دخل اعلى ( رغم انني مضطر ان اعمل طوال الوقت كي اكسب عيشي) , لكنني واقعيا نادم طبعا على كل ذلك , واحاول دائما ان أجد بديلا لعملي هذا , ولكن الابواب مغلقة مع الاسف امامي في مجتمعنا المعاصر , ولا اريد ان أترك روسيا واهاجر الى الخارج كما يقولون لي وكما فعل الكثيرون من زملائي .
 ثم بدأ يحدثني عن معاناته في مسيرة الحياة , واخبرني , انه وزوجته يعملان طوال الوقت من اجل تسديد ايجار الشقة ومصاريف الحياة ليس الا , وانهما بالكاد يستطيعان تدبير الامور , وان متطلبات الحياة تتوسع أكثروأكثر , فسألته , هل هذه المتطلبات تتوسع بشكل سريع , بحيث تجبركما على الصرف أكثر من المعتاد , فقال , نعم , اذ بدأت ابنتنا الدراسة في المدرسة المتوسطة , وهذا يقتضي ان يكون لها عدة مدرسين خصوصيين بمواد متنوعة, وكل واحد من هؤلاء المدرسين يكلف الكثير, وان المدرسة لا تقوم بتدريسهم كما يجب , فالمدرس هناك يستلم ايضا راتب لا يكفي لحياته الاعتيادية , لذلك فانه لا يقوم بواجبه كما ينبغي , من اجل ان يجبر التلاميذ على الذهاب الى التدريس الخصوصي , وان جميع تلاميذ المدرسة واقعيا يدرسون عند مدرسين خصوصيين . قلت له , ان هذه مشاكل موجودة بشكل عام في الكثير من بلدان العالم , فاعترض رأسا على كلامي وبشدة , وقال , ان روسيا دولة كبيرة وعملاقة وغنيّة جدا بمواردها, ويجب الا تكون فيها مثل هذه الظواهر الموجودة في بلدان ضعيفة التطور , وان اسلوب المقارنة مع هذه البلدان هو مفهوم عتيق , وقد ملّ الناس منه , ولا نتقبله الان بتاتا ولا نعتبره منطقيا بتاتا, واننا يجب ان نقارن روسيا مع دول متطورة لا توجد فيها مثل هذه الظواهر السلبية , وقال بأسى – في تلك البلدان المتطورة, يحقق اللاجئون الروس نجاحات علمية هائلة , وهم يعملون في أرقى الجامعات والمؤسسات العلمية هناك , وقد حصل قسم منهم على جوائز متميّزة , منها حتى جائزة نوبل , ولكنهم كانوا في بلدهم روسيا منسيين تقريبا , ولم يهتم أحد بهم ويساندهم من اجل اظهار امكانياتهم العلمية وتوظيفها لتطوير روسيا  .
 ساد الصمت بيننا قليلا بعد هذه الاحاديث التراجيدية ان صح التعبير  , ثم قطعته أنا و قلت له , انك تتحدث عن قضايا كبيرة وكأنك سياسي معارض ومحترف , وانني لم اقابل سابقا سائقا يتحدث مثلك وبهذا المستوى عن قضايا مصيرية وجوهرية عميقة حول مسيرة الحياة في روسيا المعاصرة , فقال لي , انه لا ينتمي الى اي حزب سياسي لأن الانتماء الى اي حزب سياسي يلغي السمات الشخصية للفرد ويجب عليه ان يخضع لارادة ذلك الحزب واهدافه , ولكنه يصوّت للشيوعيين في الانتخابات التي تحدث في روسيا , لانهم من وجهة نظره – ( أفضل السيئين !!!) , كما قال بالضبط . ضحكت انا من هذا التعبير السياسي الغريب والطريف , ثم سألته عن هذا ( المصطلح !) السياسي الجديد , الذي استخدمه , وتفسيره , فقال لي , ان جميع القوى والاحزاب السياسية يساهمون في هذا الفساد الاداري السائد في بلدنا بشكل او بآخر , وانهم جميعا مسؤولون عن هذا الوضع الحالي لروسيا ويكسبون منه , الا ان الشيوعيين – نظريا على الاقل – يعارضون ذلك , اي انهم أقرب القوى السياسية لمعارضة هذا الواقع , وعلى الرغم من قناعتي , انهم لن يصلوا الى السلطة , و انهم لن يستطيعوا تغيير هذا الواقع المرير, ولهذا , فانا اسميهم ( افضل السيئين) , واصوت لهم , رغم اني لست منتميا اليهم .
عندما اقتربنا من العنوان المطلوب , اعطيته الاجرة وقلت له , ربما ساكتب مضمون حديثك هذا وأنشره , فقال ضاحكا , لم اتوقع انك اجنبي , فسألته , هل تخاف ان أنشر حديثك ؟ فاجاب رأسا , كلا ابدا , فقد انتهى زمن الخوف في روسيا , وأضاف , بل اني ساكون سعيدا ان يعرف القارئ الاجنبي الوضع الحقيقي في روسيا , لان روسيا دولة مهمة للعالم...

25
عند تمثال القيصر الكساندر الاول في موسكو
أ.د. ضياء نافع
   اقامة تمثال لقيصر روسيا الكساندر الاول في روسيا الاتحادية بموسكو , وعند جدار الكرملين بالذات , وفي العام 2014 , ويدشن التمثال رئيس روسيا الاتحادية فلاديمر بوتين بنفسه, ويشيد بدور هذا القيصر المتميّز في تاريخ روسيا . كل ذلك يثير الدهشة طبعا , ويطرح عشرات الاسئلة الكبيرة امام الروس وامام الاجانب ايضا , الذين يتابعون أخبار روسيا ومسيرتها ويعرفون اهميتها في عالمنا العاصف . وتذكرت نقاشا قديما استمعت اليه مرة – وبمحض الصدفة - بين اثنين من اصدقائي الروس , اذ سأل الاول عن سبب تعليق صورة كبيرة لستالين في احدى الشوارع وعلى واجهة مؤسسة تربوية , فاجابه الثاني رأسا , لأن ستالين كان قائد الانتصار على هتلر , فسأل الاول , ومن كان قائد الانتصار على نابليون , فاجاب الثاني , انه كوتوزوف , فضحك الاول وقال , وعلى هذا الاساس , يجب تعليق صورة جوكوف بدلا من ستالين . ضحك الثاني ايضا , وقال معلقا , وهل تريد ان نرفع صورة القيصر ألكساندر الاول  في الاتحاد السوفيتي , أول دولة اشتراكية في العالم , والتي تأسست بعد ثورة ضد القياصرة في اكتوبر 1917 ؟ فقال الاول ضاحكا ايضا , اما نعلق صورة القائد العام للانتصار على هتلر وعلى نابليون ( اي ستالين والقيصر ألكساندر الاول ) , او نعلّق صورة القائد العسكري للانتصار على هتلر وعلى نابليون ( اي جوكوف وكوتوزوف ) . كان هذا النقاش ضاحكا بين اثنين من الاصدقاء , الا انه – في الواقع – كان نقاشا يتّسم بالعمق الفكري والتاريخي , وقد علّق صديق ثالث كان يستمع اليهما قائلا , ان الذي انتصر على نابليون وهتلر هو الشعب الروسي , وليس ألكساندر الاول او ستالين او كوتوزوف او جوكوف , الشعب الروسي , الذي لا يمكن ان يتقبّل ابدا الاحتلال الاجنبي لوطنه باي حال من الاحوال , ومن أي جهة كانت , ولأيّ سبب من الاسباب .
تذكرت ذلك النقاش العتيق , عندما أقترح عليّ زملاء الدراسة في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) بجامعة موسكو ان نتمشى في متنزه الكساندروفسكي الرائع الجمال بمحاذاة جدار الكريملين , كما كنّا نفعل عندما كنّا طلبة في الكليّة في ستينيات القرن الماضي( كانت كليّتنا في بنايتها القديمة بمركز موسكو ) , فوافقت انا طبعا وبكل سرور , فقالوا لي , ستشاهد اشياء جديدة لم تكن موجودة آنذاك , ومنها التمثال الضخم للقيصر ألكساندر الاول , الذي تمّ نصبه في الذكرى المئوية الثانية للانتصار على نابليون , فضحكت وحكيت لهم قصة ذلك النقاش , فضحكوا هم ايضا , وقال أحدهم , لقد تغيّر الزمان , وتغيّرت الافكار طبعا تبعا لذلك , وان موسكو اليوم ليست مثل موسكو الامس , اذ انها الآن تضم تماثيل كل المراحل التي مرّت بروسيا , ولهذا فانك ترى فيها الان تماثيل لينين ورفاقه و تماثيل  العديد من القياصرة معا , فكل واحد منهم يجسّد مرحلة معيّنة من مراحل تاريخ روسيا , وان هذه هي دلائل نضوج الامّة , ايّ أمّة , اذ ان كل واحد من هؤلاء ساهم في بناء وطنه كما كان يرى ويعتقد , وان الوطن هو الحصيلة النهائية لكل مساهمات رجاله وأعمالهم بغض النظر عن عصرهم وعن مواقفهم السياسية المختلفة وحتى المتناقضة مع بعضهم البعض.
وهكذا بدأت نزهتي وسط الاشجار والورود المنسّقة بذوق وعناية فائقة , ولاح من بعيد تمثال القيصر الروسي ألكساندر الاول مرتديا زيّه العسكري , وهو يقف شامخا ويضع قدمه اليمنى على السلاح الفرنسي , رمزا لانتصاره عليهم وتحرير وطنه من احتلال نابليون آنذاك . القيصر هذا كان جميلا ورشيقا جدا , وقد استطاع النحّات الروسي ان يعكس كل تلك الخصائص , وان يعبّر – وبشكل رائع – معنى الانتصار على ملامحه وضمن كل تلك اللوحات النحتية المحيطة به من كل الجوانب , والتي تجسّد مختلف المعارك والمواقف المرتبطة بهذا القيصر , وكان جدار الكرملين الاحمر اللون هو الخلفية الجميلة  لهذا التمثال , الخلفية التي تضفي عليه جمالية اخرى , ومن الواضح ان النحّات أخذ كل هذه الاجواء والجوانب بنظر الاعتبار , واستطاع ان يوظّفها بابداع في عمله الفني الرائع هذا . التمثال يقف على منصة عالية ويشغل مساحة ملائمة له , وكانت هناك عدة أشجار تحيطه بحساب هارموني محسوب بدقة , وكانت هناك عدة مصاطب هنا وهناك حوله , تسمح للجالسين عليها أن يتأمّلوا هذا الانجاز الفني المتناسق الجميل بهدوء . وقفت بعض الوقت أتأمل التمثال , ووقف زملائي معي تضامنا ليس الا طبعا وهم يتأملون القيصر الروسي ايضا . وعندما عدنا , سألني أحدهم عن انطباعاتي , فقلت له , انه عمل فني مدهش الجمال , ولكني اريد ان اكرر ما سمعته من زميلي الروسي قبل قليل , والذي أشار, الى ان الامّة الروسية قد وصلت فعلا الى مرحلة النضوج ...

26
     
عن أكساكوف وعائلته في تاريخ الادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
الكلمات الاساسية , التي يمكن ان نقولها – قبل كل شئ -  حول اكساكوف بالنسبة للقارئ العربي , هي انه – الكاتب الروسي شبه المنسي , او بتعبير ادق , شبه المجهول تقريبا في مصادرنا العربية بشكل عام حول الادب والفكر الروسي , والسبب الاوّل – في رأينا -  يكمن في ان أكساكوف لم يكن ضمن تلك الاسماء ( الرنّانة و الطنّانة !) في دنيا الصراع الفكري الحاد في روسيا , التي ركّزت عليها الاقلام العربية ( ولازالت )  وهي تتناول الادب الروسي وأعلامه و الفكر الروسي ومسيرته عموما, وقد كان هذا الموقف عندنا انعكاسا للموقف السوفيتي طبعا , وأذكر اننا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي , لم يأت اسم أكساكوف في مناهج دراستنا حول اللغة الروسية وآدابها سوى عند الكلام عن الكاتب غوغول , وذلك باعتباره  كان صديقا قريبا لغوغول ليس الا وانه كتب عنه كتابات قيّمة لازالت تمتلك أهميتها لحد الان .
أكساكوف يعتبر ظاهرة باكملها في مسيرة الفكر الروسي , فقد برز في عدة مجالات فكرية متنوعة وبعيدة عن بعضها البعض , وبرز ثلاثة من ابنائه بمختلف المجالات الفكرية ايضا , ولهذا فانه يتميّز عن الآخرين , اذ ان اسمه في مسيرة الفكر الروسي يرتبط بمفهوم ( عائلة فكرية متكاملة ) , وهي ظاهرة لم تكن موجودة قبله , ولم تتكرر بعده , ونود في هذه المقالة ان نشير – ليس الا – الى المعالم الاساسية لهذه الظاهرة الفكرية الفريدة في دنيا الادب والفكر الروسي , وان نقدّم  للقارئ العربي شيئا ما , اي تعريفا وجيزا فقط عن هذه العائلة الابداعية في القرن التاسع عشر بروسيا , اذ ان الكلام الموسع والتفصيلي عن هذه العائلة يقتضي كتابة العديد من الدراسات و المقالات عن جوانب ابداعاتها المتنوعة .
أكساكوف الاب (1791 – 1859 ) هو سيرغي تيموفيفتش , وهناك  عدة نقاط رئيسية يتوقف عندها مؤرخو الادب الروسي عند الكلام عن مسيرته , ومن أهمها اربع نقاط , اولها - عمله في مجال الرقابة على المطبوعات , وثانيا - علاقته بالكاتب الكبير غوغول , وثالثا - نتاجاته المتميّزة جدا في مسيرة الادب الروسي بما فيها مساهماته الواسعة بحركة الترجمة وكتابة المذكرات, ورابعا - مصائر ابنائه ودورهم في الحياة الفكرية الروسية , ونحاول في ادناه الحديث بايجاز عن كل نقطة من هذه النقاط.
حول النقطة الاولى , اي عمله في رقابة المطبوعات , يتحدثون كيف تم اخراجه من هذا العمل , وكيف نشر مقالا بتوقيع مستعار حول الرقابة , والذي أثار الاوساط الرسمية الحكومية ضده , وكيف أرادت تلك الاوساط ان تعرف اسم ذلك الكاتب , ولكن رئيس التحرير رفض الاعلان عن اسمه , أما أكساكوف نفسه , فقد أعلن انه كاتب تلك المقالة , وانه مستعد لتحمّل كل تبعاتها , مما جعل الاوساط الادبية تقف معه وتناصر موقفه وتجبر السلطات على ارجاعه لوظيفته بعدئذ .
النقطة الثانية , وهي مهمة جدا في تاريخ الادب الروسي, ترتبط بعلاقة أكساكوف مع غوغول . لقد تعارفا عام 1832 في موسكو , عندما  كان غوغول هناك بزيارة سريعة , واستمرت هذه العلاقات الفكرية طوال حياتهما ( توفي غوغول عام 1852 ) . توجد دراسات كثيرة وتفصيلية عن هذه العلاقة في تاريخ الادب الروسي , اذ تحولت المقالات التي كتبها أكساكوف عن غوغول الى مصادر مهمة حول سيرة حياة غوغول وابداعه . لقد كتب أكساكوف عند وفاة غوغول مقالة بعنوان – ( رسالة الى أصدقاء غوغول ) , ثم نشر مقالة اخرى عام 1853 بعنوان – ( عدة كلمات عن سيرة حياة غوغول ) , وهكذا بدأت أفكاره بشأن تأليفه لكتاب كامل حوله , والذي صدر بعدئذ بعنوان – تاريخ  تعارفي مع غوغول , ويعتبر هذا الكتاب واحدا من اهم المصادر الروسية لدراسة سيرة حياة غوغول وابداعه , منذ ظهوره ولحد الان , ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين .
النقطة الثالثة تكمن في مؤلفاته المتنوعة جدا , اذ أصدر أكساكوف عدة كتب في مجالات متنوعة جدا , منها مثلا , كتاب بعنوان – ( عن صيد الاسماك وعن الصيد) , وهو كتاب فريد في تاريخ الادب الروسي يتضمن صورا قلمية مدهشة , وقد قال عنها تورغينيف ( وهو مؤلف مذكرات صياد !) , انها مبتكرة جدا في تاريخ الادب الروسي ولا مثيل لها سابقا , اضافة الى ان النقاد يعتبرونه واحدا من أبرز الادباء الروس في مجال كتابة المذكرات .
النقطة الرابعة , التي نود التوقف عندها قليلا هي عائلته الكبيرة , اذ كان عنده سبع بنات واربعة اولاد , وبرز منهم ابنه قنسطنطين أكساكوف , الذي أصبح أديبا ومؤرخا ولغويّا وأحد أبرز الدعاة الى النزعة السلافية ومنظّريها في صراعها مع النزعة الغربية , وهو الصراع الفكري الكبير , الذي كان محتدما في الادب والفكر الروسي في القرن التاسع عشر ( انظر عن هذه الظاهرة مقالاتنا عن دستويفسكي وأستروفسكي وتورغينيف ...) , وبرز كذلك ابنه الآخر ايفان أكساكوف , الذي أصبح صحافيا وناشرا وكذلك أحد الدعاة الى النزعة السلافية , وبرزت كذلك ابنته فيرا أكساكوفا , التي أصبحت كاتبة مذكرات وواحدة من أبرز أنصار النزعة السلافية .
وباختصار شديد , فان كل نقطة من تلك النقاط التي أشرنا اليها حول أكساكوف تتطلب مقالات تحليلية وتفصيلية بالنسبة للقارئ العربي , وأتمنى ان تسمح لي ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع المهم في تاريخ الادب الروسي ...

27
أمثال افغانية مترجمة عن الروسية (3)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الاطفال لا يلعبون بالنار ابدا .
التعليق – لأن الاطفال يفهمون خطرها بشكل دقيق وحاسم و مباشر , أمّا الكبار, الذين لا يفهمون خطرها , فهم الذين ( يلعبون!!!) بها , وهم الذين يحترقون بها ويحرقون الذين من حولهم بها ايضا . هل يمكن اعتبار هذا المثل سياسي؟ قال صاحبي نعم , ولكني قلت له , انه  أوسع , اذ انه يشمل كل شؤون الحياة , بما فيها السياسة طبعا  .
+++++
الترجمة الحرفية – الشئ الذي لا تحصل عليه بالصراخ , تحصل عليه بالصمت .
التعليق – الصمت يعني الهدوء , والهدوء يعني التفكير الشامل دون صراخ وضجيج , وبالتالي سيكون الوصول الى اي شئ أسهل , لأنه سيأتي نتيجة هذا التفكير الموضوعي  . مثل فلسفي عميق وذكي جدا , ويجب ان نتفهمه هكذا ...
+++++
الترجمة الحرفية – انسان واحد لا يذهب الى الحرب .
التعليق –  نعم صحيح , لأن الحرب عمل جماعي كبير و رهيب , وهذه هي مأساة الحروب كلها , اذ انها ( تحرق الاخضر واليابس ) كما يقول مثلنا المعروف  ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا تعلّم البطّة كيف تغوص .
التعليق – يقول المثل الروسي في هذا المعنى – البيض لا يعلّم الدجاجة . المثل الروسي يبالغ كثيرا ويسخر طبعا من هذا الموقف بشكل كاريكاتيري , أما المثل ألافغاني فان الصورة الفنية فيه واقعية و منطقية جدا . لنتذكر مثلنا العربي الشهير – ابن البط عوّام ...
+++++
الترجمة الحرفية – الفأر لا يزيّن نفسه في المكان , الذي يعيش فيه القط .
التعليق – طبعا , فلا أحد يتزيّن في مكان يوجد فيه الاعداء , بل يجب ان يكون حذرا ليس الا , لأن الحذر يقيك الضرر كما يقول مثلنا المعروف . المثل الافغاني هذا طريف فعلا , والصورة الفنية فيه غير اعتيادية بالمرّة  .
+++++
الترجمة الحرفية – لو لم يكن هناك ثالث , لتصالح الاثنان فيما بينهما .
التعليق – آه من تدخل الشخص الثالث في كل شئ وحشر نفسه في كل شئ من اجل مصلحته طبعا ,  و كلّنا نعرف  ( الطرف الثالث !!!) وما أدراك ما الطرف الثالث ... والحليم تكفيه الاشارة ...
+++++
الترجمة الحرفية – الطريق الطويل لا يقتل أحدا .
التعليق – نعم , الطريق الطويل صعب , ولكن – من سار على الدرب وصل , والسير مهما طال لن ( يقتل!!!) احدا أبدا. المثل صحيح جدا وواقعي بكل معنى الكلمة...   
+++++
الترجمة الحرفية – الحربة الصغيرة يمكن ان تقتل الانسان .
التعليق – مثل صحيح جدا . يوجد مثل بلهجتنا العراقية يقول – الحجارة الما تعجبك تفشخك , والمثل الاذربيجاني يكرر واقعيا تلك الصورة الفنية , اذ يقول -  والحجر الصغير يمكن ان يشق الرأس . المثل الافغاني يؤكد هذه الحقيقة الساطعة ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا يوجد عمل , لا توجد راحة .
التعليق – الراحة مرتبطة بالعمل , والمثل الافغاني يقول , لا راحة دون عمل , وهو مفهوم صحيح , اذ ترتاح من ماذا اذا كنت لا تعمل ولا تتعب في العمل ؟ العمل اولا , والراحة تأتي بعد العمل , وهذا هو الواقع فعلا , وهو ما يؤكده المثل الافغاني هذا ...
+++++
الترجمة الحرفية – النار خادم جيّد , لكنها سيّد سئ .
التعليق – مثل جميل وحقيقي , فعندما يسيطر الانسان على النار , فانها تخدمه , ولكن عندما النار هي التي تسيطر على الانسان فانها كارثة بكل معنى الكلمة . مثل في غاية الذكاء والدقة.
+++++
الترجمة الحرفية – يقدر الكبار ان يأكلوا طعام الصغار , لكنهم لا يستطيعون أن يرتدوا ملابسهم .
التعليق – مثل رمزي جميل جدا , والصورة الفنية فيه ذات مغزى عميق , اذ انه يعني , ان الطامعين لن يقدروا ابدا ان يسلبوا كل شئ من الصغار , رغم كونهم أكبر منهم...
+++++
الترجمة الحرفية – لا تهبط الثروة  بلمح البصر .
التعليق – صحيح جدا , فالثروة تأتي نتيجة عمل طويل وشاق جدا يقوم به الانسان على مدى سنين طويلة ...
+++++
الترجمة الحرفية – اذا حصلت على شئ جيد , فيجب ان تستطيع المحافظة عليه .
التعليق – خلاصة رائعة فعلا , اذ ما فائدة الحصول على الاشياء الجيّدة اذا لا نقدر ان نحافظ عليها ؟
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.



28
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (15)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – المحيط لا يستخف  بالنهيرات الصغيرة .
التعليق – كم نحن بحاجة الى تأمّل هذا المثل العميق بمعناه المباشر والمجازي , فالمحيط بحجمه الهائل لا يستخف بالنهيرات الصغيرة , فكيف يمكن للانسان المغرور ان يستخف بالآخرين من حوله , كما يحدث غالبا في المجتمعات , وخصوصا عندنا ؟ مثل جميل وعميق , والرمزية فيه واضحة المعالم جدا , رمزية تشمل كل جوانب الحياة المختلفة .
+++++
الترجمة الحرفية – الخطيب السئ مطنب بالكلام .
التعليق –  هذا المثل الياباني هو تأكيد على صحة مثلنا العربي الجميل والصحيح والرائع  - خير الكلام ما قلّ ودلّ .
+++++
الترجمة الحرفية – الجمال لا يرافق السعادة .
التعليق – يقول المثل الروسي حول العلاقة بين الجمال والسعادة ما يأتي – لا تولدي جميلة بل سعيدة . المثل الياباني ينطبق على مسيرة حياة البشر في كل مكان , فالجمال زائل بعد فترة من العمر, اما السعادة فباقية بغض النظر عن سنوات العمر ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا يوجد ضوء دون ظل .
التعليق – ما احرانا ان نتذكر هذا المثل الياباني ونحن نتحدث عن ( المستقبل المشرق  والوضّاء!!) . لا يوجد شئ مطلق في الحياة , ولنتذكر مثلنا الطريف باللهجة العراقية – حتى القمر به لوله , ويقول المثل الروسي – حتى في الشمس توجد بقعة ...
+++++
الترجمة الحرفية – هرب من النار فسقط في المياه .
التعليق – تتكرر هذه الصورة الفنية في امثال الشعوب المختلفة وبأشكال متنوعة ترتبط طبعا بالبيئة المحيطة , فالمثل بلهجتنا العراقية يقول – هرب من المطر ووقف تحت المزراب ( او المزريب كما يلفظ احيانا ) , و المثل الاندونيسي يقول  – تخلّص من اسنان التمساح ووقع في فم النمر ...
+++++
الترجمة الحرفية – مالك الجبل الذهبي بخيل ايضا .
التعليق – البخل خاصيّة ذميمة في الانسان بغض النظر عن امكانياته المالية وملكيته . المثل الياباني يصوّر البخيل بشكل مبالغ به جدا , وهي صورة ساخرة طبعا لايصال الفكرة العامة للمثل . يقول المثل الروسي – البخل أعمى ...
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تتعارك العصافير لا تخاف من الانسان .
التعليق – اثناء العراك يختفي الحذر من المخاطر المحيطة , لأن المعركة ونتائجها تسيطر على كلا الجانبين . مثل رمزي جميل وعميق , يؤكد ان العقل والمنطق يتراجعان عند الخصام والتصادم .
+++++
الترجمة الحرفية – الاشياء التي للبيع يزيّنوها بالورود .
التعليق –  المثل الياباني هذا يلخّص المفهوم العالمي لبيع مختلف الحاجيات , ولا أحد يقول ان (لبني حامض !!!) .
+++++
الترجمة الحرفية – التكلم بسيط , العمل صعب .
التعليق – يا له من مثل دقيق وحاسم جدا , والذي يمكن لنا ان ( نلقم به !!) كل الثرثارين ونصائحهم الفارغة ...
+++++
الترجمة الحرفية – أفضل خمسين الان من مئة فيما بعد.
التعليق –  لنتذكر المثل الطريف بلهجتنا العراقية - بيضة اليوم احسن من دجاجة باجر , ( باجر – الغد ) ...
+++++
الترجمة الحرفية – العّراف لا يعرف مصيره .
التعليق – سخرية رائعة من هذه (المهنة!) , التي غالبا ما تثير الناس البسطاء وتعكّر مسيرة حياتهم . لنتذكر القول العربي الشهير – كذب المنجمون وان صدقوا ...
+++++
الترجمة الحرفية – النهوض والسقوط من طبيعة الامور .
التعليق – طبعا , فلكل شئ بداية ونهاية , وكم نحتاج الى استيعاب هذه الحقيقة المنطقية الساطعة في مجتمعاتنا المليئة بالكلمات الطنانة والرنانة عن ( خلود وضرورة !!!) هذا وذاك من الشخوص والافراد والاتجاهات والتنظيمات و..و...
+++++
الترجمة الحرفية – أجب بالخير على الشر .
التعليق – لأن هذه الاجابة , رغم صعوبتها , توقف الشر...
+++++
الترجمة الحرفية – في الفيض عن الحاجة والدواء – سمّ .
التعليق – ونحن نقول - الزائد كالناقص . المثل الياباني يضع النقاط على الحروف , ويرسم صورة واضحة لعواقب هذه الظاهرة .
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.

29
أدب / مدرسة الفنّان
« في: 18:22 19/02/2020  »

 
مدرسة الفنّان





قصيدة للشاعر الفيتنامي المعاصر تي خان( 1920 – 2009) 


ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


ترسم السمكة ,
وكأنها
أكثر حيوية
من  تلك
 الاسماك
 الاحياء
السابحات ,
وأكثر جمالا و سطوعا
من اسماك
الحدائق والمتنزهات ,
و تحدّق الالوان
 من اللّوحة
بحيوية,
و تثير الاندهاشات ...
اين علّموك ان ترسم 
مثل هذه اللّوحات
النابضات
بالحياة؟
أجاب الفنان –
 قلبي ,
هو فقط -
مدرستي .



30
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (14)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – القريبون من بعض روحيّا ينجذبون نحو بعضهم البعض .
التعليق –  ونحن نقول في مثلنا الشهير – شبيه الشئ منجذب اليه . المثل الياباني اكثر دقة , اذ انه يتحدّث عن ( القريبين روحيّا ) . يوجد مثل روسي طريف جدا في نفس هذا المعنى ايضا يقول – صيّاد السمك يرى صيّاد السمك الآخر عن بعد...
+++++
الترجمة الحرفية – لا تتدخل في الخلاف بين الزوج والزوجة .
التعليق – هذه ( نصيحة !) يابانية صحيحة فعلا وثمينة حقا , فالخلاف بين الزوج والزوجة ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات , وغالبا ما تنتهي بالتسامح والتغاضي و(عودة المياه الى مجاريها !) , وعندئذ يبقى أثر التدخل سلبيا تجاه ذاك الذي تدخل بينهما . المثل العربي يقول – لا تتدخل بما لا يعنيك فتسمع ما لا يرضيك .
+++++
الترجمة الحرفية – المهم ان تبدأ.
التعليق – البداية صعبة عادة في كل شئ, وغالبا ما يتردد الانسان من الاقدام عليها , لهذا يشير المثل الياباني الى ان المهم ان يبدأ الانسان . المثل الروسي يقول - البداية الطيبة تشفط نصف العمل , والمثل الهندي يقول – البداية الجيدة نصف النجاح , وكل ما تشير اليه هذه الامثال صحيح فعلا ...
+++++
الترجمة الحرفية – في أيام السلم لا تنسى أخطار الحرب .
التعليق – مثل يتناسق وينسجم كلّيا مع تاريخ الكثير من شعوب العالم , بما فيها الشعوب العربية , رغم ان ايام السلم أقل – مع الاسف الشديد – من ايام الحروب لدينا ...
+++++
الترجمة الحرفية – يعطون من أجل ان يستلموا .
التعليق – ولا يوجد من يعطي عبثا ودون ان يفكّر او يخطط كي يستلم , وهناك مثل بلهجتنا العراقية يقول -  بلاش ما ينحاش , ( بلاش – مجانا / ما ينحاش – لا يمكن ان تحصده , اي دون نتائج ).
+++++
الترجمة الحرفية – عندما ترتوي , تنسى العطش .
التعليق – يوجد مثل صيني في نفس المعنى يقول – عندما يلتئم الجرح تنسى ألالم . هذه هي طبيعة الحياة الانسانية , ف ( الزمن يداوي ) , كما يقول المثل الروسي ...
+++++
الترجمة الحرفية -  المهم ليس المنصب , المهم التربية .
التعليق – كم يبدو هذا المثل مطابقا لما يحدث بيننا الان وحولنا , وكم من امثلة رهيبة صادفناها في حياتنا تؤكد صحة هذا المثل ! هناك مثل روسي يصف هذه الحالة يقول – من القذارة الى الامارة ...
+++++
الترجمة الحرفية – والضيف النادر في اليوم الثالث يصبح مزعجا .
التعليق – المثل الارمني يقول – ملعون البيت بلا ضيوف , لكن ملعون ايضا الضيف الذي يأتي في المساء ولا يخرج حتى الصباح .
+++++
الترجمة الحرفية – عندما يتكلمون عن المستقبل , الابالسة تضحك .
التعليق – مثل مرح وحزين في آن واحد , رغم ان صاحبي قال , انه تراجيدي بكل معنى الكلمة وقبل كل شئ ...
 +++++
الترجمة الحرفية – لا الكهول ولا الشباب يعرفون متى تحلّ ساعتهم .
التعليق – لنتذكر الآية الكريمة  -  ... ولا تدري نفس بأي ارض تموت ...
+++++
الترجمة الحرفية – الندم المتأخر لا يصلح ( بضم الياء ) الذي حدث .
التعليق – ... ولآت ساعة مندم ...
+++++
الترجمة الحرفية – ما دامت توجد حياة , فالأمل موجود .
التعليق – ونحن نقول ايضا -  لولا الامل لبطل العمل . المثل الياباني دقيق وحاسم جدا واكثر وضوحا ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا نقيّمه ما دام على قيد الحياة , يموت فنتأسّى عليه .
التعليق – يقول المثل الروسي في هذا المعنى –  لا نحافظ على ما نملكه , و نبكي عليه عندما نفقده ..
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.






31
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (12)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – انسان بلا رأيّ لا يصلح ان يكون عرّافا او طبيبا .
التعليق – الانسان بلا رأي محدد هو الانسان المتردد في اتخاذ قراره الحاسم في كل شئ , فكيف يمكن – فعلا – ان يكون طبيبا ؟ ولكن الطرافة في هذا المثل الصيني تكمن في الاشارة الى ( مهنة!!!) العرّاف ايضا . مثل حاذق جدا ويدعونا الى ( التأمّل ) بطبيعة الانسان وتأثيرها على مهنته , خصوصا اذا كان هذا الانسان طبيبا يعالج أجسادنا , او عرّافا (يتوغل !) في أرواحنا .
+++++
الترجمة الحرفية – العجل الذي ولد لتوّه لا يخاف من الذئاب .
التعليق – الخوف ظاهرة اجتماعية تأتي نتيجة النضوج والتعامل مع العناصر المحيطة بنا في مسيرة االحياة , والذي تلدغه الحيّة – كما يقول مثلنا الشهير -  يخاف من ....
+++++
الترجمة الحرفية – اللسان مثل الطبر –  يطبر.
التعليق – صورة فنية جديدة عن اللسان في هذه الامثال العديدة جدا وعند مختلف الشعوب , فهو ( عدو الانسان ) , و ( منشار ) , و (  سهم ) , و ( سيف ) و..و..و.. , ولكن هذا المثل الصيني يسميّه طبرا ... وقد قال صاحبي وهو يضحك – نعم نعم , هذه هي التسمية الدقيقة فعلا...
+++++
الترجمة الحرفية – في النهار افكار , في الليل أحلام .
التعليق –  نحن نقول كلام الليل يمحوه النهار , فهل المثل الصيني يرى , ان هذه ( المعادلة !!!) صحيحة فعلا ؟ هناك من يقول , ان المثل الصيني يؤكّد صحة مثلنا العربي , لان افكار النهار الواقعية تنسف احلام الليل الخيالية , وهناك من يقول , ان المثل الصيني يقف ضد المثل العربي , لأن الافكار النهارية هي التطبيق العملي لأحلام الليل, وهناك من يقول , ان المثل الصيني هذا ( حمّال أوجه ) , فافكار النهار واحلام الليل قد يتطابقان بعض الاحيان وقد يتصادمان في أحيان اخرى... وفي كل الاحوال المثل الصيني هذا جميل ويدعونا الى التأمّل في العلاقة بين افكارنا في النهار واحلامنا في الليل ...   
+++++
الترجمة الحرفية – كلمات الكهول غالية مثل الجواهر .
التعليق – لان هذه الكلمات تعكس خبرة الحياة الطويلة , ويعرف ( الراسخون في العلم !) , ان اللقب الذي يحمله شاعرنا الجواهري جاء من كتاب كتبه أحد اجداده بعنوان ( جواهر الكلام )...
+++++
الترجمة الحرفية – على شجرة واحدة تنمو الثمار الحلوة والحامضة .
التعليق – وكذلك هي الحياة , ولكن صاحبي قال , ان الثمار الحامضة في شجرة الحياة أكثر من الثمار الحلوة مع الاسف .
+++++
الترجمة الحرفية – كالفأر عندما كان يحلم ان يكون موظفا ,  وكالنمر عندما أصبح موظفا .
ألتعليق – مثل صحيح وطريف ايضا , وكم تكون المأساة كبيرة , عندما يبدأ هذا ( النمر! ) بنهش وافتراس المحيطين به قبل كل شئ  , وحتى الذين كانوا يتعاطفون معه عندما كان ( كالفأر ).
+++++
الترجمة الحرفية – دون صديق جيّد , لا يعرف الانسان أخطاءه .
التعليق – مثلنا العربي يقول - الصديق من صدقك وليس من صدّقك . المثل الصيني يذهب أبعد , ويحدد الموضوع بشكل أكثر وضوحا و دقة .
+++++
الترجمة الحرفية –  الذي تراه العيون – حقيقة , والذي تسمعه الآذان – مشكوك فيه.
التعليق – كل الامثال عند مختلف الشعوب تؤكد هذه الحقيقة الساطعة, وكم هو مؤسف , ان الانسان في كل مكان لايزال يصدّق ( ما تسمعه الآذان ) , ومايزال يكرر ما يسمعه ...
+++++
الترجمة الحرفية – الجرذان لا يعضّون القطط .
التعليق – لأنهم لا يقدرون على ذلك , ولهذا يجب ان تسود هذه العلاقة تجاه  جرذان المجتمع الانساني ايضا , والاّ , فان جرذان المجتمع يمكن ان يعضّونا , كما يحدث في بعض مجتمعاتنا .
+++++
الترجمة الحرفية – والجبال الشاهقة لا تعيق الغيوم .
التعليق – مثل جميل شكلا ومضمونا , شكلا لأنه يرسم لنا لوحة شاعرية جدا , ومضمونا لأنه يؤكد على ان الحياة تنتصر في نهاية المطاف على كل الصعاب والعراقيل التي تقف امامها , مهما تكن تلك الصعاب.
+++++
الترجمة الحرفية – في الغابة لا يتاجرون بالحطب , وعلى ضفاف البحيرة بالسمك .
التعليق – هل تذكرون المثل الشهير باللهجة المصرية - متروحش تبيع الميّة في حارة السقايين .
+++++
الترجمة الحرفية – يوجد عقل يمكن ان تطعم الآف الافواه , لا يوجد عقل بصعوبة تعيش لوحدك .
التعليق – العقل اساس الحياة وجوهرها  , مثلما العدل اساس الملك  ...
+++++
الترجمة الحرفية – بلسانه مرح , وراء الظهر سكيّن .
التعليق – ونحن نقول بلهجتنا العراقية -  بالوجه مراية وبالكفه سلاّيه....
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المنقحة والمزيدة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا .
ض.ن.




32
أمثال فيتنامية مترجمة عن الروسية (4)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – في الشؤون الغريبة بصير , في شؤونه – أعمى .
التعليق – آه !!!  كم يذكّرني هذا المثل الفيتنامي بتاريخنا العراقي السياسي , والذي عاصرته منذ اواسط القرن العشرين , عندما كان رفاقي يتحدثون لي عن تلك ( الشؤون الغريبة !) وتفاصيلها وانتصاراتها , وهم لا يعرفون  ( درابين بلادهم وشعابها !!) . هكذا قال لي صاحبي وهو يهزّ رأسه مبتسما بحزن. قلت له , انت - مرة اخرى - تفسّر المثل تفسيرا سياسيّا بحتا , فقال لي بحدّة , فسّره انت كما تشاء , فكل واحد منّا ( يبكي على ليلاه!) .
+++++
الترجمة الحرفية – يدور في مكان واحد , مثل قارب في عتمة الليل .
التعليق – قلت لصاحبي , لا اريد ان تشرح  لي , ان هذا المثل يتناول ايضا تلك الجماعات السياسية العراقية, التي (تدور!) في مكانها , فضحك صاحبي وقال , لقد اصبحت ( تقرأ !) افكاري ( وهيّ طايره ) . قلت له , لماذا لا تتأّمل الجمالية المدهشة لهذا المثل , الذي يشرح الدوران في مكان واحد بسبب ( عتمة الليل ) , ولماذا لا ترى , ان هذا المثل يعني , ان الانطلاق يأتي عندما يتحرر الانسان من ( العتمة ) , اي عندما يفتح الانسان عينيه في (ضياء) الحرية والمعرفة والتسامح و..و..و....
+++++
الترجمة الحرفية – اذا كنت تحب ثمار شجرة , فحافظ على أزهارها .
التعليق –  كل شئ جميل ورائع في الحياة  يتطلب جهدا للحفاظ عليه , والحب بمعناه الواسع يقتضي جهودا مضاعفة لأنه يقع على رأس الاشياء الرائعة في حياتنا .
+++++
الترجمة الحرفية – الثروة تخلق مراسيمها .
التعليق – صحيح جدا , ولهذا يتغّير الاثرياء وفق تلك الثروة ويصبحون – بالتدريج - اناسا آخرين بتصرفاتهم ومطاليبهم وعاداتهم ...
+++++
الترجمة الحرفية -  العسل قليل والذباب كثير .
التعليق – وهذا هو معنى التكالب , والتكالب – حسب هذا المثل الفيتنامي -  يقوم به الذباب فقط , وكم يبدو ذلك التحديد دقيقا وصحيحا , ولهذا فان هذا المثل واقعي وصارم و حازم جدا . آه من (الذباب!!!) وتكالبه في مجتمعاتنا ...
+++++
الترجمة الحرفية – في الرياح والشعلة تنطفئ .
التعليق – من الضرورة ان يسود التفكير الموضوعي السليم ,الذي يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الواقعية المحيطة ويبني على اساسها مسيرة الانسان اللاحقة . انه مثل رمزي عميق المعنى . توجد أمثال عديدة عند مختلف الشعوب تدعو الى التفكير الواقعي السليم , وهي ذات صور فنية متنوعة جدا . لنتذكر المثل المشهور وبلهجتنا العراقية – الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره , وهناك مثل كوري ساخر في هذا المعنى يقول – من بذور الخيار لن ينمو الباذنجان ...
+++++
الترجمة الحرفية – الكلمات وحدها  ليست اثباتا .
التعليق –  عندما تكون الكلمات وحدها , فانها تتحول الى ثرثرة ليس الا ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا تبتلع الشئ الذي لم تمضغه , ولا تثرثر بالشئ الذي لم تفكّر حوله .
التعليق – مثل رائع , ويحتاجه الانسان في كل المجتمعات , لأنه ضروري للصحة البدنية اولا , وضروري ثانيا للسلامة الامنية والنفسية ايضا , فاللسان في كثير من الاحيان عدو للانسان...
+++++
الترجمة الحرفية – كل خطوة في الطريق تضيف شيئا من الحكمة .
التعليق – مثل واقعي فعلا , فالحكمة هي تراكم التجربة والتطبيق في حياة الانسان , وكل خطوة يخطوها الانسان في طريق حياته تمنحه تجربة و خبرة , والحكمة طبعا تأتي من هذه التجارب والتفاعلات اثناء مسيرة الحياة ...
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تكثر الخطّابات , ستنام وحيدا في المساء .
التعليق – ويقول المثل العربي , وهو واقعيا عالمي , ان السفينة تغرق من كثرة الملّاحين , ويقول المثل الروسي في هذا المعنى ايضا , ان الطفل بلا عناية عندما يكون عند سبع مربيّات . المثل الفيتنامي يتناول نفس الفكرة طبعا , ولكن في اطار اجواء جديدة و طريفة  ولا تخطر على البال للوهلة الاولى , خصوصا ان ( مرحلة الخطّابات ) قد تلاشت تقريبا في حياة الناس ...
+++++
الترجمة الحرفية – تعرف معنى الاخلاص في الزمن المضطرب .
التعليق – المثل العربي المشهور( وهو عالمي ايضا ) يشير الى ان الصديق وقت الضيق , ويتوسّع المثل الارمني أكثر ويقول , انك تعرف العدو والصديق وقت الضيق , ولكن المثل الفيتنامي هنا يحدد وبشكل دقيق , ان الزمن الصعب والمضطرب هو الذي يعرف فيه الانسان  معنى اخلاص الآخرين . مثل حقيقي وواقعي ودقيق بكل معنى الكلمة ...
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقّحة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.

33
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (11)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – من عش الغراب لن تأخذ بيضة دجاجة .
التعليق – مثل جميل وطريف , وصورته الفنية جديدة ومبتكرة بكل معنى الكلمة . قال صاحبي , ان هذا المثل سياسي بحت , وانه ينطبق على هؤلاء الذين يأملون العدالة من الطغمة الظالمة بسبب سذاجتهم وعدم معرفتهم بقواعد اللعبة . قلت له , انك تحمّل المثل بافكارك العراقية الملتهبة , لانك ترى كل شئ عبر هذه المعاناة في بلادنا. لم يوافق , ولكنه لم يعلق بشئ , وقال فقط بسخرية ظاهرة  – اذهب وخذ بيض الدجاج من عش الغراب ...
+++++
الترجمة الحرفية – عندما يكون الانسان محبّا للعمل , الارض لن تكون كسولة .
التعليق – تلاعب غير اعتيادي بالكلمات ومعانيها وموقعها في الجملة , ولكن هذا ( التلاعب!) جميل جدا , لأنه يؤكد حقيقة ساطعة تقول , ان ( كسل!) الارض يرتبط فعلا ب ( كسل ! ) الانسان , ومعروفة علاقة الكسل والبصل في مثلنا العربي الشهير والعتيد - الكسل ما يطعّم بصل ... مثل فريد جدا بصياغته المتميّزة .
+++++
الترجمة الحرفية – الافضل ان ترى الوجه , مما ان تسمع الاسم .
التعليق – توجد علاقة وثيقة بين مشاهدة العين وسماع الاذن , وقد تناولتها أمثال الشعوب كثيرا , بما فيها أمثالنا العربية طبعا , ولكن المثل الصيني هذا يحدد موقفا دقيقا واضحا جدا , وهو – رؤية الوجه مقارنة بسماع الاسم , ومن الواضح هنا , ان الكلام يدور حول الانسان , الذي يتطلب ان يحدد الشخص موقفا بشأنه . طرح صاحبي عليّ سؤالا طريفا حول هذا المثل , وهو – هل ان الصينيين أخذوا يصيغون ألامثال الملائمة لنا , مثلما يعملون البضائع الملائمة لنا ؟ ضحكت أنا , وقلت له – لا أعرف , ولكن يجب ان تسأل دلاّلاّت الزواج عندنا , فضحك صاحبي ايضا وقال – هنّ اختفين في عصرنا تقريبا , ولكن المثل الصيني لازال حيّا يرزق .
+++++
الترجمة الحرفية – لا تتسلق – لن تسقط .
التعليق – ما ابسط هذه المثل وما اعمقه ! سألني صاحبي - هل يسمع (المتسلقون العرب !) تحذير المثل الصيني يا ترى ؟ فقلت له , المتسلقون العرب وغير العرب لن يسمعوا هذا التحذير الا بعد ان يسقطوا ...وتلك هي التراجيديا والكوميديا في الفن المسرحي وفي مسرح الحياة ايضا.
+++++
الترجمة الحرفية – لم يتعلم المشي بعد , ويريد ان يركض .
التعليق – يقول المثل الروسي في هذا المعنى – لم يجفّ الحليب على شفتيه بعد . كل الامثال العالمية حول هذه الظاهرة الانسانية تمتلك صورا فنية طريفة طبعا . هل تذكرون تعابيرنا المتنوعة بلهجتنا العراقية عن (اللحيمية) , وعن (الزعاطيط) , و عن ( الحثلّك ) ... 
+++++
الترجمة الحرفية – الف معلّم , ألف طريقة و اسلوب .
التعليق – كلام صحيح فعلا . تلاميذ المعلمين سيختارون في مسيرة حياتهم اللاحقة الطريقة الأفضل والاسلوب الأمثل لهم في حياتهم , ولكن المثل الصيني هذا يؤكد حقيقة ساطعة تقول , ان  هذه المهنة ترتبط بالمهارة الذاتية للمعلّم قبل كل شئ . 
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان الذكي لا (يصرف) كلمات كثيرة .
التعليق – وضعنا كلمة يصرف بين قوسين في الترجمة الحرفية رغم عدم وجود ذلك في النص الاصلي , وذلك لأن روحية هذا المثل الصيني تكمن في هذه الكلمة , اذ انه يريد ان يقول لنا , ان (الكلمات) ثمينة مثل (النقود) , ولهذا , فان الانسان الذكي لا ( يصرفها! ) عبثا . مثل ذكيّ ومبتكر فعلا.
+++++
الترجمة الحرفية – قلوب البشر ليست متشابهة , مثل الوجوه .
التعليق – الله الله ...هكذا صاح صاحبي عندما قرأت له هذا المثل , فسألته متعجبا عن سبب ذلك فقال , المعنى جميل جدا والصياغة كأنها قصيدة نثر , وانني صحت هكذا اعجابا بالمثل شكلا ومضمونا . ثم سألني , وانت ماذا ترى ؟ قلت له , اني اتفق معك كليّا ...
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.




34
أمثال هندية مترجمة عن الروسية (5)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – تبدو للغريق , ان القشّة يمكن ان تنقذه .
التعليق – ونحن نقول بلهجتنا العراقية – الغركان يجلّب بكشّاية ( الغريق يتمسّك بقشة ) . قال صاحبي , يبدو ان هذا المثل الهندي هو اصل المثل العراقي , فقلت له , انني وجدت هذا المثل عند اليابانيين ايضا , وهو – الغريق يتشبث حتى بقشة , وعلّقت عليه حينها , انه متطابق مع المثل العراقي , ولا نعلم من الذي استخدمه اولا , والان وبعد النموذج الهندي , اظن , ان المثل هذا يرتبط بتلك المناطق وشعوبها فعلا , وانه تم تحويره عندنا وبلهجتنا , لأنه يصوّر حالة مأساوية عامة تتكرر في المجتمعات كافة .
+++++
الترجمة الحرفية – شئ ما أفضل من لاشئ .
التعليق –  ونحن نقول بلهجتنا العراقية - احسن من الماكو , ( الماكو – اللاشئ ) . مثل منطقي بكل معنى الكلمة , وتنطبق عليه - شكلا ومضمونا - النظرية النسبية بشكل واضح .
+++++
الترجمة الحرفية – الرقّة لا تتحدد بنعومة الجلد , وانما بالسلوك .
التعليق – مثل جميل جدا , وهو يؤكد على ان تصرفات الانسان اهم من شكله العام ومظهره الخارجي , وان هذا السلوك هو الذي يضفي على الانسان جماليته و( رقّته !) .
+++++
الترجمة الحرفية – المهم ان يكون هناك بيض , الكتاكيت عندها ستكون .
التعليق –  الشئ رقم واحد هو الاهم دائما , اما بقية الاشياء التي ترتبط به , فانها تأتي بعده , رغم انها مهمة ايضا . الكتاكيت من البيض وليس البيض من الكتاكيت , وهكذا الامور كلها في مسيرة الحياة . المثل الهندي هذا طريف جدا ويشرح - بشكل واضح وبسيط - الموقف الصحيح من مشكلة اجتماعية معقدة .
+++++
الترجمة الحرفية – في الماء يلتقون أزهار اللوتس والتماسيح .
التعليق – نعم , هذا صحيح طبعا , وهذه هي قوانين الحياة دائما . يوجد مثل أرمني جميل في هذا المعنى العام لهذا المثل الهندي يقول -  يتساقط المطر على الاخيار والاشرار .
+++++
الترجمة الحرفية – البطولة لا تحتاج الى تمجيد .
التعليق – لأن البطولة هي بحد ذاتها تمجّد نفسها بنفسها . لنتذكر الآية الكريمة - وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ..
+++++
الترجمة الحرفية – الاسد لا يأكل العشب , حتى اذا لا يوجد طعام آخر .
التعليق – مثل رائع حقا . فالاسد أسد في كل شئ , ولهذا فانه رمز الشموخ عند مختلف الشعوب . لنتذكر شموخ ( أسد بابل ) الخالد في تاريخنا . يوجد مثل  كوري في اطار نفس المعنى يقول – النسر لا يصطاد الذباب .
+++++
الترجمة الحرفية – يمضي الزمان , والصديق يصبح عدوا , والعدو صديقا .
التعليق – مثل الهنود الحمر يقول – ليس العدو دائما عدوا , والصديق صديقا . الفكرة نفسها عند شعوب متباعدة , لانها فكرة صحيحة وعامة عند الجميع .
+++++
الترجمة الحرفية – كل حرفة ليست سهلة .
التعليق – المثل الروسي يقول -  دون جهد لا يمكنك اخراج حتى سمكة صغيرة من الماء , فكيف بحرفة يتعلمها الانسان ؟ المثل الهندي هذا دقيق جدا , ويصلح في كل المجتمعات . 
+++++
الترجمة الحرفية – المرأة والريح والنجاحات لا يمتازون بالديمومة .
التعليق – قال صاحبي , ان هذا المثل ينطبق على الريح والنجاحات فعلا , ولكنه لا ينطبق على المرأة , فابتسمت أنا ولذت بالصمت , فسألني صاحبي , لماذا لا تعلّق على ما قلته لك , فأجبته – السكوت من الرضا .
+++++
الترجمة الحرفية – من يسمّي لبنه حامضا ؟
التعليق – يوجد بلهجتنا العراقية هذا المثل بالضبط , وهو - منو يكول لبني حامض ( من يقول لبني حامض ) . اذن هو مثل هندي وصل الى العراق مع الهنود - قلنا انا وصاحبي ذلك سوية ونحن نضحك . 
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يسير يقهرالطريق .
التعليق – ونحن نقول -  من سار على الدرب وصل .
+++++
الترجمة الحرفية – في البداية فكّر , بعدئذ تكلّم .
التعليق – تؤكّد امثال الشعوب كافة على هذا المفهوم المنطقي الصحيح , لأن اللسان عدو الانسان كما يقول مثلنا الشهير, ويمكن لزلّة اللسان ان تؤدي الى نتائج وخيمة بالانسان .
+++++
الترجمة الحرفية – عند الضرورة حتى الغبي يتملقون له بالمديح .
التعليق – كم هي مؤلمة هذه ( الضرورة !) , عندما يضطر الانسان ان يمدح الغبي تملقا .  يوجد مثل بلهجتنا العراقية يصف هذه الحالة المزرية , وهو - اذا حاجتك يمّ الجلب سميه حجي جليب ( يمّ – عند / سميه – اطلق عليه تسمية / حجي – الحاج / جليب – تصغير لكلمة كلب )
+++++
الترجمة الحرفية – الاعتدال بالطعام صحة دائمة .
التعليق –  يوجد مثل هندي آخر حول نفس الموضوع  يقول - الاعتدال بالطعام اكثر فائدة من مئة طبيب , وفي هذا المثل مبالغة طبعا , والمبالغة سمة من سمات الامثال , خصوصا الامثال الشرقية , ولكن بنية المثل صحيحة فعلا , فالمعدة بيت الداء ...
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا .
ض.ن.

35
أمثال فيتنامية مترجمة عن الروسية (3)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – جيش بلا قائد مثل نمر بلا رأس .
التعليق – صورة فنية مرعبة حقا , فالنمر حيوان مفترس دموي, وهذا الوحش بلا رأس ! يرسم هذا المثل صورة سريالية للوهلة الاولى ( نمر بلا رأس ) , ولكن من الواضح تماما , ان هذه الصورة السريالية ذات ابعاد واقعية جدا , اذ تعني ان هذا الوحش بلا عقل يقود افعاله , وهنا يكمن جوهر هذا المثل ورمزيته, فالجيوش ( وكل فئة مسلحة ) بلا عقل هي وحوش خطرة يمكن ان ترتكب اعمالا رهيبة .
+++++
الترجمة الحرفية –          الثروة - مدّ وجزر .
التعليق – مثل صحيح , وكم شاهدنا مدّ هذه الثروة وجزرها  في الحياة . لنتذكر القول العظيم – يوم لك ويوم عليك ...
+++++
الترجمة الحرفية – توجد عيون , لكن لا توجد رؤية .
التعليق –  لأن الرؤية ترتبط بالعقل وليس بالعيون . مثل عميق يدعو الى التفكير والتأمّل فعلا ...
+++++
الترجمة الحرفية – رأس كبير , لكنه غبي .
التعليق –  يوجد مثل طريف بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى , وهو  - الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة . مثلنا مرح جدا وخفيف الظل , أما المثل الفيتنامي فانه جاف جدا مقارنة مع مثلنا , الا انه اكثر دقّة واوضح.
+++++
الترجمة الحرفية – كل الاحزان ينساها الانسان , وكل المصائب تمر .
التعليق – توجد امثال كثيرة عند الشعوب في هذا المعنى , فنحن نقول - لا يوجد حزنا مهما كان لا يخففه الزمان , والروس يقولون – الزمن يداوي...
+++++
الترجمة الحرفية – في السماء طيور , وفي الماء سمك , يمكنك ان تصيد وتتناول طعامك .
التعليق – العمل يطعم الانسان , والكسل لا يطعم بصل كما يقول المثل العربي المعروف , و المثل الروسي يقول – دون العمل لا يأكلون العسل , لكن الصورة الفنية في المثل الفيتنامي تبقى متميّزة تماما .
+++++
     
الترجمة الحرفية – يأكل الموز ولا يعرف كيف يقشره .
التعليق – مثل ساخر جدا , والصورة الفنية فيه مدهشة فعلا , فتقشير الموز لا تتطلب معرفة اي شئ  . المثل يتناول أقصى انواع الاتكالية على الاخرين . قال صاحبي , ان هذا المثل يذكرني بمفهوم التنابلة في تراثنا , وقد أيدته بذلك , وتحدثنا كلانا عن ( تنبل ابو رطبة ) العراقي , وقارناه ب ( تنبل ابو الموز ) الفيتنامي . 
+++++
الترجمة الحرفية – التكلم بصورة شيقة افضل من التكلم كثيرا.
التعليق – مثل رائع , وما أحوجنا الى هذا المثل , عندما ( يهاجمنا الثرثارون !!!) , وما أكثرهم في المجتمعات كافة .
+++++
الترجمة الحرفية – المبالغة في التقدير تتحول الى خوف.
التعليق – الزائد كالناقص كما يقول مثلنا المعروف , وهناك حدود دقيقة وحازمة لكل الظواهر , ويجب مراعاتها وعدم خرقها بتاتا  . المثل الفيتنامي صحيح جدا.
+++++
الترجمة الحرفية – ماء في النهر – رز في السوق .
التعليق –  كل الامثال تنطلق من البيئة المحيطة بها , فنحن نقول عن ماء المطر- انه خير , والروسي يقول عنه - انه خبز , والفيتنامي يقول - انه رز , وهكذا دواليك . لنتذكر الآية الكريمة حول الماء – وجعلنا من الماء كل شئ حي ...
+++++
الترجمة الحرفية –عالج انحناء الشجرة ما دامت صغيرة , وعلّم الطفل ما دام صغيرا .
التعليق – العلم في الصغر كالنقش في الحجر , هكذا نحن نقول . المثل العربي جميل , لكن المثل الفيتنامي اكثر دقّة , فهو يضع النقاط على الحروف ...
+++++
الترجمة الحرفية – الفقير يحلم ان يصبح غنّيا , والمريض – متعافيا .
التعليق – كل انسان يحلم بالشئ الذي ينقصه , و الجائع يرى الخبز في منامه ...
+++++
الترجمة الحرفية – في الداخل بصيص , في الخارج شعلة .
التعليق – المثل العربي حول هذه الحالة يقول - من فوق رخام ومن تحت سخام , وتوجد العديد من الامثال الطريفة لدينا حول ذلك . هناك  مثل اندونيسي مناظر لهذا المثل الفيتنامي يقول – من الخارج يتلامع , من الداخل يعلوه الصدأ...
+++++
الترجمة الحرفية – الجدّ يتكلم عن الدجاجة , والجدّة تحدّثه عن البطة .
التعليق – يقول المثل الكوري – كبار السن يصبحون اطفالا مرة اخرى , اي ان الجد والجدة الان في مرحلة الطفولة من جديد , الا ان صاحبي قال , انه غير متفق مع هذا التفسير للمثل الفيتنامي , اذ انه يرى , ان المثل يعني انهما ( الجد والجدة ) وصلا الى نقطة اللاتفاهم المطلق بينهما , وان المثل العراقي -  اكله ب يكولي ت ( اقول له باء يقول لي تاء ) هو المثل المناظر.
+++++
الترجمة الحرفية – اذا سرت في طريق , فلا تتراجع في منتصفه .
التعليق – مثل جميل ومفيد , و يحتاجه الانسان فعلا في مسيرة حياته . يقول المثل العربي – الامور بخواتمها .
+++++
الترجمة الحرفية – يسير في الماء ولايزال يخاف ان تبتل قدماه .
التعليق – صورة كاريكاتيرية واضحة المعالم جدا للانسان غير الواقعي والبعيد جدا عن ظروفه المحيطة به.  رسومات الكاريكاتير تتميّز دائما بالمبالغة كي توصل الفكرة بشكل واضح جدا , والمثل الفيتنامي هذا يجسّد هذه الخصائص طبعا .
+++++
الترجمة الحرفية – طريق العودة يبدو أقصر دائما .
التعليق – كثير من الامور في الحياة ترتبط بالحالة النفسية للانسان , والمثل الفيتنامي هذا يرسم صورة طريفة فعلا لذلك .
+++++
الترجمة الحرفية – ذكي واحد لا يقدر ان يقاوم مجموعة من الاغبياء .
التعليق – الكثرة تغلب الشجاعة بغض النظر عن الذكاء والغباء ...
+++++
الترجمة الحرفية – الطير الحكيم يحافظ على الريش , والانسان الحكيم على الكلمات .
التعليق – مثل حكيم عن الحكماء , والمقارنة في هذا المثل جميلة جدا ومبتكرة بكل معنى الكلمة.
+++++
الترجمة الحرفية – في المرة الاولى أخفق , في المرة الثانية يكون أكثر حذرا .
التعليق – لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين , ونحن نتعلم من الاخطاء ... المثل الفيتنامي يلخّص كل هذه المعاني  بشكل دقيق وبسيط وواضح جدا.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب – ( امثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المنقحة والمزيدة , والذي سيصدر عن دار نوّارللنشر قريبا في بغداد.
ض.ن.

36
أمثال هندية مترجمة عن الروسية (4)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الرحمة تجمّل الانسان القويّ.
التعليق – ونحن نقول - العفو عند المقدرة . أليس العفو يعني قوة الانسان ؟ وأليس العفو يجعل الانسان جميلا ؟ وأليس العفو هو الرحمة؟ المثل الهندي صحيح مثلما القول العربي . 
+++++
الترجمة الحرفية – بائع النظارات في عالم العميان .
التعليق – مثل ساخر جدا , وهو يصطاد عصفورين بحجر واحد , اذ يسخر من سذاجة هذا البائع المنفّذ للفكرة , و يسخر طبعا من غباء مخططي هذه التجارة الكاسدة. توجد امثال كثيرة حول هذه الحالة , منها المثل المشهور باللهجة المصرية –  متروحش تبيع الميّة في حارة السقايين . المثل المصري طريف , والمثل الهندي دقيق .
+++++
الترجمة الحرفية – اللص للّص ابناء عم .
التعليق – الاعمال السيئة توحّد القائمين بها . مثل دقيق جدا .
+++++
الترجمة الحرفية – البطالة تخلق افكارا شيطانية .
التعليق – مثل واقعي صحيح جدا , ونراه واضحا – مع الاسف الشديد - في ظروف عالمنا المأساوية . 
+++++
الترجمة الحرفية – الذي لا يجيب بغضب على الغضب , ينقذ الاثنين – نفسه والشخص الذي غضب اولا.
التعليق – يوجد حديث شريف في تراثنا يقول – لا تغضب . المثل الهندي تطبيق عملي لجوهر ذلك الحدبث العظيم .
+++++
الترجمة الحرفية – حاول الغراب ان يسير مثل البجعة , ولم يعد يقدر- بعدئذ-  السير مثل الغراب .
التعليق -  هل تذكرون المثل بمختلف اللهجات العربية – غراب البين ضيّع المشيتين ؟ مثلنا هذا يتطابق شكلا ومضمونا مع المثل الهندي , لكن صاحبي قال لي , ان هناك مثل عراقي آخر أكثر طرافة يتطابق مع هذه الحالة ايضا , وهو – لا حظت برجيله ولا خذت سيد علي , و( ترجمة !) هذا المثل هكذا – لم تحظ بزوجها ولم تتزوج سيد علي . قلت لصاحبي مبتسما , نعم المثل يتطابق فعلا , الا انه صعب لغير العراقي , اذ يقتضي شرحا تفصيليا للحكاية . المثل الهندي واضح المعالم .
+++++
الترجمة الحرفية – من اين للحمار ان يعرف طعم الرفاهية ؟
التعليق – صاح صاحبي عندما سمع هذا المثل – الله ما أجمل ذلك ! , فقلت له متعجبا – ما سبب هذا الاعجاب , فقال – البناء الفني لهذا المثل الهندي , فالحمار هو رمز الحيوان الصبور , الذي يذهب محمّلا ويعود محمّلا , كما يقول مثلنا الشهير- حمار المشاهدة يخرج بزبالة ويدخل بجص , فكيف يمكن لهذا المسكين ان يعرف معنى الرفاهية . قلت لصاحبي – نعم , موقفك صحيح فعلا , وكنت أتذكّرفي هذه اللحظة - وبأسى - بعض حالات البشر ...
+++++
الترجمة الحرفية – الغراب الصغيرمثل الذهب بالنسبة للغراب الكبير .
التعليق – يقول المثل العالمي - القرد بعين امه غزال , وهناك مثل هندي آحر في نفس هذا المعنى يقول – القنفذ يعتبر جلد اطفاله ناعما . المثل المذكور هنا يأتي بصورة جديدة للمثل القديم , فالهند مليئة بمختلف الحيوانات , وملاحظاتهم الدقيقة حول هذه الحيوانات تؤدي الى صياغة امثال ترتبط بحياة المجتمع . الاجتهاد الجديد جميل دائما , والصور الفنية الجديدة تنعش الروح والقلب .
+++++
الترحمة الحرفية – حتى في الدورق المكسور يمكن ان تضع سكر .
التعليق –  الصورة الفنية جميلة ورمزية في هذا المثل , والدورق المكسور يمكن ان يعني حتى الانسان المكسور , الذي يحتاج ايضا الى ( سكّر!!!) , سكّر من العناية والكلمات الطيبة , و المثل الروسي يقول – الكلمة الطيبة تداوي والكلمة الشريرة تقتل ....
 +++++
الترجمة الحرفية – لا تصدّق الذي يسمع , صدّق الذي يرى .
التعليق – المثل الروسي يقول – افضل ان ترى مرة , من ان تسمع مئة مرة , والمثل العربي يقول – ليس من رأى كمن سمع , وبلهجتنا العراقية نقول – الحجي مو مثل الشوف ( الحجي – الكلام , مو – ليس , الشوف – الرؤية بالعين ) . وكل هذه الامثال صحيحة جدا .
+++++
الترجمة الحرفية – في الماء لا تتخاصم مع التماسيح .
التعليق – مثل حكيم , فالانتصار في معركة الحياة تقتضي ان يحدد المنتصر اين ومتى يجب ان ( يتعارك !).
+++++
الترجمة الحرفية – الصمت – نصف موافقة .
التعليق – المثل العالمي , والذي استقر بالعربية هو - السكوت من الرضا . المثل الهندي يختلف , رغم انه لا يتناقض جوهريا مع المثل العالمي . ربما يمكن القول , ان المثل الهندي أكثر دقة , اذ انه يعني فعلا – نصف الموافقة .
+++++
الترجمة الحرفية – لا تحكم حسب المظهر الخارجي .
التعليق –  المثل الروسي يقول – حسب الملابس يستقبلون , وحسب العقل يودعون . المثل الروسي يوضح صحة المثل الهندي ويعطي نهاية منطقية له .
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدرعن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.



37
أمثال هندية مترجمة عن الروسية (3)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – النصر اولا على نفسك , وبعدئذ على الاعداء .
التعليق – مثل فلسفي عميق , هكذا قال لي صاحبي , فطلبت منه توضيحا لذلك , فضحك وقال , الا يذكرك هذا المثل باوضاع بلداننا العربية ؟ ثم بدأ (يدندن!) بمقطع من اغنية عراقية شهيرة ظهرت في بداية الثمانينات تقول – ألف مبروك انتصرنا ... , ثم سألني – هل تريد ان (ادندن !!!) لك باغنيات عربية اخرى عن النصر ؟ فقلت له مبتسما - لا لا , اذ ان الفكرة قد وصلت ...
+++++
الترجمة الحرفية – يوجد عميان عيون , ويوجد عميان قلوب .
التعليق – صورة فنية واقعية فعلا . عميان العيون واضحون , ونحاول ان نساعدهم قدر الامكان لاننا نراهم , لكن عميان القلوب خطرون جدا , لأننا لا نراهم رغم انهم يعيشون بيننا , ولهذا , لا يمكن لنا ان نتجنبهم , وتلك هي المصيبة . يوجد مثل روسي يقول – العين بلا روح عمية , والاذن بلا قلب طرشة . المثل الروسي أوسع , الا انه يتحدث عن نفس الظاهرة  ...
+++++
الترجمة الحرفية – اذا لا تموت لن تشاهد الجنّة .
التعليق – وهل يحتاج هذا المثل الواضح والحاذق الى تعليق ؟ وهل من الضروري ان نشير هنا الى ان هذا المثل يعني عدم وجود الجنّة في حياتنا على الارض ؟ وهل من الواجب ان نستنتج ما هي طبيعة هذه الحياة , التي نحياها ؟ وهل يجب علينا ان نستمر بطرح هذه السلسلة من الاسئلة ؟؟؟
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تظهر الشمس , تختفي النجوم .
التعليق – نعم , هذا صحيح جدا في الواقع , وما وراء الواقع ايضا كما يقول ( الراسخون في النقد والفكر !!!) . مثل واضح ورمزي جميل , واضح وضوح الشمس عندما تشرق , وجميل جمال عودة النجوم عندما تعود ليلا , فظهور الشمس يعني سطوع النهار والنشاط والعمل , وعودة النجوم تعني الراحة والاسترخاء والاحلام ...
+++++
الترجمة الحرفية – الصمت أفضل من الكلمات الكاذبة .
التعليق – المثل العالمي وبمختلف الصيغ  و الاشكال يقول -  الكلام من فضة والصمت من ذهب , ولكن الصورة الفنية في هذا المثل الهندي جديدة ومبتكرة ورائعة فعلا , فلا توجد فيها فضة ولا ذهب , وانما يوجد فيها حل للانسان امام الكلمات الكاذبة , حل واقعي سليم , وما أحوجنا له في اطار واقعنا المرير , واقعنا الملئ ب ( الكلمات الكاذبة !) .
+++++
الترجمة الحرفية – النار تنطفئ لكنها لا تبرد .
التعليق –  مثل رائع . فهل نار الحب تبرد , الحب بمعناه الواسع والكبير , مثل حب الوطن وألاهل و الاحبة والاصدقاء والجدران التي كان يقبّلها الشاعرالعربي , هل تذكرون المقطع –  ... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا ...؟
+++++
الترجمة الحرفية – فقط الذي يمتلك العصا يقدر ان يسوق الثور.
التعليق – ونحن نقول العصا لمن عصى . المثل العربي في نفس المعنى ولكنه أكثر شمولية , رغم رمزية المثل الهندي وصياغته الجميلة, اذ انه يرسم – وبمنطق واقناع والوان زاهية – ضرورة القوة والحزم عندما يقودون الثيران ... 
+++++
الترجمة الحرفية – اذا أردت ان تعرف هل الرز جاهز , يكفي ان تجرّب حبّة واحدة .
التعليق –  يقول المثل الكوري ليس من الضروري شرب كل ماء البحر كي تعرف انه مالح . المثل بلهجتنا العراقية يقول – علج المخبل ترس حلكه , ( علك المجنون ملأ فمه ). أليس ذلك واضحا ؟
+++++
الترجمة الحرفية – بكى الذئب , عندما ابتلّت النعاج تحت المطر .
التعليق – لأن الذئب (رومانتيكي جدا ورقيق جدا !!!). ولهذا , فالحذار الحذار من دموع الرومانتيكيين واحاسيسهم الرقراقة . هذا ما يقوله لنا هذا المثل الهندي الواقعي جدا, والطريف جدا  , والساخر جدا .
+++++
الترجمة الحرفية – التعاطف وقت التعاسة مثل المطر وقت الجفاف .
التعليق – مقارنة شاعرية وحقيقية معا .  آه كم يحتاج الانسان في لحظات حزنه ومصائبه الى تعاطف الناس حوله , ويفهم الانسان الذي مرّ بهذه التجارب ماذا يعني كل ذلك ... 
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية , المزيدة والمنقحة , والذي سيصدر عن دار نوّار قريبا في بغداد.
ض.ن.


38
رواية تولستوي (الحرب والسلم ) بين أمريكا وروسيا
أ.د. ضياء نافع
تابعت – وبكل متعة  – برنامجا خاصا في بداية عام 2020 بثته محطة ( ايستوريا ) (التاريخ ) التلفزيونية الروسية حول الزيارة التي قام بها نيكيتا سرغييفتش خروشوف – الرجل الاول في الحزب الشيوعي السوفيتي والدولة السوفيتية في نهاية الخمسينات وبداية الستينيات الى الولايات المتحدة الامريكية  , حيث كنت أنا آنذاك طالبا في جامعة موسكو. لقد تذكرت ردود فعل الشباب الروس ونكاتهم ( نصف السرية ) حول تلك الزيارة , وكيف كانوا يسمونه ( كوكوروزنك ) اي ( ابو الذرة ) , لانه جلب معه من امريكا فكرة زراعة الذرة في الاتحاد السوفيتي , وتذكرت النكتة التي كانوا يحكونها عن رجل الفضاء الامريكي الذي وصل الى القمر ليزرع الذرة , فوجد القمر مزروعا بالذرة , وعندما سأل , من الذي قام بذلك , أخبروه بمجئ شخص سمين قصير القامة واصلع قد وصل الى القمر فجأة وزرع الذرة في كل مكان وعاد الى الارض دون ان يفهموا لماذا. القناة التلفزيونية الروسية لم تتحدث عن ذلك طبعا , ولكنها أشارت , الى ان خروشوف زار هوليود , واطلع ( بام عينيه !) على اخبار السينما الامريكية وفنانيها , وقد سمح – بعدئذ - بعرض الفلم الامريكي ( الحرب والسلم ) , الذي انتجته هوليود حسب رواية تولستوي في هوليود عام 1956 , وقال معلق البرنامج التلفزيوني المذكور , ان القيادة السوفيتية آنذاك لم تفكر بردود فعل المشاهدين السوفيت على هذا الفلم الامريكي , ولا بشأن ردود فعل الفنانين السوفيت بالذات , و توقف المعلق التلفزيوني بالتفصيل عند هذه النقطة الحساسة جدا  آنذاك , وكيف  ان الفنانين السوفيت طرحوا سؤالا كبيرا امام السلطات السوفيتية بعد عرض الفلم , وهو – لماذا انتجت امريكا رواية أعظم كاتب روسي في تاريخ روسيا , ولم تستطع روسيا نفسها القيام بذلك , وهي الاحرى بانتاج مثل هذا الفلم . وهكذا بدأ الحديث الصريح حول ذلك , ثم التنافس بين الفنانين السوفيت حول انتاج فلم سوفيتي لرواية تولستوي , والذين كانوا يقولون , انه يجب ان يكون أعظم من الفلم الامريكي لتلك الرواية , وذلك حسب الروحية التي كانت سائدة عندئذ في الفكر والمزاج السوفيتي  , واستقر هذا التنافس بعد فترة ليست بالقصيرة على اسم سيرغي باندرتشوك لاخراج هذا الفيلم , وبدأ البحث عن البطلة الروسية , التي سوف تؤدي دور نتاشا  رستوفا , كي تكون أروع من اودري هيبورن الامريكية في الفلم الامريكي, التي لعبت دور تلك الشخصية في رواية تولستوي , وبعد اللتي واللتيا اختاروا لودميلا سافيليفا لتمثيل هذا الدور, والتي حازت على الاوسكار بعدئذ . وقد تبيّن ( حسب البرنامج التلفزيوني المذكور ) ان المخرج الايطالي الشهير فيتوريا دي سيكا وصل الى موسكو( بعد انتاج الفلم السوفيتي ) وعرض على الممثلة الروسية لودميلا سافيليفا ان تشارك في عمل سينمائي له في ايطاليا , ولكن ( الظروف السوفيتية ودهاليزها , خصوصا بعد ان تمّت ازاحة خروشوف !!) لم تسمح للمخرج الايطالي دي سيكا ان يحقق اقتراحه المثير هذا , ومن المعروف ان دي سيكا ( الذي ارتبط اسمه بموجة الواقعية الجديدة في السينما ) هو الذي قدّم الى السينما الايطالية ( والعالمية طبعا ) افلاما خالدة مثل سارق الدرّاجة وماسح الاحذية وغيرها... .
بعد ظهور الفلم السوفيتي , هبّت عاصفة المقارنة بينه وبين الفلم الامريكي في اوساط الشباب السوفيتي , وتذكرت كل تلك النقاشات العاصفة بين الطلبة السوفيت عندما تم عرض الفلم السوفيتي في موسكو , وانتبهنا – نحن الطلبة الاجانب – الى طبيعة هذه النقاشات , وكيف طرح السوفيت الموضوع وكأنه مسألة سياسية بحتة , اذ كان التركيز ينطلق من مفهوم المقارنة بين  الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة الامريكية وهم يستخدمون تولستوي وروايته ( الحرب والسلم ) في ثنايا نقاشهم , لدرجة , ان احدهم طرح سؤالا حول ذلك , وهو-  لو كان تولستوي حيّا فماذا كان سيقول ؟ وكانت الاجابات متنوعة جدا , اذ ابتدأت اولا بالقول , ان تولستوي كان وسيبقى حيّا في مسيرة الادب والفكر الروسي , وثانيا , ان الصراع الروسي – الغربي الذي صوّره تولستوي في روايته حول حرب نابليون ضد روسيا يجب ان يتم توظيفه ( اي الصراع ) لصالح روسيا وليس ضدها , وان الفلم الامريكي طرح الموضوع بشكل غير موضوعي , اذ صوّر الموضوع بموقف محايد , و ( الحياد هذا !!) واقعيا كان يعكس موقفا واضحا تجاه روسيا وتاريخها , واعترض البعض على هذا المفهوم قائلا , ان الفن يجب ان يكون هكذا , وتحدث البعض عن موضوع ( الابهار ) في الفلم الامريكي مقارنة بالفلم السوفيتي , وان هذا الجانب جعل الفنان السوفيتي ( يركض لاهثا ) من اجل ان يحاكي الفنان الامريكي , وجرى الحديث هنا طبعا عن ( الابهار ) عند تولستوي اصلا في هذه الرواية ( المبّهرة شكلا ومضمونا ) في الادب الروسي والعالمي ايضا , وان الامريكان حاولوا ان يعكسوا الابهار التولستوي في فلمهم , وان السوفيت حاولوا ايضا , وكلاهما لم يستطيعا اللحاق بتولستوي نفسه ...
رواية تولستوي ( الحرب والسلم ) دخلت ضمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين , وعلى الرغم من ان هذه الحرب قد اصبحت من الماضي بعد زوال الاتحاد السوفيتي, الا ان رواية تولستوي ( الحرب والسلم ) لازالت حيّة ترزق!!!   

39
أمثال اندونيسية مترجمة عن الروسية (4)
أ.د. ضياء نافع
 الترجمة الحرفية – والحكيم يمكن ان يخطأ .
التعليق – والمثل الياباني يقول – والقرد يمكن ان يسقط من الشجرة . هناك أمثال كثيرة لدى مختلف الشعوب حول هذه الحالة  الانسانية الاعتيادية في الجياة البشرية في كل مكان , ولنتذكر مثلنا العربي الشهير - لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة . آه من الانسان المغرور و الجاهل , الذي لا يفهم هذه الحقائق الدامغة والطبيعية جدا في مسيرة حياتنا ولا يعترف بها .
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تظهر عند القطط  قرون .
التعليق –  المثل العراقي المناظر لهذا المثل الاندونيسي هو-  من يبيض الديج ( من بكسر الميم – عندما , الديج – الديك ) . المبالغة الخيالية الهائلة ضرورية في تلك الامثال التي تعني الاستحالة , وذلك كي توصل الفكرة مثل الومضة الساطعة الى المتلقّي ...
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يتكلم أفضل – هو الذي ينتصر.
التعليق – تسود الحرب الاعلامية في عالمنا ومنذ زمن بعيد , والمتحاربون يطلقون على بعضهم البعض ( اشاعات متنوعة بدلا من الاطلاقات النارية !!!). يقول المثل الروسي – الكلمة ليست سهما , لكنها تتوجه نحو القلب .
+++++
الترجمة الحرفية – بالكاد تسلّق الجبل , واذا هناك جبل آخر .
التعليق – الصورة الفنية في هذا المثل الاندونيسي جميلة ورمزية ومعبّرة جدا عن طبيعة الحياة وديمومة صعوباتها , وتذكّرنا طبعا بكلمات المعرّي الخالدة – تعب كلها الحياة فما أعجب الا .....
+++++
الترجمة الحرفية – والملعقة الكبيرة دون طعام لا تشبع .
التعليق – المضمون هو المهم وليس الشكل في الحياة اليومية للانسان , الذي يحتاج الى الطعام كي يشبع , وهي الحاجة الاولى لكل البشر . هناك مثل ياباني طريف جدا وحقيقي جدا يقول – الحاجة للطعام أقوى من الحب .
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تعبر الابرة , يعبر الخيط .
التعليق – يصوّر هذا المثل الارتباط العضوي بين شيئين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما , كالنار والدخان مثلا . الصورة الفنية في هذا المثل الاندونيسي مبتكرة فعلا .
+++++
الترجمة الحرفية – الماء العكر لا يجري من بحيرة صافية .
التعليق – يؤكد هذا المثل على (الاصل) , اذ هو الذي يحدد الامور لاحقا . مثل حاذق جدا , ومن الواضح ان المثل يدور حول الانسان ( العكر) ,لأن ( منبعه عكر), وبالتالي , سيكون دوره ( عكر ) في المجتمع  .
+++++
الترجمة الحرفية – سمكة واحدة علقت بسنارتين .
التعليق – المثل العالمي يتحدّث عن – (اصطياد عصفورين بحجر واحد) , اي تحقيق هدفين بفعل واحد محدد. الصورة الفنية المعاكسة له هنا في هذا المثل الاندنوسي , اذ  ان هذا المثل يتحدّث عن حالة اخرى معاكسة تماما , وهي صراع بين اثنين من اجل تحقيق هدف واحد محدد. مثل نادر بين امثال الشعوب .
+++++
الترجمة الحرفية –   كثيرا – لا تعني دائما جيدا .
التعليق – الكثرة لا تعني الجودة , وهناك مثل عربي قديم يقول - كثرة على قلة خير , و يضرب هذا المثل عندما لا يرتجى من الكثرة نفع عام . المثل الاندونيسي أوسع وأشمل , ولكنه في نفس المعنى .
+++++
الترجمة الحرفية – اذا كان غير محظوظ , يغرق في اليابسة .
التعليق – المثل الاذربيجاني في هذا المعنى يقول – اذا بدأت الاخفاقات , فان الاسنان تتكسرحتى عند أكل الحلاوة . 
+++++
الترجمة الحرفية – ركض وراء الدخان , وبقي دون نار .
التعليق – صورة فنّية جميلة , وتعني وبوضوح و سطوع , ان السير وراء اهداف هلامية غير محددة يؤدي الى الضياع .
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية المزيدّة والمنقّحة , الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.

40
أمثال أفغانية مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – قول الحقيقة للصديق لا يسئ الى الصداقة .
التعليق – ونحن نقول صديقك من صدقك لا من صدّقك . قال صاحبي , ان هذا المثل الافغاني ينطبق على الاصدقاء الحقيقين فقط , فالصديق غير الحقيقي لا يتحمل الحقيقة ابدا مع الاسف, فابتسمت أنا ووافقته على ذلك .
+++++
الترجمة الحرفية – الفقر في الحرية افضل من الغنى في الحظر.
التعليق – الحرية أغلى من كل شئ . هناك مثل فيتنامي يقول – اذا انطلق الطير من القفص , لا تأمل انه سيرجع اليه . المثل الفيتنامي في نفس المعنى طبعا , اذ ان الطير في القفص كان يضمن طعامه وشرابه , ولكنه يفضّل الانطلاق ...
+++++
الترجمة الحرفية – اعمل خيرا لذاك الذي عمل لك الشر.
التعليق – دعوة نبيلة لايقاف الشر ومعالجته بشكل عقلاني , والمسامح كريم كما يقولون . هناك مثل صيني يذكّر بهذه الحالة , وهو – الانسان النبيل لا يتذكر الشر القديم.
+++++
الترجمة الحرفية – في الغربة تقيّم الوطن أكثر .
التعليق – نجد مثل هذه الامثال عند مختلف الشعوب التي ابتليت بالهجرة , ومنها طبعا شعوبنا العربية . توجد أمثال كثيرة حول هذا الموضوع , منها المثل الاذربيجاني – الشوك في الوطن افضل من الورد في الغربة , ويقول المثل الكوري في هذا المعنى – انسان بلا وطن اسوأ من كلب بلا بيت . امثال هذه الشعوب مبالغة في تصويرها للغربة , لأن الغربة تعيسة ورهيبة فعلا , الا ان المثل الافغاني هذا بعيد عن تلك المبالغة , ودقيق جدا في التعبير .
+++++
الترجمة الحرفية – بعد الموت يحكمون على الانسان بشكل أصح.
التعليق – نعم , هذا صحيح , وربما , لأننا ننفذ القول العظيم - اذكروا محاسن موتاكم , وربما , لأننا نحكم عليهم بعد موتهم بشكل موضوعي هادئ دون الخوف من ردود فعلهم تجاه ما نتحدّث به عنهم . يقول المثل الجورجي في  هذا الخصوص – ما دام الانسان لم يمت فان اعماله ليست مرئية.
+++++
الترجمة الحرفية – الذي كان , فانه مضى .
التعليق – مثل واقعي فعلا , وهو يذكرنا بمثلنا العربي المعروف - ما فات مات.
+++++
الترجمة الحرفية – لا تكن حلوا اكثر مما يجب , والا سيأكلوك .
التعليق – المثل الهندي في نفس المعنى يقول - لا تكن حلوا فيأكلوك ولا مرّا فيبصقوك , و المثل العربي ايضا يقول - لا تكن لينا فتعصر ولا جافا فتكسر. لنتذكر - مرة اخرى – القول العربي الشهير – خير الامور أوسطها ...
+++++
الترجمة الحرفية – الرب أقوى من الشرطي .
التعليق – مثل طريف جدا , وهو تعبير صادق لتفكير الناس البسطاء امام جبروت السلطة وظلمها , فالشرطي هو رمز السلطة القاسية تجاه شعبها , وتعرف شعوبنا العربية معنى كل ذلك في مسيرة حياتنا المعاصرة .
+++++
الترجمة الحرفية – السير بلا هدف أفضل من الجلوس بلا هدف .
التعليق – يقول المثل الجورجي في نفس المعنى – افضل مما ان تجلس دون جدوى , اعمل دون جدوى. المثل الافغاني أوسع , فهو يدعو الى السير ليس الا...
+++++
الترجمة الحرفية – عند الانسان الغبي عين واحدة .
التعليق – طبعا توجد لدى الغبي عين واحدة , اذ انه لا يستطيع ان يرى جوانب الحياة باكملها . الصورة الفنية لهذا المثل ساخرة جدا ودقيقة جدا.
+++++
الترجمة الحرفية – في اليد خمسة أصابع , وكلها مختلفة .
التعليق – تذكرت رأسا مثلنا بلهجتنا العراقية -  مو كل اصابعك سوه . المثل الافغاني يكرر نفس المفهوم , الا انه يعبّر عنه باسلوب هادئ وعلمي وموضوعي دون سخرية .
+++++
الترجمة الحرفية – مد رجليك حسب السجادة .
التعليق – ومن منّا لا يعرف مثلنا الشهير في كل بلداننا العربية ( وكلّ بلهجته ) والذي يقول - مد رجليك على كد لحافك ؟
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان لا يعبر النهر بزورقين .
التعليق – مثل بخيال مدهش , ويذكّر بامثال عديدة عند مختلف الشعوب في نفس المعنى , منها – قبل كل شئ - القول العظيم والشهير للسيد المسيح – ( لا يقدر أحد ان يخدم سيدين.....)


41
أمثال جورجية مترجمة عن الروسية ( 3 )
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – يغرق الناس في الخمر أكثر مما يغرقون في الماء.
التعليق – الصورة الفنية صادمة في هذا المثل الجورجي , وبالتالي , فانها تستحق فعلا التأمل والتفكير, وتدعو الى الاستنتاجات العميقة  رغم ان هذه الحالة تبدو محصورة في اطار بعض المجتمعات , الا ان ( الموضوع !) , مع ذلك , يمتلك امكانية الانتشار , اذ انه يحمل ( بذور العدوى !), والوقاية خير من العلاج كما يقول مثلنا العربي المعروف.
+++++
الترجمة الحرفية – ضيف دعى ضيفا آخر, وصاحب البيت طرد الاثنين معا .
التعليق – الضيف غير المدعو ثقيل دائما وغير مرحب به, وهناك أمثال عديدة عند مختلف الشعوب حول هذه المواقف العامة بين البشر , فنحن نقول بلهجتنا العراقية – (اللي يروح بليا عزيمة يرقد بليا فراش)( الذي يذهب دون دعوة يرقد دون فراش), وهناك مثل روسي يقول – غير المدعو اسوأ من التتري , و المثل الافغاني في هذا المعنى يقول – المكان يكفي لمئات الضيوف المدعوين , ولكنه لا يكفي لضيف غير مدعو....الخ , لكن المثل الجورجي يعطي حلا ( حاسما !!) للامر, وفي هذا ( الحل!) تكمن طرافة هذا المثل وتميّزه عن امثال الشعوب الاخرى حول ذلك , ف ( صاحب البيت طرد الاثنين معا !!!).    
+++++
الترجمة الحرفية – الهديّة تتطلب هديّة .
التعليق – يطرح هذا المثل قضية عامة تشمل كل الناس في مختلف المجتمعات , فالهدية تعتبر ( دينا !) للمهدى اليه , ويجب عليه ان ( يردّها يوما ما و باحسن منها , اي يجب ان يسدد الدين !!! ) . المثل الجورجي هذا صحيح جدا ويصف بكلمات وجيزة هذه الحالة بشكل دقيق. عندما يستلم الانسان هدية , فيجب عليه ان يبدأ رأسا بالتفكير حول كيفية ( تسديدها!).
+++++
الترجمة الحرفية – الكلمة الطيبة تفتح البوابة الحديديّة .
 التعليق –  المثل المناظرلهذا المثل الجورجي بلهجتنا العراقية يقول – الكلمة الطيبة تطلع الحيّة من الزاغور , ( تطلع – تخرج بضم التاء , الزاغور – الجحر) . الصورة الفنية في المثل العراقي طريفة جدا وذات نكهة اسطورية , و تختلف تماما عن الصورة الفنية في المثل الجورجي , الا ان المعنى واحد دون شك .
++++++
الترجمة الحرفية – الاخ ( الصديق ) ضروري قبل كل شئ اثناء المصيبة .
التعليق – معنى المثل واضح ويتكرر بمختلف الصور عند الشعوب , ولنتذكر مثلنا العربي الشهير – الصديق وقت الضيق . يقول المثل الياباني – تعرف الانسان عند الكوارث.
+++++
الترجمة الحرفية – الحديد يصبح أقوى في النار , والانسان في الصعوبات .
التعليق – الصعاب والمعاناة تصقل الانسان فعلا وتجعله قوي الارادة و العزيمة . المقارنة بين الحديد في النار والانسان اثناء الصعوبات مقارنة غير اعتيادية و في غاية الجمال .
+++++
الترجمة الحرفية – افضل ان تحاكيهم ,  من ان تحسدهم .
التعليق – مثل رائع , اذ انه يدعو الانسان الى التحرر من مراقبة الناس وحسدهم , ولنتذكر القول الشهير - ( من راقب الناس مات همّا).  الافضل للانسان فعلا ان يكرر اعمال هؤلاء الذين يحسدهم , ويحاكيها . حلّ مثالي فعلا , رغم انه – مع الاسف الشديد – لا يحدث  في  واقع الحياة ومسيرتها.
+++++
الترجمة الحرفية – الثعلب أسمى ذيله شاهدا .
التعليق –  مثل طريف جدا , ويذكرنا بصيغة المثل المعروف بلهجتنا العراقية  - عصفور كفل زرزور وثنينهم طيّاره , ( ثنينهم – كلاهما )  . الصورة الفنية في هذا المثل الجورجي في قمة الخيال والجمال .
+++++
الترجمة الحرفية – يعرفون قيمة الثروة عندما يحصلون عليها , وقيمة الصديق عندما يفقدونه .
التعليق – مثل واقعي و حقيقي , و يتضمن حكمة خالدة فعلا في حياة البشر...

 ===================================================
من كتاب – (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) بطبعته الثانية المزيدة والمنقحة , الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.
ض.ن.

42
أمثال الهنود الحمر مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – من اجل الاستماع الى نفسك , تحتاج الى أيام من الصمت .
التعليق – مثل فلسفي عميق , فالانسان يجب فعلا ان يتخلص من الضجيج حوله ومن ثرثرة الآخرين كي يتفرغ لنفسه ويستمع اليها . لنتذكر الآية الكريمة –  اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا...
+++++
الترجمة الحرفية – الطفل ضيف في بيتك - اطعمه و علّمه واطلقه .
التعليق – مثل رائع في التربية , وهو واضح المعالم جدا بالنسبة لطبيعة الحياة عند الهنود الحمر , ولكنه – مع ذلك - يمتلك ابعادا مشتركة مع مسيرة حياة البشر عموما , اذ نتذكر رأسا القول التربوي العظيم في تراثنا – لا تؤدبوا اولادكم باخلاقكم , لانهم خلقوا لزمان غير زمانكم .
+++++
الترجمة الحرفية – أقوى قوة هي اللين و المرونة.
التعليق – مثل حكيم جدا , يؤكد على الحلول المرنة والتفاهم المتبادل . كم نحتاج الى هذا المثل بعض الاحيان ! لا تكن ليّنا فتعصر ولا جافّا فتكسر – هكذا يقول المثل العربي ,ولا تكن حلوا فيأكلوك ولا مرّا فيبصقوك – وهكذا يقول المثل الهندي , وتتكرر نفس الفكرة عند الهنود الحمر طبعا , ولكن بشكل  واضح ومباشر وحاسم .
+++++
اترجمة الحرفية – تذكّر دائما , ان الابتسامة شئ مقدّس , و يجب ان تتقاسمه .
التعليق – الابتسامة علامة التفاؤل في الحياة , والمتفائل يجد طريقة في الحياة بشكل أسهل من المتشائم .  المثل يؤكد على هذا الجانب من الحياة , بل ويعتبره ( مقدّسا !) , ويذكرنا طبعا بالحديث الشريف المعروف لدينا عن العلاقة العضوية بين التفاؤل وايجاد الخير , ولكن المثل يذهب أبعد , ويدعو الانسان الى ان ( يتقاسم ) هذا الشئ المقدس مع الناس الآخرين , فما أروع ذلك !
+++++
الترجمة الحرفية – العدو ليس دائما عدوا, والصديق كذلك.
التعليق – مثل سياسي بامتياز, ومن الواضح ان الهنود الحمر ليسوا مثلما كانت تصورهم الافلام الامريكية , اذ انهم كانوا ينطلقون من هذا المفهوم السياسي والدبلوماسي في علاقاتهم المتشابكة مع بعضهم البعض , و هذا المثل واقعيا يتطابق مع طبيعة العلاقات الانسانية عموما , بما فيها العلاقات الشخصية ايضا...
+++++
الترجمة الجرفية – احذر من الانسان الذي لا يتكلم , ومن الكلب الذي لا ينبح.
التعليق –  الانسان الذي لا يتكلم عن افكاره ولا يعبّر عنها يبقى مجهولا للآخرين , وبالتالي لا يمكن التكهن بافعاله او ردود افعاله تجاه الامور المطروحة حوله , وطرافة المثل هذا هو التحذير ايضا من الكلب الذي لا ينبح , وربما يريد مثل الهنود الحمر ان يساوي هذا الانسان بذلك الكلب . يوجد مثل ياباني في نفس المعنى وهو – كن حذرا مع الذي يصمت , وهناك مثل مشهور بلهجتنا العراقية يصف نفس الحالة ولكن بشكل مرح جدا , وهو - من السكوتي طكي وموتي ومن الورواري خلي وفوتي , ( السكوتي – الصامت ,طكي – انفجري , الورواري – الثرثار ). 
+++++
الترجمة الحرفية – اذا عندك ما تقوله , انهض كي يشاهدونك .
التعليق – دعوة واضحة و صريحة ودقيقة للاعلان عن الافكار التي يقتنع بها الانسان .
+++++
الترجمة الحرفية – تقديم الخدمات عمل روحاني.
التعليق – مثل نبيل بكل معنى الكلمة .
+++++
الترجمة الحرفية – احكم بقلبك وليس بعقلك .
التعليق – ما أجمل هذا المثل , اذ انه يلغي صرامة العقل عند الحكم ويدعو الى الاستماع الى عواطف القلب ورقته . انها دعوة صادقة للتسامح والعفو عند اتخاذ الاحكام . قال لي صاحبي , ان هذا المثل يذكر بقولنا الشهير – العفو عند المقدرة , فقلت له , أما انا فقد تذكرت قولا آخر وهو – المسامح كريم ...
+++++
الترجمة الحرفية – ذاك الذي يمتلك كثيرا من السلطة , يجب ان يستخدمها دون ضغط .
التعليق – آه لو كان هؤلاء ( الهنود الحمر!!) يحكمون الان في عالمنا المعاصر , هكذا قال لي صاحبي وهو يتحسر أسفا.
+++++
الترجمة الحرفية – الضفدعة لا تشرب ماء البركة التي تعيش فيها .
التعليق – البركة للضفدعة هي الوطن , ولهذا فانها تحافظ عليه ولا يمكن ان تجففه . الهنود الحمر يلاحظون - و بدقة عميقة - الطبيعة وقوانينها حولهم , ويصيغون امثالهم نتيجة هذه الملاحظات الذكية , ولهذا فان امثالهم تتناسق مع مسيرة الحياة البشرية عموما لأنها ملاحظات صادقة وحقيقية . الضفدعة لا تجفف ماء البحيرة رغم عطشها وحاجتها لشرب الماء , لانه وطنها , الذي يبقى عزيزا عليها .  لنتذكر بيت الشعرالعربي الجميل والمعروف الذي ذهب مثلا عن ( بلادي وان جارت عليّ عزيزة ....)  .




43
أمثال كوريّة مترجمة عن الروسية (3)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الطريق طويل عندما تسير وحيدا.
التعليق – نعم , الطريق طويل جدا عندما يكون الانسان بمفرده , ولهذا فاننا نبحث قبل السفر عن ( الرفيق ) انطلاقا من مثلنا ( الرفيق قبل الطريق ) . المثل العربي هذا هو الحل الصحيح و الدقيق والحاسم للمشكلة التي يشير اليها المثل الكوري .
+++++
الترجمة الحرفية – الاحمق وفي ملابس جديدة يبقى أحمقا .
التعليق – يوجد مثل باللهجة العراقية يقول – الزمال ذاك الزمال بس الجلال تبدّل . ( الزمال – الحمار , بس – غير ان , الجلال – ما يوضع فوق الحمار لجلوس الراكب) . المثل العراقي أقبح , لكنه أوضح وتصل فكرته الى المتلقّي رأسا .
+++++
الترجمة الحرفية – المرعوب من النمر يخاف من القطط .
التعليق –  صحيح جدا , ونحن نقول بلهجتنا العراقية - العاضته حيّة يخاف من جرّ الحبل , وهناك صيغة اخرى لهذا المثل وهي – الملدوغ يخاف من جرّ الجبل . الصور الفنية في الامثال تختلف طبعا باختلاف البيئة ليس الا ( عندهم نمر وعندنا حيّة ), ولكن المعنى العام للمثل يبقى نفسه .
+++++
الترجمة الحرفية – سمكة واحدة صغيرة تعكر كل الماء .
التعليق – صغائر الامور يمكن ان تلعب ادوارا كبيرة في مسيرة حياة الانسان وحتى في حياة المجتمع . لنتذكر المثل العربي المعروف – معظم النار من مستصغر الشرر . الصورة الفنية طريفة ومبتكرة فعلا في المثل الكوري .
+++++
الترجمة الحرفية – ليس من الضروري ان تشرب كل ماء البحر كي تعرف انه مالح .
التعليق – يجب ان تسود النظرة العقلانية و المنطق  في حياة البشر , وتحدث نتائج مأساوية عندما نفقد هذه العناصر الضرورية في مسيرة حياتنا , اذ يقتضي عندها( ان نشرب كل ماء البحر !!!) من أجل استنتاج بسيط . ما أجمل الصورة الفنية لهذا المثل الكوري رغم كل هذه المبالغة فيها.
+++++
الترجمة الحرفية – المعرفة بداية الشك .
التعليق – مثل فلسفي بامتياز, اذ ان الشك يطرح الاسئلة المتشعبة حول كل الظواهر والاشياء, وهذا هو الطريق الوحيد نحو التعمق في التفكير والوصول الى المعرفة .
+++++
الترجمة الحرفية – اعمل اطول , وتكلم أقصر .
التعليق – مثل حكيم جدا , فالعمل ونتائجه هي التي تتكلم ويراها الناس والمجتمع . كلنا نعرف الآية الكريمة – وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ...
+++++
الترجمة الحرفية – الهزيمة ام النجاحات .
التعليق – المفهوم العام لهذ المثل يتكرر عند مختلف الشعوب , بما فيها طبعا شعوبنا العربية , فنحن نقول الخسارة تعلم الشطارة , ويقول المثل الياباني الفشل اساس النجاح . يتذكّر جيلنا القصة التي قرأناها في درس ( القراءة ) بالمدرسة الابتدائية عن القائد المهزوم وكيف راقب عمل النملة بعد هزيمته وعاد الى المعركة وانتصر .
+++++
الترجمة الحرفية – يشبه القط , لكنه لا يعرف اصطياد الفئران .
التعليق – مثل مرح جدا , ولكن صاحبي قال , انه مثل رمزي عميق , لانه يذكّرنا ب ( اشباه الرجال ) الذين يتصدرون الامور في مجتمعاتنا , والذين جعلوا (الفئران!) يسرحون ويمرحون بيننا وحولنا لأن الفئران تعرف, ان اشباه الرجال هؤلاء لا يعرفون كيف يصطادوهم . اتفقت مع صاحبي في مفهومه لهذا المثل , ولكنني كررت – مع ذلك -  ان صياغة هذا المثل ظريفة جدا...


44
أمثال أرمنية مترجمة عن الروسية (5)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية -  الكذب شظايا الحقيقة .
التعليق – ونحن نقول - يفوتك من الكذاب صدق كثير , وهناك امثال كثيرة لدى الشعوب تشير الى هذه الظاهرة الاجتماعية المشتركة بين البشر, منها المثل الياباني – وفي الكذب توجد حقيقة .
+++++
الترجمة الحرفية – الخبز عند الجيران أطيب .
التعليق – توجد امثال كثيرة عند مختلف الشعوب حول حالة الحسد والغيرة هذه عند الانسان , اذ نقول نحن , ان ( مرقة الجيران أطيب) و ( دجاجة الجيران أسمن ) , وهناك مثل جورجي طريف يوضح هذه الحالة ويقول -  زهرة الجيران تنغز الحسود مثل الشوك , وكذلك يوجد مثل افغاني طريف ايضا في هذا المعنى , وهو – حمار الغريب يبدو اقوى من حمارك ...
+++++
الترجمة الحرفية –  لا يقدر الفأر ان يفلت من القطة الجائعة .
التعليق –  وهناك مثل صيني غريب معاكس له يقول , ان الفأر الجائع مستعد ان يفترس القط .  ويوجد مثل روسي في هذا المعنى يقول , الذئب الجوعان اقوى من الكلب الشبعان , وهناك مثل ياباني وفي نفس المعنى ايضا يقول - الكلب الجائع لا يخاف من العصا. كل هذه الامثال – رغم مبالغاتها -  تؤكد مثلنا العربي الشهير – الجوع كافر.
+++++
الترجمة الحرفية – والقمر ليس بلا نواقص .
التعليق –  يوجد مثل باللهجة العراقية يكرر هذا المضمون بالضبط , وهو – حتى الكمر بي لوله . ( الكمر – القمر , بي  - به , لوله – عيب او نقص ) , وبشكل عام  فان ( الكمال لله وحده ) .
+++++
الترجمة الحرفية – عندما يأكل الفقير دجاجة , يعني اما هو مريض او الدجاجة.
التعليق – مثل يثير الابتسام , رغم انه يتحدث عن وضع مأساوي بكل معنى الكلمة ,  اذ ان هذا يعني , ان الفقير لا يأكل الدجاج في مسيرة حياته الاعتيادية , ولنتذكر المثل الساخر الشهير باللهجة العراقية – ناس تاكل دجاج وناس تتلقى العجاج.
+++++
الترجمة الحرفية – أفضل شيطان مجرّب من ملاك غير مجرّب.
التعليق – يقول المثل باللهجة العراقية وفي نفس هذا المعنى - الشين التعرفه احسن من الزين المتعرفه , ( الشين – السئ , التعرفه – الذي تعرفه , الزين – الجيد) . المثل الارمني يذهب أبعد من المثل العراقي , اذ يتحدث عن ( شيطان !) و ( ملاك! )...
+++++
الترجمة الحرفية – كما ينظر الاعمى الى الرب , الرب ينظر الى الاعمى .
التعليق – الايمان كامن في اعماق النفس الانسانية بغض النظر عن كل شئ , ولهذا يشعر الاعمى برعاية الرب له , وانه ينظر اليه .
+++++
الترجمة الحرفية – لا يغسلون الدم بالدم وانما بالماء.
التعليق – دعوة جميلة ومهمة جدا لمعالجة حالات الانتقام الرهيبة , وهي دعوة ضرورية جدا بالنسبة لكل المجتمعات الانسانية عموما , والشرقية خاصة .
+++++
الترجمة الحرفية – متى ما تصطاد انت السمكة , فانها طازجة .
التعليق – مثل طريف , وهو واضح المعنى طبعا , ويدعو الانسان الى الاعتماد على نفسه في تدبير كل اموره و متطلباته والاجابة عن تساؤلاته . يقول مثلنا المعروف – ما حك جلدك مثل ظفرك.
+++++
الترجمة الحرفية – مصيبة تجلب مصيبة .
التعليق – المصائب لا تأتي فرادى , هذا هو المثل العربي المناظر , اما المثل الروسي المناظر فيقول – المصيبة لا تأتي بمفردها ابدا , وهناك مثل روسي آخر في هذا المعنى وهو – جاءت المصيبة – افتح البوابة .
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يعرف أكثر ليس الذي عاش أكثر , وانما الذي ذهب أبعد .
التعليق – معنى المثل واضح جدا , فالذي يختلط ويتفاعل مع الحياة هو الذي يمتلك المعرفة , نتيجة التجربة . نقول نحن – اسأل مجرب ولا تسأل حكيم , ( الحكيم باللهجة العراقية هو الطبيب ) .
+++++
الترجمة الحرفية – اليد الكسولة ترقد على معدة فارغة .
التعليق – يقول المثل العربي الذكي جدا – الكسل ما يطعم بصل . الصورة الفنية جميلة في المثل الارمني , الذي هو في نفس المعنى طبعا , رغم انه اكثر شمولية.
+++++

45
أمثال فيتنامية مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – بكل يد من يديه يريد ان يصطاد سمكة .
التعليق –  صياد السمك الفيتنامي هذا لن يصطاد شيئا ابدا , لأنه لا يعرف مثلنا العربي الجميل عن الطمع , وكيف يمكن لهذا الطمع ان  ( يقتله !). 
+++++
الترجمة الحرفية – الطويل يضحك على العمالقة , والقصير يضحك على الاقزام .
التعليق – لوحة كاريكاتيرية رائعة لعالمنا , وهي ( لوحة!!) تجعلنا نضحك على طويلي القامة وقصيري القامة معا , لأنهم لا يعرفون التباين الطبيعي للبشرشكلا ومضمونا , ولا يعترفون بتلك الوقائع الاساسية للحياة الانسانية . ما أعمق هذا المثل الفيتنامي وما ألطفه .
+++++
الترجمة الحرفية –  البيت يتيم بلا رجل , والمطبخ يتيم بلا امرأة .
التعليق – هذا هو النظام السائد في كل مكان وزمان في مسيرة حياة الانسان , وكم حاول ( البعض!!) من الرفاق تغييره هنا وهناك انطلاقا من نظريات يؤمنون بها , ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في التطبيق العملي لنظرياتهم تلك . المثل الفيتنامي هذا يضع النقاط على الحروف بشكل واضح وبسيط و دقيق .
+++++
الترجمة الحرفية – الغني يصبح أحد الاقارب , والفقير يبقى غريبا .
التعليق – حقيقة مؤلمة في حياة الناس شرقا وغربا ...
+++++
الترجمة الحرفية – المرض يدخل عبر الفم , والمصيبة تخرج من الفم .
التعليق – المعدة بيت الداء , اي ان المرض يدخل فعلا عن طريق الفم , واللسان عدو الانسان , اي ان المصيبة تخرج فعلا من الفم . ما أجمل هذه الخلاصة الواضحة والصحيحة في هذا المثل الفيتنامي الدقيق و الجميل .
+++++
الترجمة الحرفية – البطن شبعانة والعيون جوعانة .
التعليق – مثلنا يصف نفس الحالة بالضبط ,ويكرر  نفس الصورة الفنية تقريبا. لنتذكر هذا المثل  - جدره على ناره وعينه على جاره .  الافكار بين الشعوب متناسقة , لأن قواعد الحياة الانسانية واحدة في كل مكان بغض النظر عن كل شئ.
+++++
الترجمة الحرفية – الخمر يدخل , والكلمات تخرج .
التعليق – المثل الروسي يقول – ما يوجد في عقل الصاحي ينعكس على لسان السكران , والمثل العربي المناظر له يقول – الخمر حلاّل لعقدة اللسان . المثل الفيتنامي مختصر مفيد في وصف هذه الحالة العامة عند الانسان .
+++++
الترجمة الحرفية – الماء من السقف يصب دائما الى الاسفل.
التعليق – مثل رمزي واقعي فعلا , اذ ان (عدم انتظام العمل !) في السقف , اي الذين في الاعلى , ينعكس دائما على الذين يكونون تحت السقف , اي  في الاسفل . المعادلة الدائمية للعلاقات في المجتمعات الانسانية بين ( الناس اللي فوق !) و ( الناس اللي تحت!)...
+++++
الترجمة الحرفية – دون فيل , يبدو الثور ضخما .
التعليق – كل الامور نسبية في حياتنا...
+++++
الترجمة الحرفية – السمكة الكبيرة تبتلع السمكة الصغيرة .
التعليق – وكذلك الحال في ( أنهار و بحار!) المجتمعات الانسانية كافة .
+++++
الترجمة الحرفية – يعيش الدجاج في قفص واحد ويتعاركون فيما بينهم .
التعليق – ما أجمل هذا المثل الواقعي فعلا , وكم يذكّر بواقع بلدان عالمنا ( الثالث !!!), بما فيها بلداننا العربية طبعا. لقد قال لنا المتنبي قبل أكثر من عشرة قرون , انه ( ضحك كالبكا ....) .
+++++

46

 القيود و اللهيب و الايقاعات

قصيدة للشاعر اوغستينو نيتو / انغولا

ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع

 
القيود -
رنينها في الطرقات ,
وفي هديل حمام الغابات..
وفي انين النخيل الباسقات..
.......
و اللهيب
يتأجج في جذور الاعشاب ..
و فوق سطوح الاكواخ...
وفي كل الطرقات ..
 جموع الشعب
جموع الشعب
جموع الشعب
جموع الشعب,
 المشردون المنفيون من كل مكان
في كل الطرقات...
يسيرون ,
بتوهج يسيرون..
و بايقاعات...
في الضوء ايقاعات ,
وفي اللون ايقاعات,
وفي الصوت ايقاعات,
وفي الحركات ايقاعات,
وفي خطوات الارجل الملطخة بالدماء
 ايقاعات,
وفي الدم الذي يسيل من تحت الاظافر
ايقاعات,
في كل مكان
 ايقاعات,
ايقاعات..
 آه
يا نداءآت
بلادي الجريحة ...
.........
.........
===============
اوغستينو نيتو ( 1922- 1979 ) -  شاعر وشخصية سياسية كبيرة في تاريخ أنغولا المعاصر / رئيس حزب الحركة الشعبية لتحرير انغولا , واول رئيس لجمهورية انغولا الشعبية منذ تأسيسها عام 1975 والى تاريخ وفاته عام 1979 / يعد - ولحد الان - البطل القومي لانغولا / بدأ بنشر قصائده منذ العام 1947 , وصدر اول ديوان له باللغة البرتغالية عام 1961 / قصائدة مترجمة الى لغات عديدة منها – الايطالية والروسية والصينية والصربية والعربية ...

47
أمثال كوريّة مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – عندما ستكون هناك سلطة , سيكون المناصرون لها جاهزين .
التعليق – ينطبق هذا المثل على ما يجري في العديد من بلدان العالم بشكل واضح, بما فيها طبعا عالمنا العربي , حيث يفدي المناصرون هؤلاء حكامهم ( بالروح والدم !!!) .
+++++
الترجمة الحرفية – الكلمة بلا أرجل , لكنها تسير آلآف الاميال.
التعليق –  في البدء كانت الكلمة , وستبقى هكذا ابدا في حياة المجتمعات الانسانية. المثل الكوري رشيق وواسع الخيال والجمال . هناك اشارة الى هذا المثل الكوري بترجمة اخرى , تجعل الكلمة ( بلا اجنحة ) و( تطير ) آلآف الاميال, ويبقى المعنى نفسه طبعا رغم هذا التباين .
+++++
الترجمة الحرفية – لا يمكن دقّ المسامير في الرماد .
التعليق – الصورة الفنية لهذا المثل الكوري جميلة جدا وغير اعتيادية بكل معنى الكلمة . مضمون هذا المثل واضح , وهو يؤكد بالطبع على ضرورة التفكير الواقعي والسليم للانسان ...
+++++
الترجمة الحرفية – لا توجد شجرة لن تسقط بعد مئة ضربة بالطبر.
التعليق – مثل عميق المعنى يؤكد على ان الاستمرار بالعمل يوصل الانسان الى هدفه مهما كان هذا الهدف صعبا او بعيدا . يوجد مثل روسي يقول – الصبر والعمل يمحوان كل شئ , والمثل العربي المناظر لهذه الحالة هو – من صبر ظفر , ولكن المثل الكوري يبقى متميّزا بصياغته وصورته الفنية الفريدة والجميلة.
+++++
الترجمة الحرفية – والجانب الظليل يصبح مشمسا .
التعليق –  ونحن نقول في هذا المعنى - كل حال يزول , ونقول ايضا – يوم لك ويوم عليك , ولكن بنية المثل الكوري شاعرية ورومانسية اكثر بلا شك.
+++++
الترجمة الحرفية – المنظر الخارجي لبوذا يتوقف على النحّات .
التعليق –  ونحن , في بلداننا المبتلية بهذا (الداء !!!),  نعرف ايضا ان  المنظر الخارجي ( لبوذانا !!!) يرتبط برغبات وارادة و أيادي ( نحاتينا !!!) وخططهم .....
+++++
الترجمة الحرفية – وعند التوأم الاصابع مختلفة .
التعليق – توجد لدينا امثال مناظرة جدا لهذا المثل الكوري , وربما  المثل الاقرب  باللهجة العراقية هو-  ( مو كل اصابعك سوه ) .
+++++
الترجمة الحرفية – حتى الجبال والانهار تتغيّر بعد عشر سنوات .
التعليق – مثل رائع , وما أحوجنا ان نتفهم عمقه الفلسفي , ونأخذ مضمونه بنظر الاعتبار في مسيرة حياتنا, ولا نطلق تعابير ( الخيانة !!!) لهذه الجبال والانهار.... 
+++++
الترجمة الحرفية – اي شئ يقوله المدير هو صحيح .
التعليق –  مثل في غاية المرح وفي غاية الدقة ايضا, رغم ان صاحبي قال لي , انه مثل حزين وتراجيدي جدا, وانه دليل لا يقيل الشك على تخلّف المجتمع الذي يردده , وأضاف مبتسما , الا يذكرك بمثلنا باللهجة العراقية – منو يكدر يكول للسبع حلكك جايف ( من يقدر ان يقول للاسد ان فمك نتن الرائحة ) , فضحكت انا وقلت له نعم , وانه يذكرني ايضا بمثل آخر وهو – اذا حاجتك يمّ الجلب سميّ حجي جليب (يم – عند / الجلب – الكلب / سميّ – اطلق عليه تسمية / حجي - الحاج ).
+++++
الترجمة الحرفية – لا يمكن للانسان ارجاع شعرة واحدة الى مكانها بعد اقتلاعها.
التعليق – يضرب هذا المثل الطريف جدا لبيان ضعف الانسان امام حالات صغيرة في مسيرة الحياة اليومية الاعتيادية , فكيف يكون  موقف الانسان امام الحالات الصعبة والمعقدة . 
+++++
الترجمة الحرفية – القدور سوداء , لكن العصيدة فيها ليست سوداء .
التعليق –  يوجد مثل افغاني جميل في هذا المعنى يقول - البقرة سوداء لكن حليبها ابيض . المثل الافغاني أجمل , لكن المثل الكوري أكثر واقعية وأقرب للحياة اليومية...
+++++
الترجمة الحرفية – عبقرية الانسان لا يلاحظها القريبون منه .
التعليق – لأن ( مطربة الحي لا تطرب ) كما يقول مثلنا الشهير.
+++++



48
أمثال أذربيجانية مترجمة عن الروسية (5)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – البارود والنيران لا يتصادقان.
التعليق – ويقول المثل الروسي في هذا المعنى – القش والنار لا يتصادقان . المثل الاذربيجاني يعكس نفس تلك الحالة ولكن بشكل دراماتيكي واضح . تضرب هذه الامثال ايضا لتصوير حالة عدم الانسجام التام - ولحد التنافر- في العلاقات الشخصية بين البشر .
+++++
الترجمة الحرفية – اللسان أشدّ حدّة من السيف .
التعليق – يقول المثل الاندونوسي- لا يوجد مقص او طبر اكثر حدة من لسان البشر , وامثالنا العربية تؤكد هذه الحقيقة , ومنها (الجرح يطيب والكلمة ما تطيب) , ومنها ايضا بيت الشعر الذي ذهب مثلا , وهو  –
وقد يرجى لجرح السيف برء   ولا برء لما جرح اللسان 
+++++
الترجمة الحرفية – ابوك البصل وامك الثوم , فكيف تكونين انت وردة.
التعليق –  مثل طريف ومرح جدا , ومن الواضح انه يضرب للشخص الذي يتنصل عن جذوره واصوله , وما أكثرهم حولنا !
+++++
الترجمة الحرفية – من لا يعرف الغربة , لا يعرف قيمة الوطن.
التعليق – يوجد مثل كوري يقول – انسان بلا وطن اسوأ من كلب بلا بيت . هناك أمثال كثيرة عند الشعوب الاخرى حول الغربة والوطن , بما فيها طبعا شعوبنا العربية , الشعوب التي عانت ولازالت تعاني من  ظروف الحياة الصعبة , والتي تؤدي الى الهجرة والغربة والحنين الخانق للوطن ...
+++++
الترجمة الحرفية – العيون تتحدث عن الحب .
التعليق – هذا المثل الاذربيجاني مفهوم جدا لنا , نحن العرب , اذ اننا جميعا نعرف لغة العيون و ( نتحدّث بها !!!), والتي هي لغة الشرقيين عموما , وتوجد في تراثنا وامثالنا الصورالفنيّة العديدة حولها , و يكفي ان تنذكر فقط  شاعرنا المعاصر احمد شوقي وهو يقول- وتعطلت لغة الكلام وخاطبت   عيني في لغة الهوى عيناك ... 
+++++
الترجمة الحرفية – بقي اللص حرّا , واصبح الشاهد سجينا .
التعليق – ما أكثر هذه الحالات في مجتمعاتنا , لدرجة , ان الشاهد أخذ يخاف من المشاركة بفضح الجريمة التي شاهدها بام عينيه ليتجنب هذا المصير. ما أفظع الحياة عندما تفقد العدالة و الانظمة مكانتها في المجتمع !
+++++
الترجمة الحرفية – سيكون الغريق سعيدا حتى لو يمسك بثعبان .
التعليق –  ونحن نقول بلهجتنا العراقية – ( الغركان يجلّب بكشّاية ) ( الغركان – الغريق , يجلّب – يمسك , يتشبّث , كشّاية – قشة ) . المثل الاذربيجاني أكثر دقّة من مثلنا في التعبير عن حالة اليأس , فالقشة لن تنقذ الغريق من الغرق , لكن الثعبان قد يقتل الغريق قبل الغرق , ومع ذلك فانه يحاول ان يمسك به.
+++++
الترجمة الحرفية – قل كلمة (حلوى) قدر ما تقدر , فلن يحس فمك بطعم الحلوى.
التعليق – هناك مثل اغريقي قديم يقول - النظرية دون تطبيق ميّتة , وهو مثل فلسفي عميق . المثل الاذربيجاني هذا في نفس المعنى , الا ان  صيغته واضحة وبسيطة ومرحة .


49
سينيافسكي  وكتابه ( نزهة  مع  بوشكين)
ا.د. ضياء نافع
(نزهة مع بوشكين) - هو عنوان كتاب صدر في باريس العام 1989 من تأليف الكاتب الروسي المعاصر اندريه دوناتوفيتش سينيافسكي (  1925 - 1997 ) . و سينيافسكي اسم شبه مجهول تقريبا للقارئ العربي , ولكنه يكاد ان يكون علما من اعلام الكتّاب الروس في الغرب الاوربي , بعد ان تم اعتقاله مع زميله دانييل في الاتحاد السوفيتي  في ستينيات القرن الماضي , وجرت محاكمتهما ( المدويّة آنذاك ) بسبب كتابات مضادة للايديولوجيا السوفيتية وتوجّهاتها , ارسلوها الى الغرب بشكل سريّ , وتم نشرها هناك باسماء مستعارة بالطبع, وكان الاسم المستعار لسينيافسكي هو ابرام  تيرتس ( وهو اسم يهودي واضح جدا بالنسبة للروس) , ولكن سينيافسكي كان روسيّا , اي انه حاول ان يتخفى ( تحت اسم يهودي مستعار) عن عيون الرقابة السوفيتية الشديدة جدا و الصارمة جدا ( والتي كان سينيافسكي يعرفها حق المعرفة !), ولكنه لم يستطع طبعا, اذ ان هذه الرقابة – كما هو معروف للجميع , ولسينيافسكي ايضا وبلا شك - كانت تمتلك عيونا وآذانا عديدة في كل مكان داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه .
سينيافسكي خريج كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو العام 1949 , وحاصل على شهادة الكانديدات ( دكتوراه فلسفة) في العلوم الفيلولوجية  من نفس الكليّة و الجامعة العام 1952 , وكانت اطروحته بعنوان – ( رواية غوركي (كليم سامغين) وتاريخ الفكر الروسي الاجتماعي نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ) , وهي اطروحة سوفيتية النكهة والمضمون والروح بامتياز , وبعد تخرجه بدأ العمل في معهد الادب العالمي باكاديمية العلوم السوفيتية ( وهو الذي كتب الفصل الخاص بغوركي في كتاب الاكاديمية الموسوم ( تاريخ الادب الروسي السوفيتي ), واصبح ايضا محاضرا في كلية الصحافة بجامعة موسكو , وعضوا في هيئة تحرير مجلة ( نوفي مير)( العالم الجديد) الشهرية , وهي  واحدة من أشهر المجلات الادبية السوفيتية آنذاك ( ولازالت لحد الان ) , والتي كانت هيئة تحريرها برئاسة الشاعر تفاردوفسكي . وباختصار شديد , اصبح سينيافسكي اسما مرموقا في الاوساط الادبية السوفيتية في النصف الثاني من الخمسينيات فصاعدا باعتباره  ناقدا ادبيا وباحثا في مجال الادب الروسي السوفيتي (و يوجد رأي يقول , ان الكتاب الاول الذي اصدرته سفيتلانا ابنة ستالين بعد هروبها من الاتحاد السوفيتي العام 1966 بعنوان – ( عشرون رسالة الى صديق ) هو سينيافسكي , وعلى الرغم من ان هذا الرأي بقي دون اثبات , الا انه مهم فعلا ) . ولكن سينيافسكي لم ينشر نتاجاته الابداعية داخل الاتحاد السوفيتي , وتم اعتقاله عام 1965 بتهمة الدعاية المضادة للاتحاد السوفيتي , وحكموه عام 1966 بالسجن لمدة سبع سنوات , ولكن تم اطلاق سراحه عام 1971( بأمر من   اندروبوف  رئيس جهاز المخابرات السوفيتية آنذاك , والذي اصبح عام 1984 رئيسا للدولة والحزب بعد وفاة بريجنيف ) , فدعته رأسا جامعة السوربون للعمل استاذا للادب الروسي لديها , وهكذا سافرمع عائلته الى هناك , وعاش في باريس وتوفي فيها عام 1997 . كان سينيافسكي نجما بارزا في عالم الادب والفكر الروسي واوساطه في باريس آنذاك , بعد اعتقاله ومحاكمته في الاتحاد السوفيتي و كل هذه الاحداث المرتبطة بمسيرته, ونشر في باريس العديد من الدراسات والكتب , ومن جملتها كتابه الموسوم ( نزهة مع بوشكين ) , والذي نريد ان نتوقف عنده قليلا لتعريف القارئ العربي به .   
يقع الكتاب في( 201   ) صفحة من القطع المتوسط , وهو كتاب يرسم صورة بوشكين بشكل مغاير عن تلك الصورة السائدة في مسيرة النقد الادبي الروسي , وقد رسمها سينيافسكي  مستندا على معلومات عميقة حول نتاجات بوشكين ومستشهدا بمقاطع دقيقة ومحددة من تلك النتاجات , اضافة الى دراسة تفاصيل شبه منسية من سيرته الحياتية . أثار هذا الكتاب رأسا ردود فعل مختلفة ومتباينة بشكل حاد و لدرجة التناقض بين القراء , ولا زالت هذه الآراء المتنوعة سائدة حول الكتاب لحد الان , وقد اطلعت على رأي كتبه أحد الباحثين الروس عام 2019 يقول ما معناه, ان الموقف تجاه بوشكين كان ( شبه مقدّس) , وان كتاب سينيافسكي ( نزهة مع بوشكين ) قد ساعدنا على التحرر من هذه النظرة غير الموضوعية للامور . اما الرأى الآخر , المضاد لهذا الكتاب , والذي أسماه باحث بانه ( المحاكمة الثانية لسينيافسكي ) , مشيرا , الى ان المحاكمة الاولى جرت في موسكو السوفيتية عام 1966 بسبب موقفه تجاه الايديولوجية السوفيتية , اما المحاكمة الثانية فانها بسبب موقفه من بوشكين .
سينيافسكي وكتابه ( نزهة مع بوشكين ) يستحق النظرة الموضوعية العميقة والهادئة , اذ ان ذلك كله جزء لا يتجزأ من تاريخ الادب الروسي المعاصر , هذا الادب الذي لايزال غير واضح المعالم بالنسبة للقارئ العربي.... 

50
أدب / لينغرس , لينغرس خنجرك
« في: 17:59 18/12/2019  »
لينغرس , لينغرس خنجرك
===============

قصيدة للشاعر الكوبي خوسيه مارتي
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

 اطعنّي
بخنجرك ,
 ولينغرس ,
ولينغرس
 خنجرك
بين أضلاعي!
 عندي أنا
قصائدي ,
وهي أقوى
 من خنجرك!
+++
دعه ,
 دع هذا الالم الرهيب يسري ,
 و للسماء دعه
 يلطّخها ,
والبحار دعه
 يجفّفها ,
فقصائدي
 - في ذروة
 ألمي -
 تخلق اجنحة
لألمي .
========================
خوسيه مارتي ( 1853 – 1895 ) – شاعر كوبا الكبير , ويعدّ شاعر امريكا اللاتينية قاطبة.






51
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (11)
أ.د. ضياء نافع
 هذه هي الحلقة الاخيرة في سلسلة مقالاتي عن العراقيين بجامعة موسكو , ولهذا فانها تتضمن اشارات سريعة - ليس الا- لاسمين منهم , والتي كان من الضروري التوقف عندهما قليلا , واتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا للحديث التفصيلي عن البقية , او , ان يكمل الآخرون من زملائي هذه الكتابات ( اذ ربما أججت هذه السطور ذكريات زملائي القدامى , فلا يمكن لشخص واحد قاب قوسين او ادنى من الثمانين عاما ان يقوم بهذه المهمة الكبيرة جدا بمفرده يا أعزائي !) . لقد أثارت هذه الكتابات انتباه الكثير من القراء , وكتب لي احد الاصدقاء القدامى قائلا – ( انه يتابع هذه المقالات لانها احياء لذاكرة وطن في الغربة ) , واشارت التعليقات والرسائل التي استلمتها, الى ان هذه الكتابات ضرورية فعلا لتدوين تاريخنا المعاصروالحفاظ عليه, تاريخنا المخفي والمنسي  ( رغم انه تاريخنا الحقيقي ), كي نتأمّله في الاقل ( ولا أقول نتفحصه او بعمق ندرسه) على ضوء هذه الوقائع الصغيرة (ولكنها مهمة مع ذلك ) كما حدثت فعلا, ومن  ثمّ , ربما نقدر ان نستخلص منه شيئا مفيدا لحاضرنا ومستقبلنا .
الاسم الاول الذي أود التوقف عنده هنا هو المرحوم أ.د. هادي عوض , خريج كلية الكيمياء . كان الوحيد بيننا في جامعة موسكو, الذي يحمل شهادة الماجستير من امريكا , وجاء ليحصل على الدكتوراة من جامعة موسكو( وكنّا نستشهد باسمه دائما عندما نتحدث عن موضوع معادلة الشهادات السوفيتية في العراق , وكان هذا الموضوع حادّا جدا آنذاك لأنه واقعيا يعكس الصراع السياسي على الساحة العراقية في ستينيات القرن العشرين ). كان هادي عوض بالطبع اكبر منّا عمرا , وكان انسانا متّزنا وحصيفا وحكيما, وكنّا جميعا نكنّ له الاحترام والتقدير , وكذلك كانت علاقة الروس حولنا تجاهه من طلبة وادارة واساتذة . هذا الاسم يستحق ان نتحدث عنه تفصيلا , اذ انه شغل في العراق ( بعد تخرجه من جامعة موسكو ) عدة مناصب مهمة وكبيرة , منها , رئيس جامعة السليمانية , ورئيس هيئة الطاقة الذرية , ويمكن القول انه الوحيد الذي تميّز بهذا الشكل الواضح  بين خريجي جامعة موسكو من جيلنا آنذاك , وهذا التميّز والنجاحات في العمل يجلب عادة الاقاويل المتنوعة في مجتمعاتنا العربية المغلقة والثرثارة و الساذجة , الاقاويل الايجابية والسلبية  طبعا. لهذا اقول , ان هذا الاسم يستحق الحديث التفصيلي عنه من قبل الذين عاصروه اثناء الدراسة في جامعة موسكو واثناء العمل معه في العراق , كي نرسم صورته الحقيقية و نعطيه حقه.
الاسم الثاني الذي نتوقف عنده في هذا السرد السريع هو د. سامي النصراوي , خريج كلية القانون في جامعة موسكو , الذي اصبح الان روائيا بارزا في المغرب , وهذه ظاهرة فريدة بكل معنى الكلمة بين الخريجين العراقيين من الجامعات الروسية بشكل عام , ولم تتكرر ابدا . لقد عمل النصراوي في الجامعات العراقية بعد عودته من موسكو , ثم سافر الى المغرب للعمل في جامعة محمد الخامس المغربية موفدا من جامعتة العراقية , وهكذا بقي هناك , ثم بدأ ينشر رواياته في المغرب , وبلغ عددها عشر روايات , وبعضها بعدة اجزاء , واغلبها تتناول الواقع المغربي , الذي يعرفه النصراوي الان بعمق نتيجة حياته ولمدة طويلة هناك ( وما أغرب ذلك ) , ولكن توجد – مع هذا - رواية عن العراق , وعنوانها ( شروخ في اسوار بغداد) , علما انه قد  تمّت ترجمة بعض هذه الروايات الى الفرنسية والروسية . اصبح النصراوي اديبا مشهورا جدا في المغرب , وحتى تم تدريس احدى رواياته في كلية الاداب هناك. ومع هذه التألق في دنيا الادب , لم يترك النصراوي عمله الاساسي , و هو الاستاذ في كليّة القانون  بجامعة محمد الخامس , واصدر الكثير من الدراسات القانونية , والتي تعد الان مصادر مهمة في اختصاصه الدقيق وهو القانون الجنائي و علم الاجرام.
ختاما , نود ان نشير الى الاسماء التي لم نذكرها في الحلقات السابقة (والتي اتذكرها طبعا ) , ومن المؤكد ان هناك اسماء اخرى نسيتها بعد مرور اكثر من نصف قرن من زماننا العاصف هذا , وكم أتمنى ان يقوم الآخرون باكمال هذا العمل او تصحيحه او تدقيقه..ألخ.
 كليّة القانون – د. آرسين ( نسيت اسم والده) / المرحوم د. خليل الطائي / د.صالح العبيدي / طارق الدرويش / طلعت نادر / المرحوم د. سامي السعد/ المرحوم د. سعد الجوهر/ المرحوم د. مصباح الخيرو / د. نوري لطيّف .
كليّة الفيزياء – د. ادمون طوبيّا / خضر العالم / المرحوم د. رضا الهر/ المرحوم د. عبد الوهاب الجواهري/ ماهر العاني / د. منيب عادل /
كليّة الاقتصاد –  سعاد سميسم / المرحوم د. عزيز وطبان / د. منيب السكوتي ( نسيت هذه الاسماء عندما كتبت عن كلية الاقتصاد).
كليّة الصحافة – د. حسن العيدي / د. حميدة سميسم / د. خليل عبد العزيز / المرحوم سعود الناصري / د. سلوى زكو.         
كليّة الكيمياء – د. عدنان الظاهر / المرحوم د. ماجد علوش ( لا اتذكر هل كان في كليّة الفيزياء ام الكيمياء) .
كليّة الجغرافيا – محمود البصراوي / د. مهدي الصحاف .
كليّة البايولوجي – د. جواد البدري / المرحوم د. فتاح العاني / د. قتيبة خاشع الراوي / د. كامل ( نسيت اسم ابيه) / المرحومة د. ماجدة عبد الرضا .
كليّة علم النفس – د. ناهدة البدري .
معهد اللغات الشرقية – المرحوم د. حسين قاسم العزيز / المرحوم د. مجيد بكتاش / المرحومة د. وفية ابو قلام / المرحومة ام ذكرى  ( نسيت اسمها . زوجة المرحوم عزيز وطبان ) / المرحومة صبيحة الخطيب (ام شذى , زوجة نوري لطيّف ) .
كليّة الرياضيات – د. جمال الدباغ / محمد بابان

 
 

52
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (10)
أ.د. ضياء نافع
نتحدث في هذه الحلقة عن اثنين من العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو . كلاهما ترك الدراسة فيها . اتوقف اولا عند اسم طالب الدراسات العليا المرحوم سليم غاوي عبد الجبار, الذي كان يحمل شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية في اللغة العربية وآدابها . كان انسانا هادئا ومتواضعا وخلوقا , الا انه كان منعزلا بعض الشئ, وارتبط اسمه بيننا ( نحن الطلبة العراقيين ) باسم الناقد الروسي بيساريف , و الذي كان سليم غاوي يخطط ان يكتب عنه اطروحته وكان يتحدث عن هذا الناقد الروسي دائما , لدرجة , ان بعض الطلبة كانوا يطلقون عليه اسم بيساريف في احاديثهم الضاحكة الخاصة جدا في اوساطهم , ولم يكن سليم يعرف بذلك طبعا. لم يتميّز سليم غاوي بمعرفته العميقة للغة الروسية , هذه المعرفة الضرورية جدا – بلا شك - لدراسة النقد الادبي الروسي وكتابة اطروحة دكتوراة حول واحد من اعلامه الكبار مثل دميتري ايفانوفيتش بيساريف ( 1840 -1868) , ولا اعرف سبب تركه الدراسة لاحقا , ولكني اظن , ان احدى هذه الاسباب حتما تكمن في انه فهم تلك الحقيقة العلمية والبسيطة في آن . ان الكتابة عن بيساريف ( رغم ان هذا الناقد عاش 27 سنة فقط ) تتطلب معرفة معمقة لمفاهيمه وآرائه حول بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي , ومعرفة معمقة لمسيرة النقد الادبي الروسي واعلامه من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي ودبرالوبوف, وكل ذلك يتطلب طبعا معرفة معمقة باللغة الروسية , ويتطلب سنوات طويلة من الدراسة تكاد تصل – بالنسبة للاجنبي - الى ضعف المدة القانونية المحددة للدراسة . ولكن مع ذلك , يجب القول هنا , ان اختيار سليم غاوي لهذ الموضوع المهم والمتميّز في تاريخ النقد الادبي الروسي يعني ان غاوي كان يعرف بعض اوليات الموضوع , ويعني ايضا انه قرار شجاع وطموح جدا , ولكنه قرار غير واقعي , ولا يتناسب مع شخص اجنبي متخصص في اللغة العربية وآدابها ويريد ان يكتب اطروحة دكتوراة في النقد الادبي الروسي في جامعة موسكو .
حاولت ان ابحث عن معلومات اخرى حول سليم غاوي وانا اكتب هذه السطور عنه بعد اكثر من نصف قرن من آخر لقاء لي معه في جامعة موسكو آنذاك , ووجدت مقالة نقدية له نشرها في مجلة ( الرسالة ) الشهيرة عام 1952 بعنوان – (القيم الفنية للشعر المنطلق) , وما اجمل هذا العنوان وما أعمقه , اذ انه يحمل مصطلحات مبتكرة واصيلة حتى بالنسبة للقارئ المعاصر , ووجدت ايضا اشارة جميلة في مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد حول سليم غاوي ( الذي كان يدرس معه في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية ), ويقول عبد الرزاق عبد الواحد  عنه – ( كان لي ابن عم  اسمه سليم غاوي عبد الجبار ..كان معنا في القسم  ...انه مشروع ناقد يلفت النظر , لولا ان تشعبت به سبل الحياة..) , ويتحدث عبد الواحد في مذكراته تلك عن دراسة نقدية عميقة كتبها سليم غاوي عن شعر عبد الوهاب البياتي وألقاها امامه في (البرازيلية ) , المقهى البغدادية الشهيرة في شارع الرشيد , وكل ذلك حدث في العراق الملكي قبل ثورة 14 تموز 1958 طبعا.
الاسم الثاني , الذي يستحق ان اتوقف عنده وبكل جدارة هو د. سعد الجادر , الاخ الاصغر للفنان التشكيلي العراقي الكبير المرحوم د. خالد الجادر , والذي يرتبط اسمه في تاريخ العراق المعاصر بتأسيس اكاديمية الفنون الجميلة وكان اول عميد لها , وأخ الآثاري العراقي المرحوم  د. وليد الجادر , الاستاذ في قسم الآثار بكلية الاداب في جامعة بغداد , والذي يرتبط اسمه باكتشافات آثارية عالمية مهمة في  تاريخ حضارات  وادي الرافدين , وابرزها طبعا مكتبة سوبار (انظر مقالتنا بعنوان – وليد الجادر ..عشرون عاما بعد الرحيل ). سعد الجادر هو الابن البار لهذه العائلة العراقية  العريقة في دنيا الثقافة العراقية المعاصرة . كان طالبا متميّزا جدا في الصف الاول في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو, وكان واحدا من ألمع العراقيين معرفة باللغة الروسية , ومتابعا دقيقا للحياة الثقافية الروسية حوله آنذاك . انتقل سعد للدراسة في معهد الهندسة المعمارية عندما دعت الملحقية الثقافية طلبة الدراسات الانسانية الى تبديل اختصاصاتهم ( انظر الحلقة رقم 8 من هذه السلسلة ), وانهى الدراسة الاولية  ثم الدراسة العليا في هذا المعهد وبشكل متميز , وعمل في عدة دول باختصاصه الهندسي المعماري هذا , وأخذ يجمع التحف الفضيّة في تلك البلدان التي عمل فيها , وهكذا استطاع ان يجمع كمية هائلة منها , مستخدما كل طاقته وامواله , وتحولت هذه الهواية الفنية الى هدف حياتي له , وقام بتنظيم عدة معارض كبيرة في بلدان مختلفة لتلك التحف الفضية , وأثارت تلك المعارض ردود فعل عالمية , ثم أصدر كتابا ضخما باللغة الانكليزية عن هذه التحف الفضية الرائعة , ويضم هذا الكتاب صورا تفصيلية وتعليقات وشروحات عن تلك التحف . اعلن د. سعد تبرعه بكل هذه التحف الى المتحف العراقي في بغداد لعرضها الدائم في قاعة تحمل اسم الجادر , ووضع كل هذه الثروة الفنية الهائلة في بنك بالمانيا , ونشر وصيّة في موقع ( ايلاف ) يعلن فيها ذلك . لقد قرأت تلك الوصيّة وانا اكاد أبكي , وقلت بيني وبين نفسي لماذا لا تتبنى جمعية الفنانين العراقيين مثلا ( او اي جهة عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع) هذا المقترح العملاق وتسعى الى تنفيذه ؟ ...   

53
أدب / نسيج الصباح
« في: 21:00 03/12/2019  »
نسيج الصباح
=========

قصيدة للشاعر البرازيلي المعاصر جوان كاربال دي ميلو نيتو
==================================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
=====================

 لا يقدر ديك واحد بمفرده
 ان يحوك نسيج الصباح ,
 فيطلب مساعدة اقرانه
 بصيحته ,
وها هو ذا ديك آخر يستلم اشارته
التي وصلت طائرة له,
ويطلق صيحتة
لديك آخر جاره,
و هكذا تبدأ الديكة
حياكة الخيوط  الشمسية
من الصيحات المبكّرة الصباحية,
و يظهر الصباح عندها
فوقنا
مرتديا نسيجا
 شفافا
حاكته الديكة .
وها هي ذي قبّة النسيج هذا
تحيطنا,
 وندخل جميعا
 خيمتها,
وترفرف هذه الخيمة
 فوقنا .
+++
نسيج الصباح هذا
 رقيق وشفاف,
انه كرة
عديدة الالوان ,
تتلاشىى
بعد برهة
 من الزمان...
================================================================================================================================================
جوان كاربال دي ميلو نيتو ( 1920 – 1999 )  شاعر برازيلي ومترجم وكاتب مقالة / قصائده مترجمة الى العديد من اللغات , منها الانكليزية والاسبانية والروسية .../ حائز على الكثير من الجوائز الادبية / يوجد تمثال جميل له وهو يجلس – متأمّلا - على مصطبة عند ضفاف النهر في مدينه ريسيفي التي ولد فيها / يعدّ واحدا من شعراء طليعيين في الشعر البرازيلي المعاصر , الذين يؤكدون في قصائدهم على الموضوعة الانسانية البسيطة الخالدة في حياة البشر , ويمكن حتى في هذه القصيدة الرمزية الصغيرة ملاحظة تلك الظاهرة , اذ ان القصيدة تشير , الى ان ( ديك بمفرده ) لا يقدر ان يمنحنا ( الصباح) , وان ( قبّة الصباح الملوّنة ) هي نتيجة عمل جماعي تشارك به ( الديكة كافة ) ...فما أجمل هذه الصورة الرمزية الخالدة في حياتنا وما أعمقها!!! .



54
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم ( 9 )
أ.د. ضياء نافع

نتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الفيلولوجيا في جامعة موسكو . كنّا نسميها آنذاك (كليّة الاداب) انسجاما مع تسميات الكليّات السائدة في العراق وعالمنا العربي , ولكنها كانت تختلف عنها بشكل جذري . كليّة الاداب في العراق ( عندما عملت فيها تدريسيّا منذ 1973 الى 1987 حيث انتقلنا للعمل في كليّة اللغات ) هي واقعيا جامعة الدراسات الانسانية , ففيها اقسام اللغة العربية و اللغات الاوربية ( تحول الى قسم  اللغة الانكليزية بعد تأسيس كلية اللغات ) والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والآثار والدراسات الشرقية ( انتقل الى كلية اللغات ) والفلسفة واللغة الكردية ( انتقل الى كلية التربية ) والصحافة ( تحول الى كلية الاعلام ) , وربما نسيت بعض الاختصاصات الاخرى في كليّة الاداب بجامعة بغداد , اما كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو فكانت تقتصر على دراسة اللغات وآدابها فقط , وكلنا ( نحن العراقيين ) كنّا في القسم الروسي , وهذه هي التسمية الرسمية لهذا القسم ( وليس قسم اللغة الروسية كما هو متبع في العراق) , و القسم الروسي هذا واسع جدا , ويكاد ان يشكّل كليّة باكملها بالمفهوم العراقي , ففيه عدة فروع مستقلة بعضها عن البعض , وفي كل فرع توجد ادارة فيها رئيس ومقرر وسكرتارية متكاملة من عدة موظفين , و توجد طبعا مجموعة من التدريسيين المتخصصين واعداد كبيرة من طلبة الدراسات الاولية والعليا وكافة المستلزمات العلمية الضرورية من المصادر والمكتبة والنشر ...الخ .  يوجد في القسم الروسي هذا - فرع اللغة الروسية المعاصرة وفرع تاريخ اللغة الروسية وفرع علم اللغة وفرع علم الادب وفرع الفلكلورالروسي وفرع الادب الروسي القديم  وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن الثامن عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن العشرين وفرع تاريخ آداب شعوب الاتحاد السوفيتي , اما بشأن تدريس مادة  الادب الاجنبي لطلبته في الدراسات الاولية ( والتي تبدأ منذ الصف الاول وتنتهي في الصف الخامس جنبا لجنب مع مواد التخصص المرتبطة باللغة الروسية وآدابها , وهي مادة ضرورية وليست ثانوية بتاتا ) فيجري التنسيق من اجل تدريسها بين القسم الروسي والقسم  المختص بدراسة اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها, والذي يضم ايضا فروعا عديدة اخرى, وباختصار شديد , فان كليّة الفيلولوجيا تختلف جذريا عن بنية كليّة الاداب بالمفهوم و الواقع العراقي , ولهذا , اطلق عليها الخريجون العرب مختلف التسميات , منها مثلا , كليّة فقه اللغة , ولكننا نظن , ان الافضل والاصح ان نسمّيها - كليّة اللغات وآدابها , فكلمة ( فيلولوجيا ) تعني دراسة اللغة وآدابها .
العراقيون في الدراسات الاولية بهذه الكلية ( وحسب الابجدية طبعا ) هم -  المرحوم ادهام يحيى سليم ( اولية وعليا ) و سعد الجادر ( انتقل الى معهد الهندسة المعمارية ) و ضياء نافع وعادل الجبوري ( اولية  ثم عليا في كلية الصحافة , انظر مقالتنا بعنوان – مع د. عادل الجبوري في موسكو, ومقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي ) والمرحوم غازي العبادي ( انظر مقالتنا بعنوان عراقيون مرّوا بموسكو (12) غازي العبادي ,  ومقالتنا بعنوان – حديث مع فيرا , ومقالتنا بعنوان – جولة في القسم الداخلي لجامعة موسكو , ومقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي) و فاروق الشيخ وفاضل فرج وماركريت طاويد كانيكانيان ( انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو ) والمرحوم محمد يونس ( اولية و عليا  , انظر مقالاتنا العديدة جدا عن د. محمد يونس ) و ناشئة بهجت الكوتاني ( اولية وعليا , انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو, ومقالتنا بعنوان حديث مع فيرا  ) والتحق معنا في السنة التالية كل من حسين محمد سعيد ( انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مروا بموسكو (18) مرتضى سعيد الحديثي ) وماهي قاسم , اما العراقيون في الدراسات العليا فهم – المرحوم جليل كمال الدين ( انظر مقالتنا بعنوان – وداعا جليل كمال الدين , العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه ) و جميل نصيّف التكريتي ( انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي  ومقالتنا بعنوان – تسفيتايفا و بوشكينها) وحسن البياتي ( انتقل الى الدراسات الشرقية , انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (25) د. حسن البياتي , ومقالة د. حسن البياتي نفسه بعنوان –  رسالة الى د. ضياء نافع تعقيبا على مقالته ) والمرحومة حياة شرارة ( انظر مقالاتنا العديدة جدا عن حياة شرارة ) و المرحوم سليم غاوي عبد الجبار( ترك الدراسة ) والمرحوم فائق ابو الحب ( ترك الدراسة , انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو , و بعنوان - كلمات عربية في اللغة الروسية)
كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو تستحق ان نتوقف عندها في الحلقة القادمة , ليس فقط لأنها كليّتي الحبيبة , وانما لأنها تضم فعلا اسماء عراقيين جديرين ان نتحدث عنهم وعن دورهم بالحياة الثقافية في العراق المعاصر.

 

55
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم ( 8 )
أ.د. ضياء نافع
نستمر في هذه الحلقة بحديثنا عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو في الستينيات . نتوقف عند المرحوم د . عباس الدباغ . كان واحدا من طلبة الدراسات العليا , الذين كانوا يحملون شهادة البكالوريوس العراقية عند وصولهم الى موسكو . كان طالبا جدّيا , وانهى دراسته ضمن الفترة القانونية بنجاح , وعاد الى العراق , وعانى ( كما هو حال خريجي الجامعات الروسية بشكل عام ) من مشاكل معادلة الشهادة والتعيين , واستطاع – بعد التي واللتيا - ان يعمل في جامعة الموصل لفترة , واضطر اخيرا للسفر الى اليمن للعمل هناك , واختاروه عميدا لاحدى كليات الجامعة التي كان يعمل بها في اليمن , اذ لاحظوا هناك مستواه العلمي الراقي ونضوج شخصيته وجدّيته واخلاصه في العمل  , و سمعت, انه وضع في تلك الجامعة  كتابا منهجيا لهم في اختصاصه, ولكني لم اطلع عليه ولا اعرف مضامينه . لقد علّق أحد الزملاء مرة قائلا , ان العراقيين لم يلاحظوا شخصية د. عباس المتميّزة علميا واخلاقيا , لأن مغنية الحي لا تطرب ( خصوصا اذا كانت خريّجة الاتحاد السوفيتي) , بينما اكتشفوا في اليمن رأسا تلك الميزات الواضحة بسهولة .  رجع د. عباس الدباغ الى العراق بعد العمل – ولمدة ليست قصيرة -  في اليمن , وساهم مساهمة فعّالة ورائعة في عملية تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية والاعداد القانوني لانبثاقها , وتم انتخابه في لجنتها الاولى في الاجتماع العام لخريجي الجامعات الروسية , الذي انعقد في كلية اللغات بجامعة بغداد عام 2004 . توفي المرحوم د. عباس مبكرا في بغداد اثر مرض عضال , ولازالت ذكراه العطرة راسخة في نفوس كل اصدقائه وزملائه . اختتم هذه السطور الوجيزة عنه بذكرياتي في جامعة موسكو معه , اذ كنت غالبا ما اتلاطف معه في جامعة موسكو  واطرح عليه سؤالا واحدا وهو  – من وجهة نظر علم الاقتصاد , لماذا يستلم طالب الدراسات العليا 150 روبلا شهريا , بينما نستلم نحن طلبة الدراسات الاولية 90 روبلا شهريا , وهل هذا يعني ان طالب الدراسات العليا يحتاج ان يأكل أكثر من طالب الدراسات الاولية ؟ وكان عباس يضحك من اعماق قلبه عندها , وقد ذكّرني مرة في بغداد بذلك السؤال , وقهقهنا معا , وهو يقول لي , انه لن يجيبني ابدا عن هذا السؤال  من وجهة نظر علم الاقتصاد .
الاسم الثاني الذي اود ان اتوقف عنده هو المرحوم خالد الزبيدي , الذي كان طالبا في كلية الاقتصاد , ولكن الملحق الثقافي محمود شكري استدعانا , نحن طلبة الدراسات الانسانية , واخبرنا بضرورة تبديل اختصاصنا الى دراسات علمية , وان ذلك التبليغ رسمي وصادر من الدولة العراقية , وانه اتفق مع الجانب السوفيتي بشأن تنفيذ هذا النقل . لقد كنّا آنذاك في الصف الثاني , وقد ناقشناه – نحن طلبة كلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) -  وقلنا له ان العراق يحتاج الى مترجمين عن اللغة الروسية لتوسّع العلاقات العراقية – السوفيتية في مجالات متنوعة وعديدة جدا , فأجابنا , ان العراق يحتاج الى مترجمين اثنين فقط لا غير من الذين يعرفون اللغة الروسية , وان البقية فائضين عن حاجة العراق , وقد ضحكنا من منطقه الافلج  هذا . يمكن القول ان اكثرية الطلبة رفضت مقترح الملحقية , الا ان بعض زملائنا وافقوا على ذلك , معتبرين انه لا ضير من الانتقال الى الاختصاص الذي يرومون دراسته , وانها  فرصة يجب الاستفادة منها رغم كونها تحمل صفة سياسية واضحة المعالم , اذ انها انعكاس لما كان يجري في العراق اواخر حكم عبد الكريم قاسم .  كان خالد الزبيدي من جملة الطلبة الذين قرروا الانتقال الى كليّات اخرى , رغم انه كان الشخص الثاني في رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي , وهكذا ترك خالد كليّة الاقتصاد و انتقل الى الدراسة في معهد الهندسة المعمارية , اذ وافق الجانب الروسي على ذلك بتنسيق مع الملحقية الثقافية طبعا . وأذكر اني تحدثت معه عندئذ , وقلت له , ان هذا الاختصاص يتطلب موهبة ذاتية في قضايا الرسم والتخطيط المعماري , فقال لي مبتسما , ان المهندس المعماري في العراق يرسم خريطة بناء البيت على ( باكيت جكاير تركي او لوكس ) (وهي سجائر عراقية كانت موجودة في الخمسينيات  ويتذكرها زملائي الشيّاب طبعا) ويعطي الخريطة للمقاول , ويؤكد المهندس فقط على مواقع الابواب والنوافذ . لقد كان المرحوم خالد الزبيدي انسانا مرحا ولطيفا وبسيطا ومجاملا ومحبوبا من الجميع , ولكنه لم يتميّز علميا , ومع انه اكمل دراسته وحصل على شهادة الهندسة المعمارية , وعمل في العراق مهندسا في احدى دوائر الدولة , فانه واقعيّا لم يكن مهندسا معماريا حقيقيا مثل بعض زملائه الذين انهوا دراستهم في هذا المعهد الشهير , ومنهم , مثلا , المعماري العراقي المعروف د. خالد السلطاني , الذي يعدّ الان واحدا من كبار منظريّ الهندسة المعمارية في العراق وأحد اهم مؤرخيّها , واصبحت كتبه وبحوثه مصادر اساسية في المكتبة المعمارية العربية .   



56
تورغينيف بين حياة شرارة ومحمد يونس
أ.د. ضياء نافع
المرحومة ا. د.حياة شرارة كانت بعيدة عن الكاتب الروسي تورغينيف عندما كانت تدرس في جامعة موسكو, اذ انها كتبت اطروحة الدكتوراه عن الكاتب تولستوي , اما المرحوم أ.د. محمد يونس فقد كان يدرس في جامعة موسكو نتاجات تورغينيف , و كتب عنه رسالة تخرجّه , اي رسالة الماجستير . وهكذا اصبحت حياة شرارة – بعد تخرجها – متخصصة بادب تولستوي , واصبح محمد يونس متخصصا بادب تورغينيف .  كلاهما عادا الى العراق في الستينيات وهما يحملان هذا التخصص الدقيق في الادب الروسي, وبدأ كلاهما بالعمل في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد . محمد عاد قبل حياة , وبدأ يعمل رأسا في القسم المذكور باعتباره قد حصل على ( شهادة جامعية اولية أمدها خمس سنوات – هكذا اطلقت عليها وزارة التعليم العالي العراقية تلك التسمية آنذاك كي لا تعادلها بالماجستير) , فلا هي بكالوريوس ولا هي ماجستير , او كما قال عنها احد المسؤولين العراقيين في الوزارة ساخرا مرة – (شبر اعلى من البكالوريوس وشبرين اوطأ من الماجستير!). عاد محمد يونس الى جامعة موسكو مرة اخرى لاكمال دراسته العليا بعد ان فهم , ان وزارة التعليم العراقية لن تعادل هذه الشهادة بالماجستير بأي حال من الاحوال , وحصل فعلا على شهادة الدكتوراه هناك, ولكنه ترك تورغينيف , وكتب اطروحة عن تولستوي . وهكذا اصبح في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد واقعيّا متخصصان في ادب تولستوي هما د. حياة شرارة ود. محمد يونس ( انظر مقالتنا بعنوان تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس ). لم ينعكس التخصص الدقيق هذا على طبيعة العمل التدريسي في القسم , اذ كانت التدريسات في هذا القسم كلها تدور في اطار المعلومات الاولية البسيطة ليس الا في اللغة الروسية وآدابها لطالب عراقي يبدأ بدراسة اللغة الروسية من الصفر, بل وان معظم هؤلاء الطلبة كانوا حتى لا يرغبون بدراستها , ولكن بالنسبة للبحث العلمي اللاحق لكليهما انعكس هذا التخصص طبعا بشكل واضح , فقد نشرت حياة شرارة كتابا بعنوان ( تولستوي فنانا ) , وهي اطروحتها واقعيا , ولكنها لم تستمر بالكتابة عن تولستوي , بل ابتدأت بالانتقال ( ان صح التعبير ) الى تورغينيف بالتدريج , وهكذا قررت ترجمة اعماله الكاملة الى العربية , واستطاعت ان تترجم وتنشر فعلا عدة نتاجات لتورغينيف هي (مذكرات صياد) و(عش النبلاء)  و (رودين)  , وحياة ( وليس محمد ) التي كتبت الفصل الخاص بتورغينيف في كتاب ( مدخل الى تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر ) , الذي صدر في بيروت آنذاك ( واعادت دار المدى طبعه ثانية في بغداد ), وهو كتاب منهجي باللغة العربية لطلبة قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول مادة تاريخ الادب الروسي من تأليف حياة شرارة ومحمد يونس معا , اما محمد , فكتب الفصل الخاص بتولستوي في ذلك الكتاب.
  جاء مرّة الى قسمنا الصحافي المعروف الاستاذ ماجد السامرائي , وطلب منّا باسم صاحب المؤسسة العربية للنشر في بيروت ( الكيالي ) المشاركة بمشروعها الثقافي , وهو نشر سلسلة حول اعلام الفكر العالمي . اختار محمد الكتابة عن تورغينيف وتولستوي معا ( اختصاصه الدقيق الاول واختصاصه الدقيق الثاني ) , اما حياة , فقد قررت الكتابة عن بيلينسكي , اي انها لم تقرر الكتابة عن تولستوي ( اختصاصها الدقيق ) , ولا عن تورغينيف , الذي بدأت بالانتقال اليه , وذلك لأن محمد أخذ على عاتقه الكتابة عنه باعتباره اختصاصه الاول آنذاك , و حياة لم تكن تحب المنافسة والدخول بدروبها الضيّقة, اذ انها كانت دائما موسوعية الافآق , و تجد دائما المواضيع الجديدة ضمن اختصاصها العام طبعا , وكانت حتى لا تطيق تدريس نفس المواد كل عام , وانما كانت تحاول تنويع جدولها ولو جزئيّا . ان ثقافة حياة شرارة الواسعة جعلتها هكذا , فقد ترعرت منذ صباها في اجواء ثقافية راقية , اذ انها ابنة الكاتب محمد شرارة , وهي خريجة قسم اللغة الانكليزية قبل ان تسافر الى موسكو , اي انها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها , وكانت لغتها الانكليزية ممتازة , وكانت تستخدم هذه اللغة ومصادرها في بحوثها حول الادب الروسي , اما محمد يونس , فانه خريج المدرسة السوفيتية منذ الدراسات الاولية وحتى العليا , ولذلك , فانه يمكن القول , ان محمد يونس هو الابن البار لهذه المدرسة الفكرية, وقد انعكست كل هذه الخصائص لدى حياة شرارة ومحمد يونس على مسيرتهما العلمية اللاحقة , ولا مجال هنا طبعا للكلام التفصيلي عن كل ذلك , اذ يقتضي هذا مقارنة كل نتاجات د. حياة شرارة و د. محمد يونس , وهي عملية ليست بسيطة ابدا في مجال البحث العلمي حول الادب الروسي في العراق ( وكم أتمنى ان أعود الى هذا الموضوع يوما ما ), ولكن التزاما بعنوان المقالة هذه نود ان نشير في الختام , الى ان حياة شرارة ساهمت – في نهاية المطاف - بنشر اسم تورغينيف ونتاجاته ( والذي هو ليس اختصاصها الدقيق ) بشكل اوسع من محمد يونس ( الذي هو اختصاصه الدقيق الاول ) .
دور حياة شرارة و دور محمد يونس في اطار دراسة الادب الروسي في العراق لازال ينتظر الباحثين العراقيين ...   

57
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم ( 7 )
أ.د. ضياء نافع
نستمر في هذه الحلقة بالحديث عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو . في الحلقة السادسة تكلمنا عن اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي المرحوم د. محمد علي الماشطة , الطالب في كليّة الاقتصاد , ونتحدث في هذه الحلقة عن الرئيس الثاني للرابطة , الطالب ايضا في كليّة الاقتصاد وهو المرحوم د. وجدي شوكت سري . وصل وجدي الى موسكو بعد عامين من وصولنا , والتحق بكليّة الاقتصاد بعد ان درس اللغة في الكلية التحضيرية . كانت هناك هالة كبيرة حوله باعتباره كان مناضلا شيوعيا في العراق و دخل السجون والمعتقلات بسبب عقيدته الشيوعية, وهكذا اصبح رأسا الرئيس الثاني لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي , و لكن الفرق بينه وبين محمد علي الماشطة كان واضحا , اذ كان وجدي مغرورا ومتعجرفا ويهتم بمظهره الخارجي ودائم الحديث عن نفسه ونضاله عكس محمد علي الذي كان يمتاز بالبساطة المتناهية والتواضع والطيبة والابتسامة الدائمة , ولم يكن وجدي يتقن اللغة الروسية ولا يعرف خصائص المجتمع السوفيتي حوله مثل محمد علي الماشطة طبعا , وكان يحتاج دائما الى مترجمين عند تعامله مع الروس . أذكر مرة , عندما زار موسكو الشاعر محمد صالح بحر العلوم , دعوناه كي نلتقي معه في جامعة موسكو , وكان وجدي باعتباره رئيس الرابطة مدعوا طبعا . كان اللقاء في قاعة صغيرة في الاقسام الداخلية لجامعة موسكو , واشترينا قليلا من الفواكه والشربت البسيط كي نقدمها للجميع اثناء اللقاء , فاذا بوجدي شوكت سري يطلب ان تكون له مع بحر العلوم مائدة خاصة تمتاز عن موائد الطلبة , مائدة تحتوي على كذا وكذا من الطعام والشراب , وعندما اخبرناه بعدم امكانية ذلك , غضب وأخذ يهدد ويرعد و يزبد, وقال وهو يصرخ , انه رئيس الرابطة , وان كلمته لا يمكن ان نناقشها . بل يجب ان ننفذها . لم ننفذ طلباته طبعا , ولكن وجدي – مع ذلك - جاء الى اللقاء وجلس مع بحر العلوم بشكل طبيعي ولكنه كان متجهما , ولم يتكلم بتاتا . انتهت فترة وجدي لرئاسة الرابطة , وبقي طالبا في كلية الاقتصاد وحسب , ولكنه استمر طبعا كواحد من قادة التنظيم الشيوعي الطلابي , وبعد ان انهى الدراسة , عاد الى العراق وترك كل ارتباطاته السابقة وكل علاقاته مع زملائه واصدقائه القدامى اثناء مرحلة الدراسة , ورجع مرة اخرى في السبعينيات للدراسة العليا في جامعة موسكو وفي كليّة الاقتصاد طبعا , ولكنه كان يختلف جذريا عن تلك الشخصية السابقة بكل معنى الكلمة , وقد كنت انا بايفاد الى موسكو للمشاركة بندوة اساتذة اللغة الروسية وادابها في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية , ومررت لزيارة اصدقائي العراقيين القدامى بجامعة موسكو , فرأيتهم يلعبون كرة القدم في باحة الاقسام الداخلية , وتعجبت  عندما رأيت وجدي بينهم وهم يهزأون بلعبه وتصرفاته , وقلت لاحدهم ذلك همسا , فاجابني ضاحكا , انك تنظر اليه بعيون الستينيات عندما كان ( قائدا منتفخا !) ,  اما الان , فانه اصبح شخصا آخر تماما . تحدثت معه قليلا عندما لاحظني , وقال لي انه يعرف انني اعمل في صحيفة الجمهورية البغدادية, فتعجبت انا من قوله , وقلت له انني اعمل تدريسيّا في قسم اللغة الروسية بكليّة الاداب في جامعة بغداد , فاندهش وقال لي , انه قرأ مقالاتي شخصيّا في جريدة الجمهورية , فقلت له , انني انشر ترجماتي عن الروسية في صفحة آفاق , التي اسسها ويديرها الصحافي العراقي المعروف محمد كامل عارف خريج كلية الصحافة في جامعة لينينغراد , وان  النشر في صفحة آفاق لا يعني انني اعمل في تلك الصحيفة , فصمت وجدي ولم يعلق بأي كلمة حول ذلك , وقد فهمت طبعا حتى من طبيعة حوارنا القصير هذا , انه اصبح شخصا مختلفا فعلا . وكان هذا آخر لقاء لي مع المرحوم د. وجدي شوكت سري وآخر دردشة معه .
ان المرحوم د. وجدي شوكت سري هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الطلبة العراقيين في موسكو ومسيرتهم في الستينيات , جزء ايجابي وسلبي في آن واحد , ايجابي لانه أدّى دورا واضحا و معيّنا في ادارة عمل الرابطة , اذ كان رئيسا لها لمدة سنة دراسية باكملها رغم بيروقراطيته و عنجهيته , وايجابيا ايضا لانه لم ينحدر في العراق ( عندما ترك كل شئ) الى مواقع مضادة لافكاره السابقة التي تركها , وانما اكتفى بعزل نفسه كليّا عن كل ماضيه ليس الا , وهذا موقف شخصي بحت , ولكنه موقف اخلاقي ايجابي بحد ذاته , موقف يستحق عليه التقدير والاحترام  بلا شك , اذ كانت هناك تجارب اخرى مع هؤلاء الذين تركوا مواقعهم الفكرية السابقة وتحولوا الى عناصر مضادة عدوانية وانتهازية , ولكن وجدي لم يكن هكذا ابدا . 
ختاما , اود ان اشير , الى ان ارملته اتصلت مرة بعمادة كلية اللغات ( وكنت انا معاونا للعميد آنذاك ) , وقالت انها تريد ان تهدي للكلية القاموس الروسي – الانكليزي الكبير , الذي كان عند المرحوم زوجها , فرحبنا  بها واستلمنا منها القاموس المذكور , وكان اسم وجدي شوكت سري مكتوبا على صفحته الاولى وبخط يده , وقد شكرناها على هذه المبادرة العلمية الطيبة , وترحمّنا على روحه , واودعنا القاموس في مكتبة قسم اللغة الروسية بكليتنا , المكتبة التي احترقت باكملها اثناء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 .

58
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات (6)
أ.د. ضياء نافع
نتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الاقتصاد . كان فيها مجموعة من الطلبة العراقيين في الدراسات الاولية والعليا , وهم ( حسب الابجدية ) كل من – اسماعيل خليل (عليا) / خالد الزبيدي ( اولية )/ شريف الشيخ (عليا) / عباس الدباغ  ( عليا)/ عبد الحسين زيني ( عليا )/ عبد القادر الجبوري  ( اولية ثم عليا )/ علوان  الحمداني ( عليا ) / فتاح السامرائي  ( عليا ) / كمال جرجيس انطون ( اولية ) / محمد علي الماشطة ( اولية ثم عليا) / ميسّر قاسم ( عليا ) / نجيب نجم الدين ( عليا ) / وجدي شوكت سري ( اولية  ثم عليا) , واخشى انني نسيت اسماء طلبة آخرين في تلك الكليّة ( وكم أتمنى ان يشارك الاخرون في هذه المقالات باضافة معلومات او تصحيح ما اكتبه الان ).  لقد كانت كليّة الاقتصاد هذه واحدة من الكليّات المرغوبة جدا من قبل الطلبة العراقيين , اذ انها كانت رمزا لدراسة الاقتصاد الاشتراكي في قلب المعسكر الاشتراكي (في ستينيات ذلك القرن ) وعاصمته موسكو طبعا .
أقدم طالب عراقي في هذه الكليّة هو المرحوم د. محمد علي الماشطة , الذي وصل الى موسكو العام 1957 ضمن الوفد العراقي للمشاركة في المهرجان العالمي للطلبة والشباب ( وهو وفد ارسله الحزب الشيوعي العراقي آنذاك ) , وبقي محمد علي الماشطة للدراسة في موسكو بعد المهرجان  , وكان من الطبيعي ان يلتحق بكلية الاقتصاد في جامعة موسكو لدراسة اسس الاقتصاد والفكر الاشتراكي , وكان آنذاك الطالب العراقي الوحيد في جامعة موسكو .  بعد ثورة 14 تموز 1958 تدفق العراقيون للدراسة في الجامعات الروسية , وهكذا اصبح محمد علي الماشطة نجما ساطعا بالنسبة لنا, اذ كان في الصف الثاني بكليّة الاقتصاد في جامعة موسكو عندما كنّا نحن جميعا ( الوجبة الاولى ) طلبة في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية في العام الدراسي 1959 / 1960 . ارتبط اسم محمد علي الماشطة برابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي  ( انظر مقالاتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 1 – 5 ), اذ انه كرّس كل وقته وجهده ونشاطاته من اجل تأسيسها واخراجها الى حيّز الوجود كما يقولون  , وكان رئيس اللجنة التحضيرية لها واول رئيس للرابطة , حيث انتخبناه بالاجماع لهذا الموقع في المؤتمر الاول للرابطة الذي انعقد في جامعة موسكو , وكنّا نسميه آنذاك ( واضع اسس الرابطة ) , وقد اصبح اسمه رمزا للرابطة لدرجة , ان جواد البدري ( طالب الدراسات العليا في كلية البايولوجي بجامعة موسكو آنذاك ) كتب قصيدة ( وكان عندها  زعلانا على الرابطة ولا يريد المساهمة في احدى اجتماعاتها ) تبدأ هكذا – ( ايها الذاهب الى الرابطه ... سلملّي على الماشطه ) , وهي قصيدة طريفة مثل كل قصائده المرحة الاخرى . كان محمد علي الماشطة انسانا مرحا وبسيطا ومتواضعا و اجتماعيا , رغم انه ابن الشيخ عبد الكريم الماشطة – عضو مجلس السلم العالمي والشخصية العراقية الشهيرة , ورغم انه كان الطالب الابرز والاشهر بين الطلبة  العراقيين بالنسبة للجانب الروسي سواء في اوساط جامعة موسكو او خارجها , وأذكر اني التقيت مرة أحد كبار الروس المسؤولين عن الاجانب في جامعة موسكو اثناء ايفاد لي في نهاية الثمانينات, فحدثني عن احترام الادارة الروسية آنذاك لمحمد علي الماشطة , وكانوا يسمونه ( كريم ) , وذكر لي هذا المسؤول , انه خاض مرة نقاشا حادا مع الطلبة الشيوعيين الصينيين حول الخلاف بين الحزب  الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي الصيني ( وهو خلاف كبير ومشهور جدا حدث في الستينيات بين الحزبين الشيوعيين الاكبر في العالم الاشتراكي ) , وان الجانب الصيني كاد ان يتغلب عليه لولا ( كريم ) , الذي تدخل في ذلك النقاش وكان مع الحزب الشيوعي السوفيتي بقوة وثبات ضد الحزب الشيوعي الصيني , وانه ( اي هذا المسؤول الروسي ) استطاع بمساعدة محمد علي الماشطة ان يدحض مواقف الشيوعيين الصينيين في ذلك النقاش الحاد آنذاك .
انهى محمد علي الماشطة كلية الاقتصاد , واستمر رأسا بدراسة الدكتوراه , وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد , وسافر الى الجزائر للعمل هناك , ثم عاد الى العراق , وعمل على ما اتذكر في شركة النفط الوطنية , وتوفي في بغداد . لم يبرز د. محمد علي الماشطة علميا في مجال اختصاصه , ولم يترك لنا مصادر او كتبا مؤلّفة او مترجمة له عن الروسية في علم الاقتصاد , رغم اني أتذكر دراسة نشرها في مجلة الثقافة الجديدة , (وهي مجلة مرموقة في مسيرة الثقافة العراقية و يصدرها الحزب الشيوعي العراقي منذ اواسط الخمسينيات والى حد الان ) , دراسة حول اقتصاد النفط العراقي , وهو موضوع اطروحة المرحوم د . محمد علي الماشطة في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو عندما كان طالب دراسات عليا هناك في الستينيات . واختتم هذه السطور عن المرحوم محمد علي الماشطة بالقول , انه كان شخصية متميّزة بين طلبتنا في الاتحاد السوفيتي , شخصية تستحق منّا جميعا – نحن خريجي الجامعات الروسية في تلك الفترة – ان نكتب ونسجّل ذكرياتنا وانطباعاتنا عنه .
 الكتابة عن العراقيين الآخرين في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو في تلك الفترة ومصائرهم  هو موضوع الحلقة القادمة  ..... 
     

59
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (5)
أ.د. ضياء نافع
استمر في هذه الحلقة بالحديث عن كليّة التاريخ في جامعة موسكو. تخرّج في هذه الكليّة ثلاثة طلبة دراسات عليا هم المرحوم د. جبار عطيوي والمرحوم د. نوري السامرائي وأ.د. هاشم التكريتي , وقد عملوا جميعا – بعد عودتهم – في جامعة بغداد , ( جبار في قسم التاريخ بكلية التربية ونوري وهاشم في قسم التاريخ بكلية الاداب ) . كان جبار عطيوي طالب دراسات اولية في كلية الصحافة , وبعد ان تخرّج , انتقل الى كلية التاريخ لاكمال دراسته العليا , وكانت القوانين والتعليمات الجامعية هناك تسمح ( ولازالت) بذلك الانتقال بين الكليّات المتقاربة من حيث الاختصاص . لقد كان قرار جبارهذا شجاعا جدا ويعبّر عن موقف علمي سليم , اذ انه اعتراف ذاتي امام نفسه وامام الآخرين ايضا , انه لا يمكن ان يكون صحافيا , اذ ان هذه المهنة ترتبط قبل كل شئ بالموهبة الذاتية ( مثل الرسم والنحت والشعر ...الخ) , ويمكن للدراسة الاكاديمية ان تبلورهذه الموهبة وتصقلها وتطوّرها , ولكن لا يمكن ان تخلقها من العدم , ولهذا , فان قبول الطلبة الروس في هذه الكليّة يكون على هذا الاساس , اي ان تكون لديهم موهبة الكتابة , ولكن الكليّة كانت تتساهل بشأن قبول الاجانب , ولكن جبار اقتنع انه لا يمتلك هذه الموهبة , واتخذ قراره بالانتقال الى دراسة التاريخ , ولهذا اسميت هذا القرار شجاعا وعلميا .  اصطدم جبار بمشكلة تعادل الشهادة في العراق , اذ لا تسمح التعليمات العراقية الصارمة والجامدة جدا ( ان صح التعبير) بذلك , وكم عانى العراقيون من خريجي الجامعات الاجنبية من قضية تعادل الشهادة الاجنبية, ولا مجال طبعا للتوقف عند هذا الموضوع هنا . و استطاع د. جبار عطيوي بعد التي واللتيا وبصعوبة من ايجاد حل لهذه المشكلة , وهكذا حصل على تعادل شهادة الدكتوراه و اصبح تدريسيا في قسم التاريخ في كلية التربية , الى ان ترك العراق في التسعينات وانتقل للعيش في المانيا مع عائلته , وهناك توفي وتم دفنه في المانيا . كان جبار عطيوي ضمن الاسماء الشيوعية البارزة بين طلبتنا في جامعة موسكو , اذ كان أحد قادة اتحاد الطلبة في العراق قبل مجيئه الى موسكو , وكانت زوجته المرحومة د. ماجدة عبد الرضا اخت ماجد عبد الرضا , الشخصية الشيوعية المعروفة آنذاك , وهو أحد قادة اتحاد الطلبة العالمي واتحاد الشبيبة العالمي في براغ عندئذ ( قبل ان يعود الى بغداد ويغيّر موقفه كما هو معروف) , الا ان المرحوم جبار لم يتميّز – مع ذلك – لا في موسكو اثناء دراسته الطويلة نسبيا في كليتين من كليّات جامعة موسكو وتخرّجه فيهما ( وهو أمر نادر جدا بين العراقيين ) ,  ولا في العراق بعد عودته وعمله تدريسيّا في قسم التاريخ  بكليّة التربية بجامعة بغداد , ولا في المانيا – محطته الاخيرة في الحياة .
المرحوم د. نوري السامرائي انهى دراسته العليا في كلية التاريخ بجامعة موسكو , وعاد رأسا الى العراق , وتم تعينه في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد . كان انسانا محترما و مسالما ورقيقا ومؤدبا وهادئا , وكان محبوبا اينما يحل , وهكذا كان في جامعة موسكو وجامعة بغداد , وساهم في حركة النشر والترجمة عن الروسية ضمن اختصاصه  وبشكل محدود, ولكنه لم يبرز , ورحل مبكرا.
ا.د. هاشم التكريتي اصبح واحدا من ابرز اساتذة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد , فهو باحث علمي من الطراز الاول , ومترجم عن الروسية أغنى المكتبة العربية بمصادر مهمة , وهو الاستاذ اللامع في كلية الاداب في قاعات التدريس او قاعات المناقشات العلمية لاطاريح الماجستير والدكتوراه في التاريخ . لا اريد ان اكتب تفصيلات عن كل هذه الجوانب المرتبطة به , اذ انها معلومة ومثبّتة في العديد من المصادر المطبوعة او المنشورة الكترونيا ( توجد حتى اطروحة ماجستير حوله ), ولكني اود ان أذكر فقط بعض اللقطات ( ان صح التعبير ) , التي علقت في ذهني عنه . اللقطة الاولى عندما كنت عميدا لكلية اللغات , اذ جاء اليّ شخص من السفارة السويسرية في بغداد وقال لي ان احدى الجامعات السويسرية ترغب بدعوة استاذ عراقي لالقاء محاضرة حول العراق , فرشحت أ.د. كمال مظهر احمد لذلك , وعندما اتصلت بكمال اعتذر لاسباب صحيّة ورشّح هاشم بدلا عنه , فوافقت طبعا وبكل سرور , وطلبت منه متابعة الموضوع , وهكذا سافر د. هاشم وقام بالمهمة خير قيام , وقد التقيت بعدئذ بالشخص الذي قدّم الدعوة تلك , فشكرني على تلبيتنا لدعوته , واخبرني ان الجامعة السويسرية كانت مندهشة من علمية وموضوعية هذا الاستاذ , وانها حتى اقترحت عليه ان يعمل عندهم , ولكنه اعتذر وعاد الى كليته في جامعة بغداد . اللقطة الثانية عندما كنت في ايفاد بعاصمة جورجيا – تبليسي , حيث التقيت بمجموعة من اساتذة معهد اللغات الشرقية , فاذا باحد الاساتذة الجورجين يقول لي , انه جاء خصيصا الى هذا الاجتماع ليسألني عن صحة الخبر الذي سمعه قبل فترة عن ترجمة كتابه حول العراق الى العربية في جامعة بغداد , واخبرته ان هذا الخبر صحيح , وان مترجمه هو الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي . فرح هذا الاستاذ الجورجي بشكل لا يوصف وهو يكرر امام زملائه – ( ألم أقل لكم ذلك , ولكني لم استطع اثبات الخبر آنذاك ) , وقد كتب اسم هاشم التكريتي كي لا ينساه , وطلب مني ان ارسل له ولو صورة الغلاف , وان اتقدم بشكره الجزيل الى المترجم العراقي , وقد كنت في تلك اللحظة أشعر بالفخر والاعتزاز بهاشم وعمله العلمي الرائد . اللقطة الثالثة عندما كنت حاضرا في مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ , وكان هاشم مناقشا فيها . لقد اشتد النقاش حول بعض الاراء , والتي اشار بعض المناقشين الى انها صحيحة لانها وردت في احدى كتب حنا بطاطو , ورفضها آخرون رغم ذلك , فتدخل د. هاشم وحسم الموضوع بكل هدوء وموضوعية , ورفض الفكرة القائلة , ان كل ما قاله بطاطو هو صحيح , واثبت ذلك الرأي . لقد كانت مداخلته تلك حاسمة , لأنها تعكس الرأي العلمي الموضوعي , واقتنع الجميع بذلك . ان الحديث عن ا.د. هاشم التكريتي يطول , الا اني اود ان اختتمه بالاشارة , الى انه ترجم عن الروسية كتابا صدر في الامبراطورية الروسية سنه 1910 عنوانه – ( العراق العربي ) , وهو كتاب نادر جدا , مؤلفه القنصل الروسي في ولاية البصرة آنذاك , وتوجد نسخة منه في مكتبة لينين بموسكو . ان عين المؤرخ هاشم التكريتي قد شاهدت هذا المصدر الفريد في تاريخ العراق , والتقطته عندما كان طالب دراسات عليا في موسكو . وبهذه ( اللقطة الرابعة  !!) اختتم هذه السطور عن الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي – خريج جامعة موسكو العريقة , وواحد من نجوم جامعة بغداد , وابن  العراق البار ... 
   

60
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (4)
أ.د. ضياء نافع
اتوقف في هذه الحلقة عند كليّة التاريخ في جامعة موسكو. لا توجد في العراق كليّة خاصة بالتاريخ , بل قسم في كليّات الاداب اوكليّات التربية ليس الا , ولهذا كانت كليّة التاريخ في جامعة موسكو بالنسبة لنا ظاهرة غريبة , وكثيرا ما كنّا نتحاور فيما بيننا حول الاشياء المحيطة بنا وامكانيّة الاستفادة من هذه التجربة العلمية الجديدة امامنا , وضرورة عكسها على واقع العراق بعد عودتنا, ومن جملة تلك الاشياء هو الدعوة لتأسيس كليّات في العراق على غرار كليّة التاريخ وكليّة الجغرافيا وكليّة الجيولوجيا وكليّة الكيمياء..الخ الكليّات العلمية المتكاملة و الرصينة في جامعة موسكو, اذ ان القسم العلمي الواحد – مهما يكن واسعا وكبيرا -  لا يستطيع ان يتناول بالدرس والتحليل كل الجوانب المتشعبة العديدة لذلك الاختصاص العلمي الكبير, الا ان العين ( كانت ولازالت مع الاسف !) بصيرة واليد قصيرة , خصوصا وان فلسفة التعليم في العراق ومسيرته التاريخية مبنيّة على اسس بعيدة جدا عن المفاهيم الروسية للتعليم... 
الحديث عن كليّة التاريخ يعني التوقف عند جبار عطيوي وخليل العبيدي وسعيد نفطجي ونوري السامرائي وهاشم التكريتي ( ترتيب الاسماء طبعا حسب حروف الهجاء). كان هناك طالبان فقط في الدراسات الاولية هما خليل العبيدي وسعيد نفطجي. خليل كان اكبر منّا عمرا , وكنّا نعرف انه كان معلّما في العراق, وانه جاء لاكمال تعليمه . وكان خليل دائما محطّ احترامنا وتقديرنا نتيجة عمره وسلوكه واخلاقه الراقية . كان منعزلا . وعلمنا بعدئذ انه تزوج وقرر البقاء في روسيا , ولازال حتى اليوم (وانا اكتب هذه السطور في نهاية العام 2019) يسكن في موسكو , وربما يمكن القول انه اكبر العراقيين سنّا بين كل العراقيين المقيمين الان في روسيا , و الذين اكتسبوا الجنسية الروسية طبعا بمرور السنين. لقد أخبرني صديقي عبد الله حبه مرة ( وهو من المقيمين ايضا ) , انه يزوره بين فترة واخرى , وان خليل العبيدي لا يخرج الان من بيته لانه ( بلغ من العمر عتيّا). لا اعرف كيف أمضى خليل كل هذه السنوات الطوال في روسيا بعد تخرّجه , الا انني لم أجد يوما أثرا ثقافيا له , كبحث علمي او ترجمة عن الروسية او مشاركة في نشاطات فكرية ...الخ .
الطالب الآخر في الدراسات الاولية كان سعيد نفطجي , الذي كان محبوبا من قبلنا لطرافته وثقافته الموسوعية , رغم طريقة حياته الغريبة جدا مقارنة بطريقة حياتنا. كان يتقن الانكليزية والتركية , وتعلّم الروسية بشكل ممتاز , وكانت هوايته القراءة , وكنّا نعرف انه ( يلتهم الكتب !) نهارا , ولكن ( عندما يأتي المساء ونجوم الليل تظهر ) يتفرّغ سعيد عندها - ويوميّا – للكأس . وكان يقول لنا دائما , انه هنا لكي يتابع الثقافة نهارا والكأس ليلا , وهكذا استمر على هذا الحال الى ان تم فصله من كلية التاريخ , فعاد الى العراق , واصبح طالبا في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد , وقد تم قبوله هناك باعتباره يتقن الروسية , واصبح طالبا لدى زملائه العراقيين في جامعة موسكو , الذين انهوا دراستهم في تلك الجامعة وتم تعينهم هناك , وهم كل من د. محمد يونس ود. ناشئة الكوتاني . تخرّج سعيد نفطجي بعد اربع سنوات من الدراسة في جامعة بغداد, وكان من الطبيعي ان يكون الخريج الاول في قسم اللغة الروسية هناك, فارسلته الدولة الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته العليا , فعاد الى جامعة موسكو مرة اخرى , واراد ان يكتب اطروحة عن ناظم حكمت , وكان يمكن له ان يحقق هذا العمل العلمي بلا شك , ولكن (عادت حليمه الى عادتها القديمه) , وهكذا تم فصله من الجامعة مرة اخرى و لنفس السبب . عاد سعيد الى العراق وتم تعينه مترجما عن الروسية في وزارة الاعلام , ثم وصل الى سنّ التقاعد , وكان مستمرا على فلسفته وطريقة حياته . لا اعرف الان أخباره , ولكني سمعت من البعض انه توفي , ولم استطع تدقيق هذا الخبر المؤسف . لقد كان سعيد نفطجي مثقفا متميّزا بكل معنى الكلمة , وكان متابعا دقيقا لمسيرة الادب والفكر عموما , وكان الحديث معه حول الثقافة واحداثها عميقا و ممتعا دائما , اضافة الى انه كان كريم الطبع والنفس , وكان يحافظ دائما على كرامته ومكانته المعنوية . لقد قال لي المرحوم ا.د. كامل الشيبي ( استاذ الفلسفة في جامعة بغداد , وهو نسيب سعيد ) مرة عنه , ان سعيد نفطجي فيلسوف عراقي مجهول , وقد أيّدته في ذلك ...
كليّة التاريخ في جامعة موسكو تستحق حلقة اخرى للحديث عن طلبة الدراسات العليا من العراقيين فيها , اي عن جبار ونوري وهاشم...

61
أدب / موسيقى حالمة
« في: 20:07 10/11/2019  »
موسيقى حالمة
=========

قصيدة للشاعر البرازيلي المعاصر أسفالد دي أندراديه
==============================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
=====================

هناك ..
 بعيدا..
وراء النوافذ,
لازال
 ضياء القمر
 ساطعا و منيرا,
والقطار
يخترق اراضي
 البرازيل
من أقصاها الى أقصاها - -
بخط مستقيم...
================================================================================================================================================
ولد أسفالد دي أندراديه العام 1890 في البرازيل , وهناك توفي العام 1954 . وهو شاعر وروائي وكاتب مسرحي , ويعدّ واحدا من قادة الحداثة في الادب البرازيلي , والثقافة البرازيلية عموما .


62
  قصة النخيل بكليّة اللغات في جامعة بغداد
ا.د. ضياء نافع
 قال لي أحد طلبتي القدامى , الذي التقيته قبل فترة وبمحض الصدفة في موسكو , ان كليّة اللغات في جامعة بغداد, و بفضل زراعتك للنخيل في حدائقها ( عندما كنت أحد مسؤوليها الاداريين ) اصبحت تسمى الان في بعض الاوساط الجامعية هناك  – ( واحة باب المعظم ) , وذلك, لان  الشخص الذي يقترب من كليّة اللغات في مجمع الكليات  , يلاحظ من بعيد تلك الواحة المكتظة بالنخيل , والتي تقف شامخة امام بنايات كليّة اللغات . وقال لي هذا الطالب القديم , اننا – نحن الطلبة آنذاك – كنّا نتساءل فيما بيننا , لماذا قرر معاون العميد ان  يزرع ذلك العدد الكبير من النخيل في حدائق كلية اللغات فجأة وفي نهاية التسعينيات بالذات . ثم طرح عليّ هذا السؤال ضاحكا وهو يقول , اننا لم نتجاسر ان نسألك حول ذلك عندما كنّا طلبة لديك , ولكنني اتمنى ان اسمع منك الجواب الآن , اذ ان الاسرار لا تبقى اسرارا بعد مرور السنوات , واليوم مضى ربع قرن على هذا الحدث ( الاخضر الجميل !) . ضحكت أنا طبعا , وقلت له , ان اسلوب طرحك للسؤال يجبرني فعلا ان اجيب عنه بلا شك , وهكذا بدأت بالحديث عن قصة تلك الحملة التي اسميناها آنذاك ( نزرع 100 نخلة في حدائق كليّة اللغات ) , وها هي ذا بتفاصيلها كما حدثت , ارويها للقارئ العراقي , لاني أرى انها تعدّ الان تاريخا طريفا يستحق ان نعرفه و نتأمله ونستنتج منه دروسا .
استدعاني مرّة عميد الكليّة أ.د. مخلف الدليمي فورا لأمر هام جدا ( وكنت أنا حينئذ معاون العميد ) , وعندما ذهبت اليه وجدته قلقا , وقال لي , ان رئيس جامعة بغداد أ.د. عبد الاله الخشاب اتصل به هاتفيا الان , وأخبره وهو غاضب وزعلان جدا , انه عرف من مصادره الموثوقة , ان  الاستاذ فلان الفلاني في كليّة اللغات قد استلم رشوة جماعية من طلبة الماجستير , وانه طلب من عمادة الكليّة متابعة ذلك ومعالجة الموضوع بكل حزم ودقّة واعلامه فورا بالنتائج . قلت له , ان احالة ذلك الامر الى اللجان التحقيقية سينعكس سلبيا على سمعة الكلية ( خصوصا وان هذا الاستاذ معروف في الاوساط الاعلامية) , لهذا اقترحت عليه ان نعالج الموضوع بحذر شديد وفي اضيق مجال , وطلبت منه ان اذهب انا الى بيت هذا الاستاذ اليوم مساء واتكلم معه بشكل مباشر ورسمي حول ذلك , اذ ربما نصل معه الى حل محدد لهذه القضية الاخلاقية المعيبة . وافق العميد على هذا المقترح , وهكذا اتصلت هاتفيا بالاستاذ المذكور واخبرته , اني سازوره مساء في بيته لأمر هام . ذهبت في الموعد المحدد , ووجدت ذلك الاستاذ ينتظرني بقلق امام باب بيته , وسألني رأسا عن الموضوع ونحن لانزال في الشارع , فقلت له بشكل مباشر ودقيق وموجز ما ذكره رئيس الجامعة , وانني جئت لبحث الموضوع معه , لأن عمادة الكليّة تريد ان تجد حلا لهذه المسألة دون تلطيخ سمعة الكليّة بمثل هذه الامور غير الاخلاقية في حالة نشرها واعلانها . اخبرني هذا الاستاذ رأسا وبدون لف او دوران, انه أخذ من كل طلبة الماجستير فعلا مبلغا متساويا من المال , لانهم ارادوا ان يساعدوه بعد ان أخبرهم حول حادث جرى له في بيته , وانه حذّرهم من عدم الكلام عن ذلك بتاتا , وقال لي وهو يكاد يبكي انه مستعدّ الان وفورا ان يسلمني المبلغ باكمله واعلام عميد الكليّة و رئيس الجامعة بذلك . استلمت منه المبلغ , وهو ليس بالقليل , خصوصا في زمن الحصار آنذاك , وعدت في اليوم التالي الى العميد ووضعت المبلغ على منضدته وحكيت له ما دار في اللقاء . اتصل العميد رأسا برئيس الجامعة , واخبره بذلك , وقال له انه مستعد الان ان يجلب المبلغ له لبحث الموضوع . رفض رئيس الجامعة هذا المقترح رفضا حادا وشديدا ومطلقا , وقال , المهم ان الاستاذ هذا فهم ان الجامعة تتابع الامور و لا تتهاون مع هذه الافعال المشينة, ويجب على العمادة الان ان تجد حلا  للموضوع , وان هذا المبلغ لا يمكن ان يدخل في حسابات الكلية او الجامعة باي حال من الاحوال . وهكذا قررنا ان نعيد المبلغ الى الطلبة كي يعلموا بموقف العمادة والجامعة اولا, وثانيا , كي نتخلص من هذا المأزق , واتفقنا ان نستدعي كل طالب على حدة ونرجع المبلغ له . تقبّل بعض هؤلاء الطلبة المبلغ بكل سرور وقالوا انهم كانوا مضطرين لذلك , و رفض البعض الآخر الاقرار بانهم أعطوا المبلغ هذا خوفا من تبعات هذا الاقرار . بقي لدينا مبلغا لا نعرف (العميد وانا ) ماذا يمكن العمل به , اذ لا يمكن الحديث حوله مع رئيس الجامعة بتاتا بعد موقفه الغاضب والحازم والصارم عندها , ولا يمكن ادخاله ضمن ميزانية الكلية وحساباتها باي شكل من الاشكال, ولا يمكن اجبار هؤلاء الطلبة على الاقرار بعملهم واستلام المبلغ  مثل بقية زملائهم . وبعد التي واللتيا , اقترحت استخدام المبلغ المتبقي لشراء فسائل نخيل كي نزرعها في حدائق الكليّة ( والاقتراح طبعا يعكس عشقي الدائم للنخيل !)  , وقد وافق العميد على هذه الفكرة , وهكذا ابتدأت بشراء الفسائل وحددنا اماكن زرعها بمساعدة المهندس الزراعي ومساهمة الفلاحين وتأييد بعض الزملاء المتحمسين للفكرة من حولنا , وأخص بالذكر منهم بالذات المرحوم أ.د. علي يحيى منصور ( المعاون العلمي آنذاك ) , وانجزنا العمل كما يجب . وقد زار كليتنا مرة رئيس الجامعة الخشاب , ورافقته في زيارته , واثناء مسيرتنا في الممر الخارجي للكليّة تحدثت معه حول النخيل التي كانت امامنا في الحدائق وقد كان منظرها  جميلا, وقلت له انها نتيجة حملة ( لنزرع 100 نخلة في حدائق كلية اللغات ) , والتي قامت العمادة  بها بعد مكالمته الهاتفية حول تلك ( القضية !!!) التي يعرفها ومن المؤكد انه يتذكرها, فضحك الخشاب وقال – احسنتم .
هذه هي قصة النخيل التي تم زرعها قبل ربع قرن في حدائق كليّة اللغات , الحدائق التي يسميها البعض ( واحة باب المعظّم ) , كما قال لي طالبي القديم عند اللقاء معه في موسكو...         

63
موسكو بعيون العراقيين في ايامهم الاولى
أ.د. ضياء نافع
  هناك مثل روسي يقول – العين ترى الشئ الذي تريد ان تراه , وهو مثل دقيق فعلا وينطبق على العراقيين في الايام ( او حتى الاسابيع والشهور) الاولى من وصولهم الى روسيا , ولازلت أتذكر حادثتين طريفتين حدثت معي في اليوم الاول من وصولي الى موسكو العام 1959 . الحادثة الاولى في المطار , حيث كان هناك موظف سوفيتي يستقبلنا مع طالبين عراقيين وصلا قبلنا باسبوعين , فطلب منّا الطالب الاول ( واسمه أحمد ) ان نناديه ( احمدوف ) , وقال لنا الطالب الثاني ( واسمه تحسين) ان نناديه ( تحسينوف) , واوضحا سبب هذا الطلب , ان قواعد اللغة الروسية تقتضي ذلك , وان الروس حولهم  ينادونهما  هكذا الان , وانهما تعوّدا على ذلك , وكنّا ننظر اليهما متعجبين , ولا نعرف ماذا نقول لهما . أما الحادثة الثانية , فقد جرت في القسم الداخلي , حيث وصلنا , وبدأ مسؤول القسم منحنا ارقام الغرف التي سنسكن فيها . كنّا اول وجبة تصل الى هذا القسم , وتبين ان الغرف التي منحونا اياها تقع في الطابق الخامس , فطلبنا تبديلها , كي نسكن في الطابق الثاني كي لا نصعد وننزل كل يوم خمسة طوابق , خصوصا وان كل القسم الداخلي كان فارغا . لم يوافق المسؤول على ذلك , وقال , انه لن يغيّر الغرف . انزعجنا نحن من هذا الموقف , فانبرى  أحد العراقيين  بيننا وقال لنا , انه واثق , ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي قد بحثت هذا الموضوع قبل وصولنا , وان هذا الموظف ينفّذ قرارات اللجنة المركزية للحزب ليس الا , ولهذا فانه يرفض تلبية طلبنا , اذ ان هذا يعني عدم تنفيذ قرارات  اللجنة المركزية للحزب . تعجبنا جميعا من تعليقه هذا , وسألناه ان يوضح لنا هذا الذي يقوله لنا , فقال , من المؤكد , ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تعرف , ان العراقيين لا يمارسون الرياضة البدنية الضرورية للانسان يوميّا, ولهذا قررت اللجنة المركزية تقديم غرف الطابق الخامس للطلبة العراقيين الذين يصلون قبل الآخرين تقديرا ومكافأة  لهم , كي يمارسوا الرياضة البدنية تلقائيا وهم يصعدون الى الطابق الخامس وينزلون منه كل يوم ولعدة مرات . استمعنا الى زميلنا هذا بغرابة , ولكننا لم نستطع ان نناقشه طبعا , اذ كان يتكلم بثقة مطلقة , لدرجة , ان أحد الطلبة قال , يبدو انه يعرف ذلك من مصادر عليا , وهكذا اضطررنا ان نوافق – وعلى مضض طبعا – للسكن في الطابق الخامس  , وبدأنا بحمل حقائبنا الثقيلة (كما تعوّدنا السفر على الطريقة العراقية !) والصعود – وبصعوبة - الى الطابق الخامس .
 وهناك حادثة طريفة جدا وقعت امامي , وهي وصول أحد الرفاق المتحمسين جدا الى موسكو , وقال لنا , ان من جملة الاشياء المدهشة , التي لاحظها منذ وصوله ولحد الان عدم وجود الذباب في موسكو, واضاف قائلا , ان هذا يعني , ان السلطة الثورية البلشفية هنا قد قررت ( ونفّذت فعلا ) تخليص الانسان  نهائيا من الذباب و شروره على حياة الانسان.  ضحكنا نحن جميعا , اذ مضى علينا عدة سنوات هناك , ولكن احد العراقيين المرحين انسحب رأسا , وعاد بعد دقائق وبيده قنينه زجاجية صغيرة مليئة بالذباب وهو يضحك ويعطيها له ويقول – ( اصطدت مجموعة من الذباب لاجلك خصيصا )...
وهناك حوادث ( من الجانب الآخر ) طبعا , اي من هؤلاء الذين كانوا  ضد الاتحاد السوفيتي على طول الخط ( ان صح التعبير ) , وهي حوادث تدخل ايضا  ضمن هذه الآراء الجاهزة والطريفة والبعيدة طبعا عن النظرة الموضوعية والمنطقية ايضا , وأذكر حديثا رواه لي أحد هؤلاء عندما التقيته في باريس مرة في نهاية ستينيات القرن الماضي ( وهو مدير عام زمن عارف الثاني ) , وقال لي انه زار موسكو ضمن وفد رسمي عراقي , وذهبوا به لزيارة مرقد لينين في الساحة الحمراء , فشاهد ( بامّ عينيه !) كيف كان الناس يقبّلون الابواب وحتى العتبة عند الدخول لزيارة مرقد لينين , وانه قال لهم , لماذا تقومون بهذه الطقوس الدينية المقدسة وهو انسان مثل كل البشر , فأجابوه انهم يعبدونه , فقال لهم , ولكن الجثمان سيتلاشى بمرور الزمن , فقالوا له , انهم عندها سيجلبون جثمانا جديدا لهذا الغرض . وقد سألت هذا الشخص وانا استمع اليه مندهشا , باي لغة تحدثت معهم , اذ انك لا تعرف اللغة الروسية , فقال , انه تحدث معهم باللغة الانكليزية , التي يجيدها كل الروس  .
هذه الامثلة تبدو – للوهلة الاولى – طريفة ليس الا , ولكن تحليلها بعمق وموضوعية تبين اسلوب التفكير لدينا وطريقة انعكاسه على مسيرة حياتنا الفكرية والعملية ايضا . كم من الاخطاء تم ارتكابها نتيجة هذا التفكير السطحي الساذج , وما احوجنا الان ان نتأمل – وبعمق - كل ذلك ...

64
العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (3)
أ.د. ضياء نافع
نستمر في هذه الحلقة بالحديث عن طلبة كلية الجيولوجيا في جامعة موسكو. الاسم الذي اريد ان اتوقف عنده قليلا هو المرحوم غريب رياح . كنّا نناديه باسمه واسم ابيه دائما – غريب رياح , ربما (لغرابة!) هذين الاسمين معا , وربما لطرافة غريب نفسه ورشاقته الروحية وخفّة دمه وابتسامته الدائمة واستجابته للتعاون والتعاطف مع الجميع . لقد كان منسجما مع جميع المحيطين به من عراقيين وروس . ذهبت اليه مرّة , وقلت له , ان الكليّة دعتنا – نحن العراقيين – للمشاركة في حفلتها , ونحن لسنا مستعديّن , فقال لي رأسا , انه يعرف اغنية روسيّة يغنيّها الشباب الروس في سفراتهم ويحبونها جدا , وانه يمكن لنا – نحن العراقيين - ان نحفظها ونغنيّها بسرعة , واذا ما قدمناها امامهم في الحفلة , فستكون مشاركة ناجحة وطريفة . وافقنا جميعا على هذه الفكرة ( الغريبية الرياحية !), وامسك غريب بيده غيتارا ( وهو لا يعرف بتاتا العزف عليه) وبدأ وكأنه يعزف , وبدأنا نحن حوله نتدرب على غناء تلك الاغنية الروسية حسب الكلمات التي علّمنا اياها , وهي كلمات رقيقة وبسيطة تتحدث عن انطباعات الناس وهم ينظرون الى الجنود الذين يمرّون امامهم و يدكّون الشوارع باحذيتهم العسكرية  . حفظنا الاغنية – بحماس الشباب ومرحه - خلال اقل من ساعة , واتفقنا ان نكون هناك في الوقت المحدد . حضرنا طبعا , واخبرت مسؤول الحفلة , اننا سنقدّم اغنية روسيّة . فرح المسؤول الروسي واندهش من قرارنا , ووافق رأسا على هذه ( المشاركة العراقية الجميلة ! ) دون ان يسألنا عن تلك الاغنية , وهكذا ظهرنا على خشبة المسرح و قدمّنا تلك الاغنية وغريب رياح يتوسطنا وهو يمسك بالغيتار وكأنه يعزف عليه . استقبلنا الحضور الكبير( وهم طلبة روس طبعا ) بحرارة وحماس هائل و مرح وابتسامات وضحك وهم يستمعون الينا , وصفقوا لنا تصفيقا حادا جدا أدهشنا عندما انتهينا من الغناء , وما ان انسحبنا من خشبة المسرح ونحن سعداء بهذا النجاح الرائع , فاذا بالمسؤول عن الحفلة يركض نحونا وهو يصرخ قائلا , ماذا عملتم , وكيف تقدمون اغنية ممنوعة في الاتحاد السوفيتي على خشبة مسرح بجامعة موسكو !! . فوجئنا نحن طبعا بردة الفعل هذه , وقلنا له , اننا لا نعرف انها ممنوعة , ولكننا سمعناها من الشباب الروس انفسهم وهم يغنونها. حاولنا طبعا ان نخفف من ردود فعله , ونحن نعتذر ونتعثّر بالكلام معه ونتحدث عن مضمون تلك الاغنية البسيط جدا, وانسحبنا – بعدئذ - رأسا بهدوء وبسرعة من تلك الحفلة . لقد تبين لنا ( بعد فترة طويلة طبعا ) , ان هذه الاغنية من تأليف وتلحين وغناء الشاعر بولات أكودجافا , وهو من اوائل الشعراء السوفيت الذين بدأوا بالقاء قصائدهم مغناة امام الجمهور وهم يعزفون على الغيتار , وقد تقبّله الجمهور السوفيتي بحماس منقطع النظير, لأن أشعاره كانت بسيطة ورقيقة وذات مضامين انسانية بحتة , وخالية بتاتا من الشعارات والكلمات الطنانة والرنانة , التي كانت تسود في تلك الايام الخوالي . والشاعر أكودجافا من أب جورجي تمّ اعدامه زمن ستالين بتهمة ( عدو الشعب !! ) وامّ ارمنية تمّ سجنها ونفيها لنفس تلك الاسباب السياسية الواهية والرهيبة في ذلك الزمن المتجهم ( انظر مقالتنا بعنوان – الشاعر بولات أكودجافا ..تعريف وقصائد) . كان الشباب السوفيتي يتابع اغانيه سرّا وعن طريق اشرطة التسجيل التي يسربوها من يد الى يد , وان الدولة السوفيتية آنذاك قد منعت رسميّا نتاجاته كليا من التداول في وسائل الاعلام السوفيتية, ولكن الممنوع مرغوب كما يقول المثل , ولهذا كان الشباب يغنون تلك الاغاني بحب وحماس اثناء سفراتهم , وكان الجميع طبعا يعرفون تلك الاغاني , ولكن لا احد يجرأ ان يقدمها في الحفلات الرسمية او يتحدث عنها علانية, ولهذا السبب بالذات استقبلتنا القاعة آنذاك بذلك الحماس والتصفيق , لانهم ظنوا , اننا قررنا تأييدهم وتقديم الاغنية من على خشبة المسرح بغض النظر عن منعها من قبل السلطات السوفيتية , وذلك لكوننا أجانب , وان السلطات لا تستطيع ان تحاسبنا مثلهم . ضحكنا كثيرا – بعد انسحابنا من الحفلة بعد هذا العرض -  ونحن نقول لغريب رياح انك ورطّتنا , رغم اننا جميعا كنّا لا نعرف طبعا تلك التفصيلات عن الرقابة السوفيتية ومفاهيمها وتعليماتها الصارمة واجهزتها, و الحمد لله , ان المسألة انتهت آنذاك بسلام .
عاد غريب رياح الى العراق بعد التخرّج , ولم يحاول التشبث بالبقاء للحصول على الدكتوراه كما فعل بعض الخريجين آنذاك , وسمعت انه شغل منصبا محترما في احدى المحافظات , وسمعت ايضا بوفاته مع الاسف , ولا اعرف سبب رحيله المبكر.
 الرحمة والسكينة لروحك يا صديقنا وزميلنا الرائع غريب رياح .


65
هاملت من وجهة نظر تورغينيف
أ.د. ضياء نافع
الى روح صديقي المبدع المرحوم غازي العبادي , الذي كتب رسالة التخرّج في الستينات بجامعة موسكو حول هذا الموضوع .
ض.ن.
تورغينيف كان قريبا من الافكار السائدة في اوربا الغربية بشكل عام ومتعاطفا معها, رغم انه كان اديبا روسيّا حقيقيا ومتميّزا في تاريخ الادب الروسي , بل و يعدّ – ولحد الان - أحد أبرز أعلامه , وكان – كما هو معروف - مع النزعة الغربية ( و تسمى بالروسية زابودنيتشستفو, والتي اختلف المترجمون العرب بترجمتها ) في صراعها مع النزعة السلافية او السلوفيانية ( و تسمى بالروسية سلافيانوفيلستفه , والتي اختلفوا  ايضا حول ترجمتها) , وهو الصراع الذي اصبح واضحا جدا منذ اواسط القرن التاسع عشر بين المثقفين الروس كافة بما فيهم الادباء طبعا , ويقول البعض من النقاد الروس, ان هذا الصراع  الفكري بين النزعتين لايزال قائما و مستمرا في روسيا الاتحادية المعاصرة لحد الآن , وذلك عندما يدور الحديث حول الطرق التي يجب على روسيا ان تسلكها لاحقا,  رغم اننا على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين , ويشيرون الى بعض الوقائع المحددة حول ذلك , و التي تبرهن على صحة هذا الرأي , وهو شئ طريف حقا ومثير جدا , لكنه خارج اطار مقالتنا بلا شك. 
انطلاقا من هذا الموقف الفكري الواضح لتورغينيف , ابتدأ الاهتمام لديه بشخصيات بارزة وابطال متميّزين في الادب والفكر الاوربي الغربي , وجاء هاملت ( بطل مسرحية شكسبير ) في مقدمة تلك الشخصيات .  شكسبير كان واسع الانتشار في روسيا طبعا , وقد ابتدأ الروس بترجمته منذ  القرن الثامن عشر , حتى ان بوشكين أسماه في وقته - ( ابونا شكسبير ) . نجد استخدام تورغينيف لاسم هاملت في كتابه المبكر الشهير ( مذكرات صياد ) , الذي صدر العام 1852, والذي ضمّ  قصصا بدأ الكاتب بنشرها في المجلة الادبية ( سوفريمينك / المعاصر ) منذ عام 1847 , اذ توجد قصة هناك بعنوان ( هاملت منطقة شيغروفسكي) , والتي نشرها في تلك المجلة العام 1848 . لا علاقة مباشرة طبعا لاحداث تلك القصة بهاملت الشكسبيري, ولكن التحليل المعمق للقصة يشير , الى ان تورغينيف ربما اراد ان يقول , ان بطل  القصة هاملتي النزعة والاتجاه والمصير( ان صحّت هذه التعابير) . مضمون تلك القصة بسيط جدا , اذ يروي البطل نفسه سيرة حياته للكاتب , ولا يذكر له اسمه , ويقول للكاتب اثناء هذا السرد, انه يمكن ان يسميه هاملت , اي ان الامر يبدو وكأنه صدفة ليس الا , ولكن سيرة حياة ذلك البطل تبين , ان هناك تشابه ما بين البطلين , اذ ان بطل قصة  تورغينيف لا يذكر اباه , ويلعب عمّه دورا في حياته , وبعد مسيرة حافلة عبر اوربا لا ينجح بالحصول على اي شئ رغم محاولاته العديدة ولفترة ليست  بالقصيرة, ثم يعود البطل الى روسيا ويبدأ بالتفاعل من جديد مع وتيرة الحياة فيها واحداثها , وينتهي به المطاف (في النهاية ايضا ) الى انه لم يحصل على نتيجة ايجابية واضحة المعالم  في الحياة . لقد اراد تورغينيف ان يقول , ان كل هذا البحث الانفرادي والجهد الكبير , الذي قام به بطل هذه القصة, لم يجعل منه انسانا سعيدا وناجحا ومفيدا للآخرين من حوله , ولم يصل به الى الهدف الانساني العام , الذي يسعى اليه كل البشر.
رأي تورغينيف حول هاملت لم يكن واضحا ومتبلورا  بشكل نهائي عبر تلك القصة المبكرة في مسيرة نتاجاته , رغم ان عنوان القصة يحمل اسم هاملت ( و هذا العنوان بحد ذاته يعني ما يعنيه) , ولكن تورغينيف سيلقي محاضرة في بداية العام 1860 (و سينشرها في مجلة المعاصر / سوفريمينك في نهاية نفس العام ) عن هاملت بعنوان – ( هاملت ودون كيخوت ) , ويمكن القول , ان هذه المحاضرة , او الصورة القلمية التحليلية العميقة التي رسمها الكاتب الروسي  للبطلين في مسيرة الآداب الاوربية قد حددت وبصورة دقيقة وحاسمة آراء تورغينيف بهما , ولازالت تلك الآراء حيوية ومهمة في مسيرة النقد الادبي الروسي, وتؤخذ بنظر الاعتبار حتى في الاوساط الغربية نفسها . ونود هنا – التزاما بعنوان مقالتنا طبعا وختاما لها – ان نتحدث عن هاملت قليلا فقط وبايجاز مكثّف جدا من وجهة نظر تورغينيف ( اي دون الحديث عن البطل الآخر دون كيخوت حسب عنوان المحاضرة تلك) .
 يتميّز هاملت - حسب تورغينيف – اولا,  بخاصية التحليل , تحليل كل شئ يجري حوله , ولكنه اناني , يعيش لنفسه فقط , ويهتم بنفسه فقط , ولهذا فانه مشغول دائما ليس بواجباته , وانما بوضعيته . هو شديد الذكاء , وعقله متوهج , ولهذا , فانه يشك في كل شئ , ولأنه ذكي جدا , فانه يعرف ايضا نقاط ضعفه ويعترف بها , في الاقل امام نفسه . وهاملت بشكل عام لا يعرف ماذا يريد ولماذا يعيش , لكنه يتشبث – مع ذلك – بالحياة , يتشبث بقوة هائلة ...
هاملت قريب من اهتمامات القراء العرب, وتورغينيف ايضا , لهذا , فاننا نظن, ان طرح اسميهما معا يجب ايضا ان يثير اهتمامات هؤلاء القراء.

66
العراقيون بجامعة موسكو في الستينات ومصائرهم (2)
أ.د. ضياء نافع
كلية الجيولوجيا هي المحطة الثانية في هذه السلسلة من المقالات عن الطلبة العراقيين بجامعة موسكو في ستينات القرن العشرين ومصائرهم . كانت هذه الكليّة جديدة كليّا لمفاهيمنا , اذ استطعنا ان نترجم الى العربية اسماء معظم الكليّات تقريبا , الا اننا كنا نقول – كليّة الجيولوجيا . تميزت هذه الكليّة بقبول مجموعة كبيرة نسبيا من الطلبة العراقيين و في الدراسات الاولية فقط , اذ لم يكن هناك طالب عراقي في الدراسات العليا . اسماء هؤلاء الطلبة وكما اتذكرهم و حسب حروف الهجاء هم كما يأتي – المرحوم انترانيك ( نسيت اسم والده ) / المرحوم الشهيد د. حامد الشيباني / المرحوم جمال منير / د. ديكران يوسف / صاحب ( نسيت اسم والده ) / صدّاع العاني / المرحوم د. عدنان عاكف / المرحوم غريب رياح / المرحوم فيصل الجبوري/ كبه ( نسيت اسمه) / د. محي السعد / منذرنعمان الاعظمي / د. يحيى قاسم.
احاول ان اتوقف عند هذه الاسماء (الحبيبة الى قلبي ) ومصائرهم حسب معلوماتي المتواضعة , وحسب ما انحفر في ذاكرتي عن احداث ارتبطت بهم وعرفت بها او سمعت عنها , وكم أتمنى ان يكمل الآخرون هذه السطور او يصححونها في الاقل , اذ رحل البعض منهم عن الحياة , ومن واجبنا , نحن الذين لازلنا على قيد الحياة , ان نسجّل ما شاهدناه و ما عرفناه آنذاك للاجيال العراقية القادمة من الابناء والاحفاد وابناء الاحفاد , كي نبرز الحقائق والوقائع كما كانت فعلا ونسجلها قبل ان تضيع الى الابد , اولا , وكي لا تكرر هذه الاجيال الاخطاء والعثرات الى حدثت في مسيرتنا, ثانيا , وتلك هي مهمة التاريخ العظيمة  .
المرحوم انترانيك , وكنت اسميه دلعا انتران . كان مرحا وبسيطا ومبتسما ومتفائلا دائما , وهو الذي اطلق ( هلهولة عراقية مدوّية ) عندما اجتمع معنا الدكتور المشاط ( مدير البعثات في وزارة المعارف آنذاك ) في قاعة (02) بجامعة موسكو ( انظر مقالتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 2 ) . لقد تصرف المشاط بعنجهية وغرور وبشكل فظ تجاه الطلبة العراقيين , واستخف بالشهادات السوفيتية , واعلن ان شهادة الكانديدات حسب القاموس الروسي العربي الذي اطلع عليه هذا المدير بحثا عن معنى تلك الكلمة الروسية هي ( مرشح علوم ) , وبالتالي فانها لا يمكن الا ان تعادل شهادة ماجستير ليس الا , وكان رد فعل القاعة واضحا ضد هذه الافكار السطحية , واذا بنا نسمع (هلهولة) مدوّية من وسط القاعة يطلقها انترانيك , وقد ضجّت القاعة بالضحك طبعا , وكان ذلك اجمل رد (شبابي!) رائع ( رغم كل ما قيل ويقال ) على هذا  المدير ( المبوّز !) , الذي  يتكلم عن العلم السوفيتي ( وكان آنذاك يغزو الفضاء) وتعادل شهاداته من وجهة نظر سياسية عراقية ساذجة ومضحكة وضحلة ولئيمة , وجهة نظر تعكس طبعا تلك الخلافات السياسية التي كانت سائدة في الساحة العراقية بداية الستينات . ولقد تذكرت المرحوم انترانيك وهلهولته المدوية عندما جمعنا مرّة ( نحن اساتذة جامعة بغداد والمستنصرية)  وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور المشاط نفسه , وتكلم امامنا بنفس ذلك التعجرف والعنجهية والغرور و السطحية ايضا , نحن الاساتذة , وهو يمجّد ويمجّد (القائد الضرورة!!!) بتلك الكلمات الطنانة والرنانة المقرفة حتى الضجر, وقلت بيني وبين نفسي , آه لوكنت معنا الان ايها المرحوم انترانيك !!! , وتذكرت المرحوم انترانيك ايضا عندما قرأت اسم الدكتور المشاط  ضمن عرائض الذين ( يرجون !!! ) الامريكان بالتدخل لانقاذ العراق ...
   الاسم الثاني هو الشهيد د. حامد الشيباني , والذي كتبت عنه عدة مرات , وسأبقى اكتب عنه وأذكر سيرته المتواضعة ( والعظيمة ايضا ) منذ كان طالبا متميّزا (علما واخلاقا ) في كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو وهو يرفع اسم العراق عاليا , وكيف اقترح مشرفه العلمي نفسه ان يكمل حامد دراسته العليا لانه لاحظ تميّزه, وهكذا حصل على شهادة الدكتوراه , و عاد الى العراق واصبح – وبجدارة - شخصية علمية وادارية بارزة في شركة النفط الوطنية في السبعينات, وكيف اعتقلوه في شركة النفط هذه واثناء الدوام , ومن ثم اختفى أثره , ولا يوجد له الآن حتى قبر , رغم كل محاولات عائلته , التي ارادت فقط ان تعلم مصير ابنها , او حتى مكان قبره في ارض الوطن , الوطن الذي رفع المرحوم د . حامد الشيباني رايته عاليا في اجواء كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو في تلك الايام الخوالي ... الرحمة والذكرى العطرة والخلود لك ايها الشهيد الدكتور حامد الشيباني .   

67

العراقيون بجامعة موسكو في الستينات ومصائرهم (1)
أ.د. ضياء نافع

هذا موضوع واسع و كبير جدا , ولا يمكن لشخص واحد ان يرسم كل ابعاده وجوانبة . لا توجد لديّ ارقام محددة عن اعدادنا , لكننا كنّا أكثر من مئة طالب في بداية ستينات القرن العشرين , موزعين في معظم كليّات جامعة موسكو , بين طلبة دراسات أولية ودراسات عليا . طالما تحدثت مع زملائي العراقيين حول هذا الموضوع , وحاولت ان اقنعهم , ان يكتب كل واحد من الذين درسوا في اي جامعة سوفيتية آنذاك عن زملائه العراقيين الذين درسوا معه ومصائرهم بعد التخرج, وحاولت ان اثبت لهم , ان كتابة تلك الوقائع تعني كتابة التاريخ العراقي المعاصر الحقيقي بحذافيره , ولكن الذين كانوا يتقبلون هذه الفكرة نظريا لم ينفذوها عمليا ( وهم الاغلبية ), اما الذين لم يتقبلوها ( وهم الاقليّة ) , فانهم كانوا يحاولون السخرية منها او, في كل الاحوال , التقليل من اهميتها وجوهرها, ولازالت أتذكر جملة قالها  لي احد هؤلاء  مرّة ساخرا  – (شنو الفائدة اذا نكتب جاسم درس بفلان كليّة ؟ ) , فقلت له , ان جاسم عراقي ولد في العام الفلاني بمدينة عراقية واكمل المدرسة الثانوية الفلانية او الكلية الفلانية ووصل الى الاتحاد السوفيتي في السنة الفلانية وتخصص في العلم الفلاني ورجع الى العراق وعمل في مجال تخصصه او لم يستطع ان يعمل نتيجة الاسباب الفلانية , واضطر ان يترك العراق ...الخ , وان كل هذه الوقائع الخاصة بجاسم العراقي هذا تعني تاريخ العراق الحقيقي , التاريخ الذي نفتقده لحد الآن , لانه تاريخ الناس العراقيين الاعتياديين في مسيرة الحياة الاعتيادية في العراق , وليس تاريخ الزعيم فلان والقائد فستان .
الموضوع كبير كما أشرنا في البداية , ولكني قررت ان ابدأ به , اذ ربما تدفع هذه السطور بعض الزملاء الى اكمالها , او اضافة تعليقات توضيحية حولها , او توسيعها وتعميقها , او تصحيحها , اذ ربما تكون هناك جوانب غير دقيقية لم أعد أتذكرها تفصيلا , فاني الان على مشارف العقد الثامن من عمري .
ابدأ من الكليّات التي كان فيها اعداد صغيرة من الطلبة , مثل كليّة الفلسفة . كان هناك طالب دراسات اولية هو سليمان اللوس, وطالبان في الدراسة العليا هما المرحوم عبد الرزاق مسلم والمرحوم توفيق رشدي , وعند كل واحد من تلك الاسماء يجب عليّ حتما ان اتوقف قليلا . انهم – قبل كل شئ – يشكّلون باقة ورد فريدة ورائعة, او ( شدّة ورد !) بلهجتنا العراقية الجميلة , فسليمان اللوس مسيحي وعبد الرزاق مسلم صابئي وتوفيق رشدي كردي , ولكننا لم نكن ننظر اليهم آنذاك هكذا , بل ولم نكن حتى نعرف , ان سليمان مسيحي , او عبد الرزاق صابئي , ولكننا كنا نعرف فقط ان توفيق كردي . كل واحد من هؤلاء (الفلاسفة !) يمتلك قصة تستحق ان نرويها للاجيال العراقية اللاحقة . لقد تحول اثنان منهما الى ( شهداء!) , وهما المرحوم الدكتور عبد الرزاق مسلم والمرحوم الدكتور توفيق رشدي . واحد استشهد داخل العراق , والآخر استشهد خارج العراق . الشهيد عبد الرزاق تم قتله في مدينة البصرة من قبل اجهزة السلطة البعثية العراقية باطلاق النار عليه في الشارع, والشهيد توفيق تم قتله في مدينة عدن في اليمن من قبل اجهزة السلطة البعثية العراقية وباطلاق النار عليه في الشارع ايضا , وكلاهما كانا أساتذة في الجامعة آنذاك . وهكذا اصبح الفيلسوف د.عبد الرزاق مسلم ( التدريسي في جامعة البصرة ) , والفيلسوف د.توفيق رشدي ( التدريسي في جامعة عدن ) ضمن اسماء شهداء العراق ( وما اكثرهم مع الاسف ) , اولا , وضمن قائمة الشهداء العراقيين من خريجي الجامعات الروسية , ثانيا , فما اعظم هذا ( اللقب!) الذي حصلا عليه وتميّزا به , وما أقساه وما افظعه , وما أشدّ الألآم والاحزان والدموع , التي تثيرها كل هذه الاحداث المأساوية الرهيبة في قلوب الاهل والاصدقاء والزملاء , عندما يتذكرون الدماء الطاهرة وهي تسيل وتتدفق في الشوارع من اجسادهما نتيجة غدر السلطة واجرامها ومفاهيمها الوحشية الرهيبة ضد الرأي الآخر والاجتهاد الآخر ليس الا . وكم يؤلمني ان أشير هنا , الى اننا – نحن خريجي الجامعات الروسية – لم نقم باي رد فعل يشجب هذا العمل الاجرامي منذ تنفيذه ولحد الان , حتى حينما تسنّى لنا ذلك , واقصد بالطبع عندما تم تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في بغداد , رغم اني أتذكر ردود الفعل الايجابية لزملائي في الجمعية ( واخص بالذكر رئيس الجمعية آنذاك الزميل المهندس ضياء العكيلي ) حول مقترحي باعادة نشر كتاب عبد الرزاق مسلم حول المصطلحات الفلسفية  من قبل الجمعية تكريما لذكراه , ولكننا لم نستطع حتى تحقيق ذلك المقترح البسيط مع الاسف الشديد .
أمّا سليمان اللوس ,الذي أنهى الدراسة في كلية الفلسفة بنجاح , فقد كتب لي ( عندما كنت ادرس في جامعة باريس ) , انه يخطط ان يكمل دراسته في جامعة باريس ايضا , وقد استقبلته هناك , واستطاع ان يلتحق بجامعة باريس فعلا  وكانت اطروحته للدكتوراه عن الفيلسوف الروسي بيرديايف , وغالبا ما كنّا نلتقي في المكتبة السلافية العامة في باريس , حيث كنّا نطلع على المصادر الروسية المتنوعة , كل في مجال اختصاصه . انسجم سليمان بوتيرة الحياة الباريسية , وتعلّم اللغة الفرنسية بعمق , وهكذا اصبح يتقن الانكليزية والروسية والفرنسية , وكان واحدا من أبرز المثقفين العراقيين الذين التقيت بهم عمقا وموضوعية . عدت انا الى العراق بعد انهاء دراستي , وبقي سليمان هناك , واستمرت المراسلات بيننا , ولكنها انقطعت مع الاسف نتيجة لمسيرة حياتنا , هو في باريس وانا في بغداد , ثم انقطعت كل اخباره . وذهبت مرة الى محل اخيه في شارع الكفاح , وسألته عن سليمان , ولكن اخيه رفض حتى الاقرار ان لديه اخ في باريس , وحاولت ان اذكّره , باني كنت عندهم مرة , وكيف استقبلني هو ووالده باعتباري صديق ابنهم سليمان , ولكنه أصرّ على موقفه , وقد فهمت طبعا , انه كان يخشى الكلام عن ذلك في اجواء الاوضاع العراقية الامنية آنذاك , فاضطررت ان اتركه احتراما لرغبته . حاول اصدقاء سليمان ان يعرفوا اخباره ايضا , ولكن دون جدوى مع الاسف . لو ساهم سليمان اللوس في الحياة الثقافية العراقية لكان له الان مكانة مرموقة في هذا المجال , ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن ...
الرحمة والخلود لكما , ايها الشهيد د. عبد الرزاق مسلم و الشهيد د. توفيق رشدي , واتمنى ان يكون سليمان اللوس بصحة وعافية , واود ان ابعث له تحية اعتزاز واحترام وتقدير   ...     

68
مع سائق أرمني في موسكو

أ.د. ضياء نافع

 ما ان جلست في سيّارة الاجرة  , فاذا  بسائقها يقول لي رأسا بعربية ركيكة ولكن مفهومة – ( كيفك ؟). اندهشت انا طبعا من سؤاله, واجبته مبتسما – ( زوين ) , فقال لي بالروسية , انه لم يفهم جوابي , واضاف انه كان يتوقع  ان اقول له – ( كويّس), فضحكت أنا واوضحت له باختصار ( صلب الموضوع !) , وهكذا بدأنا ندردش معا وبحيوية ومرح طوال الطريق , ورغم هذا المرح , فان  المواضيع التي تكلمنا حولها كانت في غاية الاهمية والجديّة .
انه أرمني يسكن ويعمل في موسكو , وقد تعلّم عدة كلمات عربية من أصدقائه الارمن , الذين هربوا من سوريا . قال لي , ان هؤلاء الارمن يحنون للعودة الى سوريا ويعتبرونها وطنهم , رغم انهم واقعيا عادوا الى وطنهم الحقيقي ارمينيا ,  و ان الارمن كافة قد هاجروا فعلا من سوريا , وهاجروا ايضا من العراق , ولم يبق اي ارمني في العراق الان , رغم ان اجيالا منهم قد ولدوا و عاشوا هناك عشرات السنين .  ابتسمت أنا , وقلت له , ان معلوماته ليست دقيقة , وانها تعتمد على اقوال فلان وفستان ليس الا , فسألني رأسا , وهل تعرف انت عراقيين ارمن لا زالوا يعيشون في العراق ؟ قلت له , نعم اعرف الكثيرين منهم , وهم عراقيون مثلنا جميعا . نظر اليّ باندهاش , وقال , انه يفهم الان لماذا الارمن الذين هربوا من سوريا يريدون العودة من وطنهم ارمينيا الى بلد هجرتهم سوريا , وانها لظاهرة غريبة فعلا بالنسبة لامثاله من الارمن . قلت له , ان الارمن من اصدقائي في العراق عراقيون بكل معنى الكلمة , وانهم عاشوا ودرسوا معي في الاتحاد السوفيتي وعادوا الى العراق بعد انتهاء دراستهم ليعملوا ويعيشوا في وطنهم العراق , مثل معظم طلبتنا آنذاك , رغم انهم زاروا وطنهم الاصلي ارمينيا , وكانوا يقدرون ان يبقوا هناك طبعا , ولكنهم عادوا الى العراق . سألني مرة اخرى , وهل انت تعرف بعضهم شخصيا ؟ فقلت له , لقد درست معنا وفي كليتنا ارمنية عراقية , وتزوجت من عراقي وولدت بنتا اسمتها سيفان , وهي تسمية البحيرة الارمنية الجميلة كما تعرف , وعادت الى العراق مع زوجها وابنتها بعد ان تخرجت في جامعة موسكو . سألني السائق , وهل زوجها كان ارمنيا ايضا ؟ قلت له لا , انه عراقي عربي , فسألني رأسا , هل هو مسيحي ؟ فقلت له لا , انه مسلم , فاندهش وسألني , وهل وافقت عائلتها على زواجها هذا , فقلت له , ربما لم يوافقوا كليا , ولكنها تزوجت قبل اكثر من خمسين سنة , وعندهم الان اولاد واحفاد , وهم لايزالون يعيشون في بغداد ضمن عائلة عراقية جميلة وعريقة , فقال , لو ان ابنته قررت الزواج بهذا الشكل لما وافق على ذلك ابدا , ضحكت انا , وقلت له , انني اعرف الكثير من الزواج المختلط في الاتحاد السوفيتي آنذاك , ومن بينهم زواج ارمنيات , فقال نعم , ولكن دون موافقة اهلهم كما يجب ان يكون الامر وحسب التقاليد الارمنية , وأضاف بحزن , بعد ان صمت قليلا , قائلا – لقد تعرّض الشعب الارمني الى حملات ابادة رهيبة , ويجب علينا الان -  نحن الارمن - ان نحافظ على ما تبقى لنا , قلت له , ان الارمنية التي تتزوج غير الارمني تبقى ارمنية طوال حياتها , فقال نعم , هي تبقى ارمنية , لكن اطفالها لن يكونوا ارمن , اذ اننا لسنا مثل اليهود , الذين يعتبرون ان كل من يلد من امرأة يهودية هو يهودي بغض النظر عن جنسية والده او قوميته او دينه , وضحك وقال , ان اليهود شياطين , و قد وجدوا حلاّ لهذه القضية المعقدة جدا . 
عندما اقتربنا من العنوان المطلوب , قال لي هذا السائق , انه ممنون جدا من موقف العراقيين والعرب عموما تجاه الارمن , وان هذا هو رأي كل الارمن الذين يعرفهم في ارمينيا او خارجها , وانه لهذا لا يريد ان يأخذ منيّ اجرة سيارة الاجرة تعبيرا عن امتنان الارمن لنا . رفضت انا هذا العرض ( الحاتمي !) من قبله , وقلت له , انك حتما تحتاج لهذا المبلغ البسيط منيّ ومن غيري من الركاب , للعيش في مدينة غالية مثل موسكو , فشكرني جدا على ذلك , وقال , انكم تتفهمون مشاكلنا , فنحن – ابناء الشعوب السوفيتية سابقا -  نتصارع مع الحياة من اجل عوائلنا , كي نوفر لهم – وبالكاد – لقمة العيش الضرورية - ليس الا - في موسكو او في بلداننا هناك... 

69
تمثال في جامعة موسكو للطالب تشيخوف
أ.د. ضياء نافع
واخيرا , تذكّرت جامعة موسكو , ان تشيخوف كان أحد طلابها وواحدا من أبرز وأشهر خريجيها , وقررت – اعتزازا به وتكريما له - ان تضع له تمثالا على ارض جامعته , جامعة موسكو العريقة . لقد سألت مرة أحد مسؤولي تلك الجامعة عن عدم وجود تمثال لتشيخوف وهو خريج تفخر باسمه كل جامعة , فقال لي , ان هناك اسباب كثيرة , اهمها طبعا تلك الظروف والاحداث التي اعقبت وفاة تشيخوف , اذ انه توفي العام 1904 , اي عندما بدأت سلسلة احداث تاريخية  كبيرة و هائلة في روسيا – الحرب مع اليابان , ثورة  1905 وفشلها , الحرب العالمية الاولى 1914 , ثورة اكتوبر 1917  والحرب الاهلية  التي أعقبتها, السنوات السوفيتية الاولى وصعوباتها , ظاهرة الستالينية وعواقبها, الحرب العالمية الثانية ونتائجها , وكل هذه الوقائع الكبيرة  قد عرقلت اقامة تمثال او نصب لهذا الخريج المتميّز فعلا ... وكلام ذلك المسؤول منطقي ودقيق  طبعا , اذ ان الامة تضع تماثيل رجالاتها لتخليدهم عندما تستقر الامور والاحوال فيها . يمكن ان نضيف هنا سببا وجيها آخر لتلك العوامل والاسباب التي حالت دون عمل تمثال لتشيخوف في جامعة موسكو , وهو ان النظام السوفيتي ألغى كليات الطب من الجامعات العامة منذ العام 1930, واقام بدلا عنها معاهد وجامعات طبية متخصصة لدراسة العلوم الطبية بشكل متكامل ومستقل ,  اي بمعزل عن تلك الجامعات الكلاسيكية ( ان صح التعبير ) ,  ولا زال هذا النظام معمولا به في روسيا الاتحادية لحد الان , ولهذا , فان جامعة موسكو ( كما هو حال الجامعات الروسية الاخرى ) كانت بلا كلية للطب في العهد السوفيتي , و تشيخوف خريج كلية الطب بالذات , ولهذا لم يتم نصب تمثال له , لان الكلية التي تخرّج فيها لم تعد قائمة في تلك الجامعة . الان , تم اقامة المركز الطبي العلمي - التعليمي في جامعة موسكو , وامام بناية هذا المركز بالذات تم وضع تمثال لطالب الطب تشيخوف , وهي خطوة تتلائم طبعا وتنسجم مع طبيعة الدراسة في هذا المركز العلمي بكل معنى الكلمة. تم وضع اساس هذا النصب العام 2010 , عندما احتفلت روسيا ( والعالم ايضا ) بذكرى مرور ( 150 ) على ميلاد تشيخوف , وقد شارك محافظ موسكو آنذاك في تلك المراسيم , وأشار في كلمته الى ( .. ان عشق تشيخوف للعاصمة موسكو ابتدأ بالذات منذ  ايام الدراسة في جامعة موسكو ..) , وهي كلمات حقيقية وصادقة فعلا بالنسبة لمسيرة تشيخوف الحياتية والابداعية  .
 تم تدشين النصب في الاول من ايلول / سبتمبر من العام 2014 , اي في اليوم الدراسي الاول في الجامعة . يجسّد النصب الشاب تشيخوف مرتديا معطفه وهو جالس على مصطبة , ويحتضن بيده اليسرى كلبا صغيرا . التمثال يعتمد على صورة مشهورة جدا لتشيخوف ايام شبابه وهو يجلس – بمرح - بين افراد عائلته .  على الجانب الايسر للنصب توجد لوحة نحاسية للعريضة التي كتبها تشيخوف بخط يده الى رئيس جامعة موسكو العام 1884 , حيث يرجو فيها منحه دبلوم كلية الطب , التي انهاها بنجاح في ذلك العام الدراسي , اما في الجانب الخلفي للنصب , فتوجد قائمة بالاسماء المستعارة , التي استخدمها تشيخوف , عندما كان ينشر قصصه الساخرة الاولى في الصحف والمجلات الروسية , وهو طالب في كلية الطب بجامعة موسكو , وهي اسماء طريفة  جدا, واصبحت الان معروفة طبعا في تراث تشيخوف, مثل – ( انتوشا تشيخونتيه , او , شقيق شقيقي , او , طبيب بلا مراجعين مرضى ...الخ ). بعد سنة من تدشين النصب هذا , اي في العام 2015 , تم زرع حديقة كبيرة من اشجار الكرز امام هذا التمثال , تذكيرا بمسرحية تشيخوف الشهيرة ( بستان الكرز ) , واكمالا للاجواء التشيخوفية حول هذا النصب الرمزي الجميل لطالب كلية الطب بجامعة موسكو تشيخوف , والذي اصبح واحدا من الاسماء العملاقة في مسيرة الادب الروسي , والادب العالمي ايضا.     

70
عز الدين مصطفى رسول ...وداعا
أ.د. ضياء نافع
حملت لنا الانباء قبل ايام رحيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول . أثارت هذه الانباء حزني وذكرياتي , اذ اننا تعارفنا في موسكو عام 1960 , عندما كنّا ندرس اللغة الروسية , كي نلتحق بكلياتنا لاحقا , انا في الدراسات الاولية وهو في الدراسات العليا . كان كاكا عزي ( هكذا كنّا نناديه ) أكبر منّا عمرا ومعرفة وخبرة وتجربة في الحياة , ولهذا كنّا نكنّ له كل الاحترام وكنّا نتحفّظ في علاقاتنا معه , ولكننا ( اكتشفنا !) بساطته وطيبته المتناهية ومرحه الطبيعي الجميل اثناء الاختلاط معه , وهكذا اصبحنا – وبسرعة – اصدقاء قريبين معه . تعمقت العلاقات , رغم انه سافر الى باكو لاكمال الدراسة , وكان غالبا ما يزور موسكو , وكان يزور الجميع ويختلط مع الجميع , ويجد المواضيع التي يتحدث حولها مع الجميع . لقد تحدث معي مثلا حول المواد الدراسية في كليتنا , وعندما اخبرته , ان هناك مادة اسمها – ( مدخل في علم الادب ) . أثارت هذه المادة  انتباهه , وطلب منّي ان اشرح له تفاصيل اكثر عن طبيعة هذه المادة , ثم طلب ان يتعرّف على الكتاب المنهجي المقرر , وبعد ان تصفّحه , طلب منّي ان احصل له على نسخة منه , وقال , ان هذا الكتاب يستحق الترجمة الى العربية . حصلت على هذا الكتاب لاحقا , وارسلته اليه فعلا , وكان ذلك في حدود بداية الستينات على ما اذكر , ومرّت عشرات السنين , والتقينا في بغداد , وكان عز الدين مفصولا من الخدمة في الجامعة نتيجة الوضع السياسي والموقف تجاه القضية الكردية , ففال لي , انه الان يستطيع ان يتفرّغ للترجمة عن الروسية , ويخطط ان يترجم كتابين لنشرها ضمن منشورات وزارة الاعلام , وانه سيقترح اسمي , كي تحيل الوزارة لي  ترجماته للمراجعة , لانه يعرف موقفي تجاهه . وافقت انا طبعا , وكدت انسى الموضوع  , واذا بالوزارة ترسل لي فعلا - بعد فترة - مسودات كتاب ضخم عن  وقائع مؤتمر حول الآداب الشرقية بترجمته , وقد ظهر هذا الكتاب فعلا بترجمته ومراجعتي . ولازلت اتذكر اهمية ذلك الكتاب حول الاداب الشرقية , اذ انه يتناول بالعرض آراء ومناقشات باحثين متخصصين في الادب الصيني والفيتنامي وغيرها من الاداب شبه المجهولة للقارئ العربي , والتي لا توجد حولها مصادر بالعربية ولحد الان . ان هذا الكتاب , الذي ترجمه عز الدين عن الروسية يعدّ اضافة نوعية جديدة الى مصادر المكتبة العربية , ولازال يمتلك اهميته العلمية في وقتنا الحاضر . اما الكتاب الثاني , فقد كان عن علم الادب المقارن, وهو الموضوع الذي دردشنا حوله في تلك السنين الخوالي بموسكو آنذاك . ان هذين الكتابين بترجمة أ. د. عز الدين مصطفى رسول عن الروسية هما برهان ساطع على امكانياته ومهارته واستاذيته في مجال الترجمة عن الروسية ,  رغم انه لم يكن يتكلم عن ذلك بتاتا , ولم اسمع منه ابدا يوما , انه يتكلم عن امكانياته الادبية والفكرية عموما , وهي طبعا صفات العلماء وتواضعهم الاصيل, وكم أتمنى ان يقوم أحد طلبة الماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد بكتابة رسالة ماجستير , تدرس هذين الكتابين بترجمته , اذ ان هذا موضوع يستحق الدراسة فعلا عن مسيرة الترجمة عن الروسية  و تاريخها في العراق.
اختتم هذه السطور عن المرحوم عزي بالاشارة الى انه حاصل على شهادة دكتوراه علوم ( بالروسية – دوكتور ناؤوك , والتي أسماها الجهاز الاداري العراقي - ما بعد الدكتوراه) من اكاديمية العلوم السوفيتية في اواسط السبعينات , وهي اعلى شهادة علمية يمكن الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي آنذاك , وفي روسيا الاتحادية الحالية ايضا , والتي لم يحصل عليها من العراقيين سوى بعض افراد ليس الا , منهم الدكتور كمال مظهر في التاريخ , والدكتور عز الدين رسول في الاداب , والدكتور ميثم الجنابي في الفلسفة . لقد بلغ تواضع أ.د. عز الدين درجة متناهية فعلا , اذ انه عاد الى العراق , ولم يستلم شهادته تلك , وكنت انا اتهيأ للسفر الى موسكو للمشاركة في الندوة العالمية لمدرّسي اللغة الروسية , فطلب مني ان استلم شهادته, واعطاني تخويلا بذلك . راجعت الجهات المختصة في موسكو طبعا من اجل استلام الشهادة , وبعد التي واللتيا (في صراعي مع البيروقراطية الروسية ) استطعت استلامها , واتذكر , ان الموظفة الروسية قالت لزميلتها , ان العراقيين يسمون شهادة الكانديدات دكتوراه , ولهذا ابحثي في سجل آخر , رغم انه يقول ( اي انا ) غير ذلك . قلت لها , ان صاحبي حاصل على شهادة دكتوراه علوم من اكاديمية العلوم السوفيتية , فقالت بحدّة , كيف حصل صاحبك العراقي على هذه الشهادة التي نحن الروس نحصل عليها بصعوبة بالغة , ولكنها اعتذرت لي بعد ان وجدوا , ان شهادة عز الدين مصطفى رسول هي حقا كما قلت لهم . ولازلت اتذكر حالة الزهو والفخر بعراقيتي , التي شعرت بها في تلك اللحظة  , وهي حالة نادرة في تلك الاجواء.
الرحمة والسكينة  لروحك ايها المفكّر والعلاّمة العراقي الحقيقي والاصيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول ...
 

71
 
المترجم العراقي الاوّل في القرن العشرين
--------------------------------------------------------------
أ.د. ضياء نافع
ولد الكاتب العراقي الكبير غائب طعمه فرمان في بغداد عام 1927 وتوفي في موسكو عام 1990 ودفن فيها , وهو الكاتب العراقي الوحيد الذي يرتبط اسمه ببغداد وموسكو, والتي عاش فيها الثلاثين سنة الاخيرة من حياته . لقد انجز غائب خلال هذه الفترة من حياته ترجمة اكثر من ثمانين كتابا  تضم مؤلفات كبار الادباء الروس مثل تورغينيف ودستويفسكي وتولستوي وغوركي ...الخ , وعليه , هل يمكن اعتباره المترجم العراقي الاول والابرز في القرن العشرين ؟ . هذا هو السؤال , الذي حاولنا ان نناقشه في تلك الجلسة العراقية بموسكو, و التي حدثت بمحض الصدفة ليس الا , و نحاول في هذه المقالة عرض بعض الاراء التي تم طرحها حول هذا الموضوع الطريف والجديد فعلا , الجديد قلبا وقالبا كما يقال .
قال الاول , ان البعض منّا يركّز على الادب الروسي بالذات من منطلقات سياسية بحتة , والتي اصبحت عتيقة في زماننا , ولهذا يأتي اسم غائب طعمة فرمان في المقدمة طبعا , والا , اين نضع المترجم جبرا ابراهيم جبرا مثلا ؟ أجاب الثاني بهدوء , نضعه في مكانه الطبيعي , اي في فلسطين , فقاطعه الثالث وقال , كلا , كلا , جبرا يبقى في العراق لان كل نشاطه الابداعي المتميّز بما فيها الترجمة كان في العراق بالذات , واضاف مبتسما -  جبرا الفلسطيني ازدهر على الارض العراقية واصبح جزءا لا يتجزأ من مسيرة الثقافة العراقية , بما فيها الترجمة طبعا , ويجب الاقرار بهذه الوقائع الثابتة بغض النظر عن اي اجتهاد آخر . رفض بعضهم فكرة الغاء ( الاجتهاد الآخر) , حتى لو كان يتعارض مع الوقائع , مؤكدين ان الوقائع نفسها هي ( اجتهادات فكرية ) بعض الاحيان . قال احدهم , لا تدخلوا بالفلسفة رجاء, ولنرجع الى موضوعنا المحدد ونبقى في اطاره, واود ان اتحدث عن قضية واضحة هنا, وهي - اين نضع الاسماء العراقية الاخرى في مجال الترجمة , مثل المترجم العراقي الكبير والمنسي مع الاسف يوسف عبد المسيح ثروت مثلا , او المترجم المبدع عبد الواحد لؤلؤة , او او او ...الخ . طرح شخص آخر رأيا جديدا في هذا الحوار قائلا , انكم تتحدثون عن ترجمة الادب فقط , وتتناسون جوانب الحياة الاخرى الكثيرة والمتنوعة , والتي تحتاج الى جهود المترجمين أكثر بكثير من الادب . أيّدته عدة أصوات رأسا من هنا وهناك , بل قال احدهم ضاحكا – ( نعم نعم يا اخي فقد شبعنا من الآداب !) . علّق احدهم بعد ان هدأت الاصوات قائلا – وهل يوجد مترجم عراقي كرّس كل وقته وجهده  لترجمة اشياء بعيدة عن الادب ؟ فاجابه واحد من الحاضرين – نعم , مثلا الدكتور داود المنير( الذي كنّا نسميه داود كرومي ) ترجم لنا عن الروسية عشرات الكتب العلمية البحتة عن الروسية في مجالات الهندسة و الفيزياء والميكانيك وغيرها من العلوم , والتي تحوّل حتى قسم منها الى كتب منهجية اوكتب مساعدة في بعض الجامعات العربية , وهو الوحيد بين العرب كافة ( الذين قضوا حياتهم في موسكو ) الذي اعطانا قاموسا روسيّا – عربيا في مجال العلوم البحتة , وهذا بحد ذاته يعدّ عملا علميا رائدا في مجال الترجمة و خدمة عظيمة للاجيال اللاحقة في هذا المجال . قال واحد من الذين كانوا صامتين كل الوقت , انكم نسيتم المترجم الذي سبقهم جميعا وبزمن طويل ,   وقدّم لنا حتى ترجمة تسميات تسلسل الضباط ورتبهم في عشرينيات القرن العشرين عند تأسيس الدولة العراقية بلغة عربية سليمة ولا زالت معظم تلك التسميات سائدة لحد الان , واظن انكم فهمتم طبعا اني اتكلم عن المترجم الكبير عبد المسيح وزير , والذي يمكن القول انه المترجم العراقي الاول في القرن العشرين , اذ  انه كرّس كل حياته لمهنة الترجمة وما حولها  من تعليم اللغات واعداد المترجمين والاشراف على امتحاناتهم ...الخ . اعترض آخر على كلامه قائلا , ان معظم العراقيين حتى لا يعرفون اسمه الان , فعلّق احدهم قائلا , وهل يعرف العراقيون تاريخهم الفكري بشكل دقيق وصحيح ؟ ضحك الجميع , وقال احدهم – انهم اصبحوا سياسيين من صغيرهم الى كبيرهم , وتخضع كل الاسماء لهذه النظرة السياسية الضيقة , وبما ان عبد المسيح وزير لا يرتبط بهذه الجماعة او تلك , فانه يبقى مجهولا حتى للذين يعتبرون انفسهم ( مثقفين !!!) . قال شخص بصوت جهوري واضح , ما رأيكم ايها الرفاق بمقترحي لانهاء هذا النقاش الطويل العريض , والذي يبدو انه بلا انتهاء ولن نصل فيه الى قرار , فسأله الجميع , وما هو مقترحك هذا ؟ فاجاب ضاحكا – ان نعلن , اننا بعد مناقشاتنا المتشعبة , توصلنا الى قرار يقول , ان المترجم العراقي الاول هو حنين بن اسحاق , وان ذلك يقتضي فقط ان نحذف من كلامنا كلمتين لا غير , وهما – القرن العشرين . انه مترجم كبير وعظيم , ويتمتع بكل الصفات , بما فيها ( صفة!) - ان معظم العراقيين لا يعرفونه ... استهجن البعض هذه السخرية , وصفّق البعض لها , وضحك البعض منها , وتباينت الآراء بشأنها , ولكن الجميع وافقوا على انهاء المناقشات , رغم ان البعض اقترح عقد جلسة لاحقة و موسّعة لبحث الموضوع من كافة جوانبه بعد ان تهدأ ( العواصف !!!) الترابية وتستقر النفوس , وعلّق احدهم مبتسما – وهل ستهدأ تلك العواصف الترابية فعلا وتستقر النفوس ؟؟؟...   



72
صحيفة ازفيستيا شقيقة برافدا الصغرى
أ.د. ضياء نافع
استلمت تعليقات كثيرة ومتنوعة جدا حول مقالتي بعنوان – ( شئ عن جريدة برافدا الروسية ) , وكان من جملة هذه التعليقات طلب ورجاء من أحد القراء بالكتابة ( وبنفس تلك الرشاقة الجميلة عن الشقيقة الصغرى لصحيفة برافدا , وهي صحيفة ازفيستيا !! / هكذا كتب لي) , وها انا ذا اكتب هذه السطور , مستخدما في العنوان تعبير (الشقيقة الصغرى) , الذي أعجبني فعلا   ...
لازالت هذه الجريدة تصدر وبنفس صيغة و طريقة كتابة التسمية كما كانت سابقا, مع الاشارة الى تاريخ صدورها اول مرة ولكن بحذف صور الاوسمة والمداليات السوفيتية التي حازت عليها في العهد السوفيتي ( وكلها تحمل صور لينين طبعا ) , بينما تحتفظ شقيقتها الكبرى  برافدا  بتلك الاوسمة باعتبارها لسان حال الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية , اما ازفيستيا فانها تكتب  فقط جملة – جريدة يومية اجتماعية - سياسية , وفي يدي الان عددها المرقم 30410 الصادر بتاريخ 24 ايلول / سبتمبر العام 2019 , وتوجد في نهاية الصفحة الثامنة منه عدة ملاحظات , اقدّم للقراء بعضها – سعر الجريدة حر / كل حقوق النشر محفوظة / عند اعادة نشر المواد يجب الاشارة الى الجريدة / آراء الكتّاب في عمود ( آراء ) يمكن الا تتطابق مع موقف هيئة التحرير / عدد النسخ المطبوعة من هذا العدد هو 83890 / .
صدرت صحيفة ازفيستيا في بداية عام 1917 ( شباط – مارت ) , واصبحت بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 لسان حال مجالس نواب العمال والجنود والفلاحين , وكلمة مجلس بالروسية – ( سوفيت ) , ومن هذه الكلمة تبلور اسم الدولة الجديدة – اتحاد المجالس , اي اتحاد السوفيتات , وهكذا اصبح اسم الدولة – الاتحاد السوفيتي . يشير رئيس تحرير صحيفة ازفيستيا في العشرينات , ان لينين كان يعتبر هذه الصحيفة أعلى من  برافدا  , وذلك لان هذه الصحيفة ملزمة ان تنشر كل قرارات وتعليمات ال ( سوفيتات ) باعتبارها لسان حال تلك المجالس , اي لسان حال حكومة الدولة الجديدة , اما صحيفة برافدا فانها كانت لسان حال الحزب الشيوعي , ولهذا , كانت ازفيستيا تطبع 400 الف نسخة آنذاك , اما برافدا فتطبع 150 الف نسخة  فقط . وهكذا استمرت الامور , وهكذا اصبحت برافدا لسان حال الحزب وازفيستيا لسان حال الحكومة , وعندما كنّا في الستينات طلبة في موسكو كان الامر مستقرا بهذه الصورة الواضحة جدا امامنا , نحن الاجانب , وكان رئيس تحرير ازفستيا عندها الصحافي أدجوبيي , وهو زوج ابنة خروشوف ,  وكلاهما ( الزوج والزوجة ) من خريجي كلية الصحافة في جامعة موسكو . توجد قائمة طويلة من اسماء رؤوساء تحرير هذه الصحيفة عبر تاريخها منذ تأ سيسها  ولحد الان , ولكن هناك اسمان يتميّزان بينهما فقط  هما – بوخارين و أدجوبيي . ربما يعرف بعض القراء العرب ( الذين يتابعون تفاصيل تاريخ الحركة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي )  اسم بوخارين ومكانته البارزة في مسيرة الحزب الشيوعي الروسي و الدولة السوفيتية عموما . لقد شغل بوخارين مناصب قيادية كبيرة في الاتحاد السوفيتي , وآخر تلك المواقع هو رئيس تحرير صحيفة ازفستيا ( 1934 – 1937 ) , ثم جرت محاكمته السريعة واعدامه زمن ستالين في تلك الحملة الستالينية الرهيبة التي ترتبط بعام 1937 الشهيرة . أمّا أدجوبيي , فقد كان رئيس تحرير هذه الصحيفة منذ عام 1959 والى عام 1964, عندما تم عزل خروشوف من مناصبه كافة , وهكذا تم طبعا نقله من صحيفة ازفستيا – لسان حال الدولة السوفيتية . كانت صحيفة ازفيستيا برئاسة زوج ابنة خروشوف منبرا لافكاره وطروحاته السياسية والاجتماعية , تلك الافكار التي كانوا يسمونها آنذاك ( ذوبان الجليد ) , وكان القراء يتابعون ما تنشره بحذافيره وكل تفاصيليه , ونتيجة لذلك فقد تضاعف عدد النسخ التي كانت تطبعها الى اربع مرات  , ووصل الى اكثر من 6 مليون نسخة ( كما تشير المصادر الروسية ) , وأخذت تصدر ملاحق خاصة اسبوعية , وتحولت تلك الملاحق الى مجلات اسبوعية واسعة الانتشار , مثل مجلة ( زا روبيجوم ) ( وراء الحدود ) , وهي مجلة تتابع ما تنشر الصحف والمجلات الاجنبية وتقوم بترجمتها الى الروسية , وكانت هذه المجلة الاسبوعية مطلوبة جدا من القراء السوفيت , وهي مجلة سياسية واجتماعية وادبية متنوعة , وكنّا نضطر ( في جامعة موسكو ) الى الوقوف في الطوابير للحصول عليها في يوم اصدارها . وأصدرت صحيفة ازفيستيا ايضا مجلة اسبوعية اخرى هي ( نيديليا ) ( الاسبوع ) , وقد حازت تلك المجلة ايضا على مكانة متميّزة عند القراء السوفيت , وعلى نجاحات و شهرة كبيرة . ان هذا التألق لصحيفة ازفستيا يرتبط باسم أدجوبيي , القريب جدا من مركز القرار السياسي طبعا , بل انه اصبح حتى عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب . واختتم هذه الملاحظات عن أدجوبيي بما كنّا نسمع – نحن طلبة جامعة موسكو آنذاك – من نكات واشاعات وتعليقات حوله , ومنها مثلا ,  يوجد مثل روسي شائع يقول – مئة روبل لا تمتلك, بل مئة صديق امتلك , وقد تم تحوير هذا المثل كالآتي –  مئة روبل لا تمتلك , بل تزوج مثل أدجوبيي ...
صحيفة ازفيستيا لازالت مزدهرة بين الصحف الروسية المعاصرة , ولازالت تعدّ واحدة من الصحف المركزية في روسيا الاتحادية , وليس مثل شقيقتها الكبرى برافدا , التي تراجع دورها , واصبحت تصدر ثلاث مرات في الاسبوع , ويتداولها انصار حزبها فقط ...     

73
جائزة نوّار الثالثة
أ.د. ضياء نافع
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي هي الجائزة الاولى في سلسلة هذه الجوائز , التي تحمل اسم نوّار( الراحل الذي لم يرحل ) باعتباره ابن العراق وابن روسيا معا . فاز بهذه الجائزة في دورتها الاولى السيد بوغدانوف نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية ( انظر مقالتنا بعنوان – بوغدانوف يفوز بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي ) ,  وكان ذلك في العام 2018 , و في الذكرى الرابعة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية العراقية – الروسية , أمّا  في العام 2019 , عندما احتفل الجانبان العراقي والروسي بالذكرى اليوبيلية ( 75 سنة ) على اقامة تلك العلاقات , فقد قررت لجنة جائزة نوّار منح جائزتين بدلا من جائزة واحدة تحية لهذه الذكرى اليوبيلية , جائزة للعراق (ويستلمها سفير العراق في روسيا السيد حيدر العذاري) , وجائزة لروسيا (و يستلمها سفير روسيا في العراق السيد مكسيم مكسيموف) . الجائزة الثانية في سلسلة هذه الجوائز هي جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية , والتي تحمل اسم نوّار باعتباره ابن الثقافتين العربية والروسية , وثنائية الثقافتين هذه تحتاج الى تعزيز حركة الترجمة بينهما وتوسيعها . فاز بهذه الجائزة بدورتها الاولى ( 2019 ) المترجم العراقي الدكتور تحسين رزاق عزيز , رئيس تحرير المجلة العراقية العريقة ( الثقافة الاجنبية ) التي تصدرها وزارة الثقافة في العراق .
جائزة نوّار الثالثة في سلسلة هذه الجوائز ترتبط بمدرسة الموسيقى والباليه العراقية , وذلك لأن نوّار هو خريج هذه المدرسة الفريدة في العراق , المدرسة التي تأسست في بغداد العام 1968 , وكان من المفروض ان تكون لديها بعض الفروع في المدن العراقية الاخرى , ولكن ذلك لم يحدث – مع الاسف الشديد – نتيجة عوامل عديدة . مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد ترتبط ايضا بالعلاقات العراقية – الروسية , اذ ان هذه العلاقات هي التي منحت الكوادر التدريسية الفنية لها من المدرسين الروس في الموسيقى والباليه , ومن الخريجين العراقيين , الذين درسوا في الجامعات الروسية . ان مدرسة الموسيقى والباليه في العراق تذكرنا – نحن العراقيين – باسماء مبدعين كبار في تاريخنا المعاصر مثل فنان الشعب العراقي عزيز علي ( الذي عمل هناك في اوائل تأسيس تلك المدرسة الرائدة ) والموسيقيّ منير بشير وشقيقه فكري بشير وغيرهم , ان هذه المدرسة  هي تعبير رائع لمسيرة بناء المجتمع المدني العراقي السليم, الذي ابتدأ منذ ثلاثينات القرن العشرين في الدولة العراقية الفتيّة , عندما تمكن عباقرة العراق الاوائل  من وضع اسس  الفنون الجميلة (كما استقر هذا المصطلح لغويا في مجتمعنا ), والتي تعني تلك الجوانب الضرورية للحياة الانسانية من الفنون المسرحية والتشكيلية والموسيقية وكل ما له علاقة بهذا الجانب الجمالي للحياة الانسانية , وقد انعكس كل ذلك في تأسيس معاهد الفنون الجميلة واكاديميتها , وجاءت مدرسة الموسيقى والباليه تتويجا منطقيا لكل هذه الظواهر .
جائزة نوار الثالثة ترتبط بهذه المسيرة وتسمى – ( جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه ) . وهكذا تصبح هناك ثلاث جوائز تحمل اسم الراحل الذي لم يرحل نوّار وكما يأتي -
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي
جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية
جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه
  وتخطط لجنة جوائز نوّار لاعلان نتائج كل هذه الجوائز في الشهر التاسع من العام القادم ( 2020) . 

74
أدب / مقتطف
« في: 18:46 21/09/2019  »
  مقتطف
=======

قصيدة للشاعرة آنّا أخماتوفا
===============
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
=====================

تلك النيران
كانت
 تبدو لي,
وكأنها تتطاير حتى الفجر
من اجلي,
ولم أفهم أنا
هل تلك النيران
عيون غريبة كانت
أم ألوان ...
.............
وكان
 الجميع حولي
   يثرثرون
ويثرثرون,
ولم أعرف أنا
حتى الآن ,
عدو أم صديق كنت
أنت ,
 ولم اعرف لحد الان
شتاء أم صيف  كان ..
================================================================================================================================================
نشرت الشاعرة الروسية الكبيرة آنّا أخماتوفا ( 1889 – 1966 ) هذه القصيدة العام 1959 , ولازالت هذه القصيدة تثير مختلف تعليقات القراء , وقد كتبت احدى القارئات الروسيات مرة تقول – ( لو كنت انا الشاعرة أخماتوفا لاسميت هذه القصيدة – تلك النيران ..). 


75
أدب / بقصيدة واحدة
« في: 19:36 18/09/2019  »
بقصيدة واحدة
=========

قصيدة للشاعر فاليري تورغاي / جمهورية جوفاشيا في روسيا الاتحادية
=========================================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
=====================

العالم
يمكن ان يتغيّر
بقصيدة واحدة
لا أكثر,
 قصيدة
  تنبض بالايمان,
 قصيدة
 تتنفس هواء الحب ,
 قصيدة
تحمل انفاس الرب .
نعم ,
العالم
يمكن ان يتغيّر
بقصيدة واحدة
لا أكثر.
================================================================================================================================================
جمهورية جوباشيا تقع ضمن روسيا الاتحادية , وهي جمهورية ذات حكم ذاتي محاذية لجمهورية تتارستان  في روسيا , وعدد سكانها حوالي مليون وربع مليون نسمة  , وعاصمتها مدينة جيبوكساري . القصيدة اعلاه منشورة في صحيفة ( ليتيراتورنايا  غازيتا ) الروسية بتاريخ 13 – 19 / نيسان / ابريل  للعام 2011


76
مع د. فاضل مرزوك في موسكو
أ.د. ضياء نافع
فاضل مرزوك أحد طلبتنا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد ( الدراسات المسائية) في تلك السنين الخوالي بتسعينات القرن العشرين , عندما كنّا ندعو الى حرية  الطلبة في اختيارهم لتخصصهم  اللغوي في الدراسات المسائية ( نسبيا طبعا ) دون الالتزام الدقيق و الاعتماد فقط على مجموع الدرجات التي حصلوا عليها في امتحانات البكلوريا في الصف السادس الاعدادي كما هو معمول به في العراق, و رغم اننا لم نستطع التحرر كليا من تلك التعليمات المركزية الصارمة  حول  تلك التعليمات  , الا اننا – مع ذلك – حاولنا قدر المستطاع  الأخذ برغبة الطلبة في اختيار اختصاصهم , او في الاقل مراعاة هذه الرغبة , وقد ساعدنا بالطبع ان طلبة الدراسات المسائية كانوا بالاساس انضج و اكبر عمرا مقارنة مع طلبة الدراسات الصباحية . وهكذا بدأنا التعامل مع هذه التجربة, ونتيجة لكل هذه العوامل, كان انسجامنا الروحي والعلمي والتربوي مع طلبة المساء اكثر و اعمق من انسجامنا مع طلبة الصباح  . وبالفعل , برز من ضمن خريجي الدراسات المسائية اناس متميزون في علميتهم , واستطاعوا اكمال دراساتهم العليا لاحقا في بلدان تلك اللغات التي تخصصوا بها , ومن جملتهم د. فاضل مرزوك , الذي حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الروسية من روسيا نفسها , وعاد الى العراق , وحاول – وبكل طاقته وامكانياته – ان يحصل على تعيين في جامعة بغداد / قسم اللغة الروسية ليمارس اختصاصه  , ولكنه لم يستطع , اذ كانت امكانية التعيين مغلقة تماما امامه وامام زملائه الآخرين ايضا , وهكذا , وبعد ان فهم ان ابواب التعيين كافة مغلقة امامه , اضطر للعودة الى الخارج , واستطاع ان يشق طريقه في بولندا , مستخدما معرفته العميقة باللغة الروسية وشهادة الدكتوراه , التي حصل عليها في روسيا , وهو الان يقوم بتدريس اللغة الروسية في بولندا وبنجاح , ويقوم بين فترة واخرى بزيارة ( معهد بوشكين للغة الروسية ) , وذلك للمشاركة في الندوات العلمية والسيمينارات التي ينظمها المعهد المذكور للمتخصصين في اللغة الروسية  , وقد التقيته في موسكو اثناء مشاركته في ندوة علمية عندئذ . اللقاء كان ( حارّا جدا !) بين معلّم يكنّ الاحترام لطالبه ويعرف تفاصيل مسيرته الدراسية منذ بدايتها , وطالب يكنّ اضعاف هذا الاحترام لمعلّمه ويعرف ايضا تفاصيل مكانته التربوية والعلمية ودوره المتميّز في كلية اللغات بجامعة بغداد , وبما ان هذا اللقاء حدث دون موعد مسبق وجاء عفويا , فانه كان  طبيعيا جدا و دون رتوش كما يقال...
حكى لي ( ابو عباس ) كيف قابل رئيس جامعة بغداد عند عودته , وكيف حاول الحصول على التعيين , ولكن بلا جدوى , وكيف اضطر ان يقول لرئيس الجامعة , انه يتعجب كيف لا يعترف ( وهو خريج جامعة غربية !!) بوثائق علمية صادرة من جهات عالمية تشهد بامكانياته العلمية , وانه حصل على ذلك بعد جهد هائل , فسألته – وماذا قال لك ؟ أجابني ابو عباس , ان رئيس الجامعة قال لي اذهب الى هؤلاء الذين نصحوك بالعودة واطلب منهم ان يمنحوك  وظيفة ما , وابتسم د . فاضل وقال , انه فهم بعد كل محاولاته الطويلة والعريضة, انه حتى رئيس الجامعة لا يقدر ان يصدر أمرا بتعيين اي شخص منذ فترة طويلة , ولهذا قرر السفر مرة اخرى , ووجد مكانا مرموقا ومحترما في بولندا لتدريس اللغة الروسية , والمساهمة في عملية البحث العلمي هناك . وقدّم د. فاضل لي عدة كتب باللغتين البولونية والروسية , تحتوي على بحوث كثيرة , وكان اسمه موجودا بين المشرفين على اصدارات تلك الكتب , ثم قدّم لي كتابا جميلا باللغة الروسية من تأليفه عنوانه – الوسائل الشفاهية لمفهوم العمر في اللغة الروسية , ويقع في 236 صفحة من القطع المتوسط , ووجدت على الغلاف الاخير للكتاب صورة فاضل مرزوك بشكل واضح وملوّن , وخلاصة تعريفية حوله باللغة الروسية تشير الى انه خريج جامعة بغداد وانه عضو في جمعية المترجمين العراقيين , اضافة طبعا الى شهاداته الروسية , وانه مدرس اللغة الروسية في الوقت الحاضر ومترجم محلّف . كتاب د. فاضل مرزوك , كما ارى , هو على الاغلب اطروحته , اذ انه يتكون من المقدمة وثلاثة فصول وخلاصة ختامية ومصادر البحث , الا انه لا يشير الى ذلك في كتابه . وفي كل الاحوال , شعرت بالفخر وانا اطلّع على كتاب روسي من تأليف متخصص عراقي , كان يوما ما طالبا يجلس امامي في صفوف كلية اللغات الحبيبة ... 
لم استطع بالطبع ان أقرأ البحوث باللغة البولونية في تلك الكتب , ولكني اطلعت على البحوث باللغة الروسية بشكل عام , وهي ذات طابع اكاديمي بحت , وقد توقفت طويلا عند بحث كتبه شونيكوف من جامعة العلوم الانسانية في موسكو حول الدراما الروسية المعاصرة , حيث يتناول بعض خصائص الدراما في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين , واثارني المقطع الخاص حول مسرحية عنوانها – ( نضج الكرز في بستان الخال فانيا ) , وهي مسرحية توحد مسرحيتين من أعمال تشيخوف ( بستان الكرز والخال فانيا ) , وتنقل ابطال تلك المسرحيتين الى احداث ثورة اكتوبر 1917 الروسية , وهي فكرة خيالية شجاعة وغير اعتيادية تماما .
اللقاء بين معلّم وأحد طلبته القدامى لذيذ دائما , خصوصا اذا كان هذا الطالب القديم قد أحرز خطوات كبيرة وناجحة في مسيرة الحياة ...

77
د. تحسين رزاق عزيز يفوز بجائزة نوّار للترجمة
أ.د. ضياء نافع
قررت لجنة تحديد الفائز بجائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية  منح الجائزة المذكورة لهذا العام ( 2019 ) الى المترجم العراقي المعروف  الدكتور  تحسين رزاق عزيز  ( وكما أشرنا في مقالتنا التي نشرناها عندما أعلنّا عن هذه الجائزة  و بعنوان –  جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسيّة ) , وذلك لأن الدكتور تحسين رزاق عزيز يعدّ - في الوقت الحاضر - واحدا من أبرز المترجمين عن الروسية في العراق , والذي ابتدأ طريقه الترجمي الطويل منذ ان كان في صفوف الدراسة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد في العراق والى ان اصبح رئيس تحرير أهم وأكبر مجلة متخصصة بالترجمة في العراق وهي مجلة ( الثقافة الاجنبية ) العريقة , و التي تصدرها وزارة الثقافة, علما ان الدكتور تحسين قد حصل في نهاية العام الماضي على جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي , وهو المترجم العراقي الوحيد عن اللغة الروسية الذي حصل على هذه الجائزة الدولية الكبيرة والرفيعة , وتتشرف  لجنة تحديد جائزة نوّار , ان يكون هذا المترجم العراقي البارز اول فائز بجائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية  .
ندرج في أدناه موجزا للسيرة العلمية للدكتور تحسين رزاق عزيز –
بكالوريوس لغة روسية وآدابها 1985 ( فرع اللغة الروسية / كلية الاداب / جامعة بغداد ) // ماجستير 1997 ( قسم اللغة الروسية / كلية اللغات / جامعة بغداد ) // دكتوراه 2009 ( قسم اللغة الروسية / كلية الفيلولوجيا / جامعة فارونش الروسية ) // .
أما مساهماته في مجال الترجمة عن الروسية فهي واسعة و عديدة من مقالات ودراسات روسية متنوعة وكتب روسية صادرة , ونذكر من بينها الكتب الآتية التي صدرت خلال السنوات الاخيرة ( اعتبارا من العام 2011 ولحد الان ) – 
حوارات في النثر الروسي المعاصر ///  ابحاث في اللسانيات /// فلسفة اللغة /// اللسانيات الادراكية /// سوسير واللسانيات المعاصرة /// اساسيات نظرية اللغة والتواصل /// قصة الحاج مراد بوصفها الوصية الفنية لتولستوي /// اللسانيات العامة /// تأملات في تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر /// أساسيّات تأثير الكلام /// حياة وابداع كتّاب الادب الريفي الروسي /// ملامح من الادب الروسي في القرن العشرين /// مشاركة في الموسوعة – اللسانيات العربية . رؤى وآفاق /// أثر على أثر – رواية للكاتب الروسي المعاصر شاروف ///  سلاح الانتقام – نماذج من القصة القصيرة الروسية المعاصرة /// آدام و ميريام – رواية للكاتبة الروسية المعاصرة روبينا /// اللغة والترجمة ///  النظام المعجمي للغة /// لاوروس – رواية للكاتب الروسي المعاصر فودولازكين /// صبيّة من متروبول – رواية للكاتبة الروسية المعاصرة  بتروشيفسكايا ///  ميديا واولادها – رواية للكاتبة الروسية المعاصرة  اوليتسكايا /// يوميات رجل ميّت – للكاتب الروسي بولغاكوف /// الطيّار – رواية للكاتب الروسي المعاصر فودولازكين /// حوارات في الرواية الروسية المعاصرة /// الراعي والراعية – رواية للكاتب الروسي المعاصر استافييف /// مورفين – للكاتب الروسي بولغاكوف /// اولاد الفولغا – رواية للكاتبة المعاصرة غوزيل ياخيتا /// .
هذا ويتم تسليم جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية  الى د. تحسين رزاق عزيز في الحفل الكبير الذي تقيمه جمعية المترجمين العراقيين في مقرّها ببغداد يوم 28 ايلول / سبتمبر 2019 بمناسبة اليوم العالمي للمترجم . 
 
 

78
أدب / مجد الارض كالدخان ..
« في: 20:06 15/09/2019  »
مجد الارض كالدخان ..
=============

قصيدة للشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا
=====================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
====================

مجد الارض كالدخان,
وليس هذا مرامي.
وهبت الحب والحنان
لكل عشّاقي وخلّاني,
أحدهم الان
لازال حيّا
وعاشقا...
والثاني
أصبح برونزّيّا
في الساحة التي
تغمرها الثلوج .
1914
========================================================================================================================================
القصيدة في الاصل بلا عنوان , وقد كتبتها أخماتوفا( 1889 - 1966 ) عندما كان عمرها 25 سنة , وربما تقصد في قصيدتها هذه ( أحدهم لا زال حيّا ...) زوحها الشاعر غوميليوف , التي كانت زوجته  آنذاك , اذ انهما انفصلا العام 1918 ( انظر مقالتنا بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم ) , اما الشخص الثاني فربما كانت تقصد بوشكين , والتي كانت أخماتوفا عاشقة لشعره
طوال حياتها ...
ض.ن.

79
 
شئ عن جريدة ( برافدا) الروسيّة
أ.د. ضياء نافع
عندما كنت قبل أيام أشتري الصحف الروسية – كما أفعل يوميا – ألقيت نظرة عامة على الصحف الكثيرة جدا المعروضة امامي , ووقع نظري – بالصدفة - على صحيفة ( برافدا ) الشهيرة , وهي نادرا ما تكون معروضة في الوقت الحاضر بين الصحف الروسية , فطلبت من بائعة الكشك ان تضيف تلك الجريدة الى الصحف التي طلبتها , وذلك لانني أردت ان أطلع عليها متذكرا تلك الايام الخوالي , عندما كنّا نشتريها يوميا بسعر كوبيكين اثنين فقط ( الروبل الواحد يساوي 100 كوبيك) ايام الدراسة في الاتحاد السوفيتي في ستينات القرن العشرين , وهكذا بدأت بتقليب صحيفة ( برافدا ) من جديد وانا ابتسم , بعد أكثر  من  50 سنة تقريبا من القراءة اليومية لها آنذاك , حيث كنت افتح رأسا الصفحة الثالثة فيها لأقرأ اخبار العالم باحثا – قبل كل شئ طبعا - عن اسم العراق واحداثه , وغالبا ما كانت تلك الاخبار شحيحة جدا جدا عندئذ ...
عندما مسكت العدد الجديد من جريدة برافدا , تذكرت رأسا صديقي المرحوم أ.د. محمد يونس ( استاذ الادب الروسي في جامعة بغداد والباحث والمترجم الكبير ) , الذي جاء اليّ مرة وقال لي , انه يمتلك نسخة من العدد رقم (1 ) من جريدة ( برافدا ) , الصادر العام 1912 , وانه يعتز به جدا , ولكن – واقعيا -  لا احد يمكن ان يطلع عليه في مكتبته الخاصة به في بيته , وانه يريد ان يهديه الى مكتبة قسم اللغة الروسية في كلية اللغات , ولكنه يخشى ايضا ان ( ينام !) هذا العدد بين طيّات الكتب ورفوفها , وتناقشنا حول الموضوع تفصيلا , واتفقنا ان نؤطّر ذلك العدد التاريخي والفريد بالنسبة للعراق ( وليس فقط للعراق ) ونعلّقه على جدار المكتبة عند مدخلها , وهذا ما تمّ فعلا . وهكذا اصبح هذا العدد معروفا لجميع اساتذة القسم وطلبته , وكنّا نلفت اليه نظر الوفود الروسية التي غالبا ما كانت تزور قسمنا ونتفاخر به , وكانت تلك الوفود تتعجب من رؤية العدد الاول من هذه الجريدة المشهورة لديهم معلّقا على جدار مكتبة قسمنا في جامعة بغداد , واذكر ان احد اعضاء تلك الوفود قال لي مرة , انه توقع ان يرى (مختلف الاعاجيب في بغداد , اذ انها  بلاد الف ليلة وليلة !) , الا انه لم يخطر بباله ابدا رؤية العدد الاول لجريدة ( برافدا ) , والتي لم يشاهدها في بلده نفسه. لقد احترقت مكتبة قسم اللغة الروسية - مع الاسف الشديد - باكملها العام 2003 عند الاحتلال الامريكي لبغداد , وتحولت الكتب المنهجية لتدريس اللغة الروسية وكذلك المعاجم والقواميس الروسية - العربية و مؤلفات بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وبقية ادباء روسيا العظام الى رماد , بما فيها طبعا ذلك العدد التاريخي الفريد من جريدة ( برافدا ) ..
كانت صحيفة برافدا في الاتحاد السوفيتي هي الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفيتي , وكان اسمها على لسان كل شيوعيي العالم طبعا , بما فيهم العرب , بل و اني سمعت , ان أحد الشيوعيين في العراق اطلق على ابنته اسم ( برافدا ) , وهكذا اصبحوا ينادونه - ( ابو برافدا !) على الطريقة العراقية , ويقال انه كان فخورا جدا – وطوال حياته - بهذه التسمية . 
رافقت جريدة برافدا كل تاريخ الحركة الشيوعية الروسية قبل ثورة اكتوبر 1917 , واستمرت بمسيرتها بعد الثورة , واصبحت في الاتحاد السوفيتي سجلّا خالدا لتاريخ تلك الدولة ومسيرتها اليومية بكل احداثها و تفاصيلها , وكانت تمتلك امكانيات مادية واسعة جدا , ووصلت عدد نسخها في السبعينات الى اكثر من عشرة ملايين نسخة يوميا , وكانت توزع صباحا في المدن السوفيتية كافة رغم ان مساحة الدولة السوفيتية كانت تشغل سدس الكرة الارضية كما هو معلوم , بل اننا كنّا نراها يوميا معلّقة في الكثير من المناطق السكنية ومحطات الباصات والشوارع العامة في موسكو . انحسرت اهمية هذه الصحيفة بعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي , ولكنها استمرت بالصدور ناطقة باسم الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية , وبنفس التصميم ونفس الاسلوب الحزبي الصارم جدا , الا انها لم تعد تطبع اكثر من 100 الف نسخة باليوم , وأخذت تصدر ثلاث مرات اسبوعيا ليس الا.
جريدة ( برافدا ) واحدة من صحف العالم العريقة , وهي تستحق الدراسة من قبل العرب المهتمين بالشأن الروسي في الماضي والحاضر والمستقبل ايضا...   

80
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي  في دورتها الثانية (2019)
أ.د. ضياء نافع
يحتفل العراق وروسيا في هذا العام ( 2019)  بالذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما , وانطلاقا من هذه الذكرى اليوبيلية  وتحية لها , فقد قررت لجنة تحديد الفائزين  بجائزة نوّارلتعزيز الحوار العراقي – الروسي لعام 2019 اليوبيلي هذا منح جائزتين  اثنتين بدلا من جائزة واحدة كما كان الامر في العام الماضي عند تأسيس هذه الجائزة , واحدة للعراق واخرى لروسيا , اي ان العراق وروسيا فازا  معا لهذا العام ( في الذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات بينهما ) بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي - الروسي , وذلك لأنهما باتخاذهما القرار باقامة علاقات دبلوماسية بينهما يعني انهما يسعيان معا لاقامة حوار دائم بين الجانبين , وهذا القرار ( الذي تم اتخاذه العام 1944 ) بحد ذاته يجسّد خطوة مهمة  جدا في انطلاقة مسيرة هذا الحوار وتعزيزه  لاحقا .
  يستلم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي في دورته الثانية للعام 2019  باسم العراق  سفير جمهورية العراق في روسيا السيد حيدر منصور هادي العذاري باعتباره رئيس هيئة تمثيل العراق في روسيا , ويستلم الجائزة باسم روسيا  سفير روسيا الاتحادية في العراق السيد مكسيم كنستونتينوفتش  مكسيموف باعتباره رئيس هيئة تمثيل روسيا في العراق .  هذا وستجري مراسم تسليم الجائزتين في الحفل الكبير , الذي تقيمه بموسكو سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية ( لمناسبة الذكرى 75 للعلاقات بينهما ) مساء التاسع من ايلول / سبتمبر 2019 , وهو اليوم الذي وقّع فيه الجانبان اقامة علاقات دبلوماسية بينهما في عام 1944 , اي قبل 75 سنة .
لتزدهر وتتعزز العلاقات العراقية – الروسية لمصلحة الشعبين الصديقين 
عاشت جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي
                       

81
عن الطاغية والبهتان والمرأة

قصيدة للشاعر الكوبي خوسيه مارتي (1853 -1895 )
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


عن الطاغية ؟
قل عنه
  كل شئ,
وقل اكثر
عن الطاغية.
اشجبه
بكل الغيظ  الذي
في اعماق صدرك,
ضعه
في قفص
اللاشرف,
وفي قفص
العار
والشنار.
+++
عن البهتان ؟
قل عنه
كيف ينسل خلسة
- بحذر -
في العتمة,
قل كل شئ
يمكن ان تقوله
عن الطاغية,
 وعن البهتان.
+++
عن المرأة ؟
لا تقل ابدا
شيئا سيّئا,
حتى اذا
  انتزعوا منك
 مجدك,
او عذّبوك,
او قتلوك .
لا تلوّث نفسك,
ولا تقل عن المرأة
شيئا
 سيّئا
ابدا ...


82
مع سائق اوزبيكي في موسكو
أ.د. ضياء نافع
 الاكثرية من سائقي سيارات الاجرة في موسكو هم من شعوب الاتحاد السوفيتي السابق . هذه ظاهرة واضحة المعالم الآن لكل من  يستخدم سيارات الاجرة في موسكو , اذ ان فرص العمل امامهم في دولهم المستقلة تقلصت بشكل هائل . لقد سبق لي ان كتبت عدة مقالات عن انطباعاتي حول تلك الظاهرة , واظن ان تلك المقالات كانت تعكس وضع تلك الشعوب في الوقت الحاضر , او في الاقل تعطي صورة واقعية لظروف حياة بعض ابنائهم . وامس كنت مع سائق من اوزبكستان . لم يكن ثرثارا  كما هي العادة , ولكن ما ان عرف اني من العراق , حتى ( انفتحت قريحته !) , و بدأ يمطرني بسيل  من الاسئلة والآراء المتنوعة , والتي تعكس بالطبع افكاره الخاصة واهتماماته الشخصية وثقافته العامة ومعاناته الحياتية. قرأ لي اولا سورة الاخلاص بعربية ركيكة جدا ( بالكاد فهمتها !) , وطلب منّي ان اشرح له معناها , فقلت له انها سورة الاخلاص , فاعترض قائلا , كلا كلا, انها سورة (قل هو) , ولفظها ( كل خو) . ضحكت انا طبعا واوضحت له صلب الموضوع ( كما يقال ) , فاندهش اندهاشا مثيرا , وسألني وبكل جديّة - هل انت من رجال الدين ؟ ولما علم انني لست من رجال الدين ازداد اندهاشه اكثر . ثم قال لي , انه امس علّم ابنته هذه السورة , وانه سيقول لها اليوم انها سورة الاخلاص , وأضاف قائلا , انه يقدسّ هذا النص لانه من القرآن الكريم , ولكنه لا يفهم معناه بتاتا ( تذكرت قصة زميلتي الصحافية الكبيرة د. سلوى زكو , التي قرأتها قبل ايام في الفيسبوك عن صديقتها السوفيتية ايام زمان في كلية الصحافة بجامعة موسكو , والتي اسمها تكزبان , والتي قالت لسلوى – وهي تعيّرها – انها ( اي سلوى ) لا تعرف ان اسمها مقتبس من الاية الكريمة – وبأي آلاء ربكما تكذّبان !!! , اذ انهم يلفظون الفعل – تكزبان , دون ان يفقهوا معناه طبعا).
بدأ هذا السائق بعدئذ يتحدث بأسى وبشكوى مريرة جدا عن وضع حياته في موسكو , وقال لي انه يعمل طوال النهار و بعض الاحيان في الليل ايضا , وكذلك تعمل زوجته الاوزبيكية , وانهما – مع ذلك - يعيشان بالكاد , لان ايجار الشقة بموسكو غال جدا , ومتطلبات الابن والبنت في المدرسة تقتضي صرف مبالغ كبيرة بالنسبة لدخلهم المحدود , ويجب عليهما ايضا مساعدة والديهما في اوزبكستان رغم انهم لازالوا يعملون هناك , وذلك لان وضع اوزبكستان الاقتصادي صعب جدا جدا.  وأضاف انه لولا عمل زوجته , فانهم ( سيموتون جوعا !) . حاولت انا ان اخفف من صعوبات حياته , والتي كان يحكيها لي وهو يتألم بوضوح , وقلت له , انني التقيت كثيرا من ابناء شعوب الاتحاد السوفيتي , وان وضعهم كان لابأس به رغم انهم كانوا ايضا يعانون مثله بشكل او بآخر, ويساعدون اهلهم في بلدانهم , فقال , نعم , ولكن معظمهم لا يأتون بعوائلهم , و يسكنون في موسكو سوية و في غرف صغيرة , و حتى غير ملائمة للسكن الطبيعي بعض الاحيان اقتصادا بنفقات الايجار, أما انا , فلا استطيع ان اسكن هكذا مثلهم , اذ اني مع زوجتي وابني وابنتي , ولهذا فاننا نؤجّر شقة مستقلة .
 وانتقل بعدئذ بالحديث عن مشكلة اخرى يعاني منها , وهي قضية تربية الاطفال , اذ انهما – هو وزوجته – يحاولان دائما الكلام معهم باللغة الاوزبيكية وتعليمهم لها, ولكن الاطفال يدرسون في مدرسة روسية ويتحدثون في الشارع مع الاخرين بالروسية , ولهذا فان اللغة الروسية اصبحت بالنسبة لهم اللغة الام قراءة وكتابة وكلاما , اما اللغة الاوزبيكية , فانها ثانوية بالنسبة لهم , وقال لي وهو يبتسم , ان الاطفال يسخرون مني ومن والدتهم عندما نتحدث معهم بالروسية , ويصلّحون الاخطاء التي نعملها  اثناء الكلام , واختتم حديثه عن هذه المشكلة وهو يتنهد بعمق قائلا , كيف سيكون مصيرهم عندما نرجع الى اوزبكستان ؟ فسألته , وهل تخططون للرجوع الى هناك ؟ فقال انا وزوجتي نريد الرجوع حتما , ونتمنى ذلك كل يوم , ولكن الاطفال لا يرغبون بذلك بتاتا, ولا يمكن لهم حتى ان يتصوروا العيش دون مدرستهم الروسية , ولهذا , فانهم جميعا يستمرون بالعيش في موسكو , ولا يعرفون مستقبل حياتهم , وتحسّر هذا السائق على ايام الاتحاد السوفيتي , وقال , لم تكن الامور معقدة هكذا رغم بعض المشاكل , فقد كانت الحياة بسيطة و مضمونة من دراسة وعمل و علاج مجاني وتقاعد , وكنا نعيش بدولة واحدة , ولم تكن هناك امام الاوزبيك او غيرهم من الشعوب السوفيتية مثل هذه الصعوبات , التي نعاني منها اليوم , وقال بحسرة , انه من المستحيل العودة الى تلك الايام .
عندما وصلنا الى العنوان المطلوب , دفعت له المبلغ اللازم مع اكرامية بسيطة , فرفض ذلك , وقال ان ذلك (حرام ) , فابتسمت انا , وقلت له , ان ذلك (حلال) , اذا كان برضا الزبون ومبادرته ...     

83
بوشكين كاتبا مسرحيا
أ.د. ضياء نافع
بوشكين- قبل كل شئ – شاعر كبير , اي ان الشعر يأتي اولا عندما يجري الحديث عنه , اذ انه ( شمس الشعر الروسي ) بلا منازع , ولكن بوشكين ساهم – وبشكل كبير وهائل ورائع ايضا – في مجالات ابداعية اخرى , فما هو الجانب الثاني في ابداع بوشكين يا ترى ؟ يعتقد بعض الباحثين , ان النثر يأتي ( ثانيا ) , اذ مازالت قصصه ورواياته القصيرة شاخصة في عالم الادب الروسي , ويشيرون مثلا الى ابنة الضابط ( حسب ترجمة الدروبي والتي اختلف المترجمون العرب على ترجمة عنوانها لاحقا!) , وهناك من يرى , ان مسرح بوشكين اهم من نثره , ويذكرون  مسرحيته التاريخية – ( بوريس غودونوف ) والتي لازالت تتفاعل مع الحياة الروسية المعاصرة ولحد الان , وذلك عندما يدور الكلام عن المسرح الروسي او التاريخ الروسي , ويظن آخرون , ان هناك جوانب ابداعية اخرى في نشاط هذا (المعلّم !) الكبير , وان تلك الجوانب هي التي تستحق ان تكون ( ثانيا) . وبغض النظر عن تحديد الموقع ( الثاني!) في ابداع بوشكين ( وكل ذلك يخضع للنظرة النسبية للباحثين طبعا , اذ يجد كل باحث تبرير موقفه تجاه بوشكين وابداعه ) , فاننا نود ان نتوقف في مقالتنا هذه عند جانب مهم في مسيرته الابداعية , وهو بوشكين - الكاتب المسرحي في تاريخ الادب  الروسي , وفي تاريخ المسرح الروسي .
هذا الموضوع يذكّرني رأسا بحدث محفور في اعماق روحي , وهو - كيف جاءت المرحومة أ.د. حياة شرارة مرة اليّ ( عندما كنّا نعمل سويّة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد ) , وقالت لي انها ترجمت تراجيديات بوشكين الصغيرة عن الروسية , وتريد ان تقدمها الى وزارة الاعلام العراقية لنشرها في كتاب , ولكنها مترددة جدا, لانها تخشى ان يحيلون الترجمة الى شخص غير مؤهل لمراجعتها كما كانت الامور متبعة بشأن اي كتاب مترجم تنشره الوزارة ,  ويبدأ هذا الشخص  ( يتفلسف برآسي !) ( هكذا قالت لي المرحومة حياة مازحة ) , ولهذا سألتني , هل توافق ان تكون انت المراجع لتلك المسرحيات ؟ فقلت لها , اني اوافق على ذلك دون اي تردد , وأضفت قائلا , انها يجب ان تكون مثل جبرا ابراهيم جبرا , الذي يشترط عدم مراجعة ترجماته من قبل مراجعين  , وانها جديرة ان تشغل مكانة جبرا في عالم الترجمة عن الروسية في العراق , ( انظر مقالتنا بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق / لقطات ) . وهكذا صدر كتاب المرحومة حياة عن وزارة الاعلام العراقية بعنوان – ( مسرحيات بوشكين ), وهو اول كتاب عراقي متكامل عن مسرح بوشكين , اذ يضم نصوص المسرحيات تلك , التي أسماها بوشكين – ( تراجيديات صغيرة ) بترجمة د. حياة شرارة عن الروسية , وبمقدمة عن مسرح بوشكين بقلمي , والمقدمة تلك هي في الاصل بحث نشرته اولا في مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد ( وقدمته في حينها للترقية العلمية حسب تعليمات الترقيات العلمية في الجامعة ) , واتفقنا ( حياة وانا ) انه يصلح ان يكون مقدمة لكتابها المترجم ذاك , وهذا ما تمّ فعلا . ولهذا , فان مسرح بوشكين – بالنسبة لي شخصيا - يرتبط بترقيتي العلمية في الجامعة , ويرتبط ايضا باول كتاب عن مسرح بوشكين في العراق اصدرته المرحومة المبدعة حياة شرارة .
 تراجيديات بوشكين ( الصغيرة!) تلك هي مسرحيات ( كبيرة!) الاهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي , اذ انها تعدّ كلمة جديدة لم يسبق لاحد قبل بوشكين في روسيا ان قدّم شيئا مماثلا لها , وكتب بوشكين تلك المسرحيات عام 1830, اي عندما كان في قمّة ( نضوجه الابداعي!) ان صحّ التعبير( توفي بوشكين عام 1837) , وليس عبثا , ان تلك المسرحيات كانت تعكس مواضيع انسانية شاملة , او (امميّة) كما أسماها باحث سوفيتي مرّة في محاولة لاستخدام المصطلح السياسي المعروف في سياق النقد الادبي. التراجيديات الصغيرة , او (مآس صغيرة) كما جاءت في بعض الترجمات العربية , كانت تدور حول صفات عامة توجد عند البشر كافة , صفات وردت الى ذهن بوشكين نتيجة قراءآت واسعة جدا في الادآب العالمية , (اي لا تتناول الخصائص القومية البحتة ولا الاحداث القومية) , كالحسد مثلا ( انظر مقالتنا بعنوان – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت و ساليري) .
المسرحية المركزية لبوشكين هي ( بوريس غودونوف ) طبعا , والتي قرأ بوشكين مقاطع منها لقيصر روسيا الكساندر الاول عندما استقبله بعد الغاء عملية النفي وعودة الشاعر الى بطرسبورغ , وهي دراما تاريخية ضخمة ومليئة بالاحداث والشخوص , بدأ بوشكين بكتابتها بعد ان اطّلع على نتاج كارامزين الشهير ( تاريخ الدولة الروسية ) , ويرى بعض النقاد , ان بوشكين اراد ان يكون ( شكسبير روسيا ) بواسطة هذا العمل المسرحي الكبير . استمر بوشكين بكتابة هذه المسرحية طوال سنوات , ونشرها عام 1830 فقط , ولم يستطع ان يراها على خشبة المسرح اثناء حياته نتيجة عوامل كثيرة , منها سياسية وفكرية , ومنها كذلك صعوبة تحقيق ذلك تقنيا . لقد تم تقديم تلك المسرحية على خشبة المسرح الروسي بعد اكثر من ثلاثين سنة على وفاة بوشكين , ولا زالت تعرض لحد الان , بل انها تحولت حتى الى اوبرا , والى عروض موسيقية غنائية متنوعة , وحولتها السينما الروسية منذ اواسط القرن العشرين الى افلام سينمائية عديدة , وكان آخرها  فلم سينمائي تم انتاجه عام 2011 ليس الا...
شمس الشعر الروسي بوشكين استطاع ان يمنح لشعبه ايضا المسرح الشعري الروسي , وهو عمل ابداعي كبير وعنصر ضروري جدا  في تاريخ كل شعب من شعوب العالم المتحضّر...             

84
المنبر الحر / غوركي ولينين
« في: 21:45 18/08/2019  »
غوركي ولينين
أ.د. ضياء نافع
هذا موضوع مثير للقارئ العربي , اذ انه يقترب من عالم السياسة ويسير على  حافة حدوده (الملغومة دائما !) , بل ان بعض القراء العرب ربما يعتقدون انه موضوع سياسي بحت حول تاريخ الحركة الاشتراكية ومسيرتها بالذات, اذ انه يرتبط ب ( قائد الثورة الاشتراكية في روسيا والعالم ايضا - لينين ) و ( قائد الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي والادب العالمي ايضا - غوركي ) . لكن هذا الموضوع  لا يرتبط بعالم السياسة مباشرة رغم كل هذا التقارب فعلا, بل يتحدث عن جزء غير واضح المعالم للقارئ العربي ( و ربما يمكن القول شبه مجهول تقريبا) من تاريخ العلاقة الفكرية المعقدة والمتشابكة بين أديب روسي كبير برز في بداية القرن العشرين هو مكسيم غوركي وبين شخص لم يكن مشهورا جدا في تلك الفترة هو لينين , ولكنه سيكون قائدا لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية الروسية , والتي أدّت به الى ان يصبح  - بعد نجاح تلك الثورة - واحدا من أشهر رجالات القرن العشرين ( وهو كذلك ولحد الان ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ) ليس فقط في روسيا , بل في العالم أجمع .
 كلاهما , غوركي ولينين ولدا في روسيا (غوركي العام 1868 ولينين العام 1870, اي انهما متقاربان جدا من حيث العمر ),  و لكنهما تعارفا والتقيا خارج روسيا ,لانهما تركا وطنهما المشترك لاسباب سياسية , اذ اصبح لينين قائدا لحزب مضاد للقيصرية الروسية ويسعى لاسقاطها , واصبح غوركي اديبا كبيرا ومعارضا للنظام ايضا , و يؤيد اهداف ذلك الحزب (الذي يقوده لينين) بكل قواه الفكرية والمادية. تعمّقت علاقتهما خارج روسيا ( كل من موقعه ) وخصوصا في ايطاليا ( كان غوركي يسكن هناك , وزاره لينين وبقي بضيافته فترة ), واستمرت العلاقة بينهما ايضا في روسيا   عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917 , وهناك الكثير جدا من المصادر الروسية , التي تتحدث عن تفصيلات تلك العلاقات المتبادلة بينهما , وانتهت طبعا بوفاة لينين العام 1924 , عندما طلب غوركي ان يضعوا اكليلا من الورود باسمه ويكتبون عليه – ( وداعا يا صديقي ). وكتب غوركي بعد وفاة لينين مقالة كبيرة وطويلة عنه , وهي واقعيا صورة قلمية فنية ووثائقية رائعة , وتم نشرها في كتيب خاص في الاتحاد السوفيتي آنذاك , وصدرت بلغات عديدة , منها لغتنا العربية , بل ويقال في بعض المصادر الروسية , ان ستالين كان يطمح ويتمنى ان يكتب عنه غوركي شيئا مماثلا , ولكن غوركي لم يكتب ذلك . لم يتناول غوركي في كتابه عن لينين كل ما حدث بينهما , بما فيها خلافاته معه طبعا , والتي حدثت اثناء تلك المسيرة الطويلة معا ( وهو أمر طبيعي ), ونحاول في هذه المقالة ان  نشيرالى بعض تلك الخلافات بشكل وجيز وضمن نقاط , اذ انها تكاد ان تكون شبه مجهولة تقريبا في المصادر العربية عموما.
الخلاف الاول ظهر عندما نشر غوركي كتابه الشهير ( الاعتراف), والذي صدر العام 1908 , عندما كان في كابري بايطاليا . لقد حاول غوركي في روايته القصيرة تلك ان يعكس طروحاته الفلسفية بشأن توحيد الافكار الدينية للشعب الروسي مع الاهداف الثورية ( التي كان يؤمن بها غوركي ), وهي وجهة نظر غير جديدة في الفكر الروسي اصلا , ولكنها كانت جديدة بالنسبة لغوركي ومسيرته الابداعيه ( وهو مؤلف رواية الام !) . لقد أكّد غوركي هناك , ان القيم الاخلاقية والروحية اكثر أهمية لنجاح الثورة من العناصر الاقتصادية والسياسية . وقف لينين ضد هذه الطروحات الفكرية الجديدة لغوركي بشكل مباشر وحاد جدا, وانتقده بشدة وعلنية , بل واعتبرها غير صحيحة تماما , ولكن غوركي أصرّ على موقفه الفكري هذا. ان هذا الخلاف العلني بينهما هو واقعيا يجسّد عدم توافق السياسي المحترف لينين مع الكاتب والمفكر غوركي , وهو عدم توافق دائم بين السياسيين من جهة , وبين الكتّاب والادباء والفنانين بشكل عام من جهة اخرى , اذ ان المبدع يعبّر عن افكاره بحرية مطلقة دون الأخذ بنظر الاعتبار متطلبات السياسيين واهدافهم المحددة ضمن مسيرة صارمة وشعارات حزبية مرسومة , وهي ظاهرة عامة ( اي التناقض بين السياسيين والمبدعيين ), و غالبا ما نجدها في مسيرة الحياة وفي كل المجتمعات , بما فيها طبعا مجتمعاتنا العربية.
الخلاف الثاني بين غوركي ولينين حدث بعد فترة قصيرة جدا من انتصار ثورة اكتوبر 1917 , اذ كان غوركي يصدر جريدة اسمها – ( الحياة الجديدة ) , وقد هاجم غوركي في جريدته تلك الخروقات التي حدثت في الايام الاولى للثورة , وكتب يقول , ان ( ... لينين وتروتسكي قد تسمموا بالسم العفن للسلطة ...وانعكس ذلك في علاقة العار تجاه حرية الكلمة , والحرية الشخصية  وضد مجمل الحقوق , التي ناضلوا من اجل انتصارها ....) , بل وقارن لينين حتى بالقيصر وتصرفاته تجاه حرية الفكر واضطهاده لها . وكل هذه الخلافات انعكست في كتاب أصدره غوركي بعنوان – ( افكار في غير أوانها ) , والذي اعيد طبعه فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي , ولا يسمح المجال للتوقف عنده تفصيلا , ولكن من الضروري الاشارة هنا , ان غوركي قد تراجع عن تلك الافكار بعد محاولة اغتيال لينين , واعتذر له عندما زاره بعد المحاولة تلك , ولكن مع هذا , فقد ارتأت السلطة ان يسافر غوركي الى اوربا( للعلاج!) , ( وبعكسه سنرحّلك..), كما قال له لينين مازحا...

85
عند نصب المذيع السوفيتي ليفيتان
أ.د. ضياء نافع
يقولون انه النصب الوحيد في العالم لمذيع في الاذاعة , وبالنسبة لي شخصيا وحسب معلوماتي المتواضعة , فانا لا اعرف فعلا اي شئ مماثل لهذا الذي شاهدته اليوم في احدى ساحات مدينة فلاديمر الروسية , مسقط رأس المذيع السوفيتي الشهير ليفيتان , وهي المدينة التي تبعد في حدود 200 كيلومترا عن العاصمة الروسية موسكو , والتي كانت في غابر الازمان واحدة من مراكز روسيا القديمة .
 ولد المذيع يوري بوريسوفيتش ليفيتان في مدينة فلاديمر العام 1914 , واصبح المذيع الاول في الاتحاد السوفيتي , وهو الذي أذاع يوم التاسع من مايس / مايو  العام 1945 بيان الدولة السوفيتية عن استسلام المانيا الهتلرية وانتهاء الحرب واعلان النصر , وهناك احصائية طريفة تشير ,الى ان المذيع ليفيتان قرأ اكثر من ( 2000 ) نشرة أخبار عن مسيرة واحداث تلك الحرب , والتي يسميها الروس – ( الحرب الوطنية العظمى ) , وهكذا ارتبط اسم ليفيتان بيوم النصر في تاريخ روسيا . لقد سمعنا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينات القرن العشرين , ان الالمان قرروا ان يعدموه بعد ستالين رأسا , ولكن المصادر الروسية الرسمية الحديثة اعتبرت هذا القول مجرد اشاعة تداولها الناس - ليس الا- انطلاقا من شهرته وسعة شعبيته بين المستمعين آنذاك, وأشارت تلك المصادر الى ان هناك وثيقة ألمانية تعلن مكافأة قدرها( 250 )الف مارك الماني لمن يقبض عليه او لمن يقتله, وهو مبلغ ضخم وكبير جدا بالنسبة لتلك الايام  , ولهذا فقد كان ليفيتان محاطا دائما برجال الحماية ايام تلك الحرب , وكان مكانه سريّا . وللعلم , نود ان نضيف هنا, ان ليفيتان هو الذي أذاع خبر انطلاق اول انسان سوفيتي الى الفضاء يوم الثاني عشر من نيسان / ابريل العام 1961 , عندما طار غاغارين الى الفضاء وعاد سالما , وهو حدث تاريخي عالمي طبعا , لهذا يطلقون على ليفيتان الان تسمية – ( صوت التاريخ وصوت النصر ).
امتدت حياة ليفيتان من العام 1914 الى العام 1983 , وقد اتخذت ادارة مدينة فلاديمر ( مسقط رأسه ) توصية بشأن ضرورة الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته العام 2014  وذلك باعتباره الابن البار للمدينة التي تفخر باسمه, وقررت تلك الادارة اقامة نصب خاص به في مدينة فلاديمر تخليدا له , وهكذا تم اعلان المسابقة بين النحاتين الروس , وشارك في المسابقة ( 36 ) نحّاتا روسيّا من كل انحاء روسيا , وفاز بها النّحات الذي قدّم فكرة لاقامة نصب يتميز بالابتكار( وبكل ما تعني كلمة الابتكار فعلا ), اذ ان النصب ركّز على الصوت وكيف كان الناس ينتظرونه ويصغون اليه عن طريق المذياع  بكل لهفة وتعاطف, اي ان النّحات جسّد مهنة المذيع وطبيعتها , ولم يجسّد شكل المذيع او جسمه كما جرت العادة في التماثيل والنصب الاخرى , وهكذا تم تنفيذ تلك الفكرة , وتم تدشين النصب العام 2015 ( في يوم الراديو الذي يصادف 7/5 , وعندما كانت روسيا تحتفل بالذكرى السبعين للنصر). وضع النصب في ساحة وسط مدينة فلاديمر اطلق عليها اسم ساحة ليفيتان. نرى هناك شخصيتين في ذلك النصب هما الجد وحفيده , ينظران ويستمعان بكل انتباه الى ميكروفون معلّق امامهما على عمود به مصباح لاضاءة الشارع , وعلى هذا العمود توجد لوحة حديدية صغيرة, فيها صورة للمذيع ليفيتان مع الاشارة الى سنين حياته . لقد اراد الفنان ان يقول , ان الجد العجوز( وهو يتوكأ على عصا بيده ) مع حفيده الصبي كانا يستمعان الى بيان النصر , اما الابن ( والد الصبي ) فقد كان يحارب آنذاك في جبهات القتال .
الساحة التي يقف فيها النصب معبّدة بالحجر بشكل جميل وانيق, وتحيطها الاشجار الباسقة , وفي اطراف الساحة توجد المصاطب المنسقة الجميلة . لقد جلست انا على احدى هذه المصاطب , وتأملت النصب الطريف هذا بدقة, واكتشفت ان الجد وحفيده يرتدون ملابس بسيطة سوفيتية الصنع ومن طراز ذلك الزمان بالذات , وشاهدت اسراب الحمام تتطاير حول النصب وتتمشى حوله بسلام ووئام , وجاءت امرأة مسنّة , وأخذت ترمي الحبوب لتلك الطيور , وكانت الطيور تتزاحم على هذه المرأة كي تحظى بالطعام ... وكان هناك اناس بمختلف الاعمار يسيرون – ذهابا وايابا - حولنا بهدوء دون ان ينظروا الى النصب او الى تزاحم الطيور حول تلك المرأة.... 
 


86
أدب / العطش
« في: 16:31 12/08/2019  »

العطش
=====

قصيدة للشاعرة ايولاندا بيدريغال (1916 – 1999 ) / بوليفيا
====================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=======================

لا الماء,
ولا الخمر,
ولا الدماء
تروي عطشي.
اريد أنا
الشئ الذي كان,
والشئ الذي
مستحيلا كان ,
والشئ الذي
كان يجب ان يكون.
وكل هذا
 لن يكون -
لهذا
 لا انتظر انا
لا الشئ الذي
لا يتكرر,
و لا الشئ الذي
لا يمكن ابدا
ان يكون.
+++
أتعطش للخلود أنا,
وأتوق ايضا الى
كأس زجاجي
 ملئ
 بوميض هذي اللحظة
من  هذا الزمان..



87
بيلينسكي جديد ؟ يا حبذا لو...
أ.د. ضياء نافع
هذا عنوان لمقالة ظهرت في صحيفة ( ليتيراتورنايا راسيّا ) الادبية الروسية الاسبوعية , الصادرة بتاريخ 2 – 8 آب / اغسطس 2019.  شغلت المقالة صفحة كاملة من ذلك العدد من الصحيفة , و من الطريف ان نشير هنا , الى ان بداية المقالة ( والبداية هذه جزء مهم كمدخل للمقالة ) ظهر على الصفحة الاولى من الجريدة وتحت مانشيت عريض وواضح وكبير , مما يدلّ طبعا على الاهمية التي أولتها هيئة تحرير الصحبفة لهذه المقالة .  كان عنوان المقالة مثيرا جدا بالنسبة لي , اذ انه يوحي وكأنما هناك ناقد جديد بمستوى بيلينسكي يلوح في افق روسيا , مما جعلني أبدأ رأسا بقراءة تلك المقالة , وان أستمر بذلك الى نهايتها . بعد الانتهاء من قراءة تلك المقالة الدسمة , قررت ان (ادردش!) مع القارئ العربي حولها , و ( الدردشة ) طبعا تختلف عن العرض العام للمقالة او التحليل المعمّق لافكارها او مناقشة خلاصاتها , اذ ان هذه المقالة غنية وزاخرة جدا بمضامينها المتشعبة , فهي تتحدث عن بيلينسكي ناقدا أدبيا في اطار تفاصيل صغيرة ومنمنمات منتقاة بمهارة فائقة من مقالاته النقدية العديدة , و تتحدث عن مفهوم النقد الادبي بشكل عام وموقعه في مسيرة تاريخ الادب , و تتحدث عن نظرية الادب ومصادرها الاساسية باللغة الروسية منذ اواسط القرن العشرين ولحد الآن , وتتحدث ايضا ( وهذا هو الجانب الاهم فيها ) عن جائزة خاصة بالنقد الادبي , و التي تم استحداثها في روسيا  الاتحادية , ويرتبط اسمها بالناقد الادبي الكبير فيساريون بيلينسكي . وباختصار , فان هذه المقالة – من وجهة نظرنا - تستحق الترجمة الكاملة الى العربية فعلا, اذ انها ترسم صورة فنيّة متكاملة الابعاد لواقع النقد الادبي ومكانته في الادب الروسي المعاصر وآفاقه المستقبلية لاحقا , وبالتالي , فانه من غير الممكن عرض المقالة بايجاز او تحليل افكارها ومناقشتها بشكل مختصر,  ولهذا فاني سوف ( ادردش ) قليلا حولها مع القارئ العربي ليس الا , واتمنى ان استطيع (عبر هذه الدردشة البسيطة ) ان انقل للقارئ هذا بعض ما جاء فبها من نقاط مهمة فقط .
اتوقف عند الجملة الاولى في تلك المقالة . يقول ألكساندر كوريلوف , كاتب المقالة , في تلك الجملة ما يأتي - ( مع فيساريون المحتدم ,  استلم فريق من شغيلة القلم , الذين يعتبرون انفسهم نقٌادا , جائزة خاصة بهم أخيرا – وهي شهادة , وفي نفس الوقت رمز للاعتراف الادبي – الاجتماعي .) . لقد اربكتني هذه الجملة ( ان صحّ التعبير ) , فانا اعرف ان اسم بيلينسكي هو فيساريون , ولكني لم افهم لماذا اقتصروا على اسمه فقط دون لقبه المشهور , وهي ظاهرة غريبة ونادرة جدا بالروسية , ثم اربكتني ايضا صفة ( المحتدم ) هذه والتي ألحقوها باسمه هكذا , اذ ان هذه الصفة تمتلك بالروسية معان متعددة قريبة من بعضها البعض ( وكما يشير القاموس الروسي – العربي الكبير ), مثل –  الحانق / العنيف / الهائج / الغاضب ...الخ . عندما انهيت قراءة المقالة فهمت طبعا , ان جائزة النقد الادبي في روسيا الاتحادية أطلقوا عليها تسمية مبتكرة جدا , وطريفة جدا , وجديدة جدا , تسمية ترتبط باسم ابرز نقّاد الادب الروسي في تاريخه , ولكن بصيغة غير مطروقة سابقا , و التسمية هي -  (جائزة فيساريون المحتدم ) , اي انها جائزة بيلينسكي , ولكنهم أرادوا بهذه التسمية ان يؤكدوا على ان هذه الجائزة ترتبط بصفات ذلك الناقد الادبي الحاد الطبع والغاضب والعنيف وغير المتهادن والصريح والمباشر وغير المتردد ابدا في عرض افكاره النقدية حول قضايا الادب بغض النظر عن اسم الاديب او مكانته في معترك الادب والفكر والمجتمع, وهي صفات امتاز بها بيلينسكي فعلا بمسيرته الشجاعة ونشاطه الكبير في مجال النقد الادبي , ولهذا كان بيلينسكي محبوبا من قبل البعض ومذموما من قبل البعض الآخر , وفي نفس المستوى ذاك من الحب والاحترام ومن البغض والذم عند الطرفين في المجتمع الروسي آنذاك , وقد استمرت هذه العلاقة ( المزدوجة) تجاهه الى حد الآن , وهي ظاهرة تستحق التأمّل العميق فعلا .
يشير كوريلوف في مقالته , ان بيلينسكي كتب مرّة يقول – ( .. عندنا , كل مقالة تتناول اي مادة أدبية يسمونها نقدا ..) , وانه مرّت أكثر من قرنين على كلام بيلينسكي (البسيط والعميق في آن) ولم يتبدل الوضع , اذ كل من ينشر كلمة تقريظ يسمي نفسه ناقدا ادبيا ولحد الآن . أما من وجهة نظر بيلينسكي , فان ذلك ليس هو ( النقد الادبي ) , وانما ( ...هو الرأي الذاتي حسب الانطباع الشخصي ..) , وما أشبه ما يجري في بلاد بيلينسكي بما يجري في بلاد علي جواد الطاهر , ولكن الفرق بينهما , ان بلاد بيلينسكي أطلقت جائزة النقد الادبي باسمه , فمتى تطلق بلاد علي جواد الطاهر جائزة النقد الادبي باسمه ياترى ؟ وهل ستطلقها أصلا ؟ ...

88
المنبر الحر / تورغينيف و بوشكين
« في: 17:34 08/08/2019  »
تورغينيف و بوشكين
أ.د. ضياء نافع
تورغينيف كان المسؤول الاول لتدشين تمثال بوشكين في موسكو العام 1880 , التمثال الذي لازال يعدّ النصب الاول لبوشكين في روسيا لحد الان , ولازال يقف شامخا في ساحة بوشكين في مركز موسكو ( انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في موسكو ) . لقد ألقى تورغينيف خطابا حول بوشكين اثناء الاحتفال بتدشين ذلك التمثال لا يقل اهمية في تاريخ الادب الروسي عن خطاب دستويفسكي في تلك المناسبة ( انظر مقالتنا بعنوان – خطاب دستويفسكي عن بوشكين ), ولازالت المصادر الروسية عن بوشكين تستشهد ببعض المقاطع من هذا الخطاب التاريخي لتورغينيف .
 يرى بعض الباحثين , ان عمل تورغينيف ونشاطه الكبير في تنظيم تمثال بوشكين يعدّ رمزا فريدا في تاريخ الادب الروسي , اذ ان تورغينيف توفي عام 1883 , اي ان تمثال بوشكين هو آخر عمل كبير قام به , والرمزية في ذلك تكمن , في انه اختتم حياته بعمل يرتبط باسم بوشكين و تخليده بهذه الصورة. والحديث عن رمزية تخليد بوشكين من قبل تورغينيف يرتبط بقصة طريفة جدا ( لا يعرفها القارئ العربي على ما نظن ولم يسمع بها بتاتا ), وتدور حول خاتم كان بيد بوشكين عندما توفى , وقد نزعه من يده في تلك اللحظة الشاعر الروسي جوكوفسكي ( الذي كان يقف مع مجموعة من أقرب اصدقاء بوشكين حوله وهو يموت ) ووضعه في اصبعه , وبقي هذا الخاتم في اصبع جوكوفسكي الى لحظة وفاته , وبعد وفاة جوكوفسكي قرر ابنه ان يهديه الى تورغينيف ( لا نعرف لماذا , ولكن على الاغلب ان ذلك كان بتوصية من أبيه , وذلك لان تورغينيف كان آنذاك واحدا من الادباء الروس الكبار ) , وقد وضع تورغينيف خاتم بوشكين في اصبعه عندما استلمه من ابن جوكوفسكي , وبعدئذ, اوصى تورغينيف ان يمنحوه بعد وفاته الى تولستوي ( .. باعتباره أعلى من يمثّل الادب الروسي .. وليقرر تولستوي نفسه لمن يمنحه عندما تحلّ نهايته ...) . عندما توفي تورغينيف في فرنسا , قدّمت بولينا فياردو (حبيبته الفرنسية , و المشهورة قصة حبهما الغريبة!) الخاتم المذكور الى المتحف  التابع لمدرسة ( الليتسيه ) , التي درس فيها بوشكين , وقد تم – مع الاسف الشديد - سرقة الخاتم المذكور عام 1917 , عندما حدثت ثورة اكتوبر. وهكذا ضاع خاتم بوشكين , و لم تتحقق وصية تورغينف بشأن ذلك الخاتم . لهذا نعود ونقول , ان تمثال بوشكين ( الذي كان تورغينيف على رأس لجنة تنظيمه ) هو الشاهد الوحيد الآن , الذي لازال قائما على الارض الروسيّة ويؤكد على حب تورغينيف لبوشكين وارتباطه الروحي والفكري به .
قصة الدور الكبير الذي لعبه تورغينيف باقامة تمثال بوشكين في موسكو , وقصة الخاتم الذي كان في يد بوشكين ثم انتقل الى يد تورغينيف , هي في الواقع احداث ( خارجية ) ان صح التعبير , وبالتالي , فانها لا تمتلك ارتباطا بصلب الموضوع الاساسي حول تورغينيف وبوشكين , اذ ان جوهر الموضوع يكمن بالطبع في الحديث عن جوانب انعكاس ابداع بوشكين في  مسيرة ابداع تورغينيف , والجواب عن سؤال كبير وهو -  هل توجد ملامح بوشكينية او ( أنفاس بوشكين!) في نتاجات تورغينيف , وهل يمكن القول ان تورغينيف هو استمرار لخط بوشكين الابداعي في مسيرة الادب الروسي؟ وكيف يمكن اثبات ذلك ؟ وتلك هي القضية كما يقولون . يتذكر الباحثون الروس قول غانجيروف عن بوشكين عندما يتناولون موضوع تورغينيف وبوشكين , اذ قال غانجيروف – ( .. ان بوشكين هو الأب بالنسبة للفن الروسي , مثل لامانوسوف , الذي هو الأب  بالنسبة للعلم في روسيا ...), ويتذكرون ما كتبه تورغينيف الى ابنة بوشكين ,عندما اختارته لاعداد رسائل والدها الى والدتها , اذ وافق تورغينيف على تنفيذ تلك المهمة بكل سرور وفخر , وكتب اليها يقول , انه يعتبر نفسه ( ...منذ نعومة أظفاره تلميذا عند والدها....وانه لازال يعتبر نفسه هكذا لحد الان ...) .
تناول النقد الادبي الروسي منذ القرن التاسع عشر موضوعة تورغينيف وبوشكين , وكتب حتى بيلينسكي ( الذي توفي العام 1848) حول نتاجات تورغينيف المبكرة جدا قائلا - (... يجد الكثيرون فيها.. محاكاة بوشكين ...) , ومن الطريف ان نذكر هنا , ان الباحثة الروسية المعاصرة دوبينينا قد ناقشت اطروحة دكتوراه فلسفة العام 2011 في جامعة موسكو التربوية بعنوان – ( التقاليد البوشكينية في ابداع تورغينيف 1840 – بداية 1850 ) , وما بين بيلينسكي في النصف الاول من القرن التاسع عشر الى دوبينينا في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين توجد عشرات من الكتب والدراسات والبحوث والمقالات والملاحظات , التي تتناول موضوعة تورغينيف وبوشكين, ونختتم مقالتنا بجملة ( كنموذج  لذلك ) وردت في خطاب دستويفسكي التاريخي عن بوشكين  , عندما قال عن تتيانا لارينا (بطلة رواية بوشكين الشعرية يفغيني اونيغين), انها رمز لشخصية المرأة الروسية لم يتكرر بعد بوشكين في مسيرة الادب الروسي عدا ليزا في رواية عش النبلاء لتورغينيف ...   

89
  تشيخوف في النقد الادبي الروسي قبل الثورة
أ.د. ضياء نافع
تشيخوف في النقد الادبي الروسي قبل ثورة اكتوبر 1917 -  مصطلح سوفيتي بحت كان سائدا في ستينيات القرن العشرين , عندما كنت طالبا آنذاك في القسم الروسي لكلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) بجامعة موسكو . وكانت هناك خلاصة عامة مستقرّة حول هذا المصطلح تقول , ان كل هؤلاء النقاد قبل الثورة لم يفهموا بشكل صحيح ومتكامل خصائص الاديب الكبير تشيخوف وابداعه , وان هذا الفهم العلمي والحقيقي لنتاجاته على اسس فكرية ماركسية حدث فقط بعد ثورة اكتوبر1917. لم نسمع باسماء النقاد والباحثين هؤلاء, و لم نطلع على كتاباتهم حول تشيخوف , وانما كنّا , نحن الطلبة , نكرر ما يقول الاساتذة لنا حول ذلك ليس الا .
اثناء الدراسات العليا في جامعة باريس شعرت بضرورة الاطلاع على هذا النقد الادبي بشكل موضوعي معمق , اذ ان التحدث عن  ذلك الرأي السوفيتي حول النقد الادبي عن تشيخوف في مرحلة باكملها دون الاطلاع المتكامل عليه هو موقف غير علمي بتاتا, ولكني اصطدمت بعدم وجود المصادر الاساسية له في المكتبات الفرنسية , اذ ان معظم هؤلاء النقاد كانوا ينشرون كتاباتهم في مجلات روسية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , وهي محفوظة في المكتبات الروسية فقط بالاساس . وهكذا كنت انتظر العطلة الصيفية , واسافر الى موسكو ( من اواسط حزيران الى اواسط ايلول ) للاطلاع على تلك المصادر في مكتبة لينين بالاساس , وبعد الاطلاع على تلك المصادر اصبح لديّ – بشكل عام ليس الا - تصوّر متكامل على معالم ذلك النقد  الغني فعلا بافكار متنوعة عن تشيخوف , وأذكر من بينها دراسة ليف شيستوف المشهورة بعنوان – ( ابداع من لاشئ ) ( انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف والفيلسوف شيستوف ) .
 اصطدمت خططي العلمية هذه بصعوبة الحصول على سمة الدخول ( الفيزا) الى الاتحاد السوفيتي وانا طالب الدراسات العليا في باريس , وكذلك السكن في موسكو نفسها , اذ كان كل ذلك يخضع لروتين سوفيتي محدد حسب قوانين صارمة جدا , وقد قررت ( حلّا لكل هذه الصعوبات ) ان احاول الالتحاق بقسم الدراسات العليا بجامعة موسكو ( عن بعد) , او ما يسمى في العراق ( الدراسة بالمراسلة ) . وهكذا ارسلت وثائقي من باريس بالبريد المسجّل الى جامعة موسكو , ومضت فترة ليست بالقصيرة ( كدت انسى الموضوع برمته ) , وفجأة استلمت رسالة بالبريد المسجّل ايضا من جامعة موسكو يعلمونني فيها بالموافقة على قبولي بالدراسة العليا عن بعد , وكان هذا يعني بالنسبة لي الحصول على الفيزا السوفيتية والسكن الرسمي في القسم الداخلي بجامعة موسكو طوال أشهر الصيف , وهذا ما تمّ فعلا . طلبت مني الجامعة ان احدد موضوع الاطروحة وموافقة المشرف العلمي كخطوة اولى لهذه الدراسة , وحددت لي موعدا مع البروفيسور كوليشوف رئيس قسم ( تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر) من اجل ذلك. قابلت البروفيسور كوليشوف طبعا , وقال لي انه يتذكرني بالشكل ولكن لا يعرف اسمي , وحدثني عن انطباعاته الجيدة حول جميل نصيف التكريتي وجليل كمال الدين , ثم سألني عن الكاتب الروسي الذي اود كتابة اطروحتي عنه , فقلت له – تشيخوف , فقال لي رأسا – ( لا تقترح تشيخوف في العراق , فانا لا اوافق بتاتا على مثل هذه المواضيع , ليس لانها غير علمية , ولكن مكانها ليس هنا في قسمنا , اذ ان المشرف العلمي يجب ان يعرف اللغة العربية ايضا , وهذا اختصاص آخر لا يتوفر في قسمنا ) , فقلت له , انني اقترح موضوعا آخر وهو – ( تشيخوف في النقد الادبي الروسي ما قبل الثورة ). اندهش البروفيسور كوليشوف بشكل واضح جدا وسألني اذا كنت اعرف ولو اوليات هذا الموضوع , فحكيت له قصتي , وانني اكتب اطروحة في جامعة باريس وكيف بدأت بالاطلاع على الموضوع , فطلب منّي ان احدثه بتفصيل اكثر عن ذلك , وبعد ان استمع بانتباه الى كلامي , قال لي رأسا , انه موافق على ذلك , ولكن هذا الموضوع (الحسّاس!) يتطلب موافقة مجلس القسم , ودعاني لحضور جلسة المجلس , وقد حضرت طبعا وشاهدت النقاش الحاد حول موضوع الاطروحة تلك , وكيف دافع كوليشوف بحرارة عن تلك الفكرة ضد هؤلاء الذين عارضوها وهو يقول – آن الاوان ان ندرس هذا النقد عن تشيخوف بتفصيل وموضوعية , وقد تمّت الموافقة على الموضوع بصعوبة وبعد التصويت .
رجعت في السنة التالية الى جامعة موسكو واضطررت ان اؤدي امتحانين , الاول في اللغة الروسية المعاصرة والثاني في تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر , والتقيت عدة مرات بالمشرف العلمي وهو البروفيسور ألباتوف , ولكني عدت الى العراق بعد انهاء دراستي في باريس , وكتبت لجامعة موسكو اعتذارا حول عدم امكانية اكمال الدراسة نتيجة لظروف عملي في العراق , وقد أخبرتني السيدة ناديجدا اوكتابرسكايا مسؤولة الاجانب في الكلية بعد عدة سنوات اثناء لقاء معها , انهم تأسفوا لعدم اكمالي تلك الدراسة , خصوصا وانني قطعت مرحلة مهمة في مسيرة متطلباتها ( هكذا قالت لي ) , فاعتذرت مرة اخرى .
تشيخوف في النقد الادبي قبل الثورة يعدّ الان موضوعا طبيعيا في روسيا الاتحادية , وغالبا ما يستشهدون بافكار وملاحظات وردت في تلك المصادر , اما بالنسبة لي فهو موضوع اطروحة لم تتحقق ..

90
همنغواي في رأيّ الادباء الروس
أ.د. ضياء نافع
نشرت صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) الادبية الاسبوعية بتاريخ 17 – 23 تموز/ يوليو 2019 صورة كبيرة على صفحتها الاولى للكاتب الامريكي آرنست همنغواي تحت مانشيت بحروف كبيرة لمناسبة الذكرى 120 على ميلاده , وقد أطلقت عليه الصحيفة اسم – ( القاهر) , وجاءت على الصفحات ( 1) و (8)  و(9) من الصحيفة المذكورة آراء مجموعة كبيرة من الادباء الروس المعاصرين حول همنغواي في هذه الذكرى , وذلك جوابا على سؤال وجّهته هيئة تحرير الصحيفة لهم , وهو – ( ماذا يعني آرنست همنغواي لك شخصيا, ولماذا ظهر هذا الاهتمام الكبير تجاهه في بلدنا ؟ ). نقدم للقراء العرب ملخصا وجيزا جدا ( رؤوس أقلام ليس الا ) لبعض ما ورد في هذه الصفحات من آراء طريفة تعكس الدور الذي لعبه همنغواي في وعي الكاتب   الروسي في النصف الثاني من القرن العشرين, وهو دور متميّز فعلا , ليس فقط للكاتب , وانما للقارئ الروسي عموما , ونظن , ان هذه الآراء ستكون طريفة ومفيدة للقارئ العربي ايضا , وذلك لان همنغواي قد دخل الى قلوب القراء العرب منذ اواسط  ذلك القرن  .
تبدأ الصحيفة بعرض رأي  للكاتب يوري كازاكوف , جاء فيه – ( ..كنّا نفتخر به وكأنه كاتب روسيّ.. لقد كانت تسعدنا فكرة ان همنغواي يحيا ويمارس الصيد والسباحة , وانه يكتب عدة آلاف من الكلمات الرائعة في اليوم , كما وكأنه  واحدا من أقاربنا الذين نحبهم.....). أما الكاتب يوري أليوشا فيقول – ( ...همنغواي فنان شريف جدا . هو لا يستطيع ان يكذب .) ويضيف لاحقا – ( .. انه واقعي قبل كل شئ. واقعي بارع. لاشئ ضبابي , لاشئ غير مترابط في اسلوبه ..). الكاتب يوري دومبروفسكي  يشير , الى ان همنغواي – ( .. فتح لي فعلا الآفاق الجديدة ..) . ويوضح هذه الافاق ويقول ,  انه بعد تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف كان يعتقد باكتمال الواقعية ذات التحليل النفسي , وانه لا يمكن الذهاب أبعد منهم , ولكن جاء همنغواي واثبت ان هناك جوانب اخرى في النص لا يكتبها الكاتب ولكن – مع ذلك - يجدها القارئ, جوانب مخفية ما بين سطور النص او حتى تحته , أي – المعنى الخفي او الكلام الذي يتضمن معاني غير مباشرة و يصل اليها القارئ نفسه في بحثه المعمق في ثنايا ذلك النص . الكاتب ميخائيل ميلر تحدّث عن عام 1959 في الاتحاد السوفيتي , عندما صدر لاول مرة كتاب همنغواي , الذي يعتبره ميلر ( ...مثل هزّة أرضية .. غيّرت الصورة الادبية السائدة آنذاك ..) , ويربط  الكاتب بين تلك ( .. اللحظة من  ذوبان الجليد  زمن خروشوف ....وظهور همنغواي ..الذي لم يكن يجسّد فقط اسلوبا أدبيّا ... وانما تحوّل الى ايديولوجيّة متكاملة.... تكمن في الحقيقة , كل الحقيقة , ولاشئ آخر عدا الحقيقة .... وان الكاتب يكون مسؤولا عن كل كلمة  يكتبها , كل كلمة ...  ) . يشارك  رئيس تحرير مجلة ( الادب الاجنبي ) الروسية  الكساندر ليفيرغانت  في هذا الاستيبيان حول همنغواي , ويقول – ( همنغواي بالنسبة لي ليس كاتبا بالغ الشأن جدا , رغم انه من غير الممكن عدم تقدير اهميته ومهارته ... وانا لا اعيد قراءة نتاجاته ولا اظن باني سأقوم بذلك مستقبلا , على الرغم من ان (لمن تقرع الاجراس) او (الشيخ والبحر) يستحقان ذلك.. ) , ويتوقف ليفيرغانت عند الاسباب التي جعلت القراء السوفيت يهتمون به , ويشير الى انه (.. كان غير اعتيادي بالنسبة لهم , ولا يشبه الادباء السوفيت الذين كانوا يحيطون بهم .... اذ انه يعطي للقراء الحرية الكاملة لتأويل ما يكتبه ...والقراء يحبون ذلك ... ). الكاتب دينيس  دراغونسكي أشار الى ثلاثة اسباب في  الاتحاد السوفيتي لحب همنغواي والاهتمام به – ( ..قبل كل شئ لأن همنغواي كاتب رائع ...استمر بتقاليد تشيخوف ... وثانيا , لأنه كان في الاتحاد السوفيتي نوعا من الجيل الضائع بعد الحرب , والذي توقع حياة اخرى بعد الانتصار ولكنه لم يعثر عليها... واخيرا لأن همنغواي  كان مرتبطا بكوبا وبالحرب الاهلية في اسبانيا , اي بكل هذه الرومانتيكا التي كانت عزيزة بشكل خاص  على قلب الانسان السوفيتي آنذاك...) . الكاتب رومان سينجين لا يرى ان روسيا وحدها كانت مهتمة به ( .. اذ ان همنغواي كان واحدا من أكثر الادباء انتشارا في العالم .. ربما لانه خلق ابطالا يتميزون بالرجولة....) , ويتوقف سينجين عند ( الشيخ والبحر ) ويقول عنها – ( ..انها عمل فني عظيم ...تفاصيل دقيقة وصغيرة ...تحليل نفسي عميق...والرجل العجوز لم ينقذ صيده , لكنه مع ذلك اصبح منتصرا ...ولو جاء بالسمكة كاملة ووضعها على الشاطئ لكان قد جسّد الحلم الامريكي , اما هو فقد جاء فقط بالعظام .... همنغواي فنان حقيقي..) . 

91
اعلان عن مطعم في موسكو
أ.د. ضياء نافع
عندما كنّا ندرس بالاتحاد السوفيتي في ستينات القرن الماضي لم يكن هناك مفهوم الاعلانات ابدا , وأذكر ان الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز أصدر كتابا شهيرا بعنوان غريب , وهو  - ( الاتحاد السوفيتي - 22مليون و400 الف كيلومترمربع بلا اعلان واحد للكوكا كولا) , و الكتاب  هذا يحتوي على صور قلمية حول الاتحاد السوفيتي , وقد اطلعت عليه بالروسية , ولا ادري اذا تم ترجمتة الى العربية , ومن الواضح , ان عدم وجود الاعلانات في الاتحاد السوفيتي آنذاك قد أدهش الكاتب , مما جعله يختار هذه التسمية الغريبة والطريفة جدا لكتابه ذاك . الوضع  قد تغيّر طبعا بالتدريج ومنذ الثمانينات, و الان غزت الاعلانات روسيا الاتحادية من أقصاها الى أقصاها , لدرجة ان هناك نكتة يتداولها الناس في روسيا تقول , ان البرامج التلفزيونية (تعرقلنا!!!) من متابعة الاعلانات  المهمة والضرورية جدا للمشاهدين والاطلاع عليها , وأذكر مرة , ان احد موظفي الملحقية الثقافية السوفيتية زار قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد , وحدّثنا  ( وكان غاضبا جدا )عن اعلان ظهر في التلفزيون الروسي بطله غورباتشوف نفسه, وهو يعلن عن وجبة طعام ( البيتزا) الايطالية لصالح احد المطاعم .
غالبا ما نرى في شوارع موسكو الان اناسا يقفون في الاماكن المزدحمة ويوزعون الاعلانات ( ومن بينهم حتى طلبة أجانب او نساء متقاعدات !) , ويرفض معظم المارة أخذها من الموزعين هؤلاء  ويستمرون بمسيرتهم السريعة دون مراعاة اليد الممتدة اليهم وهي تحمل الاعلان , أما أنا , فاحاول ان استلم منهم الاعلانات , عطفا عليهم وتعاطفا مع مجهودهم اولا , وللاطلاع على تلك الاعلانات ثانيا ولو بسرعة , ثم ارميها بعدئذ في اقرب مكان ممكن , وهذا ما حدث عندما كنت أسير قبل ايام قرب احدى محطات المترو , اذ ناولني شخص اعلانا صغيرا جميلا و ملوّنا , وعندما بدأت بالاطلاع عليه بسرعة , كي أرميه كما افعل عادة , وجدت فيه كلمة بالعربية , فاحتفظت به , وفي البيت بدأت بالاطلاع عليه بامعان , واود ان اتحدث عنه هنا , اذ انه اعلان طريف ويثير عدة قضايا ثقافية ولغوية  ترتبط بواقع روسيا الاتحادية ولغتها الروسية المعاصرة.
الاعلان هذا عن مطعم يحمل اسم مدينة اوزبكستانية ترتبط بالتراث العربي الاسلامي وهي مدينة (بخارى) الشهيرة , واسم المطعم – ( جايخانه ),  والقاموس المعاصر الكبير الروسي – العربي  يعطي معناها كما يأتي – ( مقهى في آسيا الوسطى ), وتحت تلك التسمية في الاعلان توجد صورة تخطيطية لجامع جميل جدا بست منارات متناسقة , وفي مركز هذا التخطيط توجد كلمة ( حلال ) باللغة العربية , ومكتوبة بشكل بارز وواضح تماما ( وهي الكلمة التي لاحظتها عندما القيت النظرة الاولى على الاعلان ), وتحتها بخط أصغر نفس الكلمة باللاتينية – ( هلال ) بالهاء , لعدم وجود حرف الحاء باللاتينية . تحت هذه الصورة توجد نماذج من انواع الطعام مع التسميات بالروسية ( اي ان كلمة الجايخانة تعني مطعم باللغة الروسية المعاصرة , وقد فات ذلك على واضع القاموس الروسي العربي ), و انتبهت الى كلمة ( شوربه ) مكتوبة بالروسية ( حرف الباء بثلاث نقاط) , وبحثت عن هذه الكلمة في القاموس المذكور أعلاه ووجدت معناها كما يأتي – ( حساء من لحم الضأن والرز في آسيا الوسطى ) , ثم يعطي القاموس كلمة ( الشوربة ) ايضا. كنت اعتقد ان كلمة ( الشوربة )  هي مفردة عاميّة , ولكن المعاجم العربية تشير الى انها من ( شرب ) العربية الفصيحة , رغم ان المعجم يوضحها كما يأتي – ( طعام مائع من الرز او العدس او الخضر ) , وقد تذكرت النكتة ( الكلاسيكية !!) عن ( الشاطر والمشطور والكامخ بينهما ) , وضحكت ,  وبدأت أتصور شخصا عربيا يجلس في تلك (الجايخانة  الاوزبيكية في موسكو !) ويطلب من النادل - ( صحنا من طعام مائع من الرز مع قطعة واحدة من الشاطر والمشطور والكامخ بينهما...).
توجد في قائمة الاطعمة تسميات اخرى لم أجد اي اشارة اليها في القاموس الروسي – العربي , مثل –  (لاغمان ) , او (خاشلامه) , او ( جوجفارا ) , وهذا يعني ضرورة العودة الى القاموس الروسي الكبير , او قاموس الكلمات الاجنبية , او موسوعة العلاقات الروسية – الاوزبيكية , او مصادر روسيّة اخرى ....
هذا الاعلان الصغير هو في الواقع وثيقة تثبت ان روسيا هي دولة اوروبية واسيوية بامتياز ( اوروآسيا ) , وانها المزيج النموذجي للحضارتين الغربية والشرقية , وانها دولة متعددة القوميات والاجناس بما لا يقبل الشك , رغم ان اكثرية سكانها من القومية الروسية طبعا , و يثبت ايضا , ان كتاب ابن فضلان العظيم في القرن العاشر عن رحلته اليها من بغداد وسر من رأى باسم الخلافة العباسية  لازال يمتلك قيمته العلمية الكبيرة باعتباره وثيقة صحيحة ومعتمدة في مسيرة تاريخها ...
 

92
صحافيون عراقيون من خريجي الجامعات الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
 استلمت ردود فعل كثيرة حول مقالتي الاولى عن الصحافيين العراقيين من خريجي الجامعات الروسية , ومن بينها , ان كلية الصحافة لا يمكن ان تخلق الصحافيين , لان الصحافة موهبة مثل بقية المهن الابداعية , وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة جدا من وجهة نظري, ولم نتحدث عن ذلك في مقالتنا , وانما ذكرنا مجموعة (من خريجي كلية الصحافة ) برزت في صحافة العراق بعد عودتها الى الوطن . هذه الملاحظة ذكرتني بقول كنت غالبا ما اسمعه من بعض العراقيين حولي عندما كنّا طلبة في موسكو , وخلاصة هذا القول , ان كلية الصحافة هي مكان الذين لا مهنة لهم , ويستشهدون بان كل صحافيو العراق الكبار ليسوا من خريجي كلية الصحافة , بل ان أحدهم  قال لي مرة , انه حتى شهادة الدكتوراه التي يستلمها خريج تلك الكلية في روسيا تشير , الى ان حاملها هو – ( كانديدات العلوم الفيلولوجية , اي دكتوراه فلسفة في علوم اللغات وآدابها ) , ويستنتجون من ذلك , انه لا توجد ( علوم صحافية  بحتة) يمكن ان يدرسها طلاب تلك الكلية , ولو كانت موجودة لأشاروا اليها في الشهادة الجامعية. وقد وجدت مثل هذه المفاهيم في العراق ايضا , اذ غالبا ما كنت اسمع , ان الطلبة في كلية الصحافة والاعلام هم ( بلا مهنة ) , وان الصحافة الحقيقية لا تحتاج الى هذه الاعداد من الخريجين , وانها تنتظر الموهوبين منهم فقط . ان هذه الآراء طبعا تتعارض مع الواقع العلمي , اذ ان اي موهبة ( خصوصا في عصرنا) تحتاج الى المعرفة وصقلها والتعمق بها , والا فانها تضيع في خضم الحياة ( وما أكثر المواهب التي ضاعت  في مجتمعاتنا العربية !),  وان كلية الصحافة باقسامها الاعلامية المتشعبة – ضرورية جدا مثل بقية فروع الدراسات الفنيّة الاخرى مثل الفن التشكيلي (الرسم والنحت) والموسيقى والفنون المسرحية والسينمائية  بفروعها المتشعبة والخ..., شريطة ان يتم القبول في تلك الدراسات كافة ( بما فيها الصحافة ) حسب تعليمات محددة وامتحانات خاصة تختبر مبادئ الموهبة في مراحلها الاولية لدى الراغبين بالالتحاق فيها, ولا مجال هنا للتوسع اكثر .
ومن جملة ردود الفغل على مقالنتا تلك ما قاله لي البعض , بان الاسماء غير كاملة , وذكروا مثلا اسم الدكتور خليل عبد العزيز , الذي انهى الدراسات الاولية والعليا في كلية الصحافة بجامعة موسكو , وأجبتهم , انني حددت في مقالتي اسماء هؤلاء الذين عملوا في صحافة العراق حصرا , وانني كتبت عن د. خليل ونشاطه الاعلامي المتميّز عدة مقالات  , وقد كرر د. خليل عبد العزيز نشر بعض تلك المقالات  في كتابه الموسوعي الموسوم – ( محطات من حياتي ) , وان مسيرة هذا الرجل ونشاطه الاعلامي المتنوع  تستحق دراسة واسعة ومعمقة بلا شك , وقد أعود الى الكتابة عنه لاحقا . وذكر البعض الآخر لي اسم  الزميل كامران قره داغي , الذي برز – كما هو معروف - في صحافة العراق وبشكل متميّز فعلا , وانني لم أشر اليه في مقالتي تلك , فقلت لهم اني اؤيد – وبحرارة - كل ما تقولون عنه . ان كامران صحافي موهوب واصبح  فعلا واحدا من الصحافيين البارزين في العراق بين خريجي الجامعات الروسية , ولكنه لم يتخرّج في كلية الصحافة , وانما هو خريج كلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) في جامعة لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا), وبالتالي , فانه النموذج الذي يثبت ان مهنة الصحافة هي مهنة ابداعية يبرز فيها الموهوبون بغض النظر عن شهاداتهم , علما اني كتبت ايضا عن نشاط كامران  الابداعي عدة مقالات . وجاء اسم الزميل سلام مسافر بين التعليقات حول مقالتنا , وأشاروا الى انه اصبح صحافيا عالميّا الآن , وانه – في أجواء عالميته وشهرته – لازال يحمل راية هموم وطنه الام – العراق , فقلت لهم , ان سلام مسافرقد اضطر ان يهرب من عراق البعث عندما كان صحافيا معروفا بجريدة الجمهورية البغدادية في سبعينيات القرن العشرين , عندما اراد النظام الصدامي ان ( يؤدلج!) الاعلام العراقي  ( جاء اسم سلام مسافر مع مجموعة بارزة من الصحافيين العراقيين الذين نقلوهم من جريدة الجمهورية آنذاك الى اماكن لا علاقة لها بعملهم الصحفي ) , وان سلام مسافر قد تخرّج في كلية الصحافة بجامعة بغداد وليس خريج كلية الصحافة الروسية , اي انه كان صحافيا عراقيا معروفا قبل وصوله الى موسكو, وانه استمر بنشاطه الصحافي رأسا بعد وصوله اليها , وكلنا نتذكر انه كان مندوبا نشيطا جدا لاذاعة مونتي كارلو من موسكو لسنوات طويلة .
اضطررت الى تكريس هذه الحلقة من مقالتنا حول الصحافيين من خريجي الجامعات الروسية الى ردود الفعل هذه , واتمنى العودة قريبا الى اكمال الحديث عن الاسماء التي أشرنا اليها في الحلقة الاولى , اذ اننا تحدثنا عندها فقط عن جلال الماشطة , ولم نتناول بقية الاسماء , وهم - سعود الناصري وسلوى زكو ومحمد عارف...

93
أدب / اصوات اخرى
« في: 12:58 27/07/2019  »
اصوات اخرى
=========

قصيدة للشاعرة الروسية المعاصرة فالنتينا بوروفيتسكايا
=================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
========================

 اصوات اخرى.
اوقات اخرى.
وروحي 
 في هذا اليوم الصيفي -
هادئة
ومتكاملة.
+++
لكن,
 ما ان أتذكر للحظة
انك موجود في مكان ما
من هذا العالم -
فان موجة برد قارس
تخترق قلبي..
========================================================================
من ديوان الشاعرة الروسية فالنتينا  بوروفيتسكايا الموسوم – (شعر) , الصادر بموسكو العام 2009 . القصيدة في الاصل بلا عنوان , وعنوانها هنا من وضعنا .
 ض.ن.

94
انطباعات عن جلسة عراقية في موسكو
أ.د. ضياء نافع

تلقيت دعوة كريمة من مجموعة عراقية في موسكو ترتبط بالحزب الشيوعي العراقي  لحضور ندوة تعقد في موسكو للاحتفال بالذكرى الحادية والستين لثورة 14 تموز 1958 , وقد حضرتها طبعا و بكل سرور , من اجل ان التقي مع زملاء واصدقاء قدامى لي منذ ايام الدراسة , ومن اجل ان استمع الى آراء حول هذا الحدث الكبير في تاريخنا العراقي الحديث . واود ان اسجل هنا للقارئ انطباعاتي حول تلك الندوة , واطرح بعض الافكار التي استمعت اليها , والتي أدلى بها بعض المشاركين في تلك الندوة العراقية البحتة ونحن نجلس في موسكو , وتحت امطارها الصيفية التموّزية ونتذكر ( امطار!!) ذلك التموّز العراقي العاصف من عام 1958 عندما حدث ما حدث ...
شاهدنا في البداية مقاطع من لقطات تاريخية عن مسيرة تلك الاحداث ورجالاتها, اللقطات التي انتهت بذلك المنظر التراجيدي الرهيب والمؤلم لعبد الكريم قاسم وصحبه وهم يرقدون على الارض بملابسهم العسكرية الكاملة مضرّجين بالدماء ( بعد رميهم بوابل من الرصاص ) وخلفهم كراسي قديمة فارغة وباهتة تحدّق بهم في تلك الغرفة البائسة , التي تقع في بناية اذاعة وتلفزيون بغداد , وهي الصورة التي نشرتها في  شباط/ فبراير 1963 معظم صحف العالم تقريبا , وتذكرت كيف انني شخصيا – عندما كنت طالبا آنذاك - اشتريت من الكشك الخاص لبيع الصحف الاجنبية في جامعة موسكو جرائد فرنسية وانكليزية والمانية وايطالية واسبانية لدرجة ان بائعة الصحف استغربت وسألتني – كم لغة تعرف ؟ فنظرت اليها صامتا ومبتسما بألم وأسى ولم أقل  لها شيئا , وكان بودي ان اقول لها – اعرف لغة واحدة فقط هي لغة الحزن , التي لازلنا ولحد الان نتكلم بها في العراق مع الاسف الشديد. وتذكرت ايضا , كيف اننا – نحن الطلبة العراقيين في جامعة موسكو آنذاك – حاولنا الاتصال تلفونيا بوكالة انباء تاس السوفيتية  في اليوم الاول لانقلاب 8 شباط الاسود لمعرفة آخر الانباء عن الشئ الذي يجري في بغداد الحبيبة, وبعد التي واللتيا من جانب وكالة الانباء تلك واستفساراتها المتنوعة و التفصيلية عن المتكلّم , قالوا لنا – نعم , حدث انقلاب مضاد لعبد الكريم  قاسم في العراق وانهم يتابعون الاخبار وسوف يعلنونها لاحقا بعد التأكّد من حقيقة احداثها و..و.. و .و ..و
بعد ذلك العرض التلفزيوني الوجيز والمعروف طبعا , ابتدأت وقائع تلك الندوة الفكرية, والتي قالوا لي عنها  , انك تشبه مشجّعا متحمّسا للعبة كرة القدم الذي يذهب الى الملعب لمشاهدة لعبة يعرف  مسبقا نتائجها بالضبط , وقد ضحكت انا وقلت لهم , نعم هذه صورة فنية دقيقة و صحيحة , اذ ماذا يمكن فعلا ان يقول الشيوعيون العراقيون وغيرهم من القوى الوطنية الاخرى عن ثورة 14 تموز بعد مرور (61 ) سنة من حدوثها , لكني – مع ذلك –  سأذهب الى تلك الندوة , كي  ابحث عن نقاط ونواعم جديدة (او شبه جديدة) في ركام الكلام القديم و العتيق الذي سوف استمع له حتما , وذلك لان عملية البحث هذه في الركام القديم للكلمات بحد ذاتها تمنح الانسان بعض السكينة و السلوان وسط حياتنا اليوميّة الصاخبة الان . وهكذا استمعت – صامتا - بانتباه وامعان شديدين الى كل الكلمات والتعليقات التي وردت في تلك الندوة عن ثورة 14 تموز العراقية, رغم اختلاط الحابل بالنابل بعض الاحيان لدرجة باني لم اسّتطع أن أميّز بين كلام ( الحابلين والنابلين!) في تلك اللحظات المتشابكة, ولكن يجب القول انها كانت لحظات قليلة  نسبيا , مقارنة مع طبيعة الجلسات العراقية عموما . واودّ هنا ان أذكر رأسا , اني وجدت تلك النقاط والنواعم الجديدة , التي كنت أبحث عنها, ومن بينها , تلك القصّة الجديدة فعلا , التي رواها زميلنا ضياء العكيلي ( ضيف الندوة ) عن اللقاء الذي حضره  مع عبد الكريم قاسم بعد محاولة اغتياله الشهيرة عام 1959 , اذ رافق ضياء أخيه الاكبر عبد الامير العكيلي , المستشار القانوني لقاسم آنذاك , وسمع من الزعيم قوله , انه لا يتفق مع آراء عبد الامير العكيلي بشأن تفسيره للقوى التي قامت بمحاولة اغتياله , وقال قاسم للعكيلي ما معناه , ان تفكيره يشبه تفكير المهداوي , وقد وجدت في هذه القصة الحقيقية فعلا تأكيدا جديدا على سذاجة هذا الرجل النظيف والعفيف , والتي كانت مصائر العراق كلها بيده تقريبا, الرجل الذي لايزال الشعب العراقي يقارنه بحكامه كافة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد الان ولا يجد شبيها له ( لا من قريب ولا من بعيد ) من حيث النزاهة والاخلاص والعفّة , الرجل الذي حتّى الاعداء يقولون عنه انه كان نزيها و عفيفا . ولابد من الاشارة الى بعض الافكار العميقة , التي تم طرحها في الندوة , رغم انها مكررة , مثل تحديد الحدث , وهل هو ثورة ام انقلاب , وهو الموضوع الذي تكلم حوله د. ابراهيم الخزعلي , والذي أثار ردود فعل متباينة جدا , بحيث لم يتسع المجال للخزعلي حتى ان يجيب عن تلك الآراء حول ذلك , او الصورة التي رسمها د. فالح الحمراني لعبد الكريم قاسم من وجهات نظر بعض الباحثين في كتبهم حول قاسم , وهناك طبعا مسائل اخرى مهمة ترتبط مع المفاهيم الماركسية المعروفة, منها مثلا , هل غيّرت ثورة 14 تموز من طبيعة القوى المنتجة في المجتمع العراقي , او , الاصلاح الزراعي ومسيرته ....الخ
لا يمكن لندوة عامة ان تتسع لكل القضايا المرتبطة بهذا الحدث الكبير , خصوصا بعد كل هذه الفترة الطويلة , لهذا , ومن اجل التعمق في دراسة هذا الحدث , يجب تحديد موضوع دقيق ليكون محور الندوة الفكرية , ويجب التهيئة المبكرة لها , كي تكون الكلمات موضوعية ومعمّقة , وليست انطباعات عامة او ذكريات ذاتية ليس الا , ومع ذلك , فقد كانت الندوة بشكل عام ناجحة ومفيدة للتذكير (  والتفكير ايضا ) باحداث عراقنا الجريح , والذي لازال ينزف ...

95
ماياكوفسكي وبوشكين
أ.د. ضياء نافع
 لم يعترف ماياكوفسكي بالاسماء الكبرى في تاريخ الادب الروسي في بداية طريقه الادبي , مثل بقية الادباء الذين كانوا ينتمون الى تيّار أدبي وفني برز في بداية القرن العشرين بروسيا وهو – ( الفوتوريزم ), اي ( المستقبلية ) , ولا مجال هنا طبعا للحديث عن هذا التيّار ومكانته في مسيرة الادب والفن في روسيا . كان ماياكوفسكي متحمسا جدا لتلك الآراء , ومتطرفا كالعادة في مواقفه الحادة , ولهذا فقد رفض حتى بوشكين , انطلاقا من ضرورة التخلص من الماضي, والارتباط مع الحاضر فقط , والانطلاق منه نحو المستقبل. لقد دعى ماياكوفسكي في تلك الفترة المبكرة من مسيرته الابداعية الى (...اسقاط بوشكين من منصة العصر الحديث وخلعه والاطاحة به..) , وهذه الكلمات موثّقة ومنشورة في المصادر الروسية عن ماياكوفسكي وعن تيّار المستقبلية وأنصارها عموما . وأذكر ان أحد أصدقائي من الطلبة الروس , الذي كان يدرس معي في جامعة موسكو في الستينيا ت , والذي كان معجبا جدا بماياكوفسكي , قال لنا مرة , انه قرأ حول تلك الفترة من مسيرة ماياكوفسكي ما معناه , ان ماياكوفسكي كان يرغب ان يقود بوشكين الى جدار ويوقفه عند ذلك الجدار ويعدمه رميا بالرصاص , ولازلت أتذكر الاشمئزاز والامتعاض والاستهجان الذي ساد  عند جميع الطلبة من الذين كانوا يستمعون الى ذلك الحديث آنذاك , وقد علّق أحد المستمعين عندها قائلا – طبعا اراد ماياكوفسكي ان يعدم بوشكين لانه كان يرغب ان يخلق اوزانا موسيقيّة جديدة ومبتكرة من قبله  في مسيرة الشعر الروسي , ولكن بوشكين العظيم كان له بالمرصاد , ولم يسمح له بتاتا بذلك , رغم ان بوشكين عاش ومات قبل ماياكوفسكي بقرن كامل من الزمن . وفي تاريخ الادب الروسي توجد حادثة طريفة ( سبق لي ان تحدثت عنها تفصيلا في احدى مقالاتي القديمة ببغداد السبعينات حول ماياكوفسكي ) , واعيد ملخّصها الان , وهي ان لينين حضر في احدى مؤتمرات الشباب السوفيتي مرة , وسألهم – ( هل تقرأون شعر بوشكين؟) , فأجابوه –  كلا , نحن لا نقرأ شعر البرجوازي بوشكين , وانما نقرأ شعر البروليتاري  ماياكوفسكي , فاجابهم لينين مبتسما بجملته الشهيرة والواضحة وضوح الشمس كما يقول تعبيرنا العربي الجميل , اذ قال – لكن شعر بوشكين أفضل .
موقف ماياكوفسكي من بوشكين بدأ بالتغيّر تدريجيا , اذ انه صرّح برغبته ( الاطاحة !) ببوشكين في عام 1912  ( ولد ماياكوفسكي العام 1893 ) , ومن الواضح تماما , ان مثل هذه (الاقوال!) يطلقها عادة الشباب الغض المتطرف في كل زمان ومكان  ( قالها عن بوشكين ايضا بازاروف – بطل رواية تورغينيف الآباء والبنون ) . ان الآراء الفكرية و المواقف المرتبطة بها, مثل كل البشر, تنضج وتتطور وتتغيّر بمرور الايام والشهور والاعوام  , وهذا ماحدث طبعا مع ماياكوفسكي , الذي كتب العام 1924 , اي بعد 12 سنة من أقواله المتطرفة تلك , كتب قصيدة طويلة جدا وجميلة ومكتوبة طبعا باسلوب ماياكوفسكي و بعنوان – ( اليوبيلية ) , وهي مكرسّة للذكرى ( 125 ) لميلاد بوشكين , وتوجد اشارة في المصادر الروسية الى ان ماياكوفسكي كتب هذه القصيدة وكان الشاعر ماندلشتام يقرأ له رواية بوشكين الشعرية – ( يفغيني اونيغين ) , رغم ان ماياكوفسكي – كما تشير تلك المصادر نفسها – كان يعرفها عن ظهر قلب تقريبا.
لم يصل ماياكوفسكي طبعا الى قصيدته عن بوشكين تلك رأسا , اذ ان آراء المستقبليين وغيرهم من الشباب المتطرف حول ( الاطاحة!) بالتراث الادبي الروسي ( بما فيهم تولستوي ودستويفسكي ايضا ) اصطدمت واقعيا بموقف الناس الطبيعي والسليم دائما من ذلك التراث العظيم , بل ان موقف لوناتشارسكي , وزير التعليم والثقافة السوفيتي الاول ( انظر مقالتنا بعنوان  - لوناتشارسكي الفيلسوف والاديب والوزير) من ذلك التراث كان مضادا كليا لتلك الآراء المتطرفة تجاه رفض التراث , وقد بدأ موقف ماياكوفسكي من بوشكين يتغيّر , اذ أعلن انه ضد تحويل بوشكين الى تمثال , اي الى مفهوم ( الصنم!) ان صح التعبير , وانما هو ( اي ماياكوفسكي) مع التفاعل الحيوي والحياتي بشعر بوشكين , وقد كتب ماياكوفسكي في قصيدته الجميلة تلك كل ما اراد ان يقوله عن بوشكين  –
أنا الوحيد / الذي يأسف / لانك لست حيّا / ....... احبك / لكن حيّا / وليس مومياء .......
 

96
نقاط وجيزة عن غوركي
أ.د. ضياء نافع
اطلعت على مقالة طريفة جدا بالروسية عنوانها – ( مئة حقيقة عن غوركي ) , مقالة ذكرّتني رأسا بالقول العربي  الذكي والدقيق – ( ما قلّ ودلّ). تتضمن تلك المقالة مئة فقرة وجيزة  ومختصرة جدا  حول حياة غوركي وابداعه , وقد كتبها – كما هو واضح -  متخصصون في تاريخ ومسيرة هذا الاديب الروسي الكبير , ووجدت في تلك المقالة وقائع وحقائق وآراء مختلفة ومتنوعة جدا, قسم منها يتناول وقائع معروفة عن غوركي ولكنها منسية الى حد ما ولم تعد مثيرة للقارئ رغم اهميتها, وقسم يرتبط بحياة غوركي وابداعه ولكنه يثير نقاشات عديدة ويتطلب اثباتات وبراهين و تحديد مصادر دقيقة حول ما ورد في تلك الوقائع , واود هنا ان استعرض للقارئ العربي  بشكل عام بعض تلك الفقرات ليس الا , التي جاءت في هذه المقالة واعلق عليها من وجهة نظري , واظن , ان عرض تلك الفقرات ومناقشتها ربما سيكون مفيدا (وممتعا ايضا) للقارئ العربي , الذي يجب عليه – بلا شك -  ان يطلع على آراء القراء و الباحثين الروس المعاصرين حول أديب مثل غوركي , وذلك لأن هذا الكاتب الروسي  قريب جدا من  اجواء القارئ العربي ونفسيته نتيجة عوامل آيديولوجية معروفة في مسيرة مجتمعاتنا العربية.
الوقائع الاولى في هذه الفقرات ( والتي أشرنا اليها في اعلاه على انها معروفة ولكن منسية ) تتمحور حول اسمه الحقيقي ( بيشكوف) , وانه اصبح يتيم الاب والام عندما كان عمره 11 سنة , وانه اضطر ان يمارس مختلف المهن , ومنها غسل الصحون في المطاعم , وان تعليمه يرتبط بمدرسة مهنية ليس الا , وان اسم (غوركي) الذي يعني ( المرّ) ظهر لاول مرة عام 1892 في احدى الصحف المحلية . بعد ذلك تأتي الفقرات التي نريد ان نتوقف عندها ونعلق عليها بشكل او بآخر , مثلا , ان غوركي كان يقرأ بسرعة 4 ألف كلمة في الدقيقة الواحدة , وهي معلومة جديدة لم يسبق لنا الاطلاع عليها , اذ انها ترتبط باتجاه جديد نسبيا يسمى – ( القراءة السريعة) ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين (اي بعد وفاة غوركي عام 1936 ), ويخضع هذا الاتجاه  لقوانين وقواعد وضوابط محددة وصارمة , ولا تشير تلك الفقرة الى مصدر هذه المعلومة الجديدة والطريفة عن غوركي . توجد فقرة تشير , الى ان دماغ غوركي تم انتزاعه بعد تشريحه وتم الاحتفاظ به لغرض دراسته لاحقا من قبل المختصين , ومن المعروف ان دماغ لينين خضع ايضا لمثل هذه العملية , وهي طريقة كانت متّبعة في الاتحاد السوفيتي , ولكنها لم تسفر عن نتائج عملية وعلمية واضحة , وقد تركوها بعد فترة .
 هناك فقرة اخرى تثير النقاش( وخصوصا للقارئ العربي) حول علاقة غوركي بلينين, اذ تشير الى ان غوركي كان غالبا ما ينتقد سياسة لينين . ان المفهوم السائد في الوعي الاجتماعي العربي يؤكد على ان هناك تجانس هارموني بين افكار لينين وغوركي , وان كلاهما كانا يسعيان الى تحقيق هدف واحد وهو الثورة ( وهو رأي سوفيتي معروف ), ولكن هذه الفقرة تتناقض مع ذلك المفهوم . لا يوجد مصدر محدد ودقيق في تلك المقالة على ما جاء في الفقرة هذه , وعلى الرغم من ان القارئ العربي بعيد نسبيا عن الافكار المعاصرة السائدة في روسيا اليوم , الا ان هذا القارئ سيندهش من هذه الفقرة فعلا . ان العلاقة بين غوركي ولينين مسألة لم يتناولها الباحثون العرب بشكل متكامل , اما القارئ الروسي فلم يعد مهتما بها كما كان الامر في الاتحاد السوفيتي , واتمنى ان تسمح ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع وكتابة اضاءة حوله , اذ انه لازال موضوعا مهمّا للقارئ العربي. هناك فقرة في تلك المقالة عن ستالين تقول , ان غوركي كان الكاتب المفضّل لستالين , وهي فقرة عامة جدا , اذ ان ستالين كان يتابع نتاجات الادباء السوفييت كافة , وتشير كل المصادر الروسية الى ان ستالين كان يرى في غوركي الكاتب الوحيد الذي يصلح ان يكون رئيسا لاتحاد الادباء السوفيت في حينه , والذي يمكن ان يوحدهم , وبشكل عام , فان علاقة غوركي وستالين تستحق ايضا كتابة خاصة وموسّعة . في ختام هذا العرض نود التوقف عند فقرة مهمة جاءت في تلك المقالة , وهي تخص مصطلح ( الواقعية المثالية ) . تقول الفقرة , ان غوركي قد طرح مسائل ترتبط بمفهوم (الواقعية المثالية) , اي ان غوركي لم يطرح مفهوم الواقعية الاشتراكية , التي تبناها المؤتمر التأسيسي الاول لاتحاد الادباء السوفيت عام 1934 المشهور , هذا المصطلح الذي اصبح شائعا في آداب الشعوب السوفيتية , وفي اوساط الادب اليساري في العالم ايضا , بما فيه عالمنا العربي طبعا . ان مفهوم الواقعية الاشتراكية اصبح الان مسألة ترتبط بالماضي ليس الا , ولم تعد مطروحة بتاتا في عالم الادب والفن الروسي منذ سبعينيات القرن العشرين , اي عندما كان الاتحاد السوفيتي موجودا , وقد تناولت المصادر الروسية المعاصرة موقف غوركي من ذلك المفهوم , الذي تم فرضه واقعيا في الاوساط الحزبية السوفيتية . وموضوع الواقعية الاشتراكية في عالمنا العربي جدير طبعا بدراسته و التوقف الموضوعي الهادئ عنده .
مكسيم غوركي – واحد من عمالقة الادب والفكر الروسي , وابداعه لايزال بحاجة الى دراسات  جديدة و معمقة لسبر غور ذلك الابداع وفهم ابعاده, واتمنى ان تكون ملاحظاتنا الوجيزة هذه مساهمة متواضعة في التأكيد على ذلك . 
   

97
المنبر الحر / بيكاسو و روسيا
« في: 12:32 13/07/2019  »
بيكاسو و روسيا
أ.د. ضياء نافع
في العام 1908 كان بيكاسو ( الذي ولد في اسبانيا العام 1881 ) شابّا فقيرا ومجهولا وعاشقا ( كعادته طبعا !) , وكان يعيش (بعد انتقاله الى فرنسا) مع حبيبته فيرناندا اوليفيه في غرفة بمنطقة  مونمارتر الباريسية ( مكان الرساميين ومقرهم في باريس لحد الان ), و تقع تلك الغرفة اسفل الطابق الارضي في البناية , اي ( سرداب ), وهناك كان مسكنه ومرسمه . زاره  صديقه الفرنسي الشاب هنري ماتيس ( الذي سيصبح رساما عالميا ايضا ) ومعه رجل يهوى جمع اللوحات الفنية اسمه سيرغي شوكين , وهو روسي , والذي اعطى تقييما دقيقا وصحيحا لابداع هذا الرسّام الشاب الاسباني , واشترى منه لوحتين بسعر كان يعدّ خياليا في ذلك الوقت . واستمر الروسي شوكين بزيارة مرسم بيكاسو الى عام 1914 , و اصبح زبونا دائما له, واشترى منه خلال هذه الفترة 50 لوحة ( والكثير منها الان يعتبر من  ضمن اللوحات المتميزة والشهيرة لبيكاسو) . وهكذا استطاع بيكاسو الانتقال الى منطقة مونبرناس وشغل مرسما واسعا وجديدا بفضل هذا الزبون الروسي . وليس عبثا , ان الباحثين الروس يعتبرون هذا ( التعارف!) بين بيكاسو و شوكين هو نقطة مهمة جدا في تاريخ العلاقات الوديّة ( ان صح التعبير ) بين بيكاسو وروسيا طوال حياته . ويتحدث الباحثون الروس ايضا عن الزوجة الاولى لبيكاسو , وهي راقصة الباليه الروسية اولغا خوخلوفا , التي تزوجها بيكاسو العام 1918 , واستمر زواجهما حوالي عشر سنوات ( رغم انهما رسميا كانا يعتبران  متزوجين الى عام 1955 ) , وهي التي ولدت له اول طفل في حياته , ويعتبرون زواجه هذا عاملا مهما ايضا في تعميق تلك العلاقات الروحية بين بيكاسو وروسيا .
كان لبيكاسو علاقة مع الكثير من فناني المسرح الروسي , الذين كانوا يزورون باريس , وكذلك مع الادباء والشعراء الروس , ولعل ابرز تلك الاسماء كان المخرج المسرحي الشهير ميرخولد , الذي قدّم العام 1930 في باريس مسرحية غوغول المعروفة – ( المفتش ) , ويقال , ان بيكاسو كان يتابع كل تلك العروض بشكل دائم تقريبا, و حتى انه اراد ( اي بيكاسو ) ان يشترك مع هذا الفنان الروسي بتقديم  مسرحية ( هاملت ) على خشبة المسرح , الا ان السلطات السوفيتية آنذاك لم تسمح بهذا التعاون الفني بينهما, وعندما تم اعدام المخرج المسرحي الكبير ميرخولد العام 1940 من قبل الاجهزة الامنية في روسيا السوفيتية ( تم اعادة اعتباره بعد وفاة ستالين) , صرح بيكاسو , انه يعدّ هذه العملية الرهيبة ( ضربة هائلة له شخصيا ).
ومن بين الشخصيات الروسية البارزة في العلاقات مع بيكاسو هو الشاعر ماياكوفسكي , وقد تعارفا العام 1922 . كان ماياكوفسكي من المعجبين بفن بيكاسو اعجابا شديدا , وكتب عنه  مرّة قائلا , ان بيكاسو هو –  ( ...أكبر الفنانين التشكيليين حجما وأهميّة .. في الفن التشكيلي العالمي ..) , وبيكاسو بدوره كان معجبا ايضا بماياكوفسكي , وقال عنه , انه معجب به لأن ماياكوفسكي  لا يخضع لمسيرة التاريخ , وانما يحاول ان يساهم في عملية خلقه و صياغته.
وعند الكلام عن بيكاسو وروسيا , يجب التوقف عند ايليا ايرنبورغ حتما , والذي تمتد صداقته مع بيكاسو اكثر من نصف قرن . ان العلاقة بين بيكاسو وايرنبورغ تعدّ موضوعا قائما بحد ذاته في تاريخ الفكر الروسي  , وتوجد فعلا عدة دراسات تفصيلية عن هذا الموضوع باللغة الروسية , حيث يتناول الباحثون الروس ما كتبه ايرنبورغ في مذكراته الشهيرة , والتي صدرت بعدة مجلدات تحت عنوان – ( الناس , السنوات , الحياة ) . لقد ساهم ايرنبورغ  مساهمة شجاعة جدا وذكية في تقديم بيكاسو بصورة صحيحة وموضوعية للجمهور السوفيتي , الذي كان يخضع للرأي  (الرسمي !) السائد في الاتحاد السوفيتي آنذاك عن ( البرجوازي المعادي للفن الواقعي ) , هذا الرأي المتزمت والصارم والعنيف , الذي استطاع حتى ان يغلق العام 1948 متحف الفن الغربي في موسكو .
 ان مرحلة ( ذوبان الجليد ) في الاتحاد السوفيتي , التي حدثت بعد وفاة ستالين (1953) قد ساعدت – بلا شك - على اعادة النظر في الآراء المتزمتة التي كانت سائدة عندئذ , ومنها الموقف من بيكاسو طبعا, وهكذا تم افتتاح معرض خاص له العام 1956 في موسكو , وكانت تتصدره لوحته عن ( حمامة السلام ) , هذه اللوحة الشهيرة التي اصبحت رمزا لحركة السلام العالمي ( المرتبطة كما هو معروف بالحركة الشيوعية العالمية) , وهكذا حصل بيكاسو حتى على جائزة لينين للسلام العالمي , واصبح اسم بيكاسو ولوحاته واقعا طبيعيا في الحياة الفنية السوفيتية آنذاك , ثم استمر هذا الوضع وتطوّر لاحقا في روسيا الاتحادية طبعا .
بيكاسو في روسيا الان – جزء لا يتجزأ من الفن التشكيلي العالمي , جزء رائع الجمال والابداع والابتكار ...   

98
أدب / انتهى كل شئ , ولكن..
« في: 21:21 10/07/2019  »
  انتهى كل شئ , ولكن..
===============

قصيدة للشاعرة  الروسية المعاصرة  فالنتينا  بوروفيتسكايا
=================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=======================

وهكذا,
 كل شئ
 قد انتهى.
انهارت حلقة الايادي
وعناق الايادي.
أمّا أنا,
فما زلت
كما كنت -
احب وجهك.
+++
 اريد ان انساك,
ولكنك
 في الليالي
 تأتي اليّ,
ومبتسما
 -في عتمة الليالي -
 تنظر اليّ..
======================================================================
من ديوان فالنتينا بوروفيتسكايا بعنوان – ( شعر ) , الصادر في موسكو العام 2009 , والقصيدة في الاصل بلا عنوان , والعنوان هنا من وضعنا ....... ض.ن.

99
صحافيون عراقيون من خريجي الجامعات الروسية
أ.د. ضياء نافع
هم ليسوا بكثيرين , هؤلاء الذين درسوا في كليات الصحافة بالجامعات الروسية  وحصلوا على شهاداتها , وعمل قسم منهم  في الجامعات وبرزوا فيها, ولكننا نريد التوقف هنا عند بعض الاسماء العراقية المختارة بينهم , الاسماء التي برزت في العمل الصحفي التطبيقي بالذات , اي اصبحوا صحافيين محترفين فعلا بعد تخرجهم في تلك الجامعات , وهؤلاء هم - وحسب حروف الهجاء – كل من  المرحوم  د .جلال الماشطة  والمرحوم سعود الناصري  و د. سلوى زكو و محمد كامل عارف . ان كل واحد من هؤلاء الصحافيين  يستحق ان نكتب عنه مقالة تفصيلية خاصة به , كي نوفيه حقه ونتحدث بشكل موضوعي  وشامل عن مكانته ونشاطه الصحفي الابداعي , ونرسم للقارئ صورة متكاملة  عن دوره في مسيرة الصحافة والاعلام . ونبدأ بالمرحوم د. جلال الماشطة , ونقدم للقارئ موجزا  عن مسيرته الصحفية الحافلة , ونأمل ( عندما تسمح ظروفنا ) ان نعود لاحقا للحديث عن الاسماء الاخرى من هؤلاء الخريجين الكبار في كليات الصحافة من الجامعات الروسية , الاسماء اللامعة في دنيا الصحافة العراقية والعربية ايضا .
نتوقف عند اسم المرحوم د. جلال الماشطة . قصة جلال مع الصحافة طريفة جدا ,اذ لم يصل اليها رأسا , فقد درس اول الامر في معهد  الطاقة مع أخيه صلاح الماشطة ( صديق العمر بالنسبة لي منذ 1959 ولحد الان ) , وكان طالبا متقدما في دراسته تلك , وكان واضحا انه سيكون مهندسا كهربائيا ناجحا , الا انه بدأ منذ دراسته في معهد الطاقة بالميل ( بفتح الياء) نحو الادب  واللغة والعلوم الانسانية عموما, وأخذ يقترب من جماعات طلابية عراقية كانت تهوى الادب والفكر , وقد ساعدت معرفته العميقة للغة الروسية على هذا التوجّه الادبي , وهكذا اصبح هذا النشاط الهاجس الاساسي بالنسبة لجلال لدرجة , انه بدأ يشعر بالندم لانه اختار دراسة لا تتناسق  وهوايته هذه وميوله الفكرية , بل - و يمكن القول-  حتى مع طموحه الشخصي, وهكذا وصل الى قرار شجاع سيغير مجرى حياته , وهو – ترك معهد الطاقة والانتقال الى الدراسة في كلية الصحافة رغم كل تلك السنين الناجحة دراسيا في ذلك المعهد . وقد كلّفه هذا القرار الرجوع الى العراق والعودة ثانية الى موسكو للبدء بتلك المسيرة الجديدة , ونجح بتحقيق رغبته رغم كل الصعوبات الهائلة التي عانى منها نتيجة لهذا القرار, الصعوبات  الادارية والبيروقراطية ومواقف الآخرين وتدخلاتهم و ( سيل نصائحهم !), ويمكن القول الان – وبكل ثقة – ان جلال حقق آنذاك اول نصر باهر وكبير في حياته الشخصية , اذ انه اكتشف نفسه , وعلى اساس هذا الاكتشاف أخذ يبني مستقبله . وهكذا بدأ جلال بالسير في طريق الترجمة , مستخدما معرفته العميقة للغة الروسية , واصبح واحدا من ألمع المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي ( انظر مقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي ) , وتخرج في الوقت نفسه في كلية الصحافة بجامعة موسكو( حصل بعدئذ على شهادة الدكتوراه في الصحافة والاعلام ) , ثم اصبح مدير مكتب صحيفة الحياة في موسكو , وهكذا دخل عالم الصحافة من اوسع ابوابه , وبرز اسمه في هذه الصحيفة  اللندنية الشهيرة باعتباره صحافيا موهوبا  يغطي ما يجري في موسكو من احداث تخص مسيرة الاتحاد السوفيتي والعالم العربي . وعاد جلال الى العراق رأسا بعد الاحتلال الامريكي و سقوط نظام صدام , وتفاعل مع الاحداث السياسية الكبيرة المعروفة باعتباره صحافيا مرموقا , واصبح رئيس تحرير صحيفة ( النهضة ) البغدادية , والتي كانت واحدة من اوائل الصحف الجديدة الواسعة الانتشار بين القراء العراقيين في تلك الفترة , ثم انتقل جلال بعدئذ للعمل في الاذاعة والتلفزيون واصبح المسؤول الاول في تلك المؤسسة الاعلامية المهمة , ثم استقال احتجاجا على بعض الاعمال التي حدثت فيها , ثم اصبح مستشارا ثقافيا للرئيس جلال الطالباني , واخيرا  اصبح  سفيرا للجامعة العربية في موسكو , ولكنه رحل  مبكرا عن الحياة مع الاسف الشديد نتيجة مرضه , وتم دفنه في موسكو.
جلال الماشطة ومسيرته الصحفية الحافلة تصلح ان تكون موضوعا للبحث في علم الصحافة بشكل عام , وفي تاريخ الصحافة العراقية بشكل خاص , موضوعا يمكن ان يكون كتابا خاصا او اطروحة جامعية للماجستير اوالدكتوراه , اذ ان مسيرته الثقافية في دنيا اللغات و الترجمة والصحافة وصولا الى المناصب الرفيعة التي شغلها تعني الحديث عن هؤلاء العراقيين الموهوبين , الذين شقّوا طريق نجاحاتهم بعملهم الذاتي البحت , عملهم العنيد والدؤوب, والذين استطاعوا اكتشاف طاقاتهم الابداعية  و استخدموها  للوصول الى اهدافهم .

100
غوغول استاذا جامعيا
أ.د. ضياء نافع
كان غوغول تدريسيا في جامعة بطرسبورغ العريقة للفترة من ايلول/ سبتمبر العام 1834 والى نهاية العام 1835 ( ولازالت صورته لحد الان موحودة على جدران تلك الجامعة  ضمن صور اساتذتها المشهورين والمتميزين ,المعلقة في الممر التاريخي الكبيرفيها , وقد رأيتها شخصيا عند زيارتي لتلك الجامعة ), و كان يلقي محاضرات للطلبة في التاريخ, وفي تلك الجامعة قدّم غوغول  محاضرته الشهيرة عن الخليفة العباسي المأمون , المحاضرة التي استمع اليها آنذاك بوشكين وجوكوفسكي , والتي قال عنها بوشكين رأسا - ( انها ممتعة!) , ونتوقف في مقالتنا هذه عند بعض تفصيلات هذا العمل التدريسي, الذي مارسه غوغول , وهو – من وجهة نظرنا - موضوع طريف وغير اعتيادي بتاتا في تاريخ الادب الروسي وخصوصا للقارئ العربي ( رغم ان هذا القارئ يعرف محاضرة غوغول عن المأمون , التي ترجمها بشكل رائع صديقي وزميلي في الدراسة كامران قره داغي في السبعينات ببغداد , وتناول هذه المحاضرة بعض الباحثين العرب ايضا عندما كتبوا عن الموضوعة العربية في الادب الروسي ) , ونحاول ( محاولة ليس الا ) ان نعرض في مقالتنا هذه جانبا شبه مجهول في سيرة حياة هذا الاديب الكبير في تاريخ الادب الروسي و العالمي طبعا , و نحاول ايضا ان نجبب عن سؤال -  هل كان غوغول يصلح ان يكون استاذا جامعيا في جامعة بطرسبورغ  , ولماذا لم يستمر في عمله الجامعي آنذاك ؟
تحدثت بعض المصادر الروسية عن فترة عمل غوغول في الجامعة , وأشارت هذه المصادر الى السمعة العامة عنه ( ان صحّ التعبير) , والتي كانت تتمحور في انه  كان (محاضرا  ضعيفا ) , وانه لم يكن ملتزما في الدوام ولم يخضع لضوابطه الدقيقة  كما يجب في الجامعات عموما  , بل ان بعضهم تحدث عن تأخّره حتى عندما حضر بوشكين وجوكوفسكي للاستماع الى محاضرته عن الخليفة المأمون , رغم انه كان يعرف بانهما سيأتيان خصيصا للاستماع الى محاضرته تلك . وكتب تورغينيف في مذكراته عن غوغول المدرّس في الجامعة قائلا – ( ... انه كان يتكلم همسا , وجمله غير مترابطة , وان الجميع كان متفقا انه لا يفقه في التاريخ , وان غوغول المدرّس لا يمتلك اي شئ مشترك مع غوغول الاديب والكاتب ..) , وجملة تورغينيف هذه تحتوي على خلاصة دقيقة لتلك الآراء العامة في الاوساط الروسية حول عمل غوغول في الجامعة , الا ان بعض الباحثين يرون , ان غوغول المدرّس هو نفس غوغول في الادب , اي انهم غير متفقين مع تورغينيف , الذي ذكر , ان ( غوغول المدرّس لا يمتلك اي شئ مشترك مع غوغول الاديب والكاتب ) , ويبررون هذا الرأي بالتأكيد على ان غوغول كان يمزج الواقع والخيال معا ( وبشكل رائع ومدهش الجمال ) في نتاجاته الادبية وابداعه , وان غوغول استمر بهذه الخاصية في عمله الجامعي ايضا , ولهذا السبب لم ينجح في عملية التدريس , لأن هذه العملية العلمية والتربوية تستوجت الالتزام الموضوعي الحازم والصارم بالوقائع التاريخية , بينما هو التزم بالمبدأ المرتبط بابداعه الادبي , اي التفاعل الحيوي والعضوي بين الوقائع والفنتازيا , ولهذا فانهم لا يتفقون مع رأي تورغينيف المشار اليه في جملته التي استشهدنا بها في أعلاه , اي انهم يقرون برأي تورغينيف حول فشل غوغول بعمله التدريسي في الجامعة , ولكنهم يفسرون هذا الفشل  بسبب آخر هو بالذات – ( التزام غوغول بخصائصه كأديب وكاتب ) وليس لانه ( لا يمتلك اي شئ مشترك مع تلك الخصائص ) كما أشار تورغينيف . وفي كل الاحوال , يمكن لنا في الوقت الحاضر ان نقول و بكل تأكيد وثقة, ان غوغول لم ينجح في عمله التدريسي في الجامعة , الا ان الاسباب التي أدّت الى ذلك الفشل لازالت تثير النقاشات والجدل حولها في اوساط الباحثين .
استاذ التاريخ في جامعة بطرسبورغ غوغول ونشاطه في مجال التدريس لازال موضوعا مطروحا وحيويّا في تاريخ الادب الروسي  ...
 

101
هل انتحر يسينين أم قتلوه؟
أ.د. ضياء نافع
انتحر الشاعر الروسي الكبير يسينين عام 1925 , وكان عمره آنذاك ( 30) سنة ليس الا . هكذا علمنا , او , بتعبير أدق , هكذا قال لنا اساتذتنا الروس , عندما كنا طلبة في ربيع أعمارنا بالجامعات السوفيتية في ستينيات القرن العشرين . لازلت اتذكر كيف قرأت لنا مدرّستنا قصيدة ( شاغانيه) الرائعة ليسينين , والتي يتغزّل فيها بفتاة فارسية اسمها شاغانيه التقاها في القوقاز , وشرحتها لنا ( وقد حفظناها عن ظهر قلب تقريبا اثناء الدرس !)  , وتحدثت بعدئذ عن انتحاره في غرفتة بفندق بمدينة لينينغراد , وكيف انه كتب بالدم ( احتجاجا على عدم وجود حبر في الغرفة !!!)  قصيدته الاخيرة على جدار تلك الغرفة  , وهي قصيدة بعنوان – ( وداعا يا صديقي  وداعا) , ولازلت أتذكر كم تألمنا ونحن نستمع الى قصة انتحار هذا الشاعر ذو الوجه النوّار والرائع والمبتسم , الذي كتب تلك القصائد الرقيقة والجميلة والمليئة بروح الشباب واحلامهم الخياليّة الحلوة .
ومرّت الاعوام , وانهينا دراستنا وعدنا الى الوطن , وعندما كنّا نزور موسكو في العطل الصيفية , بدأنا نسمع من اصدقائنا الروس انفسهم ايضا قصة اخرى حول موته  , وهي ان يسينين  لم ينتحر , وانما تم تدبير مقتله عمدا من قبل أجهزة معينة في الدولة السوفيتية, وان قصة انتحاره غير حقيقية جملة وتفصيلا . بدأ هذا الحديث همسا اول الامر , في اواسط السبعينات من القرن الماضي , وسمعنا هذا ( الهمس !) اولا من الاصدقاء الروس القريبين الينا روحيا , اي الذين كنا نمتلك معهم علاقات تسودها الثقة المتبادلة نتيجة سنوات طويلة متراكمة من الصداقة والاختلاط معا , وكنّا نقول لهم آنذاك , ان كل شئ جائز في هذا العالم العاصف , وان الحقائق يجب ان تظهر يوما مهما طال الزمن , ولكننا كنّا نقول ايضا , ان نصف قرن مضى على حادث انتحاره , وان تلك الفترة كافية من اجل ان تظهر الحقيقة , فلماذا السكوت لحد الان عنها ؟ ولماذا لا يتحول هذا الهمس ( ان كان حقيقة ) الى كلام علني صريح , خصوصا وان شعر يسينين كان يزداد انتشارا  وشعبية  في روسيا , بل و في  العالم ايضا ؟ ولكن لم يكن باستطاعة هؤلاء الاصدقاء الروس آنذاك أن يجيبونا عن  تلك الاسئلة طبعا , اذ كان الخوف من الكلام الصريح في مثل هذه الامور لازال سائدا في سبعينات القرن الماضي رغم كل التغييرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي, اذ كانت – مع كل ذلك - هناك (آذان عند الجدران !) تسمع وتصغي وتتابع و تدقق وتحاسب , وكنّا نحن نتصرف دائما بحذر شديد ( ترسّب في اعماق روحنا منذ ايام الدراسة في الستينات بموسكو) , و لاننا – ايضا - كنّا ضيوفا عند هؤلاء الاصدقاء الروس , وكنّا ننطلق طبعا من مفهومنا العربي الخالد  – يا غريب كن أديب .
جاء ت الثمانينات , وبدأت في الاتحاد السوفيتي ظواهر جديدة لم نكن نعرفها سابقا, مثل البيريسترويكا ( اعادة البناء) و الغلاسنوست ( العلانية ) وغيرها ( والتي أدّت في النهاية الى ما ادّت اليه , وصولا الى انهيار الدولة السوفيتية كما هو معروف ), وتحوّل الهمس الذي كنّا نسمعه آنذاك  حول انتحار يسنين الى كلام علني صريح  , وأذكر اني قرأت ( اثناء احدى زياراتي لموسكو في العطلة الصيفية) مقالا مسهبا بقلم أحد رجالات الشرطة , من العاملين في التحقيقات , اشار فيه الى الثغرات غير القانونية في التقارير الرسمية عن انتحار يسينين , وعندما حكيت ذلك للمرحوم د. محمد يونس في بغداد, سألني رأسا – ( هل جلبت معك هذا المقال؟) , فقلت له – كلا , فقال محمد – ( آه لو جلبته معك , فاني كنت سأقوم بترجمته الى العربية الان) .
الحديث عن انتحار او مقتل يسينين   لازال مستمرا  لحد اليوم  في روسيا  الاتحادية , فقد عرض التلفزيون الروسي – مثلا – قبل ثلاث سنوات مسلسلة بعدة حلقات عن حياة يسينين , وقد تابعتها بدقة في حينها , وكان من الواضح فيها الاشارة الى مقتل يسينين  وليس انتحاره , ولكن الموضوع – مع ذلك - لم يكن نهائيا, ونقرأ في المصادر الروسية المختلفة عن آراء  متنوعة ,  بل ومتناقضة بعض الاحيان حول هذه القضية , وقد قالت لي واحدة من زميلات الدراسة  بجامعة موسكو (في تلك الايام الخوالي) مرة – ( لم يتدخل يسينين في السياسة ولم يكن له مواقف محددة من مشاكلها , فلماذا يقتلوه ؟ )
 اود – ختاما لهذه المقالة – ان اشير الى مقالة جاءت قبل ايام ليس الا في صحيفة ( ليتيراتورنايا   راسيّا ) الادبية الاسبوعية , الصادرة بتاريخ 20 – 27 حزيران / يونيو 2019 , مقالة شغلت صفحتين باكملهما عن موت يسينين , حيث يعرض الكاتب كل هذه الآراء , ويدعو الى ضرورة  دراستها بموضوعية  , لغرض الوصول الى الحقيقة بشأن هذا الموضوع المهم في تاريخ الادب الروسي , وهي دعوة صادقة تعبّر فعلا عن آراء كل المهتمين بالشأن الثقافي الروسي  وعشاق ومحبي يسينين - شاعر ( الصبا والجمال !)...

102
أدب / جسدان
« في: 19:20 01/07/2019  »
جسدان
=====

قصيدة للشاعر المكسيكي    اوكتافيو  باس (1914 – 1998)
==================================
ترجمها عن الروسية – أ. د. ضياء نافع
=======================

جسدان
يلتقيان
بعض الاحيان –
موجتان
في مياه البحر
 ليلا..
+++
جسدان يلتقيان
بعض الاحيان –
جذران متشابكان
في اعماق الارض
 ليلا..
+++
وفي بعض الاحيان
هما –
حجران باردان
في الصحراء
 ليلا..
+++
وبعض الاحيان -
سكيّنتان
حادتان,
 يتلامعان
ليلا..
+++
وبعض الاحيان -
نجمان
 من السماء
 يسقطان,
وفي الفضاء
يتلاشيان
 ليلا..

103
جولة في القسم الداخلي لجامعة موسكو
أ.د. ضياء نافع
سنحت لي فرصة زيارة جامعة موسكو قبل فترة قصيرة , وقررت طبعا ان اتجول في القسم الداخلي , حيث كنّا نسكن هناك  عندما كنّا طلبة  في تلك الجامعة   . ذهبت رأسا الى غرفتي , وطرقت الباب , فخرجت فتاة روسيّة فاتنة ( زي القمر!) بعمر احفادي , وقالت لي – نعم جدو ماذا تريد ؟ فقلت لها , اعذريني , فانا كنت اسكن في هذه الغرفة قبل اكثر من نصف قرن مضى , واريد الان ان ( اسلّم عليها!) فقط ليس الا , و(اتلمس جدرانها!) .ابتسمت تلك الفتاة الجميلة برقّة وعذوبة وقالت – (تفضل تفضل ) , وشعرت ان كلماتها كانت صادقة جدا و تنطلق من اعماق قلبها . دخلت الى ( غرفتي!) , ونظرت بامعان الى كل مافيها , وتذكرت وتذكرت وتذكرت و فهمت بعمق احاسيس الشاعر العربي قيس بن الملوح الذي كان ( يقبّل ذا الجدار وذا الجدارا). اما الفتاة الروسية المسكينة فقد احتارت بكيفية التعبير والترحيب ب ( المقيم القديم هذا من العراق !),  و ارادت ان تقدم لي الشاي والمرّبى ( على الطريقة الروسية بشرب الشاي ) , ولكني شكرتها , واعتذرت مرة ثانية على هذه الزيارة الغريبة جدا , وأسرعت بالخروج من ( غرفتي ) , لانني كنت بالكاد أسيطر على دموعي , وقلت لها , ان وقتي محدود جدا , و اني اريد ان أزور غرفا اخرى في القسم الداخلي , كان يسكن فيها آنذاك العراقيون من أصدقائي  في جامعة موسكو في تلك الايام الخوالي .
توجهت رأسا الى غرفة محمد يونس , ولم اطرق الباب , وانما وقفت عندها قليلا , وقلت بيني وبين نفسي لروح المرحوم أ.د. محمد يونس وانا ابتسم –  (مرحبا يا صديق تورغينيف ) , اذ اني تذكرت كيف كان محمد يحضّر اطروحة الماجستير حول تورغينيف , وكيف كان (غارقا !) في المصادر الروسية عنه , وتذكرت طبعا , كيف أصدر محمد يونس كتابه عن تورغينيف ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي في بيروت, وتذكرت مقالته التي نشرها في مجلة الاقلام بعنوان – ( تورغينيف والمرأة ) , وقلت لروحه همسا , اني ابحث عن مقالتك  الان يا ( ابو جاسم ) , لاني اريد ان انشرها من جديد ضمن سلسلة كتبي – ( دفاتر الادب الروسي ) , التي تصدر عن دار نوّار للنشر , وانني كلفت بعض طلبتنا لايجادها  . وتركت باب غرفة محمد يونس وأنا أتذكر الكلمات  الطيبة  والعطرة  ,  التي قالتها لي الباحثة المصرية الكبيرة أ.د. مكارم الغمري (عندما التقيتها في المؤتمر العالمي لمترجمي الادب الروسي بموسكو في العام الماضي ) عن جارها آنذاك المرحوم محمد يونس وزوجته ام بشار , كلمات مليئة بالاحترام الحقيقي والمحبة الصادقة والتقدير الهائل...
وغير بعيدة كانت غرفة غازي العبادي , ومررت من قربها , و توقفت عندها ايضا, وقلت لطيف المرحوم غازي العبادي – ( مرحبا يا غازي الحبيب !) و صفة (الحبيب  ) هذه هي تعبير حقيقي عن مشاعر كل العراقيين الذين كانوا حوله في جامعة موسكو, وتذكرت ابتساماته وطيبته ورومانسيته وبساطته المتناهية والنقيّة , وتذكرت ايضا , انه ( تورغينيفي الاختصاص ) , الا انه كتب عن جانب آخر من ابداع تورغينيف , وكان موضوعه تحليل آراء تورغينيف حول بطلين من ابطال الادب العالمي , وهما -  هاملت ودون كيخوت  , اي ان غازي تخصص في موضوعة تورغينيف باعتباره ناقدا ادبيا , وهو تخصص فريد جدا بالنسبة لنا جميعا , الا ان المرحوم غازي بتواضعه  الجم  لم  يتحدث عن تخصصه هذا بعد عودته الى العراق لانه كان بعيدا جدا عن التباهي بأي شكل من الاشكال, وتذكرت كيف ان ابنته الدكتورة ضفاف غازي العبادي , التدريسية الان في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد سألتني مرة  عندما كانت تعمل معنا في كلية اللغات , كيف يمكن لها ان تجد اطروحة والدها هذه , اذ انها الابنة البّارة , التي تجمع كل تراثه وتؤرخ نشاطه الابداعي الجميل وتنشر في موقعه الالكتروني( الذي عملته هي ويحمل اسمه وصورته) حتى قصصاصات الورق بخط يده حول الكتب التي كان يستعيرها منه الاصدقاء, ولم استطع مع الاسف ان اساعدها .
 تركت الطابق الذي كنّا نسكن فيه  و صعدت الى الطابق الاعلى , حيث كان يسكن طلبة كلية الجيولوجيا , وتوقفت قليلا عند غرفة  عدنان عاكف , وقلت بيني وبين نفسي , من الضروري جدا جمع مقالات المرحوم د. عدنان عاكف واصدارها  بكتاب  , خصوصا مقالاته الرائدة والمهمة حول التراث العلمي العربي ( انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (22) / د. عدنان عاكف ) , وفكرت ان اطرح هذا المقترح على د. صائب خليل , وكم أتمنى الموافقة على هذا المقترح يا اخي د . صائب , وانتظر جوابك ( على أحرّ من الجمر!) . وتوقفت ايضا عند غرفة الشهيد د. حامد الشيباني ( أعدمه النظام البعثي في السبعينات), المبتسم دائما , وقرأت سورة الفاتحة بصمت على روحه الطاهرة , وتذكرت حديثي مع د. ديكران حول اعتقال حامد في شركة النفط الوطنية في بغداد ( انظر مقالتنا بعنوان – مع د. ديكران يوسف كيفوركيان في موسكو ) . بعد غرفة حامد وذكرياتي عنه لم استطع الاستمرار بهذه الجولة , فتوقفت , وخرجت من القسم الداخلي لجامعتي وانا حزين ...

104
أمثال صربية مترجمة عن الروسية (3)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الماء يغسل كل شئ عدا الشرف الملوّث .
التعليق –  كلمة الشرف هنا تعني كل تصرفات الانسان الاخلاقية  عموما , اذ كيف يمكن (غسل !)الخيانة  او الغدر  اوالسرقة ...الخ هذه التصرفات التي  ( تلوّث ) شرف الانسان ؟ . المثل الصربي هذا جميل و عميق و مبتكر شكلا ومضمونا . 
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان دون حريّة , مثل السمكة دون ماء.
التعليق – مثل عظيم يمجّد الحريّة ويعتبرها اساس الحياة الانسانية , اذ انه يؤكد , ان الانسان ( يختنق و يموت!) دون حرية , مثل السمكة دون ماء . توجد في الصورة الفنية لهذا المثل  مبالغة , لكنها مبالغة رائعة .
+++++
الترجمة الحرفية – الكذب يقفز على قدم واحدة , الحقيقة تمشي على قدمين.
التعليق –  الصورة الفنيّة في هذا المثل جميلة جدا ومبتكرة بكل معنى الكلمة , والمعنى العام لهذا المثل يؤكد قوة الحقيقة وصلابتها مقارنة بالكذب . يقول المثل الروسي – الحقيقة بالنار لا تحرق وبالماء لا تغرق , والصورة الفنية في هذا المثل الروسي جميلة وحاسمة ايضا , الا انها في المثل الصربي أكثر رشاقة  وطرافة وخيالا.
+++++
الترجمة الحرفية – عند رجل عجوز زوجة شابة – المصيبة جاهزة.
التعليق – مثل واضح  المعنى  والمعالم , ويمكن القول انه عام وشامل ومفهوم في المجتمعات الانسانية كافة . 
+++++
الترجمة الحرفية –  من الشرارة الصغيرة  نيران كبيرة .
التعليق – ونحن نقول في مثلنا العربي الشهير – معظم النارمن مستصغر الشرر , اي ان المعنى يتكرر , والصورة الفنية كذلك . يوجد مثل عربي طريف في هذا المعنى ايضا وهو – شرارة تحرق حارة , ويوجد مثل روسي يقول – احترقت موسكو من شمعة بكوبيكات.
+++++
الترجمة الحرفية – الضربة من يد الحبيب لا توجع.
التعليق – ونحن نقول في مثلنا العربي وبكل اللهجات العربية - ضرب الحبيب زبيب . المثل العربي اكثر طرافة ومرحا و جمالا وخيالا , لكن المثل الصربي اكثر واقعية و دقّة. 
+++++
الترجمة الحرفية – عش كما تقدر اذا لا تقدر ان تعيش كما تريد .
التعليق –  كتب ابو الاسود الدؤلي في وقته بيت شعر بهذا المعنى , وهو -
اذا لم تستطع شيئا فدعه/// وجاوزه  الى ما تستطيع
+++++
الترجمة الحرفية – لا خبز دون اليد , ولا يد دون الخيز.
التعليق – مثل رمزي بسيط وعميق جدا , اذ انه يتناول العلاقة العضوية الدائمية بين العمل و ديمومة الحياة ويصوّرها بشكل واضح فعلا , فاليد (تعمل) الخبز , والخبز ( يديم) الحياة , وبدون هذا التعايش العضوي الضروري بينهما لا يمكن  للحياة  ان تستمر. مثل فلسفي طريف رغم بساطته الظاهرية .
+++++
الترجمة الحرفية -  عيون الخوف واسعة.
التعليق –  يوجد مثل روسي مطابق تماما , وهو دليل لا يقبل الشك حول التقارب الروحي والفكري بين الشعبين الروسي والصربي باعتبارهما شعوب سلافية . معنى المثل واضح طبعا وصحيح جدا , فالانسان الخائف يفقد الرؤية الموضوعية  للامور , ويرى الخطر في كل شئ يحيطه . يوجد مثل عربي يعكس هذه الحالة بشكل دقيق , وهو – ان لم تقتل الخوف قتلك.
 
 

105
تشيخوف في رأيّ نابوكوف
أ.د. ضياء نافع
ولد نابوكوف ( مؤلف رواية لوليتا الشهيرة ) في روسيا عام (1899) , اي قبل (5) سنوات من وفاة تشيخوف (1904) , وترك روسيا عام 1919  (بعد رفضه لثورة اكتوبر1917 ) , ولم يرجع الى روسيا بعدئذ ابدا, اذ عاش في المانيا وفرنسا اولا, ثم سافر بعد ذلك  الى امريكا واصبح مواطنا امريكيّا (انظر مقالتنا بعنوان نابوكوف بين روسيا وامريكا ) , ثم عاش اواخر حياته في سويسرا وتوفي  فيها عام ( 1977) ودفن هناك عن عمر يناهز الثامنة والسبعين , بعيدا عن وطنه الام روسيا.
نابوكوف متعدد المواهب والاختصاصات والمهن, ومن بينها ( وليس ابرزها !) ,  انه كان استاذا متألقا في الجامعات الامريكية على مدى سنوات طويلة , و ألقى هناك محاضرات شيّقة جدا ومتميّزة وذات نظرة مبتكرة وابداعية وعميقة عن تاريخ الادب الروسي وتوقف فيها عند ابرز أعلامه ,   و قد تم نشر تلك المحاضرات بعد موته  ( انظر مقالتنا بعنوان – محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي ), ونجد في تلك المحاضرات آراء نابوكوف حول كبار الادباء الروس  , ومنهم طبعا تشيخوف , ونود في مقالتنا هذه ان نتحدث للقراء قليلا عن بعض تلك الآراء التي كتبها نابوكوف بشأن وجهة نظره حول تشيخوف وابداعه, اذ ان تلك الكتابات كانت ولا تزال تمتلك قيمتها واهميتها في تاريخ الادب ( والنقد الادبي) الروسي اولا , و ثانيا , لأن تشيخوف يعدّ بالنسبة  للقارئ العربي واحدا من أقرب الادباء الروس اليه , وبالتالي ,فان الاطلاع على رأي كاتب روسي كبير مثل نابوكوف حول تشيخوف سيكون – بلا شك - مفيدا وممتعا له في نفس الوقت. ولا يمكن طبعا لهذه السطور ان تتناول كل تلك الافكار الجميلة والعميقة عن تشيخوف , التي جاءت في كتابات نابوكوف حوله , ولكننا نحاول ان نتوقف عند بعض ( وأؤكد هنا على كلمة  بعض ) تلك النقاط المتميّزة ليس الا , والتي نرى انها لازالت غير واضحة تماما للقارئ العربي بشكل عام لحد الان, وربما حتى لبعض الباحثين العرب ايضا , الذين يتحدثون عن تشيخوف حسب مفاهيم محددة سلفا , دون الاخذ بنظر الاعتبار كل الاحداث الهائلة التي حصلت ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين .
توقف نابوكوف في بداية محاضراته عن  تشيخوف عند سيرة حياته بشكل وجيز جدا , واستطاع بموهبته ان يلتقط من تلك الحياة مواقف ولحظات ( ان جاز التعبير) مثيرة للمتلقي الامريكي , اذ انه بدأ محاضرته – مثلا - بجملة ( كان جده قنّا ...واشترى حريته وحرية عائلته من العبودية بمبلغ من الروبلات قدره  3500 ...), وهذه الجملة بحد ذاتها تثير كثيرا من التساؤلات حول تاريخ روسيا ومسيرتها , اذ انها تعني ان ( القنّ او العبد) فيها كان يمكن له ان ( يشتري!) حريته وفق القانون الرسمي , الذي صدر في روسيا القيصرية آنذاك عام 1860, وكان يعني ايضا كيف يمكن لحفيد هذا العبد ان يصبح طبيبا بعد تخرجه في جامعة موسكو , ثم يصبح بعدئذ اديبا عالميا بمستوى تشيخوف واهميته بالنسبة لروسيا وبالنسبة للعالم , ويتوقف نابوكوف بعد تلك الجملة القصيرة و ( الكبيرة المعنى!) عند والد تشيخوف , ويقول عنه ايضا بايجاز دقيق وحاسم – ( انه صاحب دكان صغير , وافلس ..واضطر الى الرحيل مع عائلته الى موسكو) , ويعقبها رأسا بجملة – ( ... ويبقى الصبي تشيخوف وحيدا في مدينة تاغنروغ كي ينهي المدرسة ... واضطر ان يكسب قوته بنفسه ...). ان هذه الجملة المركبة عن الجد والابن والحفيد ومسيرتهم ومصيرهم في روسيا آنذاك  قد رسمت للمتلقي الامريكي عندها ( ولكل القراء الآن طبعا ) صورة قلمية واقعية ودقيقة ومحددة - لا تقبل الشك ابدا – عن الوضع العام في روسيا , التي تركها نابوكوف بسبب الاحداث الهائلة التي وقعت فيها واضطرته ان يتحول الى لاجئ – ليس الا - يعيش و يعمل خارج وطنه  ثم يموت بعيدا عن وطنه ايضا, رغم انه يحمل هذا الوطن في اعماق عقله وقلبه و روحه , مثل كل اللاجئين ( وما أكثرهم مع الاسف , وكدت أقول وما أكثرنا) في كل زمان ومكان في عالمنا الصاخب المضطرب هذا...
يتناول نابوكوف بشكل وجيز ايضا مسألة مهمة جدا في مسيرة تشيخوف وهي قضية موقفه السياسي , وهذه مسألة أثارها الكثير من الباحثين حول تشيخوف , وانطلقوا من مفاهيم مختلفة بشأنها , ولا مجال هنا طبعا للتوقف عند تلك الآراء . لقد حدد نابوكوف بجملة بسيطة موقف تشيخوف السياسي , وكتب يقول – (...لم يمارس تشيخوف النشاط السياسي ابدا...ولم ينتم الى اي حزب سياسي...). ويوضح نابوكوف موقف تشيخوف هذا -  ( ... لكنه كان يعتبر العدالة اهم شئ , ولهذا رفع صوته ضد اللاعدالة.. باعتباره فنّانا).
يعرض نابوكوف في محاضراته تلك وقائع تفصيلية شبه مجهولة من حياة تشيخوف , وكيف انه بنى اربع مدارس , وكيف ساهم في بناء مستشفى ومكتبات عامة وقاعات ومسرح , وكيف كان يعالج الفلاحين المرضى مجانا ويوفر لهم الدواء وحتى السكن ...
وتناول نابوكوف في محاضراته طبعا نتاجات تشيخوف الادبية من قصص ومسرحيات , ولا مجال هنا للحديث عن ذلك , ولكننا – ختاما – نود ان نشير فقط الى اعجاب نابوكوف المتناهي والشديد والكبير بقصة ( السيدة ذات الكلب الصغير) , والتي اعتبرها واحدة من أروع القصص ليس في الادب الروسي وحسب , وانما في الادب العالمي ايضا...     
محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي – بشكل عام - تنتظر مترجمها العربي , وتنتظر طبعا دراسات وبحوث العرب حولها.




106
أدب / ألوان داكنة
« في: 17:45 20/06/2019  »

ألوان داكنة


قصيدة للشاعرة الصربية المعاصرة لوبيتسا ميليتيج

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


نشيد الرهبان
 من ذلك الجانب هناك ،
وهنا انت ،
 وهناك
ايضا انت.
اين اذن
انت؟
+++

ينبثق فجأة
ضحكك،
يفلق الصلاة
اسمك.
+++

كيف يمكن ان احكي لك
الشئ
الذي لا تعرفه؟
كيف يمكن ان احكي لك
رأسا كل شئ
لا تعرفه ؟
كيف يمكن ان احكي لك
كل شئ.....؟

+++
وهنا انت،
وهناك انت.
اين اذن انت ؟

107
المنبر الحر / بونين يدق بابنا
« في: 19:48 19/06/2019  »
بونين يدق بابنا
أ.د. ضياء نافع
----------------=========================
 لا يمكن ان يكون عنوان مقالتنا صحيحا اذا قلنا  - (بونين في العراق ) , فهو ليس مثل غوركي او تشيخوف او بوشكين او دستويفسكي او تولستوي او تورغينيف...الخ اسماء الادباء الروس الكبار والمشاهير عندنا , و الذين بدأت شهرتهم بالتدريج منذ الثلث الاول للقرن العشرين فصاعدا , لكن بونين مع ذلك دخل الى العراق  بشكل متأخر مقارنة بتلك الاسماء, وانه دخل دون (تأشيرة دخول , او فيزا كما نقول) , لأنه كان من المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي بعد رفضه لثورة اكتوبر, ثم هجرته من روسيا السوفيتية, ثم (ثالثة الاثافي!) وهي حصوله على جائزة نوبل للآداب في الثلاثينات, و لكنه – مع هذا - فقد حصل على ( الاقامة !) القانونية في بلدنا رغم هذا الدخول غير القانوني والمتأخر , ويمكن الان ان نقول انه موجود بيننا في العراق - بشكل او بآخر - مثل بقية الادباء الروس الكبار, الذين ذكرناهم اعلاه, رغم انه لم يصل بعد الى شهرتهم وشعبيتهم الواسعة.
 بونين في العراق يرتبط  قبل كل شئ باسم د. جودت هوشيار, والذي يمثّل ظاهرة فريدة وجميلة جدا في تاريخ الادب الروسي في العراق , اذ انه جاء الى الادب الروسي من اختصاص بعيد جدا عن الادب , وهو الهندسة و الكهرباء , فقد تخرّج في معهد الطاقة ( جامعة الطاقة الان) في موسكو, حيث كان معنا ضمن الطلبة العراقيين الاوائل في الاتحاد السوفيتي بداية الستينات , وحصل على شهادة الدكتوراه في اختصاصه ذاك , وعاد الى العراق وعمل بشكل ناجح هناك في مجال اختصاصه , ولكن جودت كان عاشقا كبيرا للادب الروسي ,وقد تفاعل مع هذا الادب بحكم دراسته الطويلة في روسيا واتقانه للغة الروسية بشكل معمق وممتاز, والعشق يمنح للعاشق قوة جبّارة وخارقة كما هو معروف, و يستطيع العاشق بها ان يحقق المعجزات , وهذا ما حدث فعلا , وهكذا برز د. جودت هوشيار في مجال الترجمة عن اللغة الروسية , وأصدرت له وزارة الاعلام العراقية كتابا مترجما عن الروسية في بداية السبعينات عنوانه – ( دراسات معاصرة ), وفيه اشارات عميقة الى بونين ,  ثم نشر قصصا مترجمة لبونين في الدوريات العراقية , وانتبه الى ترجماته استاذ جيلنا د. علي جواد الطاهر , الذي كان يرصد ما يجري آنذاك في مجال الادب بعيونه النقدية الذكية , وطرح استفسارا حول بونين , اذ لم يكن لا بونين ولا هوشيار من الاسماء المعروفة آنذاك للطاهر, ويفخر د. جودت بكل هذه التفاصيل حول بدايات مسيرته الترجمية حول بونين , والذي تبين انه (اي جودت هوشيار) كان من المعجبين جدا بادبه ومن المطلعين بعمق على ابداعه. وأذكر جيدا , ان صديقي المرحوم د. احسان فؤاد ( الشاعر الكردي الرقيق وخريج جامعة موسكو والمثقف العميق) , الذي كان مديرا عاما لمديرية الثقافة الكردية في وزارة الاعلام (و التي أصدرت بالذات ذلك الكتاب آنذاك) كان معجبا جدا بموهبة جودت الترجمية والادبية عموما , وقد حدّثني مرة عن ذلك . واستمر د. جودت بتقديم بونين لنا لحد الان في نشاطه الادبي المتنوع , اذ لانزال نقرأ نصوصا لبونين بترجمته ودراسات عميقة وجميلة عن مكانته في مسيرة الادب الروسي, وكم اتمنى ان ارى يوما كتابا خاصا يضم تلك الكتابات البونينية ( ان صحّ التعبير ), خصوصا وان جودت هوشيار اصبح اليوم نجما من نجوم الباحثين العراقيين في مجال الادب الروسي والعالمي ايضا , وذلك عندما (تحرر!) من اختصاصه الهندسي الكهربائي وتفرّغ كليّا لعشقه الادبي  ...
ولابد من التوقف هنا عند اسم آخر هو - حسين علي خضير الشويلي , التدريسي الان في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد , الذي أصدر اول ديوان لبونين في العراق , وربما في عالمنا العربي ايضا حسب علمي المتواضع حول شعر بونين بالعربية . الشويلي كان طالبا في قسمنا , وقد طلب منيّ – بحكم العلاقة بين الطالب واستاذه – ان اكتب مقدمة لديوانه ذاك , وقد كتبت تلك المقدمة بكل سرور وحب  , وصدر الديوان فعلا بترجمته الحلوة تلك ومقدمتي (  انظرمقالتنا بعنوان – مترجم جديد في قبيلتنا ) . وأصدر الشويلي كتابا آخر في بغداد يضم مختارات من الشعر الروسي , وهناك ايضا بعض قصائد لبونين . يقول البعض , ان الشويلي كان جريئا جدا حين أقدم في اول عمل ترجمي له على هذه الخطوة , وانه كان يجب عليه ان يتمرّن اكثر في مجال الترجمة قبل ذلك , ولكن البعض الآخر يقول , ان اي عمل ابداعي يتطلب الشجاعة والاقدام , وان عمله هو محاولة جريئة تحمل روح الشباب وحماسه , وانه اجتهاد ابداعي جميل , ومثل كل اجتهاد , قد يخطئ وقد يصيب , ولكنه عمل جيد ومفيد في كلا الحالتين.
ويجب الاشارة حتما الى اسم عبد الله حبه عند الكلام عن بونين الذي يدق باب العراق , فهو الذي ترجم كتابه الشهير ( الدروب الظليلة) , رغم ان الكتاب صدر في موسكو ضمن منشورات دار رادوغا المعروفة عام1987 ( انظر مقالتنا بعنوان – عبد الله حبه والادب الروسي ) .  ان عبد الله حبه عراقي اصيل يعيش في موسكو منذ ستينيات القرن العشرين ولحد الان نتيجة ظروفه الحياتية الخاصة ( اي حوالي ستين سنة !), ولكن نشاطه الابداعي يمكن ان نسجله لوطنه الام - العراق ايضا , وليس عبثا , ان دار المدى العراقية قد اعادت اصدار هذا الكتاب في العراق قبل فترة قصيرة...
بونين يدق باب العراق , فلنفتح له الابواب على مصراعيها , واهلا وسهلا ومرحبا بالمبدعين الروس وغير الروس من امثاله في البلاد التي تحتضن اور و بابل ونينوى وبغداد والكوفة وسرّ من رأى...                           

108
المنبر الحر / غوركي و ماياكوفسكي
« في: 02:31 16/06/2019  »
غوركي  و ماياكوفسكي
أ.د. ضياء نافع
كلاهما , غوركي و ماياكوفسكي , يرتبطان في الوعي الاجتماعي العام لدى القراء والمتابعين للادب الروسي بتاريخ روسيا السوفيتية  و ايديولوجية  ثورة اكتوبر 1917 بعد انتصارها  و بشكل واضح وساطع , وكلاهما سوفيتيان (حتى نخاع العظام ) كما يقولون و يعدّان – بشكل او بآخر -  لسان حال تلك الثورة وافكارها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه , رغم ان غوركي ولد عام 1868, وماياكوفسكي ولد عام 1893 , ورغم ان غوركي توفي عام 1936 , وانتحر ماياكوفسكي عام 1930 . ومع  كل هذه الوقائع  و الحقائق الثابتة, فان علاقة غوركي وماياكوفسكي واقعيا كانت متوترة , لدرجة  , ان هناك مصدر روسي يتناول هذه العلاقة بينهما جاء بعنوان مثير و غريب وطريف , وهو– ( علاقة جيدة لماياكوفسكي بالخيول وسيئة بغوركي ) , وهو عنوان ساخر طبعا , الا انه حقيقي فعلا , اذ انه يعبّر بشكل واضح عن واقع تلك العلاقة , وقد تم ايجاز هذه العلاقة المتوترة  ايضا  في عنوان بحث آخر حول ذلك الموضوع , وهو – ( غوركي وماياكوفسكي – صداقة عاصفة وقصيرة), ونود في هذه المقالة القاء الضوء على هذه العلاقة بين اديبين كبيرين في تاريخ الادب الروسي , خصوصا واننا لم نجد انعكاسا لهذا الموضوع في مصادرنا العربية بتاتا , رغم التعاطف الكبير للقراء العرب تجاه هذين الاسمين , ورغم المصادر العربية الكثيرة حولهما .
ابتدأ غوركي طريقه الابداعي في نهاية القرن التاسع عشر , واصبح اسما كبيرا ولامعا في مسيرة الادب الروسي آنذاك , وارتبط بصداقات مع الادباء الروس الكبار البارزين في ذلك الوقت مثل تولستوي وتشيخوف وغيرهم  , وكان يراسلهم ويلتقي بهم ويكتب عنهم , وكانت له علاقات ونشاطات ومواقف سياسية مع الحركة الاشتراكية الروسية وقادتها , بما فيهم لينين نفسه , اما ماياكوفسكي , فقد ابتدأ نشاطه الابداعي بعد غوركي ( بحكم سنين العمر طبعا , فالفرق بينهما ربع قرن ) , وعندما بدأ نجم ماياكوفسكي بالسطوع في دنيا الادب الروسي في بدايات القرن العشرين , كان غوركي الاسم الاكبر و الاكثر شهرة وسطوعا في ذلك الادب والفكر خصوصا بعد رحيل تشيخوف وتولستوي , وبالتالي , فقد اصبح غوركي  وكأنه الاب والراعي والوصي على الادباء الشباب . وبالفعل , بدأ غوركي يكتب عن هؤلاء الادباء الجدد , ويراسلهم ويراسلوه , ويقدمهم للصحف والمجلات الادبية ودور النشر...الخ , اي بدأ يؤدي فعلا دور الوصي الامين لرعايتهم واسنادهم  , ولكن ماياكوفسكي  كان منذ بداياته متمردا على كل التقاليد السائدة في الثقافة الروسية , واراد ان يخط لنفسه طريقه الخاص به واسلوبه في الادب والفن التشكيلي وحتى في المسرح والسينما . يتحدث بعض الباحثين في تاريخ الادب الروسي عن هذه النقطة بتفصيل , ويرون , ان غوركي بدأ يشعر , ان ماياكوفسكي ربما سيشغل موقعا متقدما وبارزا في مسيرة الادب الروسي , وانه بالتالي يمكن ان ينافسه في صدارة هذا الادب , بل ان بعض الباحثين أشاروا بشكل مباشر الى ان غوركي بدأ ( يغار!) من ماياكوفسكي , وهذه كلها آراء ذاتية طبعا , ولا يمكن الاتفاق معها او حتى اخذها  بنظر الاعتبار دون دراسة شاملة و دقيقة ومتأنية ونظرة تحليلية موضوعية وعميقة لها .
بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 , ترك غوركي روسيا السوفيتية  ثم عاد اليها, اما ماياكوفسكي فقد بقي في روسيا طوال الوقت , وظهرت على السطح الخلافات بينهما في العشرينات , بما فيها الاقاويل والثرثرة والاشاعات هنا وهناك ( و لا نريد التوقف عندها لأنها لا تستحق ذلك ), وقد كتب ماياكوفسكي قصيدة عام 1926 بعنوان – ( رسالة من الكاتب فلاديمير فلاديميروفيتش ماياكوفسكي الى الكاتب مكسيم مكسيموفيتش غوركي ) , حيث اراد ماياكوفسكي ان يقول في عنوان القصيدة , انه كاتب وغوركي كاتب ايضا , اي انهما متكافئان , وهذا اولا , واراد ثانيا ان يعلن على الملأ انهما متخاصمان , بل وتبتدأ القصيدة هكذا بالضبط –
اليكسي مكسيموفيتش
كما أذكر,
حدث بيننا
شئ ما-
مثل عراك
او خصام
القصيدة طويلة , ومكتوبة باسلوب ماياكوفسكي المباشر والعنيف والمتطرف , ويمكن ان نسميها حسب المفاهيم العربية انها قصيدة هجاء, حيث يسخر ماياكوفسكي من غوركي ,ولم يكن مسموحا التكلم عنها في الفترة السوفيتية طبعا , وعندما كنّا طلبة في الجامعات السوفيتية لم نسمع حتى بها . غوركي لم يكتب شيئا مضادا للقصيدة او لماياكوفسكي , الا انه ذكر رأي الآخرين في مقالة عنه , وقال فيها , ان ماياكوفسكي ( لم يقدّم لنا شيئا جديدا ) , وهو رأي سلبي حول ماياكوفسكي طبعا , رغم انه طرحه باسم الآخرين.
موضوعة غوركي وماياكوفسكي لازالت مطروحة امام الباحثين ونقاد الادب في روسيا , وهي تحتاج الى دراسة  موضوعية معمقة تستند الى نصوص مكتوبة قبل كل شئ من قبلهما , ثم الاطلاع على ما كتبه اناس كانوا يحيطون بهما آنذاك حول ذلك الخلاف , وتحتاج طبعا الى تحديد بدايات هذا الخلاف واسبابه , ونأمل ان تسمح الظروف للعودة الى هذا الموضوع لاحقا .
   

109
مع د. خليل عبد العزيز في موسكو مرة اخرى (2)
أ.د. ضياء نافع
أشرت في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى ان الحديث مع د. خليل عبد العزيز قد تشعّب , واريد هنا ان اتوقف عند ( شعابه) هذه. سألته عن أخبار كتابه (محطات من حياتي ) , فقال خليل لي , ان الكتاب  يباع بشكل واسع جدا في العراق , وقد اخبرني بعض الاصدقاء بطبع اعداد اضافية منه وتسويقها دون حتى اعلامي  او موافقتي , وأخبرني اصدقائي ايضا , ان الذين يقتنوه  يبحثون فيه عن اجابات لعدة اسئلة تدور في ذهنهم  حول المواضيع التي تناولها الكتاب , لعل اهمها سؤال كبير, وهو – ( لماذا انهار الاتحاد السوفيتي ؟) , اذ ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن توقعات ومفاهيم القارئ العراقي الاعتيادي, ولازال هذا الموضوع غير واضح المعالم لهم لحد الان رغم مرور اكثر من ربع قرن على ذلك الحدث الهائل , وضحك د. خليل  وأضاف قائلا – ( لدرجة ان بعض الشيوعيين العراقيين , الذين قابلتهم في بغداد , لازالوا يعتقدون بامكانية عودة الاتحاد السوفيتي مرة اخرى ) , وقد أيدّته في ذلك , وقلت له اني صادفت هذه الآراء الساذجة ايضا عند بعض العراقيين , الذين قابلتهم هنا وهناك. سألته عن مشاريعه اللاحقة بشأن كتابه هذا , فقال انه يحضّر الان  طبعته الثانية , وستكون منقحة ومزيدة طبعا , اذ ينوي ان يضيف لها مقالات ظهرت له بعد طبع الكتاب المذكور حول مشاهداته وذكرياته الشخصية في الاتحاد السوفيتي ومسيرة الحياة اليومية فيه , وخصوصا تلك الانطباعات في الجمهوريات السوفيتية الشرقية عندما زارها او تعامل مع بعض المسؤولين الكبار فيها  , وأضاف د. خليل , انه سيبقي طبعا عنوان الكتاب ( محطات من حياتي ) كما كان في السابق , لكنه سيحذف من عنوان الكتاب الكلمات الاضافية – ( سجون / اغتراب / نضال ) , وسيبدل حتما صورة الغلاف التي لم تعجبه في حينها , فقلت له ان هذه الخطوات بشأن الكتاب دقيقة وصائبة من وجهة نظري, اذ انه كتاب تاريخي مهم , وكم اتمنى ان يطلع عليه الكثيرون من القراء العراقيين , لانه يعكس وجهة نظر موضوعية وواقعية حول تلك المواضيع , فهو لا يهدف الى الطعن بالاتحاد السوفيتي كما هو الحال ببعض الكتب الدعائية المعادية للاشتراكية , وانما هو وثيقة صادقة وصادرة من قبل شخص واضح المبادئ والمواقف الفكرية , ويعتز بماضيه ومسيرته .
 توسّع الحديث معه حول موضوع انهيار الاتحاد السوفيتي , وقال د. خليل , ان القيادة السوفيتية  في السنوات العشرين من عمرها ( او أكثر ) كانت منعزلة عن الواقع  تقريبا, واعطاني مثلا دقيقا حول ذلك , وهو ما حدث مع عبد الفتاح اسماعيل سكرتير الحزب الاشتراكي  اليمني ( اليمن  الجنوبي) , اذ كان لديه موعد مع سوسلوف ( فيلسوف الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك ) , وقد اخبره عبد الفتاح انه قلق جدا , اذ كيف سيقابل هذه الشخصية الشيوعية السوفيتية الفذة وماذا يمكن ان يقول له ...الخ , وعندما التقى خليل به بعد المقابلة تلك , قال عبد الفتاح له , ان الكلام الذي قاله سوسلوف عن اليمن غير دقيق بالمرّة , وانه اضطر ان يسكت كي لا يخبره  برأيه ذلك , وكان عبد الفتاح اسماعيل مصابا بخيبة أمل مريرة بعد اللقاء مع سوسلوف. وحكى لي د. خليل حكاية اخرى غريبة حول العقلية الساذجة التي كانت سائدة في الاوساط  الاعلامية السوفيتية آنذاك , والتي اطلع عليها د. خليل بحكم عمله معهم . الحكاية هذه بسيطة جدا , فقد عرض التلفزيون السوفيتي مراسم  دفن  سوسلوف , وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف طبعا مشاركا بها , وعندما أنزلوا الجثمان في القبر , بكى بريجنيف , وتم عرض هذا المشهد ( اي بكاء بريجنيف) في التلفزيون , وبعد العرض , تم فصل كل فريق العمل وكذلك مسؤولي برامج  التلفزيون , لانهم عرضوا  بريجنيف وهو يبكي , وذلك لانهم اعتبروا ذلك بمثابة عرض لضعف الدولة السوفيتية امام الملأ , ولم يستطع احد ان يوقف هذه الاجراءات الصارمة وغير العادلة بحقهم رغم تعاطف الجميع مع فريق العمل ذاك . وقال د. خليل , ان الهمس والاستنكار و الانتقاد الشديد  في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك ضد هذه الخطوات الحمقاء كان شديدا جدا , ولكن دون اي فائدة , اذ كان الجميع يخاف ان يعلن موقفه الحقيقي بالنسبة لهذه الاجراءآت , ويختتم د.خليل كلامه قائلا – ( لقد تذكرت كل تلك المواقف عندما كنت في الساحة الحمراء  بموسكو وانا اشاهد كيف يرمي الشيوعيون الروس هويات الانتماء الى الحزب الشيوعي السوفيتي تخلّصا منها , بعد انهيار الاتحاد السوفيتي )...
تحية اعتزاز الى الدكتور خليل عبد العزيز , العراقي الاصيل , الذي شاهد في حياته مواقف تاريخية كبيرة , وتحدّث حولها لنا بكل صدق واخلاص وموضوعية  ...   

110
 
عراقيون مروا بموسكو (29) / فكري بشير
أ.د. ضياء نافع
حملت لنا الانباء قبل أيام خبر رحيل فكري بشير , العنقود الاخير في عائلة بشير الموسيقية العراقية الشهيرة  , العائلة التي أعطتنا تلك الباقة الرائعة من الموسيقيين العراقيين الكبار -  جميل بشير ومنير بشير وفكري بشير .
خبر رحيل فكري أعادني الى أيام موسكو في بداية ستينات القرن الماضي , حيث كان فكري ضمن الطلبة العراقيين الاوائل هناك , و تذكرت طبعا كيف كان فكري يقف بهدوء وهو يقود تمريناتنا على اداء الاغاني العراقية  لتقديمها في حفلات الطلبة العراقيين وبقية طلاب العالم من حولنا في قاعات جامعة موسكو وبقية الجامعات الروسية , وتذكرت كيف كان يجري امتحانا لكل واحد على حدة لاصواتنا , وتذكرت روح المرح الشبابي ( كلنا كنا بعمر الورود الربيعية !!!) عندما ( يسقط ! ) احدنا في ذلك الامتحان عند فكري , و نحاول جميعا ان نقنعه ان يمتحنه مرة اخرى , وكيف كان فكري يقول لنا , ان صوته لا  ينسجم  مع  المجموعة  ولا يمتلك قابلية الغناء الجماعي , وكيف كنا نكرر له - ( انه خوش ولد , وسيواصل معنا التمارين بانتظام !) ....
كان فكري هادئا دائما , وكان يستمع الى مختلف الآراء وهو يبتسم , ولم يكن محبا للظهور والشهرة  والتبجح  ابدا, ولم يقل يوما امامنا انه من عائلة فنانين مشهورين كبار , وقد استمر هكذا طوال حياته , وهي صفة رائعة من صفاته .  انهى فكري دراسته الموسيقية في الاتحاد السوفيتي  بنجاح وضمن المدة القانونية للدراسة , وهي مسألة كبيرة جدا لم يستطع كل الطلبة تحقيقها ( خصوصا طلبة الفنون الجميلة من زملائه العراقيين الآخرين , والذين اضطر بعضهم الى تبديل اختصاصهم ) , وعاد فكري الى العراق مع زوجته أكنيس السوفيتية , وعملا معا في مجال تخصصهما , وهي الموسيقى , واصبحت اكنيس ايضا ضمن عائلة بشير العراقية الموسيقية , وبرزت معه في مدرسة الموسيقى والبالية الفريدة في العراق , وكان تلاميذ تلك المدرسة يحبونهما ويعتبرونهما مثل الاصدقاء الكبار لهم (  وانا كنت شاهدا على ذلك ). استمرت علاقاتنا في العراق ( عن بعد ) , وكنت متابعا لنشاطات فكري الفنية والتربوية  في مدرسة الموسيقى والبالية  , وكذلك في مشاركته ( مع اكنيس طبعا ) بالعزف في الفرقة السمفونية العراقية  , وأذكر مرة اني كنت مرافقا لوفد سوفيتي كبير بناء على طلب شخصي من المرحوم أمير الحلو من وزارة الاعلام , وكان ضمن اعضاء هذا الوفد مجموعة من العازفين الموسيقيين لتقديم بعض الفقرات الموسيقية , وشاهدت فكري جالسا في القاعة , فطلبت منه ( بحكم علاقات الود القديمة معه) ان يساعدني بتقديم العازفين السوفيت , اذ انه موسيقيّ محترف ويعرف دقائق المصطلحات والتسميات الموسيقية , فقام فكري من مكانه بكل تواضع واخذ يقدمهم للجمهور العراقي مستخدما التعابير الموسيقية الدقيقة والمناسبة والصحيحة بالعربية والروسية  مما أضفى على الحفلة رونقا جميلا جدا , وقد شكرته  جزيل الشكرعلى موقفه النبيل ذاك و تلك المساعدة القيّمة , فقال فكري بهدوء وصدق – ( لا شكر على واجب).
اضطر فكري وعائلته ان يهاجر من العراق نتيجة الوضع الصعب المعروف , فانتقل الى الاردن , وعمل هناك مع اكنيس  في مجال الموسيقى , ثم انتقل بعدئذ الى اوربا  كما هو حال الكثير من العراقيين , وانقطعت اخباره , وفجأة استلمت منه رسالة الكترونية قبل  فترة قصيرة جدا يطلب فيها صداقتي عبر الفيسبوك , وقد فرحت جدا بها , وارسلت له رأسا جوابي الايجابي , وهكذا بدأنا نتراسل بودّ, ولكن هذه المراسلات  استمرت عدة اشهر ليس الا , اذ اصطدمت بخبر رحيله  ...
الرحمة والسكينة لروح الفنان الهادئ و المتواضع والاصيل فكري بشير , والذكر الطيب والخالد لاسمه ومكانته في عالم الموسيقى في العراق عموما , وفي تاريخ مدرسة الموسيقى والبالية العراقية والفرقة السمفونية العراقية , وتاريخ العراقيين الذين مرّوا بموسكو ...
 

111
مع د. خليل عبد العزيز في موسكو مرة اخرى (1)
أ.د. ضياء نافع
وصل د. خليل عبد العزيز من ستوكهولم الى موسكو في زيارة قصيرة جدا وسريعة كما اعتدنا على هذه ( الزيا رات الخاطفات!) من قبل صديقنا العزيز عبد العزيز , الذي يجسّد روح الشباب وتطلعاته وخططه , رغم بيت الشعر العربي الذي ذهب مثلا حول (  الثمانين التي احوجت سمع الشاعر الى ترجمان) , ويجب  علينا ( ان ندقّ على الخشب!) ونقول الحمد لله, اذ ان ( شكل د. خليل ومضمونه) لا يخضع بتاتا لبيت الشعر ذاك ولا يحتاج سمعه او ذاكرته ابدا الى ايّ نوع من انواع ال (ترجمان!) . هدف الزيارة الخاطفة هذه للدكتور خليل هو استلام  وسام من تجمّع خريجي كلية الصحافة في جامعة موسكو بعد الاحتفال بمرور نصف قرن على التخرّج من تلك الكلية العتيدة ( انظر مقالتنا بعنوان - كتاب نصف قرن بالروسية ) , ولا اريد التحدث اكثر عن هذا الوسام التكريمي الكبير, الذي استلمه زميلنا عبد العزيز , واترك تلك المهمّة له شخصيا كما وعدنا , واريد هنا ان اتحدث قليلا وباختصار عن مضمون تلك الاحاديث الممتعة والطريفة والمهمة لتاريخنا  , التي تزخر بها ذاكرة الدكتور خليل , الرجل ذو الروح الشبابية الحيوية المتدفقة , رغم كل تلك السنوات ( العجاف ) كما كتب هو عنها في كتابه الشهير – ( محطات من حياتي ).   
قال لي خليل في بداية اللقاء , وهو يذكّرني بمقالتي الاخيرة عن السائق الداغستاني الذي استشهد برأي رسول حمزاتوف  ( انظر مقالتنا بعنوان – مع سائق داغستاني في موسكو ) , انه قابل حمزاتوف مرّة عند مدير معهد الاستشراق الاكاديمي المشهور غفوروف , وسأله حمزاتوف ( هل قرأ كتابه عن داغستان ؟) , فأجابه خليل – ( نعم , ولكن بالعربية ) , فسأله رأسا – ( وهل الترجمة العربية للكتاب جيدة وتعكس للقارئ العربي روحية  ذلك الكتاب ؟) , فقال خليل لحمزاتوف – ( الترجمة ممتازة , والقراء العرب يتابعون نتاجاته  باعجاب وحب.) , فابتسم حمزاتوف وقال له ( ساجلب لك في المرة القادمة شيئا يعبق بعطر داغستان ) , ونسي خليل كل تلك الحكاية , ولكن حمزاتوف جلب له فعلا في زيارته الثانية لمعهد الاستشراق( بعد فترة طويلة) كيلوغراما من عسل جبال داغستان , وقال له , ان هذا العسل خاص ولا يباع في الاسواق , وان سكان الجبال يجلبونه له خصيصا اعتزازا بمكانته الادبية . وقال خليل لي , انه لحد الان يتذكر طعم ذلك العسل الرائع واللذيذ , رغم مرور اكثر من نصف قرن على تلك الحادثة , وانه تذكر طعم ذلك العسل عندما قرأ اسم حمزاتوف  في مقالتي تلك . وجرّنا الحديث عن الشاعر حمزاتوف الى الحديث عن شاعرين من فلسطين هما محمود درويش وسميح القاسم , الذين قابلهما اثناء مسيرة حياته الحافلة  , اذ تذكر خليل , كيف ان رئيس تحرير مجلة ( أغنيوك ) الاسبوعية السوفيتية  الشاعر سفرونوف طلب منه مرّة ان يجلس معه في احدى المؤتمرات عندما قدّم سفرونوف لمحمود درويش الترجمة الروسية لمجموعة من قصائدة , والتي أصدرتها مجلة ( أغنيوك ) ضمن سلسلة الكتيبات الشعرية التي كانت تصدرها بمئة الف نسخة اسبوعيا , وحكى خليل كيف تناول محمود درويش الكتاب وفتحه وأشار الى مقطع في قصيدة وطلب من المترجم الروسي ان يقرأ له ذلك المقطع وان يترجمه له  الى العربية رأسا, ففعل المترجم ذلك , وطلب منه ان يترجم له مقطعا آخر , ثم قال لهم – ( أنا لم أقل ذلك في قصائدي ) , وتوتر الجو طبعا , اذ ان المترجم  الروسي لا يستطيع ان يقرأ تلك المقاطع بالروسية ويترجمها رأسا الى العربية كما كتبها درويش نصا وبهذه السرعة , وانتهت تلك ( الجلسة الوديّة !) بان نهض محمود درويش وترك المكان , ولم يأخذ معه الكتاب , بل أبقاه امامهم على المنضدة , وقد استاء سفرونوف  جدا من هذا التصرّف غير اللائق جدا , وقال لهم ان ذلك يحدث لاول مرة في حياته  . أما سميح القاسم , فقد التقى به خليل في برلين اثناء انعقاد احدى المؤتمرات , وذهب دون موعد الى غرفته , بعد ان سمع , ان بعض العراقيين بصقوا في وجهه عندما رأوه وهو يسير مع الوفد الاسرائيلي . فتح القاسم باب غرفته , فقال له خليل , انه عراقي , فأجاب سميح مستفسرا – ( هل جئت لتبصق مرة اخرى في وجهي ؟) , فاجابه خليل – كلا , بل جئت معتذرا عن ذلك . وحدثني خليل كيف دعاه سميح للدخول الى غرفته , وكيف تحدثا سوية عن تلك الحادثة , اذ اوضح خليل له , ان بعض اعضاء الوفد العراقي( تنرفز) من رؤية العلم الاسرائيلي , فقال له سميح , انه رجع الى غرفته وأجهش بالبكاء , لأنه يحب العراق والعراقيين كما يحب فلسطين والفلسطينيين , وان العلم المرفوع فوق العراقيين لا يرمز الى النظام الدكتاتوري هناك ( كان الحادث زمن نظام صدام ) , بل الى المكان الجغرافي المحدد , وانه فلسطيني في بلد محتل , وانه يصمد هناك رغم انه مواطن من الدرجة الثانية بسبب هذا الاحتلال, ولكنه لا يترك وطنه , بل يتشبث بارضه هناك , وان هذا هو الموقف الصحيح – من وجهة نظره – الذي يجب ان يقوم به كل فلسطيني.
 الحديث الممتع مع د. خليل عبد العزيز يتشعب دائما , وهذا ما سوف اتناوله في الحلقة الثانية حول هذا اللقاء...

112
   كيف احتفلت روسيا هذا العام بميلاد بوشكين   
أ.د. ضياء نافع
اكتب هذه السطور في اليوم السادس من حزيران / يونيو عام 2019 , والذي تحتفل فيه روسيا بميلاد بوشكين ,  والذي وحّدت معه يوم اللغة الروسية ايضا , لأن بوشكين واللغة الروسية الادبية المعاصرة صنوان .  ولد بوشكين في هذا اليوم قبل 220 سنة , وعندما ذهبت اليوم لشراء الصحف الروسية كالعادة , شاهدت صور بوشكين على الصفحات الاولى وهي معلقة على واجهات الاكشاك .  ها هي صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) وعليها بورتريت بوشكين بشعره المجعّد , او ( المكعكل !) كما نقول بلهجتنا العراقية الحلوة , والمانشيت الكبير فوق تلك اللوحة الجميلة هو – ( نطير مع بوشكين ) , وهي جملة غريبة جدا وغير مفهومة للقارئ بتاتا , ولكن الجملة الاصغر تحتها توضحها , اذ نقرأ ما يأتي – ( الان مطار شيرميتوفو  الموسكوفي  يحمل اسم الكلاسيكي الروسي ) , اي ان روسيا قررت في عيد ميلاد بوشكين ان تطلق اسمه على واحد من اكبر مطارات العاصمة الروسية , وهكذا تتوضح جملة المانشيت , اذ ستقلع مئات الطائرات الان من (مطار بوشكين) وستهبط مئات الطائرات في (مطار بوشكين) ..., وذلك بعد ان وقّع الرئيس الروسي الامر الاداري الخاص باطلاق تلك التسمية  نتيجة لفوز اسم بوشكين في مسابقة ( الاسماء  العظيمة لروسيا ) في التصويت الشعبي الواسع حول تلك الاسماء التي كانت مرشحة لتسمية ذلك المطار الدولي الكبير, وارتباطا بهذه الذكرى يفتتح تمثال لبوشكين في المطار وهو يقف بحجمه الطبيعي يلقي القصائد ويمسك بيده كتابا مفتوحا , والتمثال من ابداع النحات الروسي المعاصر بورغانوف , و الذي سبق له ان عمل التمثال الشهير لبوشكين وزوجته في موسكو , وكذلك تمثال بوشكين في واشنطن . يتضمن هذا العدد من صحيفة ( ليتراتورنايا  غازيتا ) ايضا مقالتين تشغل كل واحدة منهما صفحة كاملة, الاولى بعنوان – (الشاعر) , وهي مقاطع من مقالة منشورة في نفس تلك الصحيفة عام 1937 , اي عندما احتفلت روسيا السوفيتية بالذكرى المئوية لميلاد بوشكين , وتستعرض المقالة بعض نتاجات بوشكين باسلوب شاعري رقراق , وتقول مثلا عن الحكايات الشعبية له – (... انها حلمه عن مستقبل الانسانية , حيث البحر يجب ان يكون أزرقا , والاسماك والطيور يجب ان يكونوا  من ذهب , وخدود الفتيات يجب ان تكون متوردة .... ) . اما المقالة الثانية فقد كتبها باحث من القوقاز حول ملحمة شعرية  عن حوادث وشخوص من تلك المناطق الجبلية  بدأ بوشكين بكتابتها عام 1829 , ولكنه لم يكملها , ووجدوها ضمن مسوداته الكثيرة, والتي يقول عنها هذا الباحث , انها ذات  اهمية رغم ان بوشكين لم يكملها , لانها لازالت تمتلك ارتباطها بواقع القوقاز لحد الان , ولا مجال هنا للتوسع في الكلام عن ذلك اكثر. 
اما صحيفة ( ليتيراتورنايا  راسيّا ) فقد نشرت على صفحتها الاولى ايضا لوحة جميلة لبوشكين على خلفية منظر للريف الروسي  النموذجي بسعته واشجاره وانهاره , وتحت تلك اللوحة مانشيت كبير يقول – ( لقد حكى لروسيا عن روسيا ) , وهذا هوعنوان مقالة تشغل حوالي  صفحة ونصف من العدد المذكور في تلك الصحيفة , وتتناول موقف بوشكين الفكري العميق من قضية كانت ولازالت ملتهبة – ان جاز التعبير – في روسيا , وتكمن في تحديد موقع روسيا في العالم ومسيرتها اللاحقة , وهل هي اوربية بحتة , ويجب عليها الالتحاق بالركب الاوربي, ام انها تمتلك خصائصها القومية المحددة , والتي تقتضي التركيز على تلك الخصائص وتطوير مسيرتها الخاصة بها , وهي مسألة شطرت الفكر الروسي على مدى اكثر من قرنين من الزمان بين مؤيد للنزعة الاوربية الغربية وآخر يؤيد النزعة السلافية , والمقالة تؤكد طبعا , ان بوشكين كان أقرب ( واؤكد على كلمة أقرب هذه ) الى افكار النزعة السلافية الخاصة بروسيا,  لان بوشكين كان يعبّر عن الروح الروسيّة حسب بيت الشعر البوشكيني الشهير ,و الذي ذهب مثلا  –
 الروح الروسية هناك..
 وعبق الروسيا هناك..
ختاما لهذه الملاحظات السريعة عن احتفالات روسيا بميلاد بوشكين , اود ان اشير- ليس الا - الى البرامج الحافلة والمتنوعة في قنوات التلفزيون الروسية العديدة حول بوشكين من علاقته الصعبة والمعقدة مع السلطة ( بما فيهم القيصر الروسي  وزوجته ) , والى عشقه للنساء من حوله ومغامراته معهنّ , والتي انعكست طبعا في قصائده , و الى مبارزته مع دانتيس ومقتله , والى احفاده و احفادهم , والى قصائده المغناة , والى طبعات  مؤلفاته المختلفة , والى ترجمات نتاجاته , والى آراء الناس البسطاء حول شعره , والى الافلام السينمائية التي انتجتها روسيا , المقتبسة من نتاجاته الادبية , والى والى والى ....
بوشكين في روسيا اكثر من شاعر , انه ظاهرة فذّة في تاريخ الفكر و الادب الروسي , وقد تحوّل اسمه الى رمز خالد من رموز روسيا , و بوشكين هو الذي يوحّد الروس  جميعا , بغض النظر عن اختلافاتهم  وتناقضاتهم ...   

113
مع سائق داغستاني في موسكو
أ.د. ضياء نافع
سألني رأسا ما ان جلست في سيارة الاجرة التي كان يقودها وبدون اي مقدمات – هل انت يهودي ؟ تعجبت من سؤاله , وقلت له انني عربي من العراق , وسألته عن سبب هذا السؤال الغريب والعجيب , فأجابني قائلا , انه داغستاني , ويستطيع ان يميّز رأسا انني لست من مناطق القوقاز المعروفة لديه مثل اذربيجان او ارمينيا او جورجيا او غيرها , ولهذا فانه سألني هذا السؤال , اذ لم يخطر بباله بتاتا انني اجنبي . ضحكت انا , وقلت له , ان معرفته بعلم الاجناس هذه المرّة لم تنجح , فاعترف بذلك واعتذر منّي اعتذارا شديدا جدا وكرّره, وقال لي وهو يضحك – ( سأحكي لاصدقائي هذه الغلطة الكبيرة التي ارتكبتها بحق عربي من العراق ) . وهكذا بدأنا بالدردشة وهو يقود سيارة الاجرة في شوارع موسكو , وطالت الدردشة تلك بسبب الازدحام الشديد في شوارع العاصمة الروسية الضخمة , والتي يسميها البعض دولة كاملة داخل الدولة الروسية .  تحدثنا طبعا عن اوضاع داغستان الان , اذ اني شاهدت في عاصمتها مخجكلا ( محج قلعة)  قبل عدة سنوات كثيرا من نقاط الحراسات في شوارعها حيث تقف قوات من الجيش والشرطة بشكل دائم , فقال ان نشاط الارهابيين هناك مستمر , ولا يريدون له ان ينتهي , وذلك لأن هذا النشاط يصب في صالح الفساد الاداري السائد في داغستان , اذ ان القضاء على ارهابي واحد يكلف الخزينة اكثر من سبعة ملايين روبل , تعجبت انا مرة اخرى وسألته – من اين لديك هذا الرقم الدقيق والغريب, وهل هو نتيجة احصاءآت رسمية ؟ فقال ضاحكا – لا لا, ولكننا هكذا نقول في احاديثنا العامة في الشارع الداغستاني , فسألته -   اليست هذه مبالغة ؟ فقال -  لا لا , فمن الذي يحسب عدد الاطلاقات النارية , التي يطلقها افراد الشرطة والجيش عند التصادمات مع الارهابيين ؟ وهذا بالذات ما يستغله الفساد الاداري في تلك الاجهزة , وقال ضاحكا – (و يضربون الرقم  في مئة عندما يقدمون التقرير النهائي , وهي صفقة مغرية جدا , وتدر ارباحا خيالية ويتقاسمها الجميع من كبيرهم الى صغيرهم ! ). سألته عن هؤلاء الارهابيين وماذا يريدون , فقال انهم يريدون الانفصال عن الدولة الروسية واعلان دولة داغستان الاسلامية , وان هدفهم هذا خيالي جدا ويتعارض مع واقع داغستان و لا تتقبله الاكثرية من الداغستانيين , ولن يتحقق ابدا , ولكن العوامل الخارجية والفساد الا داري يلعبان دورا في كل هذه القضية المعقدة . وسألني فجأة – هل تعرف شاعرنا رسول حمزاتوف ؟ فقلت له طبعا اعرفه , وهو معروف جدا لكل القراء العراقيين , فارتاح جدا لجوابي , وقال , ان حمزاتوف صرح في اواخر حياته , انه متألم جدا من تلك الافكار التي كانت شبه سا ئدة تقريبا لدى الكثيرين من الداغستانيين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حول ضرورة انفصال داغستان مثل ما قامت به جمهوريات القوقاز السوفيتية المجاورة لنا  كأذربيجان وارمينيا وجورجيا , وكان حمزاتوف ضد تلك النزعة , وضد الانفصال عن روسيا باي حال من الاحوال , وقال السائق مضيفا – ( ونحن نفهم الان في داغستان كم كان حمزاتوف محقا ) . انتقل السائق الداغستاني للحديث عن  ايام الاتحاد السوفيتي , وقال ان والديه يحنان لحد الان الى تلك الايام الخوالي , حيث كانت حياتهما مستقرة ومريحة كليا , وكان عملهما وراتبهما وتقاعدهما وعلاجهما مضمونا بكل معنى الكلمة , فسألته – ( وانت ايضا تحن الى الاتحاد السوفيتي ؟) , فأجاب – ليس مثلهما , اذ كانت هناك اشياء ايجابية رائعة , ولكن كانت هناك ايضا الكثير من السلبيات , وضحك وقال – ( لم يكن باستطاعتي مثلا ان اتحدث بهذه الصراحة مع اجنبي  , كما اتحدث معك الان ).


114
( مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) لغوغول / تأملات
أ.د. ضياء نافع
كتبت عن هذا الكتاب في مقالتي بعنوان – (حول آخر كتاب لغوغول) , وقدمت هناك ترجمة لفهرسه ليس الا , وكتبت عن هذا الكتاب ايضا في مقالتي بعنوان – ( حول رسالة بيلينسكي الى غوغول ) , وذكرته في مقالاتي الاخرى عن غوغول  , واعود هنا اليه, وذلك لانه من  الكتب النادرة , التي تجبر القراء على العودة اليها  بهدوء وامعان وتأمّل,  اذ ان غوغول وضع هناك خلاصة افكاره  بعد تلك الفترة الطويلة من التفكير العميق في ايطاليا , والتي أدّت به الى اتخاذ القرار الخطير بعدئذ , وهو حرق الجزء الثاني من روايته ( الارواح الميتة) , والتي انجزها طوال فترة غير قصيرة من العمل الفكري الدؤوب , وقد تحولت تلك الغرفة التي حرق غوغول في موقدها  روايته  الى متحف الان ( انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت غوغول ) .
 كتاب ( مختارات من مراسلات مع الاصدقاء ) هو النتاج المركزي في ابداع غوغول بفترته الاخيرة , اذ صدر عام 1848 , بعد ان بدأت ازمته الفكرية الروحية الخانقة ( توفي غوغول عام 1852) . لقد صدرت كل مؤلفات غوغول بين اعوام 1829 و 1842 , اي انه ابتدأ بالنشر عندما كان عمره 20 سنة , واصدر رواية الارواح الميتة عندما كان عمره 33 سنة ليس الا . كتابه الاخير هذا أثار ( زوبعة !) من ردود الفعل  الصاخبة والمتنافرة في اوساط الادب الروسي خصوصا والمجتمع الروسي المثقف عموما , والتي يمكن القول ان آثارها وبقاياها لازالت واضحة المعالم لحد الان بشكل او بآخر .
نقرأ في مقدمة هذا الكتاب كلمات صادمة حقا , اذ يبتدأ غوغول هكذا – (كنت مريضا بشدة , وكان الموت قاب قوسين او أدنى منّي ). ويستمر غوغول – (استجمعت قواي المتبقية , واستخدمت في اول لحظة من الصحو قواي العقلية , وكتبت وصيتي الروحية , والتي أضع فيها المسؤولية على عاتق أصدقائي كي ينشروا  بعد موتي بعض رسائلي.) , ويكتب غوغول لاحقا في مقدمته للكتاب قائلا – ( لقد أردت ان اكفّر عن كل ما نشرته , لانه في رسائلي وحسب اعترافات هؤلاء الذين كتبتها لهم , توجد ضرورة اكثر للانسان مما في مؤلفاتي ). وهذه هي الفكرة التي لم يتقبّلها الكثيرون , وخصوصا بيلينسكي , والتي رفضها بكل وضوح وعنف في رسالته المشهورة الى غوغول, وهذه هي الفكرة التي تثير نقاشات حادة بين المتخصصين في الادب الروسي ولحد الان , ولا يمكن طبعا التوسع هنا حول هذه النقطة الفكرية البحتة, ولكن ايجازها يشير , الى ان غوغول اراد ان يقول ان رسائله تتضمن افكارا محددة ودقيقة حول مشاكل وقضايا اجتماعية وثقافية تقف امام الانسان الروسي, اما مؤلفاته الادبية فانها تحتوي على صور فنية قد لا تصل فحواها الى القارئ بشكل محدد و دقيق كما في رسائله , او انه اراد ان يقول كلمة جديدة للقارئ . لكن مؤلفات غوغول الادبية – من جانب آخر - لازالت حيّة وتتفاعل بقوة في اوساط المجتمع الروسي والمجتمعات العديدة الاخرى في العالم بما فيها مجتمعاتنا العربية , ولو كانت ضرورة هذه المؤلفات أقل للانسان من رسائله ( كما يقول غوغول في تلك المقدمة ) , لما حدث ذلك التفاعل الانساني الشامل معها , وهنا يكمن التنافر او حتى يمكن القول – التناقض بين الواقع الموجود لحد الان وبين آراء غوغول , الذي ابدع هو نفسه تلك النتاجات الفنية , وهو نفسه الذي كتب تلك الرسائل ايضا , ولهذا أشرنا في بداية هذه المقالة , الى ان  بقايا ردود الفعل على هذا الكتاب لا زالت موجودة الى حد الان.
يستمر غوغول في مقدمته تلك بتبرير تأليفه لهذا الكتاب , ويقول , انه قرر السفر الى الديار المقدسة ( اي القدس في فلسطين ) بعد الشفاء من مرضه , وذلك لأن هذه الزيارة ( ضرورية لروحه ) , ولكنه يشعر ( ان حياته معلقة بشعرة واحدة ) , وانه يمكن ان يحدث كل شئ في هذه الرحلة , ويقصد طبعا الموت ( كان هاجس الموت يسيطر عليه اثناء تلك الازمة الروحية ) , ولهذا يكتب غوغول قائلا - ( اردت ان ابقي لمواطنيّ شيئا ما من كياني عند الفراق . لقد اخترت بنفسي من رسائلي الاخيرة , التي استطعت ان استلمها مرجعا , كل ما له علاقة بالقضايا التي تشغل المجتمع الآن , وسأضيف مقالتين او ثلاث مقالات ادبية , واخيرا وصيتي , في حالة وفاتي في الطريق .) , ثم يضيف غوغول – ( .. وقلبي يقول ان هذا الكتاب مهم ويمكن ان يكون مفيدا ..) .
 نعم يا غوغول , قلب الفنان يقول له الحقيقة , فكتابك هذا مهم فعلا ومفيد فعلا , ولكن نتاجاتك الفنية الاخرى مهمة ومفيدة ورائعة ايضا يا نيقولاي فاسيليفتش , ولهذا فان روسيا لا زالت (تتغنى!) بها , وليس روسيا فقط , وانما شعوب العالم ايضا , بما فيهم طلبة قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد , يا نيقولاي فاسيليفتش , الذين كانوا يقهقهون عندما يقرأون قصة ( الانف) , او عندما يؤدون ادوارهم في مسرحية ( المفتش) على ( خشبة!) مسرحهم  الطلابي الجميل.   


115
 
سفراء من خريجي قسم اللغة الروسية / د. غالب عبد حسين التميمي
ا.د. ضياء نافع
كان يمكن لعنوان مقالتنا هذه ان يكون ايضا – ( عراقيون مرّوا بموسكو ) , اي ضمن سلسلة مقالاتنا عن العراقيين الذين درسوا في الجامعات الروسية , ولكننا ارتأينا ان يكون العنوان مرتبطا بقسم اللغة الروسية في جامعة بغداد ( بيتنا الحبيب , والذي عملت فيه 35 سنة باكملها  !), وذلك للتأكيد , على ان هذا القسم هو البوابة التي قد ( واؤكد على قد ) تؤدي للدراسة اللاحقة في تلك الجامعات , وقد ( واقصد ربما) تؤدي ايضا الى تلك النتائج الباهرة, رغم انه يجب الاشارة هنا رأسا , ان منصب السفير في العراق هو منصب سياسي بحت قبل كل شئ وبعد كل شئ وبغض النظر عن اي اختصاص , ولكن.. مع ذلك .. مع ذلك ..مع ذلك.. , كما يقول الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي في احدى قصائده المشهورة عن الحرب بترجمة الراحل الكبير د. ابو بكر يوسف ...
 السفراء حسب التسلسل الزمني لتعينهم  هم –  د. غالب عبد حسين التميمي  , ثم , المرحوم د. عباس خلف كنفذ , ثم , د. فلاح عبد الحسن عبد السادة . غالب و عباس كانا طالبين في فرع اللغة الروسية بقسم اللغات الاوربية  في كلية الاداب بجامعة بغداد, و فلاح كان طالبا في قسم اللغة الروسية  في كلية اللغات , بعد اعادتها (الى الحياة!) من جديد عام 1987 .
د . غالب كان سفيرا للعراق في أذربيجان , وهو أول تعيين له كسفير, وكان آخر سفير هناك قبل الاحتلال الامريكي عام 2003 وسقوط نظام  صدام , والمرحوم د. عباس كان سفيرا للعراق  في روسيا , وهو ايضا اول تعيين له كسفير , وكان آخر سفيرهناك قبل احداث عام 2003 تلك  , أما د . فلاح , فقد اصبح سفيرا للعراق بعد عام 2003 , في صربيا اولا , وهو الان سفير العراق في الهند . لقد أشرنا في بداية مقالتنا هذه , ان منصب السفير هو منصب سياسي بحت, وبالتالي , فان هؤلاء الخريجيين أصبحوا سفراء نتيجة لمواقفهم ومواقعهم السياسية طبعا , ولكننا نكتب مقالتنا هذه للتاريخ اولا , و ثانيا , استمرارا  لمحاولة تسجيل تاريخ قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد ومسيرته  منذ تأسيسه عام  1958 , وتسجيل مصائر خريجيه طبعا تعد مسألة حيوية في تاريخ هذا القسم , وكم اتمنى ان أرى يوما ما قائمة شاملة تضم اسماء كل خريجيه ( او معظمهم في الاقل) ومصائرهم ومناصبهم وطبيعة اعمالهم بعد تخرجهم , وهو عمل ارشيفي كبير يقتضي جهودا جماعية منسقة بلا شك , وهو كذلك جزء حيوي لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر طبعا . مقالتنا هذه تتوقف عند اول سفير في هذه السلسلة  وهو-  د. غالب عبد حسين التميمي , ونأمل العودة الى الاسماء الاخرى لاحقا.
 د. غالب . كان أحد مسؤولي الاتحاد الوطني لطلبة العراق في كلية الاداب في السبعينات , والاتحاد هذا كان خاضعا كليّا لحزب البعث الحاكم آنذاك , ولهذا , فان غالب كان طبعا ضمن اعضاء  ذلك الحزب , و كما يقول المثل العالمي , يمكن معرفة جوهر الانسان عندما يكون لديه المال او السلطة . كان غالب نموذ جا  للانسان المؤدب والخلوق , خصوصا تجاهنا نحن اساتذته , وقد كنا نشعر بذلك , ولهذا اصبحت العلاقات معه واسعة جدا, وبعد انهاء دراسته في فرع اللغة الروسية , سافر الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته , وحصل على الدكتوراه في اللغة الروسية من جامعة مينسك في جمهورية بيلوروسيا السوفيتية , وقد التقينا بمشرفته العلمية مرة في احدى المؤتمرات العلمية في موسكو, وكانت راضية عنه علميا واخلاقيا لدرجة انها شكرتنا , وقالت انه عكس لنا طبيعة اخلاق العراقيين الراقية , وكذلك مستوى تدريس اللغة الروسية في جامعة بغداد , وقد شعرنا آنذاك بالفخر عندما كنّا نستمع اليها . عمل  د. غالب في قسمنا بعد حصوله على الدكتوراة لفترة قصيرة ثم انتقل الى الخارجية ( لانه اصطدم برئيس القسم المتزمت والمتهور, والذي كان  رأس البعثيين آنذاك) , وعندما كنا نسافر الى موسكو صيفا , كان هو موظفا في سفارتنا هناك , وكان  يستقبلنا بحفاوة متناهية وكرم حاتمي ويقدمنا للحميع على اننا اساتذته . لقد كان د. غالب انسانا بسيطا ونقيّا و صادقا وعراقيّا اصيلا و محبوبا من قبل الجميع ومحترما من قبل الجميع  منذ ان كان طالبا في القسم , وهكذا بقي دائما , اذ ان تربيته العائلية واخلاقه الراقية تغلبت على حزبيته  في  كل تصرفاته الحياتية  و علاقاته مع  الآخرين , وهي ظاهرة نادرة جدا بين صفوف البعثيين  . د. غالب الان متقاعد و يسكن في بغداد مع زوجته واولاده في بيته المتواضع, ويعيش  بانعزال عن  المجتمع ومشاغله ومشاكله , ولكنه يسير برأس مرفوع , لأنه يحصد ما زرعه في مسيرة حياته  النظيفة.
 

116
أمثال صربية مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – حافظ على الطرق الجديدة والاصدقاء القدامى.
التعليق – تؤكد الكثير من امثال الشعوب على الاصدقاء القدامى , منها مثل روسي يقول ان الصديق القديم افضل من صديقين جديدين , ولكن الشئ الطريف والغريب في المثل الصربي هو الربط مع الطرق الجديدة ... .   
+++++
الترجمة الحرفية -  الامانة أثمن من النقود.
التعليق – مثل انساني نبيل تتناوله أمثال الشعوب و المجتمعات كافة , والامانة بالنسبة لشعوبنا العربية – ( اصدق الصدق..)  .
+++++
الترجمة الحرفية –  اختفاء القرية افضل من اختفاء التقاليد.
التعليق – يبين هذا المثل رسوخ التقاليد والحفاظ عليها والالتزام  بها عند الصرب , ويمكن فعلا لاي شخص ان يلاحظ ذلك  حتى عند الاختلاط البسيط معهم , ومع ذلك , فان بنية هذا المثل متطرفة و قاسية , وربما تعكس هذه البنية  وضعية محددة في تاريخهم. 
++++
الترجمة الحرفية – أي أب , أي ابن.
التعليق –  ونحن نقول ايضا , الولد على سر ابيه.
+++++
الترجمة الحرفية – اذا تقدر ان تقضم , لا تعرض اسنانك.
التعليق –  مثل طريف في معناه المباشر و(غير المباشر ايضا !!), اذ ان صفة التباهي ومدح النفس مذمومة عند الانسان في المجتمعات الانسانية كافة . الصورة الفنية في هذا المثل تعكس فعلا المعنى  الدقيق والساخر الذي اراد المثل ان يقوله في ذم التباهي وشجبه .
+++++
الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تجلس عند النيران ولا تفوح  منك  رائحة  الدخان .
التعليق – مثل طريف جدا  يتناول تأثير الظواهر المحيطة بالانسان على خصائص ذلك الانسان وسماته , وهو موضوع  ينعكس في امثال الكثير من الشعوب .  الصورة الفنية في هذا المثل الصربي مبتكرة وغير اعتيادية فعلا.
+++++
الترجمة الحرفية – اينما ستذهب , ستعود الى البيت في كل الاحوال  .
التعليق – يذكّر هذا المثل من حيث المعنى بقصيدة أبي تمام الخالدة , والتي ذهبت مثلا –
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى // ما الحب الا للحبيب الاول
كم منزل في الارض يألفه الفتى // وحنينه ابدا لاول منزل.
 
  المثل العربي أجمل , لكن المثل الصربي أكثر سعة و شمولية.
+++++
الترجمة الحرفية – لا تطلق العنان للسان في الاحتفالات وفي الحديث , ولا للقلب في الغضب.
التعليق –  اللسان عدو الانسان كما يقول المثل العربي الشهير, ولهذا تحثّ امثالنا للحد من اطلاق العنان للسان , وكذلك  تدعو امثالنا لكبح الغضب , ولكن الطرافة في هذا المثل الصربي تكمن في توحيد هذين الظاهرتين معا .
+++++
الترحمة الحرفية – من الصعب ايجاد الانسان الحقيقي , لكن من السهل التعرّف عليه.
التعليق –  يلخّص هذا المثل حقيقة ساطعة فعلا من حقائق الحياة الانسانية.
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تكذب , اكذب هكذا , وكأنما انت نفسك تصدق ذلك.
التعليق –  هذه (نصيحة !) مهمة للكذابين في كل زمان ومكان , وربما يمكن لهذه ( النصيحة الثمينة!) ان تقلل من كذب الكذابين هؤلاء ( وما أكثرهم حولنا !) . معنى المثل عميق بلا شك , وبنيتة  ساخرة جدا ,
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان يريد ان يكون أفضل من الآخرين , لكن أسوأ من ابنه.
التعليق – كل اب يريد لابنه ان يكون متميّزا وناجحا , ولكن طرافة هذا المثل تكمن في الربط  بين وضع الاب مقارنة مع ابنه , اذ ان الاب يريد ان يكون الاسوأ.


117
 
شئ عن متحف تسفيتايفا وبرنامجه الثقافي
ا.د. ضياء نافع
متحف تسفيتايفا في موسكو هو الشقة التي عاشت بها الشاعرة وعائلتها الصغيرة منذ عام 1914 الى عام 1922 (هاجرت بعدئذ من الاتحاد السوفيتي مع زوجها) . و الشاعرة مارينا تسفيتايفا ( 1892-1941 ) هي ابنة بروفيسور جامعة موسكو  ومؤسس متحف الفنون الجميلة  في موسكو واول مدير له  , ووالدتها عازفة بيانو معروفة في روسيا .
 عندما قررت الاوساط الثقافية في روسيا الاتحادية عام  1992 تحويل هذه الشقة الى متحف , تم دمج الشقة المجاورة لها مع المتحف , اي اصبح كل الطابق في تلك البناية متحفا , وأقامت تمثالا رائعا لتسفيتايفا في الشارع امام تلك البناية , وهكذا اصبحت تسمية هذا المكان  – ( بيت – متحف تسفيتايفا ) , ويعدّ واحدا من المتاحف الحديثة نسبيا في موسكو , ويضم الان 45 الف مادة ترتبط بتسفيتايفا وحياتها من رسائل وصور ولوحات وكتب وحاجات شخصية وأثاث ....الخ . لقد زرت هذا البيت – المتحف قبل فترة ( انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت تسفيتايفا) , وعندما خرجت , طرحوا عليّ سؤالا هو – هل ترغب ان نعلمك بنشاطات متحفنا الثقافية ؟ فأجبت – نعم وبكل سرور , فطلبوا عنواني الالكتروني , وهكذا ابتدأت باستلام برامجهم الثقافية المتنوعة , والمرتبطة طبعا بالادب الروسي ومسيرته. لقد اختتمت مقالتي المشار اليها أعلاه ببرنامج ذلك المتحف عندما زرته آنذاك , وحاولت بعدئذ متابعة نشاطاتهم الثقافية حسب وقتي وظروفي , واليوم استلمت برنامجهم الثقافي لشهر نيسان / ابريل 2019 , ويتضمن خلاصة وجيزة لكل فقرة من فقراته , وكم تأسفت لان ظروفي الان لا تسمح لي بالمشاركة معهم وحضور هذه الفعاليات الجميلة والممتعة حول الادب الروسي , ولهذا قررت اطلاع القراء على بعض فقرات هذا البرنامج بشكل وجيز , اذ في الاقل سيعرف القراء طبيعة هذه البرامج الثقافية , التي يقدمها هذا المتحف للجمهور المتابع لاخبار الادب الروسي , وأظن ان  القراء العرب ربما سيجدون في هذا التعريف الوجيز معلومات مفيدة وجديدة عن الادب الروسي و اعلامه وتاريخه ومسيرته. 
الفقرة الاولى , التي اتوقف عندها في هذا البرنامج جاءت بعنوان – توتشيف وفيت , وهما شاعران عملاقان في تاريخ الشعر الروسي بمنتصف القرن التاسع عشر ( اي بعد بوشكين) . الخلاصة الوجيزة عنهما في ذلك البرنامج تتناول مكانتهما المتميّزة في مسيرة الشعر الروسي , وتأثيرهما بالذات على شعراء العصر الفضي ( وهي تسمية لعشرينيات القرن العشرين تمييزا  لها عن تسمية العصر الذهبي للشعر الروسي , وهو زمن بوشكين) , و تنتقل الخلاصة  للحديث عن انعكاس خصائصهما الفنية في الحياة الثقافية الروسية المعاصرة , وهو موضوع جديد بكل معنى الكلمة , و تختتم الخلاصة عرضها لطبيعة هذه الفقرة بجمل تحمل سمات شعر هذين الشاعرين , وهي كما يأتي – ( ...و كيف كانا يسكبان الهدوء والسكينة على الاصوات وضجيجها , و الليل على النهار , و الاحاسيس على التعقّل...) , و يتساءل كاتب تلك الخلاصة في النهاية  قائلا – هل كانا يمثلان البوذية الروسية العفوية ؟ . وباختصار , فان تلك الكلمات القليلة عن هذه الفقرة في البرنامج الثقافي لمتحف تسفيتايفا تثير القارئ المتابع للظواهر الجديدة في الادب الروسي , وتجعله متلهفا فعلا لحضور هذه المحاضرة العميقة والطريفة في مسيرة الشعر الروسي .
      الفقرة الثانية التي نتوقف عندها قليلا في هذا البرنامج ترتبط بتاريخ المسرح الروسي , وقد جاءت تحت عنوان – ( من غريبويديف الى استروفسكي ) . يشير البرنامج الى ان المحاضرة هذه تتناول المسرحيات الكلاسيكية البارزة في هذه الفترة الزمنية الطويلة نسبيا في تاريخ المسرح الروسي .
الفقرة الثالثة جاءت بعنوان – ( مارينا تسفيتايفا عن الكساندر بلوك ) , وهذا  موضوع كبير لازال النقاد والباحثون يتناولونه , اذ ان علاقة تسفيتايفا تجاه بلوك كانت غير اعتيادية بتاتا , فهي لم تستطع ان تتقبّل امكانية ان تقابله وتتكلم معه اثناء حياته , لأنها كانت تعدّه ظاهرة استثنائية وخاصة جدا بين البشر , ولهذا كانت تخشى اللقاء معه وتخجل وترتبك. لقد كتبت له القصائد وارسلتها اليه ليس الا , واحتفظت بطبيعة هذه العلاقة الروحية الغريبة طوال حياتها , ويشير بعض الباحثين الى ان هذه العلاقة تكاد ان تكون ( الآهية!) .
الفقرة الاخيرة , التي اخترناها من ذلك البرنامج تدور حول الرواية في الادب الروسي , وقد جاءت تحت عنوان – ( المشترك بين ابطال روايات تورغينيف وغانجيروف ودستويفسكي ) , وهو طرح جديد في عالم النقد الادبي الروسي , اذ  يتناول مجموعة مختلفة من الروائيين الروس الكبار , بعيدين عن بعض كليّا من حيث الافكار والاسلوب والاهداف ومسيرة حياتهم بشكل عام.
لقد تحولت بيوت الادباء الروس الكبار الى متاحف تحافظ على تراث هؤلاء الادباء , وتساهم في نفس الوقت بدراسة تراثهم  , ومكانة هذا التراث واهميته في مجمل مسيرة الادب الروسي , ومتحف تسفيتايفا هو واحد من عشرات المتاحف الاخرى في روسيا.
متى نحقق نحن اقامة متاحف لادبائنا؟ ومتى نرى بيوتهم وقد تحولت الى متاحف تحافظ على تراثهم , وتقوم بدراسته ونشره ؟ في بغداد يدور الحديث منذ سنوات طويلة عن بيت الجواهري ولكن..... 
 

118
عراقيون مرّوا بموسكو(28 )/ فريد الله ويردي
ا.د. ضياء نافع
فريد الله ويردي بالنسبة لي هو تجسيد رائع و رمز خالد لتواضع العظماء , الذين مرّوا  في حياتي . وكنت اخطط طوال  السنوات العشرين الماضية ان اكتب عنه , خصوصا عندما عرفت بوفاته , وذلك لانني اودّه جدا واحترمه كثيرا ومعجب ببساطته وعمق ثقافته وتواضعه الرائع , ولكني لم اكتب , اذ وجدت ان الدكتور سيّار الجميل قد كتب  عنه – بعد وفاته - اعمق واوسع مما اردت ان اكتب انا , وهكذا تركت الموضوع , وكنت آنذاك لازلت في بغداد , ولكن عندما انتقلت للسكن في موسكو , وبدأت بنشر سلسلة مقالاتي ( عراقيون مرّوا بموسكو ) , عادت فكرة الكتابة عنه من جديد, باعتباره علما من اعلام العراقيين بموسكو, الذين كانوا معنا في بداية ستينات القرن الماضي , ولكني وجدت , ان الزميل عبد الله حبه كتب عنه بالذات مقالة جميلة ووافية حول ذلك الجانب المشرق من حياة ويردي آنذاك ونشرها ضمن مقالاته الاخرى عن اعلام العرب بموسكو في موقع ( روسيا اليوم ) والتي تم حذفها مع الاسف بعدئذ , وقد سألتني ارملته السيدة لودميلا( و كنا نسميها جميعا ميلا ) ويردي عن كاتبها في احدى رسائلها لي, واخبرتها  طبعا باسم الزميل عبد الله حبه , ثم علمت من عبد الله بعدئذ , انها طلبت منه ان يترجم مقالتها ( التي كتبتها طبعا بالروسية ) عن زوجها الراحل , وفعلا قام عبد الله حبه بترجمة رائعة لتلك المقالة المليئة بالحنان والامتنان والمعلومات البيبلوغرافية المهمة جدا حول مسيرة المرحوم  فريد الله ويردي في عالم الموسيقى الساحر الجمال منذ خطواته الرائدة الاولى في المملكة العراقية  ثم في الجمهورية العراقية ودراسته لاحقا في شتى بقاع العالم وعمله الفني الكبير, اذ ان السيدة لودميلا ويردي رافقته منذ ان كان يدرس بموسكو في الستينات وبعد رجوعه الى بغداد , ثم سفره مرة اخرى الى الغرب , وعودته الى الاردن للسكن والعمل هناك , ثم هجرته الاخيرة الى ايرلندا حيث توفي عام2007.
لم أشأ ان اكتب عن المرحوم فريد الله ويردي بعد مقالات سيّار الجميل وعبد الله حبه و ارملته السيدة ميلا ويردي ومقالات عديدة اخرى , اذ ان تلك المقالات قد رسمت فعلا صورة متكاملة ومشرقة وحقيقية عنه كانسان وكموسيقي رائد ومتميز في دنيا الموسيقى العراقية , ولكني اطلعت قبل ايام على مقالة جميلة وموضوعية وموسوعية بعنوان – ( الثقافة الامريكية وتعزيز قيم الحداثة  في العراق ), يتناول فيها كاتبها الاستاذ علي عبد الامير عدة شخصيات ثقافية عراقية كبيرة و متميزة فعلا في تاريخ العراق المعاصر ممن درسوا في امريكا , ويتحدث في سطور وجيزة عن ابرز اعمالهم الثقافية  ( مثل علي الوردي واحمد سوسه وطه باقر وكامران حسني ونازك الملائكة وبياتريس اوهانيسيان وجعفر علي وبدري حسون فريد...الخ هذه الاسماء اللامعة الاخرى ) , ووجدت  هناك اسم فريد الله ويردي ايضا ,  , وهي اشارة صحيحة طبعا , لان فريد درس في امريكا فعلا  بعد موسكو, ولكني فوجئت , لاني وجدت في تلك السطور عن فريد الله ويردي فقط ( دون الاسماء الاخرى ) تأكيدا على الجانب السياسي لنشاطه اكثر من الحديث عن الجانب الابداعي لدى هذا الموسيقيّ الكبير , اذ يقول الاستاذ علي عبد الامير هناك , ان ( النظام البعثي – القومي قد حكم عليه غيابيا بالاعدام ...) , وذلك عندما كان فريد يدرس بموسكو في الستينات , ثم يشير كاتب المقالة بعدئذ , الى ان فريد ( ..وجد ملاذا في الدولة التي كان يقف بالضد من نظامها السياسي وفكرتها , فيما هرب من الدولة التي توقعها جنة على الارض...) . اقول اني قد فوجئت من كل ذلك , اذ ان المرحوم فريد الله ويردي لم يكن سياسيا ابدا , بل كان يجسّد في كل سلوكه وتصرفاته وعلاقاته ومسيرة حياته صورة الفنان الرقيق والخلوق والمبدع والمؤدب والخجول و المسالم والدائم التفكيربالموسيقى ليس الا , ولم نسمع – نحن العراقيين المحيطين به في موسكو آنذاك – الحكم عليه بالاعدام غيابيا ( ولا اظن ان هذا الامر الكبير و الخطير يمكن التعتيم عليه او عدم اعلانه , رغم اننا نقرأ الان ذلك في بعض المواقع الالكترونية دون الاشارة الى المصدر ) , ولم نسمع منه ابدا , انه كان يرى في الاتحاد السوفيتي ( جنة على الارض ) , بل ولم نسمع منه ابدا اي حديث سياسي محدد , اذ كان فريد يعيش ويتفاعل ويتناغم مع الموسيقى حتى في حياته اليومية  الاعتيادية . ولهذا اكتب انا هذه السطور عن المرحوم فريد الله ويردي .
الرحمة والسكينة والطمأنينة لروح الفنان الكبير فريد الله ويردي , والذكر الخالد لاسمه ولمكانته الفريدة في عالم الموسيقى في العراق.
 


119
أمثال صربية  مترجمة عن الروسية
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – عندما يقوم الرب بتوزيع السعادة , فانه لا يسأل ابن من انت.
التعليق – صورة فنية جميلة جدا  في هذا المثل الصربي , اذ انها تعكس المفاهيم الشعبية الراسخة عند مختلف الناس وعبر كل العصور حول مصدر السعادة اولا , وان السعادة هذه , ثانيا , عندما تكون صادرة عن العادل المطلق , فانها لا تخضع ابدا للاحكام الطبقية الظالمة في المجتمع الانساني . 
++++
الترجمة الحرفية – ليس وراء المائدة , وانما في السجن تفهم , من هم الاصدقاء الحقيقيون لك.
التعليق –  الصديق وقت الضيق كما يقول المثل العربي الشهير, و يتكرر نفس المعنى عند معظم الشعوب وبصيغ مختلفة و متنوعة , والصيغة الصربية طريفة حقا , فالسجن هو ( وقت الضيق ) فعلا و بلا ادنى شك.   
+++++
الترجمة الحرفية – اذا كنت جسرا , فكل واحد يقدر ان  يعبر فوقه.
التعليق –  دعوة دقيقة وصريحة لضرورة بلورة الملامح والسمات الشخصية عند كل انسان , كي لا يكون ( معبرا ) ليس الا للآخرين. مثل تربوي عميق بصيغة تطبيقية طريفة وذكيّة ومفهومة للجميع .
+++++
الترجمة الحرفية – الاكثر ثقلا هو الكيس الفارغ.
التعليق – هل تذكرون القول الخالد في تراثنا عن الذي ( حمل الحديد والصخر ولم يجد اثقل من الدين!) ؟ . المثل الصربي رمزي وفلسفي ويتضمن صورة فنية مثيرة و جميلة.
+++++
الترجمة الحرفية – العلم هو ثمرة حلوة ذات جذر مرّ.
التعليق – طبعا , لان العلم يتطلب جهودا هائلة و(مريرة !)  للوصول الى ثمرته ( الحلوة!) . مثل جميل وذكي , ومعناه العام موجود باشكال مختلفة عند الكثير من الشعوب الاخرى , بما فيها طبعا شعوبنا العربية .
+++++
الترجمة الحرفية – خذ تحية للشيطان , اذا هو يقول الحقيقة.
التعليق – مثل يمجّد الحقيقة بغض النظر عن مصدرها, وفي هذا الجانب فانّه مثل رائع , ولكنه من جانب آخر غير واقعي تماما , اذ كيف يمكن للشيطان ان يقول الحقيقة ؟ ورغم ذلك , فان المثل طريف بشكل عام .
+++++
الترجمة الحرفية – الشكوى والبكاء لذاك الذي يقدر ان يساعد.
التعليق – مثل صحيح جدا , ولهذا نحن نقول – الشكوى لغير الله مذلة.
+++++
الترجمة الحرفية – الانهار العميقة تجري بهدوء.
التعليق –  مثل عالمي عند الكثير من الشعوب , فالضجيج والادّعات العنترية تصاحب دائما الناس الفارغين والتافهين ( وما اكثرهم في مجتمعاتنا مع الاسف ) . هل تذكرون بيت الشعر العربي الجميل والذكي والخالد , الذي ذهب مثلا, عن السنابل المليئات اللواتي (ينحنين تواضعا) وعن السنابل الفارغات وكيف ان (رؤوسهن شوامخ!) ؟


120
المنبر الحر / تشيخوف و غوركي
« في: 09:07 12/05/2019  »
تشيخوف و غوركي
ا.د. ضياء نافع
اسمان معروفان للقارئ العربي بشكل جيد بين الادباء الروس الكبار , بل يوجد في المكتبة العربية كتاب بترجمة جلال فاروق الشريف صادر عن دار اليقظة الشهيرة آنذاك في دمشق عام 1953  بعنوان – ( مراسلات غوركي وتشيخوف ) , واعيد طبعه عام 1983 في دمشق ايضا ( انظر مقالتنا بعنوان – جلال فاروق الشريف والادب الروسي ) , الا ان القراء العرب ينظرون اليهما – بشكل عام - على انهما غير قابلين للمقارنة  في كل المقاييس , و البعض منهم ( وهم الاكثرية ) يرون , ان غوركي هو الاعلى مقارنة بتشيخوف , اذ انه بالنسبة لهؤلاء القراء العرب مؤلف رواية – ( الام ) , بينما لا يرتبط تشيخوف بعمل ابداعي بهذا السطوع المحدد بالنسبة لهم . وفي كل الاحوال , فان شهرة غوركي أكبر من شهرة تشيخوف  في عالمنا العربي , ومؤلفاته المترجمة اوسع انتشارا من مؤلفات تشيخوف المترجمة , وكل ذلك طبعا نتيجة تداخل الادب الروسي بمسيرة الحركة السياسية في مجتمعاتنا العربية ( انظر مقالتنا بعنوان – الادب الروسي في الوعي الاجتماعي العراقي ) , وأذكر مرة , اني شاركت بحديث جرى بالصدفة عن تشيخوف وغوركي مع أحد معارفي العراقيين , فقال لي (غاضبا!!!) , كيف يمكن مقارنة غوركي ( وأسماه  ابو الواقعية الاشتراكية ) بتشيخوف البائس هذا؟ ثم امطرني بسيل من الآراء  والاحكام حول الادب الروسي وأعلامه, وحذرني في نهاية حديثه قائلا , انه يجب ان اكون حذرا في اقوالي وكتاباتي عن الادب الروسي , والا , فانني يمكن ان اتحول الى ( باسترناك جديد ) , ولم افهم فحوى هذا التحذير ولا جوهره ولا علاقة باسترناك الرائع بكل هذا الموضوع, ولم أسأله تفاصيل ذلك   , أذ أني  ( لذت بالصمت وانا مبتسما!) امامه ليس الا ,  , كما أفعل عادة مع هؤلاء الاشخاص , الذين ( لا يعرفون , ولا يعرفون انهم لا يعرفون !) , وما أكثرهم حولنا في عالمنا العربي مع الاسف  .
    تشيخوف وغوركي – موضوع  مهم  في علم الادب المقارن و تاريخ الادب الروسي بشكل عام , وهو موضوع واضح المعالم بالنسبة للباحثين الروس , لأن غوركي نفسه قد حدد موقعه الحقيقي  في هذه المقارنة , اذ انه ظهر في مسيرة الادب الروسي وبرز فيها بعد تشيخوف , ونجد في اول رسالة كتبها غوركي لتشيخوف جملة دقيقة يقول فيها غوركي , انه معجب به  منذ نعومة أظفاره  , وهناك في مذكرات أحد معارف غوركي اشارة , الى انه ( اي غوركي ) عرض له في شبابه  قصة قصيرة لتشيخوف , منشورة في احدى المجلات الفكاهية بداية الثمانينات , وهي من قصص تشيخوف المبكرة جدا , وقال غوركي له  ما معناه , انه يتعلم منها .  وتشيخوف كان معجبا بغوركي ايضا , وقد أشار اليه في الكثير من رسائله الى الآخرين , وهناك عدة بحوث بالروسية تتناول اعجاب تشيخوف بمسرح  غوركي و نشاطه الابداعي عموما , وكذلك بشخصيته وعصاميته, على الرغم من ان اسلوبهما الفني مختلف تماما , وتوجد في احدى رسائل تشيخوف الى غوركي تفصيلات دقيقة وجميلة حول ذلك , اذ اخبره مرة , انه يكتب جملة – ( جلس الرجل على العشب ) , اما هو , اي غوركي , فانه يكتب نفس هذه الجملة بشكل مطول جدا , يصف فيها كيف ان الرجل يجلس ببطء ويتلفّت وينظر حوله بامعان ...الخ , ويقول تشيخوف , ان هذا الوصف يشتت ذهن القارئ , ولا يجعله يصل الى الفكرة التي يريد الكاتب ايصالها له .
لقد توفي تشيخوف عام 1904 , وبالتالي , فانه لم يعاصر مسيرة غوركي لاحقا , وكيف ساهم في مسيرة الحياة السياسية الروسية وكل الاحداث الكبيرة في تاريخ روسيا العاصف من ثورة 1905 والحرب العالمية الاولى وثورة اكتوبر 1917 وعلاقة غوركي مع لينين ( التي ابتدأت قبل ثورة اكتوبر ومرّت بمراحل متشابكة ومعقدة )  و علاقته مع ستالين بعد تأسيس الاتحاد السوفيتي , هذه العلاقة التي يمكن ان نسميها ( غير السلسة ) ان صح التعبير . وكل هذه الجوانب حول غوركي لازالت غير واضحة المعالم للقارئ العربي , ولهذا , فان القارئ العربي لا يستوعب المقارنة بين هذين الاديبين , بل وحتى لا يتقبلها , كما هو حال صاحبنا العراقي , الذي أشرت اليه في بداية مقالتي , اذ لا يجد التشابه بينهما , ولا يفهم امكانية المقارنة بينهما . ان موضوع تشيخوف وغوركي حيوي جدا في روسيا , ويمكن على سبيل المثال الاشارة الى موضوع طرحه احد الباحثين الروس عام 2015 ليس الا , وكان بعنوان ( تشيخوف وغوركي ضد تولستوي ) , بل ان ميرشكوفسكي ( انظر مقالتنا بعنوان – الاديب و الفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي ) قد كتب بحثا معمقا في وقته , ذكر فيه ان تشيخوف وغوركي أقرب الينا ( وحسب طاقتنا , كما يقول ) من دستويفسكي وتولستوي ( واللذان هما اعلى من طاقتنا ) , وذلك لان تشيخوف وغوركي يعكسان حاضرنا , اما دستويفسكي وتولستوي فانهما يعكسان الماضي والحاضر والمستقبل , وهي افكار فلسفية عميقة وممتعة تستحق التأمل فعلا , ولا يمكن ايجاز كل ذلك  ضمن هذه السطور . وهذا الموضوع حيوي ايضا بالنسبة لاوربا ايضا  , وخصوصا بالنسبة للموقف من غوركي بالذات , وذلك لان اوربا تتابع بدقة ما يجري في الفكر الروسي , ودراسة غوركي ترتبط بشكل مباشر بهذه المتابعة الفكرية ولحد الان. وباختصار شديد , يمكن لنا ان نقول – ختاما لهذه المقالة – ان هذا الموضوع يستحق ان نكتب عنه بتفصيل و ان ندرسه بعمق و من كافة الجوانب , كي لا تتكرر تلك الآراء الساذجة عند بعض القراء العرب ...   
   


121
تولستوي وتورغينيف
أ.د. ضياء نافع
ولد تورغينيف عام 1818 , بينما ولد تولستوي عام 1828 , اي ان تورغينيف اكبر عمرا من تولستوي بعشر سنوات , ومن الطبيعي انه ابتدأ مسيرته الابداعية قبل تولستوي , اذ بدأ تورغينيف بنشر قصصه في مجلة ادبية شهيرة آنذاك في روسيا عام 1847 , وهي القصص التي ستظهر لاحقا في كتابه - ( مذكرات صياد ) . اطلع تولستوي طبعا على تلك القصص وكان من اشد المعجبين بهذه (القصص  المتوهجة) حسب تعبيره , بل ان تولستوي كتب في مذكراته عام 1853 قائلا  – ( ... قرأت مذكرات صياد لتورغينيف , و من الصعب الكتابة بعد هذا الكتاب ) . توجد بين مؤلفي رواية ( الاباء والبنون) لتورغينيف و رواية ( الحرب والسلم ) لتولستوي كثيرا من الوشائج المشتركة , وكلاهما اصبحا علميين من اعلام الادب الروسي ( عرّف رسول حمزاتوف الادب الروسي مرّة في لقاء صحفي كما يأتي - انه ادب... (الاباء والبنون) و(الجريمة والعقاب) و(الحرب والسلم)... )  , رغم ان الفوارق بين اهميّة الروايتين المذكورتين ومكانتهما في الادب الروسي (والعالمي ايضا) تبين بشكل واضح ودقيق الفوارق الهائلة بين هذين الاديبين بشكل عام , اذ ان رواية تولستوي ( الحرب والسلم ) كانت ولازالت واحدة من اعظم الروايات في تاريخ الآداب , وهي رواية فريدة ومتميّزة بكل معنى الكلمة .     هناك – مع ذلك - الكثير من التباين والاختلافات وحتى التناقضات بينهما ايضا , بل حصل مرة خلاف بسيط بينهما وتطور, و وصل الى حد ان تولستوي دعاه الى المبارزة , والتي لم تحدث والحمد لله , اذ اعتذر بعدئذ تورغينيف بعد تدخل الاصدقاء المحيطين بهم , ولكن الامر كان خطيرا لو حدث , وكان يمكن ان يتحول الى مأساة كبيرة في تاريخ الادب الروسي , رغم انهما – بعد ذلك -  تباعدا عن بعض حوالي 17 عاما باكملها , ولكن العلاقات عادت بعد ان هدأت النفوس طبعا . وكل هذه الجوانب من التشابه والتباين والتناقض بينهما يشير اليها مؤرخو الادب الروسي بالتفصيل في دراساتهم وبحوثهم عن هذين الاديبين , ولا يمكن بالطبع عرض كل ذلك للقارئ العربي في اطار مقالتنا هذه عن تولستوي وتورغينيف, ولكننا  سنحاول الايجاز  قدر المستطاع .
تؤكد الدراسات والبحوث قبل كل شئ  على التقارب والتشابه والتناغم بين تورغينيف وتولستوي بشأن الموقف من حق العبودية او حق القنانة , الذي كان سائدا في روسيا آنذاك, رغم انهما كانا ضمن هؤلاء النبلاء من مالكي الاراضي الزراعية وفلاحيها الخاضعين للعبودية , وهو موقف سياسي وفكري طبعا , ولكنه مهم فعلا , اذ انه يعني الكثير بالنسبة لروسيا ولحركة المثقفين فيها بشكل عام , وتربط تلك الدراسات هذا الموقف مع  كونهما  كانا ضمن كبار ادباء تحرير مجلة ( سوفريمينك) في نهاية خمسينات القرن التاسع عشر  (توجد صورة جميلة و مشهورة تجمعهما في المجلة مع بقية الادباء الروس مثل غانجيروف واستروفسكي , وغالبا ما ينشروها في مختلف المصادر عنهما  ) , وكلاهما تركا تلك المجلة بعد ان بدأت بنشر مقالات ذات توجه ثوري , لانهما لم يتفقا مع هذا الخط الفكري , الذي بدأت المجلة بانتهاجه برئاسة الشاعر نكراسوف , وهي مواقف فكرية مشتركة طبعا من قبلهما , باعتبارهما اديبين يصوران الواقع الروسي بموضوعية , ولا يدعوان الى الثورة كأسلوب لتغيير الواقع . ولكن هذا كله لا يعني , انهما كانا في اطار ( جبهة فكرية واحدة ) ان صحّ التعبير , اذ  ان  تورغينيف فلسفيا كان يميل الى النزعة الغربية , بينما كان تولستوي يؤكد دائما , ان الانسان الحقيقي يجب ان يكون قريبا من  ارضه , وان الانسان الذي يبتعد عن الارض , فانه يبتعد عن انسانيته . يتناول احد الباحثين الروس مسيرة تورغينيف وتولستوي في شبابهما , وكيف ان تورغينيف ( فتح عينيه ) في اجواء جامعات موسكو وبطرسبورغ وبرلين (  درس في جامعة برلين بعد انهاء دراسته في روسيا) , اما تولستوي , فقد درس في جامعة قازان ( درس اللغة العربية والتركية فترة , ثم درس القانون لفترة ) ثم ترك الدراسة الجامعية , وتطوع بعدئذ في صفوف الجيش , وهكذا يصل هذا الباحث , الى ان تربية تورغينيف ومسيرته قد أدّت به الى النزعة الغربية نتيجة لدراسته الاكاديمية العميقة ( كان تورغينيف معجبا جدا بحضارة اوربا ), بينما تولستوي كان أقرب الى الروح الشعبية الروسية , المرتبطة بالارض . ان هذه الطروحات فلسفية بحتة , ولا يمكن طبعا الاتفاق معها او الاقرار بها دون دراسة معمقة ومناقشة شاملة ومتعددة الجوانب , ولكن هذا الباحث – مع ذلك - استند الى وقائع حياتية محددة ودقيقة عندما عمل استنتاجاته حولهما .
نختتم هذه الملاحظات الوجيزة حول هذا الموضوع الكبير في تاريخ الادب الروسي بالتوقف عند الرسائل الاخيرة , التي تبادلاها تولستوي وتورغينيف , عندما كان تورغينيف في باريس طريحا على فراش الموت , اذ كتب تولستوي اليه رسالة مؤثرة يقول له فيها – ( لقد شعرت كم احبكم أنا , وحتى فكرت  ان اسافر الى باريس لرؤيتكم ...) وينهي تولستوي رسالته هكذا – ( .. اعانقك ايها الانسان والصديق القديم والحبيب والعزيز عليّ جدا ), اما تورغينيف فقد طلب منه في جوابه ان يرجع الى الكتابة الادبية, وقد أسماه - ( الكاتب العظيم للارض الروسية) ...   

122
 
عن البروفيسور ستروفه الفرنسي الروسي
أ.د. ضياء نافع
 ( ستروفه) كان لقبا غريبا بالنسبة لنا , نحن الطلبة الاجانب  بموسكو في ستينات القرن العشرين , اذ انه لا يتناسب ولا يتناسق ولا ينسجم مع الالقاب الروسية التي كانت سائدة حولنا , والتي تنتهي عادة بحرفي الواو والفاء  مثل ليرمنتوف او تشيخوف ...الخ , او التي تنتهي بحرفي الياء والنون مثل بوشكين او بونين ...الخ , او التي تنتهي بحروف السين والكاف والياء مثل دستويفسكي او بيلينسكي ...الخ , ولهذا اعتبرنا ( ستروفه) لقب شخص اجنبي لا علاقة له بروسيا , ولكن , و بعد ان تعمّقت معارفنا بتاريخ الثقافة    الروسية ( اكتشفّنا !) , ان بيوتر ستروفة (1870 – 1944) وفلاديمر لينين كانا رفيقين معا في الحركة الاشتراكية الروسية , ولكنهما اختلفا في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين بشكل جذري حول مسيرة الافكار الاشتراكية ومستقبلها في روسيا , ولهذا انفصلا بعضهما عن البعض , وسار كل واحد منهما في طريقه الخاص. وهكذا عرفنا , ان ستروفه هو فيلسوف روسي واقتصادي ومؤرخ وشخصية سياسية مرموقة في الحياة الفكرية والسياسية الروسية , وكان مؤثرا في مسيرة التاريخ السياسي واحداثه , وكل ذلك طبعا يرتبط بتاريخ الفكر الروسي بشكل عام , وتاريخ الحركة السياسية الروسية قبيل ثورة اكتوبر 1917 وما أعقبها من أحداث , وهي بعيدة عن موضوعنا , الذي نود ان نتكلم عنه في مقالتنا هذه , رغم انها مقدمة ضرورية جدا , اذ ان مقالتنا تدور حول حفيد ستروفه هذا , وهو مواطن فرنسي ( ولد في فرنسا من أب روسي وام روسية ايضا , وهو بالتالي فرنسي من اصول روسية ), واصبح  البروفيسور نيكيتا ستروفه ( 1931 – 2016) – استاذ الادب الروسي في جامعة باريس , والشخصية التي لعبت دورا (مع اللاجئين الروس الاخرين طبعا) في تعزيز   التعاون الثقافي بين روسيا و فرنسا (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي طبعا) , وقد تم منحه مدالية بوشكين لتعزيز التعاون الروسي – الفرنسي في مجال الثقافة والتعليم , ومدالية الدولة الروسية للحفاظ على الثقافة الروسية وتراثها خارج روسيا , ومدالية ( اسرعوا لعمل الخير) الروسية في مجال حقوق الانسان.
غالبا ما كنا نلتقي طبعا, نيكيتا ستروفه وانا  في القسم الروسي بجامعة باريس نهاية الستينات من القرن الماضي عندما كنت طالب دراسات عليا هناك , وكان هو آنذاك تدريسيّا في القسم المذكور , ويكتب ايضا اطروحة دكتوراه دولة حول الشاعر ماندلشتام , والذي كان شبه ممنوع آنذاك في الاتحاد السوفيتي ( أصدر ستروفه بعدئذ كتابا ضخما عن ماندلشتام , ويعدّ الان واحدا من المصادر المهمة لدراسة حياة ماندلشتام وابداعه ) , وغالبا ما كنّا نتحدث سوية , و سألني ستروفه مرة عن انطباعاتي حول موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام باعتباري درست وتخرجت هناك, وقد تكلمت عن الجوانب الايجابية , التي رأيتها شخصيا رغم بعض السلبيات التي كانت موجودة  فعلا في الحياة السوفيتية , ولكنه قال لي , انهم (  وكان يتحدث باسم اللاجئين الروس في فرنسا ) يعتقدون , ان دولة الاتحاد السوفيتي ستنهار في نهاية القرن العشرين او , كحد اعلى , في بداية القرن الحادي والعشرين , ولم اتفق معه مطلقا وكليّا حول ذلك , وقلت له , ان الدولة السوفيتية قوية جدا بجيشها ومؤسساتها الامنية وتنظيماتها الحزبية , وانني لم أجد اي معارضة في تلك الدولة , عدا النكات السياسية التي كانت سائدة بين اوساط الطلبة بالاساس , وان قضية باسترناك وجائزة نوبل التي اضطر باسترناك ان يرفضها هي ليست قضية كبيرة يمكن ان تؤثر على مسيرة تلك الدولة , وقد استمع ستروفه اليّ بكل أدب , وقال لي مختتما هذا الحديث بمثل روسي  هو – ( نعيش ونرى ) ( وهو يذكّر طبعا بالمثل بلهجتنا العراقية – نعيش ونشوف ) . لقد تذكرت وقائع حديثنا هذا عندما انهار الاتحاد السوفيتي طبعا في بداية التسعينات , وقلت بيني وبين نفسي , كم كان ستروفه على حق بكلامه آنذاك حول ذلك . لقد رويت هذه الحادثة مرة في مؤتمر علمي بجامعة قازان عام 2006 , وقد علّق بروفيسور روسي من جامعة موسكو ( كان يشارك في اعمال المؤتمر المذكور ) قائلا , ان اللاجئين الروس كانوا يحللون بعمق واهتمام حقيقي كل صغيرة وكبيرة تحدث في الحياة السوفيتية , وكان لديهم الوقت الكافي لمتابعة ذلك بدقة ودراسته , بينما لم يكن لدينا نحن السوفييت سوى التأييد المطلق لكل خطوة يتخذها الحزب الشيوعي السوفيتي دون اي تحليل وتمحيص ونقاش موضوعي متفتح لدرجة , اننا نسينا حتى معنى التحليل والتدقيق والنقاشات المعمقة والعلمية حول تلك الخطوات وقيمتها و جدواها في مسيرة حياتنا اليومية آنذاك...
نيكيتا ستروفه اسم كبير في دنيا الادب الروسي , وله عشرات المؤلفات المنشورة باللغتين الفرنسية والروسية , ولديه مئات المقالات والدراسات والبحوث حول هذا الادب باللغتين ايضا , ولا مجال هنا حتى للتعريف بها , ويؤسفني الاشارة في الختام , الى ان ستروفه يكاد ان يكون مجهولا تقريبا للقارئ العربي... 

123
حول صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) الروسية
ا.د. ضياء نافع
 صورة بوشكين وغوركي على صفحتها الاولى دائما , جنبا لجنب مع تسميتها , وذلك لان بوشكين اقترح اصدارها آنذاك, وصدرت فعلا عام 1830 وكان بوشكين محرر صفحة الشعر فيها , الا انها توقفت عن الصدور عام 1831 , أما غوركي فقد اقترح اعادة اصدارها عام 1929 في الاتحاد السوفيتي باعتبارها صحيفة ترتبط باسم بوشكين, وعادت فعلا للصدور حسب اقتراح غوركي, ولم تتوقف منذ ذلك الحين و لحد الوقت الحاضر . الحديث يدور هنا طبعا و حسب عنوان مقالتنا عن صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) الروسية الاسبوعية , والتي يعرفها القارئ العربي جيدا الان , بحيث لم نعد نكتب له ترجمة تسميتها الى العربية - ( الجريدة او الصحيفة الادبية ) كما كنا نفعل سابقا , عندما نكتب عنها او نترجم من موادها الثقافية المتنوعة . وتعميقا لمعرفة القارئ العربي بهذه الصحيفة و تاريخها , نحاول هنا ان نقدّم بعض الملاحظات عنها , و التي نرى – من وجهة نظرنا - انها طريفة ومهمة اولا ,  و  نظن , ثانيا , ان القارئ العربي لا يعرفها عن هذه الصحيفة , ونعتقد بشكل عام , ان هذه الملاحظات تزيد من معرفة القارئ بالثقافة الروسية ومصادرها .   
ا نتوقف عند نقطة ترتبط بعدد النسخ التي تطبعها هذه الصحيفة , اذ توجد ارقام طريفة حول ذلك , وهذه الارقام هي مؤشّر لا يقبل الشك على نجاح او فشل تلك الصحيفة . كان العدد في عام 1930 هو 60 الف نسخة , و في عام 1962 اصبح 300 الف , وفي عام1973 ارتفع الى مليون و نصف مليون نسخة , وفي عام 1982 اصبح 3 ملايين  , وفي عام 1989 اصبح 6 ملايين ونصف المليون, وفي عام 1991 انخفض الى مليون ونصف , وفي عام 1993 اصبح 2 مليون , وفي عام 2010 تراجع الى150 الف فقط , وفي عام 2013 اصبح 148 الف نسخة .
ان النظرة التحليلية البسيطة على هذه الارقام ترسم لنا صورة ناطقة ( ان صحّ التعبير) لهذه الصحيفة . لقد بدأت الصحيفة برقم معقول و متواضع بالنسبة لبلد مثل الاتحاد السوفيتي في الثلاثينات - (60) الف نسخة , وتحوله الى (300) الف نسخة في الستينات ايضا رقم منطقي ومفهوم , اذ اصبح الاتحاد السوفيتي اكثر استقرارا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتغيرات المعروفة بعد وفاة ستالين والتي تسمى مرحلة ذوبان الجليد , ولكن هناك طفرة مدهشة وغريبة حدثت في السبعينات , عندما وصل الرقم الى ( مليون ونصف) نسخة , وتضاعف الرقم في الثمانينات – (3 ملايين) نسخة , وفي نهاية الثمانينات اصبح ( 6 ملايين ونصف) , وهي ارقام ضخمة وكبيرة جدا بالنسبة لصحيفة تعنى بالادب والفن , وتعتبر لسان حال اتحاد الادباء السوفييت ليس الا. صحيح ان الصحيفة اصبحت اوسع من الاهتمام بقضايا الادب فقط , وأخذت تتناول مواضيع حادة مطروحة امام المجتمع , بما فيها السياسة والاقتصاد , الا ان الاهم , هو ان ( ليتيراتورنايا غازيتا ) قد تحولت الى منبر للتعبير عن تطلعات المواطن السوفيتي نحو التعايش الفكري و الحضاري مع العالم المحيط به خارج مفاهيم الشعارات المعلبة والجاهزة , التي كانت (تخنقه!) , والتي ضجر منها حد القرف. اكرر الارقام مرة اخرى – في السبعينات مليون ونصف, في بداية الثمانينات 3 ملايين , في نهاية الثمانينات 6 ملايين ونصف , واذكّر القارئ , ان انهيار الاتحاد السوفيتي حدث عام 1991 . لقد استطاعت هذه الصحيفة ان تعكس كل تلك التغييرات الجذرية التي حدثت في المجتمع السوفيتي دون ان تتحول الى صحيفة سياسية تتابع الاحداث وتلهث خلفها ليس الا , وقد كنت شاهدا , عند زياراتي المتكررة اثناء العطل الصيفية في السبعينات والثمانينات الى روسيا , كيف كان القراء السوفييت يحصلون على اعداد تلك الصحيفة بصعوبة , وكيف يتجمعون عند اكشاك الصحف للحصول عليها قبل نفاذها, وقد اضطررت انا للاشتراك بها , اذ لم يكن بمقدوري ان اتنافس مع السوفييت للحصول عليها , وقد استفدت من ذلك الاشتراك بها كثيرا , لأني كنت اترجم مقالاتها اول باول في العراق , واختتم هذه الملاحظات عن الصحيفة بالاشارة الى بعض  المقالات , التي لازلت اتذكر عناوينها , والتي ترجمتها من تلك الصحيفة و نشرتها في صفحة (آفاق) بجريدة الجمهورية البغدادية عندما كان الصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف يديرها , ومنها – ( دالي يقول للحقيقة – كش ملك ) و ( نقاش مثل حبل طويل مع رسول حمزاتوف ) و ( حوار بين طبيب روسي وطبيب امريكي حول قول الحقيقة للمريض ) و ( الحرية – يا لها من كلمة حلوة ) ..الخ , وكنت حتى اعطي بعض تلك المقالات لزملائي كي يترجموها وينشروها باسمهم لأنه لم يكن باستطاعتي القيام بكل ذلك بمفردي .
صحيفة ليتيراتورنايا غازيتا الان اصبحت واحدة من الصحف الروسية الاعتيادية , ولم تعد تطبع اعدادها بتلك النسخ الهائلة طبعا , ولكنها لازالت تمتلك بريقها العتيق ومجدها التليد ...     

124
المنبر الحر / دستويفسكي وغوغول
« في: 05:31 27/04/2019  »

أ.د. ضياء نافع
يربط القارئ العربي غالبا هذين الاسمين الكبيرين في الادب الروسي بالقول الشائع , الذي ينسبونه لدستويفسكي – ( كلنا خرجنا من معطف غوغول), وهو تبسيط التبسيط للحديث عن علاقة هذين الكاتبين في اطار علم الادب المقارن , ويذكرني بما قاله لي مرة احد معارفي , عندما سألته عن انطباعاته حول العاصمة النمساوية فيينا التي زارها,  والذي أجابني قائلا – ( ليالي الانس في فيينا // سمعها الطير بكى وغنّى ) , وقد قهقهت عندها , وقلت له , انه من المؤكد , ان اسمهان نفسها تعرف جيدا , ان الطير لا يبكي ولا يغنّي اولا , و تعرف ثانيا , ان الطير ينام طوال الليالي بغض النظر عن اي انس يجري في زوايا تلك الليالي و شعابها.
لقد كتبت مقالة قبل سنوات طويلة بعنوان – ( هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول ؟) ويمكن الرجوع اليها طبعا , وتحدثت فيها بالتفصيل عن ذلك القول , و ذكرت في نهاية المقالة المذكورة كيف اني استمعت الى محاضرة ألقاها بروفيسور سوفيتي في باريس نهاية ستينات القرن العشرين عن هذا القول , بعد بحث وتمحيص طويلين له حول اوليّات ذلك , وكيف فنّد الرأي القائل , ان دستويفسكي كتب هذا القول . استجدت بعد ذلك عناصر جديدة اخرى باللغة الروسية حول هذا الموضوع , منها ما نشرته مجلة ( قضايا الادب) الروسية , وما  تم نشره في المعجم الكبير للتعابير والاقوال المتداولة تحت جملة – ( كلنا خرجنا من معطف غوغول) ...الخ , وكل هذه المصادر تشير بالاجماع الى ان دستويفسكي لم يكتب هذه الجملة , وانها وردت في كتاب أحد الباحثين الفرنسيين حول الادب الروسي ليس الا, ولا مجال هنا للحديث التفصيلي عن كل ذلك طبعا .
دستويفسكي وغوغول والمقارنة بينهما – موضوع عميق جدا في تاريخ الادب الروسي ( يكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة مدينة بطرسبورغ وانعكاساتها في نتاجاتهما الادبية)  , وهو موضوع عميق ايضا في تاريخ الفلسفة الروسية  ( ويكفي فقط ان نشير مثلا الى موضوعة الكنيسة الارثذوكسية الروسية في مفاهيمهما ودورها الذي ينبغي ان تؤديه في المجتمع حسب رأيهما) . لقد ابتدأ موضوع المقارنة بينهما واقعيا منذ ظهور دستويفسكي في دنيا الادب الروسي , اذ أسماه الشاعر والصحافي الروسي الكبير نكراسوف ( غوغول الجديد ) عندما تكلم عنه مع بيلينسكي , أما بيلينسكي نفسه , فقال , ان ( غوغول هو الاب لدستويفسكي) , وكل ذلك طبعا في بداية ظهور دستويفسكي , اي قبل اعتقاله من قبل السلطة القيصرية والحكم عليه بالاعدام , ثم الغاء هذا الحكم ونفيه الى سيبيريا بدلا عن الاعدام , وهي وقائع معلومة في تاريخ روسيا وادبها , اما دستويفسكي بعد العودة من سيبيريا , ومسيرته الادبية الجديدة , ووصوله الى القمة والعالمية , فان الامر يختلف طبعا , اذ يدأ النقاد والباحثون يتناولون مبدأ المقارنة بين دستويفسكي وغوغول  باعتبارهما  قمتين من  قمم الادب الروسي والعالمي ايضا , وهناك مجموعة من الدراسات المعمّقة في هذا الخصوص , منها على سبيل المثل وليس الحصر كتاب كامل صدر عام  1921 في روسيا بعنوان – ( دستويفسكي وغوغول ) من تأليف تينيانوف ( تأملوا سنة اصدار الكتاب , عندما كانت روسيا تتبلور لتوّها بعد ثورة اكتوبر 1917 وتتحول الى دولة الاتحاد السوفيتي)  , ومؤلف الكتاب تينيانوف هو احد الادباء الروس واحد  نقاد الادب البارزين في مسيرة الادب الروسي آنذاك , وتعدّ كتبه – ولحد الان - مصادرمعتمدة للباحثين , وخصوصا عن اعلام الادب الروسي في القرن التاسع عشر مثل بوشكين وغريبويديف وغيرهم . من الممكن طبعا الاشارة الى مصادر روسية اخرى تناولت موضوع المقارنة بين غوغول ودستويفسكي من مختلف الجوانب , منها ان دستويفسكي حاول ان يحاكي غوغول ( وفق اساليب مخفيّة وغير مباشرة ) كي يقارعه فنيّا ويصبح بنفس مستواه , مثلما حاول غوغول ان يحاكي بوشكين ( وفق تلك الاساليب ايضا) كي يصبح بنفس مستواه , ولكن هذا الجانب غير الواضح وغير المباشر يحتاج الى اثباتات وبراهين عميقة و موضوعية, ويخضع كل ذلك طبعا الى وجهات نظر شخصية للباحثين مختلفة و متباينة, بل وحتى متناقضة بعض الاحيان . اختتم العرض الوجيز لهذا الموضوع المهم في علم الادب المقارن بالاشارة الى وجود فلم وثائقي روسي بعنوان – ( غوغول و دستويفسكي ) , وهذه ظاهرة نادرة في الدراسات المقارنة .
دستويفسكي وغوغول – موضوع كبير ومهم في تاريخ الادب الروسي وفي علم الادب المقارن , وقد انعكس باشكال مختلفة في مسيرة النقد الادبي الروسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , وفي النقد الادبي السوفيتي , ولازال مطروحا لحد الان , وكم نحتاج – نحن العرب – الى متابعة هذا الموضوع وغيره من اجل ان نتفهم تاريخ الادب الروسي وخصائصه ... .

125

أ.د. ضياء نافع

ورد اسم علي الشوك في كتاب المستعربة الاذربيجانية الروسية الدكتورة  الميرا علي- زادة الموسوم ( الادب الروسي والعالم العربي)  و الصادر عام 2014عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية . لقد ذكرته المستعربة علي – زادة  ضمن اسماء الادباء والباحثين العراقيين , الذين ساهموا بالكتابة عن الادب الروسي , وقد أشرت اليهم جميعا في مقالاتي عن هذا الكتاب الروسي المهم في تاريخ العلاقات الادبية العربية - الروسية ( انظر مقالاتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي 1,2,3,4,5 ) , وتوقفت في تلك المقالات عند بعض الاسماء, وناقشت مؤلفة الكتاب بشأن ما ورد عنهم في كتابها , ولكني لم  استطع طبعا ان اتوقف بالتفصيل عند كل الاسماء العراقية هناك ومن جملتهم علي الشوك , هذا الكاتب المتميّز في دنيا الادب والفكر في العراق المعاصر, والذي ذكرته د. الميرا علي- زاده باعتباره مترجما لمقالتين ليس الا حول الادب الروسي منشورتين في مجلتين عراقيتين هما الاقلام  والثقافة الجديدة , وهذا طبعا لا يتناسب بتاتا ومكانة علي الشوك في هذا المجال . لقد أشرت بشكل عابر جدا الى ان الشوك قدّم مساهمات عميقة حول عدة اسماء كبيرة في الادب الروسي , ومن جملتهم أخماتوفا ,  واريد هنا ان اتحدث حول مقالته عن الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا فقط , والتي جاءت بعنوان – ( كنت امتلك كل شئ / نموذج عن معاناة اديب زمن الدكتاتورية ) , اذ ان هذه المقالة بحد ذاتها تستحق ان نتوقف عندها فعلا بعمق وتأمّل لتحديد موقف علي الشوك ليس فقط بالنسبة للشاعرة أخماتوفا وحسب, وانما بالنسبة لمجمل الادب الروسي في القرن العشرين , او بتعبير أدق , الادب الروسي في الفترة السوفيتية بالذات .   
يجب الاشارة قبل كل شئ , ان هذه المقالة تحدثت عن أخماتوفا وما حولها من ظواهر تتعلق بالادب الروسي عامة, وقد تطرق الشوك الى تلك الظواهر بقلمه الساحر الرقيق والدقيق والواضح , و بالتالي , فانه يمكن القول , ان هذه المقالة  هي صورة قلمية شجاعة رسمتها ريشة يساري عراقي ( وهو يسمّي نفسه هكذا في تلك المقالة ) عن كل الادب الروسي في القرن العشرين منطلقا من افكاره الذاتية البحتة فقط , ودون ان يأخذ بنظر الاعتبار الآراء الفكرية التقليدية ( الراسخة !!!) في حركة اليسار العراقي والعربي عموما . يتناول الشوك في مقالته تلك مفهوم ( الحزبية في الادب ) , وهو المبدأ الذي كان سائدا طوال الفترة السوفيتية, ويذكر الشوك بصراحة دقيقة و متناهية , ان لينين نفسه قد طرح هذا المبدأ, ويشير الى مقالة لينين المحددة بشأن هذا المفهوم , ويذكر( ان لينين كتب في 1905 مقالا بعنوان ( التنظيم الحزبي وادب الحزب) . اصبح هذا المقال وثيقة ( مقدّسة) , جاء فيها , ان الادب ينبغي ان يخضع بالكامل للاهداف السياسية , ويصبح اداة للدعاية الثورية , الادب ينبغي ان يخضع للايديولوجيا الثورية . أنا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..) . لقد كان الشوك رقيقا ومؤدبا جدا ومتواضعا, ولم يقل بشكل مباشر , انه لا يتفق مع لينين في طرحه لتلك المفاهيم , ولكنه قال – ( انا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..) , ويتحدث الشوك في مقالته تلك عن مواضيع انبثقت بالذات من سيطرة هذا المفهوم على مسيرة الادب الروسي , ويذكر مثلا موقف ماياكوفسكي , وهو شاعر الثورة الاشتراكية كما هو معروف في الاوساط اليسارية , ويقول الشوك عنه , ان ( ماياكوفسكي المسكين انتحر لانه لم يتحمل وضعه كمصفق للنظام ) , وهي جملة عابرة جاءت في ثنايا تلك المقالة , لكن تسمية ماياكوفسكي ب ( المسكين!!!) وربط انتحاره برفضه ان يكون ( مصفقا للنظام ) ,  تعبّر بلا شك عن رأي جرئ جدا وواضح المعالم حول انتحار ماياكوفسكي , وهذا رأي لم يتقبله النظام السوفيتي وايديولجيوه , ولم يعترفوا به ابدا , ولم يعترف به اليسار العربي ايضا ( نتيجة لذلك الموقف السوفيتي طبعا) , ولكن الشوك يشير اليه بوضوح و بساطة ودقة ودون اي صيغة شك او تردد او عدم قناعة , وهذه كلها كلمات شجاعة وحقيقية يكتبها الشوك بموضوعية هادئة , ويشير بعد الجملة عن ماياكوفسكي الى انتحار الشاعر يسينين ورئيس اتحاد الادباء السوفيت فادييف .
ان مقالة الشوك هي عن أخماتوفا كما ذكرنا أعلاه , ولكن الشوك استطاع بمهنية ومهارة عالية جدا ( دون ان يثير أحدا ضده !)  ان يعبّر عن آرائه بالنسبة لكل سمات الادب الروسي في تلك المرحلة , أما عن أخماتوفا , فقد أشار الى وضعها الصعب ايضا , وقال انه لم يقرأ بما فيه الكفاية شعرها , وبالتالي لم يتكلم عنه , ولكنه تكلم عن تلك القسوة التي تعامل معها النظام السوفيتي آنذاك , وخصوصا في زمن ستالين , واكرر- ختاما - هنا الجملة التي استشهدت بها , وهي التي عبّر فيها الشوك عن حزنه , اذ قال  ( أنا كيساري أحزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة , مثل أخماتوفا وزملائها ...).
ان الخطوط العامة لافكار علي الشوك هذه تتناسب مع السمات العامة السائدة في روسيا المعاصرة حول تلك الفترة المحددة لمسيرة الادب الروسي بعد أكثر من ربع قرن من انتهاء الاتحاد السوفيتي وايديولوجيته , ولهذا , يمكن القول , ان افكار علي الشوك حول الادب الروسي تلك كانت تنبؤية بشكل عام , وذلك شئ يثير الاعتزاز والفخر بهذا المثقف والكاتب العراقي الكبير...   

126
                        شئ عن متحف تسفيتايفا وبرنامجه الثقافي


ا.د. ضياء نافع

متحف تسفيتايفا في موسكو هو الشقة التي عاشت بها الشاعرة وعائلتها الصغيرة منذ عام 1914 الى عام 1922 (هاجرت بعدئذ من الاتحاد السوفيتي مع زوجها) . و الشاعرة مارينا تسفيتايفا ( 1892-1941 ) هي ابنة بروفيسور جامعة موسكو  ومؤسس متحف الفنون الجميلة  في موسكو واول مدير له  , ووالدتها عازفة بيانو معروفة في روسيا .
 عندما قررت الاوساط الثقافية في روسيا الاتحادية عام  1992 تحويل هذه الشقة الى متحف , تم دمج الشقة المجاورة لها مع المتحف , اي اصبح كل الطابق في تلك البناية متحفا , وأقامت تمثالا رائعا لتسفيتايفا في الشارع امام تلك البناية , وهكذا اصبحت تسمية هذا المكان  – ( بيت – متحف تسفيتايفا ) , ويعدّ واحدا من المتاحف الحديثة نسبيا في موسكو , ويضم الان 45 الف مادة ترتبط بتسفيتايفا وحياتها من رسائل وصور ولوحات وكتب وحاجات شخصية وأثاث ....الخ . لقد زرت هذا البيت – المتحف قبل فترة ( انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت تسفيتايفا) , وعندما خرجت , طرحوا عليّ سؤالا هو – هل ترغب ان نعلمك بنشاطات متحفنا الثقافية ؟ فأجبت – نعم وبكل سرور , فطلبوا عنواني الالكتروني , وهكذا ابتدأت باستلام برامجهم الثقافية المتنوعة , والمرتبطة طبعا بالادب الروسي ومسيرته. لقد اختتمت مقالتي المشار اليها أعلاه ببرنامج ذلك المتحف عندما زرته آنذاك , وحاولت بعدئذ متابعة نشاطاتهم الثقافية حسب وقتي وظروفي , واليوم استلمت برنامجهم الثقافي لشهر نيسان / ابريل 2019 , ويتضمن خلاصة وجيزة لكل فقرة من فقراته , وكم تأسفت لان ظروفي الان لا تسمح لي بالمشاركة معهم وحضور هذه الفعاليات الجميلة والممتعة حول الادب الروسي , ولهذا قررت اطلاع القراء على بعض فقرات هذا البرنامج بشكل وجيز , اذ في الاقل سيعرف القراء طبيعة هذه البرامج الثقافية , التي يقدمها هذا المتحف للجمهور المتابع لاخبار الادب الروسي , وأظن ان  القراء العرب ربما سيجدون في هذا التعريف الوجيز معلومات مفيدة وجديدة عن الادب الروسي و اعلامه وتاريخه ومسيرته. 
الفقرة الاولى , التي اتوقف عندها في هذا البرنامج جاءت بعنوان – توتشيف وفيت , وهما شاعران عملاقان في تاريخ الشعر الروسي بمنتصف القرن التاسع عشر ( اي بعد بوشكين) . الخلاصة الوجيزة عنهما في ذلك البرنامج تتناول مكانتهما المتميّزة في مسيرة الشعر الروسي , وتأثيرهما بالذات على شعراء العصر الفضي ( وهي تسمية لعشرينيات القرن العشرين تمييزا  لها عن تسمية العصر الذهبي للشعر الروسي , وهو زمن بوشكين) , و تنتقل الخلاصة  للحديث عن انعكاس خصائصهما الفنية في الحياة الثقافية الروسية المعاصرة , وهو موضوع جديد بكل معنى الكلمة , و تختتم الخلاصة عرضها لطبيعة هذه الفقرة بجمل تحمل سمات شعر هذين الشاعرين , وهي كما يأتي – ( ...و كيف كانا يسكبان الهدوء والسكينة على الاصوات وضجيجها , و الليل على النهار , و الاحاسيس على التعقّل...) , و يتساءل كاتب تلك الخلاصة في النهاية  قائلا – هل كانا يمثلان البوذية الروسية العفوية ؟ . وباختصار , فان تلك الكلمات القليلة عن هذه الفقرة في البرنامج الثقافي لمتحف تسفيتايفا تثير القارئ المتابع للظواهر الجديدة في الادب الروسي , وتجعله متلهفا فعلا لحضور هذه المحاضرة العميقة والطريفة في مسيرة الشعر الروسي .
      الفقرة الثانية التي نتوقف عندها قليلا في هذا البرنامج ترتبط بتاريخ المسرح الروسي , وقد جاءت تحت عنوان – ( من غريبويديف الى استروفسكي ) . يشير البرنامج الى ان المحاضرة هذه تتناول المسرحيات الكلاسيكية البارزة في هذه الفترة الزمنية الطويلة نسبيا في تاريخ المسرح الروسي .
الفقرة الثالثة جاءت بعنوان – ( مارينا تسفيتايفا عن الكساندر بلوك ) , وهذا  موضوع كبير لازال النقاد والباحثون يتناولونه , اذ ان علاقة تسفيتايفا تجاه بلوك كانت غير اعتيادية بتاتا , فهي لم تستطع ان تتقبّل امكانية ان تقابله وتتكلم معه اثناء حياته , لأنها كانت تعدّه ظاهرة استثنائية وخاصة جدا بين البشر , ولهذا كانت تخشى اللقاء معه وتخجل وترتبك. لقد كتبت له القصائد وارسلتها اليه ليس الا , واحتفظت بطبيعة هذه العلاقة الروحية الغريبة طوال حياتها , ويشير بعض الباحثين الى ان هذه العلاقة تكاد ان تكون ( الآهية!) .
الفقرة الاخيرة , التي اخترناها من ذلك البرنامج تدور حول الرواية في الادب الروسي , وقد جاءت تحت عنوان – ( المشترك بين ابطال روايات تورغينيف وغانجيروف ودستويفسكي ) , وهو طرح جديد في عالم النقد الادبي الروسي , اذ  يتناول مجموعة مختلفة من الروائيين الروس الكبار , بعيدين عن بعض كليّا من حيث الافكار والاسلوب والاهداف ومسيرة حياتهم بشكل عام.
لقد تحولت بيوت الادباء الروس الكبار الى متاحف تحافظ على تراث هؤلاء الادباء , وتساهم في نفس الوقت بدراسة تراثهم  , ومكانة هذا التراث واهميته في مجمل مسيرة الادب الروسي , ومتحف تسفيتايفا هو واحد من عشرات المتاحف الاخرى في روسيا.
متى نحقق نحن اقامة متاحف لادبائنا؟ ومتى نرى بيوتهم وقد تحولت الى متاحف تحافظ على تراثهم , وتقوم بدراسته ونشره ؟ في بغداد يدور الحديث منذ سنوات طويلة عن بيت الجواهري ولكن..... 
 

127
المنبر الحر / ثرثرة فوق الفولغا
« في: 19:27 19/04/2019  »
                                                        ثرثرة فوق الفولغا


ا.د. ضياء نافع

قال لي فلان الفلاني - بكل جديّة وهو يبتسم بثقة - ان هناك اسرار و تفصيلات مخفية بعناية من قبلك حول مقالاتك العديدة في الادب الروسي , التي تنشرها منذ عدة سنوات في مواقع مختلفة , وقال لي ايضا , ان (الذين يتابعونك , وهم ليسوا بسطاء وانما خبراء ويحملون شهادات علمية عليا من جامعات مرموقة !!!) لا يصدقون بتاتا , انك تكتب كل هذه المقالات شخصيا دون مساعدة اناس كثيرين يقفون سرّا في الظل , وانهم ( اي الذين يتابعوني) على ثقة تكاد ان تكون مطلقة تقريبا, ان هناك مجموعة ليست بسيطة تعمل معك وباشرافك المباشر في اختيار مواضيع تلك المقالات والتخطيط لها و اعدادها وكتابتها وطبعها وارسالها للنشر باسمك , وان دورك في كل هذه العملية الكبيرة هو الاشراف العام فقط ليس الا على نشاط هذه المجموعة , مثلما كانت تعمل بعض دور الترجمة و النشر البيروتية  في الايام الخوالي , وتصدر الكتاب تلو الكتاب باسم مترجم واحد فقط , بينما كان هناك في الواقع الكثير من المترجمين الذين يترجمون باشراف ذلك الشخص ويعملون من اجل تنفيذ خطط دار النشر تلك . ويقول فلان الفلاني ان مسيرة هذا العمل المبرمج والمنظّم بدقة من قبلي – وعبر سنوات طويلة - أخذ  بالتحسن والتطور والتوسع تدريجيا , ووصل   (نتيجة للخبرة في هذه النشاطات الثقافية وتراكمها ) الى حوالي سبع مقالات او حتى تسع مقالات شهريا او أكثر , بعد ان كان في اطار ثلاث او اربع مقالات شهريا ليس الا . ويقول هذا الشخص ايضا, أن هؤلاء المتابعين يتعجبون جدا لانك تخفي هذه المعلومات ( المنطقية!) حسب تعبيرهم , ويقولون , كيف يمكن لشخص واحد ان يكتب ويطبع و ينشر مقالة كل ثلاثة او اربعة ايام تقريبا وهو يتنقل من بوشكين الى ليرمنتوف الى غوغول الى دستويفسكي الى تولستوي الى تشيخوف الى غوركي والى غيرهم من أعلام الادب الروسي , ثم يعود الى هذه الاسماء مرة اخرى ويتناولها من جانب آخر ومن جديد و بكل هذه السرعة والتنوع , ويضيف فلان الفلاني , ان هؤلاء المتابعين - الخبراء يقولون , لو كانت المقالات تلك تتناول المواضيع السياسية لكان الامر مفهوما ومقبولا الى حد ما , وذلك لان الاحداث السياسية تسير متسارعة يوميا وبشكل عاصف بعض الاحيان, وخصوصا في بلادنا غير المستقرة , وبالتالي يمكن الكتابة عن مسيرة تلك الاحداث وتأثيرها على مجمل افراد المجتمع وعلى قواه السياسية العديدة والمتناقضة فيما بينها والمتصارعة على مصالحها المادية قبل كل شئ , ولكن الامر لا يمكن ابدا تصديقه عندما يدور الحديث عن كتابة مقالات حول الادب الروسي واعلامه ومسيرته وظواهره المتنوعة .
لقد تعجبت بشدة عندما سمعت هذا الكلام , وقلت لفلان الفلاني , ان تنظيم هذا العمل مثلما يقول هؤلاء هو – في الواقع - أصعب بكثير من كتابة تلك المقالات نفسها , اذ ان الكتابة عن قائمة الادباء الروس الذين  ذكرتهم , وهي قائمة ثابتة ومعلومة ويمكن لاي شخص ان يتناولها كما يريد ودون ايّة صعوبات لأنها بمتناول اليد كما يقال , أمّا هذا العمل الذي تكلمت عنه , فانه يقتضي ايجاد عاملين شبه دائميين و بمستوى معين من الثقافة و المعرفة والخبرة , وايجاد طريقة للاتصال بهم  في مقرّ او  مكان محدد ولائق للاجتماع معهم وتنظيم عملهم والاشراف عليه, وان كل ذلك يتطلب طبعا تمويلا ماليّا كبيرا يضمن مسيرة العمل المعقّد هذا وديمومته وتنسيق نتائجه, اذ لا يمكن ان تعتمد كل هذه النشاطات الثقافية المتنوعة و تنظيمها على العمل التطوعي فحسب , فقاطعني فلان الفلاني في هذه اللحظة بالذات , وقال  , ان هؤلاء الذين يتابعونك يقولون الشئ نفسه بالضبط , وانهم لهذا يتعجبون جدا من اخفاء هذه المعلومات المنطقية من قبلك ,  بل ويقولون ان الامر على الاغلب واضح جدا , وانك ربما تنسّق بهدوء مع طلبتك الكثيرين من خريجي قسم اللغة الروسية  في كليّة اللغات بجامعة بغداد لتحقيق هذا الغرض .
سألت فلان الفلاني وانا ابتسم  – هل قرأت رواية نجيب محفوظ الجميلة – ( ثرثرة فوق النيل) ؟ فقال لا , ولا اعرفها , فقلت له , اما أنا فأعرفها ومعجب بها , وانني تذكرتها الان ( رغم ان موضوعها  بعيد جدا عن موضوعنا) , لأن هذه الاقوال ثرثرة ليس الا , ويقوم بها اناس يحملون كما تقول شهادات اكاديمية عليا , ولكنهم لا يعرفون , ان كل شهادة ( وهذه معاييراكاديمية عالمية ) تفقد قيمتها العلمية عندما لا يمارس صاحبها العمل في مجال اختصاصه لمدة خمس سنوات , وان هؤلاء ( الخبراء!!!) لا يعملون في اختصاصهم منذ اكثر من ربع قرن ونيّف , وانهم  فقدوا بالتالي جوهر اختصاصهم واهمية شهاداتهم الاكاديمية, وفقدوا حتى التفكير العلمي و المنطق السليم, و لهذا فانهم لا يمارسون الان سوى هذه الثرثرة , التي تعكس عقدهم النفسية العميقة, ولهذا ايضا فانهم يذكّروني بعنوان رواية نجيب محفوظ الشهيرة – ( ثرثرة فوق النيل ) , لأن  كل احاديثهم هذه هي ثرثرة ليس الا, ويمكن ان نطلق عليها تسمية – ( ثرثرة فوق الفولغا ) , مع الاعتذار طبعا من الروائي المصري (النوبلي) الكبير نجيب محفوظ ...       

128
بيلينسكي في روسيا بين الامس واليوم

أ.د. ضياء نافع
كان بيلينسكي ( 1811-1848) في الاتحاد السوفيتي الناقد الادبي
رقم واحد في كل الدراسات والبحوث الادبية , وكان الاستشهاد
باقوال بيلينسكي وافكاره يعني صحة اي موقف من المواقف الادبية
في اي نقاش او حوار يجري حول اي موضوع من مواضيع
الدراسات الادبية تلك بغض النظر عن طبيعتها وتفاصيلها
وأغراضها. وعندما كنّا طلبة في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها )
بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين , كنّا نوصي بعضنا
البعض اثناء اداء الامتحانات ( وهي شفهية بشكل عام وامام لجان
مختصّة) ان (نقحم!) اسم بيلينسكي في اجاباتنا ونذكر اي قول من
أقواله ونستشهد بها , كي تبدو هذه الاجابات علمية ومقنعة امام تلك
اللجان الامتحانية . لقد كان بيلينسكي رمزا فكريا واضحا لمجتمع
الحزب الواحد
والرأي الواحد , المجتمع الذي انتصرت فيه ايديولوجيا واحدة , ولم
تكن تسمح لأيّة ايديولوجيا اخرى حتى بالتعايش معها وبأي شكل من
الاشكال , (وتوجد لوحة سوفيتية يقف في يسارها بيلينسكي وفي
يمينها رائد الفضاء غاغارين وفوقه العلم السوفيتي يرفرف فوق
برلين عندما دخلت القوات السوفيتية منتصرة بعد انتهاء الحرب
العالمية الثانية ويوجد في وسط تلك اللوحة صاروخ سوفيتي ضخم
, وتجسّد هذه اللوحة كل المفاهيم السوفيتية حول بيلينسكي وموقعه

في الاتحاد السوفيتي ) , وقد تم نصب تمثال له وعدة تماثيل نصفية
في مدينة بينزا الروسية , وتم حتى تسمية مدينة صغيرة باسمه في
محافظة بينزا هذه , وتوجد شوارع وساحات عديدة ومكتبات عامة
تحمل اسمه في العديد من المدن الروسية ...الخ .
انعكس هذا الرأي السوفيتي طبعا على الحركة اليسارية العربية
عموما, فقد اصبح بيلينسكي نجما ساطعا في دنيا النقد الادبي العربي
, وكذلك بالنسبة لنا نحن العراقيين الذين كنّا ندرس الادب الروسي
في موسكو , فقد كتب عنه د. حميل نصيف التكريتي اطروحته في
جامعة موسكو, وكان بيلينسكي جزءا من اطروحة المرحوم د. جليل
كمال الدين عن النقد الادبي الثوري الديقراطي في نفس تلك الجامعة
, وأصدرت المرحومة د. حياة شرارة كتابا في بيروت عن بيلينسكي
ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي , وأذكر – مرة- ان جاء المرحوم
د . عبد الآله أحمد ( الناقد الادبي و الباحث المشهور ) الى قسم اللغة
الروسية وكان غاضبا وزعلانا على د. جميل نصيف التكريتي
الذي كان آنذاك رئيسا لقسم اللغة العربية في كليّة الآداب , حيث كان
يعمل د. عبد الآله , وقال بصوت عال وهو يحاول ان ينتقص من
علميته – لماذا لا ينشر اطروحته عن بيلينسكي ؟ معتبرا ان ذلك
نقيصة في نشاطه العلمي آنذاك , وقد حاولنا جميعا ان نهدّأ من
غضبه وزعله بالطبع ونحن نبتسم , ونقول له , ان د. جميل يستشهد
بافكار بيلينسكي دائما , وان افكار هذا الناقد الكبير تنعكس تلقائيا
على مجمل نشاط التكريتي الادبي حتى دون نشر اطروحتة عنه ,

الا ان د. عبد الآله ( الغاضب على د. جميل نصيف عندها) لم يقتنع
بكلامنا ولم يهدأ.
لكن بيلينسكي لم يكن هكذا عندما ظهر في الساحة الفكرية الروسية
في الثلث الاول من القرن التاسع عشر, وانما كان واحدا من
مجموعة متنوعة الاتجاهات من النقاد والمفكرين الروس في الثلث
الاول من ذلك القرن في روسيا , وكان بيلينسكي ناقدا بارزا وذكيّا
وشجاعا , واصبح مشهورا رغم انه كان عليلا بشكل عام و عاش
37 سنة ليس الا ( وتوفي بسبب مرض السلّ) , واستطاع – مع ذلك
- ان يلعب دورا كبيرا في عالم الادب الروسي آنذاك , وكتب مقالات
عميقة في النقد الادبي عن بوشكين وليرمنتوف وغوغول , وكذلك
عن ادباء روسيا في القرن الثامن عشر , واصبحت كل تلك المقالات
شهيرة في ذلك الزمن بالذات , وأثارت اهتمام الاوساط الادبية في
روسيا آنذاك ولازالت تمتلك اهميتها وقيمتها لحد الان ويدرسها
الباحثون في تاريخ الادب الروسي , ولكنها – مع ذلك - لم تكن
تعني انها الكلمة النقدية الفاصلة والحاسمة , وان اي رأي آخر
معاكس او غير مطابق لها او غير متناسق معها هو خاطئ او غير
صحيح كليّا او جزئيّا , وانما كان باب الاجتهاد مفتوحا على
مصراعيه كما يقولون , وكان هو واحدا من النقاد ليس الا, رغم انه
كان ناقدا متميزا بينهم .
يعدّ بيلينسكي من ضمن اوائل المثقفين والنقاد والادباء الروس ,
الذين كانوا يؤيدون النزعة الغربية ضد النزعة السلافية , وهو

الصراع الفكري الذي سيطر بعدئذ – وبكل وضوح - على مسيرة
الادب الروسي لاحقا وعبر كل القرن التاسع عشر , وعندما حلّ
القرن العشرون وانتصرت ثورة اكتوبر1917, اصبح الرأي
المرتبط بهذه النزعة هو الرأي الصحيح لأنها كانت المضادة للنظام
القيصري , النظام الذي أسقطته الثورة , و اصبح الرأي المعاكس له
غير صحيحا ( اي النزعة السلافية) لانها لم تكن مضادة للقيصرية .
ان هذه النظرة ( المبنية على الموقف السياسي فقط) في الفكر هي
نظرة سطحية بلا شك, لأنها تلغي كل الالوان وتبقي على اللونين
الابيض والاسود فقط , دون ان تفهم , انه حتى اللون الابيض (عندما
نحلله بعمق) يمتلك العديد من الالوان , وهذا موضوع فلسفي
مطروح امام البشرية جمعاء , وكم عانت الشعوب ( بما فيها شعوبنا
العربية) في مسيرتها من هذه النظرة التبسيطية والساذجة ...
بيلينسكي اليوم في روسيا – ناقد ادبي كبير في تاريخ الادب
الروسي , ولكنه ليس الناقد الاوحد . انه جزء مهم وحيوي ورائع
ايضا في مسيرة الفن والادب الروسي والفلسفة الروسية , ولكنه ليس
كل شئ وفوق كل شئ في هذا البحر الفكري الكبير بامواجه الهائلة
والمتلاطمة مع بعض .
هل تتذكرون شعار – لتتفتح مئة زهرة ؟؟ الشعار الذي كنا نراه
معلقا فوقنا , ولكننا لم نراه يمشي حيّا في الشارع معنا وبيننا ...

129
خلاف بين خليل وابراهيم ثم حوار فوئام

أ.د. ضياء نافع

 خليل هو الدكتور خليل عبد العزيز, السياسي المعروف و مؤلف كتاب – (محطات من حياتي) الصادر في بغداد العام 2018 , و ابراهيم هو ألاستاذ الدكتور  ابراهيم خليل العلاف , المؤرخ العراقي الكبير والاستاذ اللامع في جامعة الموصل , والخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف فكري بحت حول موقفهم الشخصي من احداث معينة جرت في التاريخ الحديث للعراق كانا ( كلاهما) شاهدين لها وشاهدين عليها كل من موقعه. ولنبدأ قصة الخلافات (الفكرية !) الطريفة هذه من بدايتها , اذ انها – في رأينا - تستحق المتابعة الدقيقة فعلا ( وصولا الى الاستنتاج المنطقي حول ذلك , وهو الهدف الاساسي لهذه المقالة ), فهي خلافات بين علميين من أعلام المثقفين العراقيين المعاصرين , الذين يساهمون (بحياكة!) التاريخ العراقي الحديث وتدوينه للاجيال العراقية الحالية و اللاحقة , وتدوين الاحداث ( مهما كانت صغيرة) بدقة وموضوعية ينعكس – بالتأكيد – على مجمل مسيرة التاريخ العراقي ومصيره , و على نبض الحياة طبعا بالنسبة لحاضر بلادنا و لمستقبلها ايضا , ولنتذكر بيت الجواهري , الذي رسم صورة فنيّة و عميقة لهذه الحالة   –
 ومن لم يتعظ لغد بامس   وان كان الذكي- هو البليد
القصة هذه بدأت عندما كتب العلاف عرضا  جميلا – كعادته دائما لأنه مؤرخ يتابع ويسجّل ما يجري حوله من أحداث – لكتاب  خليل عبد العزيز ( محطات من حياتي ) باعتباره وثيقة مهمة من وثائق العراق وتاريخه, ونشر العلاف هذا العرض في موقع الكتروني معروف وواسع الانتشار , وهذا العرض هو قراءة موضوعية وهادئة وشاملة للكتاب المذكور . في ذلك العرض جاءت نقطة الخلاف الوحيدة واقعيا بين الاثنين , وكانت تدور حول تفاصيل احداث الموصل عام 1959 الشهيرة  , والمرتبطة بحركة الشواف, والتي ساهم بها شخصيا د. خليل عبد العزيز , عندما كان أحد المسؤولين عن التنظيمات الطلابية آنذاك , والتي شاهدها أ.د. ابراهيم العلاف ايضا عندما كان يافعا.
 بعد ان نشر د. ابراهيم العلاف تلك القراءة للكتاب , أجاب د. خليل عبد العزيز عليه بمقالة نشرها ايضا , ودافع طبعا عن وجهة نظره التي جاءت في كتابه المذكور حول تلك الاحداث, وهكذا اصبح الخلاف بينهما علنيا , وقد اضطر العلاف بالطبع ان يجيب بمقالة جديدة يناقش فيها ذلك , و عاد  عبد العزيز وكتب جوابا على ذلك الجواب , وهكذا أصبح لدينا مجموعة مقالات , وهي - عرض للكتاب بقلم العلاف وجواب على العرض بقلم عبد العزيز وجواب على الجواب بقلم العلاف وجواب على جواب الجواب بقلم عبد العزيز , وكنت اتابع هذا النقاش بدقّة بين زميلين  أعتّز جدا بزمالتهما , وبغض النظر عن رأيّ الشخصي الخاص حول ذلك الخلاف, فقد كنت ارى في تلك النقاشات بينهما المستوى الرفيع  والعفيف والنبيل للتعبير عن تلك الخلافات , فلا يوجد تشنج ولا عصبية ولا اتهامات ولا احكام حادة تجاه البعض , وكان كل باحث يعرض بهدوء رأيه الخاص به, مع التأكيد على احترام الرأي الآخر رغم الاختلافات غير البسيطة بين الاثنين , وهذه مسألة كبيرة جدا في زماننا الردئ هذا , حيث نرى النقاشات (البذيئة والوسخة!) مع الاسف الشديد جدا, والتي يعطّ منها الاندفاع الذاتي الوقح, و الذي ينطلق من المصالح الشخصية البحتة , والمنافع المادية ليس الا , وكل ذلك يجري طبعا ( برعاية !!!) من جهات واضحة المعالم ...
ونعود الى قصة هذا الخلاف بين خليل وابراهيم ( التزاما بعنوان مقالتنا طبعا) , فقد انقطعت  أخباره عنّي رغم اني كنت اتابعه بدقة , واستفسرت عن ذلك , فجاء الجواب من الزميل الدكتور خليل نفسه , اذ تبين انه زار العراق , ومن الطبيعي انه يجب ان يمرّ حتما بمدينته الحبيبة الموصل , وطنه الصغير ومسقط رأسه, ولكن هذا المرور كان لمدة يوم واحد فقط لا غير , اذ لم تسمح ظروفه باكثر من ذلك , ومع هذا , فقد اراد ان يلتقي بالدكتور ابراهيم  الذي يسكن هناك, ولكن كيف ؟ وهكذا قرر ان ( يجازف!) ويبعث اليه بخبرعن رغبته تلك بحذر شديد وبوجل طبعا , واذا بالدكتور ابراهيم يستجيب للمقترح رأسا وبحماس منقطع النظير , وهكذا تم اللقاء في بيت الدكتور ابراهيم نفسه , وفي هذا اللقاء الجميل تحدثا عن تلك المقالات والخلافات , وتم ( تسويتها!!!) بنفس تلك الروحية الانيقة والراقية والنبيلة , التي تحدث بين المثقفين الحقيقيين , الذين توحّدهم روحيّة عراقيتهم الاصيلة وعراقة اصالتهم العراقية وجذورهم الوطنية في اعماق الارض العراقية . وهذا هو الاستنتاج الذي أشرت اليه في بداية هذه المقالة , وهذا هو الهدف من كل هذه السطورالتي أكتبها , والتي أريد في نهايتها ان أحيي الدكتور خليل , الذي كتبت عنه العديد من مقالاتي , ومنها مثلا – ( خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز بحلقتين / كتاب نصف قرن بالروسية ..وغيرها ) , وكذلك اريد ان أحيي الاستاذ الدكتور ابراهيم  خليل العلاف , الذي أعرفه منذ سنوات النشر في جريدة الجمهورية البغدادية في سبعينات القرن العشرين , والذي اقترحت مرة عليه ( عندما كنت مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش الروسية بداية القرن الحادي والعشرين هذا) اصدار كتاب بتأليفه عن المركز, يعرّف الروس بعدة شخصيات عراقية , وأذكر استجابة د. العلاف السريعة لهذا المقترح , وكيف انه أرسل لي فعلا المواد الاولية عن هؤلاء الاعلام العراقيين , وكم تأسفت آنذاك لان مركزنا لم يستطع تحقيق ذلك المقترح الرائد , والذي لازلت لحد الان أحلم بتحقيقه مستقبلا ضمن خطط دار نوّار للنشر.       

130
المفكّر و الفيلسوف غوغول
أ.د. ضياء نافع
  غوغول هو احد الادباء الروس الكبار الذين دخلوا في تاريخ الفلسفة الروسية ( انظر مقالتنا بعنوان – الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية) , وتوجد الكثير من المصادر الروسية ( من كتب وبحوث و مقالات ... الخ) تتناول طبيعة فلسفتة وتحلل  خصائصها و تدرسها, و تطلق تلك المصادر عليه بشكل مباشر وواضح وصريح تسمية - ( الفيلسوف غوغول ) , لكن غوغول يرتبط ايضا بتسمية اخرى ( و موجودة ايضا في العديد من المصادر الروسية) , وهذه التسمية هي – ( المفكّر غوغول ) . لا يوجد بالطبع تناقض او تنافر  بين التسميتين , بل انهما ينسجمان ويتناغمان في الواقع معا , فالفيلسوف هو مفكّر , والمفكّر - فيلسوف , ولكن هذه الحالة ( اي ثنائية التسمية) لا تبدو بمثل هذا الوضوح مع دستويفسكي وتولستوي ولا تظهر متلازمة مع اسميهما في المصادرالروسية , وهما – كما هو معروف - الاسمان الاكثر سطوعا بين الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية ومسيرتها . مقالتنا هذه  تتوقف  قليلا عند هاتين التسميتين حول غوغول, وتحاول تعريف القارئ العربي بهذا الموضوع الطريف والكبير والمهم ايضا في تاريخ الادب الروسي ( التعريف ليس اكثر, لأن الموضوع اكبرمن سطور مقالة محدودة ) , وذلك لان  غوغول هو احد الاسماء المشهورة والمعروفة لهذا القارئ , بل وحتى  يمكن القول , انه من جملة الادباء الاجانب ( وليس فقط الروس ) الذين يتعامل القارئ العربي والمبدع العربي ايضا معهم بحب وتعاطف و ابداع , ويحوّر نتاجاته الى اعمال ادبية وفنيّة تعكس مشاكل العالم العربي نفسه , ولنتذكّر فقط مسرحيته الشهيرة ( المفتش العام) كمثال على ذلك , والتي تحوّلت الى اعمال مسرحية وتلفزيونية في عالمنا العربي , او كانت  تتمحور حول الفكرة الرئيسية في تلك المسرحية او تقتبس منها وتتم عملية تحويلها و توليفها , وبالتالي جعلها ذات طابع عربي يرتبط بالواقع العربي ويعالجه من وجهة نظر محددة و دقيقة , ومازلت اتذكر , كيف ان المرحومة أ.د. حياة شرارة كتبت مقالة طريفة وعميقة ونشرتها في جريدة الجمهورية آنذاك حول مسلسلة تلفزيونية مصرية بثّها في حينها تلفزيون بغداد مقتبسة من مسرحية غوغول – ( المفتش العام) , وقد دخلت هذه المقالة الان ضمن تراث المرحومة حياة شرارة.
 لم يكن غوغول - منذ بداياته الادبية – يكتفي بنشر النتاجات الادبية البحتة فقط ( ان صحّت صفة البحتة هنا ) , بل كان يحاول ايضا ان ينشر و يطرح افكاره النظرية العامة , و هي افكار مرتبطة بدور الادب والفن عموما بمسيرة الحياة الاجتماعية , و هو جوهر البحث الفلسفي لغوغول , ولهذا , فان النقاد يرون ( وهم على حق ) , ان هناك جانبان او نشاطان يسيران معا في نتاجات غوغول – جانب ادبي يكمن في السرد الفنّي (نتاجاته النثرية العملاقة وابداعه المتميّز فيها ) , وجانب آخر يكمن في الفلسفة ( نتاجاته التأملية حول دور الادب والفن عموما في جوهر الحياة الاجتماعية وافكاره الدينية والاستيتيكية عن هذا الدور) . لقد أدى هذا الانشطار ( ان صحّ هذا التعبير) في مسيرة غوغول الابداعية الى التصادم بين الجانبين في نهاية المطاف , بل و الى تناقض صارخ بينهما في اعماق روحه, بحيث ان غوغول وصل الى قرار فكري خطير( لم يتكرر في تاريخ الادب الروسي ) , وهو ان يحرق الجزء الثاني باكمله من روايته الارواح الميتة قبل رحيله الابدي , الجزء الذي كتبه طوال سنوات مكوثه في ايطاليا , والذي كانت كل روسيا المثقفة تنتظره واقعيا, اي حدث في اعماق روحه انتصار الجانب الفلسفي على الجانب الفني في مسيرة ابداعه , اي انتصر غوغول الفيلسوف والمفكّر على غوغول الاديب والفنان في عملية الانشطار الفكري الذي كان يعاني منه غوغول, والذي كان واضحا جدا عندما أصدر كتابه الاخير(  مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) , وهو الموقف الذي شجبه بيلينسكي في رسالته المشهورة له آنذاك – (انظر مقالتنا بعنوان  -حول  بيلينسكي ورسالته الى غوغول )  . وتشير المصادر الروسية الحديثة والمعاصرة الآن , الى ان بيلينسكي لم يستوعب ولم يفهم هذه الظاهرة الفكرية الفلسفية العميقة , التي حدثت في مسيرة غوغول ( وهو عكس الموقف الفكري السوفيتي تماما من هذا الحدث, ولا مجال للتوسع أكثر حول ذلك في اطار مقالتنا هذه )  , وان رساله بيلينسكي تلك الى غوغول هي دليل واضح على ذلك ( اي عدم استيعاب بيلينسكي لتلك الظاهرة المرتبطة بغوغول وعدم فهمها) . ان هذه الرسالة في نهاية المطاف هي تأكيد على ان غوغول وليس بيلينسكي هوالذي انتصر في تلك المعركة الفكرية التي حدثت بينهما , والتي بدأها بيلينسكي نفسه , و كان غوغول مدافعا عن نفسه ليس الا ضد هذا الهجوم .
المفكّر والفيلسوف غوغول لايزال حيّا في أجواء الفكر والفلسفة الروسية , مثلما لايزال حيّا في مسيرة الادب الروسي , وكم نحن بحاجة الى الدراسة المعمّقة في ابداع هذا المفكّر والفيلسوف والاديب ... 

131
روسيا تحتفل بالذكرى 250 لميلاد كريلوف
أ.د. ضياء نافع
اسميناه في مقالة سابقة لنا - ( ابن المقفع الروسي ) ( انظر مقالتنا بعنوان – كريلوف ابن المقفع الروسي ) لأنه يذكرنا – نحن العرب – بابن المقفع الذي ترجم لنا الكتاب الخالد ( كليلة ودمنه ) , اذ ان كريلوف ايضا ترجم وقدّم للقراء الروس ( كليلتهم الخالدة ) , كما يطلقون عليه في روسيا بعض الاحيان تسمية (لافونتين الروسي) , لأنه ترجم حكاياته الخرافية واساطيره الى الروسية  , ولكنه كان و سيبقى طبعا بالنسبة للروس كما يسميه الجميع في روسيا – الجدّ كريلوف , المحبوب والمفهوم من قبل الصغار والكبار معا( وهي ظاهرة قلما تحدث في  تاريخ الآداب عند الشعوب بشكل عام ) , وها هي روسيا تحتفل هذا العام (2019) بالذكرى 250 على ميلاد (جدّها!) , وهي تتذكر مقاطع خالدة من حكاياته الخرافية واساطيره , والتي تحولت مقاطع كثيرة منها الى أمثال وحكم يستخدمها الروس ويستشهدون بها لحد الان في مسيرة حياتهم اليومية , لدرجة , ان جريدة ( ليتيراتورنايا غازيتا ) الروسية الاسبوعية قد نشرت على صفحتها الاولى في عددها الصادر بتاريخ 13- 19 شباط / فبراير 2019 مانشيتا رئيسيا كبيرا لها بعنوان – (جدّ كل الروس كريلوف  بلغ من العمر 250 سنة) , وتحت هذا المانشيت البارز نرى جزءا من صورة لتمثاله الشهير مع مقطع من حكايته الخرافية عن اربع حيوانات تريد ان تعزف الموسيقى (كفرقة رباعية) ولكنهم لا يستطيعون, وكل واحد منهم يقول , ان السبب يكمن في  انهم يجلسون بشكل خاطئ , وكل واحد يوجّه الاخرين كيف يجب ان يجلسوا , ولكن بلا نتيجة, الى ان يأتي البلبل ويقول لهم الحقيقة في نهاية الحكاية ( والتي اصبحت مثل روسي شهير ),  و الحقيقة البسيطة تلك هي جملة يقول فيها  البلبل –
وانتم ايها الاصدقاء
كيفما تجلسون
كموسيقيّن لا تصلحون
وقد تم نشر هذا المقطع في جريدة ( ليتيراتورنايا غازيتا) على خلفية صورة لصالة كبيرة مليئة بالجالسين امام اجهزة الكومبيوتر وهم يمارسون عملهم , ولا تحتاج هذه الصورة الى تعليق طبعا , اذ ان معناها واضح , فهي تشير الى مؤسسة هائلة يجلس فيها مئات العاملين امام اجهزة الكومبيوتر يوجهون بها الامور , ولكنهم لا يصلحون لادارة تلك الشؤون رغم مظاهرهم واجهزتهم , كما لم تكن تلك الحيوانات ( ومنهم حمار ودب) تصلح لعزف الموسيقى كفرقة رباعية بغض النظر عن امتلاكهم للآلات والنوتات الموسيقية المدوّنة والمثبّتة امامهم وكل المستلزمات الاخرى .....
وكريلوف ليس مجهولا لدى القراء العرب , رغم اننا لا نستطيع القول – مع ذلك - ان معرفتنا لابداعه متكاملة . لقد قدّم المترجمون  لدينا  بعض حكايات كريلوف الى القراء العرب , ومنهم غائب طعمه فرمان وامين سلامة مثلا ,  لكن ما قدموه من نتاجاته هو في نهاية المطاف قليل جدا , ولا يتناسب مع مكانته الرفيعة والمتميّزة في الادب الروسي بلا شك , ولا يعرف القارئ العربي طبعا , لماذا قال عنه  شمس الشعر الروسي بوشكين , انه ( اي كريلوف)  – ( أكثر شعرائنا وطنية وأعظمهم شعبية ) , ولا يعرف القارئ العربي ايضا موقعه الحقيقي في مسيرة الادب الروسي , بل اني وجدت بعض الباحثين العرب يشيرون الى ان كريلوف هو ( مناضل !) ضد النظام القيصري الجائر , وانه كان ( مضطهدا) , وانه كان ( مضطرا) لكتابة حكاياته الرمزية واساطيره تلك ...الخ من الكتابات  العامة التي يكتبها هؤلاء ( الملكيون أكثر من الملك !) , ولم يسأل هؤلاء انفسهم , لماذا يقرأ الروس نتاجات كريلوف لحد الان , رغم ان النظام القيصري قد انتهى منذ عشرات السنين , وان الانسان الروسي المعاصر لا يعرف ( لا هو ولا اجداده) حتى اسماء هؤلاء القياصرة. لقد كنت – مرّة – شاهدا بمحض الصدفة  (قبل  فترة قصيرة في روسيا) على واقعة حدثت امامي , اذ قال مواطن روسي (وهو في حالة غضب) الى شخص آخر كان يتحدث معه – ( لقد تصرّف معي مثل الذئب مع الحمل عند جدنا كريلوف , لأن الضعيف مذنب دائما امام القوي بغض النظر عن كل منطق!) , وقد سألت صديقي الروسي الذي كان يشاهد هذه الواقعة ايضا – ( هل يعرف هذا الروسي , ان الاغريقي ايسوب هو الذي كتب هذه الحكاية قبل ميلاد السيد المسيح , اي قبل أكثر من ألفين  سنة ؟) , فضحك صديقي الروسي وقال , ولا انا ايضا اعرف ذلك , فهي بالنسبة لنا – نحن الروس - واحدة من الحكايات الخيالية الرائعة , التي كتبها لنا كريلوف بلغتنا الروسية , ولهذا, فاننا سنحتفل في هذا العام (2019) بمناسبة مرور 250 سنة على ميلاده.   

132
مع سائق طاجيكي في موسكو
أ.د. ضياء نافع
يثرثر سائقو سيارات الاجرة من الشعوب السوفيتية سابقا ( وما أكثرهم الان في المدن الروسية الكبيرة ) مع الركاب في موسكو , ويذكروني بالقصص الطريفة عن ثرثرة الحلاقين في مادة القراءة بمدارسنا الابتدائية ايام زمان , وهذا ما حدث معي قبل فترة قصيرة في موسكو, اذ لاحظ سائق سيارة الاجرة ملامحي غير الروسية رأسا , وسألني بفضول واضح وصريح ومباشر – من اين انت ؟ اضطررت طبعا ان اجيبه عن سؤاله ( خصوصا واني لاحظت ان ملامحة وكلامه بالروسية تبينان بوضوح انه ليس روسيّا ), وقلت له اني  من العراق , فصاح باندهاش واضح – آه لو كان المرحوم جدي يعلم , ان عراقي جلس معي في سيارة الاجرة التي أقودها في شوارع موسكو . تعجبت انا طبعا من رد فعله غير الاعتيادي هذا , ومن اندهاشه , ومن مضمون جملته تلك التي قالها لي , وسألته رأسا – وما علاقة جدك بكل ذلك ؟ فقال , لأن جدي قد مرّ في بغداد عندما سافر الى الحج مع مجموعة كبيرة من الحجاج الطاجيك الآخرين, الا ان الباص الذي كان يقلّهم قد تعطّل في بغداد اثناء تلك الرحلة, ولم يستطيعوا تصليحه رغم كل محاولاتهم , وقد احتاروا ولم يعرفوا ما العمل , فنصحوهم ان يتوجهوا الى السلطات العراقية بطلب للمساعدة و بالذات الى صدام حسين, وفعلوا ذلك فعلا , فجاءت المساعدة , وتم توفير باص جيد لهم , واكملوا سفرتهم الى الحج , وانتظرهم الباص العراقي هناك وعاد بهم الى بغداد , حيث وجدوا ان حافلتهم قد تم تصليحها مجانا من قبل السلطات العراقية, وهكذا عادوا الى طاجكستان سالمين , وقد بقي جدي يتحدث عن هذه الحادثة طوال عمره  في البيت وفي كل مكان يحل به , وعندما تم اعدام صدام , كان عند جدي مأتم حقيقي , وكم حاولنا ان نقنعه , ان الشعب العراقي يفكّر بشكل آخر حول صدام , ويعتبره دكتاتورا  قاسيا , ولكن دون فائدة , اذ كان جدي يكرر قصة مساعدته لهم عندما كانوا في رحلة الحج , ويقول لولا صدام لما استطاع لا هو ولا رفاقة من الوصول الى مكة واكمال مراسم الحج ولا الرجوع الى طاجكستان . صمت السائق قليلا , ثم سألني – هل فهمت الان لماذا قلت لك جملتي الاولى عندما عرفت انك عراقي ؟ ابتسمت أنا , وقلت له – نعم فهمت , فارتاح جدا لاجابتي , وأضاف قائلا – ولهذا قلت لك آه لو كان جدي يعرف ان عراقي جلس معي وانني حدثته عن هذه الحادثة المهمة جدا في حياته , ثم  سألني – ما ذا تقول حول هذه القصة , التي نرويها في عائلتنا  دائما و حتى بعد وفاة جدي قبل عشر سنوات من الان ؟ اذ اننا لا نستطيع نسيانها . قلت له ان جدك على ما يبدو كان انسانا بسيطا جدا وساذجا, وانه تأثّر بالحادث طبعا , ولكنه لا يعرف بتاتا ماذا عمل صدام في العراق طوال تلك السنين الطويلة التي حكم فيها , ففرح السائق بجوابي , وقال , اننا جميعا في عائلتنا كنا نقول له ذلك الرأي , ولكنه كان يرفض الاستماع الينا , وانني الان , عندما سأعود الى بيتنا في طاجكستان , سأحكى لهم ماذا قال العراقي الذي جلس معي في سيارة الاجرة في موسكو حول قصة جدي . سألته , وهل ستعود نهائيا الى بيتكم في طاجكستان؟ فأجاب بحسرة – ياليت , اذ ان هناك زوجتي و اطفالي , ولكني أعمل في موسكو لعدم وجود العمل هناك , وان والدي ووالدتي وزوجتي يعملون في طاجكستان , ولكنهم لا يستطيعون العيش حتى بشكل متواضع , ولهذا فانني مضطر ان أعمل سائقا في موسكو لمساعدتهم في العيش , وازور بيتنا في طاجكستان مرة كل ستة أشهر , ولمدة اسبوعين لا أكثر , وأعود الى العمل في موسكو . قلت له , الا تستطيع ان تعمل هناك سائقا ايضا , اذ ستكون عندها قرب عائلتك واهلك , فقال , ان السائق في موسكو يكسب  أضعاف السائق هناك , وانه لهذا يعمل في موسكو , فقلت له , ولكنك تصرف هنا ايضا اضعاف ما تصرفه هناك , فقال لالالا , انا وخمسة من اصدقائي الطاجيك نعيش سويّة في غرفة واحدة صغيرة و متواضعة جدا نؤجرها  في اطراف موسكو لأن الايجارات خارج موسكو أرخص  , ونقتصد في كل شئ , و حتى في اكلنا وشربنا , من اجل ان نساعد عوائلنا هناك , ثم أضاف ضاحكا انه يرتاح فقط  اثناء الاسبوعين تلك , عندما يزور بيتهم في طاجكستان , ويكون  مع والديه وزوجته واطفاله , وتأسف جدا لان الايام الجميلة  في تلك الاسبوعين تمرّ بسرعة مثل لمح البصر .
عندما وصلنا الى العنوان المطلوب , اعطيته اجرته (وبخشيشا ) جيدا ايضا , وقلت له , انها  لشراء هدية متواضعة بهذا المبلغ لعائلتك , وان يقول لهم انها من العراقي الذي لا يؤيد بتاتا  المرحوم جدكم في احاديثه , فضحك وقال , سأحكي لهم ذلك حتما , وستكون هذه القصة الجديدة المرتبطة بالعراق ايضا مهمة جدا في مسيرة حياة عائلتنا  بطاجكستان.

133
صوفي لافيت – الفرنسية الروسية التشيخوفية
أ.د. ضياء نافع
صوفي لافيت – بروفيسورة في جامعة باريس , التقيتها عام 1966 عندما وصلت الى باريس ( بعد انهاء دراستي في الاتحاد السوفيتي) للالتحاق في قسم الدراسات العليا بتلك الجامعة , وقد تحدثت عن هذا اللقاء الطريف في مقالتي بعنوان – ( تشيخوف في العراق وتشيخوف في فرنسا ) , حيث كتبت بالتفصيل كيف ان لافيت قامت ( في ذلك اللقاء الاول معها ) بتدقيق معلوماتي عن تشيخوف , بل يمكن القول انها اجرت لي امتحانا في الادب الروسي من حيث لا ادري ( وهو اسلوب رائع من اساليب التدريس , حيث يتخلص الطالب من حالة التوتر النفسي عند الامتحان , وغالبا ما استخدمته انا لاحقا في حياتي التدريسية في جامعة بغداد) , وكيف سألتني عن بحثها حول تشيخوف , وكيف اني تحدثت لها عن ذلك البحث العلمي لكني لم استطع الاجابة عن سؤالها – ( من هو كاتب ذلك البحث؟)  واجبتها  اني لا اتذكر ذلك الاسم الفرنسي , وكيف خجلت وانحرجت واعتذرت لها عندما قالت لي وهي تبتسم , انها هي التي كتبت  هذا البحث  . بعد ذلك اللقاء (الغريب والحاسم في مسيرة حياتي) وافقت البروفيسورة صوفي لافيت على قبولي في جامعة باريس و ان تكون المشرفة العلمية على اطروحتي في  تلك الجامعة , وقد فرحت انا طبعا وسألتها رأسا – ( متى يجب عليّ ان اؤدي امتحان القبول ؟) , فابتسمت المرحومة صوفي لافيت وقالت لي – ( لقد أدّيت هذا الامتحان الان وبنجاح) , وهي جملة لن انساها مدى الحياة .
  انتهيت من الدراسة عام 1971 , و عدت الى بغداد بعد اكمال دراستي, ثم تراسلت قليلا معها من بغداد, وانقطعت المراسلات واقتصرت على المناسبات , ثم علمت بوفاتها بعد فترة وجيزة .
تذكرت المرحومة صوفي لافيت اليوم ( ونحن في نيسان / ابريل من عام 2019) , بعد ان اطلعت على بحث علمي عميق وجميل كتبه المرحوم البروفيسور في جامعة باريس نيكيتا ستروفه ( الفرنسي الروسي ايضا مثلها ) عن تشيخوف , وجاء هناك اسمها وموقف ايليا ايرنبورغ منها في كتابه عن تشيخوف , والذي ترجمته أنا الى العربية في سبعينيات القرن العشرين , وصدرت طبعته الاولى في بيروت والثانية في بغداد والثالثة في القاهرة دون موافقتي , بل ودون ان أعرف ذلك   . عندما قرأت بحث البروفيسور نيكيتا ستروفه , تذكرت طبعا مشرفتي العلمية المرحومة البروفيسورة صوفي لافيت , وقررت كتابة هذه السطور عنها تحية لذكراها العطرة , و لتعريف القارئ العربي بهذه الباحثة الكبيرة في مجال الادب الروسي في فرنسا .
لا زال اسم صوفي لافيت يرتبط باسم تشيخوف في فرنسا رغم انها رحلت منذ سنوات طويلة , اذ انها مؤلفة كتاب مهم جدا حول تشيخوف بالفرنسية عنوانه – ( تشيخوف بقلمه) , وقد صدر ضمن سلسلة كتب مشهورة جدا في فرنسا تتناول حياة المشاهير استنادا الى ما كتبوه هؤلاء المشاهير من رسائل او مذكرات او اي كتابات اخرى . لقد اثبتت لافيت في كتابها ذاك معرفتها الدقيقة والعميقة والشاملة بابداع تشيخوف وتفاصيل حياته , واستطاعت في كتابها ان ترسم للقارئ الفرنسي صورة تفصيلية لهذا الكاتب الروسي الكبير , مستخدمة مقاطع من رسائله ونتاجاته الفنية من قصص ومسرحيات , اي انها واقعيا أعادت للقارئ صورة تشيخوف كما رسمها هو لنفسه ( دون ان يعرف تشيخوف نفسه بذلك واستغرق برسمها طوال حياته , ولا قارئ نتاجاته كان يعرف بذلك ايضا), أقول , أعادت لافيت رسم صورة الكاتب الروسي الكبير  هذا وعبر تفاصيل دقيقة وصغيرة لا يمكن للقارئ ان يلاحظها حتى عندما يقرأ نتاجات تشيخوف , وبالتالي , فان القارئ (والباحث ايضا) يجد في كتابها هذا كل الاجابات عن اي سؤال يخطر بباله عن تشيخوف , وهذا عمل رائد وأصيل في النقد الادبي وفي علم الادب بشكل عام , عمل لا يستطيع ان يقوم به سوى الباحث الحقيقي الذي يعرف بعمق كل نتاجات تشيخوف ورسائله وما كتبه عنه الباحثون والنّقاد من دراسات وابحاث,  وقد استفدت انا شخصيا منه كثيرا في اطروحتي عن تشيخوف , اذ وجدت هناك تفصيلات صغيرة و لكنها مهمة عن خصائص بعض قصص تشيخوف القصيرة ... وكم نحن بحاجة الى مثل هذه النوعية من الكتب والبحوث بالنسبة لكتّابنا وفنانينا ومبدعينا في عالمنا العربي , كتب يؤلّفها متخصصون عرب حول ادبنا العربي . لقد سألني مرة أحد أقارب الجواهري والمهتمين بالحفاظ على ابداعه , ما هو مقترحي الذي يمكن ان اقدّمه له حول شاعرنا الكبير , فقلت له رأسا – اتمنى ان أرى كتابا بالعربية عنوانه – الجواهري بقلمه , والذي يجب ان يؤلفه أحد الذين يعرفون بعمق ابداع الشاعر الجواهري وتفاصيل مسيرة حياته , وهي مهمة علمية في غاية الصعوبة , ولا يستطيع ان يقدم عليها سوى العلماء .
الرحمة والطمأنينة و السلام لروح هذه الباحثة الفرنسية ( ذات الاصول الروسية), المتخصصة المرموقة في الادب الروسي  , البروفيسورة في جامعة باريس – صوفي لافيت.

134
ثلاثي لينينغراد العراقي
أ.د. ضياء نافع
كان يمكن لعنوان هذه المقالة ان يكون – شبّر/ عارف / القرة داغي , اي حكمت شبّر ومحمد عارف وكامران القرة داغي , وكان يمكن ايضا ان يكون –  ثلاثي لينينغراد العراقي ومصيره , وكان يمكن ان يكون ايضا - و ببساطة - حلقة جديدة برقم جديد ليس الا في سلسلة مقالاتي عن (عراقيين مرّوا بموسكو) , والتي احاول ان اسجّل فيها تاريخ العراقيين , الذين درسوا بروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين فصاعدا , والذين لم يكتبوا هم انفسهم – وكما ينبغي ان يكتبوا - عن تجربتهم و تاريخهم الممتع والجديد في مسيرة المجتمع العراقي , وكذلك لم يكتب عنهم – مع الاسف – الآخرون ايضا بشكل عام , ولا عن دورهم اللاحق ( والمبدع ) في مسيرة الحياة العراقية بعد تخرّجهم , والذين ( طمغتّهم! رسميّا وشعبيّا) النظرة العراقية الساذجة جدا ب ( الطمّغة ) ( والطمّغة باللهجة العراقية تعني الختم) الماركسية – اللينينية – الستالينية - السوفيتية , وهي نظرة , أقل ما يمكن وصفها , انها بليدة بكل معنى الكلمة , والتي لازالت الى حد ما قائمة ( وبشكل من الاشكال) رغم انف كل الحقائق الموضوعية (وغير الموضوعية ايضا) مع الاسف الشديد .
ثلاثي لينينغراد تبلور صدفة وفي اطار جامعة لينينغراد العريقة اوائل الستينات من القرن العشرين , اذ تم ارسال هؤلاء العراقيين الثلاثة للدراسة في تلك الجامعة , وهم حكمت شبّر- للدراسة في كليّة القانون ( قسم الدراسات العليا) , ومحمد كامل عارف للدراسة الاولية في كليّة الصحافة , وكامران قرة داغي للدراسة الاولية في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها). جمعتهم قبل كل شئ عراقيتهم طبعا واختصاصاتهم في العلوم الانسانية عامة والسكن في نفس الاقسام الداخلية للجامعة, و لكنهم – مع كل تلك العوامل - اصبحوا قريبين الى بعض بعد ان اكتشفوا ان افكارهم ( واحلامهم الفكرية ايضا ) توحّدهم . يقول البعض انهم جميعا كانوا يساريين , ولهذا اصبحوا قريبين الى بعض , ولكن معظم الطلبة العراقيين آنذاك كانوا يساريين بشكل او بآخر , فلماذا برز هذا الثلاثي اللينينغرادي بالذات؟ . لقد وحدّتهم بذرة الابداع , التي كانت كامنة في اعماقهم , فمحمد كامل عارف كان قاصا عراقيا واعدا وصحافيا حتى قبل ان يصل الى الاتحاد السوفيتي , وحكمت شبر كان يحلم ( في اعماقه ) ان يكون شاعرا , رغم انه كان خريج كلية الحقوق ( هكذا كان اسمها آنذاك) من جامعة بغداد ويملك الحق ان يكون محاميا في العراق , وكامران قرة داغي كان مشروعا لكاتب في مجال الترجمة و الصحافة, حيث يمكن ان يستخدم عدة لغات كان يتقنها آنذاك بشكل رائع , وهي الكردية ( لأنه كردي)  والعربية ( لأنه عراقي) والانكليزية ( لأنه درس في كلية بغداد الشهيرة) , وأضاف الى تلك اللغات عندئذ اللغة الروسية. وساهمت الاحداث التي كانت تحيطهم في الاتحاد السوفيتي بتقريب بعضهم الى البعض ايضا , فبعد انقلاب 8 شباط 1963 تأسست لجنة الدفاع عن الشعب العراقي برئاسة الجواهري الكبير خارج الوطن , واصبح هذا ( الثلاثي!) نواة هذه اللجنة في لينينغراد , ولم يكن ذلك عفويا بالطبع .
بعد انهاء الدراسة , عاد الثلاثي الى بغداد , واصبح الدكتور حكمت شبّر استاذا جامعيا في كلية القانون وصدرت اطروحته بالعربية ضمن كتب وزارة الثقافة والاعلام , واصبح محمد كامل عارف صحافيا بارزا وارتبطت باسمه صفحة (آفاق) التي أسسّها في جريدة الجمهورية البغدادية , والتي لعبت دورا متميّزا ورائدا في مسيرة الصحافة العراقية والثقافة العراقية آنذاك  , واصبح كامران قرة داغي مترجما حرّا في الصحف والمجلات والاذاعة والتلفزيون والمركز الثقافي السوفيتي , مترجما يشار اليه بالبنان , كما يقول التعبير العربي الجميل , اذ ارتبط باسمه عمله الابداعي المستقل كمترجم , اي خارج التعيين الرسمي في الدوائر الحكومية كما كان يسعى الجميع , وهو موقع جديد ومبتكر خلقه كامران نفسه لحاضره ومستقبله . واستمرّت علاقات الصداقة والودّ و التواصل بين ذلك الثلاثي اللينينغرادي في بغداد مثلما كانت في لينينغراد , وكنت شاهدا - من بعيد - على ذلك التواصل الجميل بينهم في بداية السبعينيات ببغداد  , رغم اني لم اكن قريبا جدا – نسبيا- من ثلاثي لينينغراد ذاك .
 لكن الرياح العراقية تجري عكس ما تشتهي سفن العراق المحمّلة بثروات وادي الرافدين , اذ ان مقود تلك الرياح بايدي مراقبين خارج الحدود الجغرافية لدجلة والفرات , وهم الذين يوجّهون اتجاهاتها حسب رغباتهم ومصالحهم , و هبّت تلك الرياح – وبقوّة شديدة - من خارج الحدود  و ( طشّرت) الثلاثي اللينينغرادي العتيد , وليس فقط الثلاثي ...
لازال ( أقطاب!) هذا الثلاثي يتفاعلون مع الحياة بحيوية وابداع كل من موقعه الجديد, ولازالوا يتواصلون مع بعض من بعيد ومن قريب ايضا , رغم ان عواصف تلك الرياح اللعينية فرّقتهم عن بعض ...
كم اتمنى ان أقرأ يوما ما  ذكرياتهم عن مسيرتهم باقلامهم هم , اذ ان هذا يعني , اننا سوف نقرأ  صفحة في غاية الاهمية في تاريخ العراق المعاصر, وصفحة رائعة الجمال في تاريخ المذكرات...

135
تفصيلات صغيرة عن مجلة (قضايا الادب) الروسية
أ.د. ضياء نافع
قال صاحبي , انك لم ترسم صورة تفصيلية ومتكاملة عن مجلة ( قضايا الادب) الروسية في مقالتك عن هذه المجلة المهمة ( انظر مقالتنا بعنوان – عن مجلة  قضايا الادب الروسية) , وان المعلومات التي جاءت في تلك المقالة كانت نظرية بحتة و تخطيطية  فقط  ان صح التعبير, وان هذه المعلومات غير كافية لتعريف القراء العرب تفصيليا وتطبيقيا  بمجلة ادبية تمتلك اهميتها وتاريخها في مسيرة روسيا منذ ان كانت سوفيتية , ثم استمرّت (المجلة) بالصدور في ظل نظام روسيا الجديد ولازالت تصدر لحد الان . وأضاف صاحبي قائلا, ان تلك المقالة واقعيا - (  يتيمة!) بالعربية , اذ لا توجد مصادر عربية كثيرة وكافية تتناول الصحافة الروسية و اصداراتها بشكل عام ولا تتناول ايضا تلك المجلة بشكل خاص , ولهذا فان تلك المقالة جاءت (مبتورة! كما قال صاحبي) وتحتاج الى اضافات تفصيلية و توسيع الجانب التطبيقي والعملي فيها . قلت له , ان المصادر العربية في كل المواضيع الروسية تقريبا غير كافية بشكل عام , وان هذه المهمة الواسعة الآفاق تقع على عاتق الجانبين الروسي والعربي في مجملها النهائي , وبالذات على التعاون بين الدولة الروسية والدول العربية في المجالات الرسمية والشعبية , وانها قضية كبيرة جدا لأنها تتطلب وضع الخطط المسبقة وتوزيع ادوار المساهمة من كل جانب ومسؤولياته المحددة , و لا يستطيع شخص واحد او حتى عدة اشخاص ان ينجزوا هذه المهمة مهما حاولوا ومهما كانت امكانياتهم وطاقاتهم . أتفق صاحبي معي في هذا الرأي , لكنه أضاف , انه كان يمكن لي ان اورد - مع ذلك - امثلة محددة مما تنشره تلك المجلة من بحوث ومقالات  وتعليقات وملاحظات ...الخ كي تكون عند القارئ صورة محددة وامثلة ملموسة عن مضامين تلك المجلة . ضحكت أنا , وقلت له , انني أشرفت على اطروحتين في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد , واحدة عن الادب الروسي في مجلة الاقلام العراقية , والثانية عن الادب الروسي في مجلة الثقافة الاجنبية العراقية ( انظر مقالتنا بعنوان – اطاريح الماجستير التي أشرفت عليها ) , وكم كنت أتمنى – بعد الانتهاء من عملنا ذاك - ان يصدر في العراق فهرس متكامل ( فهرس ليس الا) يتضمن اشارة الى عناوين كل المقالات حول الادب الروسي في تلك المجلتين فقط , ومع ذلك لم نستطع تحقيق هذه (الامنية!) رغم انجازنا الاطروحتين بنجاح في حينها , فكيف تريد يا صاحبي العزيز ان أعطيك امثلة عن المقالات والبحوث وغيرها في مجلة (قضايا الادب) الروسية , والتي تصدر منذ اكثر من ستين سنة في روسيا دون انقطاع  ؟ اقتنع صاحبي طبعا بما قلته بشكل عام , لكنه – مع ذلك – أخذ ( ينغبش) كما نقول بلهجتنا العراقية, و سألني , هل استخدمت مواد هذه المجلة في مقالاتك عن الادب الروسي مثلا؟ وكيف؟ واين؟ فقلت له نعم طبعا , لكني لا استطيع  الان الاشارة الى التفاصيل بالضبط , وان ذلك يقتضي مراجعة شاملة ودقيقة لمقالاتي , رغم اني استطيع الان ان اضرب مثلا لاهمية المجلات الادبية الروسية بشكل عام, والمثل هو مقالة لي بعنوان – تولستوي والتولستويون , والتي اخذتها في حينها من مجلة ( نوفي مير) , واردت ان اترجمها كاملة من تلك المجلة لاهميتها واصالتها , اذ انها كانت تتناول مفهوم (التولستوية) في روسيا وانتشارها في بعض الدول الاخرى , اي المفهوم العالمي لنظرية تولستوي الفلسفية وكيف انعكست هذه النظرية في التطبيق العالمي , ولكن ظروفي آنذاك لم تسمح لي بذلك مع الاسف , ولهذا اضطررت ان اعطي خلاصة وافية لتلك المقالة ليس الا , ومع ذلك , فقد استقبلها القراء بايجابية , بل ان مجموعة من طلبتي ( الذين عشقوا اختصاصهم بعد تخرجهم !) لاموني , لان هذا الموضوع المهم لم يكن ضمن مفردات مادة تاريخ الادب الروسي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد عندما  كنت اقوم بتدريس تلك المادة في القسم المذكور آنذاك .
ختاما , ومن اجل الا (يزعل !) صاحبي وربما بعض القراء الاعزاء , قررت – مع ذلك – ان ارفق في نهاية هذه التفصيلات (الصغيرة!) عن تلك المجلة (الكبيرة!) نماذج لعناوين مقالات مختارة ومنتقاة من  العدد السادس لعام 2018 من عمرها ( المديد!) , نماذج لمقالات ارى انها ربما تستحق الترجمة الى العربية , او في الاقل , تستحق الاطلاع والتأمّل , او تستحق التفكير العميق حول مختلف جوانبها , او تستحق طبعا جمعها وترجمتها واصدارها بكتاب خاص يضم مقالات مختارة من مجلة ( قضايا الادب ) , و يضاف الى المكتبة العربية في الادب الروسي , ليكون واحدا من المصادر العربية المهمة للقراء العرب وللباحثين العرب ايضا  في مجال الادب الروسي , وهذه العناوين هي -
   1 - تورغينيف في مرآة علم الثقافة المعاصر
2- اصدارات ( قصائد في النثر) لتورغينيف في فرنسا اثناء حياته .
(كان عام 2018 سنة الاحتفال بالذكرى 200 لميلاد تورغينيف )
3 – ترجمة جديدة مع هوامش ل ( كلمة عن فوج ايغور) ( وهي ملحمة صادرة في القرن الثاني عشر باللغة الروسية القديمة , وتعدّ واحدة من بدايات الادب الروسي . ( وبالمناسبة فقد ترجمها الى العربية في حينها المترجم العراقي خميس حرج نشمي - انظر مقالتنا الرابعة بعنوان المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي)   
4– اوسيب ماندلشتام بين كييف.. ولينينغراد.. ( 1927 – 1929) . المصادر الحقيقية لشعر ماندلشتام ونثره  .
5 – بين كافيرين و بونين  .
6 – الجسر كرمز..في رواية الجريمة والعقاب .
هل تريدون المزيد ؟                                       

136
المنبر الحر / بوشكين و غريبويديف
« في: 14:43 31/03/2019  »
بوشكين و غريبويديف
أ.د. ضياء نافع
عاش الكساندر سرغييفيتش غريبويديف 34 سنة ( 1795 – 1829) , وعاش الكساندر سرغييفيتش بوشكين 38 سنة ( 1799 – 1837 ) ( كلاهما – وياللغرابة - بنفس الاسم واسم الاب !!!) , اي ان غريبويديف كان اكبر من بوشكين اربع سنوات فقط عندما كانا على قيد الحياة, و ليست هذه الفترة كبيرة بين الاثنين , رغم انها انعكست في بداية مسيرة حياتهما بشكل واضح المعالم, اذ لم يشارك بوشكين في الحرب الفرنسية – الروسية ( عندما هجم نابليون على روسيا عام 1812) , فقد كان عمر بوشكين آنذاك 13 سنة ليس الاّ , اما غريبويديف فقد تطوع للمشاركة في الحرب , ولكن كلاهما ذهبا بعدئذ للعمل في وزارة الخارجية الروسية . اصبح غريبويديف سفيرا لروسيا في طهران وهناك قتله  المتطرفون الاسلاميون عام 1829( انظر مقالتنا بعنوان – تمثال غريبويديف في طهران اولا , ثم في موسكو ثانيا) , اما بوشكين فلم يكن ياخذ بنظر الاعتبار عمله في الخارجية , لكنه اصبح مع ذلك (سفيرا في روسيا وفي العالم !) للادب الروسي كما كتب أحد الباحثين الروس وهو يحاول المقارنة بينهما  , وتم قتل بوشكين ايضا في مبارزة مع اللاجئ دانتيس عام 1837 . اتهمتهما الحكومة الروسية بعد حركة الديسمبريين 1825 بالانتماء الى تلك الحركة , وحقّقت معهما ( جرى حتى استدعاء غريبويديف واحتجازه رهن التحقيق لفترة طويلة) , ولكن لم تثبت الحكومة اي شئ ضدهما , وألغت بعدئذ كل الاجراءآت ضدهما بالنسبة لهذه القضية. 
لاحظ الباحثون , ان بطل مسرحية غريبويديف الشعرية ( ذو العقل يشقى , وهي النتاج المركزي له) كان بعمر بوشكين , وان بطل رواية بوشكين الشعرية  ( يفغيني اونيغين , وهي النتاج المركزي له ايضا) كان بعمر غريبويديف , ومن المؤكد ان ذلك جاء بمحض الصدفة ليس الا , الا ان ذلك – مع هذا – اصبح موضوعا للتأمل لدى الباحثين الروس الذين يدرسون موضوع المقارنة بين الاديبين وفي كل المجالات المتنوعة وبالتفصيل, اذ أشار بعضهم , الى ان بوشكين اراد ان يكون بطله في روايته الشعرية تلك ( انضج منه , اي من بوشكين نفسه) , وان غريبويديف اراد ان يكون بطله في مسرحيته الشعرية ( اصغر منه , اي من غريبويديف نفسه). لكن كل نقاط التشابه والتباين في هذه الدراسات الادبية المقارنة ( وما أكثرها طبعا ) بين الاثنين  لم تؤثر على المحصلة الاخيرة والنهائية , و التي جعلت الباحثين الروس يسمون غريبويديف (مولير روسيا) , ويسمون بوشكين (شكسبير روسيا) , وهناك دراسات واسعة وعميقة بالروسية حول دور غريبويديف و دور بوشكين في تاريخ المسرح الروسي ومسيرته وتطوره.
 لقد كانت العلاقات بين غريبويديف وبوشكين علاقة الند للند , بل ان غريبويدف كان يبدو بعض الاحيان حتى أكثر سطوعا من بوشكين بموقعه المتميّز ( والذي كان يتقدّم في ذلك الموقع الوظيفي بوضوح) في وزارة الخارجية الروسية , ومعرفته للعديد من اللغات ( منها لغتنا العربية قليلا , انظر مقالتنا بعنوان غريبويديف والمتنبي ) , رغم ان بوشكين أصبح طبعا في تلك الفترة واحدا من أكبر الاسماء وابرزها في دنيا الادب الروسي شعرا ونثرا ومسرحا وصحافة . ومع كل هذا , فان بوشكين وغريبويديف لم يصبحا صديقين قريبين , رغم انهما كانا يعرفان بعضهما البعض والتقيا عدة مرات معا , ولكن عندما قتلوا غريبويديف في طهران , فان بوشكين كان من ضمن المستقبلين لجثمانه في القوقاز , وقد كتب بوشكين عن ذلك في كتابه ( رحلة الى ارضروم) ( الذي ترجمه الزميل عبد الله حبه عن الروسية قبل فترة وجيزة وصدر عن دار المدى في بغداد  ) , وتحدّث بوشكين في ذلك الكتاب عن تاريخ تعارفه بغريبويديف وطبيعة علاقاته معه.
النقطة الاساسية في موضوعة بوشكين وغريبويدف , والتي يركز  عليها الباحثون الروس عندما يتناولونها في بحوثهم ( وهم على حق) , هي الآراء التي طرحها بوشكين حول مسرحية غريبويدف ( ذو العقل يشقى) , هذه الآراء التنبؤية بكل معنى الكلمة , والتي توقع بوشكين فيها ان تتحول الكثير من مقاطع تلك المسرحية الى حكم وامثال روسيّة , وهذا ماتم فعلا . آراء بوشكين حول مسرحية غريبويديف جاءت في عدة رسائل شخصية كتبها بوشكين لاصدقائه ومنهم بيستوجيف وفيازمسكي في اواسط العشرينات من القرن التاسع عشر , وقد دخلت هذه الرسائل باعتبارها وثائق في مؤلفات بوشكين الكاملة , وكذلك تم نشرها في كتاب بعنوان – ( بوشكين عن الادب ) , وهو كتاب يضم كل المقالات والملاحظات التي كتبها بوشكين حول الادب والادباء .
موضوعة بوشكين وغريبويديف لازالت مطروحة وحيوية في تاريخ الادب الروسي وفي مسيرة دراسات الادب المقارن (في اطار الادب الروسي نفسه) , ولكن هذه الموضوعة بعيدة عن قضايا الادب الروسي في العالم العربي , اذ لا يعرف القارئ العربي لحد الان النتاج المركزي لغريبويديف – ( ذو العقل يشقى) , وبالتالي لا يعرف طبعا اهمية هذا الكاتب وقيمته في مسيرة الادب الروسي كما يجب , اذ لم يتجاسر اي مترجم عربي على ترجمة تلك المسرحية الشعرية لحد الان حسب علمنا المتواضع . دعونا نأمل ان نرى هذه المسرحية الشعرية بالعربية يوما ما ...

137
حول وفيّة ابو قلام ...مرة اخرى
أ.د. ضياء نافع
 لم أكن أتوقع ردود الفعل الكثيرة والمتنوعة حول مقالتي عن المرحومة الشاعرة وفيّة ابو قلام ( انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (27) – د. وفيّة ابو قلام) , ولهذا اكتب هذه السطور عنها مرة اخرى , في محاولة للرد على تلك الآراء المتنوعة او مناقشتها في الاقل , والتي أثارها طبعا اناس يهتمون ( سلبا او ايجابا) بوفيّة ابو قلام و مكانتها بمسيرة العراق في القرن العشرين , وهذا الاهتمام بحد ذاته يعني , ان وفيّة ابو قلام تستحق ان نكتب عنها ونحدد موقعها في مجتمعنا لانها متميّزة فعلا .
النقطة الاولى في تلك الملاحظات جاءت حول دورها في العراق الجمهوري قبل وصولها للدراسة في جامعة موسكو ,  وهذه النقطة ترتبط طبعا بالمواقف الذاتية , بل والشخصية للمعلقين . قال احدهم مثلا , ان وفيّة لم تكن معروفة ابدا , وانها برزت عندما بدأت تلقي قصائدها في المحكمة ليس الا ( والتي طالبت فيها بالاعدام لمتهمين لم تنته محاكمتهم بعد , والمتهم برئ الى ان تثبت ادانته كما قال ), اي انها حازت على الشهرة لاسباب سياسية بحتة , وليس لانها شاعرة , وحتى لو كان الامر كذلك فعلا , فان ذلك يعني انها استطاعت ان تجد طريقة ناجحة ومتميزة واصيلة  للتعبير عن الاراء السياسية التي كانت تعتقد بصحتها , وهو ما جعلها مشهورة ومتميزة في المجتمع العراقي .  أشار قارئ آخر الى انني لم أبيّن بوضوح و كما يجب موقف وفية السياسي , بل انه قال انني ذكرت حتى اسم المحكمة بتسلسل غير موضوعي , اذ ذكرتها هكذا - ( محكمة الشعب ثم المهداوي ثم العسكرية العليا الخاصة) . ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن هدف تلك المقالة , اذ اننا نسعى في هذه السلسلة من المقالات الى الحديث عن العراقيين الذين مرّوا بموسكو فقط  , لاننا نرى , ان العراقيين خارج العراق ومسيرتهم واعمالهم وسلوكهم ...الخ , هو جزء لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر , وذلك لأن الشخص   خارج بلده يظهر خصائصه بشكل أكثر وضوحا ودقة , ولا تهدف تلك المقالات الى توضيح او تحديد مؤسسات داخل العراق ودورها ومواقفها السياسية . أشار قارئ آخر الى ان وفيّة كانت (سياسيّة صغيرة ليس الا ولا تستحق الكتابة عنها ابدا ) , وقد ذكّرني هذا القول بما كتبه مرة صحافي عراقي اسمه خالد الدرّة في جريدته ( الوادي) ببغداد عام 1960 ساخرا ( اثناء قمة الصراع الشيوعي – القومي الذي انتهى باحداث 8 شباط 1963 التراجيدية الرهيبة)  عن فريق نسائي يلعب كرة السّلة وكان برئاسة نزيهة الدليمي , ووضع وفيّة ابو قلام في الموقع الثاني بعدها , واود ان اشير , الى ان موقف الطرفيين هنا متطرف جدا وغير موضوعي بتاتا وينطلق من  المثل العراقي العتيد والشهير - ( لو طخّه لو اكسر مخّه!!!) .
 و اعترض أحد القراء على صفة (.. الساذجة الى حد ما ..) التي ذكرتها في مقالتي , واود ان احكي له قصة  احد الاصدقاء حول وفيّة , اذ كان مع مجموعة كبيرة من الطلبة العراقيين في حفلة ( وكانت هناك حفلات كثيرة للطلبة الاجانب) , وتنتهي هذه الحفلات عادة بالرقص في صالة كبيرة , حيث تعزف فرقة موسيقية , ويرقص الشباب بكل احترام , وقد رأى هذا الشاب ان وفية كانت تجلس في احدى زوايا القاعة وتنظر الى الراقصين ليس الا , فذهب اليها ودعاها وبكل ادب للرقص ( توجه اليها بقوله ست وفية , وقد جرى هذا الحادث امامي ), لكنها رفضت , وقالت له , ان محمد علي الماشطة ( وهو اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين وأبرز المؤسسين لها ) قد دعاها للرقص مّرة في احدى الحفلات ورفضت , وان وجدي شوكت سري ( وهو ثاني رئيس للرابطة) قد دعاها للرقص ايضا في حفلة اخرى ورفضت , فكيف توافق على الرقص معه الان ؟ و ابتسم صاحبنا وتركها طبعا, وعاد للرقص مع الروسيات . لقد ضحكنا عندها آنذاك , وقلنا جميعا , ان وفية امرأة ساذجة ولم تقصد اي شئ من جوابها ذاك , رغم ان البعض قال انها ارادت ان تتباهى ( كأي امرأة اخرى !) بتلك الاسماء , فقلنا لهم ان ذلك بحد ذاته سذاجة ايضا ليس الا  . ان صفة ( السذاجة ) ليست سمة سيئة ابدا بل بالعكس, اذ انها تعني هنا البساطة , وان وفيّة كانت امرأة بسيطة جدا , وهذه الصفة تتعارض مع طبيعة السياسة وألاعيبها والتي تقتضي من الانسان ان يكون ( مشيطن !) كما نقول بلهجتنا العراقية , وهو ما اردت ان اذكره في مقالتي عنها دون الاشارة الى كل تلك التفاصيل وغيرها طبعا .
اكرر – ختاما – ما ذكرته في مقالتي السابقة عن احترامي الشديد للمرحومة الشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام , واكرر الدعاء بالرحمة  على روحها والذكر الطيّب و العطر لها ...     

138
عن مجلّة ( قضايا الادب) الروسيّة
أ.د. ضياء نافع
قضايا الادب هي ترجمة لتسمية هذه المجلة الروسية الشهيرة , وهناك من يترجمها – شؤون الادب , وهناك من يترجمها – مسائل الادب , وربما توجد ترجمات اخرى لتلك التسمية , وكل هذه الترجمات صحيحة طبعا , وكلها جاءت نتيجة لان المترجم العربي ( والقارئ العربي طبعا) لا يستسيغ ( وهو على حق) ان يسمّي هذه المجلة على وفق تسميتها الروسية وهي – (فابروسي ليتيراتوري) , كما نسمّي الصحف والمجلات الاجنبية المعروفة بلغاتها الاصلية , مثل (برافدا) بالروسية او ( فيغارو) بالفرنسية او( نيويورك تايمز) بالانكليزية , وهناك عشرات الامثلة الاخرى طبعا في هذا المجال وبمختلف لغات العالم ..., اي ان بعض تسميات هذه الصحف والمجلات لا تتلائم مع لغتنا العربية وتبدو ثقيلة ومعقدة جدا في لفظها وكتابتها ( وبالتالي لا يتقّبلها القارئ العربي) , ولهذا نضطر ان نطلق عليها ترجمة التسمية , ومنها هذه المجلة الروسية , التي نريد ان نتحدث عنها قليلا هنا في مقالتنا هذه .
مجلة ( قضايا الادب ) الروسية واحدة من المجلات المهمة والرئيسية  في روسيا , وقد  تأسست عام 1957 في الاتحاد السوفيتي في مرحلة استقرّت تسميتها في التاريخ السوفيتي ب ( ذوبان الجليد ) , وهي مرحلة معروفة بعد وفاة ستالين وبداية انحسار ظاهرة (عبادة الفرد) المرتبطة به وكل الشرور التي حدثت نتيجة لها. استمرت المجلة بالصدور منذ ذلك التاريخ و لحد الان . لقد كان الهدف من تأسيسها هو اصدار مجلة علمية تتناول النقد الادبي وعلم الادب وتكون خاصة للباحثين في هذا المجال العلمي اولا , وتكون في نفس الوقت مجلة عامة لكل القراء المهتمين بذلك ( وهي مهمة ليست بسيطة كما يعرف المتخصصون باصدار المجلات) , ولهذا السبب تم تكليف اتحاد الادباء السوفيت ومعهد غوركي للادب العالمي معا للاشراف عليها , وقد نجحت المجلة فعلا بتحقيق هذا الهدف .  كانت هذه المجلة تصدر شهريا في الاتحاد السوفيتي , الا انها في الوقت الحاضر تصدر مرة كل شهرين , اي بمعدل ستة اعداد سنويا , وباشراف مؤسسة ( النقد الادبي) , وهي منظمة اجتماعية متخصصة يطلقون عليها تسمية (الصندوق الاجتماعي) , اي انها مؤسسة تمتلك استقلاليتها المالية.
تتناول مجلة ( قضايا الادب ) مواضيع ترتبط بالنقد الادبي وعلم الادب بشكل عام , ولهذا , يجد القارئ على صفحاتها مقالات تبحث في نظرية الادب , و دراسات علمية معمقة في تاريخ الادب الروسي والعالمي ( مع التاكيد على بعض المناطق والشعوب المختلفة التي تسكن في اطار الدولة الروسية الاتحادية والمتعددة القوميات) , وقضايا و شؤون الابداع الشفهي الشعبي , و حاولت ( خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ) كذلك ان تنشر وثائق خاصة بالادب الروسي , كانت في عداد الممنوعات في ذلك العهد , والتي كانت محفوظة سابقا في ارشيفات خاصة لا يمكن الوصول اليها بسهولة, ويعد نشر هذه الوثائق في تلك المجلة مسألة معتمدة وصحيحة , اذ انها تخضع قبل نشرها لتمحيص دقيق خارج نطاق الضجيج الاعلامي والاثارة, ويتم ذلك باشراف باحثين متخصصين وبمستوى علمي رفيع .
تعاني كل المجلات الورقية في الوقت الحاضر – كما هو معروف - من أزمة عالمية كبيرة , ولا تعتبر مجلة ( قضايا الادب) طبعا خارج نطاق هذه الازمة , وهكذا أخذت تصدر ست مرات سنويا كما أشرنا في أعلاه بعد ان كانت شهرية, واصبح عدد اصدار نسخها في حدود ( 2500) نسخة فقط , وهو عدد صغير جدا بالنسبة لدولة مثل روسيا الاتحادية , والتي يبلغ عدد سكانها اكثر من( 140) مليون نسمة , ويتم توزيع اصداراتها على مئات المكتبات العامة في مدن روسيا العديدة وجامعاتها ومؤسساتها العلمية والبحثية الكثيرة , لكن هذه المجلة المحكّمة علميا , والتي لازالت محتفظة باهميتها العلمية على مستوى الاكايميات والجامعات والمؤسسات العلمية المرموقة في روسيا , والتي يسعى الباحثون العلميون لنشر بحوثهم ونتائجها على صفحاتها , استطاعت (هذه المجلة) ان تعوض عن كل ذلك , اذ استطاعت الدخول في ( المكتبة الالكترونية العلمية ) باللغة الروسية , وكذلك في ( النظام الاعلامي - التحليلي الوطني ) الروسي الشامل, وهكذا يمكن للقراء والمتابعين لها ان يطلعوا على صفحاتها, وبهذه الطريقة  احتفظت بمكانتها العلمية المتميّزة في مسيرة المجتمع ةالروسي رغم تلك الازمة العالمية للمجلات الورقية, وهو حلّ لجأت اليه الكثير من الاصدارات في العالم طبعا , وينسجم مع التقدم العلمي في مسيرة الانسان .
تحية لمجلة ( قضايا الادب) الروسية والتي تصدر دون انقطاع طوال اكثر من ستين سنة , وتحية لدورها العلمي الرائد في دراسة النقد الادبي وعلم الادب .   

139
 
الفيلسوف والشاعر الروسي خومياكوف
أ.د. ضياء نافع
خومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر , القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة , و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي, بل انه الان  شبه منسي  حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه , أمّا في عالمنا العربي بشكل عام , فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية , وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف , ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا ( الادب الروسي وليس اللغة الروسية , وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين ) , وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام , بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .
ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860 , واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما , بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو, ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته, اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ 
  عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.
سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – ( الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية ) , ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير , اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .
خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ , وقد أشرنا في مقالتنا تلك , الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي , هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر , وفي الادب الروسي بالذات , والتي يرتبط بها ( اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية , حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ , رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام , اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية ( لاهوتيّ) ( ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ , بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري , اذ انه كان يرى , ان ( روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية) , ( اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة ) , ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها , ولهذا ايضا , اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية ) , واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي , والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت , الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا , ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير ( مذكرات كاتب ) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!) , اذ لا يمكن ان تكون في العالم ( روما رابعة), وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.
اما خومياكوف الشاعر , فانه بدأ مبكرا جدا , وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821 , اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا , ومن الطريف ان نذكر هنا , ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف , الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان , اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون , بما فيهم بوشكين نفسه , وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف , وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين , اي في الاتحاد السوفيتي بالذات , وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها ( وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي ), وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين , بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما , والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما , ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –
قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب , فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب .., لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ... , ولو ظهروا عندنا , لكان ذلك مفيدا لنا ...   

140
 
عراقيون مرّوا بموسكو(27) – د. وفيّة ابو قلام
أ.د. ضياء نافع
لا اعرف لحد الان كيف اكتب لقبها بشكل دقيق – (ابو قلام) أم (ابو اقلام) , ولكننا كنّا نلفظه ابو قلام في حينها , ولهذا كتبته هكذا في عنوان مقالتي عن المرحومة الدكتورة وفيّة .  تعارفنا اثناء دراستنا في جامعة موسكو في ستينات القرن العشرين , حيث كنت انا آنذاك طالبا في الدراسات الاولية , وكانت هي طالبة في قسم الدراسات العليا . لقد وصلت وفيّة الى موسكو وهي محاطة بهالة من الشهرة و المجد باعتبارها شاعرة (محكمة الشعب) او (محكمة المهداوي) او (المحكمة العسكرية العليا الخاصة)  , وكنّا نتصورها شخصية قوية وصلبة ومناضلة ووو , ولكننا اكتشفنا بعد مخالطتها لفترة طويلة نسبيا , انها امرأة عراقية بسيطة جدا وفي غاية الطيبة وحتى ساذجة الى حد ما , و بالتدريج لم تعد بالنسبة لنا تلك المرأة السياسية الحديدية التي تصورناها قبل وصولها الى موسكو.
كانت وفيّة تعرف حدودها كما يقال , وهذه صفة جيدة جدا في الانسان ( الذي يعرف قدر نفسه ) , فلم تكن (تثرثر!) في الشؤون السياسية ولم تكن (تتبجح !) بماضيها وقصائدها في المحكمة كما كان يتبجح الكثير من العراقيين , الذين كانوا معنا آنذاك , ولم تحاول ان تبرز في اجتماعات العراقيين ومناسباتهم ( وما أكثرها !)  او تطلب القاء كلمة او قصيدة او تعليق بمناسبة او حتى بغير مناسبة كما كان يحاول البعض من المتبجحين , ولم تتكلم عن اطروحتها وتتباهى بعلمها وموهبتها مثل بعض الذين كانوا يحيطوننا , بل انها انجزت اطروحتها بصمت وهدوء وبمعزل عن الآخرين , وكانت اطروحتها عن الرصافي , وسمعتها تتكلم مرة واحدة  فقط عن اطروحتها , وذلك عندما قدّمتها كاملة الى مشرفها العلمي , والذ