عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - زكي رضا

صفحات: [1]
1
تحويل أموال العراق المنهوبة من جيب البعث الى جيوب قوى المحاصصة


إنطلق صباح أول من  امس الأربعاء المصادف للخامس عشر من أيلول – سبتمبر ببغداد مؤتمر "إسترداد الأموال العراقية المنهوبة"، بحضور رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، وبمشاركة وفود عربية ودولية، في مسعى منهم لإسترداد الأموال العراقية التي تركها النظام البعثي في مصارف دول مختلفة قبل " إنهياره".

لا شك أنّ مساعدة أية دولة على إسترداد أموالها من البنوك الأجنبية والتي تمّ إيداعها فيها من قبل أشخاص أو منظمات أو حكومات نهبت تلك الثروات وإعادتها للبلد الذي نُهبت من هذه الأموال، سيساهم في إنعاش إقتصاد البلد المعني، علاوة على فضح التاريخ الإجرامي لتلك الحكومات والمنظمات والأفراد. والنظام البعثي وممّا لا شكّ فيه وضع أرصدة مالية كبيرة في بنوك العالم المختلفة، علاوة على مشاريع إقتصادية كان يديرها في الخارج لحساب رأس النظام وعائلته وبطانته. وإسترداد هذه الأموال والعراق يمر اليوم باسوأ حالاته على صعد مختلفة ضروري لصرفها في إنعاش إقتصاده الذي نخره الفساد. لكنّ السؤال الذي على المجتمعين ببغداد الإجابة عليه هو: هل الحكومة العراقية أمينة في تصرّفها بهذه الأموال في حال إعادتها للبنوك الوطنية ..!؟

نتيجة الغزو البعثي للكويت صدر قرار الأمم المتحدة الرقم 661 في 16/8/1990 والذي نصّ على إقرار حزمة من العقوبات الخانقة على شعبنا، الذي عانى الويلات حتى رفعه بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد. وفي تلك الفترة لم يستطع النظام تصدير النفط الا بالكميات التي توافق عليها لجان الأمم المتحدة ذات العلاقة (عدا تلك التي كان يتم تهريبها)، على أن تتصرف لجان أخرى بكيفية صرف الواردات المالية الناتجة عن عمليات التصدير المقننة تلك لتزويد العراق بمواد البطاقة التموينية وشراء الأدوية وبعض السلع التي لم تكن محظورة وفق حيثيات القرار وما تلاه من قرارات، في برنامج عرف بأسم النفط مقابل الغذاء.

لقد بدّد النظام البعثي ثروات شعبنا في حروب داخلية وخارجية، ودمرّ برعونته البنى التحتية للبلاد ليعود العراق بعد حرب تحرير الكويت الى ما قبل عصر الصناعة. ولم يكن رأس النظام يهمّه مصالح شعبنا، فكان وأثناء الحصار يبني عشرات القصور في الوقت الذي كان فيه ابناء شعبنا يبيعون حتى ابواب بيوتهم وشبابيكها. لكنّ هل النظام الحالي قدّم شيئ لشعبنا بعد ان قاربت ميزانيات البلاد معدل 90 مليار دولار سنويا منذ الإحتلال لليوم!؟

أنّ هدر أكثر من ترليون دولار امريكي من قبل الحكومات الفاسدة خلال السنوات الثمانية عشر الماضية، والتي نرى آثارها بإستمرار دمار البنى التحتية وسوء القطاعات الإنتاجية والزراعية وتآكلها، والوضع المزري للقطاعين الصحي والتعليمي، وكارثة الكهرباء والماء الصالح للشرب والجفاف والبطالة وغيرها الكثير، تدل دلالة قاطعة على أنّ السلطة " الديموقراطية" الفاسدة في بغداد لا يهمّها الإنسان العراقي ولا وطنه. وهذا الأمر أي فساد القوى الحاكمة ليس وليد اللحظة، فمنظمة الشفافية الدولية لمكافحة الفساد وصفت في تقرير لها صدر بالعام 2005 الفساد بالعراق قالت فيه : "أن العراق ربما يشهد أكبر فضيحة فساد مالي في التاريخ. ويشكل هذا التقرير اختبارا حقيقيا لجدية القيادة العراقية الحالية في التعامل مع قضايا الفساد والرشاوى"، واليوم تحولت تلك (الربّما) الى حقيقة عارية حتى من ورقة التوت.

أنّ وضع الحكومات العراقية منذ الإحتلال ومن ضمنها حكومة السيد الكاظمي لا تختلف قيد أنملة عن بعضها، فكلّها فاسدة وسارقة لأموال وثروات شعبنا، ومقارنة مع مداخيل العراق النفطية في العهدين البعثي والإسلامي القومي اليوم تشير ولكميات النفط المصدرّة واسعارها في السوق العالمية أمس واليوم من أنّ سرقات حكومات المحاصصة تجاوزت سرقات البعثيين بكثير. وعليه فأنّ إعادة الأموال التي سرقها البعث للبنوك العراقية تعني إعادة تحويلها لنفس تلك البنوك من قبل سلطة المحاصصة واحزابها وميليشياتها من جديد. ولا أدري إن كان العاملين في هذه اللجان سيحصلون على نسبة من اموالنا هذه، كما حصلت لجان التفتيش عن الأسلحة على الملايين من اموال النفط مقابل الغذاء كرواتب!!

لو كان المجتمعون ببغداد تهمّهم مصلحة شعبنا، فعليهم عدم مساعدة الحكومة العراقية لإسترداد هذه الأمول الآن، بل تركها لحين قيام نظام سياسي جديد وغير فاسد. أيها السادة ان مساعدتكم للفاسدين واللصوص يجعلكم امام مسائلة تاريخية من قبل شعبنا مستقبلا، والذي يسألكم اليوم عن مصير الأموال التي سرقها المتحاصصون ولا يزالون، وإن كنتم ستنظمون مؤتمرا آخرا لإعادتها لخزينة البلاد، أم انكم ستتجرأون لبحثها مع سلطات بغداد.

السيد الكاظمي إن كنت وطنيا وجادّا فعلا في إعادة اموال شعبنا المنهوبة، فأبدأ من الخضراء حيث تقيم واللصوص والفاسدين..

زكي رضا
الدنمارك
17/9/2021
 





2
الديموقراطية في العراق .. وهم ليس الّا

من الصعب جدا وصف نظام المحاصصة الطائفية القومية بالعراق بالنظام الديموقراطي، فوجود أو السماح 
بقيام أحزاب ومنظمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني، وإجراء إنتخابات دورية لتشكيل سلطة تشريعية / برلمان لا تعني تحقيق الديموقراطية. كما وأنّ التحولات الديموقراطية لا يمكن تحقيقها في فترات زمنية قصيرة، بل تأتي عبر فترات زمنية طويلة نوعا ما وتراكم كمّي ونوعي لسلسلة من الصراعات السلمية في المجتمع. والديموقراطية في حال تحقيقها تأخذ على عاتقها تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة، من خلال قوانين ونظم علاقات إجتماعية وإقتصادية وسياسية بين الطبقات الإجتماعية المختلفة، وهذه العلاقة بين الدولة والمجمتع تصل بالمجمع في نهاية المطاف الى أن الصراع السلمي  بين الطبقات الإجتماعية هو من يحدد شكل النظام السياسي / الديموقراطي، من خلال التداول السلمي للسلطة طبعا.

من غير المنطقي الحديث عن الديموقراطية في العراق اليوم دون توفر شروط قيامها والتي تتمثل بجملة أمور لم تتحقق، وإن تحقّقت فأنّ تجاوزها والإلتفاف عليها هما السمتان الأساسيتان في التعامل معها من قبل السلطة. فدولة القانون وسيادته يُصدمان بوجود عدد كبير من الميليشيات المسلّحة، والتي نتيجة لضعف الدولة وفتاوى المؤسسة الدينية باتت تحمل الصفة القانونية وممثّلة في السلطتين التشريعية والتنفيذية ولها إمتدادات غيرها نتيجة نفوذها المسلّح وتأثيرها في السلطة القضائية والسلطة الرابعة.  والحريّات العامّة وهي ركن أساسي في بنية النظم الديموقراطيّة تغيب هي الأخرى لقمعها في مهدها، كما جرى التعامل مع إنتفاضة تشرين/ أكتوبر وقتل المئات من المتظاهرين الذين يبيح لهم القانون والدستور حرية التظاهر والتجمع، علاوة على تجاوز الدستور ونصوصه المتعلقة بحرية الفرد وحقوق الإنسان وتوفير الحياة الكريمة لأبناء المجتمع، ما ترتب ويترتب عنه وجود فجوة كبيرة بين المجتمع والدولة التي لاتتذكر هذا المجتمع الا مواسم الإنتخابات!

" الدولة" العراقية تعترف بالتعددية السياسية في البلاد، والتعددية السياسية بالحقيقة تعتبر ركن من اركان الديموقراطية، كون الصراع السياسي السلمي بين الأحزاب و ما تقدمّه من برامج سياسية للناخبين يرسمان شكل السلطة التشريعية / البرلمان من خلال إنتخابات نزيهة وشفافة وسلسلة من القوانين الضامنة لصراع ديموقراطي حقيقي، فهل الإنتخابات العراقية منذ الإحتلال الأمريكي للبلاد توفّرت فيها ما يشير الى نزاهتها وشفافيتها؟ وهل تغيّر شكل اللوحة السياسية وحصص الأحزاب الطائفية القومية في السلطة؟   

أنّ الفساد وسوء توزيع الثروة والبطالة والفقر والأميّة وغياب المشهد الثقافي الواعي وعدم إيجاد حلول للمشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي يواجهها شعبنا وغيرها الكثير من قبل سلطة المحاصصة، تلعب جميعها دورا كبيرا في عدم تطور الديموقراطية في بلادنا وبقاءها حبيسة المنطقة الخضراء والبيوتات الدينية والعشائرية والقبلية، وهذا ما يعلق عليه المفكر المصري سمير أمين قائلا من أنها تعبر عن أزمة النظام الإستبدادي العام.   

أنّ أصحاب المصلحة الحقيقية في بناء النظام الديموقراطي وإنتشال العراق من الهوّة السحيقة التي وصل إليها بسبب نظام المحاصصة الطائفية القومية، ليست الأحزاب والمنظمات السياسية التي تحمل برامج ورؤى مختلفة عن برامج ورؤى القوى المهيمنة فقط، بل القوى الإجتماعية المختلفة في المجتمع والتي تضررت نتيجة حروب النظام البعثي والحصار القاسي على شعبنا، وصولا الى ضياع ميزانياته الفلكية نتيجة الفساد والإرهاب ومنها إرهاب الدولة بميليشاتها أيضا. وهذا يتطلب منها ومن منظمات المجتمع المدني ترجمة جملة من المسائل جاءت في الدستور الذي تتبناه السلطة نفسها الى واقع عن طريق تنظيم التظاهرات والإعتصامات والإضرابات، والتي لن تنجح الا بقيام جبهة سياسية واسعة لمواجهة طغيان السلطة وفسادها.  ومن هذه المساءل حرية التعبير والتظاهر والتجمع، وإحترام الحقوق المدنية والإجتماعية والسياسية، وإشاعة الثقافة الديموقراطية. وفي ظل التفاوت الكبير في موازين القوى بين أحزاب السلطة وتلك التي خارجها، يبقى وجود إعلام مرئي حر وديموقراطي وشجاع وموجّه لأوسع الفئات الإجتماعية ضررا، سلاحا قويّا في مواجهة ثقافة الجهل والتخلف والديموغوجيا التي ينتهجها إعلام السلطة وأحزابها.

  أنّ ما يجري اليوم بالعراق هو شكل من أشكال الإستبداد الديني الطائفي بقناع ديموقراطي مشوّه، وعليه فأنّ أي عملية سياسية مرتبطة بهذا الإستبداد أو ناتجة عنه ومنها الإنتخابات التشريعية القادمة لا تمثل النظام الديموقراطي، ولا تعرف من الديموقراطية الا اسمها. كما وأنّ القوى المتنفذة والمهيمنة على مقدرات البلاد ليست مؤهلة لبناء نظام ديموقراطي حقيقي بالبلاد، ناهيك عن بناء الإنسان العراقي ووطنه.

مقاطعة الإنتخابات وتثقيف الجماهير على مقاطعتها لا يسحب من السلطة الفاسدة شرعيتها فقط، بل تعتبر ميدانا للقوى الديموقراطية وجماهير شعبنا لخوض نضالا سلميا واسعا لتغيير ميزان القوى مستقبلا بما يتلائم وتطلعات شعبنا ليحيا بكرامة وأمان...

زكي رضا
الدنمارك
12/9/2021 



3
المنبر الحر / ما بعد پشتاشان
« في: 16:53 26/08/2021  »
ما بعد پشتاشان


لقد طغت أحداث مجزرة پشتاشان في الآونة الأخيرة على السطح مرّة أخرى وليس من جديد، لأنّ الحدث بتداعياته لم يبتعد يوما عن ذاكرة الضحايا والجلّادين. فقيادي في الإتحاد الوطني يتم تجميده بعد نشره كتابا تحت عنوان " بدلا من المذكرات" يذكر فيه إمتناعه عن قتل الأسرى الشيوعيين، محمّلا قيادي آخر قرار اعدام الشيوعيين ليقول " "امتنعت عن قتل أسرى الشيوعيين في أحداث (بشتاشان)، ورفضت أن أنفذ أوامر القيادة حين طلب مني"، وليضيف قائلا " "نوشيروان مصطفى وهو نائب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قال لي حرفيا أنا سحقت رؤوس الشيوعيون وعليك أن تقطع أوصالهم"!! وقيادي في الحزب الشيوعي يتناول أحداث جريمة پشتاشان بشيء من الليونة في برنامج تلفزيوني، ما دعاه للإعتذار بعد عاصفة من الإنتقادات من قبل رفيقاته ورفاقه.

أنّ أي صراع بين القوى الوطنية أثناء نضالهم ضد النظام البعثي الفاشي، كان يصبّ في مصلحة النظام وعلى الضد من مصالح شعبنا. ولم يألوا النظام وقتها جهدا في شق صفوف الحركة الوطنية العراقية وصولا الى الإقتتال فيما بينهم، فهل نجح النظام في ذلك؟ أعتقد جازما ومعي الكثيرين من أنّ النظام البعثي نجح نجاحا كبيرا في شراء قوى سياسية وإستخدامها لضرب قوى سياسية أخرى، كما وأنّ الصراع بين القوى نفسها ولأسباب مختلفة كان يصب هو الآخر في مصلحة النظام. فهل مجزرة پشتاشان كانت ضمن هذه الصراعات التي غذّاها النظام ونفذّها طرف من المعارضة قبل أن يتحول الى جانب السلطة ضد طرف آخر؟

لو دخلنا في أسباب اندلاع أحداث پشتاشان وعلى عاتق من تقع مسؤولية بدأ الأحداث، لرأينا أنفسنا وسط امواج من الإتهامات والأتهامات المضادة، فكل طرف يحمّل الآخر سبب بدأ الأحداث وما آلت اليه من مجازر ستبقى مدار بحث وإدانة لسنوات طويلة. وإن كان التاريخ يكتبه الأقوياء، فإننا نستطيع اليوم القاء اللوم على الشيوعيين في بدأ المعارك، لكن هل التاريخ سيبقى أسيرا بيد من يمتلك القوّة والإعلام والمال!!؟

لا أود في هذه المقالة أن ابحث في احداث مهدّت للمجزرة، ولا للأحداث التي رافقت المجزرة، ولا الى الأحداث التي حصلت بعد المجزرة في كوردستان العراق. كما ولا يهمني هنا ان اصطف الى جانب قيادي في الاتحاد الوطني أو آخر في الحزب الشيوعي عبّرا عن رأيهما حول تلك الجريمة، ولا الى موقف الحزبين اليوم من بعضهما البعض وهما يشاركان بقية القوى السياسية فيما تسمى بالعملية السياسية بالعراق. بل أود العودة الى الحدث في مكان جغرافي بعيد جدا عن مكان حدوث الجريمة، ساعود الى طهران التي كنت مهجرا اليها، لأرى وانا اعيش بين عراقيين مهجرين يعانون من شظف العيش وعدم إمكانية زيارة العراق تحت طائلة الإعدام، نتائج الجريمة من هناك.

كانت احد نتائج جريمة پشتاشان ونحن في إيران هي زيارة عناصر الإتحاد الوطني المقيمين في طهران الى العراق وعودتهم منه بسلام بعد فترة من الزمن، هذه الزيارات فتحت ابواب التساؤل مشرعة عن الثمن الذي قدمه الإتحاد الوطني للسلطة البعثية كي تسمح لعراقيين " معارضين لسلطتها" يقيمون في بلد هم في حالة حرب معه (إيران) لزيارة بلدهم أي العراق ومن ثم عودتهم الى إيران من جديد دون أن تمسّ منهم شعرة واحدة!!؟ والسؤال الآخر كان في اسباب تساهل السلطات الإيرانية مع هؤلاء وهم يذهبون الى بغداد ويعودون منها الى طهران وكأنهم في سفرة داخلية بين مدينتين إيرانيتين!!؟ وقتها حمّل العراقيون المهجرون الى إيران تنظيم الإتحاد الوطني الكوردستاني مسؤولية إرتكاب الجريمة، معتبرين جريمة پشتاشان عربون منهم للسلطة البعثية في إقامة علاقات معهم، وهذا ما فتح بابا لأعضائهم في زيارة العراق... لكن السؤال الذي لازال عصيا عن الجواب هو: لماذا التزمت المخابرات الإيرانية الصمت تجاههم، وكيف أقام فؤاد معصوم بعد رقصته المشهورة وقيادة حزبه مع الجلادّين عزة الدوري وعلي كيمياوي في فندق بطهران كان بمثابة مقر للإتحاد الوطني الكوردستاني، وهل تلك العلاقات المخابراتية بين قيادة الإتحاد الوطني وجهاز إطلاعات الإيراني قائمة لليوم، ونحن نرى إمارة السليمانية الطالبانية حديقة خلفية لإيران...!؟

من خلال قراءتي وقربي من الأحداث من طهران وليس من غيرها، أستطيع القول وبثقة من أن مسؤولية جريمة پشتاشان تقع على عاتق الإتحاد الوطني الكوردستاني. هذه الجريمة التي ستظل تلاحق مرتكبيها أحياء كانو أم أموات لتكللهم بالعار وتوصمهم بالعمالة للبعث والإطلاعات الإيرانية.

المجد للشهداء وهم يطرزون جبال كوردستان بقبورهم
العار للقتلة وهم يطرزون جبال كوردستان برصاصاتهم الحاقدة وبنادقهم المأجورة


زكي رضا
الدنمارك
24/8/2021
 



4
نعم لمقاطعة الإنتخابات ونعم لحث الجماهير على مقاطعتها


لقد دخل الحزب الشيوعي العراقي العملية السياسية على علّاتها من بابها الواسع إثر الإحتلال الامريكي الإيراني للبلاد، منطلقا من إمكانية تطوير الديموقراطية كوسيلة للتداول السلمي للسلطة، من خلال تطوّرها كنهج وأسلوب وممارسة في تقدّم عمليّة سياسية  لبناء وطن أنهكته الدكتاتورية والحروب. وسواء أصاب الحزب أو أخطأ  فأنّه مارس حقّه الطبيعي في العمل السياسي، وأي عمل سياسي فيه أوجه الصواب والخطأ. لكنّ المهم هو تعزيز الصواب والسير قدما لتطويره، وتجاوز الأخطاء والمضي قدما أيضا لإحتوائها من خلال النقد المستمر لها.

لا شكّ أن الحزب وهو يمارس حقّه في النضال والعمل السياسي، أخطأ هنا وهناك. ومن هذه الأخطاء هي تحالفاته الإنتخابية غير المدروسة بعناية والتي أثّرت كثيرا على مواقعه بين صفوف شعبنا الذي يعرف الحزب كحزب وطني ناضل من أجل مصالح العراق وشعبه منذ تأسيسه ولايزال.  وقد إنتقد الحزب هذه التحالفات لينسحب منها بعد أن تخلّى حلفائه عن أهداف وبرامج هذه التحالفات الإنتخابية. 

لم تكن العملية الإنتخابية منذ إنطلاقتها في العام 2005 ولليوم، تستند الى قوانين وآليات تسمح في أن تكون رافعة للديموقراطية وتقدمها ونموها بتقدم الوقت، بل على العكس فإنها في تراجع مستمر من حيث القوانين والآليات وظروف تنظيمها والتي لم تستطع تغيير شكل اللوحة السياسية بالبلاد، هذه اللوحة التي لا تعرف الا ثلاث قوى طائفية قومية. ومع ذلك بقي الحزب الشيوعي العراقي يعمل من خلال الإنتخابات محاولا تغيير الواقع السياسي وفق إمكانياته، رغم معرفته بإستحالة إختراقه لجدار المحاصصة، وإستحالة تنازل مثلث الفساد عن الإمتيازات التي حققوها على حساب بؤس ملايين العراقيين. وقد كانت مشاركة الحزب في الإنتخابات والعملية السياسية برمتها موضع نقد من قبل شرائح واسعة من الجماهير، ومن قبل نسبة لا بأس بها من أعضاءه، ولم يكن هذا الامر ببعيد عن مناقشات قيادة الحزب لها، والتي إنتهت مؤخرا بإستفتاء داخلي كانت نتائجه هي رفض القاعدة الحزبية مشاركة الحزب في الإنتخابات المقبلة والتصويت لمقاطعتها.

أمور عديدة كانت سببا في أن يعلّق الحزب في البداية إشتراكه بالإنتخابات، منها ما يتعلق بقوانين وآليات إجراء الإنتخابات، ومنها ما يتعلّق بمطالب إنتفاضة تشرين/ أكتوبر، ومنها ما يتعلق بكشف السلطات لقتلة الهاشمي وغيره من الناشطين في الحراك الجماهيري. لكنّه كان سبّاقا في إعلان تعليق مشاركته بالإنتخابات، الا أنّه تأخر قليلا للأسف الشديد وهو يعلن مقاطعته لها، ما دفع بعض القوى السياسية لربط موقفه بموقف الصدر. وبالحقيقة فأنّ هذا الربط فيه كثير من التجني على الحزب لأمرين، أولهما هو ما ذكرناه حول موقف الحزب من تعليق مشاركته لحين تحقيق المطالب التي طالب بها كطريق لمشاركته الإنتخابات والتي سبقت تصريح الصدر بمقاطعتها، والآخر هو أنّ التيار الصدري غالبا ما يغيّر مواقفه تجاه العديد من القضايا كونه لا يمتلك القرار في إتخاذ مواقف سياسية الا بموافقة مقتدى الصدر. والصدر وكما هو معروف للشارع العراقي والمتابعين للأوضاع السياسية بالعراق،  من أنه رجل غير ذي ثقة ويغيّر مواقفه بإستمرار، ويبدو أنّ تغيير مواقفه يتم عن طريق إملاءات إقليمية، وتبقى إمكانية تراجع الصدر عن قراره بعدم المشاركة بالإنتخابات قائمة حتّى اللحظات الأخيرة.

لقد شخّص الحزب السلطة في البلاد من أنها سلطة محاصصة ومسؤولة عن الفساد الذي دمّر بلادنا ومزّق النسيج الإجتماعي فيها، ومن هنا فقط عليه بناء مواقفه بعدم المشاركة بالإنتخابات المقبلة أو أية انتخابات غيرها. فتغيير شكل النظام السياسي يجب ان يكون الهدف، اما الشروط الأخرى التي وضعها الحزب كمحاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة وكفّ ايدي الميليشيات عن التدخل بالشأن السياسي وكشف قتلة المتظاهرين وتوفير الخدمات الضرورية للناس وغيرها الكثير، تبقى جزئيات كونها لا تتحقق الا بالتغيير الكامل والشامل لمنظومة الحكم الفاسدة.

أنّ مقاطعة الإنتخابات يجب ترجمتها كمقاطعة لسلطة الفساد والجريمة المنظمة ومنظومة الحكم بأكملها وليس للعملية الإنتخابية فقط، وعلى الحزب ومنظماته العمل بين الجماهير لتعميق ازمة الثقة بينها وبين سلطة الفساد والتي تعمّقت اليوم اكثر من اي وقت مضى. فخطاب الحزب اليوم ووطننا يمر بأوضاع صعبة ودقيقة وجماهير شعبنا تعيش هي الأخرى أوضاع إقتصادية وإجتماعية مزرية، يجب ان يكون في حثّ اكبر عدد من الجماهير لمقاطعة الإنتخابات لسحب الشرعية من سلطة طائفية قومية موغلة بالجريمة المنظمة والفساد والنهب المنظم لثروات البلاد.  فعدم مشاركة الحزب والعديد من القوى السياسية التي حذت حذو الحزب في مقاطعتها لها، تعني اساسا رفضها للعملية السياسية التي ستفرزها الإنتخابات القادمة والتي بالحقيقة ستكون تدوير نفس الطبقة الفاسدة من جديد..

من اجل إعادة الحياة لوطننا والكرامة لشعبنا، علينا ان نرفع صوتنا عاليا مطالبين الجماهير بمقاطعة الإنتخابات. وهذا اسلوب نضالي سلمي لا يتعارض مع الدستور الذي يستند عليه الفاسدين في تدوير انفسهم كل اربع سنوات.

زكي رضا
الدنمارك
8/8/2021

       

5
هكذا يبايعون عليّا عند غدير العراق

"الله الله في جيرانكم..."
"الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم .."
"إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام"

الجمل الثلاث جاءت في وصيّة الإمام علي لولديه الحسن والحسين وهو على فراش الموت إثر ضربة بن ملجم،  فهل رجال الدين الشيعة وزعماء أحزابهم وميليشياتهم وعصاباتهم التي عاثت بأرض العراق فسادا ونهبا وقتلا يعرفون فحوى وصيّته ومعانيها وهم يطالبون الناس بمبايعته في عيد الغدير، هذا العيد الذي يراد منه أن يكون خنجر آخر يضاف الى الخناجر الطائفية التي مزّقت وتمزّق بلادنا!!؟

الإمام علي اليوم كما الحسين  تجارة مربحة للمؤسسات الشيعية، بعد أن تحوّل حتى الله الى تجارة عند رجال دين الطائفتين. فعلي اليوم يعيش في القصور الفارهة، وجيرانه يعيشون في بيوت يلفّها البؤس والجوع والمرض، الإمام عليّ اليوم عدو للفقراء والمساكين ولا يشاركهم معاشه، والإمام علي اليوم لا يريد صلاح ذات البين بين أبناء العراق!! على هذا يبايعه سراة الشيعة والأشرار من عصاباتهم، الذين لا يقدرّوا أنفسهم بالعامّة مثلما أوصاهم، وهو القائل: شرّ الناس إمام جائر ضَلَّ وضُلَّ به.

هل يعرف رجال الدين الشيعة وسراتهم عليّا وهم يمتلكون ما يمتلكون من أموال وطائرات خاصّة وقصور ودور فخمة داخل العراق وخارجه، هل يعرفونه وهم يمتلكون حسابات مصرفية في شتّى البلدان ومراكز تجارية ومزارع ومستشفيات ومدارس وجامعات خاصّة كالكفيل وغيرها!؟ وأي عليِّ يعرفون، عليِّ الذي يتاجرون به كبضاعة في دكاكين المذهب أم ذاك الذي بنى رجل من عمّاله بناء فخما، فقال: أطلعتِ الوَرِقُ ( الفضّة) رؤوسها، إنّ البناء يصف لك الغنى!؟  تعال يا علي لنريك مبايعيك وهم يمتلكون أبنية وقصور من ذهب وليس من فضّة، تعال الينا لنريك بيوت من صفيح يتكدّس فيها أطفال شبه عراة من شيعتك. الكارثة يا عليّ هو انّ اللصوص يبايعونك وهم يسرقون الفقراء في العراق، والأطفال العراة يبايعونك أيضا وآبائهم هذا إن لم يكونوا أيتاما!! فأي البيعتين هي الأصح، بيعة التجار أم بيعة الفقراء..؟  عذرا علي فإننا نرى بيعة التجار هي الأصح كونهم يعيشون في بحبوحة من العيش، والفقراء والأرامل والمساكين الذي اوصيت بهم يعيشون الفاقة والذل، وأتمنى أن لا تقول لي كما يقول رجال الدين الشيعة، من أنّ الفقراء سيجازيهم الله بقصور من ياقوت وزمرّد في الحياة الأخرى!! أنهم يسرقوننا ويضحكون علينا يا علي، أنهم يقتلوننا جوعا وعطشا، لقد مسخو آدميتنا ياعلي، ولا أخالك مثلهم مطلقا لتطالبنا كما هم بالصمت لنحصل على حقوقنا بعد الموت والعياذ بالله!!

سراة شيعتك ورجال الدين منهم يا علي هم اهل غدر غدرو بالعراق وشعبه، والكارثة أنّ هناك مِن شيعتك مَن يواليهم وانت القائل " الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله"، فهل هؤلاء مسلمون وشيعة كما يدعون وهم يغدرون بالله،   ماذا تقول ........ ؟  نعم، وانا مثلك يا ابا الحسن اقول من انهم دجالون وكذّابون، بل وكفرة ولا يعرفون الله الا كإسم. أنّنا نراهم يا علي يصلّون بكرة وعشيّا، وتنقل الفضائيات صلواتهم وبكائهم وهم يدعون الله بأمور لا نعرفها ، ولكنهم لا يعرفون الإخلاص "لوطنهم" فيخوننه، ولا الإخلاص "لشعبهم" فينهبونه ويقتلونه. فهل صلاتهم مقبولة وانت القائل " ليست الصلاة قيامك وقعودك إنمّا الصلاة إخلاصك"؟

انهم يتهموننا ونحن نتظاهر من اجل نيل حقوقنا وحقوق اطفالنا بالكفر والخروج عن الملّة والعمالة للسفارات الأجنبية،  ليشرعنوا قتلنا يا علي رافعين شعار الخوارج " لا حكم الا لله"، وهذا الشعار كما قلت أنت يوما " كلمة حق يراد بها باطل". ووالله وسراة شيعتك يبايعونك اليوم كذبا، فأنهم دفعونا نكفر لنقول من انها كلمة باطل يراد بها باطل... 

تعالوا يا شيعة علي نبايعه عند غدير العراق بيعة وطنية لنقول: أنّ الإشتراك بالإنتخابات والذهاب للتصويت هي كما ضربة بن ملجم التي فلقت رأسه، تعالوا لنقول أنّ الخنوع للعصابات الشيعية هي كما قتل الحسين في كربلاء.. 

يقول الإمام علي "اذا غضب الله على امة غلت اسعارُها وغَلَبَها اشرارُها " صدقت يا ابا الحسن، فها هم اشرار العراق يتحكمون بقوت الناس، وغلت الاسعار، فهل الله غاضب على اهل العراق ..؟

زكي رضا
الدنمارك
30/7/2021   

 



6
على أي نظام من نظامي الحكم الملكي يتباكى اليوم مناصروه ..؟


الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من تموز على الأبواب، وكعادة هذه المناسبة وعند حلول ذكراها تبدأ الأقلام بالكتابة عنها سلبا وإيجابا، وكلا من نظرته ومصلحته لما انجزته الثورة من منجزات أضرّت بجزء من المجتمع ومنحت الحياة لجزء آخر منه. ولم تشذّ الثورة في هذا السياق عن بقية الثورات والتغييرات الكبرى في البلدان المختلفة بالعالم، ففي أي تغيير كالذي حدث عشية الرابع عشر من تموز 1958 علينا أن نضع ذلك التغيير في سياقه التاريخي وليس كحدث آني. وما حدث فجر الرابع عشر من تموز 1958 ، لم يكن تغييرا فوقيا للسلطة ولا إنقلابا عسكريا لمجموعة ضباط مغامرين كتلك التي حدثت قبله أو بعده بالعراق أو غيره من البلدان، بل أن الثورة كانت زلزالا غيّر نظام سياسي إجتماعي الى آخر جديد ومختلف عنه بشكل كبير. والواقع "أنّ إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف إننا امام ثورة أصيلة" (1) . وتغيّر نتيجة الثورة كذلك "نمط حياة الفلاحين نتيجة لإنتقال الملكية من ناحية ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية أخرى" (2)

الصراع بين المدينة والريف هو صراع بين مباديء حياة وأفكار ورؤى، وهذا الصراع كان موجودا بالعراق قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة. فبعد إنهيار الدولة العباسية تراجع دور المدن نتيجة الخراب الذي أصابها بغياب دولة مركزية قوية ونظام سياسي قادر على تجاوز الأزمات، وهذا التراجع يصاحبه دوما نمو وقوة العشيرة وأفكارها ورؤاها وطبيعة وشكل الحياة التي تسعى إليه. وقد إستمرت هيمنة المؤسسة العشائرية خلال العهد الملكي، وكان مشايخ العشائر هم الحكام الفعليون لجزء كبير من الريف كما يقول بطاطو. وممّا يؤكد وجهة نظره هو وجود حوالي "أكثر من 100 الف بندقية بينما كانت الحكومة لا تملك غير 15 الفا منها" (3)

بعد الإحتلال البريطاني للعراق عمل المحتلون على تجنب التكاليف الباهضة لبقاء قواتهم في البلاد، ورأوا كما يقول بطاطو أنّ "موازنة العشائر ضد أهل المدن ضمانا اكيدا لإستمرار سلطتهم. وهكذا فإنهم لم يحاولوا فقط وقف العملية المبتدئة للإنحلال العشائري أو صون سلطة رؤساء العشائر أو المحافظة على الحد الأدنى فحسب من التفاعل بين أهل المدن والعشائر، بل أنهم عملوا ايضا على تدعيم الإنشقاق القائم بتقوية العادات العشائرية والإعتراف بها رسميا"(4) . وقد أصبحت العادات العشائرية وانظمة النزاعات العشائرية والتي اصدرها المحتلون بصيغة بلاغات في السابع والعشرين من تموز / يوليو 1918 لها قوة القانون، كما يقول بطاطو، وتحولت بعد إصرار الانكليز قانونا نافذا للبلاد في العهد الملكي بموجب المادتين 113 و 114 من الدستور العراقي للعام 1925 ، بعد ان إستثنت الريف من سريان القانون الوطني عليه.

وهكذا "فقد بقي العراق من الناحية القانونية، وحتى ثورة تموز 1958، يخضع لنظامين، واحد خاص بالمدن، وآخر خاص بالريف العشائري" (5) . والغاء قانون العشائر من قبل حكومة الثورة، والبدء ببناء مجتمع جديد مركزه المدن وتحت سلطة القانون والدستور، والذي أدّى الى افول دور المشايخ ورجال الدين، هو من جعل المؤسستين العشائرية والدينية أن تتحالفا مع البعث والقوى الرجعية والإمبريالية وشركات النفط، لقتل ثورة تموز وقادتها.

أن نظام المحاصصة الطائفية اليوم، والعراق يعيش ضعف مدنه وخرابها وهيمنة العشائر وعاداتها وقوانينها من جهة، وهيمنة المؤسسة الدينية وإفرازاتها من جهة ثانية، تجعل من بلدنا يعيش نفس حالته إبّان العهد الملكي إن لم يكن أسوأ. فالعشائر اليوم تمتلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وأبناءها هم العمود الفقري للجيش والميليشيات المسلحة، وولائهم للعشيرة والطائفة وليس للوطن. والعشائر اليوم وبدعم حكومي ريّفت المدن وعلى رأسها العاصمة بغداد، التي ما هي اليوم الا منطقة ريفية تهيمن عليها الأعراف العشائرية وقوانينها، بعد أن فقدت الدولة هيبتها وهي في تراجع مستمر أمام غول العشائرية الذي يقود البلاد نحو الهاوية حضاريا.

أن يقف الإسلاميين ضد ثورة الرابع عشر من تموز، أمر لا غبار عليه بالمطلق. فالإسلاميين والشيعة منهم على الخصوص، كانوا من الد أعداء الثورة على الرغم من انها قدمت لبسطاء الشيعة الكثير. فالثورة اعادت للفلاحين وغالبيتهم من الشيعة كرامتهم التي صادرها منهم الإقطاعيون إبّان العهد الملكي، ووزعت عليهم الاراضي الزراعية من خلال قانون الإصلاح الزراعي. وبنت لهم مدينة كاملة هي مدينة الثورة، بعد أن كانوا يعيشون في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة والمهانة قبلها. لكن الأمر الغريب هو وقوف من عاصر الثورة وشاهد إنجازاتها في عمرها القصير مقارنة بعهدة العراق السياسية المختلفة، ضدها.

اليوم من حقنّا أن نتساءل والأقلام المأجورة وهي تنهش جسد ثورة الرابع عشر من تموز وإنجازاتها التي لم تحققها أية سلطة جاءت بعدها، و خصوصا السلطة الكارثية التي تقود البلاد اليوم وهم يتباكون على النظام الملكي، ويصبّون جام غضبهم على ثورة تموز محملين إياها وزر جرائم البعث ونظام المحاصصة اللذين دمرا البلاد، أن أيتها السيدات والسادة: على أي من نظامي الحكم الملكي تتباكون، نظام المدن أم نظام الريف العشائري كالذي تعيشون نسخته القبيحة اليوم!؟


(1) (2) حنا بطاطو ، العراق الكتاب الثالث ص 116
(3) نفس المصدر، الكتاب الاول ص 44
(4)  المصدر اعلاه ص 43
(5)  المصدر اعلاه ص 43

 
زكي رضا
الدنمارك
13/7/2021

 



7
المنبر الحر / علي وياك علي
« في: 16:28 05/07/2021  »
علي وياك علي

تعرِّف معاجم اللغة الغوغاء من أنّهم: السِّفْلة و الرِّعاع من النَّاس؛ لكثرة لغَطهم وصياحهم،  والغوغاء كإسم هو صوت الجراد القادر على الطيران، ويبدو أنّ اللغة العربية في وصفها الغوغاء بالجراد كأنّها إنبعثت من العراق وليس من شبه الجزيرة العربية، فغوغاء العراق اليوم كالجراد في هتافاتهم خلف كل فاسد زنيم، وهم من سيحوّلون العراق الى صحراء بلقع.

ولأنّ الغوغاء هم خليط من السِّفْلة و الرِّعاع من النَّاس، فأنّهم في تصرفاتهم يمتازون بالذلّ والضعف والمهانة، وهم بعيدون عن المعرفة والعلم والفهم وأقرب الى الباطل والضلالة والكذب،  وإنتمائهم ليس لبلادهم ولا حتّى للدين بل للعشيرة والمذهب.  لذا تراهم ينعقون خلف كل ناعق، ويهرولون بذلّ خلف أي لص وفاسد طمعا بالفتات من كل شيء، وهم قادرون لو تصرّفوا كالأحرار في أن ينالوا كل شيء! والغوغاء غير مرحّب بهم عند ذوي العقول النيّرة كونهم لا يجتمعون الّا لضرر، فها هو الإمام علي يقول وقد جاؤوا إليه بجانٍ ومعه غوغاء: لا مرحبا بوجوه لا تُرى إلّا عند كل سوأة. وهو القائل بحقّهم " هم قوم إذا تجمّعوا ضرّوا وإذا تفرقّوا نفعوا".

لم يجرؤ الغوغاء في العهد البعثي الأسود من الهتاف لغير الطاغية صدّام حسين، فكان هتاف ( بالروح بالدم نفديك يا صدام) هو هتافهم الذليل وهو يخطب بهم، وهتافهم الأذّل وهم يستمعون الى خطاب أي قيادي بعثي آخر غيره!! أمّا اليوم فنفس الغوغاء الذين كانوا يهتفون بحياة المجرم صدام حسين خوفا وذلّا، تراهم يهتفون خلف كل صدام جديد وهم كثر ذلّا وذلّا، كونهم يستطيعون وقد تغيّرت الظروف في أن يضعوا الخوف جانبا لو أرادوا، لكنّه الإذلال الذي يصبغ نفوسهم وأرواحهم ويمنعهم من أن يكونوا أحرارا قادرين على كسر النير الذي يطوّق رقابهم والذي صنعوه بأنفسهم!!  ولأنّهم عبيد للعشيرة والمذهب فأنّ شعارهم نابع من عادات العشيرة وما يبيعه لهم المعممّون من ذل وتخلف وفقر وجهل من دكّانة المذهب، وكأنّ الدين لا يمتلك الا أمثال هذه البضائع الرديئة والفاسدة لتُعرض في هذه الدكاكين الموبوءة؟  ولأنّهم لا يجرؤون حتّى على شراء هذه البضائع الفاسدة بأنفسهم، فأنّ رجالات الأحزاب والعصابات الإسلامية يعملون كدلّالين في سوق الهرج هذا ليبعونهم إيّاها، شرط أن يكون معها هتاف فيه ضياعهم وضياع مستقبلهم وأطفالهم ووطنهم!

 " علي وياك علي" هو الهتاف الأثير على قلوب الغوغاء وهم يهرولون كالجراد خلف كل فاسد ولص وقاتل. " علي وياك علي" دلالة قاطعة على أنّ الغوغاء يعشقون العبودية، لأن ما من حر يرضى أن يُسرق ويُقتل ويُذَل، ثم يهرول خلف الذي سرقه وقتله وأذلّه هاتفا " علي وياك علي". الغوغاء وعبوديتهم هم بالأساس جزء من منظومة إجتماعية  بائسة نعيشها اليوم، فالغوغاء هم عبيد لزعيم العشيرة وعادات العشيرة، وهم عبيد لرجل الدين وما يبيعه إياهم من وهم وترّهات لا تغنيهم ولا تسمنهم من جوع ، وهم عبيد لسياسيّ يتذكرهم مواسم الإنتخابات فيرمي لهم ما خفّ حمله وخفّ ثمنه، وهم عبيد لرجال الميليشيات والعصابات كون الجبن هي صفة من صفات الغوغاء هؤلاء، وبالتالي نرى الغوغاء هؤلاء يبكون وهم يبجلّون ويقدسّون من يستعبدهم ويذلّهم هاتفين من خلفه ومن أمامه ومن بين يديه " علي وياك علي"!

إنّ الخطر الذي يشكلّه الغوغاء على وطننا ومستقبله اليوم هو في الحقيقة أكبر بكثير من خطورة الدور الذي يلعبه رجال الدين وزعماء العشائر وقادة الأحزاب والميليشيات والعصابات الإسلامية، كون هؤلاء لا يستمدون قوتهم وحضورهم وديمومتهم الا من خلال الغوغاء هؤلاء.  أنّ العلاقة بين سلطة اليوم والغوغاء هي علاقة طردية، فكلمّا زاد عدد الغوغاء وكثر صياحهم وذلّهم وجوعهم وفقرهم وبؤسهم كلما كانت السلطة في مأمن من غضب الجماهير الحرّة، كما وأن السلطة تستخدم جيش الغوغاء هؤلاء في قمع أي تحرّك جماهيري يشكل خطرا على سلطتها، بعد أن صادر المذهب عقولهم الخاوية.

إنّ شعبنا العراقي لن يتخلّص من سلطة الفساد والمحاصصة عبر الإنتخابات مطلقا، بل على العكس فأنّ الإنتخابات هي تكريس لسلطة الفساد والفاسدين. وعليه فعلى شعبنا أن يختار بين أن يحيا حياة الأحرار فيثور ضد الجوع والفقر والجهل والتخلف وإنعدام الخدمات وغيرها الكثير، كالعديد من الشعوب الحرة بالعالم. أو يحيا حياة العبيد  وهنا عليه أن يثور أيضا ضد سلطة اباطرة الإسلام السياسي لنيل حريته، والتاريخ الإنساني مليء بإنتفاضات وثورات العبيد كثورة الزنج ضد اباطرة بنو العباس وثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس ضد اباطرة روما.

عندما يتحول الإمام علي الى شعار يحمي الفاسدين، فأنّ التشيّع كمذهب في طريقه الى الفساد والجريمة. والمشاريع التجارية والصناعية والجامعات التي تمتلكها وتديرها العتبات الشيعية، وتلك التي تمتلكها الأحزاب والميليشيات والمؤسسات الشيعية أو تلك التي يمتلكها رجال الدين،  فاسدة كما جميع المؤسسات في الدولة. وهنا علينا أن نسأل من حوّلوا عليا الى بضاعة: هل كان الإمام علي فاسدا ليكون سورا يحمي الفاسدين!!؟

العبيد يثورون لأنهم يمتلكون الكرامة التي صودرت منهم ويعرفون الشجاعة، والغوغاء لايعرفون الثورة بل ويقفون ضدها ويعملون على إنهائها كونهم جبناء ولا كرامة لهم.

زكي رضا
الدنمارك
3/7/2021 



   














8
لو لم يكن للعباسيين الا هذه لكانوا أعلى منكم مكانة وسؤددا


كتب ياقوت الحموي وهو يصف بغداد، بأنّها جنّة الأرض، ومدينة السلام، وقُبّة الإسلام، ومجمع الرافدين، وغرّة البلاد، وعين العراق، ودار الخلافة، ومجمع المحاسن والطيبات، ومعدن الطرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كلّ فن، وآحاد الدهر من كل نوع (1).

دار الخلافة وعاصمة الدنيا هذه تعتبر من أعظم المدن التي بنيت ومُصِّرت بالعراق بعد واسط الحجّاج وبصرة عتبة بن غزوان وكوفة سعد بن أبي وقّاص وسُرّ من رأى المعتصم العبّاسي، دار الخلافة هذه هي بغداد المنصور " فحل بني العبّاس هيبة وشجاعة ورأيا وحزما ودهاء وجبروتا" (2). لقد بناها المنصور لتكون عاصمة ملكه وحاضرة العالم، ودامت كعاصمة للدنيا وحاضرة للعالم لما يزيد عن خمسة قرون، ولرخاء العيش فيها وإعتزاز اهلها بها " قد تصوّر كل منهم في معتقده وخلده، أنّ الوجود كلّه يصغر بالإضافة لبلده، فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنّهم لا يعتقدون أنّ لله بلادا أو عبادا سواهم" (3). ولو راجعنا الرسالة البغدادية ووصف ابو حيّان لها والذي ينسب لبغداد لعيشه فيها طويلا، فسنرى أنفسنا في رحلة عبر التاريخ لمدينة فيها أصحاب مذاهب دينية وشعراء ماجنون ومدارس وحلقات علم وصناعات كصناعة الورق والزجاج والصابون وغيرها، مدينة ترجمت فيها كتب العلم والطب والفلسفة، مدينة لاتنام حيث السميريات والقوارب تجوب دجلة ليل نهار، مدينة الاساطير والف ليلة وليلة، مدينة المآذن، مدينة الجواري والغناء، مدينة المناظرات العلمية والمطاردات الشعرية، بغداد السحر.

مدينة كهذه علينا نحن أبنائها أن نفتخر بها ونعمل جاهدين على كتابة تاريخها من جديد، علينا العمل على بناءها لتستعيد جزء من هيبتها ورونقها الذي فقدته منذ أن سقطت بيد المغول، علينا أن ندرس حياة من بناها لنتعرّف عن اسباب إنتخابه لها عاصمة لملكه دون مناطق أخرى من العراق. ابا جعفر المنصور لم يبني مدينة كما المدن الأخرى، بل بنى مدينة اصبحت عاصمة لأمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، مدينة أصبحت كعبة للتجار والصنّاع والحرفيين ورجال العلم والأدب والطب والصيدلة والكيمياء. لم يستطع أحد بعد العباسيين أن يمنح بغداد عظمتها كما هم مطلقا، منذ السيطرة والهيمنة المغولية حتى السيطرة والهيمنة الطائفية اليوم. ولم يجرؤ أحد على النيل من باني بغداد الأزل لليوم، الّا مجاميع من الرعاع الجهلة الذين تدفعهم جهات سياسية وميليشياوية من أجل إحياء صراعا طائفي جديد، وكأن شعبنا وبلدنا لم يتذوقا مرارة الصراع الطائفي الذي لازالت جراحاته طرية.

أيها الرعاع المتخلفون ومن يقودنكم أنّ هارون الرشيد المهمل شارعه اليوم وحفيد ابي جعفر المنصور العباسي الذي تريدون تحطيم تمثاله، قال وهو يخاطب غمامة "إمطري حيث شئت فأنّ خراجك عائد إلينا"، وهذه الجملة لوحدها كافية في أن نجعل له ولابي جعفر المنصور تمثال في كل مدينة، وهي كافية لأن يكون ابي جعفر المنصور وأحفاده أعلى منكم مكانة وعزّة وكرامة وسؤددا. فمن تلك الغيمة كانت تجبى الاموال لبغداد السلام، وتلك الغيمة كانت عنوان لقوة الدولة وعظمتها، وتلك الغيمة كانت بوصلة تهدي طلاب العلم الى مدارس بغداد، وتلك الغيمة كانت عمارة وسدود وقناطر ومجاري أنهار.

في عهد من يدفعونكم من الطائفيين اليوم لهدم تمثال باني بغداد، فأنّهم يخاطبون من خلالكم غيوم العراق باللغة الفارسية طالبين منها أن تمطر في طهران الفقيه لتزداد خيرا، وليشتروا منهم ما يقيمون به أودكم، وما تصدّره لكم تلك الغيوم من مواد مخدرة وذل وإمتهان للكرامة..

يقول أحد الشعراء وكأنّه يرى الرعاع اليوم وهم يريدون هدم تمثال المنصور وخراب بغداد:

سقيا لبغداد ورعيا لها      ولا سقى صوب الحيا أهلها
يا عجبا من سفل مثلهم     كيف أبيحوا جنّة مثلها (4)


ويبدو أنّ المقدسي كان يرى بغداد اليوم من خلال البلّورة المسحورة وهو يقول عنها "وهي في كل يوم الى ورا، واخشى ان تعود كسامرا، مع كثرة الفساد، والجهل والفسق، وجور السلطان" (5)

ووصفها في العصر الحديث الشاعر معروف الرصافي قائلا :


أفي المروءة أن يعتزّ جاهلها            وأن اكون بها في قبضة الهون
وأن يعيش بها العضروط ذا شمم       وأن أسام بعيشي جدع عرنيني


نعم أيها الرصافي فبغداد اليوم تعيش عهد العضاريط، ويا ويل بغداد من عهدهم.


(1) معجم البلدان 1/ 685 لياقوت الحموي
(2) فوات الوفيات 1/ 279 لأبن شاكر و تاريخ الخلفاء ص 259 للسيوطي
(3) رحلة ابن جبير ص 174
(4) معجم البلدان 1/ 692 لياقوت الحموي
(5) احسن التقاسيم ص 120 للمقدسي


زكي رضا
الدنمارك 15/6/2021


9

حينما باع التجّار سيف ذو الفقار


في الفجر كنت ارى جدّتي وانا صغير تتوضأ وصوت المؤذنّ ينادي (الله اكبر)، فكنت اراقبها وهي في رحاب الله تبسمل وتحوقل وتسجد له خاشعة باكية، علما انني لم اراها يوما تعصي ربّها طرفة عين، فعشقت الله معها وهمت في حبّه. واليوم انا فرح لرحيلها قبل ان ترى حزبه وهو يقتل وينهب ويخون، وأصبحت أخاف رصاصات من مسدسات كاتمة أن تغتالني غيلة لتنتقم منّي، لماذا؟ لأنّ الله منتقم كما يقول أعضاء حزبه .. يا إلهي الم تجد غيري وانا الباحث عن وطن أعيش فيه بكرامة  لتنتقم منه!! 

كانت جدّتي وانا صغير دائمة الصلاة على محمّد وآله، ومن خلالها أحببت محمّدا وكنت  أقسم به  صدقا وأتوسّل إليه أن يعينني ويساعدني، وعندما كبرت ورحلت جدتي حسدتها على رحيلها كونها لم ترى كما رأيت وأرى جيشه اليوم يسلب اموال الفقراء ويقتل على الهويّة ويسبي خيرة نساء بلدي.

كنت أذهب مع جدّتي مواسم الأعياد لزيارة القبور في مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف، وكانت قبل زيارة المقبرة تصطحبني الى ضريح ومقام الإمام علي للتبرك والدعاء، فكنت الهو بفرح طفولي على بلاط الحضرة الأملس وأحببت عليا معها، وأحببته اكثر وانا استمع الى سجاياه واخلاقه وبطولاته من خطيب معمّم. وحينما كبرت ورحلت جدتي أصبحت أخاف كتائبه وهي توجه فوّهات بنادقها لصدور ابناء شعبي، وأهرب مذعورا كلمّا أصادف معمّما في مكان ما.

كانت جدّتي تقصّ عليّ بفخر وحب كبيرين بطولات علي والحمزة في معركة بدر الكبرى، فكنت أتخيّل نفسي في تلك الفلوات حيث الرمال الحارقة والإيمان بطلا من ابطال تلك المعركة. وحينما كبرت أصبحت أتحاشى حتّى البدر ليلة تمامه كونه يذكّرني بمنظمة سليلة للخيانة وباعت العراق للأجنبي.

كنت أحلم دوما بسيف ذو الفقار المعلّقة صورته في غرفة جدّتي وهو بيد علي في معاركه المختلفة، حالما أن يكون مثله في يدي يوما لأدافع به عن حقوق الفقراء. وحينما كبرت أصبحت ابتعد عن تلك الصورة بعد أن رأيت ذو الفقار مُهدى للمحتلين من قبل التجّار والمرابين مرّة، و من معمّم لقوّاد ثانية،  ورمزا لقتل العراقيين تحت مسمى لواء ثالثة.

كانت جدّتي دائمة البكاء على فاطمة الزهراء وتصيح بها اثناء الشدائد بلهجتها البغداديّة المحببّة " دخيلچ  يا أم الحسن والحسين"، فكنت انتظر الفرج الذي لا بدّ أن يأتي سريعا لثقتي بجدتي وحرارة دموعها وصدق دعواتها وهي تناجي إبنة محمّد. وحينما كبرت أصبحت أرثي لجدتي حالها بعد أن جاءت لنا سرايا الزهراء بالمصائب والنوائب والشدائد ولتنهمر الدموع أنهارا من عيون ثكالى العراق اللواتي قتلت السرايا ابنائهن.

في عاشوراء كانت تتشّح جدّتي بالسواد وتجلس في ركن تقرأ فيه القرآن بصوت شجي، و كنت أراها ليلة العاشر من محرّم باكية حتّى مطلع الفجر جزعا وحزنا على الحسين وهو مجندلا في صحراء كربلاء، وكانت تحدثّني عن الظلم الذي وقع على سيّد شباب اهل الجنّة وآله وعياله وصحبه، وكنت ابكي لبكائها وأخرج لاطما صدري حزنا عليه في المجالس التي تقام بتلك المناسبة. وأصبحت اليوم أهرب من تلك المجالس، بعد أن حوّلت كتائب سيّد الشهداء بلدي الى مسلخ بشري.

كنت أرى جدّتي ترتجف في اليوم السابع من  شهر محرّم وهي لا تجرأ على لفظ إسم كفيل زينب وساقي عطاشى كربلاء ابا الفضل العبّاس، لما للعباس بن علي من وقع في المخيّلة الشعبية عند عوام الشيعة. لكنني اليوم اريد العودة اليها لأخبرها من أنّ لواءه ولواء كفيل زينب مساهمان في موت العراقيين عطشا، كونهما يتكلمان لغة دولة قتلت ارض الرافدين عطشا.

كانت جدّتي تقول لي أنّ علي مع الحق والحقّ مع عليّ ويدور معه أينما كان، وأنّ اتباع علي هم أهل الحقّ، فصدّقتها إيمانا منّي بصدقها ولكثرة ما سمعته عن عدله، وأصبحت اليوم أخاف أهل الحقّ وعصائبهم التي تفتك بشابّات وشبّان العراق وتنهب وطنهم وتبيع ما تقدر عليه لإيران الفقيه.

كانت جدّتي تصطحبني أحيانا لسامرّاء حيث مقام الإمام المهدي، وكانت تنتظر موعد ظهوره المنتظر ليملأ الأرض قسطا وعدلا، فكنت أحلم على الأقل بعراق يسوده القسط والعدل وفيه كل هذه المراقد وليست الأرض بأكملها، فأصبحت وأنا أشعر بالرعب حالما أسمع بجيشه وهو يصرخ أن ( قتلانا في الجنّة وقتلاكم في خلف السدّة)، أصبحت اليوم أشعر بالخوف من جيشه وهو يقتحم ساحات التظاهر فيقتل الشابات والشباب بدم بارد، أصبحت اليوم أرتعب من حفيده ساكن الحنّانة لجرائمه بحق العراق والعراقيين.

كانت جدّتي تحدّثني وهي مليئة بالأسى والحزن عن الشورى التي لم تنصف الإمام عليّا وسرقت منه الخلافة، وكنت أشاركها حزنها وأساها لعدالة عليّ وطيبته، وأصبحت اليوم وانا أرى شورى العمائم تسرق بلدا بأكمله وتذلّ شعبا بأكمله حزينا لحزنها وحزني وقتها. 

أنبئك جدتي أنّ لله اليوم ربع ومعهم ثار بإسمه ولا يعرفون الا قتل الابرياء، زوري أمّهات الشهيدات والشهداء في أحلامهن ليقصّوا عليك كيف قتلت سرايا السلام في عراقنا المبتلى بفتاوى الشياطين الأمن والسلام في ربوعه. وأنت في ملكوت الله تقدّمي اليه وأمّهاتنا الطيبات وأطلبن منه أن يكفّ أيادي حزبه وربعه وثاره عنّا، فقد بلغ السيل بنا الزبى فخربت بهم بلادنا وأصبح الموت يحيطنا من كل جانب...

لقد إستبدل قادة الأحزاب والميليشيات الشيعية وعمائمهم سيف ذو الفقار بسيف عبد الرحمن بن ملجم، وها هم يضربون به قرن رأس العراق وشعبه لقتلهما، كما ضرب إبن ملجم قرن رأس الإمام علي في الكوفة وأرداه قتيلا.


زكي رضا
الدنمارك
4/6/2021







10

المفوضيّة غير المستقلة للإنتخابات تكذب كعادتها
   
 
مفوضيّة الإنتخابات التي عليها تقع مسؤولية إجراء إنتخابات حرّة ونزيهة وشفّافّة، من خلال الإعلان عن موعد الإنتخابات وتنظيمها بدءا من تسجيل الناخبين وتحديث سجلّاتهم ومرورا بالإشراف على مراكز الإنتخابات وجمع وحفظ صناديق الإقتراع وعمليّة العدّ والفرز وإنتهاءا بإعلان النتائج النهائية هي "هيئة مهنية حكومية مستقلة ومحايدة تتمتع بالشخصية المعنوية وتخضع لرقابة مجلس النواب" وفق ما جاء في الفصل الثاني، المادة الثانية من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. ومجرّد تقسيم مهامها على اساس المحاصصة من خلال تعيين مفوضّين من مثلث الفساد الطائفي القومي، فأنّ المفوضيّة تكون قد فقدت إستقلاليتها لتكون تحت رحمة سياسات هذا المثلث ومصالحه وتحديد نسبة ممثليه في البرلمان المركزي بما يتوافق وإستمرار نهج المحاصصة المدمّر.

لقد دأبت المفوضيّة على إطلاق تصريحات ما أنزل الله بها من سلطان، كلما حدثت جريمة أثناء سير الإنتخابات أو قبلها وبعدها حتّى. فسرقة صناديق الإقتراع وإعادتها بعد فترة ليست بالقصيرة، أو حرق مخازن صناديق الإقتراع، وقضية المال السياسي والإستفادة من عجلات الدولة وبنايات الوزارات الحكومية للدعاية الانتخابية، والتأخير في إعلان النتائج النهائية للإنتخابات من أجل إرضاء القوى المتنفذة وفسح المجال امامها لتزوير النتائج بما يتناسب وأعداد المقاعد البرلمانية لكل منها، وجدت له المفوضيّة ومعها السلطة التنفيذية حلا سحريا وهو تشكيل لجان تحقيق وضرب المتهمّين بيد من حديد كما تصرّح دوما ومعها الحكومة، ولترجع هذه اللجان ومعها تلك اليد الى من نظّمها راضية مرضية لتدخل جنّة البنوك وإمتلاك العقارات داخل وخارج الوطن!! ولأنّنا نعيش موسم الإنتخابات التي لم تنضج ثمارها لليوم، فأنّ المفوضيّة غير المستقلة للإنتخابات خرجت علينا وهي تتهيأ لتزوير إرادة الناخبين الراغبين رغم معرفتهم بنتائج الإنتخابات بتصريح غريب جدا.

فقد تناقلت وسائل الإعلام في 17/05/2021 اخباراً عن فقدان ملايين البطاقات الإنتخابية، وعوضا عن تقديم المفوضيّة تفسيرا منطقيا لفقدان هذا العدد الهائل من البطاقات والتي سيكون تأثيرها كبيرا على نتائج الإنتخابات القادمة، خرجت علينا المتحدثة بإسمها السيدة جمانة الغلاي بتصريح "غريب" جدا. إذ قالت أنّ : "مفوضية الانتخابات قامت بتوزيع بطاقات قصيرة الأمد في 2014 و 2018 وتم اعتمادها وجرى توزيع ما يقرب من 5 ملايين بطاقة قصيرة الأمد على الناخبين" ولتضيف قائلة: " أن "المجلس الجديد والمفوضية الجديدة، وجدا أن هذه البطاقات موجودة في مراكز التسجيل منذ 2014 و 2018 ولم يراجع عليها أصحابها، وقد يكون ذلك بسبب حالات الوفاة والهجرة"، مشيرة إلى أن "هذه البطاقات سُحبت من قبل المكتب الوطني في المفوضية مع حجب بيانات الناخبين وفتح مرحلة تحديث سجل الناخبين مجدداً ونحن بانتظار مراجعتهم لأقرب مركز تسجيل لتحديث بياناتهم وبالتالي ستطبع لهم بطاقات جديدة طويلة الأمد"!!!

في العام 2018 أطلقت الأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة العراقية خطة الاستجابة الإنسانية لدعم النازحين لذلك العام، وقدّرت السلطات العراقية حينها عدد النازحين داخليا بنحو 2.5 مليون عراقي، ووقتها أعلن المنسق الأممي للشؤون الإنسانية في العراق راماناثان بالاكريشنان ووزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد الجاف عن خطّة للإستجابة الإنسانية لدعم النازحين. لكن الذي يهمّنا هنا هو تصريح السيد الجاف الذي ناشد فيه "القوى السياسية عدم استغلال ملف النازحين مع قرب موعد الانتخابات النيابية المقررة في أيار/مايو المقبل". والآن دعونا نعود لتصريحات السيدة الغلاي الغريبة.

تقول السيدة الغلاي أن عدد البطاقات التي وُجدت في مراكز التسجيل من قبل المفوضية هي خمسة ملايين بطاقة، وأنها تعود لناخبين مهجّرين أو موتى، ولمّا كان عدد المهجرين وفق بيانات وزارة الهجرة والمهجرين لنفس الفترة هي 2.5 مليون نازح، فأنّ عدد المتوفين وفق تصريحات السيدة الغلاي هو 2.5 مليون عراقي!! وهذه لوحدها جريمة كبرى ووصمة عار في جبين سلطة المحاصصة التي تنتمي اليها السيدة الغلاي. والأنكى هو أنّ السيدة الغلاي تنتظر مراجعة هؤلاء الناخبين لأقرب مراكز التسجيل " لتحديث بياناتهم وبالتالي ستطبع لهم بطاقات جديدة طويلة الأمد". ولو آمنّا بسياسة الحكومة العراقية في معالجة ملفات النازحين وعودتهم الى حياتهم الطبيعية، ومن ثم تحديث بياناتهم للمشاركة في إنتخابات محسومة النتائج سلفا، فهل سيعود الموتى وعددهم 2.5 مليون لتحديث بياناتهم ايتها السيدة جمانة!!؟؟

السيدة جمانة، هذه البطاقات ستقسّم من قبل المفوضيّة على أحزاب السلطة لتعزيز مواقعها السياسية في إدارة البلاد التي هي على شفير الهاوية، ودعاية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي على زيادة اعداد المشاركين بالإنتخابات.
السيدة جمانة، لدينا مثل شعبي يقول: الچذب المسفّط أحسن من الصدگ المخربط، ويبدو من أنك ومفوضيتك وحكومتك لا تجيدون لا الچذب المسفّط ولا الصدگ المخربط.

الإنتخابات لن تغيّر شيئا من اللوحة السياسية القاتمة، ومقاطعتها وعدم منح الشرعية لقوى الفساد واجب وطني وأخلاقي.


زكي رضا
الدنمارك
18/5/2021

11

لتخرس طهران الفقيه وميليشياتها
   
في الأوّل من أيلول/ سبتامبر 1939 هاجمت المانيا النازيّة بولندا، ولو لم تتدخل كلا من فرنسا والمملكة المتحدّة وإعلانهما الحرب ضدّها واللتان جرتا بقية البلدان الاوربية بعدها للمواجهة، لكانت المانيا هاجمت بقية الدول الاوربية واحدة تلو الاخرى وإحتلتها. لكنّ الأمر المهم هنا أنّ الردّ الفرنسي البريطاني لم يكن عبر بيانات أو تضامن مع بولندا، بل عبر مواجهة عسكرية انتهت بإحتلال فرنسا ودمار واسع لحق بالمملكة المتحدّة هذه المواجهة إنتهت بعد سنوات مريرة بإنتهاء الحرب وإنهيار النازية.

قبل أيّام بدأ الإسرائيليون وعلى خلفية أحداث القدس بإعتدءات واسعة على الشعب الفلسطيني، والتي وصلت الى حد جرائم ضد الإنسانيّة بنظر الكثير من المنظمات الدوليّة المتابعة للأحداث هناك. وعلى عكس بداية الحرب العالمية الثانية فأنّ الحرب الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين لم تكن مفاجئة، كونها تتكرر بإستمرار من أجل قضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض وحصر الفلسطينيين بشريط ضيّق. كما وأنّ الموقف العربي من هذا الهجوم الإسرائيلي واسع النطاق على الشعب الفلسطيني ليس بالموقف المفاجئ أيضا، فعلاقات التطبيع مع إسرائيل بدأتها دول عربية عديدة سابقا، ولحقتها دول أخرى اليوم والبقية في طريقها أيضا. وهذا يعني أنّ هذه الدول ليس في نيّتها ولا حساباتها أن تحرر فلسطين من الإحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ما قبل العام 1967، كما وأنّ العديد منها لم تتاجر بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية في سياساتها المعلنة وغير المعلنة حتّى. فهل الموقف الإيراني وميليشياته الشيعية من الصراع الدائر الآن وعدم نصرة الشعب الفلسطيني عسكريا هو موقف مفاجئ!؟

منذ نجاح الثورة الإيرانية وكهدف استراتيجي للنظام فيها من أجل بسط نفوذه في البلدان العربية للهيمنة عليها عن طريق ميليشيات موالية لها، كان شعار تحرير فلسطين شعارا اساسيا ترفعه السلطات الإيرانية وشكّلت من أجله فيلقا تحت مسمى فيلق القدس الذي يبدو انه متواجد في مناطق عديدة الا القدس. فهل كان هذا الشعار حقيقيا أم كما شعار كل شيء من اجل المعركة " معركة تحرير فلسطين" التي رفعتها الأنظمة العروبية لعقود دون أن تحقّق أهدافها!؟ وهل نجحت إيران الإسلامية التي خصصت الجمعة الاخيرة من شهر رمضان كيوم للقدس في تحقيق ما فشل القوميون العرب في تحقيقه؟

منذ نجاح الثورة الإيرانية ولليوم كان الإيرانيون يستعرضون قواهم امام البلدان العربية وشعوبها على أنّهم سيكونون الجنود الذين يحررون الأقصى من دنس الصهاينة لو كان لهم شبر واحد من الحدود معها! ولم تمر الا سنوات الّا وإيران وعن طريق ميليشيا حزب الله الشيعية الموالية لها، تمتلك ما يقارب 120 كيلومترا وليس شبرا واحدا من الحدود مع إسرائيل. وما أن بدأت الأزمة السورية في آذار / مارس 2011 حتى كانت لإيران حدودا من الجبهة السورية لا تقل طولا عن حدودها مع إسرائيل على الجانب اللبناني، وهذه المرّة ليس عن طريق ميليشياتها التي لها مواقع ومعسكرات تدريب عديدة في سوريا فقط بل وعن طريق الدولة السورية نفسها والتي فسحت المجال واسعا امام التدخل والنفوذ الايراني بعد أن تخلت عنها الانظمة العربية.

اليوم والفلسطينيون يتعرضون للبطش الوحشي الاسرائيلي وإستشهاد وجرح عشرات الابرياء منهم، وانهيار العديد من المباني والبنى التحتيّة وتعطّل الحياة وهم يعيشون حصارا عنصريا مجرما، وبعد أن انتقلت إنتفاضتهم ومقاومتهم لداخل الخط الأخضر، ارى من حقّنا أن نسأل ولي الفقيه وميليشياته عن اسباب عدم مهاجمتهم لإسرائيل لفتح جبهات عسكرية جديدة تخفّف من وطأة المعاناة عند الفلسطينيين!؟

إن الموت هو المنتصر الوحيد في الحروب، الا أنّ المنتصر في هذه الحرب علاوة على الموت هو الضحك على قادة إيران وجيش قدسهم وميليشياتهم الشيعية التي لم ترمي حجرا ولا أقول رصاصة بإتجاه إسرائيل منذ بدأ أحداث الاقصى لليوم. لكن أن يكون هناك منتصرا آخرا يفوق الضحك إنتصارا، هو دخول المراهق مقتدى الصدر وميليشياته وبقيّة الميليشيات الشيعية معركة فلسطين من خلال إعلان جاهزية عصاباتهم لتحرير القدس، هذه الميلشيات التي من أعظم مآثرها لليوم هي إشتراكها في الحرب الطائفية تحت شعار ( قتلانا في الجنّة وقتلاهم في خلف السدّة)، وإغتيال وقتل المئات من المتظاهرين والناشطين من أجل حرية العراق وشعبه..

لا يختلف إثنان عن ماهيّة السلطات الإسرائيلية الدموية والعنصريّة، كما لا يختلف إثنان عن حقّ الشعب الفلسطيني في النضال من أجل حريّته وحقّه في إقامة دولته المستقلّة وفق قرارات الأمم المتحدّة ذات الصلة. لكننا ونحن نحترم هذا الحق وندعو إليه، نتساءل عن القوى التي تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني ويخوضون به حرب بالوكالة وخاسرة من أجل أنظمة قومية عروبية في السابق، ومن أجل مصالح دولة وليّ الفقيه اليوم. ومثلما كانت القضية الفلسطينية العادلة تجارة مربحة في بازار القوميين العرب، فأنّها اليوم تجارة مربحة في بازار القوى الإسلامية وراعيتها إيران.

ختاما يجب التأكيد على عدم الدعوة لحرب واسعة ومدمرّة، لكننا ونحن نرى ازدواجية وضبابية ودجل حكام طهران الا قول ( إخرسي طهران وميليشياتك المجرمة).


زكي رضا
الدنمارك
13/5/2021

12
السيد روحاني.. بلادكم اكبر ثقب أسود إبتلع العراق

تعرّف وكالة ناسا الفضائيّة الثقوب السوداء على أنّها " جسم فلكي، يتواجد في المجرات منذ مليارات السنين، وهي أكبر قوة جذب كونية معروفة ولا يمكن لأي شيء ولا حتى الضوء أن يفلت منها، ولو اقترب منها نجم أو أي جسم آخر ستجذبه وتبتلعه"، ووفق الوكالة الفضائية ناسا فأنّ " هذه الأجسام الفلكية ليست ثقوبا بالمعنى الحقيقي، ولكن أي شيء يقترب منها يختفي، حيث تسقط المادة والإشعاع معا ولا تظهرا أبدا"، كما وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يرى هذه الثقوب بالعين المجرّدة، كما يؤكّد العلماء.

المقدمّة العلمية التي تناولناها أعلاه تخصّ الفضاء المترامي والشاسع والبعيد عنّا بمليارات السنوات الضوئية، حيث يتشكل الزمكان وفق رصد العلماء لتحركات الثقوب السوداء هذه. أمّا مقالتنا هذه فأنّها تتناول ثقب أسود يُرى بالعين المجرّدة ويمكننا السفر إليه مشيا على الأقدام. ثقب جار لبلدنا يبتلع منذ وصول الطائفيين للسلطة، نفطنا وماءنا وأسواقنا ودولارات مزاد عملتنا، ثقب حقيقي وليس كبقية الثقوب السوداء، ثقب لو إستمرّت تحركاته بنفس الطريقة ودون إنفكاك بلادنا من مجالها المغناطيسي الطائفي، فأن بلادنا وبلا أدنى شك ستسقط فيه ولا تظهر ابدا.

ما يميّز ساسة إيران (الثقب الأسود) عن ساستنا، هو أنهم وطنيون يعملون على رفعة شأن وطنهم وتقدّمه، لذا نراهم يتعاملون مع الدول المختلفة وفق مصلحة بلادهم و نظرتهم لساسة تلك الدول وشعوبها وحكوماتها. ولأنّهم واثقون من عدم وطنية الساسة العراقيين وخيانتهم لبلدهم، علاوة على تربية زعمائهم "ساسة العراق اليوم" في مدارسهم السياسية والمخابراتية في طهران حينما كانوا يشّكلون المعارضة للنظام البعثي الفاشي، فأنّهم يتعاملون مع شعبنا ووطننا بإستخفاف يصل الى حدّ الإستهتار في أحيان كثيرة. فرجال مخابراتهم وزعماء عصاباتهم كسليماني قبل مقتله وقا آني وغيرهما، يدخلون العراق متى ما يشاؤون وأين ما يريدون.  فإيران كما يقول إمام جمعة مشهد الإيرانية علم الهدى ونقلا عن وكالة انباء الطلبة الإيرانية ( إيسنا) هي اليوم اكبر من مساحتها الجغرافية، وأنّ "إيران اليوم ليست فقط إيران ولا تحد بحدودها الجغرافية. الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان وأنصار الله (الحوثيون) في اليمن وقوات الدفاع الوطني في سوريا والجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين، هذه كلها إيران". ولمّا كانت عصابات الحشد الشعبي هي من تتحكم بالقرار السياسي العراقي وتهيمن على مفاصل الإقتصاد الوطني والمنافذ الحدودية وتتحصل على الأتاوات وترتبط بحبل سرّة قوي ومتين داخل رحم وليّ الفقيه ونظامه، فأنّ العراق اليوم يتحرك بسرعة قياسية نحو مركز الثقب الإيراني الأسود.

بعد تفشّي  الموجة الرابعة لجائحة كورونا في إيران والتي حصلت نتيجة إحتفال الشعوب الإيرانية برأس السنة الفارسيّة والتنقّل بين المحافظات والمدن والبلدات المختلفة، قال السيد إيرج حريري معاون وزير الصحّة الإيراني من أنّ الوزارة كانت مع عدم فسح المجال للسفر داخل إيران، الّا أن الجهات العليا ولأغراض إقتصادية كانت على الضد من رأي الوزارة. وقد ردّ السيد روحاني على هذا التصريح قائلا " إهتمامنا بالكامل كان ينصبّ على مراقبة المطار، الا انّ الثقب جاء من مكان آخر، وانّ جميع فايروسات كوفيد 19 الإنجليزية جاءت من العراق!!"، ليضيف قائلا وبلهجة الواثق " لو لم تكن الفايروسات قد دخلت البلاد من حدود محافظتي خوزستان وإيلام، لم تكن هذه المشكلة موجوة اليوم!!". وكان وزير الصحة الإيراني  السيد سعيد نمكي قد صرّح قبلها قائلا " من أن الفايروسات لا تحتاج الى جواز سفر لتنتقل من بلد الى آخر!!

قبل إتّهام العراق بشيوع الموجة الرابعة للجائحة في إيران من قبل روحاني، طلب وزير الصحة الإيراني من وزير الداخلية رحماني فضلي بوقف السفر البري والجوي لتركيا بعد تفشي الفايروس الإنجليزي هناك، والذي تم رفضه من قبل الوزير والرئيس وفق وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري!! وكان الوزير قد أخبر قبلها رؤساء الجامعات الطبيّة من انّ سبب تفشي المرض بشكل كبير في ايران هو إزدحام الأسواق والطوابير الطويلة والسفرات الداخلية بمناسبة اعياد نوروز.

لأننا نعيش تحت سطوة الميليشيات الإيرانية ولا نمتلك قرارنا السياسي، فأنّ الحلم بردّ ولو خجول لتصريحات روحاني ومن اجل رفع العتب فقط لن يتحقق. بل على العكس فقد يخرج لنا إمام جمعة أو زعيم حزب أو عصابة غدا ليعلن غلق الحدود مع الثقب الأسود حفاظا على صحّة الشعوب الإيرانيّة، على أن تبقى مرور البضائع والمخدّرات الى الأسواق العراقية قائمة، وكذلك مرور الأسلحة من خلال بلادنا الى العصابات الإيرانية في سوريا.

زكي رضا
الدنمارك
12/4/2021


 

 















13
هل العراق بحاجة الى ليلة سكاكين طويلة ..؟


أحيانا تدفعنا اوضاع العراق وهو يعيش تحت سطوة الميليشيات الإسلامية، الى البحث عن تجارب تاريخية من تلك التي ممكن مقارنتها مع تجربتنا الكارثية تحت ظل سلطة الاسلام السياسي، لإستخلاص بعض النتائج التي لو طُبّقت على واقعنا المزري وعلى الرغم من رفضنا الفكري والآيديولوجي بل والإنساني لها، فأنّ من الممكن لتقارب التجربتين أن نصل الى بعض النتائج التي بوسعها أن تغيّر بعضا من هذا الواقع المعاش. وهذا لا يعني مطلقا انّ التجربة التي سنتناولها في هذا المقالة ورفضنا لمن قاموا بها وظروفها ونتائجها، تعني قبولنا بتجربة الاسلام السياسي ونتائج سياساته الكارثية، كون التجربتين قريبتين من بعضهما في عدائهما لكل ما هو ديموقراطي وانساني ووطني، والتجربتين وعلى الرغم الفارق الزمني الذي يقدّر بتسعة عقود متطابقتان في امور عدّة، أهمّها هي الإحتكام الى السلاح في تهديد الدولة ومناوئيهم السياسيين. ومختلفتين في نقطة مهمّة وهي أنّ الميليشيات الشيعية ليست سوى بنادق للإيجار، والثانية التي سنتناولها بعد قليل لم تكن كذلك.

لعبت كتيبة العاصفة النازيّة منذ أن تأسست بدايات عشرينيات القرن الماضي، دورا هاما في تدعيم النازيّة الالمانية وترسيخ أقدام زعيمها أدولف هتلر على المسرح السياسي الالماني، وكانت من أهم مهامّها في الفترة ما بين 1926 – 1933 تعزيز شعبية الحزب النازي بتنظيمها التجمعات الدعائية للنازيين ومهاجمة التظاهرات الجماهيرية المناوئة لهم، وإشتراكها الفعّال في مهاجمة ممتلكات اليهود الالمان ونهبها كشكل من اشكال الاضطهاد الديني والسياسي. الّا انها وبعد إستلام النازيين للسلطة وتبوأ هتلر منصب مستشار المانيا بداية سنة 1933 وبدلا من أن تتوقف عن اعمال العنف التي مارستها قبل استلام النازيين للسلطة، فأنها استمرت في نفس نهجها السابق ما ادى الى احراج النازيين وعلى رأسهم هتلر الذي لم يستطع ان يوقف هذه الميليشيا عند حدّها. وقد اثار طلب أرنست روم قائد هذه الميليشيا بضم مليوني ميليشياوي وهم تعداد عصابة العاصفة وقتها الى الجيش الالماني، حفيظة وغضب كبار الجنرالات الالمان الذين عبرّوا بشكل علني عن رفضهم الكامل لطلب روم هذا إحتراما لتاريخ الجيش الالماني من جهة، وللحيولة دون انتقال العنف الذي تمتاز به هذه العصابة الى المؤسسة العسكرية من جهة ثانية، ولإحترام المهنية في الجيش وعدم إختراقه من جهة ثالثة ، فيما كان رد الرئيس الالماني باول فون هيندنبورغ المعادي لهتلر اكثر تشددا وهو يهدد باستخدام الجيش في حرب شوارع للقضاء على عصابة العاصفة بل وعلى النازيين باكملهم.

نتيجة استمرار قادة ميليشيا العاصفة في مواقفهم التي اثارت العديد في المشهد السياسي الالماني، لم يكن امام هتلر الا القضاء على هذه العصابة التي وقفت الى جانبة لاكثر من عقد. فقام بمساعدة قوات الأس أس وهو على رأسهم بمهاجمة مقر هذه الميليشيا في منطقة (باد فيسه) وبداخله كبار الميليشياويين ومنهم أرنست روم الذي وجّه هتلر مسدسه نحو وجهه، وليعُتقل ومعه عدد كبير من زعماء ميليشيا العاصفة. عُرِفت هذا الليلة والتي أدت خلال ثلاث ايام تلتها بليلة السكاكين الطويلة والتي انتهت بحلّ هذه الميليشيا وقتل ما يقارب المئتين من قادتها وعلى رأسهم زعيمها أرنست روم.

بغضّ النظر عن الظروف الموضوعية والذاتية التي كانت في المانيا وقتها ومقارنتها بالتي عندنا بالعراق اليوم، وعلى الرغم من موقفنا الواضح من هتلر والحزب النازي وجرائمهما بحق الشعب الألماني وشعوب العالم أجمع. الا اننا ونحن نرى عصابات عاصفة وليس عصابة عاصفة واحدة بالعراق وهي تنظّم التجمعات المؤيدة لأحزاب الفساد، وتهاجم التظاهرات الجماهيرية لكسرها، وتشكيلها لجيش عقائدي موازي للجيش الوطني، وهيمنتها على إقتصاد البلاد عن طريق مكاتبها الاقتصادية وفرض اتاواتها، وإستعراض قوّتها وهي مدججّة بالأسلحة المختلفة لتُرعب الشارع العراقي، ناهيك عن مشاركة غالبيتها في الصراع الطائفي بالبلاد والذي خلّف مئات الآلاف من الضحايا والمعاقين والمفقودين، أرى اننا بحاجة لقراءة التجربة الالمانية بإمعان.

علينا ان نميّز ونحن نتناول ميليشيا الحشد الشعبي بين جيش المتطوعين الذين هبّوا للقتال ضد تنظيم داعش الإرهابي بعد فتوى الجهاد الكفائي التي اطلقها السيد السيستاني، وبين الميليشيات الشيعية التي كانت موجودة فعلا قبل تلك الفتوى، كميليشيات بدر وجيش المهدي وحزب الله والعصائب و جيش المختار والعشرات غيرها التي وُلِدت من رحمها بنطفة إيرانية لاحقا كثار الله وربع الله وأخرى غيرهما. كما وعلينا ان نميّز بين الميليشيات نفسها فمنها ما هو ولائي يأتمر بأوامر ولي الفقيه في طهران، وبين ميليشيات تعلن ولائها للسيد السيستاني والتي إنسحبت موخرّا من تشكيلات الحشد. لكننا وعلى الرغم من تمييزنا هذا علينا تعريف أي تشكيل عسكري تابع لحزب أو منظمة سياسية ويحمل السلاح خارج المؤسسة العسكرية للدولة، من أنّها ميليشيا. كما وأنّ أي ميليشيا تُعلن ولائها لمرجعيات دينية أو سياسية غير وطنية وتدافع علنا عن دولة أجنبية وتنفّذ أجندتها، من أنها إمتداد لجيش تلك الدولة. ولما كانت الميليشيات الولائية تعترف علنا بولائها لنظام ولي الفقيه، فأنّ إستمرارها بلعب ادوار سياسية يشكل اكبر المخاطر على البلاد ووحدتها وهيبتها، علاوة على كونها إمتداد عسكري إيراني في البلاد.

هل ميليشيا العصائب وكتائب حزب الله وجيش المهدي تحت اي مسمى كان وبقية الميليشيات التي هاجمت المتظاهرين في ساحة التحرير وكراج السنك والخلّاني وميادين التظاهرات في النجف وكربلاء والناصرية والبصرة والديوانية والكوت وميسان وغيرها من المدن والبلدات، والتي إغتالت وتغتال وتخطف عشرات الناشطات والناشطين، والتي قامت وتقوم وهي ممثّلة بالبرلمان بقصف السفارات والمنطقة الخضراء تنفيذا لأجندات إيرانية وتحرج الحكومة العراقية دبلوماسيّا هي جزء من الحشد الشعبي..؟ الإجابة عن هذا السؤال ونحن نبحث عن سلم وإستقرار بلدنا غاية بالأهميّة، لأن الإجابة بنعم تعني أن الحشد الشعبي هو الذي يقوم بقتل وإختطاف وتعذيب الناشطين والمتظاهرين ويقوم أيضا بقصف السفارات والمنطقة الخضراء، هو أشبه بعصابة العاصفة النازية. وإن كان الجواب بلا، فهذا يعني أنّ هذه الميليشيات المتورطة بجرائم خطف وإغتيال المتظاهرين والناشطين ليست سوى عصابات وهي الاخرى أشبه بعصابة العاصفة النازيّة أيضا.

قد يبدو الامر نوع من الفنطازيا عند البعض ونحن نقارن بين ميليشيا العاصفة النازية في المانيا وبين الميليشيات الإسلامية بالعراق، وإن كانت مطالبة إرنست روم هناك بدمج ميليشيا العاصفة في الجيش الالماني وحلّ تلك العصابة وتصفية قادتها وهو على رأسهم ومطالبة قادة الميليشيات الشيعية بدمج ميليشياتهم في الجيش العراقي، تعني اننا بحاجة فعلا الى ليلة سكاكين عراقية طويلة ..؟ أعتقد أن الأمر بحاجة الى مثل هذه الليلة، لكن السؤال هو: من الذي يستطيع ان يهيأ الظروف المناسبة لهذه الليلة المجيدة والتي ستعيد لبلدنا كرامته وأمنه وأستقراره ..؟

منظومة الفساد بالعراق لن تتفكك الّا بتفكك وانهيار شكل النظام السياسي القائم اليوم أي تفكيك نظام المحاصصة، وهذا النظام لن يتفكك الا بتفكيك وتدمير جميع الميليشيات المسلّحة أي وبمعنى آخر تدمير الدولة العميقة. قد يبدو أن هذا الحلّ سيتسبب بما يشبه الحرب الأهلية، كون العصابات والميليشيات المسلحة والمدعومة إقليميا لن تتنازل عن مواقعها بالسهولة التي نتوقعها. وهنا نكون امام خيارين، فأمّا إستمرار اوضاع البلد بالشكل الذي عليه اليوم وإستمرار تردّي الأحوال السياسية والإجتماعية والإقتصادية والمعيشية لملايين الفقراء، وإمّا بدأ المعركة مع هذه الميليشيات والتي هي بالأساس معركة مؤجلة كونها قادمة حتما في المستقبل، خصوصا وأنّ إرهابيا وقاتلا كعبد العزيز المحمدواي وهو من ابرز قياديي كتائب حزب الله الإرهابي العراقي، أصبح على رأس هيئة اركان عصابات الحشد الشعبي بدعم إيراني غير محدود، وإرهابيا كقيس الخزعلي يهدد الحكومة الشرعية بإستعراض عضلات إرهابيي العصائب في بغداد وتلاه على نفس النهج قادة ربع الله وميليشياتهم، وميليشياويا وقاتل المنتفضات والمنتفضين السلميين كمقتدى الصدر وهو يريد لعب دور الوطني في عرضه حماية المنطقة الخضراء من قبل عصابات سرايا السلام، علاوة على طرح نفسه من خلال دعاية إنتخابية مبكّرة مدافعا عن حقوق مسيحيي العراق الذين لم يفكّر لسبعة عشر عاما تذكّر ما سلبته عصاباته وعصابات البيت الشيعي من أملاكهم!!

لو كنت مكان الكاظمي لفضّلت أذني العراق على أذني وخططت لهذه المعركة بهدوء قبل إنهيار البلد بيد ميليشيات خامنائي.

زكي رضا
الدنمارك
2/4/2021

14

فشلت وستفشل محاولات مكافحة الشيوعية بالعراق


لم تأتي ولادة الحزب الشيوعي العراقي في آذار 1934 كحدث آني وقتها، كون أسباب تأسيس الحزب كضرورة أملتها الحياة السياسية بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، كانت قد إختمرت من خلال نضالات شعبنا التي بدأها في تظاهرات جماهيرية عفوية ضد المعاهدة الأنگلو- عراقية والتي حلّت محل الإنتداب في تشرين الأوّل عام 1922، والتي إستطاعت أي التظاهرات إجبار الملك فيصل الأوّل وحكومته على عدم المصادقة عليها. في تلك الفترة كانت تأثيرات الحركات الراديكالية في العراق تتبلور بشكل واضح، من خلال نشاطات حسين الرحال ورفاقه الذين أسسّوا نادي التضامن في العام 1926 ، والذي اصبح العديد من اعضاءه كـ (زكي خيري وجميل توما وعزيز شريف..) وغيرهم قادة يساريين وشيوعيين لاحقا.

لقد شعر البريطانيون والحكومة العراقية بخطورة تأثيرات الأفكار والتجمعّات الماركسية والراديكالية التي بدأت تنتشر بهدوء في المجتمع العراقي، والتي ترجمها نادي التضامن بمظاهرة من اجل حرية الصحافة في العام 1927 وعاد ثانية لتنظيم أخرى في شباط 1928 شارك فيها أكثر من 20 الف متظاهر إحتجاجا على زيارة الصهيوني البريطاني الفريد موند للعراق. ومن اجل الوقوف بوجه هذه التوجهات والسخط الشعبي تجاه الحكومة التي فشلت في تلبية حاجات الناس وعدم إحترام القرار الوطني الذي ترسمه لندن، إنظمت الحكومة الى" اتفاق إقليمي برعاية بريطانية لمكافحة الشيوعية".(1) وكانت بريطانيا تعوّل كثيرا على العامل الديني وإتّخاذه كرأس حربة في مواجهتها للنشاطات الشيوعية، ليس في العراق - حيث للدين مركزا مهمّا في حياة الناس - فقط بل وفي مختلف البلدان الإسلاميّة التي تأثّرت شعوبها بنجاح ثورة اكتوبر في روسيا. وقد تمكّن ضابط الإستخبارات البريطاني بيمان من الحصول في آب / أغسطس 1919 على فتوى من المفتي الأكبر للأزهر الشيخ محمّد بخيت "تدين الشيوعية"

لقد إستمرّت الأفكار الإشتراكية والمفاهيم الشيوعية والراديكالية بالنمو وتعددت المنابر والجماعات الشيوعية، لتصل في نهاية المطاف الى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في الواحد والثلاثين من آذار/ مارس 1934 . وقد شعرت السلطة الملكية ومعها البريطانيون بخطورة الحزب على مشاريعهم، ما جعلهم يوجهون ضربات قاسية للحزب وهو في طور بداياته الاولى وطراوة تنظيمه. حتى وصل الأمر برئيس الشرطة السياسية بهجت العطية وهو يحطّم منظمات الحزب ليعلن بلهجة الواثق والتي لم تكن في محلّها كما يقول بطاطو من أنّ الحزب في "أيّامه الأخيرة"، وكان سلفه والحديث لا زال لبطاطو قد توصّل الى نفس الإستنتاج سنة 1935 ، وسقط البعث في نفس الخطأ مرّتين. الا أنّ "الشيوعية كانت بعيدة عن الموت، وأصبحت في الخمسينات هوى أكثر قوّة، وصارت افكارها تثير مشاعر قريبة من حدود الإيمان .." (2) وكان الميل الى الشيوعية "راسخا لا يمكن إجتثاثه على ما يبدو. وكان لا ينتزع من مكان إلّا وينبت في مكان آخر" (3)

بعد نجاح الحزب الشيوعي العراقي بقيادة وثبة كانون العام 1948 وإنتفاضة 1952 أوصى ضابط الإستخبارات البريطاني پ. ب. راي بما أسماه "المعالجة الدينية" لمواجهة المد الشيوعي، وعلى خطاه سار السفير البريطاني ببغداد السير جون تروبتيك الذي إجتمع بالمجتهد الشيعي الأكبر، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بمدرسته في النجف في السادس من تشرين الأوّل/ أكتوبر 1953 وناقش معه وفق ما جاء به بطاطو مسألة العدو المشترك، أي الحزب الشيوعي العراقي!!

في شباط 1963 إستغلّ الجلّادون البعثييون فتوى المرجع الشيعي محسن الحكيم ضد الشيوعية والصادرة العام 1959 ، ليقوموا من خلالها بجرائم يندى لها جبين البشرية. و "الغريب" عدم صدور فتوى من قبله بتحريم الإنتماء للبعث الفاشي. وعاد البعث من جديد نهاية السبعينات ليشنّ حملة تصفيات جسدية ضد أعضاء الحزب، حالماً كما اسلافه بقبر الحزب الشيوعي. ليُقبر وحزبه في التاسع من نيسان 2003 بعد أن مهّد برعونته البلد لإحتلال أمريكي تبعه إيراني، دمّرا بلدنا وشعبنا. والسؤال اليوم ونحن نعيش "ديموقراطية" جاء بها المحتل الأمريكي بوصفة جاهزة هو إن كان النظام السياسي القائم اليوم قد نجح فيما فشل فيه غيره في مكافحة الحزب الشيوعي أم لا ..؟

القوى الدينية التي تهيمن على المشهد السياسي وهي متأثرّة بدولة ولي الفقيه المعادية للديموقراطية الحقيقية والأفكار الماركسية، تعمل كما الأنظمة التي سبقتها على مكافحة الحزب الشيوعي وتقليل دوره في الحياة السياسية العراقية بشكل "ديموقراطي" لليوم. وذلك بسن قوانين إنتخابية تُصّعب من فرص الحزب الشيوعي والقوى الديموقراطية العلمانية لدخول البرلمان العراقي بشكل مؤثّر، لشعورها بمخاطر القوى الديموقراطية العلمانية ومنها الحزب الشيوعي على مشروعها السياسي الذي لم يجلب لبلادنا الا الخراب والدمار.

ومثلما فشلت الحكومات السابقة في مكافحة الشيوعية بالعراق، فأن الفشل سيكون من نصيب القوى الفاسدة التي تقود بلادنا نحو المجهول. ولا زال لسان الشيوعيين ولليوم وهم يحتفلون بالذكرى السابعة والثمانين لتأسيس حزبهم يقول بلهجة الإنتصار التي جاءت في إفتتاحية جريدة "الصحافة" التي عاد لإصدارها جماعة الرحّال في العام 1927 بعد إغلاقها لفترة: "عدنا! ولم نلفظ نفسنا الأخير كما تصوّروا!" (4) . وستظل "الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق".

المجد للحزب الشيوعي العراقي في ذكرى ميلاده الأغّر
المجد لشهداء الحزب على مرّ تاريخه النضالي
تحية لرفيقات ورفاق الحزب وهم يحتفلون بهذا العيد المجيد
تحية لشعبنا وثائرات وثوّار تشرين وهم يبحثون عن غد أجمل من خلال إنتفاضتهم الباسلة


(1) عبد الرزاق الحسني (تاريخ الوزارات العراقية) ج 2 ص 59
(2) حنا بطاطو ( العراق) الكتاب الثاني – الحزب الشيوعي ص 36
(3) نفس المصدر ص 120
(4) نفس المصدر ص 101

زكي رضا
الدنمارك
30/3/2021

15
ليتعلّم المؤمنون بالعراق محاربة الفساد من فرنسا


ما أن تجلس إلى إسلاميّ شيعي في مجلس حتّى تراه متقمّصا شخصية الزاهد وكأنّه الإمام عليّ، وما أن تجلس في مسجد ومعممّ منهم على منبره حتى تتخيّله الإمام عليّ بنفسه وهو يعظ الناس لسلوك طريق الخير ، وما أن تجلس إلى سياسيّ منهم حتى ترى ملامح الإمام عليّ على سيمائه وهو ينظر الى الحق فلا يحيد عنه قيد أنملة!!

الأساس الذي يقوم عليه الدين كما يقول المؤمنون به من رجال دين وساسة إسلاميين وهم يريدون بناء دولة المهدي بالعراق "هو حُكم الله ورسوله"، وهم بذلك يقفون في الجهة المقابلة للعلمانية الديموقراطيّة ويحاربونها كونها كفر وإلحاد! لكنّ السؤال هو أنّ كان الفساد الذي هو أساس بلاء شعبنا ووطننا جزء من حكم الله ورسوله!؟

الفساد لا يقتصر على بلد دون غيره، لذا نراه منتشرا في مختلف البلدان بغضّ النظر عن غناها وفقرها. لكنّ الأمر المهم حينما يكون مستشريا وإن على نطاق ضيّق، هو محاربته وتقليل آثاره المدمّرة. لذا نرى البلدان العلمانيّة الديموقراطيّة "الكافرة" تسنّ القوانين التي تحارب هذه الظاهرة بشدّة، وتعمل على أن يكون القانون نافذا بحقّ الفاسدين دون النظر الى مواقعهم السياسية والإجتماعية. لذا نرى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومعها السلطة الرابعة لا يداهنون بدينهم الذي هو قوانين وضعوها بأنفسهم في محاربة الفساد وتقديم الفاسدين الى محاكم شرعية لنيل عقابهم، مهما كان مركز الفاسد السياسي والإجتماعي.

فرنسا العلمانية "الكافرة" أثبتت لنا اليوم عظمة القوانين الوضعية العلمانية الديموقراطية وتطبيقها، مقابل ضآلة "حكم الله ورسوله" الذي صدّع به رجال الدين وساسته وميليشياته رؤوسنا منذ الإحتلال الأمريكي – الإيراني لليوم على الأقل. الحكومة الفرنسية وهي حكومة تفرزها إنتخابات ديموقراطية لا تعرف المال السياسي ولا الإرهاب الديني والسياسي والميليشياوي كوسيلة لجعل الناخب التصويت لجهات معيّنة بذاتها وهي تعمل بقوّة في إستمرار وتقدّم بناء دولة تحترم مواطنيها، ضربت اليوم مثلا وضعت فيه سلطة المحاصصة بالعراق والانظمة الفاشلة الأخرى أمام مرآة شعوبهم عراة حتى من ورقة التوت.

لقد أصدر القضاء الفرنسي اليوم حكمه على الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بالسجن 3 سنوات منها سنة واحدة نافذة، بتهمة الفساد واستغلال النفوذ فيما تسمى بقضية "التنصت"! ولم تأتِ إدانة ساراكوزي لعدم وضع عدّادات على انابيب نقل البترول الى السفن الراسية في مياه فرنسا الإقليمية، ولا بسبب المدارس الهيكلية التي بنتها إيران في الريف الفرنسي، ولا سرقة مصرف سوسيتيه جنرال في باريس وقتل حرّاسه، ولا بسبب صفقات الكهرباء وأجهزة المتفجرات والأسلحة وغيرها الكثير، بل بسببٍ لو حدث في العراق لحصل الفاسد على وسام الرافدين من الدرجة الأولى لنزاهته مقابل حيتان الفساد الآخرين. لقد حوكم ساراكوزي كونه وعد "بمساعدة قاض سابق في الحصول على وظيفة في موناكو مقابل الحصول على معلومات سرية حول تحقيق استهدفه، بمساعدة خط هاتفي مسجل باسم بول بيسموث"!!

نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله ، ولن يكون شرع العبيد يوما كشرع الله ... سيّد قطب

لقد أثبتت المؤسسات والأحزاب الإسلامية دون إستثناء، وهي تتاجر بالله وفي كل العالم خطأ ما جئت به يا سيّد قطب. فنظام الله لم نرى منه الا الفساد والفقر والجوع والمرض للأسف الشديد، وشرع العبيد كما ترى تجاوز شرع الله في العدالة. وأتباع نظام الله يرسمون للفقراء جنّة في السماوات بعد أن ينهبوا أموالهم، في الوقت الذي يبحث فيه غيرهم عن جنّة لهم في الأرض.


زكي رضا
الدنمارك
1/3/2021




16

العراق .. سمفونية الموت!!


إلى أرواح شهداء ساحة الطيران
إلى تلك البسطات الفقيرة التي كانت بالكاد تُطعم أصحابها
الى أرامل وأيتام العراق
الى ما تبقّى من ضمائر تشعر بهول الكارثة

من ساحة الطيران، طارت الى الله يوم أمس أجساد ممزّقة تشتكي إليه ما حلّ بها. أجساد نحيلة هدّها الدين جوعاً لفساد أئمته، وفقراً للصوصية قادته، وخوفاً ورعباً لسطوة أحزابه وميليشياته وعصاباته، وموتاً لإجتماع سقيفة و"كسر" ضلع!

ستقف هذه الأجساد كما التي سبقتها لتشكو لله ظلم العمائم، وهي تفتي بالقتل وتصمت عن سرقة أموال اليتامى والأرامل وتُخَمِّس السرقات مع السرّاق.

ستجلس هذه الأجساد بعيدا عن الأنبياء والرسل، الجالسين على أرائك من إستبرق لتفترش التراب في جنّة لا تراب فيها الّا للفقراء.

ستنظر هذه الأجساد الممزّقة الى النبي محمّد وهو جالس بين بقيّة الأنبياء يطوف فيهم غلمان "يسقونهم كؤوسا مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً" لتسأله: هل نحن خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر!؟

هناك حيث "تقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلمون الّا من أَذِنَ له الرحمن وقال صوابا"، تتحدث تلك الأجساد دون إذن وهي تشعر بالقهر والحيف وفاجعة عراقهم المبتلى لتسأل الأنبياء والرسل وهم صامتون كأنّ على رؤوسهم الطيرعن "الحقّ الذي عليهم إتّخاذه الى الله مآبا"، ليسألوا الله أن : يا إلهنا "أنّك أنذرت الكافرين عذاباً قريبا ليقولوا يا ليتنا كنّا ترابا"، فهل أهل العراق كافرون!؟ فتجيب تلك الأجساد: نعم، يبدو إننا من الكافرين و يا ليتنا كنّا ترابا كي لا تحتار ملائكة الله بجمع قطع أجسادنا المتناثرة في سماوات وطننا، وعظامنا التي لم تلحق في أن تتحول الى رميم، بعد أن دفعنا المؤمنين به وهم ينهبوننا الى بيع سقط المتاع في أسواق اللنگة لنعيش عيش الكفاف وما دون منه، وجاء مؤمنون غيرهم لينحروننا بإسمه كما النعاج.

حينها صرخ الأنبياء والرسل ومعهم الملائكة وهم ينظرون صوب العرش (الله أكبر)، وإذا بتلك الأجساد الهزيلة تهرب هنا وهناك خوفاً من هذا التكبير، وكيف لا تخافه وقد سُرِقَتْ به وقُتِلَتْ به وذُلَّتْ به، بل أنّ أحدهم إنتهك معمّم به عِرضه بعد أن تمتّع بأخته مقابل وجبة طعام لأيتامها الجوعى.

من مكان ما ظهر جواد سليم رافعاً إزميله ليذوب وسط تلك الأجساد الشاكية أمرها لله، ومعه فائق حسن وهو يئنّ من ثقل جداريته التي حملها من ساحة الطيران للجنة على ظهره الذي إنحنى وهو يحمل على كاهليه أجساد العمّال المياومين الباحثين عن رغيف مغمّس بالكرامة، وهم يستظلّون بتلك الجداريّة التي لوّنها الدم النازف من أجسادهم التي أنهكها الجوع والمرض باللون القرمزي.

ليسير الجمع في تظاهرة يتقدمّها الزهاوي، طالباً من المتظاهرين أن يعلنوا ثورتهم ضد حكم اللصوص والقتلة من الجنّة هذه المرّة، ليطردوا منها كل رجال الدين على مرّ التاريخ.

وصل أمر التظاهرة لله وهو مستو على عرشه، وأبلغته الملائكة المقرّبين بأحوال الأجساد التي فتك بها الصراع الطائفي الديني ومطالبتهم بطرد جميع رجال الدين من الجنّة.

قرر الله لحزنه على شهداء سوق اللنگة أن يُسرِع بإعلان يوم القيامة، فحملت ثمانية من الملائكة عرشه وهي تسير في موكب جنائزي نحو المتظاهرين ليُعلن تضامنه معهم.

وفجأة توقّفت قافلة الملائكة والعرش فوق رؤوسها لتعود من حيث جاءت!! لأن جميع المتظاهرين قتلوا بكواتم للصوت لا يعرف أحداً كيف دخلت جنّة الله.

في منظر مرعب وجثث المتظاهرين تملأ المكان مثقوبة الرأس، عزفت الفرقة السمفونية لرجال الدين وهي تنظر للأجساد الطاهرة بشماتة وحقد دفين، سمفونية موت العراق وشعبه..

وما أن إنتهى العزف ورجال الدين في فرح وحبور وسرور لإغتيالهم العراق، حتّى تفاجأوا بفرقة سمفونية عراقية، تتقدمها دجلة وهي تتلاعب كأجمل الصبايا بقيثارة سومر لتعزف نشيد الأمل والحريّة تحت نصب الحريّة وسط كعبة التحرير، وبجانبها الفرات بعنفوانه وهو ينفخ ببوق فجر السلالات فتنتفض الناصريّة وتتحول ساحة الحبوبي الى منصّة للحريّة والإباء والكرامة، وليحاكم قتلة العراق في الساحتين وساحات العراق الثائر الأخرى.


- ما بين الأقواس مأخوذ من القرآن الكريم
- سوق اللنگة تعني سوق البالة باللهجة العراقية المحكية

 
زكي رضا
الدنمارك
22/1/2021

17

الإنتخابات ثقافة لا يمتلكها الشارع العراقي

سيتجّه الناخبون العراقيون هذا العام لصناديق الإقتراع للمرّة الخامسة منذ الإحتلال لليوم، للمشاركة في إنتخابات عامّة مبكّرة فرضها القسم الأكثر وعيا ووطنية وشجاعة في الشارع العراقي إثر إنتفاضة تشرين/أكتوبر العام الماضي. لكنّ هذا القسم الأكثر وعيا ووطنية وشجاعة وقع في مطبّ عدم وعيه بآليات الإنتخابات وقوانينها وطرق حسمها لصالحه، وإنعدام هذا الوعي ليس حصرا على الشارع العراقي وحده، بل يمتد بالحقيقة الى القوى السياسية العراقية التي تشارك في الإنتخابات دون دراسة حقيقية للبيئة الإنتخابية وتاريخها ونتائجها في الدورات السابقة.

على الرغم من فشل المحاصصة كنموذج للحكم في العراق، الا أنّ الناخب العراقي "الأكثريّة" لازال يميل الى الأحزاب والشخصيات التي تهيمن على الحكم ويمنحها صوته في كل إنتخابات ويصدّق غالبية إن لم يكن كل ما تطرحه من شعارات وبرامج لم يُنفذ منها شيء لليوم، ويبحث لهذه الأحزاب والشخصيات عن مبررات فشلها في تنفيذ برامجها وشعاراتها ويدافع عنها بقوّة. ويستند الناخب في دفاعه وتبريره هذا كونه ينتمي الى نفس دين أو طائفة أو قومية المرشّح أو الحزب أو القائمة الإنتخابية التي منحها صوته، آملا أن تتحقق أحلامه وهي في الحقيقة أوهام خلال الفترة ما بين عمليتين إنتخابيتين. لكنّ الكارثة أنّ هذا الناخب وعلى الرغم من تلمسّه الفشل وتأثيره السلبي على حياته منذ الإحتلال لليوم يعيد نفس الكرّة ولأسباب مختلفة من جديد في أوّل إنتخابات تُنظّم بعد ذلك، وهذا ما لمسناه من الناخبين خلال أربع دورات إنتخابية سابقة تراجع خلالها البلد للأسف الشديد في جميع مناحي الحياة وأوّلها هي الديموقراطية التي تتأخر في جميع تطبيقاتها يوما بعد آخر!

دائما ما تضع الأحزاب السياسية وهي تتهيأ للإنتخابات خطة عمل، والتي لا يجب أن تعتمد على معرفتها الكاملة بقواها الحزبية وجماهيريتها وطبيعة برامجها وشعاراتها فقط بل أن تكون اكثر استراتيجية، وذلك في أن تذهب الى دراسة علمية ودقيقة وشاملة للمشاركين الآخرين في الإنتخابات أي المنافسين. فمعرفة نقاط قوة وضعف الخصوم السياسيين في أية إنتخابات، وكذلك البيئة الإجتماعية للناخبين في الرقعة الجغرافية للدائرة الإنتخابية التي ستكون محط منافسة بين أحزاب مختلفة، ونتائج الإنتخابات السابقة، وطبيعة القوانين الإنتخابية، والثقل السياسي لهذا الحزب أو ذاك ضمن هذه الدائرة، ودور الإعلام وطرق تلقّي الناخب لشعارات وبرامج الأحزاب المختلفة وغيرها مثل توظيف المال العام والإعلام الحكومي وإرهاب الناخبين وسطوة العلاقات العشائرية والمناطقية والمذهبية وغيرها، هي أبواب مهمّة للنجاح أو الفشل في أيّة إنتخابات. كما وتعتبر هذه الدراسات إن وجدت، خارطة طريق لخوض الإنتخابات والنجاح فيها، أو عدم خوضها كون الفشل سيكون نصيبها. وفي حالة عدم خوض حزب أو أحزاب سياسيّة إنتخابات معيّنة في أي بلد يمرّ بحالة من عدم الإستقرار والفساد وضياع الهويّة الوطنية كما العراق اليوم، فعلى هذه الأحزاب العمل على دفع الناخبين لمقاطعة هذه الإنتخابات بسحب الشرعية من السلطة وأحزابها المتنفذّة بحجج منطقية ومقبولة من الشارع، وذلك بتحميلهم منافسيهم جميع المشاكل التي يعاني منها البلد، وتذكير الناخبين بعدم تنفيذ تلك الأحزاب للشعارات والبرامج التي رفعتها في الإنتخابات السابقة. وعادة ما تتمّ مخاطبة الناخبين ودفعهم لعدم إنتخاب منافسيهم في الأنظمة الديموقراطية (هنا لا نعني العراق بالمرّة)، من خلال مناظرات تلفزيونية قبل يوم الصمت الإنتخابي. ومن خلال تجمعات ولقاءات جماهيرية.

الإنتخابات باتت اليوم بضاعة مهمّة تدرّ أرباحا كبرى وتديرها شركات تسويق لها خبرائها الذين يدرسون أصغر التفاصيل حولها، ليقدّموا بعدها خلاصة دراساتهم للمرشح أو الحزب أو القائمة التي طلبت خدماتهم في البلد المعني. بعد أن يجمعوا جميع المعطيات التي تهم دراستهم وتبويبها علميا، إبتداءا من إستطلاع آراء فئات إجتماعية وعمرية مختلفة من الذكور والإناث، والمتعلمين وغير المتعلمين، وساكني مناطق ريفية وحضرية وأخرى مختلطة أو اولئك الذي يعيشون على تخوم المدن والعشوائيات، والعمّال والفلاحين والكسبة .. الخ، مرورا بكل ما يتعلّق بالعملية الإنتخابية وأهمّها القوانين الإنتخابية وما يرافقها من طرق العدّ والفرز وطرق الشكوى وفاعلية الشكوى وحيادية القضاء، وإنتهاءا بتأثير وسطوة السلاح والمال والفتاوى الدينية والإعلام في بلدان لا زالت تتهجى كلمة (ديموقراطية) ولم تنجح في نطقها على الرغم من تكرارها يوميا منذ ما يقارب الثمانية عشر عاما كالعراق!!

دعونا هنا أن نستعين بشركة من شركات التسويق والدعاية الإنتخابيتين، للقيام بدراسة جدوى للقوى الديموقراطية العراقية ونسب نجاحها وهي تتهيأ لخوض الإنتخابات البرلمانيّة المبكّرة في الثلث الأخير من العام الجاري، ومدى تقييم هذه الشركات المتخصصة للعملية الإنتخابية بصفتها رافعة اساسية ومهمّة للبناء الديموقراطي، وكسر الجمود السياسي الطائفي القومي الذي يكبّل ما تسمّى بـ "العمليّة السياسية"، ونقدّم لها ما تحتاجه من معطيات ومعلومات لتخرج بعد دراستها لها، بنصائحها التي قد تساعد القوى العلمانية الديموقراطية في تحقيق إختراق حتّى وإن ميكروسكوبيا لجدار المحاصصة الفولاذي عن طريق الإنتخابات.

بداية سنساعد المختصّين والخبراء في هذه الشركة على إجراء إستطلاع حر لآراء الناخبين، ولنأخذ مدينة كمدينة الثورة والتي يعادل نفوسها ثلث نفوس العاصمة بغداد كمثال لهذا الإستطلاع. فماذا ستكون نتيجة الإستطلاع التي سيخرج بها هؤلاء الخبراء والمختصون، وكواتم الصوت تبرز من تحت معاطف الميليشياويين مهددّة الأشخاص الذين يتم إستطلاع آرائهم؟ وما هي نسب نجاح القوى العلمانية الديموقراطية في تحقيق نتائج مشجّعة وهي لم تحصد الا مقاعد لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة أو حتّى أقل من ذلك خلال اربع دورات إنتخابية!؟ وما هي نسب حصول مرشّح علماني ديموقراطي وفق دراسات هؤلاء الخبراء لنيل مقعد برلماني وبغداد مقسّمة الى 17 دائرة إنتخابية، علما أنّ أعلى أصوات حصل عليها مرشّح علماني ديموقراطي في آخر إنتخابات برلمانية عن هذه المحافظة وهي دائرة واحدة كانت ما يقارب العشرين الف صوت إنتخابي!؟

نقدّم بعدها لهؤلاء الخبراء قانون الإنتخابات الذي يتغيّر كل دورة إنتخابية ليضمن فوز القوى التي تسنّه وتمرره من خلال البرلمان الذي تمتلكه أصلا، لنرى وجهة نظرهم العلمية في نسبة العلمانيين الديموقراطيين القادرين على منافسة أضعف مرشّح من كتلة أو حزب طائفي في إنتخابات تقسّم البلاد الى 83 دائرة إنتخابية موزّعة على أساس جغرافي. ولا شك في أن هؤلاء الخبراء سيضعون نصب أعينهم قوّة وسائل الإعلام للقوى السياسية المتنافسة ودور العامل الديني والمال السياسي وقوّة السلاح في مدينة الثورة وهي المدينة التي ستجري فيها إستطلاعات الرأي. ولا أدري كيف ستكون خلاصة تقييمهم وإستنتاجاتهم المبنية على أسس علمية، وهم يرون فقر القوى العلمانية الديموقراطية ماليا وإعلاميا وميليشياويا فيها!؟

بنظري فأنّ تقرير هؤلاء الخبراء وتوصياتهم بعد دراسة العوامل المؤثّرة في الإنتخابات العراقية ونتائجها المحتملة (معروفة مسبقا حتى دون جهود خبراء)، ستكون على شكل توصية الى الأحزاب العلمانية الديموقراطية في أن تنسى الصراع الإنتخابي كوسيلة للتغيير. وعليها أن تعمل منذ اللحظة على إعلان مقاطعتها لهذه الإنتخابات وتثقيف الجماهير على مقاطعتها لسحب الشرعية من السلطة، وهنا سيثار سؤال مهم من هذه القوى وهو: إننا لو قاطعنا هذه الإنتخابات، فما هي الحلول التي تملكونها!؟ سؤال كهذا يجعلنا أن نسألهم أيضا: أيها السادة ما هي حظوظكم في هذه الإنتخابات وهل أنتم قادرون على تحقيق إختراق للتيار الصدري في مدينة الثورة، أو للعصائب في الشعلة، أو للحكيم في عشائر الجنوب .. الخ.

الصحفية زاريا غورفيت كتبت مقالة في موقع البي بي سي العربية تحت عنوان "العوامل الخفية التي تؤثر علينا في عملية التصويت" تقول فيه: من المعروف أن القرارات التي نحكم بها ضمائرنا تتأثر بعمليات التفكير التي تدور في عقلنا الباطن، وبالعواطف والانحيازات المسبقة. لتضيف قائلة أنّ: جون كروسنيك، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد، والذي خصص حياته لدراسة هذه الظاهرة يقول : "ما نعرفه اليوم من علم النفس أن الدماغ ينقسم إلى قسمين، لكن عملية اتخاذ القرار تتم في غياب الوعي العقلي". وضربت الصحفيّة مثالا قالت فيه أنّ كروسنيك وفريق من الباحثين العاملين معه وجدوا أنّه "في انتخابات الرئاسة الأميريكية عام 2008، تأثر عدد من الناخبين بالانتماء العرقي للمرشحين باراك اوباما وجون مكين، وذلك أكثر مما توقع كلاهما. وكان من غير المرجح أن يصوت الناخبون الذين يحملون عنصرية واضحة في منطقة اللاوعي لديهم لصالح أوباما".

فهل سيصوّت أبناء مدينة الثورة وجلّهم من الصدريين الذين قمعوا إنتفاضة شعبنا لصالح القوى الدينية ام لصالح القوى العلمانيّة الديموقراطيّة وهم يحملون في منطقة اللاوعي أجهزة إستقبال طائفية شيعية يحركّها مقتدى الصدر بجهاز سيطرة عن بعدّ كيفما يشاء !؟ إنّ الإنتخابات ثقافة لا يمتلكها الشارع العراقي ولا حتى قواه السياسية للأسف الشديد. وعلى العلمانيين الديموقراطيين والمنتفضين تثقيف الجماهير لمقاطعة الإنتخابات المهزلة القادمة تحت شعار

(جرّدوا السلطة من شرعيتها بمقاطعة الإنتخابات)
 

زكي رضا
الدنمارك
21/1/2021

 


18
مقتدى الصدر يحرّض الغوغاء على القتل العلني


نتيجة عجز حكومة الكاظمي عن توفير الحياة الكريمة للمواطنين، وفشلها في تحقيق أي مطلب من مطالب المنتفضين الذين أسقطوا حكومة عادل عبد المهدي وهو ما تعهدّت به أمام "شعبها"، كمحاكمة القتلة وحصر السلاح بيد الدولة ولإستمرار الإنتفاضة خصوصا في الناصريّة. بعث مقتدى الصدر بعد قيام ميليشياته كعادتهم بقتل المتظاهرين ومهاجمتهم لساحة الحبوبي وعجز السلطات المتواطئة معهم أصلا عن حماية المتظاهرين ومداهمة بيوت الناشطين وإرعاب عوائلهم، ومن خلال تغريدة له يوم الأربعاء المصادف 2/12/2020 عدّة رسائل الى جهات مختلفة.

أوّل الرسائل كانت الى الأحزاب والمنظمات والميليشيات الشيعية، يدعو فيها لإعادة ترميم البيت الشيعي والذي هو مطلب إيراني عملت عليه إيران ورعته منذ الإحتلال لليوم، وذلك من خلال التوقيع على ميثاق "شرف" عقائدي كما جاء في تغريدته. وقد سبق ميثاق "الشرف" العقائدي الذي دعا إليه مقتدى دعوته لميثاق "الشرف" السياسي، وهذا يعني مطالبة مقتدى بالعودة الى مستنقع الطائفية من جديد على الرغم من عدم مغادرتنا إياه، وكان هادي العامري زعيم ميليشيا بدر أوّل من أعلن موافقته للعودة للمستنقع الطائفي من جديد ليلحقه اليوم القيادي في دولة القانون ابو الحسن البصري بإعلانه عن امكانية تحالف الطرفين، منوهّا الى أنّ التيّار الصدري كان الأقرب لحزب الدعوة بداية "العملية السياسية". وطلبه هذا اليوم يعني، نسف كلّ ما دعا إليه سابقا حول ضرورة إنهاء نظام المحاصصة الذي بإعترافه كان السبب الأول لدمار الوطن.

والرسالة الثانية موجّهة للقوى الكوردية والسنيّة تدعوهم للإسراع بالتوقيع على ميثاقي "شرف" بين أحزابهم ومنظماتهم وترميم بيوتهم الطائفية القومية وهم يتهيأون لخوض الإنتخابات القادمة. وهذا يعني أنّ خمس دورات إنتخابية لم تُعزّز ما يسمّى بالنظام الديموقراطي ولم تتمكن أية قوى من إختراق ولو طفيف لنظام المحاصصة، بل على العكس فأنّ ما تسمّى بالعملية السياسية ستعود بعد الإنتخابات الى مربّعها الأول، هذا إن كنّا قد غادرنا هذا المربّع أصلا.

أمّا أهم وأخطر الرسائل التي وجهها مقتدى الصدر، فهي دعوته قطيعه لقتل المنتفضين بدم بارد ودون خوف من محاكمة، بتهمة التعدّي على الذات الإلهيّة والدين الإسلامي والنبي والأولياء "الأئمة المعصومين". وهو بهذا التصريح يمنح تنفيذ العقوبة وفق هوى الشخص الصدري، ما يفتح الباب واسعا لعمليات قتل على الشبهة أو نتيجة عداوات مسبقة!! ولم يحدد لنا الصدر ولا الشرع كيفية التأكّد من سب الذات الإلهية أو النبي أو أئمة الشيعة، فترك الأمر لأي شخص ليحدد هو بنفسه تنفيذ العقوبة، إن أكّد بعد تنفيذه الجريمة من أنّ القتيل قد سبّ الله أو النبي أو أحدا من أئمة الشيعة وسمعه بنفسه!! ... ما هذا الهراء؟

رويَ عن الصادق أنّ سُإلَ عن عقوبة من شتم النبي محمّد فقال: يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفعه الى الإمام!!

أمّا المرجع الشيعي الخوئي فقد أجاب على سؤال عن "رجل تطاول على لفظ الجلالة أو المعصومين في حالة غضب.. فما حكمه ؟.. وهل يلزمه التلفظ بالشهادتين من جديد ، علما بأنه يواصل الصلاة بعد ذلك ؟..
وما حكمه لو كان صدور ذلك منه بغير غضب (اختيارا)؟ ليفتي الخوئي قائلا: صدور ذلك منه وإن كان معصية، لكنه لا يجعله مرتدا، بل يجب قتله على سامعه إن كان سابا له تعالى، أو لأحد المعصومين، وكان جادا في ذلك، وكان السامع مأمونا من الضرر، والله العالم.

أمّا السيد السيستاني فكان واضحا جدا وهو يجيب عن سؤال حكم من سبّ الله وسبّ الرسول والأئمة الأطهار فأجاب : القتل بإقامة الحدّ عليه!! السؤال هو من يقيم الحدّ؟ هل الدولة، فإن كان الجواب نعم، فهل دستورنا على علّاته يسمح بهذا الأمر؟ وهل نحن نعيش في دولة دينية طالبانية أو خمينية ليُحدّ الناس فيها وفق فتاوى دينية بعيدة عن القوانين المرعيّة؟

الصدر بتغريدته هذه فتح الأبواب مشرعة في ظل غياب الدولة والقانون وفساد القضاء، أمام عصاباته والعصابات الإسلامية الأخرى لقتل الناس دون وازع من ضمير أو خوفا من قانون، بهدف قمع التظاهرات وإنهاء الإنتفاضة التي تؤرق سلطة العصابة.

إنّ العراق في ظل هيمنة القوى الدينية في طريقه لنظام طالبان شيعي، وإستمرار الإنتفاضة بمشاركة أوسع من الجماهير المتضررة وفي كل أرجاء البلاد هو الطريق الوحيد للخلاص من الكابوس الإسلامي الذي دمّر بلادنا وأفقر شعبنا.

"إنّ الوطن لا يُمكن أن يعيش في الإستبداد" و "ولا وطن مع الظلم" .. جان دي لابرويير




 


زكي رضا
الدنمارك
4/12/2020


19
الصدريّون .. طاعة عبودية ذُلْ

الكاتب الفرنسي إتيان دو لا بويَسي يتساءل  مستغربا في كتابه (العبودية المختارة)  عن سبب ذُل القطيع لفرد واحد وطاعتهم العمياء له،  ليعود ويقول ليس لأمر الّا كون "نطفته في صلب أب منتمي لعائلة ملكية". هذا الإستنتاج الذي هو بالأساس جزء من  أدبيات علم النفس السياسي كاف ليوضّح لنا لوحده السبب الرئيسي لذُل جماهير عراقية واسعة وعبوديتهم وطاعتهم لشخصية كمقتدى الصدر، الذي لا يملك أية مواهب سياسية أو أدبية أو فلسفية أو أخلاقيّة لا بل وحتّى دينية، الّا كون نطفته في صلب أب ينتمي الى سلالة السادة الذي يقولون من أنّ نسبهم يرجع الى الإمام علي !

لقد كتب الكاتب كتابه بفرنسا أواسط القرن الخامس عشر حينما كانت فرنسا وقتها تمرّ بظروف هي أشبه ما نمرّ به في بلدنا اليوم، فوقتها كان الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت على أشدّه، وكانت هناك إنتفاضات في مناطق مختلفة والتي قمعتها السلطات بشدّة.  وتطرّق المؤلّف  في كتابه الى أنّ  ثنائية "الطاعة – السيطرة" هي التي تنظم العلاقة بين السلطة وبين المستعبَدين. فهل علاقة الصدر بقطيعه تنبع من هذه الثنائية فقط؟

يقول المؤلّف الذي سنعتمد على  آرائه لنعكسها على واقعنا العراقي بما معناه:  من أنّ العبوديّة المختارة (وهو ما يتميز به الصدريون تجاه زعيمهم) تأتي  جرّاء العادة، فالإنسان الذي يتلذذ بعبوديته كأي مازوخي يشعر باللذة والراحة النفسية جرّاء معاناته. ومن ثم يقول المؤلّف وكأنه يعيش بيننا اليوم من أنّ "الدين والخرافة هما  من عوامل"  خضوع القطيع الجاهل لسيّد وإن كان أحمقا وغبيّا.

 على أمثال هؤلاء ينفجر المؤلف قائلا: "لكن يا إلهي! ما هذا؟ كيف نسمّي هذا؟ أي بؤس هو؟ أيّة رذيلة – أو بالأحرى أية رذيلة بائسة: أن ترى عددا لا يُحصى من الناس لا يطيعون فحسب بل يخدمون، ولا يُحكَمون بل يُضطهدون، لا يملكون شيئا، لا أهل لهم، ولا نساء، ولا أطفال، بل أنّ حياتهم نفسها ليست لهم، وهم عُرضة لأعمال السلب والنهب، والفجور ، والقسوة، لا من قبل جيش، لا من معسكر أجنبي غاشم يجب عليهم أن يبذلوا دماءهم وحياتهم في مقاومته، بل أنّهم يقاسون كل ذلك من واحد، لا هو هِرقل، ولا هو شمشون، وإنّما هو رُجيل غالبا ما يكون أجبن الأمّة وأخنثها"!

عجيب أمر القطيع الصدري الذي يعبد قيوده ويعادي وطنه،  ويختار ان يكون عبدا لجاهل وغير أمين حتى على ما يقوله اليوم ليعلن منه براءته في الغد، عجيب أمر هؤلاء الذين إن خُيّروا بين الحرية والعبودية، تراهم يركضون نحو العبودية بسرعة الضوء كون مقتدى جاء من نطفة سيّد وليس لأمر آخر!!

أنّ مشاكل بلدنا تبقى دون حلول حقيقية ومنطقية طالما بقي الصدر مستقويا بجيش من المتخلفين الجهلة، جيش ينفّذ أوامره دون أي تفكير بمستقبله وأولاده ووطنه.  فعندما يدعو الصدر قطيعه للصلاة في ساحة التحرير، ترى الآلاف من ذوي السوابق والشقاة والقتلة والفاسدين والمشبوهين والمنحرفين والعبيد والذي هم عمود التيّار الصدري يحتلّون الساحة رافعين هاشتاغ  "طاعة
# عد_ عيناك
" ليصلّوا فيها!!

الصدر الذي شارك تيّاره بكل الحكومات الفاسدة لليوم، وساهم في ترسيخ ثقافة الفساد والنهب والمحاصصة، وشارك مسلّحيه بجرائم الحرب الطائفيّة وجرائم قتل المتظاهرين  وآخرها متظاهري الناصريّة اليوم، يطمح بل يريد في الحقيقة  أن تؤدي الإنتخابات القادمة وبغضّ النظر عن الوسائل المستخدمة فيها الى تبوأ تياره مركز رئاسة الوزراء،  وحينها سينهب ودائرة ضيّقة تحيط به وحلفاءه ما تبقى من ثروات البلاد التي نهبوا ما إستطاعوا إليها سبيلا،  وليحولّوا العراق بأكمله وليست بغداد وحدها الى قرية متخلفّة ومهملة.




سيبقى زج الدين بالسياسة ، علاوة على صراع أتباعه فيما بينهم ،هو السبب الرئيسي لتخلّف شعبنا ودمار وطننا،  فالدين أصبح اليوم وسيلة للسرقة والفساد والجريمة.
أيها الإسلاميون إحترموا ما تبقّى من الدين بعدم تسويقه كسلعة لإذلال الناس وتجهيلهم ونهب ثروات الوطن، وأعملوا على أنسنته ليستعيد صفاءه الروحي الذي كان عليه قبل أن تستلموا مقاليد الحكم.  كما ولا حلّ لوقف جرائم الصدريين والإسلاميين والمتحاصصين الّا بهدم المعبد على رؤوسهم عن طريق العصيان الجماهيري والتمرّد على سلطة الفساد والجريمة ومن يمثلّها من سلطة العصابة.

زكي رضا
الدنمارك
28/11/2020


   

   









20
المنبر الحر / ما العمل ..؟
« في: 21:11 24/11/2020  »

ما العمل ..؟


في هذه المقالة لا أود التطرق الى ما جاء في كتاب (ما العمل) الذي الفّه الزعيم البلشفي لينين والصادر في العام 1902، على الرغم من إنني سأعود بعد قليل الى بعض ما ورد فيه. كما وأنّ المقالة لا تعني إشاعة اليأس من أي تغيير ديموقراطي في بلدنا، بل ستتناول في الواقع إستحالة تحقيق حلم التغيير الديموقراطي من خلال صناديق الإقتراع في ظل سلطة الإستبداد الديني القومي التي تهيمن على مقدّرات البلد منذ الإحتلال الأمريكي لليوم. وإذا أخذنا النزعة التشاؤمية في دراسة الواقع العراقي من الناحية الفلسفية والتي تقول أحدى مذاهبها من " إنّ الشرَّ في العالم أكثر من الخير، وأنّ الحياة الإنسانيّة هي سلسلة من الآلام الدائمة"، وترجمناها لتتلائم وواقعنا العراقي فأننا نستطيع القول ونحن مطمئنون من أنّ (الشرَّ في العراق أكثر من الخير، وأنّ حياة شعبنا العراقي هي سلسلة من الآلام الدائمة). قد يختلف الكثير مع هذا الرأي لأسباب عاطفية، لكننا نستطيع سؤالهم ببساطة في أن يثبتوا لنا العكس في حقل واحد من حقول الحياة في بلد يسير بثبات عجيب نحو الخراب والدمار.

لنعد الآن الى لينين وهو يتساءل في كتابه هذا " حول كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، وقد رد على ذلك قائلاً: لسببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس". لو قمنا بتعريق مقولة لينين هذه وتساءلنا حول كيفية سيطرة الأفكار الدينية على المجتمع العراقي وتغييبها للعقل سنقول وببساطة: لسبب بسيط، أنّ الأفكار الدينية أقدم بكثير من الافكار البرجوازية والأشتراكية، لكنّها متخلفّة جدا جدا، وتحت تصرّفها للأسف الشديد أدوات دعاية بدرجة لاتقاس وهنا تكمن الخطورة. والخطورة هي إننا نعيش تحت سيطرة الأفكار الدينية العدمية على المجتمع من جهة، وماكنة إعلامية ضخمة لغسل الأدمغة تبدأ من دور العبادة التي إنتشرت كالنار في الهشيم بعد تحولّها الى مراكز إستفزاز طائفية، مرورا بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وإنتهاءا بعشرات الفضائيات والصحف والمجلات والمدارس الدينية وفي المناهج الدراسية التي ترسّخ اللاوعي في العقل الجمعي. كما ويعني ودون اللجوء الى المثاليات ونحن نعيش ما نعيشه اليوم من أنّ شعبنا العراقي شعب متخلّف بسواده الأعظم، وعندما نصف غالبية شعبنا بالتخلّف فأنّه ليس بسبّة قدر ما هو واقع أثبتته على الأقّل تجارب السبعة عشر سنة الماضية للأسف الشديد. فتخلّف أي شعب ينبع من تخلّف نظامه السياسي والعكس صحيح، والعراق اليوم هو مثال واضح لتخلف السلطة الدينية القومية وتخلّف الجماهير التي خدّرها الدين ومسخ آدميتها.

لو قارنّا تجربة عراق ما بعد الإحتلال بتجربتي أفغانستان والصومال سنرى من أنها ليست بأفضل حالا من تجربتيهما الكارثيتين، فالعراق عانى ويعاني بسبب طريقة كتابة دستوره من اللبننة وأثناء الحرب الطائفية عانى من الأفغنة، وإذا إستمرّت الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية بالبلاد على نفس الوتيرة التي عليها اليوم فإننا أمام صوملة ستهدد كيان الدولة وتفككّها. فمثل هذه البلدان ومنها العراق بلدان غير متطورة أو متخلفّة بالأحرى إقتصاديا وإجتماعيا وبالتالي سياسيا، ما يفسح المجال لقوى إقليمية ودولية للتدخل بشؤونها الداخلية، وهذا التدخل ولتستمر الهيمنة على هذه البلدان يعمل على تفجير الصراعات الدينية والطائفية والقومية، والذي يؤدي الى ضعف الدولة وهيمنة الميليشيات المسلّحة على القرار السياسي وملأ الفراغ الذي تركته الدولة، وهذا بالضبط ما حصل ويحصل بالبلدان الثلاثة.

دعونا ان نعود لعراق اليوم لنرى إن كان فيه صراعا طبقيا أو إجتماعيا بالمعنى المتعارف عليه علميا، ومدى تأثير هذا الصراع على شكل اللوحة السياسية بالبلاد من خلال دور الطبقات الإجتماعية في هذا الصراع. يقول كارل ماركس ومثله فريدريك أنجلس في البيان الشيوعي " أنّ تاريخ أي مجتمع لحد الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، تارة معلنة وطورا مستترة، حربا كانت تنتهي كل مرّة إمّا بتحول ثوري للمجتمع كلّه، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين". وهنا دعونا نتساءل إن كان هناك تعارض وفقا لهذه النظرة الماركسية لشكل الصراع الإجتماعي بالعراق اليوم، بين الأحرار والنبلاء والبارونات والمعلمين والظالمين والذين يمثّلهم رجال الدين وزعماء الأحزاب والقبائل والميليشيات من جهة، وبين العبيد والعوام والأقنان والصنّاع والمظلومين وهم شعبنا العراقي من جهة أخرى؟ هل هناك صراعا حقيقيا أو مستترا بين الطبقتين وما هو شكل هذا الصراع؟

في الحقيقة ليس هناك صراعا إجتماعيا واضح المعالم بين الطبقتين في العراق الّا في حدود ضيقة، كون الطبقة الثانية بغالبيتها ولتخلفها ترفع مظلاتها عاليا حينما تمطر السماء حريّة وكرامة، وهذه الطبقة أثبتت خلال السبعة عشر سنة الماضية من أنها لا تريد كسر أنيارها، لذا نراها تنسى وطنها وقضيتها وقوت أطفالها ومستقبل أجيالها حالما يصعد معمّم على منبر أو يتسلّح ميليشياوي بسلاح وفتوى بالقتل أو يتقوّى زعيم حزب بعشيرته! وهذا يعني أنّ من سيربح هذا الصراع إن وُجد كما يقول عالم الإجتماع راندل كولنز هو من يمتلك المصادر المادية للعنف، وهذه ليست دعوة لإستخدام الطبقة الثانية العنف كوسيلة للتغيير مطلقا بل إستنتاج ليس الا، وهو أنّ القوى المهيمنة على السلطة وهي تتسلح بالمال والسلاح والنفوذ والفتاوى الدينية قد حسمت الجزء الأكبر من المعركة مبّكرا، وهنا أتمنى بجد أن يكون إستنتاجي هذا خاطئا لأنني لازلت أحلم بحرية بلدي وسعادة شعبه.

من الصعب اليوم في بلد كالعراق التعويل كثيرا على نظريات ودراسات سياسية كوسيلة لتفسير الظواهر السياسية والإجتماعية فيه، وهذا لا يعود الى قصور في هذه النظريات أو الدراسات السياسية العلمية بالمرّة، كون هذه النظريات والدراسات تستطيع أن تقدّم نظرة متطابقة مع الواقع السياسي الإجتماعي في الكثير من البلدان الديموقراطية التي تحتكم الى صناديق الإقتراع ووعي الناخبين الى درجة كبيرة جدا، بل وحتى في العديد من البلدان ذات الأنظمة الشمولية. لكنّ هذه النظريات والدراسات تصطدم بمعوّقات تجعلها غير قادرة على تقديم إجابات مقنعة لبعض الأحداث الهامّة التي مرّت بالبلاد. وقد حاول البعض على سبيل المثال الإستفادة من مفهوم الكتلة التاريخية لغرامشي في تشكيل جبهة سياسية ذات قاعدة إجتماعية واسعة أملا في التغيير المنشود، فكانت النتيجة قاسية ومدمّرة إذ خرجت الكتلة التاريخية (التي عوّلوا عليها كأداة للتغيير) نفسها لتقمع نفسها بنفسها وتغتال إنتفاضة جماهيرية عفوية هزّت أركان السلطة، في موقف إحتار فيه حتّى من آمن بهذا الشكل من الجبهات السياسية وروّج لها ودافع عنها! فهل الخطأ يكمن في مفهوم الكتلة التاريخية نفسها والتي قدّمت نماذج نجحت في بعض البلدان، أم أنّه يكمن بطبيعة المجتمع العراقي والمشاكل التي مرّ ويمرّ بها من جهة وبطبيعة السلطة وقواها السياسية وأدواتها من جهة ثانية؟ كما وتكمن الصعوبة في تفسير الظاهرة الإجتماعية طبقا لنظريات ودراسات سياسية وإجتماعية الى ضعف القوى السياسية " المعارضة"، والهروب من تمييز نفسها بإعتبارها قوى علمانية حداثوية تؤمن بالديموقراطية وإشاعة الحريات، عن قوى دينية رجعية ومتخلفة ومعادية للعلمانية والحداثوية وتقمع الحريّات بالفتاوى والسلاح والإعلام، ومنها حرية المرأة وسنّ قوانين تهمّش دورها بالمجتمع ومنع إصدار قوانين تؤمّن لها كرامتها كقانون العنف الأسري مثلا!

من الصعب بل من المستحيل على أحزاب ومنظمات سياسية لا تمارس الديموقراطية في حياتها الداخلية، أن تقوم ببناء نظام سياسي ديموقراطي. ولو راقبنا الحياة الداخلية لأحزاب السلطة، العلمانية منها والدينية سنرى غياب الديموقراطية عنها شكلا ومضمونا. فالقوى الكوردية وعلى الرغم من علمانيتها ذات زعامات عشائرية وعائلية تتوارث القيادة في ما بينها، أمّا القوى الإسلامية فأن قبولها بالشكل "الديموقراطي" للسلطة اليوم ينبع من إضطرارها لذلك وليس من إيمانها بالديموقراطية كوسيلة للحكم وتبادل السلطة من خلالها. فالديموقراطية تتناقض مع الدين كليّا، وأي حديث من قوى علمانية أو مدنية أو دينية عن قبول قوى إسلامية بالديموقراطية كممارسة ونهج ليس سوى قصر نظر سياسي وفشل كبير. فالقوى الدينية ومثلها القومية غير قادرتان في أن تتحولا الى قوى ديموقراطية، لكنهما قادرتان في أن يتحولا الى قوى فاشية في البلدان المتخلفة كما العراق حال إمتلاكهما لميليشيات وتنظيمات مسلحة خارج نطاق الدولة من جهة، وإمتلاك زعيم يتمتع بهالة عائلية أو عشائرية أو دينية تضفي عليه صفة القداسة والطاعة من الجهة الثانية.

الوضع في العراق اليوم شديد التعقيد سياسيّا، نتيجة صراع الأقطاب الحاكمة الثلاثة فيما بينها بسبب الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد إثر إنخفاض أسعار النفط وعدم تنوّع مصادر بديلة للدخل وجائحة كورونا وما ينتج عن هذا الصراع من خطر كبير على تفتيت النسيج الإجتماعي للمجتمع بشكل أكبر ممّا هو عليه اليوم، وكذلك الفساد الذي يخيّم كشبح على البلاد ويهدد بإفلاسها. وعلى الرغم من كل الصعوبات المعيشية والخدمية التي يعاني منها المواطن، فأنّ القوى المتصارعة وميليشياتها ومراجعها الدينية والعشائرية تتعامل مع البلد كإقطاعية وترى نفسها في مأمن من غضب جماهيري عارم. ولا تخاف هذه القوى إنهيار نظام المحاصصة جماهيريا، بعد فشل الإنتفاضة في جرّ الملايين المسحوقة الى المشاركة فيها للإسراع برحيل سلطة المحاصصة الفاسدة والتي قمعتها السلطة وعصاباتها بشدّة، كما لا ترى هذه القوى ما يهدد مواقعها من خلال صناديق الإقتراع في الإنتخابات المبّكرة المزمع إجراءها في النصف الأوّل من العام القادم مثلما لم يهدّد مواقعها في أي إنتخابات سابقة. فهذه القوى تقوم في مواسم الإنتخابات بتغيير أو تعديل القانون الإنتخابي بما يضمن فوزها وتقاسمها للسلطة وفق توافقات لا تتغير كثيرا، كما وأنّها لا تخاف معاقبة الجماهير لها في حالة فشلها في تنفيذ وعودها الإنتخابية التي تتعهد بتنفيذها في وعودها أمام ناخبيها، لأنّ التخلّف وغياب الوعي والتمترس الطائفي والقومي هي السمة الأبرز للناخبين العراقين.

لو أخذنا مدينة كمدينة الثورة ببغداد مثالا لتصويت الناخبين فيها، فإننا سنقف مذهولين من تصويت غالبية أبناء هذه المدينة التي تفتقر الى أبسط مقوّمات الحياة ويعاني سكانها بملايينهم الثلاثة شظف العيش والإهمال الحكومي ، لقوى إسلاميّة لم تقدّم لهم خلال أربع دورات إنتخابية أي شيء بالمرّة ولن تقدّم لهم شيئا في المرّة القادمة، وأنّ حالها سينتقل من سيء الى أسوء. هذه المدينة التي عليها الإنتفاض على ذاتها، قام تيار كبير وواسع فيها بقمع إنتفاضة شعبنا وساهم بقتل العشرات إن لم يكن المئات من شابّات وشبّان خرجوا ليعيدوا إليها وللوطن كرامتهم وكرامته التي تاجر بها الدين من على المنابر. أنّ ما جرى ويجري في هذه المدينة وهي التي عليها أن تتقدم الصفوف في تظاهرات وإعتصامات مليونية حتّى تغيير النظام الفاسد وغير الشرعي الحاكم، يعطينا صورة واضحة عن نتائج الإنتخابات القادمة وعن القوى التي ستشكل اللوحة السياسية الفاسدة من جديد. والمدينة وهي تقف كما غيرها الى جانب القوى التي تسرق قوت أبناءها، دلالة على أن سلطة المحاصصة والفساد غير معزولة جماهيريا، وهذا يعني إنها تمتلك ما يمنحها البقاء حتّى عودة الوعي للمجتمع.

والآن لنعد الى عنوان المقالة لنسأل .. ما العمل؟

الإنتخابات القادمة حُسِمت قبل أن تبدأ، وهذا الأمر يعرفه حتّى المواطن الذي لا وعي له. ومن هذا المنطلق علينا أن نبحث عن إجابة على سؤالنا، حول نسب نجاح مشاركة القوى العلمانية الديموقراطية فيها وهي تعرف المساحة التي ستتحرك فيها وإمكانياتها البسيطة، مع الأخذ بنظر الإعتبار القانون الإنتخابي الجديد والذي في الحقيقة هو أسوأ من قانون سانت ليغو الذي عدّله برلمان المحاصصة عدّة مرّات، والذي لم تستطع القوى العلمانية الديموقراطية بسببه من إختراق منظومة المحاصصة. فهل القوى العلمانية الديموقراطية مصرّة على خوض مستنقع الفشل من جديد!؟ في الحقيقة هناك مؤّشرات حول نية هذه القوى في خوض السباق الإنتخابي والسقوط في أمتاره الأولى مرّة أخرى، وهذا يعني أنّ هذه القوى تؤكّد كما الجماهير التي لا وعي لها من أنّ قوى المحاصصة والميليشيات غير معزولة جماهيريا.

القوى العلمانية الديموقراطية عليها الإتّفاق على أصغر القواسم المشتركة التي بينها وهي كثيرة أساسا من خلال إنتقادها لنفسها لإنخراطها في عملية سياسية دمّرت البلاد، لتشكيل تحالف سياسي يجمعها تحت مظلّة وطنية عابرة للطائفية والقومية، تحالف سياسي يكون قريبا لنبض الشارع العراقي الذي يمثلّه عشرات الآلاف من المنتفضين من طلبة وكسبة وعاطلين ومسحوقين ومهمّشين ومثقّفين الذين خرجوا متحدّين سلطة الفساد والجريمة بشكل عفوي. تحالف سياسي يكون شعاره "جرّدوا السلطة من شرعيتها بمقاطعة الإنتخابات"، فعشرات الآلاف من المتظاهرين الواعين لقضية شعبهم قادرين من خلال خطاب سياسي جديد وقيادات ميدانية نشطة وفاعلة ومخلصة من جرّ آلاف المتضرّرين الى ساحات التظاهر، خصوصا وأنّ السلطة الفاسدة بعصاباتها غير قادرة حتّى على توفير رواتب موظّفيها الا من خلال الإقتراض الداخلي والخارجي. على مثل هذا التحالف توفير معطيات للناس من خلال إعلامه على فقره وتواجده وسط الطلبة في مدارسهم وجامعاتهم، والكسبة في ألأسواق ومساطر العمّال من أنّ مستقبل البلاد ومستقبلهم مظلم، فالبلاد ونتيجة سياسة النهب المنظّم تسير نحو الإفلاس التام.

تبقى المشاركة بالإنتخابات جريمة بحقّ شعبنا ووطننا، ومقاطعتها وتثقيف الجماهير بمقاطعتها واجب وطني ملّح. فهل ستكون القوى العلمانية الديموقراطية أهلا لتحمّل هذه المهمة الوطنية، أم أنّها ستخيّب ظن قواعدها وجماهيرها والشرفاء من أبناء هذا الوطن بها وهي تخوضها لتخرج منها بخفّي حنين كما المرّات السابقة مانحة الشرعية لنظام دمّر البلاد!؟ سؤال ستظهر إجابته بعد حين، على الرغم من معرفة الكثيرين إجابته!

"الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً" ...  البرت آينشتاين

 
زكي رضا
الدنمارك
23/11/2020
 




21
سائرون تبدأ تجارة الإنتخابات من النبي محمّد


لم يشكّل الدين مشكلة كبرى في حياة الشعوب، الّا حينما كان رجال الدين يستغلّوه للجمع بين السلطتين المدنية والدينية. كما وأنّ أي سلطة دينية تنحاز بالضرورة لأتباع دينها على حساب أتباع الديانات الأخرى، ولم يشهد التاريخ الإنساني سلطة دينية تتعامل مع بقية الأديان في أوطانها على قدم المساواة، بل لم يشهد التاريخ كذلك سلطة دينية تعاملت مع اتباع مذهب ديني من نفس الدين على قدم المساواة أيضا. فالكاثوليك والبروتستانت كانوا على صراع دائم ودموي تكلل بحرب الثلاثين عاما، التي بدأت مسيحية مسيحية قبل أن تتحول الى حرب سياسية هدفها إحتلال البلدان الأخرى. والشيعة والسنّة كانوا "لا يزالون" في صراع دموي بدأ إسلاميّا إسلاميّا بحروب بين الصفويين والعثمانيين كان العراق في أغلب الاحيان مسرحا لها، قبل أن ينتهي الصراع بإتفاقات سياسية لتقسيم مناطق النفوذ دون المساس بجوهر الصراع الطائفي القائم لليوم!

إن كان الصراع الديني هو سبب ويلات الشعوب الأوربية والعربية والإسلامية، فلماذا إستطاعت أوربا تجاوز محنها كمحاكم التفتيش وغيرها من الصراعات الفكرية وغير الفكرية فيما لا تزال الشعوب العربية والإسلامية غير قادرة على الخروج من أزماتها، إن لم تتعمّق هذه الأزمات أكثر، وهل السبب يعود الى طبيعة الدينين المسيحي والإسلامي ومفاهيم التسامح فيهما أم الى طبيعة السلطة فيهما؟

جميع الأديان وحتّى الوضعية منها تنادي بالعدل والتسامح، لكنّ اوربا وعلى عكس العالمين العربي والإسلامي أنهت سطوة المسيحية على القرار السياسي وبدأت ببناء دول تحترم الإنسان فيها من خلال تجريد الكنيسة من أهم عنصر قوّة لديها، وهو جمعها بين السلطتين الدينية والمدنية، على الرغم من عدم إعلانها قطيعتها مع الدين مطلقا فالكنائس عامرة ومحترمة، وحتّى دور عبادة الأديان الأخرى محترمة وتحصل على مساعدات مالية من السلطات فيها. فيما لازالت بلداننا تعاني من سطوة الدين على القرار السياسي وما له من تأثير على حياة الناس كونه مقدّس ولا يجوز نقده!

يعتبر الحديث عن القطيعة مع الدين ترف فكري وحلم طوباوي، كون الوعي الإنساني هو من يحدّد هذه القطيعة وطرق الوصول اليها. فالدين لليوم ولآماد مستقبلية غير معروفة يبقى حاجة روحية للكثير من البشر. لكنّ المهم ونحن نعيش عصر التكنولوجيا وغزو الفضاء وكل هذا التقدم العلمي الذي حققّته البشرية في مختلف مجالات الحياة، هو أنسنة الدين من خلال خطاب ديني عقلاني من جهة وفصله بالكامل عن منظومة الحكم، ولن يتم هذا الأمر الّا من خلال نظام علماني ديموقراطي يعزز من هيبة الدين وإحترامه بإبعاده عن السياسة كلّيا.

"السياسة لا أخلاق لها" مقولة يحاول الإسلاميّون القفز عليها من خلال بعض الآيات القرآنية والأحاديث المنسوبة للنبي محمّد، خصوصا إن كانوا على رأس السلطة أو منشغلين بالعمل السياسي. الّا أنّ حججهم ما تلبث أن تكون تحت مطرقة الكثير من الأسئلة التي تفرزها حياة الناس، حالما تُوَجَّه الأسئلة الملّحة عن إدائهم السياسي وفشلهم في تحقيق البرامج السياسية التي وعدوا شعوبهم بها. وما أن يشعر الإسلامي بعدم قدرته على مواجهة الناس حتّى يبدأ كالسياسي بالكذب والمراوغة لتبرير فشله، وهنا يكون قد لصق الكذب والمرواغة والسرقة والفساد بالدين. وعند هذه النقطة تحديدا يكون قد اساء للدين وليس للسياسة، كون السياسة تعني صراع من اجل المصالح والدين هو صراع الإنسان مع نفسه لغرض ارضاء الله. ولو عدنا الى التاريخ الإسلامي وليس غيره، لوجدنا الصراع بين التيارات والأنظمة الإسلامية وحروبها فيما بينها كانت من أجل السلطة وليس لأمر آخر. لنعد الآن الى المثال العراقي لنرى إن كانت الأحزاب الدينية التي على رأس السلطة ومعها المؤسسة الدينية المنشغلة بالشأن السياسي هي الأخرى، لديها أخلاق مستمدّة من الدين الإسلامي الذي تتاجر به من أجل مصالح دنيوية وليس آخروية. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"، هاتين الآيتين تكونان تجارة مربحة إن كانت بضاعة لنجاة العراقيين من عذاب الفساد والفقر والجوع والبطالة والإرهاب الذي يعاني منها شعبنا وهو يعيش عهد الإسلام السياسي، أمّا إن كانت غير ذلك وهي اليوم غير ذلك فعلا فأنّها تجارة خاسرة لنا كشعب ومربحة للمتاجرين بها وبالدين كلّه، ومن اكبر المتاجرين بهذه البضاعة اليوم هو مقتدى الصدر ومن يحرّكه ليتخذ المواقف المناهضة لشعبنا ووطننا.

لا شك في أنّ للحريّة حدود علينا التوقف عندها، كي لا يكون تجاوزها تحت أي ظرف سبباً في إشاعة الفوضى والخراب. والرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها مجلة شارلي إبدو الفرنسية حول نبي المسلمين وتناولها في مادة دراسية عنوانها حريّة التعبير، بدت غريبة عند المسلمين الذين لا يعرفون حرية التعبير في بلدانهم، لكنها في النهاية أساءت لرجل يقدّسه مئات الملايين من البشر. وكان رد الفعل الإسلامي ضدّها محليا "فرنسيا" لا يتوافق مع قوانين الدولة الفرنسية، ولا مع قوانين التمدن والحوار الحضاري. أمّا إسلاميا وعربيا، فقد جاءت الرسوم هبة من السماء لأنظمة لا تعترف بحقوق الإنسان ولا بالحريات العامة ناهيك عن حرية التعبير والرأي.

عادة ما يكون الحسين وآل البيت هم البضاعة التي يتاجر بها الساسة والمعممّين الشيعة، وهم يتحكمون برقاب الناس وحياتهم وثرواتهم. وغالبا ما تتفتق العقلية الدينية الشيعية وعند مواسم الإنتخابات عن مواقف ومحطّات دينية طائفية لكسب ثقة الناخبين الشيعة، وقد نجحوا لليوم في مسعاهم هذا بشكل كبير. ولم يكن النبي محمد يوماً جزءً من هذه اللوحة، فالنبي بالحقيقة يأتي في مراتب متأخرة في الفقه والأدب والتراث الشيعي مقارنة مع الإمام علي والحسين وجعفر الصادق والمهدي بل وحتى إبنته فاطمة. الا أن مجلة شارلي إبدو قدّمت لرجل دين كمقتدى الصدر حملة إعلامية مجانية ضخمة وهو في طريقه لخوض الإنتخابات البرلمانية من خلال تحالف سائرون، على الرغم من عدم حاجته لها كون القوانين الإنتخابية فُصِّلت على مقاسات أحزاب السلطة ومنها تحالف الصدر هذا.

لقد قدّم الصدر من خلال تحالف سائرون وهو يتهيأ لخوض الإنتخابات الرلمانية المبكرة، مقترح قانون لمعاقبة المسيئين للنبي محمد موقّع من 100 نائب برلماني الى لجنة الأوقاف والشؤون الدينية بالبرلمان لمناقشته وعرضه للتصويت. وهذا الأمر من الممكن قبوله لو كان المقترح متعلق بالعراقيين، لكنّ تحالف سائرون "الصدر" تجاوز الأعراف الدبلوماسية المتعارف والمتعامل بها، حينما ضمّن مشروع قانونه "البعثات الدبلوماسية المتواجدة في العراق في حال صدور الإساءة من أحد أفرادها مهما كان منصبه، ولا تعتبر الحصانة الدبلوماسية مانعة من المحاكمة"!! كما تضمّن مقترح القانون بـإنزال "عقوبات بالسجن تتراوح بين 10 إلى 15 سنة، في حال صدرت الإساءة بشكل علني، أما إذا لم تكن علنية فالعقوبة تكون الحبس من 3 إلى 5 سنوات، ويستوي في ذلك العراقي وغير العراقي"، وهنا يكون المشّرع الصدري قد وضعنا في حيص بيص كما يقال، إذ كيف سيتعرف القاضي على الشخص المسيء إن كانت إساءته غير علنية! وهل سيتعرف القاضي مثلاً على شخص أساء للرسول وهو وحيد داخل غرفة نومه، أو شخص رسم رسماً كاريكاتيرياً للنبي ومزّقه دون أن يراه أحد!؟

إنّ الصدر يتعامل مع الدولة العراقية والشعب العراقي كحاكم مطلق، فهو من يقترح القوانين وهو من ينفذّها وهو من يرسم سياسة الدولة وهو من يتحكم بنبض الشارع. وهذه الحالة المرضية خطرة جداً ليس على المشهد السياسي العراقي المعقّد والضبابي، بل خطر على مستقبل البلد ككل. فالصدر يتحرك كونه رجل دين وسياسي، وله جيش من الاتباع يمتازون بقلّة الوعي والقسوة في تعاملهم مع من يخالف قائدهم وإن أخطأ، خصوصاً في غياب الدولة القادرة على كبح جماحه والميليشيات التابعة له.

وهذا الإمام علي وكأنّه يصف أهل العراق اليوم يقول "إذا غضب الله على أمّة غلت أسعارها وغلبها أشرارها".

زكي رضا
الدنمارك
11/11/2020



22
مقتدى الصدر .. انا الدولة!!

السياسة في بلد كالعراق اليوم لا تحتاج الى احزاب وطنية وقوى تؤمن بالديموقراطية وسيادة دولة القانون، كونها أمست ترف فكري نتيجة الفساد والقهر اللذان يأخذان مديات أوسع يوما بعد آخر ويستهلكان آخر ما تبقّى من كرامة للوطن والناس ، وكون الأحزاب الوطنية لا زالت بعيدة عن آمال وتطلّعات الجماهير المسحوقة التي باتت دون ظهير سياسي وقيادات قادرة على مواجهة قوى الفساد التي تتغوّل بشكل مستمر. علاوة على عاملين مهمّين جدا وهما غياب الوعي عند نسبة كبيرة من جماهير شعبنا، والإحتلالان اللذان يديران دفّة سفينتنا المتهاوية الامريكي بقواعده العسكرية، والإيراني الذي لا يصدّر لنا الّا الجهل والتخلف والميليشيات والمخدّرات.
السياسة في بلد كبلدنا تتمترس فيه الطوائف والقوميات حول هوياتها الضيّقة تحتاج الى عصابات تحت يافطات احزاب ومنظمات طائفية وقومية لممارستها، وهذا لا يعني مطلقا أنّ في العهود السابقة كانت السياسة على مستوى تحديات البلد ومستقبله،  لكنّ الواقع - وهذا ما اثبتته احداث بلدنا منذ الإحتلال لليوم - يؤكّد لنا أنّ تجربة السلطة اليوم هي من التجارب السيئة التي عاشها شعبنا على مرّ تاريخه المعاصر إن لم تكن الاسوأ.

لم يصرّح سياسي عراقي ممّن كانوا على رأس السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة لليوم من أنّه فوق القانون واجهزة الدولة مجتمعة،  الّا دكتاتور نرجسي ومهووس بالسلطة كصدّام حسين والذي كان فعلا فوق اجهزة الدولة والقانون،  لكنّه  لم يُعلن عن هذا الأمر من خلال الإعلام صراحة. ليس لأنه كان يهاب ذلك وهو دكتاتور دموي ولا كونه كان يخجل من أحد، بل كونه تعلّم من السلطة التي كان فيها وعلى رأسها لعقود من أنّ السياسة لا تعني حصر القوّة والنفوذ بل توزيعها على مراكز عدّة، وإن كان لذرّ الرماد في العيون. فحاكم مستبدّ كصدام حسين وإن كان يختصر العراق بنفسه، الّا أنّه ترك الأمر للإعلام و "المثقفين" لترويج سياسته هذه.


ما أن تتحرك الجماهير لتعلن رفضها لنظام المحاصصة والخراب عن طريق التظاهر والإعتصام،  حتّى تتحرك الأحزاب الشيعية وميليشياتها لتواجهها بمختلف الأساليب القذرة والوحشية. وعادة ما توكّل هذه العصابات الأمر لمقتدى الصدر. كونه الوحيد بينها الذي ينتقل من موقف الى آخر بشكل مستمر ودائم ، معتمدا على تبعية اعداد من الأمييّن وانصاف المثقفين من حملة السلاح والسكاكين والسيوف والهراوات، يحرّكهم كيفما يشاء ومتى ما يشاء!

في أربعينية الإمام الحسين هذا العام والتي صادفت الذكرى الأولى لإنتفاضة تشرين/ اكتوبر ، هتفت الجماهير الغاضبة متظاهرة عند مرقده ضد سلطة الفساد والقتل ورموزها من خلال هتافات ضد الإحتلالين الامريكي والإيراني وذيولهما. هذه الهتافات ضد الظلم والإضطهاد هي جزء من الثقافة الشيعية مثلما ترّوج المؤسسة والأحزاب والمنظمات الشيعية، كما انها كانت على مرّ التاريخ الشيعي وهو يواجه السلطات الجائرة والظالمة المختلفة وفي مختلف البلدان ذات الغالبية الشيعية السلاح الأمضى للتغيير والوصول الى نيل الحقوق عن طريق الثورة، فالحسين في الأدب الشيعي رمز للثورة وليس للذل والطاعة العمياء مثلما يريده رجال الدين والعصابات والمافيات الشيعية اليوم.

والصدر بتغريدته الاخيرة يضع شرطين بصيغة الآمر الناهي ،  اولهما ان تحمي القوات الأمنية المراقد المقدّسة وهو هنا يشيطن الجماهير ويتّهمها زورا بمحاولة مهاجمة المراقد من جهة ، ويهين الدولة من جهة اخرى، ويطالب في الثانية حينما يقسّم المنفتضين الى صالحين وطالحين، في ان يقوم "الصالحين" بالتبرؤ من بقية المنتفضين وهذا من اجل شق صفوف المتظاهرين ويهدد في حالة عدم تنفيذ الشرطين بتدخله الشخصي والعلني لتحقيقهما!!

المرجعية والقوى الشيعية ومنهم مقتدى ترفض دخول المتظاهرين ومعهم صور شهداء الإنتفاضة الى المرقد لقدسيته بحجج مضحكة كعدم إتّباعهم لنظام الدخول وفق ترتيبات مسبقة، او عدم إنتظامهم في مواكب قدّمت مسبقا معلومات عنهم لتقمعهم القوى الأمنيّة بشدّة في منطقة بين الحرمين، ولكنها لا تنبس ببنت شفة والعصابات الشيعية وهي تحمل اعلام حزب الله وبقية العصابات تهتف في منطقة بين الحرمين نفسها (سيدي يا ابن الحسينِ، نحن ابناء الخميني، وهتفنا بالولاء،  لعلي الخامنائي)!! ولو عدنا الى إنتفاضة آذار 1991  نرى المنتفضين يعتصمون وهم مدجّجون بأسلحتهم داخل المرقد مستجرين بالحسين كرمز للثورة ضد الهجوم البعثي على المدينة والمرقد. وهنا من حقّنا والحسين رمز للثورة والعدل في الادب الشيعي، أن نسأل عن الذي يمنع المتظاهرين من فعل نفس الأمر؟  فهل الامام الحسين ثائر وطالب عدل وإصلاح يوما وغير ذلك في يوم آخر، وهل المرقد مقدّس في يوم وغير ذلك في اخر!!؟




ولهذا التهديد معنى واحد وصريح هو (انا الدولة)، انا السلطة التنفيذية التي ستقوم بمعاقبة المنتفضين والقوى الأمنية، انا السلطة التشريعية التي تسنّ القوانين والتشريعات، انا السلطة القضائية التي تحاكم وتحرق وتعدم وتسجن.  فأين الكاظمي من هذا التهديد العلني والمهين للدولة وله شخصيا ؟

عدم نجاح الكاظمي في حل أي ملف من الملفات التي تشكل صداعا مستمرا لما تسمّى بالعملية السياسية بالعراق ولجماهير شعبنا، كحصر السلاح بيد الدولة وتقديم كبار الفاسدين للمحاكمة العلنية وهما مفتاحا أية نجاحات مستقبلية،  تشير الى أنّ الكاظمي أضعف من أن يواجه أية عصابة من العصابات الإسلامية ولا حتّى رجل عشيرة قوي . وعليه فأنّ الرهان على الكاظمي في حل مشكلات البلاد، هو كالرهان على حصان أعرج في مضمار سباق الخيول.


لقد كشّرت الميليشيات من خلال تغريدة الصدر عن أنيابها وعن مواقفها تجاه إنتفاضة شعبنا ، وهو يهدّد المنتفضين وتصفية الإنتفاضة قائلا " ولعلّ (التشرينيين) لا يستطيعون التظاهر مستقبلا إذا لم يتبرأوا رسميا من تلك الجريمة الوقحة فالكل سيتبرأ منهم". وهنا تكون مهمّة  الجماهير هي التظاهر المستمر واليومي وبأعداد تتزايد بإستمرار . فإنتفاضة تشرين/ اكتوبر درس نضالي على شعبنا وقواه الحيّة ان تطوره ليصل الى ثورة تكنس الإسلام السياسي الى حيث عليه ان يكون.   

الذكر الطيب والعطر دوما للشاعر الشعبي عبود الكرخي وهو يقول:

طبيعة بيك شينة، يا ردي الهندام ..... ذاتك عقربيّة، تأذّي خاص وعام

زكي رضا
الدنمارك
9/10/2020 

23
هل نجحت إنتفاضة اكتوبر في تحقيق أهدافها ..؟


لقد اختلفت وجهات النظر حول نجاح انتفاضة اكتوبر العراقية  او نجاحها الجزئي من عدمها، بعد ان خفّت شدّة التظاهرات والإعتصامات ولأسباب مختلفة،  منها الملل الذي اصاب الجماهير وشعورها بالإحباط لطول تواجدها في ساحات الإعتصام، ومنها شيطنة المنتفضين من قبل السلطة الحاكمة وادواتها الإعلامية ومنابرها السياسية والدينية، ومنها استخدام إرهاب الدولة ضد الناشطين وخطفهم وقتلهم، ومنها جائحة كورونا اضافة الى اسباب اخرى كالموقف الإقليمي والدولي من الإنتفاضة. إحدى وجهات النظر تنظر الى الحدث الأهم منذ الإحتلال لليوم من الناحية العاطفية والتمنّي في حدوث تغيير حقيقي في المشهد السياسي على الرغم من عدم توفّر العديد من آليات تحقيق هذه الأمنيات، والثانية والتي علينا ان ننظر اليها بامعان ودقّة هي النظرة النقدية للإنتفاضة من خلال مقارنتها بإنتفاضات وحركات سلمية في بلدان مختلفة، نجحت بعضها فيما فشلت أخرى والبحث عن اسباب نجاح وفشل تلك الإنتفاضات، وعلينا ونحن نستشهد بهذه الحركات السلمية والانتفاضات ان نشير بإعتزاز الى تجربة شعبنا وانتفاضاته ووثباته خلال القرن الماضي.

في دراسة حول نجاح الإحتجاجات السلمية الشعبية في تغيير الانظمة الحاكمة اجرتها كلا من إيريكا شينوويث الباحثة في العلوم السياسية بجامعة هارفارد، وماريّا ستيفن الباحثة في المركز الدولي للنزاع السلمي والتي غطّت الفترة  بين عامي 1900 و2006،  حول نسبة نجاح وفشل الحركات السلمية والمسلّحة في تغيير الانظمة الحاكمة ، وتمّ نشرها في كتاب تحت عنوان " لماذا تنجح المقاومة الشعبية: الأسباب الاستراتيجية وراء نجاح النزاعات السلمية " توصلتا الى أنّ الحراك السلمي قاد الى " التغيير السياسي في 53 في المئة من الحالات، في مقابل 26 في المئة فقط للإحتجات العنيفة"، وقد تناولت الدراسة " 25 حركة احتجاجية شعبية من أكبر الاحتجاجات الشعبية في العالم، حقق 14 منها نجاحا بجميع المقاييس".

قبل الخوض في بعض التجارب التي تناولتها الدراسة واسباب نجاح الإنتفاضات وفشلها وفق وجهة نظر الباحثتين، دعونا نعود الى انتفاضات العراق والحدث الأهم بالمنطقة اي الثورة الايرانية. لأنّ تجربتنا والتجربة الايرانية ستعطينا ووفق آراء الباحثتين " سنتاولها لاحقا" الأجوبة التي نبحث عنها في عدم نجاح إنتفاضة اكتوبر بتحقيق التغيير الذي إندلعت من أجله. في التجربة الإيرانية نجحت الحركة السلمية للشعب الإيراني والتي تطورت خلال اشهر الى ثورة عارمة في تغيير شكل النظام السياسي بالكامل، وقد نجحت وثبة عام 1948 السلمية بتحقيق هدفها وهو إلغاء معاهدة بورتسموث، فيما نجحت ثورة العشرين وهي حركة مسلّحة في تحقيق بعض اهدافها، الا أنّ الهدف الأهم  لها وهو اخراج المحتل البريطاني من العراق لم يتحقق الا بعد ثورة 14 تموز 1958 .

ركّزت الباحثتان في بحثهما على تجارب حققّت نجاحت مذهلة على الصعيد السياسي، نجاحات غيّرت شكل الأنظمة بالكامل. ومن هذه التجارب تجربة الثورة الفلبينية ومشاركة الملايين من السكان فيها والتي أسقطت نظام ماركوس الدكتاتوري خلال اربعة ايام فقط! وكذلك ثورة الورود في جورجيا ضد الرئيس شيفارد نادزه والذي قدّم إستقالته بعد دخول المتظاهرين السلميين البرلمان بباقات الورود وثورة الغناء في استونيا، كما مرّ البحث على تجارب السودان والجزائر، كما " وارتكزت أبحاث شينوويث على الأفكار الفلسفية للكثير من الشخصيات المؤثرة على مدار التاريخ، والتي برهنت بالأدلة القاطعة على قوة تأثير الاحتجاجات السلمية، مثل الناشطة الأفريقية الأمريكية سوجورنر تروث، التي حاربت لإلغاء العبودية، وسوزان بونويل أنتوني، التي نادت بإعطاء المرأة حق التصويت في الانتخابات، والناشط الهندي المستقل، ماهاتما غاندي، والناشط مارتن لوثر كينغ الذي ناضل من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة".

بعض النقاط التي تعتبر غاية بالأهمية  بنظر الباحثيتين لنجاح الحراك السلمي في التغيير هي

1-   الإضرابات العامّة والتي هي اقوى وأهم اشكال المقاومة ضد الحكومات المستبدّة.
2-   تعطيل المرافق العمومية " عدا المؤسسات الصحية والخدمية"  وإصابة الحياة اليومية والاجتماعية بالشلل.
3-   التحشيد الجماهيري، ففرص زيادة نجاح اي حراك جماهيري سلمي يعود الى قدرة منظميه من حشد اكبر عدد ممكن من الجماهير لخوضه، فكلمّا كانت اعداد الجماهير اكبر كلمّا كان التهديد الحقيقي للسلطات اكبر.
4-   نجاح الثورة او الإنتفاضة السلمية يتحقق لا محالة ما أن يصل عدد المشاركين فيه نسبة 3.5 من مجموع السكّان. وبينما تمثل نسبة 3.5 في المئة قلة من الشعب، إلا أن هذا المستوى من المشاركة الفعالة يدل على أن شرائح أكبر من الشعب تؤيد أهدافها ضمنيا وفق إيزابيل برامسين من جامعة كوبنهاغن.
5-   وحدة المحتجين وإنسجامهم وتنظيمهم تعتبر من المعايير العالية لنجاح او فشل الحركة السلمية، فالفشل يصيب الحركة من دونها، كما حدث في البحرين كما تقول إيزابيل برامسين، التي تدرس النزاع الدولي في جامعة كوبنهاغن.

لنعود الآن الى إنتفاضة اكتوبر لنرى إن كانت قد نجحت في تحقيق ما ينتظره شعبنا منه أم لا؟

لم ينجح منظمّو الإحتجاجات في قيادة إضرابات عامّة على مستوى البلاد، عدا الإضرابات الطلّابية وإضرابات بعض النقابات.  فيما لم يُنظّم أي إضراب واسع في الأسواق كما حدث البازار في إيران اثناء الثورة، ولا في  قطّاع النفط الحيوي ولا في أجهزة الدولى الإدارية.  كما كان الفشل نصيبهم في تعطيل المرافق العمومية ليصيبوا من خلالها الحياة الإجتماعية واليومية بالشلل مما يرعب السلطة. ونتيجة لأسبوعية التظاهر !! فأن إمكانية حشد اكبر عدد ممكن من الجماهير بقي صعبا على منظمي الحراك رغم النداءات المتكررة لحثّهم وتواجدهم في الشارع.  وبقي عدم وجود قيادة ميدانية أو جسم تنظيمي أو شخصية محورية ذات كاريزما كما الخميني اثناء الثورة الايرانية او غاندي في الهند، من اهم المشكلات التي واجهت الإنتفاضة وابعدتها كليا عن تحقيق نتائج ونجاحات تليق بما قدمته من مئات الشهداء وآلاف الجرحى في سبيل تحقيق التغيير الذي لم يحدث لليوم!

3.5 في المئة ليس رقما سحريا لكنه الحد الأدنى وفق الدراسة العلمية لنجاح الإنتفاضات، فهل شاركت هذه النسبة في إنتفاضة شعبنا؟  يقدّر نفوس العراق بحوالي 40 مليون نسمة، ووفق النسبة الآنفة الذكر فأن نجاح الإنتفاضة بحاجة الى مشاركة فعّالة من حوالي مليون وأربعمائة الف متظاهر عراقي. ولو تركنا هذا الرقم لعدم مشاركة المحافظات الغربية والكوردية في التظاهرات على الرغم من معاناتهم كما محافظات الوسط والجنوب!! ورجعنا الى العاصمة بغداد حيث النسبة السكانية الاكثر كثافة بالبلاد علاوة على كونها مركز الحكم، فأنّ نفوسها يقدّر بحوالي تسعة ملايين  نسمة. ومن أجل نجاح الإنتفاضة نظريا فإننا بحاجة الى 315 ألف متظاهر، فهل وصلت اعداد المتظاهرين في احسن الحالات الى نصف هذا العدد!؟

"خلصت الدراسة الى أنّ "معيار نجاح حركة التغيير هو قدرتها على تحقيق جميع أهدافها".

 كثيرة هي الشعارات التي رفعها المتظاهرون، وأهمّها كانت شعارات محاربة الفساد والمفسدين، تقديم قتلة المتظاهرين للقضاء، توفير فرص العمل للعاطلين، حل الميليشيات المسلحة، اجراء إنتخابات عادلة ونزيهة وفق قانون انتخابي عادل، والشعار الذي أصبح رمزا أي " نريد وطن". فهل حققت الإنتفاضة أي من هذه الشعارات، لكي نؤمن بنجاحها..؟

ونحن نعيش اليوم الذكرى الأولى لإنطلاق إنتفاضة اكتوبر، علينا أن نستفيد من أخطائنا ونجاحاتنا " كسر حاجز الخوف وتجاوز الطائفية" من خلال مراجعة شاملة للحدث، كما وعلينا الإعتراف بعدم تحقيق الإنتفاضة أي مطلب من مطالبها، سوى نجاحها في تغيير رئيس وزراء بآخر من نفس المؤسسة، والذي يفي بأي عهد قطعه على نفسه لليوم. فلم نرى فاسد من العيار الثقيل امام المحاكم العراقية، ولم يحصر السلاح بالدولة، ولم يجد حلّا للنزيف الإقتصادي والمالي العراقي، حيث البلاد تقترض داخليا وخارجيا من أجل تأمين رواتب جيش الموظفين ومنهم عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من الفضائيين، وغيرها الكثير.


على القوى العلمانية الديموقراطية وفي الذكرى الاولى لإنتفاضة اكتوبر أن تكثّف جهودها ليس لغرض المشاركة بالأنتخابات التي لن تغير شيئا من المشهد السياسي الذي نعيشه منذ الاحتلال لليوم، بل جر اكبر عدد ممكن من   الجماهير ليس للتظاهر الاسبوعي أو الشهري أو في المناسبات كما حصل ويحل اليوم، بل جرها للتظاهر اليومي وباعداد كبيرة والتمهيد باسرع وقت للعصيان المدني. على القوى العلمانية الديموقراطية والإتحادت الطلابية والمهنية والنقابات  والشخصيات الإجتماعية المؤثرة التواجد في قلب ساحات التحرير وبشكل مستمر، كون التغيير بحاجة لتنظيمات فعّالة قادرة على توجيه الحراك السلمي للجماهير. فالتجربة السابقة لقادة ساحاة التحرير زنتيجة الخلافات الكبيرة بينهم، أثبتت أنّ التغيير لا يأتي الا من خلال احزاب وتنظيمات ونقابات واتحادات لها المصلحى الحقيقية في بناء وطن.
" نريد وطن" شعار بحاجة الى تضحية ونكران ذات كبيرين، فلنكن بمستوى هذا الشعار من اجل غد افضل لشعبنا ووطننا وأجيالنا القادمة.

زكي رضا
الدنمارك 30/9/2020     



 




 







24
الفاشيّة الدينية المشوّهة .. العراق مثالا


لقد برزت الفاشية في اوربا نتيجة عوامل عدّة، منها الأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي كانت تمرّ بها البلدان الرأسمالية في القارة، ومنها ضعف قوى اليسار والحركات الثورية وإنقساماتها فيها. ولم تنتهي الفاشية بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، كونها تستطيع إعادة إنتاج وبناء وتطوير نفسها تحت ظروف معينة، فالأنظمة الفاشية والأنظمة الدكتاتورية الفاشية تظهران وفق شروط تاريخية وإقتصادية وإجتماعية ترتبط بالخصائص المحلية لكل دولة. لذا نرى الفاشية الالمانية برزت في المانيا بطابع عنصري يمجّد العرق الالماني، ولو أخذنا الفاشية الإسلامية القومية بالعراق اليوم نراها تعتمد على تمجيد الطائفة والقومية والتي هي شكل من اشكال العنصرية. وإذا كانت الاولى أي الفاشية عنصرية الهوية ترفض الحياة الديموقراطية والتعددية السياسية والتي كان البعث يسير على نهجها بالأمس، فأنّ الثانية أي النموذج العراقي "الديموقراطي" اليوم وهو يكرر العملية الانتخابية بنفس الآليات التي تجعل منه في قمّة الهرم دائما، يكون له نفس خصائص الفاشية العنصرية بمزيج من الطائفية والعنصرية.

عادة ما يشير البعض الى بروز الفاشية في البلدان ذات الإقتصاديات الرأسمالية، فأنه يشير الى تلك التي برزت في كل من اليابان والمانيا وإيطاليا قبل الحرب العالمية الثانية، الا أنّ الفاشية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية برزت في بلدان نامية لا تعرف معنى الإقتصاد الرأسمالي، لكنّ بروزها جاء نتيجة عوامل سياسية بحتة الا انها غير بعيدة عن صراع الدول الرأسمالية الكبرى في تأسيس وإنشاء أنظمة دكتاتورية تعمل على تلبية مصالحها. فالإنقلابات العسكرية والأحداث السياسية في إيران والعراق واندونيسيا وتشيلي سنوات 1953 – 1958 – 1965 – 1973 على سبيل المثال والتي نفّذتها أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية، ساهمت في إنشاء أنظمة دكتاتورية فاشية جديدة معادية للديموقراطية وتطلعات شعوبها في البلدان الأربعة، علاوة على تأسيس أنظمة دكتاتورية فاشية في بلدان عديدة في العالم ومنها جمهوريات الموز في امريكا اللاتينية. فالفاشية "والفاشية الجديدة والتابعة تبرز في العديد من البلدان النامية، حيث لا يوجد اساس إقتصادي رأسمالي شبيه بما كان الوضع عليه في المانيا وإيطاليا واليابان، وهي تبرز في هذه الحالة كنتاج مباشر للعامل السياسي اولا حيث تستخدم من قبل الإمبريالية ركائزها المحلية كثورة مضادة للثورة الشعبية التي تهدد سيطرتها" (*) وهذا ما نعيشه اليوم في بلادنا.

أنّ تجربة البلدان الأربعة التي أشرنا إليها قبل قليل تعتبر من التجارب التي علينا تناولها كأمثلة على إستغلال أنظمة دكتاتورية فاشية الطابع ثروات بلدانها الطبيعية، لتحديث البنى التحتية فيها وإستغلال هذا التحديث في بلورة علاقات إقتصادية إجتماعية جديدة تخدم قمّة الهرم السياسي في السلطة ومن يمثّلها. ككبار العسكريين وملّاك الأراضي والشيوخ والأمراء ورجال الدين والقبائل والأقطاع ورجال الإقتصاد والمال، وهؤلاء في الحقيقة هم القاعدة الإجتماعية التي تعتمد عليها الأنظمة الدكتاتورية الفاشية في مواجهة الجماهير.

لقد نجحت الولايات المتحدة في شباط 1963 بإنشاء نظام دكتاتوري فاشي قمعي معاد لمصالح شعبنا ووطننا وقواه الوطنية، وكرّس النظام الجديد والأنظمة التي تعاقبت على السلطة بعده نفس النهج الكارثي والذي إنتهى بإحتلال البلاد من قبل الولايات المتحدة بعد أربعة عقود من ذلك الإنقلاب. لكنّ الأنظمة الدكتاتورية فاشية الطابع والنهج والممارسة التي تعاقبت على السلطة، إستغلّت ثروات البلاد وإن بشكل غير كامل ولا عقلاني في إستمرارها ببناء البنى التحتية للبلاد وتطوير قطاعات عديدة أهمّها التعليم والصحّة وعدد من المشاريع الصناعية التي كانت تسدّ جزء من حاجات البلاد، والتي بدأت تتلاشى منذ مغامرة النظام البعثي الفاشي في حروبه الخارجية والداخلية واثر الحصار الإقتصادي، حتى إنتهى الأمر في أن يكون العراق بقايا اطلال حين حزم البعثيون حقائبهم.

مثلما قامت الولايات المتحدة الامريكية بإنشاء نظام دكتاتوري فاشي في العام 1963 ، فأنها قامت بعد إحتلالها للبلاد سنة 2003 بإنشاء نظام محاصصة طائفي قومي، يحمل - على الرغم من تسويقه كنظام ديموقراطي لا يعرف من الديموقراطية الا صناديق الإقتراع والتي بدورها تدور حولها شبهات الفساد والتزوير - سمات فاشية واضحة المعالم. ومن هذه السمات سلب وعي الجماهير وإعادة صياغته بشكل ديني طائفي - قومي، للإستفادة منه في تأجيج المشاعر الطائفية والقومية، والتي بدورها تعتبر الضامن الاساسي لإستمرار القوى الفاشية على رأس السلطة.

ما يميّز فاشيي اليوم عن فاشيي الأمس، هو أن فاشيي اليوم لم يستغلوا ثروات البلاد لإعادة بناء البنى التحتية كما الذين سبقوهم في العراق وفي البلدان الأخرى، بل عملوا وبجد لنهب كل دينار يدخل خزينة البلاد دون أن يلتفتوا لا لحاجات الناس اليومية ولا لمستقبل البلاد. وإن كانت الحكومات الدكتاتورية الفاشية تعتمد في مواجهتها للجماهير والقوى الثورية على فصيل مسلّح كسند للجيش النظامي في قمعها لهم، فأن الفاشيون الجدد يمتلكون عشرات الفصائل المسلّحة التي لا تعير الجيش أي إهتمام وهي تواجه الجماهير العزلاء، لضعف الجيش من جهة ولإختراق قياداته العليا ومراكز اتخاذ القرار فيه من جهة ثانية. والمشكلة هي أن لهذه الميليشيات الفاشية غطاء قانوني وهي تدخل العملية السياسية من خلال اوسع ابوابها اي البرلمان، كما وانها تتمتع بغطاء ديني منحها صفة القدسية على الرغم من جرائمها الكبيرة!! لكنّ الكارثة الكبرى هي أنّها تعلن وبوضوح من أنّها تنفّذ السياسة الإيرانية بالعراق، وتعلن جهوزيتها للتدخل في اي بلد تتعرض فيه المصالح الإيرانية للخطر، بل وتهدّد بتحويل شوارع الوطن الى ساحات قتال دفاعا عن إيران وسياساتها ومصالحها!!

انّ مصادرة الحريات وقمع الحركات الإحتجاجية والمطلبية والعداء لكل ما هو إنساني في حقول الثقافة والفن والادب، وممارسة إرهاب الدولة وعصاباتها هي من صلب ممارسات الأنظمة الفاشية. وكل هذه الممارسات نجدها اليوم في العراق حيث حكم الأحزاب الدينية والقومية فاشية الطابع والمحتوى.

لقد وقفت الولايات المتحدة ومعها البلدان الغربية جميعها ضد النظام الحاكم في بيلوروسيا وهو يقمع الجماهير التي تظاهرت لتشكيكها بنتائج الإنتخابات، وقد هدّدت السلطات بإتخاذ إجراءات عقابية ضدها من خلال عقوبات على السلطة والمؤسسات والأشخاص الموالين لها، لأنّ السلطة هناك إستخدمت العنف ضد المتظاهرين ما تسبّب بمقتل ثلاثة منهم! لكنّها ومعها كل الغرب لم يفرضوا أية عقوبات لا على السلطة ولا على أية مؤسسة عراقية أو سياسي عراقي ساهم بقتل المئات من المتظاهرين وجرح الآلاف وإختطاف العشرات منهم، لأنّ السلطة التي فرضوها على شعبنا نتيجة إحتلالهم لبلدنا هي سلطة دينية فاشية مشوهّة تخدم مصالحهم على المدى البعيد. والمفارقة هي أن الفاشيّة الدينية بالعراق ونتيجة لعمالة أحزابها للأجنبي، هي ليست كما الفاشية القومية الإيرانية عهد الشاه ولا الفاشية الشيعية كما في عهد الخميني، ففي العهدين الفاشيين بإيران لا تزال الدولة تعمل على جعل إيران رقما صعبا بالمنطقة، بل فاشيّة تابعة جعلت العراق رقما مهملا من جميع النواحي.

لقد ربطت الفاشية الدينية الإيرانية مصير إيران بتاريخها العريق وحضارتها بالتشيّع حتى بات إسم إيران والتشيّع متلازمين، وهذا ما يعمل عليه الفاشيون الشيعة وهم يعملون على ربط جنوب العراق بالتشيّع كمرحلة أولى وبإيران كمرحلة قادمة مستقبلا، وهم يعملون مع باقي أطراف المحاصصة على تهيئة الاجواء لتقسيم البلاد على المدى البعيد، خصوصا وأنّ بايدن وهو الاب الشرعي لتقسيم العراق وبناء شرق اوسط جديد خدمة لمصالح بلاده وإسرائيل مرّشح لقيادة امريكا بعد الإنتخابات الامريكية القادمة.

تعتبر الديموقراطية الحقيقية هي القاعدة المتينة لمحاربة الفاشية الدينية القومية بالعراق اليوم، وهذه الديموقراطية لا تاتي كهبة من السماء أو مكرمة من الاحزاب المهيمنة على المشهد السياسي، بل بنضال طويل ومرير بدأته الجماهير دون ظهير سياسي او نقابات عمالية واتحادات مهنية، لذا نراها تخطأ وهي لا زالت في الامتار الاولى من ماراثون نضالها لانقاذ بلدها من الفساد والمفسدين والميليشياويين والتقسيم ، وهي تطالب بإنتخابات على اساس الدوائر المتعددة والتي هي مطلب القوى الفاشية وطريقها للبقاء في السلطة!!



(*) الفاشية الفكرة والممارسة لزهير الجزائري ص 6

زكي رضا
الدنمارك
9/9/2020

25

السلطة كانت هدف الإمام الحسين ولتكن هدف دعاة الإصلاح

السؤال الكبير الذي يواجه الكثير كل عاشوراء هو: هل خرج الإمام الحسين من أجل السلطة ..؟ هذا السؤال سبّب ويسبّب ولليوم إشكالية كبيرة بين من يرفض هذا الأمر بالمطلق، كونه ينطلق من إيمانه بالمقدّس ومقولة الإمام الحسين " إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي"، وبين قائل من أنّه خرج طمعا بالسلطة التي يرى نفسه أحقّ منها من يزيد بن معاوية. وبين هذين الرأيين نسى الفريقان الطريق الأمثل للإصلاح، وهو الطريق الذي سلكه الإمام الحسين.

لو كان الإمام الحسين مصلحا فقط وزاهدا في السلطة كما تقول شيعته اليوم، كان يستطيع البقاء حيث يقيم في الحجاز وينتقد السلطة في دمشق مطالبا منها إصلاح أمر الرعية، التي وصلت مظالمها عهد الأمويين وهم يتاورثون الحكم الى مديات كبيرة، وخصوصا اهل الذمّة منهم وابناء البلدان التي إحتلّها المسلمون وشيعة ابيه علي بن أبي طالب. ووقتها كان يستطيع وهو في منعة من السلطة أن يفلسف الظلم بين أهل الحجاز والحجيج القادمين الى مكّة كل عام، في أن يطالب السلطة الأموية بالكف عن فسادها وجورها وظلمها بحقّ الرعية، عن طريق مطالبتها بإصلاح منظومة الحكم!! أي مطالبة الفاسد والقاتل والمجرم بإصلاح السلطة لتكفّ يده عن الفساد والقتل والإجرام، وهذا أمر دونه خرط القتاد كما تقول العرب!!

ولمّا لم يكن الحسين طارئا على المشهد السياسي وقتها وهو إبن خليفة وحفيد نبي وشقيق خليفة تنازل عن الحكم، فأنّه كان يعرف جيّدا من انّ إصلاح الأمور في البلاد الإسلاميّة مترامية الأطراف وإنهاء ظلم السلطة للرعيّة وفسادها ونهب ثرواتها، لا تأتي عبر دعوته للإصلاح فقط لأنّ الطريق الوحيد للإصلاح بنظره وهذه هي الحقيقة، كانت وصوله الى سدّة الحكم ليبدأ إثرها مشروعه الإصلاحي.

في العراق اليوم إنتفاضة بدأت بمطالب إصلاحيّة، ولكي تمتص السلطة زخمها باشرت الى رفع شعارات الإصلاح، بل وزايدت في أوقات عدّة المنتفضين في رفعها سقف مطالب الإصلاح هذه!! ولمّا كانت جماهير المنتفضين في غالبيتها شيعيّة وهذا ما نأسف لقوله (لكنّها الحقيقة المرّة)، فعلى هذه الجماهير أن تنظّم صفوفها وهي تتعرّض للقتل والتخوين، في أن تعمل على توحيد خطابها السياسي لمواجهة السلطة الفاسدة المفسدة، وعليها أن تعرف جيدا من ان الإصلاح لا يأتي الا بوصول ممثلين حقيقيين لها الى سدّة السلطة.

لقد قُتِل الحسين وفقدت الشعوب العربية والإسلامية من وقتها ولليوم كل أثر للإصلاح، فهي في تراجع مستمر على مختلف الصعد إن لم تكن جميعها. أنّ الجماهير في مفترق طرق، فأمّا الإستمرار بالتظاهرات هنا وهناك مطالبين بالإصلاح وهذا ما لن يحصلوا عليه مطلقا، وأمّا الثورة على السلطة لهدم أسس الفساد وبناء نظام جديد يأخذ على عاتقه إصلاح أوضاع البلاد. إن اردتم ان تتعلمّوا من الحسين أمرا، فتعلّموا منه انّ الوصول للسلطة هو مفتاحكم للإصلاح والتغيير.

فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم الحياة
كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة
فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة
وبذاك تنتصر الحياة
فاذا سكتّم بعد ذاك على الخديعة وأرتضى الانسان ذُلّه
فأنا سأُذبح من جديد                                         
                                                                   
                                   "من مسرحية الحسين شهيدا لعبد الرحمن الشرقاوي"



زكي رضا
الدنمارك
30/8/2020
 




26
الكاظمي وتراث بهجت العطية

يعتبر رئيس الوزراء " العراقي" مصطفى الكاظمي إبنا شرعيا لنظام المحاصصة التي إجتازت ببلادنا جميع الموانع وهي تتجه بها نحو الهاوية، ولم يتبوأ منصبه الّا بتوافقات سياسية منها ما هو علني ومنها ما هو "سرّي". الا أنّه بالمحصّلة النهائية يعتبر رجل إيران بالعراق، وحتّى لو حاول أن يُظهر عكس ذلك فأنّ حصوله على الضوء الأخضر من الميليشيات الشيعية لتبوأ مركزه تعني أنّ ولاءه ليس للعراق، فالميليشيات الشيعية ومعها الأحزاب الشيعية  لم تخجل يوما من  إعلان ولاءها لدولة وليّ الفقيه، كما وأنّ الحكومات التي تقودها الأحزاب الشيعية لم تخرج منذ الإحتلال لليوم عن فلك إيران ومصالحها.

الكاظمي ليس سياسيّا عاديا، وليس من الأسماء التي كانت معروفة لجماهير شعبنا كما ساسة آخرون. فالرجل رئيس جهاز مخابرات دولة، وهو بحكم منصبه هذا يتحكم بملفّات أمنية وغير أمنيّة.  وهو يعرف جيدا تحركات الميليشيات والإرهابيين وأوكارهم وتسليحهم والدول التي تدعمهم، وهو على دراية كبيرة بملفّات الفساد وزعمائها، والّا لكان اسوأ رئيس جهاز مخابرات على مرّ التاريخ الإنساني وليس العراقي فقط. لكنّ الأمر المثير "للإستغراب" من أنّ الرجل لم يقدّم فاسدا واحدا من الرؤوس الكبيرة التي يعرفها أبناء شعبنا للمحاكمة ليومنا هذا، ولم يفتح ملفات عقود الكهرباء والطائرات والنفط والموانيء والمعابر الحدودية والمدارس الهيكلية وعقود وزارة الصحة والتربية وغيرها المئات إن لم تكن الآلاف، ولم يتقرب مطلقا من ملفات سبايكر وإحتلال الموصل ولم يتحرك للحد من سطوة الميليشيات، بل ما أن حاول إعتقال مجموعة منهم وبالجرم المشهود حتى رأيناهم ليس مطلقي السراح فقط  بل يحرقون صوره وداسوا عليها بأحذيتهم إمعانا في إهانته وتحذيره في أن يعرف حدوده المرسومة اليه من قبلهم وراعيهم الإيراني بدقّة.

رجل المخابرات هذا لم يكن خيار الجماهير المنتفضة لليوم، على الرغم من طرحه شعارات برّاقة لم ينفّذ منها لليوم أي شيء. فالرجل تراجع عن كل ما جاء به في خطابه وهو يتسنم منصبه بمباركة إيرانية أمريكية، فلا ملف للفساد قد فُتح مثلما ذكرنا قبل قليل ولا مسؤول عن قتل مئات المتظاهرين قد قدّم للمحاكمة ومنهم من صدرت بحقه مذكرة إعتقال من قبل القضاء العراقي كجميل الشمّري، وليس هناك في الأفق ما يشير الى تنفيذ تعهده بإجراء إنتخابات مبكّرة وفق مطالب المتظاهرين وليس وفق تدوير نفس النفايات التي رشّحته لمنصبه من جديد.

الأمر الوحيد الذي لم يحدث في عهد الكاظمي القصير هذا، هو عدم وجود قتلى في صفوف المتظاهرين كما سلفه، ولا حرق لخيام المتظاهرين كما سلفه، ولا إختطاف ناشطين كما سلفه، ولا إغتيال كما سلفه، كل هذا كان لفترة قصيرة جدا. أمّا اليوم فهناك قتلى وجرحى بين المنتفضين، وهناك حرق لخيام المعتصمين، وهناك حالات إغتيال وإختطاف، حتّى أنّ هناك حالة إختطاف لمواطنة المانية تمّ إطلاق سراحها لاحقا دون أن تُعلن حكومة الكاظمي الجهة التي نفّذت الإختطاف!

الكاظمي وهو يتنصل عن وعوده وأجهزته القمعية تلاحق الناشطين،  والميليشيات تغتال وتخطف تحت مرأى ومسمع الشعب العراقي، يستلهم تراثه من أسلافه ومنهم بهجت العطيّة رئيس التحقيقات الجنائية ( الأمن العامّة) في العهد الملكي والذي كان يلاحق الشيوعيين والوطنيين والمناوئين للعهد الملكي، والمسؤول عن إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي بعد نجاح وثبة كانون في إسقاط معاهدة بورتسموث كونهم قادوا وثبة شعبهم وهم داخل سجن الكوت. لكن يبقى هناك فرق جوهري بين الأثنين، فالعطيّة لم يقل من أنّه في طريقه لمحاربة فساد رجالات العهد الملكي وتقديمهم للمحاكمة ولا لمحاربة الإقطاع وإضطهادهم للفلاحين البسطاء، ولا منح الشعب حقّ التظاهر، ولا محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين في وثبة كانون وغيرها من الإنتفاضات والتظاهرات والاعتصامات، ولم يعمل على حصر السلاح بيد الدولة،  ولم يحدد سقفا زمنيا لإنتخابات ديموقراطية عادلة، كون العطيّة كان صادقا مع نفسه وهو يمارس " حقه" في قتل السياسين وملاحقتهم كونه كان إبنا شرعيا لذلك النظام. أمّا الكاظمي فهو صادق أيضا مع نفسه ومع من أوصله للسلطة، كونه ينّفذ الأوامر " السريّة" للقوى التي توافقت فيما بينها على ترشيحه والتصويت لصالحه وحكومته، كونه إبن شرعي لنظام فاسد ومجرم.

الفرق الوحيد بين الأثنين هو أنّ العطيّة لم يكذب.

زكي رضا
الدنمارك
29/7/2020



 






27
سترون يد إيران القويّة ... أين!؟

لم يتخلف نظام الملالي في إيران عن بقية الأنظمة القومية العربية في متاجرته بالقضية الفلسطينية، ومثلما لم تحقّق الأنظمة القومية العربية أي نجاحات تذكر للفلسطينيين منذ أكثر من سبعة عقود، فإنّ نظام ولي الفقيه لم يستطع هو الآخر من تقديم أي شيء يذكر للفلسطينيين وقضيتهم العادلة منذ اكثر من أربعة عقود. ويبقى الفرق الكبير بين إيران والدول العربية وهم يتاجرون بقضية الشعب الفلسطيني، هو أنّ الانظمة العربية القومية كمصر وسوريا لم يطالبوا كما إيران بمنحهم بضع كيلومترات من خطوط التماس من إسرائيل لمحوها!

لقد صرّح العديد من رجال الدين الإيرانيين وضباط من الحرس الثوري الإيراني "باسداران" وقادة كبار في الجيش الإيراني مرّات عديدة وفي محافل مختلفة، من أنّه لو كان لإيران حدود مع الدولة العبرية لأزالت إيران هذه الدولة من الوجود! فهل ما تقوله إيران فيه شيء من الحقيقة أم أنّه متاجرة بهذه القضية التي أمست اليوم ونتيجة فشل المشروع القومي العروبي وطريقة تعاطيه مع الصراع العربي الإسرائيلي، قضية وطن على شريط ضيّق طوله 41 كم وعرضه يتراوح بين 5 – 15 كم، إضافة الى أجزاء من الضفّة الغربية المحتلّة والتي بدأت إسرائيل بقضم أجزاء منها معتمدة على واشنطن في تحدّيها للرأي العام العربي والإسلامي غير المهم بنظرها، إضافة للرأي العام الدولي والأوربي.   

منذ بداية ثمانينات القرن الماضي كانت لإيران حدود مشتركة مع إسرائيل عن طريق وكيلها في الجنوب اللبناني أي حزب الله، وإن كانت إيران لا تستطيع تحرير فلسطين من خلال الجنوب اللبناني  ليصلّي ولي فقيهها في القدس بمعيّة الإمام المهدي كونها لا تسيطر على كامل كامل القرار السياسي اللبناني. فأنّها تستطيع تحرير فلسطين من خلال مرتفعات الجولان السوريّة، وهي تمتلك كامل القرار السياسي السوري.   

قبل ايّام حذّر الناطق بإسم القوّات المسلّحة الإيرانية الجنرال ابو الفضل شكارچي ردّا على كذب إسرائيل في قصفها لمواقع معسكرات يتواجد فيه مستشارون إيرانيّون في سوريا مثلما قال، من أنّ إسرائيل وفي حالة إستمرارها في ترويجها لمثل هكذا أكاذيب، فأنها سترى اليد الإيرانية القوية كردّ على أكاذيبها! في حين  " إن القوات الإيرانية والجماعات المسلحة التي تديرها في سوريا قد ابتعدت عن الحدود الفاصلة بين سوريا وإسرائيل مسافة 85 كيلومترا في الفاتح من شهر اغسطس/آب الحالي سنة 2018  (دمشق تبعد عن خط الفصل بين اسرائيل وسوريا أقل من 40 كم)"، فهل من يريد أن يحرر فلسطين يسحب قواته لهذه المسافة البعيدة، أم أنّه يريد تحريرها بالأدعية والصلوات!! كما اكّد مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتييف في نفس الفترة "إن مقاتلي حزب الله والمليشيات الشيعية التي تدعمها إيران قد انسحبوا جميعا من هناك"، ليضيف قائلا " أن الإيرانيين الذي يعملون بصفة مستشارين عسكريين مع قوات الحكومية السورية لا يشملهم هذا الإجراء ويمكنهم أن يظلوا مع القوات السورية في مواقع انتشارها قرب الحدود بين سوريا وإسرائيل"، فهل ولي الفقيه يريد تحرير فلسطين بمستشارين عسكريين!!

لا شك أنّ يد إيران قويّة وطويلة، لكن أين؟ أنّها طويلة وقويّة في العراق حيث عصاباتها وميليشياتها المنفلتة تتحكم بالقرار السياسي العراقي، وحيث زعماء الأحزاب الشيعية المؤتمرين بأمرها حوّلوا البلاد الى ضيعة لولي الفقيه. أنّ يد إيران ليست قويّة فقط بل أقوى من "الدولة" العراقية وميليشياتها تسيطر على المنافذ الحدودية منذ الإحتلال لليوم، ولا يعرف الا الله والراسخون بالعلم وولي الفقيه ونظامه المتخلّف مدى الضرر الذي لحق بشعبنا ووطننا جرّاء هذه السيطرة. نعم، أنّ يد إيران قويّة على طول حدودها مع العراق وليس إسرائيل، فجيشنا وقواتنا المسلحة لا يستطيعان إعتقال إرهابي واحد ناهيك عن خوض أية مواجهة عسكرية مع أي دولة غازية كما تركيا، وقد شاهدنا كيف أطلقت الحكومة العراقية سراح إرهابيي حزب الله "العراقي" بعد ساعات من إعتقالهم، وكيف أنّ جيشنا والميليشيات الشيعية "الحشد الشعبي" وقوات البيشمركة لم ولن تحرّك ساكنا لمواجهة عدوان السلطان العثماني على أراضينا!

لكن إيران تبقى الأقوى وهي تمتلك خطوط تماس مع الشعب الإيراني، فنراها تقمع هذا الشعب إن خرج مطالبا بحقوقه وتعدم شابّاته وشبّانه، هي الأقوى في قمع تطلعات القوميات المطالبة بحقوقها، هي الاقوى في نهب ثروات الشعب الايراني، هي الاقوى في انتشار التخلف الديني بين شعوب إيران، هي الأقوى في زيادة نسبة الفقر والجوع والمرض بين صفوف ابناء شعبها. وتبقى سلطات إيران غير قادرة على توفير إجابات مقنعة لشعبها حول سلسلة الحرائق والإنفجارات التي سببت صداعا لنظامها الثيوقراطي المتخلف. 

الجنرال ابو الفضل شكارچي، لتكن يد نظامكم قويّة فى توفير حياة كريمة للشعب الإيراني من خلال عدم التدخل بشؤون البلدان الأخرى وتبديد أمواله.  الجنرال ابو الفضل شكارچي، لوكنتم قد أستخدمتم نفس القوّة التي واجهتم وتواجهون به الشعب الإيراني والعراقي الباحثين عن حياة كريمة  مقابل بضعة جنود إسرائيليين، لصدّقناك ومعك ولي فقهيك من أنكم ستصلّون غدا في القدس.

زكي رضا
الدنمارك
17/7/2020   


 








28
المنبر الحر / ثرثرة فوق دجلة
« في: 17:00 06/07/2020  »
ثرثرة  فوق  دجلة

رجل دين يبيع المواعظ للمؤمنين علانية، لكنه  منحرف ومتهتّك ومخادع سرّا! رجل دين يلبس وأطفاله السندس والأستبرق، والأيتام عراة أو بملابس رثّة وهم يعيشون على ما تجود به المزابل! رجل دين يضاجع الغانيات على أسرّة مذهبّة في محرابه ليلا، ويَعِظَ  الناس بمكارم الأخلاق نهارا! رجل دين يعيش كما الأباطرة متمتعا بأكل الحلوى السويسرية، وحلوى أطفال الفقراء بقايا تمر مُتْرب ومغمسّ بذلّ الفقر! رجل دين يذكر زهد علي في كل خطبة من خطبه، ويكتنز الذهب والفضّة! رجل دين يتحدث عن شجاعة الحسين وإباءه لاطما رأسه،  الّا أنّه يحتمي بمئات من الحرس المدجّجين بالأسلحة!

 " إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ " ورجل ديننا معجون بالخيانة! " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ورجل ديننا مُفسِد من قمّة عمامته حتّى "أخمص" نعله الإيطالي! " إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " ورجل ديننا يعتدي على الوطن فيبيعه وعلى الفقراء فيسرقهم وعلى الأعراض فينتهكها! " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" ورجل ديننا يظلم ويظلم ويظلم بإسم الله،  بعد أن سَجًنَ الله في جيب من جيوب جبّته التي حيكت من قماش إنجليزي فاخر! " وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" ورجل ديننا يجلس على منبره ليُفتي بالإعتداء على الناس الذين يطالبون بحقوقهم التي سرقها وأعوانه! " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ "، ورجل ديننا يعالَج في مستشفيات لندن ولا دواء للفقراء! " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ "، ورجل ديننا المؤمن بالله غَنَمَ العراق وإستأثر بالخمس كله وترك الفقراء والأرامل والأيتام ملومون محسورون منهوبون! " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "، ورجل ديننا الذي خُلِقَ قبل الشيطان بدهر يشجّع الفقر ويجمّله، والفقر طريق للفحشاء والرذيلة! " هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَـزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ " ليس هناك أفّاك أثيم لعين ليكون أنيسا للشياطين كما تجّار الدين عندنا ورجاله! رجل ديننا لا يعرف سماحة الدين، لكنّه خبير بشرور الطائفية!

"وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ"، أمّا في مدينتنا فهناك الآلاف يُفسدون في العراق ولا يُصْلِحُون، ورجال الدين يباركونهم ويشاركونهم فسادهم ونهبهم وخرابهم! لم تنتهي الثرثرة  الّا حينما خرج الفقراء للصلاة فجرا، وآوى رجال الدين مخمورون الى مضاجعهم بالعوّامة الخضراء على شاطيء دجلة ومعهم خليلاتهم بعد قضائهم  ليلة حمراء ماجنة! ماذا عن الفجر مولاي " إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا"، إصمت أنّها بضاعتنا التي نبيعها للناس! ولكنه كتاب الله مولاي،  صه أنّها ثرثرة!!

ما بين القويسات آيات من القرآن الكريم

زكي رضا
الدنمارك
4/7/2020






   




29
لا خوف على التومان الإيراني ..!

منذ اسابيع والعملة الإيرانية (التومان) تشهد تراجعا كبيرا امام الدولار الامريكي وبقية العملات في السوق الموازية، وقد بلغ التراجع خلال الأيام الاخيرة مستويات قياسية وبسرعة كبيرة. فسعر صرف الدولار في السوق الإيرانية تجاوز حاجز الثمانية عشر الف وخمسمائة تومان مهددا مدخرّات الناس، دون أن يؤثّر على أصحاب رؤوس الاموال. فإنهيار سعر صرف التومان مقابل الدولار الامريكي يؤدي الى انخفاض القوّة الشرائية للمواطنين الايرانيين، ما يؤثّر بشكل كبير على حياة محدودي الدخل والموظفين ذوو المداخيل الثابتة والمتقاعدين، الذين ستزداد معاناتهم نتيجة إرتفاع اسعار السلع متأثرة بالتضخم الناتج من انخفاض المداخيل النقدية الحقيقية.

هل سعر الدولار الامريكي يتأثر بالأوضاع السياسية التي تعيشها ايران أم بوضعها الاقتصادي وتداعياته، هذا السؤال يجيب عليه مرتضى عزّتي أستاذ الإقتصاد بجامعة " تربيت مدرّس" قائلا " إن سعر العملة الأميركية في إيران يخضع للحسابات السياسية أكثر من المؤشرات الاقتصادية، مما يجعل التكهن بالمستقبل عملية عصيبة "، الا أنّ الباحث الإقتصادي مرتضى ميري وقبل بدأ السنة الفارسية الجديدة (  21 آذار/ مارس 2020 ) قال: " أن ظروفا عصيبة تنتظر العملة الإيرانية خلال العام الإيراني الذي سيبدأ في 21 من الشهر الجاري، وتوقع أن تتراجع أكثر من ألف ريال مقابل الدولار الذي سيبلغ سعره 170 ألف ريال في العام الإيراني الجديد – سعر الدولار اليوم 187200 ريال".

الحصار المفروض على إيران وفساد السلطة فيها والمضي قدما في برنامجها النووي وتحديثها المستمر لترسانتها العسكرية محليا، والأهم تدخلها المباشر في شؤون الدول الأخرى كسوريا ولبنان واليمن، تعتبر من الأسباب الرئيسية لتراجع الاقتصاد الايراني، والذي أصبح اكثر قتامة وفق وجهة نظر الباحث مرتضى ميري الذي قال: "نظرا للتطورات الأخيرة ووقف الصادرات خلال العام المقبل (العام الإيراني)، فإننا سنواجه عجزا في احتياطي البلاد من العملة الصعبة، لا سيما علی ضوء إغلاق الحدود وتوقف تصدير البضائع غير النفطية إلی الخارج". 

إذن فالعامل السياسي هو الذي يؤثّر في أوضاع إيران الاقتصادية، كونها تستطيع أن تتجاوز الكثير من ازماتها فيما لو إنتهجت سياسة مغايرة لما تنتهجه اليوم. خصوصا وأنّ تدخلاتها في لبنان وسورية واليمن واللواتي إنهارت عملاتها أسوة بالتومان قد أنهكت الأقتصاد الإيراني بشكل كبير، ما أثّر بشكل اكبر على أوضاعها الداخلية. فتظاهرات الشعوب الإيرانية نهاية العام الماضي إندلعت بسبب رفع اسعار البنزين من قبل السلطات، وكدليل على إستهتار السلطة هناك بحياة الناس ومشاعرهم نراها تقوم اليوم بإرسال البنزين الى فنزويلا لتخفيف نقصه الحاد هناك، وقد فعلت نفس الأمر مع سوريا العام الماضي.

سلطة العصابة في العراق تفعل المستحيل لضخ الروح في الإقتصاد الإيراني، فالبدء بفتح المعابر الحدودية معها لتسهيل دخول البضائع الإيرانية للبلاد ومنافستها للمحلية منها ليست وليدة اليوم، بل هي إستمرار لنهج سياسي مدمّر لإقتصاد العراق. وسلطة المحاصصة ذات الطابع الشيعي لا تكتفي بإستيراد ما تنتجه السوق الإيرانية وإن كان فضلات بشرية!! بل تعمد وبإصرار غريب على حرق المحاصيل الزراعية وقتل الأسماك وإغراق السوق المحلية بكل البضائع الفاسدة. والسلطة نفسها تضخ المليارات سنويا في الإقتصاد الايراني عن طريق مزاد العملة والذي يعتبر من أشهر اوجه الفساد بالبلاد.

 لو كنا قد دفعنا لايران مبلغ  100 مليار دولار كتعويضات لحرب شنّها صدّام ورفض الخميني إنهائها قبل ان يتجرع السم اخيرا مثلما طلب عبد العزيز الحكيم  وقتها مقابل ان يكون لدينا موقف وطني،  لكنّا قد وفرنا مئات مليارات الدولارات التي نهبتها ايران عن طريق وكلائها من زعماء الاحزاب والميليشيات والعصابات والمافيات الشيعية. على السلطات الإيرانية ان لاتخاف مطلقا على وضع التومان الإيراني ولا على وضعها الإقتصادي، فاسواقنا ونتيجة خيانة ساستنا لبلدنا وعمالتهم لها ستستمر مفتوحة امام بضائعهم، وعملتنا الصعبة ستّهرّب اليهم بإستمرار، واموالنا المنهوبة ستستثمر في بلادهم.

لكي تكتمل اوجه الكارثة في العراق فأنّ اللقاء الذي جرى بين رئيسي البنكين المركزي الايراني عبد الناصر همّتي والعراقي علي العلّاق مؤخرّا، تكمن في اتفاق ايران مع الجانب العراقي بإستخدام  مواردها المالية الكبيرة بالعراق!! لشراء إحتياجاتها من السلع التي لا تستطيع شراءها من السوق العالمية نتيجة الحصار المفروض عليها عن طريق البنوك العراقية، اي تحويل التومان الايراني و الدينار العراقي الذي تحصل عليه من خلال عمليات اختلاس الاموال التي يقوم بها الحرس الثوري الايراني عن طريق مؤسسة " لجنة إعادة إعمار العتبات المقدّسة" في العراق " ستاد باز سازي عتبات عاليات" والمسؤولة عن أذرع أخطبوطية تنهب المال العراقي العام بمعرفة غالبية الساسة الشيعة وبمساعدتهم، وكذلك الاموال التي يحصل عليها الحرس الثوري من خلال عمليات التهريب وغسيل الاموال من خلال شركات وهمية او شركات بادارة عراقية شيعية تعمل لصالحها، الى العملة الصعبة وتهريبها للداخل الإيراني أو إستخدامها في المعاملات المالية عن طريق البنوك العراقية. 

 ومن هنا نقول "آقايان"،  ايها السادة الإيرانيون، عليكم ان تقلقواعلى اقتصادكم وتومانكم متى ماكانت لدينا حكومة وطنية تهمّها مصلحة شعبها، لكن والأمر هو كما اليوم فعليكم ان تضعوا " في بطونكم بطيخة صيفي" كما يقول المثل.

زكي رضا
الدنمارك
18/6/2020

   
 

30

سائرون تتمسك بقانون إنتخابي على مستوى الدرابين


عندما تمّ الترويج لتحالف سائرون وضرورته كتحالف ذو برامج عابرة للطائفية ويسعى " بشكل اساسي للخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والسياسية، وتعزيز الطابع المدني للدولة". خرجت أصوات عديدة تبارك هذا التحالف التاريخي، مطالبة بالوقوف الى جانبه وتعزيز دوره كونه " سفينة نجاة " العراق والقادر على بناء دولة المؤسسات وتأمين العدالة الإجتماعية!! كل هذا بالحقيقة غيض من فيض برنامج طموح لم ينفّذ منه كلمة واحدة، بل على العكس فأنّ تحالف سائرون الذي كان يقوده ولا يزال مقتدى الصدر تنصَل عن جميع ما ورد في برنامجه. فـ "حريّة التظاهر والإعتصام " ترجمه التحالف الى قتل المتظاهرين وإختطافهم، و"  ضمان حقوق النساء وتوسيع مشاركتهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية " ترجمها التحالف الى ملاحقة الناشطات وتهديدهنّ علنا وعلى رؤوس الأشهاد، أمّا " تشريع قانون الكسب غير المشروع " فترجمه التحالف الى إستمرار اللجان الإقتصادية للأحزاب المتنفذة في نهبها وسرقاتها للمال العام.

لمّا كان قانون الإنتخابات هو المفتاح الرئيسي لحل مشاكل البلاد كونه سيغيّر شكل اللوحة السياسية فيها، فإنّ الآمال عقدت على التحالف في " إصلاح المنظومة الانتخابية لضمان إجراء انتخابات دورية منتظمة نزيهة وحرة، وتشريع قانون انتخابي عادل يتيح المشاركة الواسعة ودون أي تمييز بين المواطنين". الّا انّ التحالف سقط في أوّل إمتحان جدّي لتحقيق هذا المطلب المهم جدا حينما صوّت النواب الصدريون والذين يشّكلون 96.4% من أعضاء التحالف على قانون سانت ليغو 1.9 ، ليرسّخوا نهج المحاصصة الطائفية والسياسية وعلى الضد من حلفائهم في التحالف!!

بعد إندلاع إنتفاضة أكتوبر وضغط الشارع من أجل إجراء إنتخابات مبكّرة تسبقها تعديل قانون الإنتخابات، و تشكيل مفوضّية إنتخابات جديدة تمتاز بالنزاهة والمهنية لتحقيق ولو الحد الأدنى من نزاهة الإنتخابات، خرج علينا تحالف سائرون بما هو أكثر بؤسا من قانون سانت ليغو 1.9 الذي صوّت عليه سابقا  وكأنه يقول لحلفاءه قبل أصدقاءه، من أن الصدريين وميليشياتهم لن يسمحوا لأية جهة سياسية علمانية أو ديموقراطية من الوصول للبرلمان العراقي بأعداد قد تشكل لوحة سياسية جديدة بالبلد. ليعلن هذا التحالف الكارثي الذي يقوده مقتدى الصدر موقفه الرسمي من تعديل قانون الإنتخابات النيابية مؤكدا " تمسكه  باختيار نظام الدوائر الانتخابية المتعددة والبالغ عددها "240" دائرة".

هذا العدد من الدوائر الإنتخابية وفي ظل قانون إنتخابي لا زال لصوصيا، ومفوضّية إنتخابات قوامها المحاصصة، وإستخدام الميليشيات التابعة للأحزاب السياسية ومنها تحالف سائرون الصدري لتهديد الناخبين، وعدم "معرفة" مصادر تمويل الحملات الإنتخابية لحيتان الفساد، وشراء ذمم الناس بالمال وأكياس البطاطا، وتوزيع الأراضي بسندات وهمية لا تفضي الا الى إعادة تدوير نفس النفايات التي هيمنت على السلطة التشريعية خلال السنوات السابقة.

أن يكون العراق 240 دائرة إنتخابية وليس دائرة واحدة، يعني عدم إمكانية منافسة القوى الديموقراطية لقوى الفساد في الإنتخابات التشريعية القادمة. فمئتين وأربعين دائرة إنتخابية تعني أنّ الصدريين يريدون الإنتخابات أن تجري على مستوى الدرابين ليضمنوا فيها فوزا مريحا، من خلال ترشيحهم لرجال الدين والوجهاء ورجال العشائر الموالين لهم.
أقترح على تحالف سائرون الصدري أن يتمسّكوا بقانون إنتخابي على مستوى " بن بست"، الذي سيضمن لهم وحلفائهم برلمانا لا صوت معارض فيه على الإطلاق.

الدرابين مفردها دربونة تعني الأزقّة بالمحكية العراقية.

بن بست، فارسية تعني الزقاق الذي له منفذ واحد.

زكي رضا
الدنمارك
9/5/2020


 





31
أثر غياب القوى الديموقراطية على انتفاضة شعبنا


لم تستطع القوى الديموقراطيّة العراقية على إختلاف مدارسها الفكرية من ترجمة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي هيمنت على البلاد منذ الاحتلال لليوم،  تلك التي عانى ويعاني منها قطاع واسع جدا من جماهير شعبنا، الى فعل جماهيري منظّم ليواجه آلة الفساد والخراب السلطويتين. وفشل هذه القوى في بلورة مواقف موحدّة وإن بالحد الأدنى منها بعض الأحيان، دفع القوى المهيمنة على السلطة نحو المضيّ اكثر في استهتارها بمقدرّات شعبنا ووطننا، هذا الاستهتار الذي دفع شعبنا ليعلن اولى جولات نضاله ضدها في شباط 2011 ، ليبدأ من حينها وبهدوء الربيع العراقي الذي لم تكتمل ملامحه لليوم رغم تجاوزه بعض الصعاب التي لم يكن من الممكن تجاوزها سابقا، نتيجة تجذّر العامل الطائفي من جهة وإرتفاع اسعار النفط الذي ساهمت امواله في تحييد الملايين من الموظفين ونحن نعيش الدولة الريعية بكامل اوصافها وابعدتهم عن المشاركة في الحياة السياسية بشكل ايجابي.

لقد إنطلقت إنتفاضة شعبنا بعد تجربة مؤلمة وطويلة مع قوى طائفية فاسدة أوصلت البلاد الى حافة الهاوية، لتتخلى الجماهير المنتفضة عن النضالات المطلبية نحو نضال أوسع وأكثر مساحة، أي النضال من أجل تغيير كامل وشامل لشكل اللوحة السياسية في البلاد. وهنا كان على اليسار والقوى والمنظمات المهنية  والديموقراطية وهي تعيش إستعادة الجماهير لوعيها أن تنسّق خطابها السياسي وأن تعمل معا متجاوزة إنقساماتها من أجل إعادة إكتشاف شعبنا وهو يسطّر إحدى أكبر مآثره في تاريخه الحديث، والمساهمة الفاعلة في هذا الحراك الجماهيري لتأخذ هذه المأثرة قوّة أكبر ومساحة أوسع. كما كان عليها (لايزال) أن تستوعب الظروف والأحداث والتغيّرات التي رافقت وترافق هذه الإنتفاضة بإعتبارها مشروعا للتغيير، وأن تعمل دون كلل على تعميق الهوّة بين الجماهير المسحوقة والسلطة الفاسدة، لا أن تضع قدما مع الجماهير وأخرى مع السلطة أو إحدى أركانها خصوصا وإن كانت السلطة أو ميليشياتها إرتكبت وترتكب جرائم القتل والإختطاف وإرهاب الناشطين.

الأولوية الآن هو تحويل الحراك الجماهيري من شكله الحالي الى حراك أغلبية جماهيرية  أي العمل على دفع فئات أوسع من المجتمع للمشاركة والمساهمة بالإنتفاضة، وهذه المهمّة هي مَهمّة اليسار والقوى الديموقراطيّة تحديدا وليس غيرها. فهل اليسار ومعه القوى الديموقراطية قادرون على تحقيق هذه المَهمّة، وهل سلوك اليسار والقوى الديموقراطية وسياساتهم وتعاطيهم مع القوى السياسية المناوئة للإنتفاضة مقبول جماهيريا؟

المساهمة في إنتفاضة شعبنا تتطلب إصطفاف كامل مع الجماهير التي قدّمت لليوم المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى والمعاقين والعشرات من المخطوفين والمغيّبين، والإجابة عن عشرات الأسئلة التي يطرحونها وهم يبحثون عن سبل جديدة لديمومة الإنتفاضة وإستمرارها حتى تحقيق مطالبها. لا أن يكون خطاب هذه القوى منسجما مع مطالب الجماهير من جهة وناعما مع القوى التي تساهم بقتل نفس هذه الجماهير من جهة ثانية، من خلال إستمرار عملها مع هذه القوى التي تعرفها الجماهير كقوى مجرمة ساهمت في قتل عشرات المنتفضين وتعمل بشكل فاعل على وأد الإنتفاضة.

ستبقى الجماهير وهي تواجه آلة القمع السلطوية الميليشياوية  تتعرّض لأبشع أشكال التنكيل دون ظهير سياسي تستند اليه، واليسار والقوى الديموقراطية لم يحسموا أمرهم بإنحيازهم الكامل الى جانبهم لليوم، وستكون الإنتفاضة معرّضة لإنتكاسات  كبيرة قبل أن تتكلّل بالنصر القادم حتما.  الّا أنّ الجماهير وهي في غمرة نضالها هذا تردّد بشكل غير مباشر كلمات لينين بلغة عراقيّة أصيلة ونابعة من رحم المعاناة التي تعيشها " قدّموا لنا تنظيما من الثوريين، وسنقلب العراق رأسا على عقب". وإن كان وعي الجماهير اليوم ليس كما الأمس، فوعي اليسار والقوى الديموقراطية وهي تعيش حالة إستعادة هذا الوعي أن تكون كما وعي الجماهير  اليوم وليس كما وعيها بالأمس.

من غير الممكن جمع " صيف وشته بفرد سطح " ، فهل يعي اليسار ومعه القوى الديموقراطية هذا المثل.   


زكي رضا
الدنمارك
7/6/2020





   



32
النقد ودوره في بناء عراق جديد


الصراع السياسي في العراق لا علاقة له بالصراعات الفكرية بين أحزاب لها برامج ورؤى مختلفة حول بناء الدولة وشكل النظام السياسي فيه، كون جميع الأحزاب التي تتفق على أنّ ما يجري بالعراق هو عملية سياسية ستتطور حتما في ظل نفس الظروف التي يعيشها البلد منذ الإحتلال الأمريكي لليوم، هي شريكة بشكل أو بآخر في خلق الفوضى التي نعيشها على مختلف الصعد، لأن "العملية السياسية" منذ أن بدأت ولليوم هي في تراجع مستمر لصالح قوى الفساد والميليشيات. وتبقى الحقيقة في أنّ الصراع السياسي في البلد له علاقة مباشرة بصراعات حزبية وتأمين مصالح ساسة ورجال دين ومافيات إقتصادية تحت واجهات وتعريفات مختلفة، وهذا ما يعرفه ويلمسه المواطن المحروم من حياة آدمية لائقة بشكل يومي، ناهيك عن المهتمين بالشأن السياسي من أفراد وأحزاب وتنظيمات.

الصراع بين القوى المهيمنة على السلطة في العراق ليس خصومة فيما بينها أو أداة ووسيلة للنهوض بواقع البلد المتخلف، بل أداة للتنافس على نهب قوت الفقراء بكل السبل المتاحة. ومثل هذا "الصراع" لا يؤدي الى تطور وتقدم العملية السياسية وبالتالي بناء الدولة على أسس متينة وصحيحة، كونه لا يجري بين قوى متناقضة من حيث نظرتها للبلد والشعب ومصالحهما. فجميع القوى التي "تتصارع" علنا فيما بينها نراها تتوصل في "الغرف السرية" الى تفاهمات حول إستمرار "العملية السياسية" كما هي ولتستمر في نفس النهج الكارثي الذي حول البلد الى حطام وحياة الناس الى جحيم.

انّ الذي يؤدي الى تطور العملية السياسية وبالتالي بناء الدولة والمجتمع على أسس صحيحة هو الصراع بين نقيضين، ولمّا كانت قوى المحاصصة غير متناقضة في أهدافها ولا في شكل بناء الدولة والمجتمع كما أشرنا قبل قليل، فأن الحديث عن تطور ما تسمّى بالعملية السياسية في ظلّ هيمنة قوى المحاصصة وأذرعها المسلحّة على المشهد السياسي هو بالحقيقة أضغاث أحلام. إذن ولتتطور العملية السياسية وتتقدم خدمة لمصالح البلد والمجتمع يفترض وجود نقيض سياسي في مواجهة أحزاب السلطة، نقيض يمتلك برامج ورؤى سياسية إقتصادية إجتماعية مغايرة كمّا ونوعا لما تحمله غريمتها في مناح كثيرة، نقيض غير نخبوي يدخل في صراع حقيقي من أجل مصالح الناس والوطن، نقيض يكون سلاحه الفعّال النقد العلني والبنّاء لكل ما تواجهه البلاد والجماهير من خراب على مختلف الصعد. وهذا النقيض عليه أن لا يؤجّل نقد الظواهر السلبية لحين توفر ظروف طرحها، متعللا بعدم نضوج الظرف الموضوعي لمواجهة غرماءه به. وإن كانت الظروف التي يمر بها العراق اليوم غير ملائمة لطرح السلبيات علانية وبجرأة فمتى يكون وقتها إذن؟ هل حينما ينهار المعبد على رؤوسنا ووطننا؟

النقد ليس إثارة للفتنة كما يروّج المتحاصصون اليه في محاربتهم إياه وإظهاره أمام جمهورهم وكأنه وسيلة لسلب طائفتهم أو قوميتهم حقوقها، على الرغم من أنهم اوائل من يغمط حقوق أبناء طوائفهم وقومياتهم، بل وسيلة لتقويم الأوضاع السياسية الشاذّة في البلد والذي يعملون على إستمرارها. ونقدنا يجب أن يكون جريئا وبصوت عال بل وبعال جدا ونحن نواجه هذا الكم الهائل من الخراب والدمار، قبل أن يستفحلا وينتقلا من حالة الى ظاهرة "هي ظاهرة بالفعل اليوم". كما وأنّ النقد ليس أداة للهدم قدر ما هو أداة للبناء علينا التثقيف به وتشجيعه من خلال سلوكياتنا كأفراد وكأحزاب ومنظمات لتقويم ما هو معوج، والا لبقى الأعوجاج على حاله ليسوء أكثر مستقبلا. وحول ضرورة النقد والعمل به يقول لينين "أنّ ماركس برز ثوريّا ينادي بإنتقاد لا هواده فيه لكل ما هو كائن" *

لن يقف العراق على قدميه الا بهدم نظام المحاصصة الطائفية القومية الذي أوقف العراق على رأسه وهو مهمّة الشبيبة الاكتوبرية اليوم، بتحويلهم الأنتفاضة الى شبح يجول أرجاء العراق ليزرع الرعب في صفوف قوى المحاصصة وليهدم أوكار الفساد والخيانة فيه، أنّه وطنكم فلا تبخلوا عليه بشيء وأنتم تخوضون من أجله ومن أجل مستقبل أجيالكم معركة كرامة ووجود.



* ماركس انجلز ، منتخبات المجلد الاول ص 28

زكي رضا
الدنمارك
4/5/2020


33
پيشمرگة، أي پيشمرگة .. حشد، أي حشد..؟


الأمراض التي يعاني منها إقليم كوردستان العراق، هي في الحقيقة  نفس الأمراض التي يعاني منها بقية أرجاء البلد، مع إختلاف بسيط وغير محسوس وهوما يتعلّق بشدّة هذه الأعراض وطريقة تناولها، والتي لا معنى لها "طبيّا" طالما تؤدي الى نفس النتيجة. ومن أشدّ هذه الأعراض تأثيرا هي المحاصصّة الحزبية والطائفيّة، بإعتبارهما الأب الشرعي لجميع الأمراض الأخرى التي دمّرت البلاد.  وبلغة أخرى فأنّ غياب المحاصصة يعني أن لا وجود لأمراض عدّة على رأسها وجود "جيوش" عدّة، وإرادات سياسيّة قادرة على جعل هذه "الجيوش" في مواجهة بعضها البعض حالما شعرت بتعرض مصالحها للخطر، دون الأخذ بنظر الإعتبار مدى الضررالناتج عن هذه المواجهات وإن لم تتطور الى مواجهات عسكرية حقيقية لليوم، كون التراشق الكلامي الذي يستند الى  ظهير مسلّح في بلد مثل العراق يرتبط أساسا بإظهار مبدأ القوّة في فضّ النزاعات، والذي يؤدي بالنهاية الى فرض الأمر الواقع بلغة السلاح.  ولعدم وجود تعريف واضح ومحدّد للجيش العراقي ومهامّه وطريقة إنتشاره على الرغم من تثبيته في المادّة التاسعة من الدستور الذي لم يطبّق لليوم. ، فأنّ الجيوش الرديفة  ونتيجة هيمنتها على القرار السياسي وضربها للدستور حمّال الأوجه متى ما أرادت ، وهي بالحقيقة صاحبة اليد الطولى بالبلد. ستشكّل خطرا كبيرا على السلم المجتمعي إن إصطدمت مع بعضها البعض لأي سبب كان، ومن أهم هذه الأسباب هو تقاطع المصالح بين الدول الراعية لهذه "الجيوش"، ومصالح قادتها وفسادهم وسرقاتهم للمال العام .

لقد إشتعل في الأيام القليلة الماضية خلاف كبير بين الحزبين الحاكمين في إقليم كوردستان العراق حول منطقة ( زيني ورتي)، على خلفية دخول قوات الپيشمرگة الى المنطقة التي يعتبرها حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني من المناطق الخاضعة لحزبه. ما دعا قيادة الإتحاد لإصدار بلاغ  يتهم فيه الحزب الديموقراطي الكوردستاني بمهاجمة القيادة الجديدة للإتحاد الوطني " وفقا لبرنامج مدروس وهذه الهجمات تكرّرت عدّة مرّات ..". كما دعا البلاغ رئيس اقليم كوردستان باعتباره القائد الاعلى لقوات بيشمركة كوردستان "الى اصدار قرار فوري بسحب القوات المستقدمة الى منطقة (زيني ورتي) بناء على المطالب المشروعة لابناء المنطقة وتسليم الاوضاع الامنية الى قوات الامن الداخلي"!! فيما ردّ رئيس الإقليم السيد مسرور البارزاني في بيان  أكد فيه " أن أية قوة لم يتم تثبيتها في المنطقة، عدا قوات البيشمركة"!

السؤال الذي يشغل بال المواطن الكوردي كما يشغل بال المتابع لأوضاع الإقليم والصراعات بين الحزبين الحاكمين التي لم تنته لليوم ولا زالت تهدّد حياة الناس،  يدورحول معنى وتفسير قوات الپيشمرگة المنضوين ضمن تشكيلات وزارة الپيشمرگة، وهل قادة وحدات هذه القوات ومنتسبيها ينفذّون أوامر قياداتهم في الوزارة والقائد العام للقوات المسلّحة بالإقليم دون الرجوع الى قياداتهم الحزبية؟


إنّ رفض الإتحاد الوطني الكوردستاني لتواجد قوّات الپيشمرگة التابعين لوزارة الپيشمرگة في منطقة كوردية تقع ضمن الحدود الإداريّة لإقليم كوردستان العراق، وتأكيد البارزاني من أنّ القوات هناك هي من الوزارة ولا وجود لأية قوّة حزبية فيها. دلالة على إنعدام الثقة بين الطرفين من جهة، وأنّ الپيشمرگة في تلك المنطقة هم پيشمرگة الحزب الديموقراطي الكوردستاني. وهذا يعني أنّ أهم وزارة كوردية والتي تقع على عاتقها الدفاع عن منجزات الشعب الكوردي لا زالت لليوم تحت رحمة المحاصصة كما حال بقية الوزارات هناك علاوة على إنقسامها،  ما يجعل الأوامر الصادرة منها تفسّر حسب المرجعية الحزبية وليس حسب المصلحة العليا للكورد، وهذا يعني أيضا أنّ المواطن الكوردي عليه علاوة على تحملّه الفساد الإداري والبطالة والفقر، أن يسأل السيد البارزاني وقادة الإتحاد الوطني وهم يتحدثون عن وزارة الپيشمرگة أن: أي الپيشمرگة تعنون أيها السادة!؟ وهل الصراع الأخير وليس الآخر بعيد عن تقاسم الثروات بين الحزبين، والتي هي بالأساس تجاوز على حقوق المواطن الكوردي.

الأمر في بلد كالعراق تتحكم فيه العصابات المسلّحة في غياب واضح للدولة وشرعيتها وهيبتها، يدفعنا كعراقيين أن نتساءل حول دور القوّات المسلّحة ووزارة الدفاع العراقية ومدى فاعليتها في كبح جماح الميليشيات المنفلتة. وهذا السؤال يدفعنا الى البحث عن طبيعة القوّات المسلّحة وإستقلاليتها  بعد أن فُرِضَت الميليشيات الشيعية عليها كجزء من تشكيلات مسلّحة مستقلة "تأتمر" بإمرة القائد العام للقوات المسلّحة أي رئيس الوزراء  تحت مسمى الحشد الشعبي " المقدّس". وعندما نقول الحشد فأي حشد نعني، هل قوات المتطوعين إثر فتوى السيستاني والتي تتطورت هي الأخرى الى ميليشيات، أم تلك الميليشيات والعصابات التي كانت تعمل قبل تلك الفتوى وأستغلت الفتوى  لتضفي على نفسها الشرعية وتدخل عالم السياسة وصولا للبرلمان في دورته الأخيرة!؟ وهل القائد العام للقوات المسلحة ولا نقول وزير الدفاع قادر على لجم ميليشيا كالعصائب وحزب الله وغيرهما، وهما يهددان السلم الأهلي بأعمال عسكرية هي على الضد من سياسة البلد العلنية على أقل تقدير؟



تعدد مراكز القوى بالمركز والإقليم حالة مرضية لا يتم الشفاء منها الّا بإستمرار الإنتفاضة الجماهيرية وبناء عراق جديد، على أنقاض طبقة سياسية أشاعت كل أشكال الجريمة منذ أن هيمنت على مقدّرات البلد ولليوم.

زكي رضا
الدنمارك
18/4/2020





34


حكومة مصطفى الكاظمي ميْتة قبل أن تولد


أخيرا تمخّض جبل التحالف الطائفي الشيعي ومعه قطبي المحاصصة الكوردي السنّي وبعد مخاض عسير ومخالف للدستور عن إسم مرشّح لرئاسة الوزراء، إثر إستقالة السيد عادل عبد المهدي تحت الصغط الجماهيري الذي تراجع بشكل مؤقت لشيوع جائحة كورونا، وبعد رفض هذا التحالف لشخصيتين شيعيتين لإختلاف وجهات النظر الإيرانيّة حول مدى كفاءتهما في تحقيق أهدافها بالعراق والمنطقة من خلال أذرعها العسكرية، وليس من خلال برنامجهما الحكوميين ومدى قربها من مصالح الناس وتحقيقها. لقد جاء المخاض بعد أشهر من الإحتقان السياسي بشخصية جدلية هي رئيس جهاز المخابرات العراقي السيد مصطفى الكاظمي، الذي رُفض قبل فترة من ميليشيا حزب الله "العراقي" المدعوم من قبل حزب الله اللبناني وفيلق القدس الإيراني، بعد توجيه أصابع الإتهام إليه في دور ما بإغتيال سليماني والمهندس من قبل المسؤول الأمني في هذه الميليشيا المدعو أبو علي العسكري!!

عملية تمرير ملف الكاظمي لم تنجح الا بعد زيارة قاآني للعراق، وهذا يُثبت من أنّ الجبل لم يتمخّض الا عن شخصية ضعيفة أمام إرادة ولي الفقيه وميليشياته التي تتحكم بمسرح الأراجوزات السياسي بالعراق كما هي العادة، كما وأنّ موافقة إيران عليه تعني تحرّكه أو بالأحرى تحريكه بما يتناغم ومصلحة طهران وليس "العمل على تشكيل حكومة تضع تطلعات العراقيين ومطالبهم في مقدمة أولوياتها" مثلما غرّد بعد تكليفه في التاسع من نيسان الجاري. علاوة على ذلك فأنّه وعلى الرغم من عدم سعة برنامجه الحكومي من حيث التفاصيل، الا أنّه فتح على نفسه أبواب جهنّم وهو يحدد ثلاث أهداف لن يستطيع إنجاز حتّى نسب بسيطة منها، ما سيجعله أمام تساؤلات لا إجابات لها مستقبلا.

السيد الكاظمي يقول من أنّه يعمل على تشكيل حكومة "تضع تطلعات العراقيين ومطالبهم في مقدمة أولوياتها"، الا أنّه لم يتطرق الى تطلّعات المتظاهرين في إنتخابات مبكّرة والتي أوصلته الى ما هو عليه اليوم، متحججّا بالوضع الصحي بالبلاد وإنهيار أسعار النفط. فماذا لو إستمرت اسعار النفط بالهبوط أو بقيت على ما عليها اليوم، فهل سيلغي الكاظمي مبدأ الإنتخابات بالكامل لأنها تكلّف الدولة مليار دولار كما يقول، خصوصا وأن العراق بلد ريعي ولا يمتلك موارد غير بيع النفط!؟ هنا يكون الكاظمي قد فشل في أولى نقاطه الثلاث.

يعود الكاظمي ليقول من أنّه يعمل على تشكيل حكومة "تصون سيادة الوطن وتحفظ الحقوق"، فهل الحكومة التي تشكلها وتفرضها طهران التي قبلت به رئيسا للوزراء، فيها شيء من السيادة العراقية ولا نقول الكرامة!؟ كيف ستحفظ حقوق شعبنا ووطننا وهي لا تمتلك القرار السياسي والعسكري، وهل بإمكانه مواجهة زعماء الميليشيات وتدخلات رجال الدين في الشأن السياسي، وهل يستطيع مواجهة قاآني أو أي مسؤول من حزب الله اللبناني ولو عبر الهاتف ليقول لا لما يطلباه!؟

 أخيرا يقول السيد الكاظمي من أنّه يعمل على تشكيل حكومة "تعمل على حل الأزمات، وتدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام"!! هل يعرف السيد رئيس الوزراء المكلّف عمق الأزمات في بلدنا، هل يستطيع جمع السلاح من الميليشيات وحلّها؟ هل يعرف حجم الفساد بالبلد، وهل هو قادر على محاسبة كبار الفاسدين وعدم الإكتفاء بصغارهم، هل بإستطاعته إلغاء المكاتب الإقتصادية للأحزاب السياسية المتنفذّة، هل يستطيع إسترداد الأموال المنهوبة من قبل حيتان الفساد والتي يعرفها جيدا بحكم موقعه؟

 السيد الكاظمي لو إستطعت أن توقف تفريخ الأزمات وليس علاج ما موجود منها اليوم، ستكون حينها قدّمت لشعبنا الكثير. كما وأنّ حكومتك ميْتة قبل ولادتها القيصرية في مشفى طهران.

العمليّة السياسية بالعراق ستظلّ رهن صراعات حزبيّة داخليّا، وصراعات إقليمية ودولية خارجيا. وفي كلتا الحالتين فأنها ستظل في نفس المستنقع الذي تعيش فيه. فلعبة تنصيب رئيس وزراء بالعراق لا علاقة مباشرة لها بالإنتخابات مطلقا، فسواء جرت إنتخابات أم لا وإن كانت الإنتخابات نزيهة أم لا. فأن ما يترشّح عنها لا يختلف بالمرّة عن التي سبقتها أو التي تليها، لأنّ نظام الدولة السياسي مبنى على أساس إستمرار تحكّم الميليشيات والفساد ونهب ثروات البلد.

زكي رضا
الدنمارك
12/4/ 2020
 







35
هل جُنَّ مقتدى الصدر ..!؟


لو أعتبرنا جميع الأفعال والخطب والمواقف المتناقضة لمقتدى الصدر منذ أن أبتليَ به العراق وشعبه، فيها شيء من العقل والمنطق والسياسة بل وحتّى الدين. فأنّ تغريدته الأخيرة والتي يطالب فيها الناس في العالم بأكمله ولمواجهة فايروس كورونا، من السجود لمدّة ثلاثين دقيقة بعد صلاة الجمعة القادمة، تدلّ على أنّ هذا الرجل مريض نفسي.

ففي تغريدته اليوم 7/4/2020، لا يخاطب مقتدى شيعة العراق ولا حتى الشيعة بكل العالم ولا حتى المسلمين، بل يتوهم من أنّه رجل على مستوى عال من الأهميّة على سطح هذا الكوكب، فتراه يخاطب البشر في كل أرجاء الأرض، وبشكل يؤكّد مرضه النفسي حينما يقول " أنا مُلزم أن أبلغكم بأمر لابد من تحقيقه لرفع البلاء"، وكأنّ الله قد أصطفاه من بين الناس أجمعين، ليبلّغهم رسالة تطالبهم بالسجود والتوسّل له والتباكي أثناء الدعاء، لينقذهم "الله" من جائحة كورونا. والكارثة أنّه يريد من الناس أن تضحك على الله، فهو لا يطالبها بالتضرّع لله والبكاء والتوسّل إليه وهو دلالة على اليأس من عجز الأنسان في مواجهة الجائحة وترك الأمر للسماء والله، بل يطالبهم بالتباكي أثناء السجود، متوهّما على ما يبدو من أنّ الله لا يميّز بين البكاء والتباكي كما هو "الصدر"!!. ويبدو أنّ الصدر والذي قضى سنوات طويلة لليوم في الدراسة الحوزية لا يعرف لليوم من أنّ الشخص المتباكي باللغة تعني "تكلّف البكاء ، وتظاهر به" ، فهل يريد مقتدى من الله أن يلبّي دعوات من (يقشمروه) أي يضحكون عليه والعياذ بالله!!

في جانب آخر من تغريدته يعاهد أنصاره وباقي المصلّين في كل أرجاء العالم من أنّه سيسجد مثلهم، وهو يصلّي في مكان سرّي بالنجف الأشرف مع بعض المؤمنين ونيابة عن المؤمنين، وهنا من حقنا أن نتساءل إن كان بين المؤمنين الذين سيصلّون معه، عناصر من جيش المهدي التي قتلت الناس على الهويّة، أو من كتلة الأحرار التي سرقت ما سرقت ، ما دفعه "الصدر" لحرق المراكز التجارية للفاسدين واللصوص منهم، وسجنهم في معتقلات الحنّانة، بإعتباره أكبر من الدولة التي لا تتشكل الا بموافقته!! وهل بينهم من هم في سرايا السلام، الذين قتلوا وأختطفوا وأغتالوا المتظاهرات والمتظاهرين، وآخرهنّ شهيدة ساحة الحبوبي "الملّاية أم عبّاس"؟

إنّ إقامة صلاة الجمعة التي دعا إليها مقتدى الصدر في مكان سري وبصحبة عدد صغير من المصلّين، يتناقض وتغريدته التي أطلقها لزيارة الإمام موسى الكاظم بمناسبة ذكرى وفاته في العشرين من الشهر الماضي، والتي طلب من الناس فيها إتمام الزيارة، والتي ساهمت "الزيارة" بإنتشار الفايروس بشكل أكبر بين الناس.

أنّ العالم اليوم وهو يخوض حربا ضد فايروس كورونا، ليس بحاجة الى "علماء" ورجال دين بل الى عالمات وعلماء في مختبرات الطب ومعامل صناعة الأدوية، العالم اليوم بحاجة الى نصائح من ذوي الأختصاص لتقليل حجم الإصابات على مستوى الكوكب، وليس لنصائح من ملّا أو قس أو حبر أو أي رجل دين آخر. هل يعرف الصدر من أنّ جميع المستشفيات ومراكز الأبحاث الطبية في كل أرجاء المعمورة تعمل كخلية نحل، لمعالجة المصابين بالفيروس والعمل على أنتاج دواء ولقاح له لأنقاذ البشر؟ وهل يعرف من أنّ جميع المساجد ودور العبادة والمراقد في كل أرجاء العالم، بل وحتى بيت الله والقدس والفاتيكان والمسجد النبوي قد تمّ إغلاقها..

الشرف بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب (الإمام علي)

زكي رضا
الدنمارك
7/4/2020

36
أربعة عقود على جريمة تهجير الكورد الفيليين



قبل أربعة عقود وفي مثل هذا اليوم الرابع من نيسان 1980 ، بدأ النظام البعثي العنصري الفاشي واحدة من أكبر عمليات التهجير وأقساها في تاريخ العراق والمنطقة بحقّ مكوّن عراقي أصيل ساهم الى جانب باقي مكوّنات شعبنا العراقي، في نضاله من أجل بناء عراق متقدّم تُحتَرمُ في حقوق الإنسان وتُقدّس فيه المواطنة. وقدّم أبناء هذا المكوّن وهم ينخرطون في العمل السياسي من خلال أحزاب وطنية يسارية وقومية كوردية وإسلاميّة، الآلاف من السجناء والمبعدين والمئات من الشهداء بنكران ذات قلّ نظيره. وقد كان لدور الكورد الفيليين في إنتفاضات ووثبات شعبنا العراقي، ومقاومتهم البطولية وهم يقاومون الضباع البعثية دفاعا عن ثورة الرابع عشر من تموز في شباط عام 1963 ، ولموقفهم الرافض للبعث وهو يعود للسلطة من جديد في تموز 1968 . سببا كافيّا ليقوم البعث الفاشي بأوّل عمليات تهجيره في العام 1970 ، والتي لم تكن بوحشيّة هذا الحزب وهو يعود من جديد لتنفيذ المرحلة الثانية من عمليات التهجير التي بدأت عام 1980 وإستمرّت لأكثر من عقد من الزمان. إذ تفتّقت عقول البعثيين الإجراميّة هذه المرّة عن خطط جديدة للإبادة الجماعية، فقام النظام الفاشي علاوة على عمليات التهجير التي طالت الآلاف من العوائل من الكورد الفيليين والعرب الشيعة، ومصادرة ما تمتلكه هذه العوائل من أموال منقولة وغير منقولة ووثائق ثبوتية وشهادات دراسية. بجريمة لازالت العوائل المهجّرة تنتظر إجابات حولها، الا وهي تغييب الآلاف من الشابّات والشبان الكورد الفيليين.

لقد كان الرأي العام الكوردي الفيلي وحتّى إنهيار النظام البعثي، لديه بصيص أمل في أن يكون أبناءه على قيد الحياة في سجون ومعتقلات الفاشيّة، أو على الأقّل كان يُقنع نفسه في أن يكونوا على قيد الحياة. لكن وما أن أنهار النظام الدموي في نيسان 2003 ، حتّى بدأت الآمال تتلاشى ليحل محلّها اليأس الذي لفّ حياتهم ولليوم. لكن الأقسى كان في الطريق وسلطة المحاصصة تبدأ بكشف مقابر جماعية للشيعة والكورد في مختلف مناطق العراق الصحراويّة، كان الوضع ولا يزال مأساويا وقاسيّا لأن السلطة التي نجحت في كشف المقابر الجماعية التي تخصّ أبناءها، فشلت في العثور على قبر واحد وليس مقبرة جماعية للكورد الفيليين!

قبل أسابيع من اليوم، كشفت سلطة المحاصصة والفساد عن طريق مؤسسة الشهداء من أنّه تمّ العثور على مقبرة جماعية لشهداء الكورد الفيليين، هذا الإكتشاف الذي جاء متأخرا جدا منح مع ذلك شيء من الأمل للعوائل الكوردية الفيلية في أن تدفن عظام شهدائها بشكل لائق. الا أنّ أملها هذا إصطدم بتصريح رئيس هذه المنظمة الفاسدة كما فساد السلطة، والذي صرّح من أنّه سيتم فتح المقبرة "حال توفر التخصيصات المالية اللازمة لذلك"!!

السلطة التي نهبت مئات المليارات من قوت شعبنا خلال سنوات حكمها العجاف، لا تمتلك أموالا لفتح مقبرة جماعية لمكون إنتظر 40 عاما ليسمع بهذا الخبر ويشهد هذا الحدث، مؤسسة الشهداء الغارقة في فسادها وموظفيها الفضائيين لا تمتلك هي الأخرى التخصيصات المالية الكافية لفتح هذه المقبرة، الأحزاب الشيعية التي كان الفيليون يتقاسمون معها رغيف الخبز في المنافي القسرية لا يمتلكون الأموال التي من الممكن تخصيصها لفتح هذه المقبرة، المرجعية الدينية التي كان التجار الكورد الفيليون يمدونها بخمسهم وزكاتهم وتبرعاتهم قبل أن تهيمن على خزائن العراق بوصول الشيعة للسلطة لا تمتلك هي الأخرى المال الكافي لمساعدة الكورد الفيليين في فتح السلطات لمقبرة يتيمة تمّ إكتشافها!! فهل كل هؤلاء لا يملكون أموالا بالفعل، أم أنّه نكران متعمّد لدور هذا المكون كونه كوردي، على الرغم من شيعيّته.

أن لا يمتلك كل من ذكرناهم أعلاه أموالا تُخصّص لفتح هذه المقبرة، أو التهرّب من تخصيص هذه الأموال وهو الأقرب الى الحقيقة. فأنّ تجاوز سلطة إقليم كوردستان لهذا الأمر وصمتها حول تصريح رئيس مؤسسة الشهداء، وعدم تكفّلها ماليا وتقنيا في فتح هذه المقبرة. يضع حكومة الإقليم أمام الف سؤال وسؤال، أوّلها هل نحن كورد؟ وهل ناضل المئات من شبابنا في تنظيماتكم وقدّموا حياتهم وزهرة شبابهم في الجبال؟ هل ساهم التجار الكورد الفيليون في مدّ الثورة الكوردية بالمال والرجال؟ وآخرها هل حقيقة لا تمتلكون أنتم كما الشيعة اموالا لفتح المقبرة!؟

المجد لشهداء الكورد الفيليين وشهداء المقابر الجماعية
الذكر الطيب للأمهات والآباء الذين رحلوا دون أن يجلسوا الى قبور أبناءهم
المجد لشهداء الوطن
الخزي والعار لبعثيي الأمس واليوم من أحزاب سلطة المحاصصة الفاسدة
زكي رضا
الدنمارك
4 / 4 / 2020








37
"ليست الحريّة مائدة تهبط من السماء على طالبيها"

يحتفل الحزب الشيوعي العراقي هذا العام بالذكرى السادسة والثمانون لتأسيسه، فيما العراق كما بلدان العالم المختلفة يمرّ باوضاع بالغة الدقّة، لكنّ السؤال الذي علينا طرحه على أنفسنا اليوم هو: متى كان العراق لا يمرّ بأوضاع بالغة الدقّة؟ وما هو السبيل لتحرير العراق من آثار الأنظمة الدموية والفاشية التي مرّت على حكمه ولازالت؟

منذ تأسيسه في الواحد والثلاثين من آذار 1934 ، ظلّ الحزب يعيش ظروفاً معقّدة، هي في الحقيقة إنعكاس لظروف البلد والمنطقة والعالم. وكانت المشاكل التنظيمية للحزب هي الاخرى في مدّ وجزر، ويبدو أنّها كانت بإنتظار شيوعي قادر، على قيادة مركب الحزب ليعبر به أمواج الأوضاع السياسية والتنظيمية المعقّدة، ولم يكن هذا الرفيق سوى فهد.

لم يتبنّى الحزب شعار "وطن حرّ وشعب سعيد" وهو شعار الحزب الشيوعي السوري الّا بعد إنتهاء أعمال الكونفرنس الحزبي الأوّل عام 1944، ويبدو أنّ الحريّة والتي هي مفتاح سعادة الشعوب في كل الأزمنة، كانت تشغل بال الرفيق فهد وهو يرى أوضاع الجماهير والفلاحين البائسة وهي تعيش ظلم الحكومات والإقطاع، وقد جعل فهد هذا الهدف من صلب عمل الحزب ورفاقه.

يبدو أنّ أحداث العراق السياسية منذ ذلك الحين ولليوم أثبتت صحّة ربط فهد مفهوم الحريّة عند شعبنا بالشيوعيين العراقيين ونضالهم الواعي والمستمر وليس غيرهم، فالآخرون وهذا ليس إنتقاصا من القوى السياسية القومية والدينية التي قادت وتقود البلاد اليوم، لا يستطيعون الإستمرار بالسلطة والهيمنة وشعبنا يعرف معنى الحريّة، فالحريّة عند الشيوعيين هدف يتقدمون الجماهير لتحقيقه، والحريّة عند القوى السياسية الأخرى بداية لمشاكل لا نهاية لها لهم، لذا نراهم يعملون على وأدها بمختلف السبل، وقمع إنتفاضة أكتوبر وشيطنة المنتفضين، ليست سوى بابا واسعا لإستمرار العبودية الدينية والطائفية والقومية، وبالنهاية مصادرة الحريّة كليّا.

لكنّ الرفيق فهد وهو يربط النضال من أجل الحريّة بالشيوعيين، فأنّه حدّد صفات الشيوعي التي عليه التحلّي بها، وهو يتحمل هذا المهمّة كواجب وطني نذر نفسه من أجلها. ففي مقالة له تحت عنوان "ليست الحريّة مائدة تهبط من السماء على طالبيها" نُشِرت في العدد السادس من جريدة القاعدة في تموز 1943 ، كتب يقول: "أنّ كلا من إسم شيوعي، تقدمي، ديموقراطي، وطني، ليس لقبا يمنحه الشخص لنفسه، أو تطلقه جماعة من الناس على نفسها، بل أنّ هذه الأسماء صفات لأشخاص ذوي جرأة وتفكير سليم، يناضلون ويضحّون في سبيل ما يؤمنون به".

أنّ حزبنا الذي يحتفل اليوم بذكرى تأسيسه وإنتفاضة شعبنا تشّكل علامة بارزة في طريق الحريّة التي نادى بها الرفيق فهد، عليه العودة الى تراث فهد الثر وهو يقول "علينا أن نقدّر تقديرا صحيحا القوى التي تحاربنا"، كما وعلينا ونحن وشعبنا نواجه آلة الموت والفساد السلطوية التي دمّرت شعبنا ووطننا، أن نقدّر تقديرا صحيحا موقفنا من القوى التي لبست لبوس الوطنية، لتنقلب على الجماهير كالذئاب الكاسرة قتلا وإغتيالا وخطفا ، ونعلن موقفنا منها بشكل علني. لأن من أولى واجباتنا والتي كانت واجبات الحزب حينما كتب الرفيق فهد قائلا "توحيد صفوف جميع المواطنين العاملين الذين يريدون أن يعملوا على إسعاد وطنهم، النضال من أجل الحريات الديموقراطية ومن أجل خبز الناس ورفاههم"، هو دعم الجماهير ومساندتها والعمل معها لإنقاذ شعبنا ووطننا من شرور نظام العصابات المتحاصصة التي تشّكل أكبر الأخطار على مستقبليهما.

أخيرا لنعود الى الرفيق الخالد فهد وهو يقول"نحن نكافح - في سبيل من وضد من نكافح"

المجد للحزب الشيوعي العراقي وهو يجدد شبابه في ذكرى تأسيسه
المجد لقوافل شهداءه وهم يبذلون إغلى ما يملكون في سبيل تحقيق آمالهم في عراق حر وشعب سعيد
كل التحايا لرفيقات ورفاق الحزب في تنظيماته المختلفة
كل التحايا لرفيقات الحزب ورفاقه من الذين هم خارج صفوف الحزب

زكي رضا
الدنمارك
28/3/2020


38
تبرعات سخيّة للشعب العراقي

والعالم يعيش أسوأ وضع صحي له منذ ما يقارب القرن، ونتيجة لعدم قدرة القطّاع الصحي العراقي المتخلف من أستيعاب الأعداد الكبيرة للمرضى حينما يصل الوباء الى أعلى مستواياته عالميا وعراقيا  خلال الأسابيع القادمة وفق توقعات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحّة العراقية، ولضعف الإقتصاد العراقي الذي يعتمد على تصدير النفط الذي فقد الكثير من أسعاره في الأسواق العالمية،  من تلبية حاجات المجتمع وعلى الأخص الفقراء والعاطلين عن العمل.  فأنّ الأنظار تتجه ولفشل الدولة في إمكانية تجاوز هذه المرحلة نتيجة خواء الميزانية الى حملة التبرعات التي نظّمتها بعض المؤسسات الخيرية وبالتعاون مع بعض منظمات المجتمع المدني واللجان الإقتصادية  للأحزاب  السياسية  والوقفين الشيعي والسنّي ومؤسسات الكفيل التابعة للعتبة العباسية، وإدارات المراقد المقدسة  الشيعية والسنّية ، وتبرعات المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، علاوة على الشخصيات السياسية  والبرلمانية وكبار رجال الأعمال والتجّار الذين أبدوا إستعداد لا مثيل له للمساهمة في هذه الحملة الوطنية.

ففي مؤتمر صحفي بُثَّ على الهواء بشّر منظمي هذه الحملة جماهير شعبنا، بتوفير نسبة كبيرة جدا من إحتياجاته في هذه الفترة الحرجة التي نعيشها ومعنا العالم بأكمله. وهذا يؤكّد الروح الوطنية العالية التي يتحلّى بها كل المتبرعين وهم يعملون على توفير ما يمكن توفيره للفقراء والعاطلين من أبناء هذا البلد المعطاء.

فقد أعلنت اللجنة المنظمة لهذه الحملة، عن  تخصيص رواتب ثابتة للأشهر الثلاثة القادمة للعوائل المتعففة ودفع بدلات إيجار دورهم وإعفائهم من تسديد قسائم الماء والكهرباء، وتعويض العاطلين عن العمل لنفس الفترة. كما قررت اللجنة دفع بدلات إيجار أصحاب المحال والورش الصغيرة والمتوسطة التي تضرّرت وستتضرر نتيجة إغلاق أبوابها لحين عودة الحياة الطبيعية للبلاد. كما ستقوم اللجنة وبإشراف مباشر منها بإستيراد أجهزة طبية ومنها أجهزة التنفس وأجهزة الكشف عن فايروس الكورونا، في المستشفيات القائمة وتلك التي ستبنيها على وجه السرعة  حتى نهاية الاسبوع القادم. كما قدّمت اللجنة المنظمّة شكرها وتقديرها العميقين لمؤسسات الكفيل التابعة للعتبة العباسية المطهرّة لوضعها جميع إمكانياتها ومنها مستشفيات الكفيل تحت إدارتها لخدمة المرضى مجانا.



في جانب آخر من المؤتمر الصحفي وعلى الرغم من رفض المتبرعين إعلان ما تبرعوا به تيمنّا بالآية القرآنية الكريمة "( وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم )، الا أنّ منظمي الحملة ولغرض دفع آخرين للإنظمام الى حملة التبرع هذه قامت بتوضيح بعض الأمور دون التطرق الى الأرقام، مكتفية بالرقم النهائي والذي تجاوز التسعين مليار دولار. وممّا قامت اللجنة بتوضيحه  وإعلانه كان: تبرع اللجان الإقتصادية للأحزاب السياسية بنسبتها من عمولاتها في مشاريع ست وزارات للأعوام الخمسة الماضية والتي تقدّر بعشرة في المئة من كل مشروع تنفّذه الوزارة أو تمنحه لجهة ما لإستثماره. أمّا الوقفين الشيعي والسنّي فقد تعهدا بدفع كل ما دخل خزنتيهما من الأموال التي خصصتها لهما الدولة خلال السنوات السبع الماضية، مضافا إليها بدلات الإيجار والإستثمار لعقاراتهما لنفس الفترة، مع وعد بتحويل المساجد والجوامع والحسينيات الى مستشفيات ميدانية وتحت إدارة المؤسسات الصحية العراقية. فيما تعهدت مؤسسات الكفيل بتوفير وجبات طعام للفقراء والمرضى والكوادر الطبية العاملة في مختلف المستشفيات بعموم البلاد، وفتح مستشفياتها أمام المرضى بشكل مجاني وتحويل فنادقها الى مستشفيات مؤقتة ووضعها تحت تصرف المؤسسة الصحية أيضا. فيما تعهدت إدارات المراقد الشيعية والسنّية على تحويل الأموال التي جنتها من المواطنين على شكل نذور وتبرعات وللسنين العشر الأخيرة الى الدولة العراقية للتصرف بها بما يخدم الصالح العام. وكان موقف المرجعية هو الأكبر والأكثر شعورا بما يمر به شعبنا ووطننا في ظل هذه الظروف العصيبة، فقد أعلنت المرجعية وعن طريق الشيخ مهدي الكربلائي، عن وضع كل أموال الخمس والزكاة تحت تصرف حكومة تصريف الأعمال  برئاسة  السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي،   بما يساهم بالتخفيف من أعبائها وهي تواجه هذا الموقف العصيب..   

فجأة أيقظتني إبنتي الصغيرة من النوم لأخرج معها في نزهة صباحية كونها حبيسة المنزل لتعطيل المدارس  للحد من إنتشار فايروس الكورونا، فطالبتها بمنحي عشر دقائق فقط لأغيّر ملابسي. وفي هذه الدقائق راجعت نشرات الأخبار للتعرف أكثر على هذه الحملة الوطنية الكبيرة، الا إنني تفاجئت بعدم ذكرها في أي خبر وعرفت من أنّ الأمر لم يكن سوى حلما.  وعلى الرغم من أن الأمر لم يكن سوى حلما الا أنني شعرت به وكأنه كابوس، خصوصا وأنّ الأموال التي كانت ستكون تحت يد عادل عبد المهدي وفريقه الحكومي سيكون مصيرها كما مصير مصرف الزوية.
زكي رضا
الدنمارك
20/3/2020
 





39
خيانة العراق في زمن الكورونا


سيظل التاريخ عاجزا عن تكرار تجربة خيانة بلد ما من قبل "أبناءه" كما خيانة الأحزاب والمنظمات الإسلامية للعراق، وإن كرّر التاريخ من خلال صدفة ما نفس التجربة في بلد غير العراق، فأنّ تلك التجربة بشخوصها وأحداثها سوف تنحني أمام تجربة الإسلاميّين الشيعة وتفتتح المعاهد الأكاديمية لتتعلم منهم فنّ الخيانة والذلّ.

فايروس الكورونا هو القشّة التي قصمت ظهر البعير، المكسور أصلا قبل أن يزورنا هذا الضيف القاتل. هذا الضيف الذي تمنع جميع الدول التي تحترم نفسها ، من دخوله أراضيها بمختلف السبل المتاحة، وأوّلها غلق حدودها أمام حركة النقل والمسافرين، كما وأنّها تسخّر كل إمكانياتها المالية والبشرية للحدّ من إنتشاره بين شعوبها.

سلطة العار والخيانة في بغداد لا تبدو عاجزة فقط عن الوقوف بوجه هذا الوباء ولو بالحدّ الأدنى، بل أنّها تصرّ على أن يكون موقفها منه من نوع التراجيديا المضحكة المبكية. فالعصابات الحاكمة بإسم الدولة والتي هي أساسا الدولة العميقة المسؤولة عن كل الخراب الذي حلّ ويحلّ بالوطن منذ أن وصلت للسلطة على ظهر الدبابة الأمريكية، ليست سوى عصابات تأتمر بإمرة ولي الفقيه في طهران. لذا نرى أنّها وعلى الرغم من تفشّي الفايروس بشكل مخيف في بلدها الأصلي (إيران)، فأنّها ولعداءها الغريب للشعب العراقي وكأنّ لها معه ثأر قديم، ترفض غلق الحدود معها. فالرحلات الجوية بين البلدين لازالت مستمرة، ومنها على ما يبدو تلك الرحلات المشبوهة التي تقوم بنقل الأسلحة والمعدات العسكرية للعصابات التي قصفت مؤخرّا معسكر التاجي في يوم ميلاد قاسم سليماني، فهل شعبنا وبلدنا مسؤولان عن تقديم هدايا عيد الميلاد لسليماني!؟

أكثر من ترليون دولار دخلت الخزينة العراقية منذ الإحتلال لليوم، ووزير الصحة العراقي يقول أنّه طلب من سلطة العصابة خمسة ملايين دولار لمواجهة الفايروس، إلا أن الحكومة أعطته (الأذن الطرشة) كونها لا تمتلك هذه المبلغ البسيط على ما يبدو، أو أنّها لازالت تبحث عن مخارج قانونية لتحويل المبلغ! السيد الوزير هو اليوم بوقا للكذب كمّن أستوزره ، بغضّ النظر عمّن أستوزره إن كان "عراقيا" أم إيرانيا. فالسيد جعفر علّاوي فاشل في تسويق كذبة نصدقها وفق المثل البغدادي الذي يقول (الكذب المصفّط أحسن من الصدگ المخربط)، فتراه يقول : بعدم وجود إمكانية (لدى العراق) لمواجهة فيروس كورونا في حال إنتشاره (بالعراق)، ليعود بعدها مباشرة ليقول: إننا نعالج المصابين بحبوب أثبتت نجاحها!! لكنه وعلى الرغم من بؤس منطقه وحججّه نراه كما رجال الدين يبيع لشعبنا الآمال فتراه يقول مؤكدّا: أنّ الفايروس لا يعيش في درجات الحرارة العالية!! ولكي يزداد طيننا بلّة نراه يذهب لرجل دين يستنجده في إقناع السلطة بمنحه الخمسة ملايين دولار التي طلبها!! في الوقت الذي ترصد فيه الأردن الفقيرة قياسا بالعراق 705 مليون دولار لمواجهة آثار الفيروس القاتل، فيما رصدت مصر ذات المئة مليون نسمة والفقيرة بمواردها 6.38 مليار دولار لمواجهة تداعيات الكارثة، فماذا في جعبة لصوص الخضراء لمواجهة هذا الفيروس القاتل!؟

كل الدلائل تشير الى عجز سلطة العصابة في مواجهة هذه الكارثة، فهذه السلطة المشغولة بإنتخاب رئيس وزراء وفق مقاسات إيرانيّة كما إنشغالها بكيفية تجاوز إيران للمصاعب التي تواجهها، لا تملك أحتياطيا ماليا لمواجهة هذه الكارثة الإنسانية، خصوصا وأنّ أسعار النفط قد خسرت لليوم ثلث قيمتها والقادم سيكون اسوأ بالتأكيد في حال إستمرار الوباء على المستوى العالمي لأشهر قادمة وهو ما يتوقعه العلماء. كما وأنّ العراق في عهد هذه العصابات يفتقر الى مستشفيات ومراكز صحية وبنى تحتية قادرة على مواجهة الفايروس إذا ما أنتشر ببلدنا كما هو الحال في إيران مثلا.

علينا أن ننتظر أياما حالكة خصوصا وأنّ رجال الدين لازالوا يؤمنون بأن الدعوات وزيارات الأضرحة المقدسة هي العلاج الشافي في مواجهة الفايروس، على الرغم من أن بيت الله نفسه قد تم إغلاقه، فهل أئمة الشيعة أكثر قدسية من الله!! على السلطة إن كان فيها رشيد لليوم، أن تقوم بالحجر على كل رجال الدين الذين يروجون لمثل هذه الترهات ومنعهم من إقامة الصلوات والإجتماعات، وملاحقتهم قانونيا في حالة تحريض الناس على إقامة أي نشاط ديني في ظل هذه الظروف العصيبة.


زكي رضا
الدنمارك

17/3/2020


40
شيعة العراق بين بذاءات البعث ومعمّمي الطائفة


لم يألوا زعماء الأحزاب والميليشيات الشيعية وجيوشهم الألكترونية جهدا، في سبيل شيطنة إنتفاضة شعبنا منذ إنطلاقتها في الأوّل من أكتوبر العام الماضي ولليوم من أجل إنهاء هذه الإنتفاضة أو أحتوائها. فعلاوة على إستخدامهم مختلف أساليب القمع التي أدّت الى إستشهاد المئات وجرح الآلاف وخطف وتغييب العشرات من المتظاهرات والمتظاهرين السلميين والناشطات والناشطين، نراها تعمل جاهدة على إلصاق تهم غير أخلاقيّة بحق هؤلاء الشباب وتجمعاتهم في سوح الإعتصام من أجل كسر شوكتهم وتأليب جماهيرهم غير الواعية بحراك شعبنا ضدّهم. ولفشلهم في مساعيهم الدنيئة هذه، إنظمّت إليهم شخصيّات من فئة أخرى لا تقلّ عنهم وحشية وقسوة ودناءة على الرغم من موقعهم الديني الذي يحتّم إنتخاب الموعظة في مخاطبتهم للجمهور وليس التهم غير الأخلاقيّة التي لا يقبلها عقل ولا ضمير، وهنا نعني فئة المعمّمين. هذه الفئة التي دخلت على خطّ معاداة شعبنا بتبنّيها تهم الساسة والميليشياويين غير الأخلاقيّة بحق المنتفضين وتسويقها من على منابرهم أو عبر تغريداتهم بحجّة الدفاع عن القيم والأخلاق. وكأنّ الإختلاط بين الجنسين في التظاهرات من أجل غد أجمل لعراقنا المبتلى هو خروج على قيم شعبنا وأخلاقه ودينه، والإختلاط بين الجنسين في المزابل نتيجة فساد السلطة وحماتها من بعض رجال الدين هو الدين والأخلاق والقيم بعينها!!

لقد تجاوز بعض رجال الدين في معرض دفاعهم عن السلطة الفاسدة كفسادهم ،على المتظاهرين بشكل وقح وغير أخلاقي، فنرى بعضهم يحلف بأغلظ الإيمان منّ أنّ للسلطة تسجيلات وأفلام عن ظواهر اللواط والدعارة وتعاطي المخدّرات، لكنّه ومعه السلطة بكل ما تملك من قوى لليوم فشلت في تسجيل حالات تحرّش داخل ساحات التحرير في عموم البلد. وهناك من لم يجد أي أثر للخمر والمخدّرات والدعارة واللواط، عندما كان أنصاره يعيشون مع المنتفضين في خيام الثورة، الّا أنّه وجدها ما أن ترك أتباعه الثورة لينتقلوا الى الخندق المعادي لها مباشرة!!

هؤلاء جميعا ولمّا كانت الإنتفاضة خرجت من رحم معاناة الأغلبية الشيعية في الوسط والجنوب كجزء من معاناة شعبنا بأكمله، فأنّهم يوجهون سهام إتهاماتهم وحقدهم على هذه الأغلبية الشيعية. وهنا تحديدا يركبون مع البعث الفاشي نفس المركب الذي يمتاز بكل ما هو غير أخلاقي وفاسد ومجرم. هؤلاء المعمّمين ومعهم زعماء الأحزاب والميليشيات الشيعية، يعيدون الى أذهاننا تلك البذاءات التي جاء بها أولاد الأزقّة الخلفية وهم يوجهون تهم تليق بهم وحدهم للشيعة كطائفة، بعد إنهيار إنتفاضة آذار المجيدة سنة 1991 ، مستخدمين عبارات لا يليق بنا طرحها هنا، على عكس المعمّمين الشيعة وهم يطرحونها من على منبر الإسلام!!

في سلسلة مقالات لجريدة الثورة البعثية بعد إنهيار الإنتفاضة الآذارية، خرجت علينا تلك الصحيفة بمقالة تحت عنوان "التعصب الشيعي فساد أخلاق أهل الهور"، والتي جاء فيها "إن هذا الصنف من الناس بوجه عام، كان مركز إيواء ونقيضة غير شريفة لعناصر الشغب والخيانة التي اجتاحت جنوبي العراق ومن الفرات الأوسط في الأحداث الأخيرة، وإذا ما عرفنا كل هذا وغيره كثير، وعرفنا أن بعض هذا الصنف من الناس في أهوار العراق هم من أصول جاءت مع الجاموس الذي استورده القائد العربي محمد القاسم من الهند. وعرفنا أن من أبرز عاداتهم سرقة ممتلكات الخصم عندما يتخاصمون، وحرق دار القصب التابعة لمن يتقاضون منه أو يتنازعون معه، سهل علينا تفسير الكثير من ظواهر النهب والتدمير والحرق والقتل وانتهاك الأعراض التي أقدم عليها المجرمون المأجورون" (*).

لو عدنا الى التهم التي يوجهها زعماء الأحزاب والميليشيات وبعض المعمّمين للمنتفضين اليوم وغالبيتهم العظمى هم من الشيعة، لرأينا أنّها نفس التهم التي كان البعث يوجهها للمنتفضين في الجنوب وقتها وغالبيتهم من الشيعة أيضا. الا أنّ الإسلاميين وفي الحقيقة تجاوزوا البعثيين في أخلاقهم الرثّة، في أنهم أضافوا تهم أخرى كالمخدرات اليها، والتي يبدو ان البعثيين كانوا سيكيلونها هم ايضا للمنتفضين وقتها لو كانت اي المخدرات متوفرة كما اليوم في عهد العراق الإسلامي.


(*) جريدة الثورة، العدد الصادر يوم 5 نيسان 1991.


زكي رضا
الدنمارك
17/2/2020
 


41
فهد في سؤال وطنّي عراقّي

لم يكن الحزب الشيوعي العراقي يوما بخيلا في تقديمه الشهداء من أجل قضية وطنه وشعبه، بل قدّم في سبيلهما قوافل من الشهداء، وقوافل من السجناء الذين حوّلوا السجون الى مدارس للوطنية والنضال. بل ذهب الحزب وهو يستلهم تراثه من إرث وطني مفعم بنكران الذات من قادته الأماجد وعلى رأسهم الرفيق الخالد يوسف سلمان يوسف ( فهد)، الى أبعد كثيرا من قدسية المبادئ التي يؤمنون بها حينما قال مؤسسه الخالد فهد وهو يواجه جلّادي شعبنا "  لقد كنت وطنيا قبل ان اكون شيوعيا، وعندما صرت شيوعيا صرت اشـعر بمسـؤولية اكبر تجاه وطني".

الموقف الوطني هذا ترجمه الرفيق الخالد فهد قبل توجهه الى ساحة المتحف، وكأن التاريخ يريد تخليده والعراق من خلال المتحف العراقي الذي يعني خلود العراق، ليقول لحارس السجن وهو يقيّد قدميه بالحديد  قبل إعدامه: إن كانت أية مظاهرات قد خرجت الى الشوارع ذلك اليوم أو اليوم الذي سبقه"، ليجيبه الحداد "لا"!!. فهل كانت تلك اللا التي خرجت من فم الحارس في ذلك الفجر الشباطي البارد هي نافية جازمة، وهل كانت نهاية أحلام وآمال فهد الحالم بوطن حرّ وشعب سعيد .. ؟

سبعة عقود وعام واحد مرّت في تاريخ العراق، وهي تحمل وزر السلطات والحكومات التي أذاقت شعبنا ووطنا الذل والجوع والتبعية، سبعة عقود وعام واحد مرّت والعراق أشبه بسفينة  لا قرار لها وهي تمخر عباب بحار الموت والظلام.  سبعة عقود وعام واحد وهو يخرج من  شباط  دام ليدخل شباط دام ليعيش شباط دام، والفرق بين شباط وشباط هو الفارق الزمني فقط، بعد أن عاش العراق شباط ملكي، وشباط بعثي، وشباط إسلامي، شباط اللعين الذي قاسمه المشترك هو الموت الذي يزرعه الجلّادون في أرض العراق، الموت الذي يحصد أرواح  عاشقي الوطن والمضّحين في سبيله.

أيّها الرفيق الخالد فهد، اليوم أجابت نساء العراق وتلاميذه وشبابه على سؤالكم، اليوم غيّرت الجماهير صفة شباط، من شهر للموت الى شهر للحياة وإن مارس الإسلاميّون هواية القتل كما البعثّيون والملكيون. اليوم خرجت نساء العراق ليكذّبوا ذلك الحداد الذي قيّد قدميك وأنت تتوجه بخطى ثابتة الى أرجوحة الأبطال. اليوم وقبله وقبله ومنذ الأوّل من أكتوبر العام الماضي  خرجت الجماهير أيّها القائد الظافر في تظاهرات صاخبة، لترسم خارطة جديدة للوطن. اليوم تعيد إنتفاضة شعبنا  لك ولرفاقك وهم يعتلون المشانق حلمهم ببناء عراق معافى، اليوم حوّلت الجماهير وهي تقاوم آلة الموت الإسلاميّة، حلمكم الى حقيقة.

العراق اليوم أيّها الخالد فهد، هو ليس عراق الأمس. عراق اليوم، عراق تبنيه سواعد شابّات وشبّان يشعرون بمسؤولية كبرى تجاه وطنهم، وطنهم الذي يقامر به الإسلاميّون في بورصة طهران.. 

سبعة عقود وعام وأنت تسأل سؤالك الذي أجابت الجماهير عليه اليوم، ليست بالفترة الطويلة في حياة شعبك، لكنّها كلّفتنا الكثير..

إرقد بسلام حيث أنت أيها المعلّم الأوّل، فشعبنا بدأ خطواته المتسارعة لبناء وطن كنت تحلم بأن تراه حرّا، وشعب كنت تحلم بسعادته.

المجد لشهداء الحزب الشيوعي الأماجد
المجد لشهداء إنتفاضة أكتوبر المجيدة
العار كل العار لقتلة الأمس واليوم

زكي رضا
14/2/2020



42
البعثيون والصدريون وجهان لشباط أسود واحد


في كتابه الثامن عشر من برومير يقول كارل ماركس "إنّ التأريخ يعيد نفسه مرّتين مرّة على شكل مأساة ومرّة على شكل مهزلة"، وكان يردّ وقتها على مقولة هيغل التي تقول "أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول". ووفق قراءة ماركس هذه فأنّ غياب الوعي إجتماعيا هو من يكرر الأحداث الكارثيّة، وبالتالي ينتج أحداث تاريخية متكررة مرّة كمأساة ومرّة كمهزلة وهكذا. وغياب الوعي العلمي يفسّره العالم البرت آينشتاين في قوله "الغباء هو فعل نفس الشيء مرّتين بنفس الاسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة". ولمّا كانت الماركسيّة علما يعتمد على المنهج الجدلي والبحث، فأنّ تكرار أي حدث تاريخي في بلد ما مرّتين، هوعبارة عن مأساة ومهزلة. وعلميّا فأن الوصول الى نفس النتائج في بحث علمي بالإستفادة من نفس الأدوات ، يعتبرغباءا إذا كان الهدف الحصول على نتائج مختلفة وهو ما أشار إليه آنشتاين.

لو أخذنا كارثتي الثامن من شباط البعثية سنة 1963 وكارثة الأوّل من شباط الصدرية سنة 2020 كمثال فأنّ التاريخ بالفعل يعيد نفسه وفقا لقراءة كارل ماركس مرّتين، لكن على شكل مأساة في الحدثين. ففي الثامن من شباط 1963 أدخل الحرس القومي البلاد في نفق مظلم، وليبدأ حينها العدّ التنازلي لدمار الدولة والمجتمع. وفي الأوّل من شباط 2020 وضع الحرس الصدري البلاد على كفّ عفريت، ما ينذر بحرب أهلية قد تنهي ما تبقّى من بلد أصبح بفعل الشباطيون السابقون والجدد مجرّد أطلال. وفي الحالتين لم يكن خطاب الشباطيون وطنيا بالمرّة وإن تشّدقوا بها، فالبعثيون رهنوا كل شيء في "وطنهم" من أجل معركة العروبة وفلسطين، والصدريّون رهنوا كل شيء في "وطنهم" من أجل مصلحة إيران، وليكن العراق وشعبه كبش الفداء لسياساتهم الكارثيّة.

أدوات الشباطيون السابقون كانت المؤسسة الدينية والقوى القومية الكوردية والرجعية العربية وبقايا الإقطاع الممثّلين بالمؤسسة العشائرية وإيران الشاه ومخابرات دول إقليمية ودولية، وأدوات الشباطيون الجدد هي نفس الأدوات السابقة دون أيّ تغيير سوى تخلّي الزيتوني عن لباسه لصالح العمامة. فهل هناك أمل بالحصول على نتائج مختلفة قد تساهم ببناء البلد!؟

إنّ الصدام الذي سيحصل بين المنتفضين وقوى الرِدّة الإسلاميّة التي يقودها الصدر وتياره، هو ليس صداما بين طبقات إجتماعية مختلفة ولا صراعا إقتصاديا بين طبقات متصارعة ومتناحرة. بل هو صدام بين أبناء طبقة واحدة تقريبا، طبقة لا تمتلك من ثروات وطنها شيئا وتعيش على هامش الحياة فيه، طبقة ترى وطنها يضيع منها كلمّا إستمرّ الشباطيون بالسلطة، وهذا ما دفعها للخروج ضد واقعها المزري بحثا عن حياة أفضل لها ووطنها. فالصدام اليوم ونحن نرى الشباطيّون "طالبي" الإصلاح يهاجمون بأسلحتهم المختلفة المنتفضين العزّل كما شباطيّوا غدّارة البورسعيد، هو صراع بين وعي غائب عند الصدريين، ووعي متقدم عند المنتفضين. والوعي المتقدّم للمنتفضين سيمنع بالضرورة تكرار تاريخ شباط مرّتين، فهل يعي الصدر حجم جريمته وهو يضع بيض "بلده" بأكمله في السلّة الإيرانيّة؟

إنّ العراق هو الورقة الأقوى إيرانيّا في حالة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فبقاء العراق ضمن الهيمنة الإيرانية لحين حلّ مشاكلها مع أمريكا يعتبر خيارا ستراتيجيا لها. ومقتدى الصدر هو الرجل الأقوى شيعيا من حيث ثقل جماهيره غير الواعية وإنصياعها له، والذي يعتبر البيدق الأقوى في مواجهة الإنتفاضة التي تؤرق عمائم قُمْ. لذا فأنّ هجوم الحرس الصدري على ساحة التحرير، وتهديدات مقتدى للمنتفضين والإنتفاضة، هو صراع إيران من أجل البقاء ليس الّا. فرحيل الطغمة السياسية الفاسدة، وتشكيل حكومة وطنية وفق مواصفات الشارع العراقي اليوم، تعني بداية النهاية للنظام الإيراني القمعي.

 
زكي رضا
الدنمارك
2/2/2020






43
ساحة التحرير عروس الساحات


ساحة التحرير،  مفخرة العراق ونقطة إنطلاق كتابة تأريخه الحديث، تأريخ يُكتب بالدماء ليفتح صفحة مشرقة في كتاب شعب يقوده شابّات وشبّان الى حيث الإنعتاق من الذلّ والجوع والتبعية.  ساحة سنستعيد من خلال خيامها وهتافات ثوّارها كرامة شعب صادرها البعثيون والإسلاميّون القتلة، ساحة التحرير قدس أقداس العراق ومكّتها المكرّمة. ساحة التحرير ساحة ليست ككل الساحات، ساحة تبدو الساحات أمامها فقيرة، ساحة ملئت وستملأ اخبارها الدنيا وتشغل الناس، ساحة سيكون نصب حريّتها مزارا للثوار، مزارا للأحرار، مزارا للباحثين عن أوطان.

من مثلك يا عروسة بغداد، ساحة الكونكورد الباريسية وهي تحتضن مسلّة فرعونية أُهديت لها من مصر؟ وهل تصل الكونكورد الى شموخك وأنت تحتضنين نصب جواد سليم بكلّ رمزيته؟  نصب عراقي خالص يلتحف به ثائرات وثوّار بيدهم " مفاتيح مستقبل زاهر"(1)، و ثائرات وثوّار تسلّقوا السماء في مواجهتهم للحقد الإسلاميّ الأسود وهم ينظرون صوب شمس الحريّة التي تصنعها أكفّهم  وهي تُقبر عصر الفجيعة الإسلاميّة،  لهؤلاء تنشد ساحة التحرير وهي تحتضن الثورة  "سلامٌ على جاعلين الحُتوف... جسراً إلى الموكبِ العابرِ"(2).  لا، الكونكورد ليست مثلك الّا في جزئية إعدام لويس الرابع عشر، والذي ستستعيضين عنه في أن تُنصب فيك أقفاص القتلة والخونة والمأجورين والفاسدين لمحاكمتهم.

من مثل نصب حريتك، تمثال الحرية في مانهاتن؟ إن كانت فرنسا قد أهدت تمثال الحريّة لأمريكا، فأنّ شابّات العراق وشبّانه يهدون كلّ يوم شعبهم تماثيل للحريّة، وسينصب أبناء شعبنا وهم يكنسون السلطة الفاسدة الى حيث عليها أن تكون، تماثيل للحريّة تزيّن فضائك وجسور الشهداء والأحرار والجمهورية ومحمّد القاسم، وساحات السنك والوثبة والخلّاني والطيران وحديقة الأمّة. تماثيل بعدد  شهيدات وشهداء الإنتفاضة وهم يحملون مشاعل النور، التي نقوم بإيقادها متنقلين اليها بالتك تك المقدّس.

من مثلك أيتها الرشيقة، بلازا مايور المدريدية..؟ هناك كانت مصارعة الثيران، وفيها كان المصارعون يمتّعون المشاهدين وهم يقتلون الثيران فيها. أمّا في حرمك المطهّر فأنّ العصابات تقتل أبناء العراق، لتثبت لرعاتها ولائها وتبعيتها وحقدها على أبناء شعبنا. وكما ألغى الإسبان تلك المصارعة غير الإنسانية الى الأبد، فثوار ساحتك سيلغون حكم العصابات الإسلاميّة والى الأبد.

إنّك يا قلب العراق اليوم لست كما (تيان آن مِن) في بكّين، فهناك خرج ذوي الياقات البيض ليغيّروا تأريخ بلدهم ففشلوا بعد أن إستخدمت ضدهم السلطة كل أشكال القمع. أمّا أنت فذوي الياقات البيض يزيّنونك كما تُزيّن العروس، ويخرجون في زفّة عرسك وهم يواجهون رصاص القتلة وقنابلهم. وإن كان طلبة بكين قدّ هُزموا فأنّ طلبة العراق مصمّمين على النصر الذي بات قاب قوسين أو أدنى، فهؤلاء الطلبة ومعهم كل متظاهري العراق قد عرجوا الى السماء ولا عودة منها الّا ومعهم رايات النصر التي ستزيّن نصبك وحرمك وتزيّن الوطن. وكما وقف الزعيم الصيني ( ماو تسي تونغ) في الأوّل من أكتوبر عام 1949 على منصّة هذا الميدان وهو يُعلن قيام جمهورية الصين حتى اصبح (تيان آن مِن) رمزا للصين الحديثة، فأنّ الأوّل من أكتوبر عام 2019  كان موعد الجماهير لإعلان الإنتفاضة على سلطة اللصوص وهم يعلنون رفضهم لسلطة العصابة بعد أن خرجوا من نفق التحرير الى ضوء النهار ليعلنوا ولادة عراق جديد ولتكوني رمزا جديدا قديما لوطن حر معافى، فهل الأول من أكتوبر في بكين وبغداد مصادفة تأريخية .. ؟

في الساحة الحمراء بموسكو وأثناء الحرب العالمية الثانية، كانت الدبابات تعبر الساحة وهي تتجه الى جبهات القتال ضد النازيين. واليوم في ساحة التحرير فأنّ الثوار يخرجون منها عراة الصدور الا من يد تحمل علما، وهتافا يهزّ الفضاء وهم متجّهون لمواجهة النازيين الإسلاميين. ومثلما كانت الغلبة لدبابات موسكو وهي تدك الرايخشتاغ في برلين، فأنّ الغلبة ستكون لثائرات وثوار بغداد والعراق وهم يدكّون معاقل القتلة وأوكار الخونة..

أيها الجواهري يا عاشق دجلة والفرات أبلغ جواد سليم من أنّ نصبه اليوم أصبح مزارا وساحة التحرير كعبة للثوار والأحرار، وأبلغ أحبّة شعبك بأن شعبنا أذّن اذان الثورة، وقام ينفخ في الصور ليعلن القيامة على الطغاة ورثة الطغاة.

سلاماً، أحبة شعب نيامى، إلى يوم يؤذن شعب قياما... (3)
سلاما ساحة التحرير وساحات العراق المنتفض
سلاما ثائرات وثوار التحرير وثائرات وثوار العراق المنتفض
مجدا شهيدات وشهداء ساحة التحرير ومجدا شهيدات وشهداء العراق المنتفض

(1 و 2 و3) أبيات من قصيدة (سلاما والى أطياف الشهداء الخالدين) للجواهري الكبير.

زكي رضا
الدنمارك
1/2/2020


 







44
لنشيّع تحالف سائرون الى مثواه الأخير


لقد تفاوتت المواقف من قيام تحالف سائرون أثناء التحضير لتشكيله أو حتى بعد تشكيله، بين من  إعتبر التحالف ضرورة وطنية يُعقد عليه آمال تجاوز ما يمر به وطننا من ظروف صعبة ودقيقة، وبين من إعتبره تحالف محكوم بالفشل للتناقض الكبير بين من يمثّلون عموده الفقري. وبغضّ النظر عن موقف الفريق الثاني ووجهة نظره، دعونا نشير الى خطأ وجهة نظرهم منها ولنتمسّك بوجهة نظر الفريق الأوّل. لكن التسليم بهذا الواقع يدفعنا الى دراسة مواقف هذا التحالف من أمرين كانا حجرا أساس في برنامجه ذو البعد الوطني، وهما
"إصلاح المنظومة الانتخابية لضمان إجراء انتخابات دورية منتظمة نزيهة وحرة، وتشريع قانون انتخابي عادل يتيح المشاركة الواسعة ودون أي تمييز بين المواطنين"، "ومكافحة الفساد". وقد طعن حزب الإستقامة وهو وريث تيار الأحرار الصدري المتحالفين معه بعد أن صوّت لصالح قانون سانت ليغو المعدّل 1.9 ، وبذلك فشل هذا التحالف في أوّل إمتحان يمرّ به. أما محاربة الفساد ففشل هو الآخر كتحصيل حاصل لعدم إمكانية وصول قوى سياسية يهمّها التغيير ومحاربة الفساد نتيجة الفشل الذي سيواجهها في أية إنتخابات تحت ظل هذا القانون.

جاء في مقدمّة برنامج سائرون أنّ هذا التحالف " انبثق من قلب المجتمع ومن حركة الاحتجاج الشعبي"، وهذا ليس بعيد عن الحقيقة لحدود. الا أنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ونحن نعيش أكبر عملية إحتجاج شعبي جماهيري طيلة تأريخ العراق الحديث هو: أن لماذا إتّخذ هذا التحالف موقفا معاديا لهذه الحركة الإحتجاجية وطعنها بالعلن!! أمّا السؤال الاهّم فهو موقف القوى المنضوية في هذا التحالف (غير الصدريين) من هذا الموقف المعادي للحراك الجماهيري..؟

إنّ التعويل على تنظيم طائفي مذهبي  كما التيّار الصدري وغيره من التنظيمات الإسلامية السنّية والشيعية، في إتّخاذ مواقف سياسيّة وطنية  بعيدة عن الحاضنة الطائفية والمرتبطة بحواضن إقليمية ليس سوى سذاجة سياسية. وهذا ما يجب متابعته بعناية من قبل المهتمين بالهمّ الوطني، ومنهم وعلى الخصوص المنضوين في هذا التحالف من غير الصدريين. وقد أثبت رعاة هذا التحالف عدم إمكانية إبتعادهم عن بيتهم الطائفي من خلال إجتماع قم الأخير، بعد أن جلسوا الى " أعدائهم" والتخطيط لقتل الإنتفاضة أي إنهاء الحراك الجماهيري الذي إنبثق تحالف سائرون من رحمه.

لقد ترجم المجتمعون في قُم مذهبيتهم وطائفيتهم وتمسّكهم بالسلطة على رغم فشلهم ورفضهم جماهيريا، ومن خلال تفانيهم من أجل مصالح دولة إقليمية على حساب مصالح " وطنهم" بمسيرة كبيرة وفّروا لها كل وسائل الراحة وأطلقوا عليها صفة تظاهرة، مسيرة تذّكرنا بمسيرات البعث والعديد من النظم الديكتاتورية والشمولية ومنها نظام آيات الله في طهران. وبمسيرتهم هذه عملوا على شق المجتمع العراقي والشيعي تحديدا سياسيا، وهنا تكمن الخطورة مستقبلا والتي قد تؤدي الى مصادمات بين الطرفين.  وما أن أنتهت مسيرتهم المنّظمة بعناية حتّى ترك العديد ممن كانوا يتواجدون في ساحات الإعتصام تلك الساحات بأوامر من قادتهم، بهدف إنهاء الحراك الجماهيري الذي كان كادحي وفقراء شعبنا من المنسحبين جزء أساسي منه. لكن المدهش هو محاولة كتلة سائرون ومن دون بقية القوى الميليشياوية التي إتّفقت معها في قم على ضرب الحراك الجماهيري هو أن تحالف سائرون طالب السلطة بحماية المسيرة التي دعا اليها زعيم التيار الصدري!! 

على القوى المدنية العلمانية المنضوية لليوم في هذا التحالف مراجعة مواقفها بشكل جدي، وإعلان موقفها النهائي للخروج من هذا التحالف بشكل علني وأمام الجماهير كونها دخلت هذا التحالف بشكل علني أيضا. فهذا التحالف اليوم يتحدث بلغة بعيدة جدا عمّا جاء من أجله، علاوة على لغته غير العربية. ولتعرف هذه القوى ومنها من لازال يؤمن بهذا التحالف من أنّ إكرام الميْت دفنه.

زكي رضا
الدنمارك
26/1/2020





45


حاولت سلطة المحاصصة بالعراق بشياطينها الثلاث ولا زالت، وهي تواجه أكبر رفض جماهيري لها منذ وصولها للسلطة بعد الإحتلال لليوم من شيطنة إنتفاضة اكتوبر عن طريق إلصاق مختلف التهم بها وبالمنتفضين. مستخدمة في هذا السبيل مختلف الأساليب ومنها أساليب غير أخلاقية لا تليق الا بها وبجمهورها، فربطت الإنتفاضة بدوائر إقليمية ودولية بإعتبارها هي من حرّكت الجماهير لخوضها. لتتجاوز وهي تقمع وتقتل وتغتال وتخطف المتظاهرين والناشطين حقيقة فشل نظامها في بناء الدولة، وتتجاوز بعناد أيضا عشرات الإحتجاجات والوقفات الجماهيرية المطلبية في جميع أنحاء العراق وتظاهرات عامي 2011 و2015 الواسعتين ضد الفساد وتوفير الخدمات والبطالة وإزدياد مساحة الفقر بالمجتمع، والتي أدّت بالنهاية الى إنفجار الغضب الجماهيري العفوي. لكن هل الإنتفاضة بدأت من العدم، أي ألم تكن هناك أصابع رمت أول حجر في مستنقع السلطة الفاسد؟

حادثة منفردة لكنها ذات مغزى عميق قد تبسّط لنا كيفية إنطلاق هذه الإنتفاضة، ففي شتاء العام الماضي وجدت الشرطة شاب ظنّته متشرّدا ينام ملتحفا بالعلم العراقي تحت نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد، وبعد سؤاله عن سبب نومه في ذلك الجو البارد أجاب من أنّه دعا عدد من الشباب للإعتصام في الساحة الا أنّ أحدا لم يلبّي دعوته، ما دعاه لأن يعتصم وحيدا. فما كان من رجال الشرطة الا ضربه وطرده من الساحة كما أوضح بنفسه لاحقا. هذا الشاب هو الشهيد (صفاء السراي) أحد أهم منظمي هذه الإنتفاضة وأبرز رموزها والذي أستشهد بعد أن اصابته قذيفة قنبلة دخانية في رأسه. بالتاكيد أن فكرة الإعتصام لم تكن فكرة منفردة، بل هي فكرة مجموعة واعية وجريئة من الشباب ضاقت بهم سبل الحياة بغياب أحزاب معارضة حقيقية قوية في وطن ينخره الفساد وتحكمه عصابات منظمة إحتكرت كل شيء فيه، مجموعة يبدو أنها نسّقت مواقفها خلال عام كامل أو أكثر مستفيدة من مواقع التواصل الإجتماعي لتحشّد من خلاله أكبر عدد ممكن من المتذمرين من الأوضاع المعيشية السيئة التي يعيشونها وشعبهم ووطنهم، كالفساد والفقر والبطالة وإنعدام الخدمات وغيرها الكثير. فهل إمكانية مثل هذا السيناريو ممكن أم لا؟ هنا لا نريد التحدث عن إنعدام الوعي في المجتمع، بل عن وجود الوعي عند نخبة من الشباب قادرة على إجراء تغيير في الحياة السياسية بتحشيدها أكبر عدد ممكن من الجماهير المتضررة ودفعها للتظاهر من أجل مصالحها ومصالح أبنائها، هذه الجماهير التي خرجت اليوم بمئات الآلاف من أجل تحقيق هذه الأهداف؟

قبل شهر تقريبا دعا أربعة أشخاص فقط في مدينة بولونيا الإيطالية من خلال مواقع التواصل الإجتماعي الى تظاهرة من أجل إدانة خطاب الكراهية والشقاق الذي يثيره هناك زعيم حزب الرابطة اليميني القومي الفاشي، ليتفاجأ الرجال الأربعة بحضور 15 ألف شخص لتلك التظاهرة! ومن وقتها ولليوم وصل عدد المتظاهرين في خمس مدن إيطالية هي (ميلانو وتورينو وفلورنسا ونابولي وباليرمو) الى 300 ألف شخص، فيما تظاهر يوم السبت 15/12/2019 في روما وحدها 40 ألف شخص. أنّ قيادة أربعة أشخاص قد لا يعرفون بعضهم البعض الا من خلال مواقع التواصل الإجتماعي لتظاهرات بهذا الحجم في إيطاليا، تعني أنّ للإنترنت دور كبير في تحشيد الجماهير المتضررة من قضية ما والتظاهر في سبيل تحقيق مطالبها " قطع نظامي طهران وبغداد الدينيين الإنترنت للحد من إستخدامه في التحشيد الجماهيري للتظاهرات". وقال أحد منظمي هذه الحركة التي تقود التظاهرات المسّماة حركة السردين تيمنا بهذا النوع من السمك الذي يتحرك بمجموعات كبيرة لمواجهة أعدائه من السمك الكبير، "المهم ورغم عفوية الحركة هو أن ينزل اكبر عدد من الناس للشارع ليقولوا أنهم سئموا خطاب الكراهية". لماذا لم تتهم السلطات الإيطالية ومنها حزب الرابطة اليميني القومي الفاشي المتظاهرين من أنهم ينفذّون أجندات أجنبية، ولماذا لم يقف مثقفوا إيطاليا وأحزابها ضد هذه الحركة الناشئة كما يقف البعض او يشكّك بإنتفاضة شعبنا، كون وقوف جماهير هذه الأحزاب والعصابات وجيوشهم الألكترونية ضد إنتفاضة شعبنا أمر مفروغ منه .

هل من حقّ شعبنا أن ينتفض ضد سلطة غارقة في الفساد؟ هل من حق شعبنا أن ينتفض لإعادة بناء وطنه؟ هل من حقّ شعبنا أن ينتفض ليعيش بكرامة؟ هل من حقّ شعبنا أن ينتفض ضد العصابات والمافيات والميليشيات التي تقتل وتخطف وتسرق؟ ليدلّنا من يقف ضد هذه الإنتفاضة أو من يشكّك بها عن الطريق الذي علينا سلوكه لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية القومية الفاسد، وهل علينا الإنتظار عقد أو عقدين آخرين من الزمن حتّى يغيّر الفاسدون أنفسهم بأنفسهم وهل هناك أمل ولو ضئيل في ذلك، ومتى سيتغير ميزان القوى لصالح جماهير شعبنا إن لم يتظاهر أو ينتفض!؟

" جئت - للتظاهرات - لكي أكون شاهدا وإلا لكنت خجلت بكوني إيطالي " المتقاعد روبيرتو ريبرينو

أنا أقف الى جانب شعبنا وأساهم في إنتفاضته كطريق للتغيير والحريّة والا فأنا خجل من كوني عراقي.

 
زكي رضا
الدنمارك
17/12/2019

46
المنبر الحر / بسم الله! يا عراق
« في: 22:01 01/12/2019  »

بسم الله! يا عراق



نظام ولي الفقيه المتخلف في طهران يعرف جيدا ماذا يعني إنتصار شعبنا على أراذله وأوباشه الذين أصبحت مساحة تحركهم اليوم داخل الخضراء وخلف جدران عازلة، بعد أن ضاق بهم الوطن على سعته نتيجة جرائمهم وفسادهم وعمالتهم له، والذي سيضيق بهم أكثر وأكثر حتى نراهم في أقفاص الإتهام أو هاربين إلى بلدان العالم المختلفة ومنها كعبتهم إيران. فالعراق اليوم هو الجدار الدفاعي الأخير لنظام ولي الفقيه الذي بدأ يترنح من أثر ثورة شعبنا وهو يواجه بعنفوان قلّ نظيره آلة القتل الإسلامية، التي بطشت وتبطش بقسوة قلّ نظيرها هي الأخرى بشعب يريد أن يحيا بكرامة محطمّا قيود الذل والجهل والتخلف الذي جاء به أسوأ إحتلال على مرّ التأريخ عن طريق أراذل وأوباش، وهو الإحتلال الإيراني كونه إحتلال فكري ثقافي لا زال يريدنا أن نعيش عهد الكتاتيب والملالي، ونحيا حياة أشبه بالموت إن لم يكن الموت نفسه.

لأن النظام الدموي القروسطي في طهران يعي الخطر القادم إليه من بغداد، وهو يرى أول قطع الدومينو التي تبدأ ببغداد وتنتهي بعاصمته تسقط بإستقالة عادل عبد المهدي الملطخة يديه بدماء شابات وشبان العراق، والتي سوف تستمر بالتساقط حتى سقوط آخر قطعة دومينو في طهران، بعد أن تفقد هذه العاصمة عمقها الإستراتيجي وتمويلها المالي وتخسر فائضها التجاري وهي تعاني من آثار الحصار، حال إعلان شعبنا نصره المؤزر على نظام المحاصصة. فأنّ هذا النظام وهو يعيش حالة من الهستيريا يحاول وبكل السبل المتاحة القضاء على ثورة شعبنا والبطش بهم من خلال عملاءه وميليشياته "العراقية".

في دلالة عن حالة الهستيريا التي يمر بها نظام ولي الفقيه الفاشي، كتب حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان الإيرانية الصادرة يوم السبت 30/11/2018 مقالا تحريضيا يحمل بين طياته علاوة على مطالبته والتي هي مطالبة نظامه بقمع وإقتلاع جذور المنتفضين بعد إتهامهم بأنهم إستمرار لعصابات داعش الإرهابية!!، كذبا لا حدود له في محاولة لجلب تعاطف الشارع الشيعي المنتفض من خلال فرية حرق مرقد عثمان بن سعيد أوّل سفراء الإمام المهدي في النجف الأشرف من قبل المنتفضين، هذه الفرية التي كذبّتها الأمانة العامّة للمزارات الشريفة في بيان لها جاء فيه "تود الأمانة العامة للمزارات الشيعية الشّريفة، أن تُطمئن جمهورها ومحبي آل البيت (عليهم السَّلام) أين ما كانوا والشعب العراقي عامةً بأن ما أُشيع في صفحات التواصل الإجتماعي، عن إحراق المرقد المُطهر للسفير الأول للإمام الحجة (عجل الله تعالىٰ فرجهُ الشّريف) الشيخ عثمان بن سعيد العمريّ (رضي الله عنهُ) بأنها أنباء عارية عن الصحة تماماً، وأن المرقد لم يمسسه سوءً أبداً، وأن الحريق الذي أُشيع إنما هو في المحال التجارية المجاورة له، وحركة الزوار في المرقد شبه طبيعية".

لقد إستغلّ شريعتمداري في مقالته حادثة حرق القنصلية الإيرانية بالنجف الأشرف والذي هو أمر مرفوض تماما وفعل لا مبرر له، ليحرّك من خلالها أوباش وأراذل نظامه من أحزاب وميليشيات إسلامية عميلة لقمع ثورة شعبنا بأكثر الوسائل عنفا. فهو يطلب من الحشد الشعبي الدخول على خط المواجهة مع شعبنا منوها الى أنّ قمع الإنتفاضة وإقتلاع جذور المنتفضين الدواعش وفق رأيه سهل جدا على أبناء الحشد الحاملين أرواحهم على الأكف! وليعطي شريعتمداري هالة دينية وطائفية لما يريده ونظامه في قمع أبناء شعبنا فأنّه كتب مقالته تحت عنوان (بسم الله! يا حسين أخرى - بسم‌الله! یک ‌یا حسین دیگر). فهل عنوان المقالة رمز لبدء معركة مفتوحة من الميليشيات المجرمة وهي تواجه شعبنا الأعزل؟ وإن كان مهاجمة السفارات والقنصليات أمر مرفوض وفق الإتفاقيات الديبلوماسية ومنها إتفاقية فيينا للعام 1963 ، فكيف يفسّر لنا السيد شريعتمداري إحتلال السفارة الأمريكية في طهران أثناء الثورة بغضّ النظر عن موقفنا من الولايات المتحدة، وما هو تفسيره لمهاجمة سفارة العربية السعودية وقنصليتها من قبل الإيرانيين في كلٍ من طهران ومشهد عام 2016 ؟

السيد شريعتمداري، إنّك تعنون مقالتك التي تحرّض على قتل أبناء شعبنا ولطائفية مقيتة بإسم الحسين، والإمام الحسين ليس ملككم ولا ملكنا بل هو ملك للمسلمين عامّة. أمّا نحن اليوم إذ ندافع عن شرفنا وعزّة بلادنا وكرامتنا ونثور ضد أسوأ نظام فاسد عرفته بلادنا والمنطقة بل والعالم عبر التأريخ، فإننا نقسم بالعراق من إننا سنستمر في ثورتنا حتى تحقيق النصرالأكيد. فالعراق ملكنا وليس ملككم ولن يكون ملككم ولا ملك أوباشكم وأراذلكم من أحزاب وميليشيات لا تعرف الا الإنحناء وتقبيل أياديكم وسرقة ونهب ثرواتنا، وكما إنتصر الدم على السلاح عبر التأريخ، فأن دماء شهدائنا ستنتصر على رصاصاتكم وقنابلكم الدخانية والمسيلة للدموع وحينها ستكون نهاية نظامكم المتخلف. وإنني هنا إذ أعتذر لإستخدامي كلمات غير لائقة كأوباش وأراذل، يبقى عزائي هو أنها كلماتكم التي إستخدمتموها في مقالتكم وأنتم تصفون بها ثائرات شعبنا وثواره، والتي إن دلّت على شيء فأنّها تدلّ على ضحالة أخلاقكم وقيمكم وثقافتكم.

والعراق سننتصر.


(*) رابط مقالة شريعتمداري في صحيفة كيهان باللغة الفارسية
http://kayhan.ir/fa/news/175950
 
زكي رضا
الدنمارك
30/11/2019



47
لو كنت مكان السيد علي السيستاني لفعلتها

المرجعية صمّام أمان العراق، هذه المقولة هي السلاح الفعال للقوى الدينية في إستمرار هيمنتها على السلطة. وهي المقولة التي تتاجر بها هذه القوى، متّخذين من المرجعية راية يبررون فيها فسادهم ونهبهم للمال العام. والمرجعية سُلّم الأحزاب الإسلامية الشيعية وميليشياتها لتحويل العراق الى ساحة خلفية لإيران، وإن إتّخذت المرجعية موقفا مناهضا لذلك، والمرجعية هي الغطاء الذي تتستر به الأحزاب والميليشيات الشيعية وهي ترتكب جرائمها البشعة بحق شعبنا ووطننا.

شعبنا لم يخرج "أشرا ولا بطرا"،  بل خرج بداية الأمر لإصلاح حال وطنه الذي دمرّه نظام المحاصصة. خرج أول الأمر ليطالب بحياة كريمة بحدها الأدنى، فكانت شعاراته تدور حول توفير خدمات وفرص عمل ومحاربة الفساد وإصلاح النظام السياسي الطائفي الأثني. لكن والنظام يستمر بفساده وإستهتاره ونهبه للمال العام وإزدياد نسبة البطالة بين الشباب وزيادة رقعة الفقر ورفضه حتى للإصلاح الجزئي للعملية السياسية وآلياتها، تطور شعارهم  (المتظاهرين)  من الإصلاح الى التغيير الشامل، بعد أن تحولت التظاهرات الى إنتفاضة والتي هي في طريقها لأن تكون ثورة.  ثورة ستغيّر واقع العراق والمنطقة بالكامل، على الرغم من الصمت العربي والإقليمي والدولي المريب والمشبوه للجرائم التي يرتكبها حكام الخضراء بحق أبناء شعبنا.


نتيجة لعدم جدية السلطة في إيجاد مخارج واقعية للأزمة المستفحلة بالبلاد، وإعتمادها على عاملي الوقت والبطش في القضاء على إنتفاضة شعبنا السلمية. فأنّ ردة فعل الجماهير أو بالأحرى مجموعات قليلة منها أخذت منحى غير "التظاهر السلمي" والذي لا يعبر عن الوجه الحقيقي للإنتفاضة. وحتى هذا التظاهر الجزئي المحدود وغير "السلمي"، لم يُتَرجَمْ كفعل عنفي ضد قوات السلطة المختلفة ولا حتّى ضد العناصر الميليشياوية، على الرغم من أن الجماهير وفي كل مدينة تعرف الميليشياويين بأسمائهم وعناوينهم. كما ولم يهاجم المنتفضون ولليوم دوائر الدولة والمصارف ومصالح الناس لنهبها وحرقها، بل على العكس فأنهم تعاونوا مع قوات مكافحة الشغب التي حضرت لقتلهم وقمعهم بإعتقال عصابة حاولت سرقة البنك المركزي،  وهذا ما أكّدته قيادة عمليات بغداد في بيان مقتضب لها قالت فيه " القوات الامنية التابعة لقيادة عمليات بغداد تمكنت وبالتعاون مع المتظاهرين من اعتقال عصابة حاولت سرقة البنك المركزي العراقي!!

نتيجة التدخلات الإيرانية المباشرة والعلنية بالشأن الداخلي للبلاد، وإعتراف زعماء أحزاب ومنظمات وميليشيات شيعية علنا بولائها لولي الفقيه، ونتيجة للدور الإجرامي لقائد فيلق القدس الإيراني ( قاسم سليماني) في توجيهه لقوى السلطة العسكرية وشبه العسكرية  لقمع تظاهرات شعبنا، ونتيجة لشعور وطني عارم ضد كل ما هو إيراني خصوصا بعد تسريب وثائق إستخباراتية تؤكد على تدخلات إيرانية واسعة بشؤون العراق الداخلية من خلال تجنيدها لعدد كبير من الساسة للعمل لصالحها، وبغضّ النظر عن توقيت نشرها هذه الأيام.  فأنّ خطّة مبيتة سلفا وبدقة عالية بدأت لإجهاض الإنتفاضة من خلال حرق القنصلية الإيرانية بالنجف الأشرف، هذه الخطة هي على غرار نفس الخطة الشيطانية التي إستهدفت القنصلية الإيرانية بالبصرة العام الماضي، والتي أطلقت يد السلطة في الهجوم الوحشي على المتظاهرين وإنهاء التظاهرات المطلبية وقتها، والتي عزّزها النظام بإطلاق يد القادة العسكريين بإستخدام العنف المفرط بعد تعيينهم كمحافظين، بعودة غير ميمونة لسلفهم المجرم صدام حسين إبّان قمعه لإنتفاضة آذار المجيدة.

حرق مبنى القنصلية الإيرانية المخطط له بعناية من قبل السلطة  بالنجف الأشرف،  والذي جاء نتيجة رعبها من شدّة الإنتفاضة ونجاحها الذي سيكون قبرها، وبداية لإنهيار النظام الثيوقراطي الإيراني إذا ما أضفنا حراك الشعب اللبناني إليها. دفع بعض الميليشياويين والبرلمانيين وكجزء من الخطّة نفسها  بزجّ  إسم المرجعية الدينية في الأحداث،  كورقة من الممكن اللعب بها والإستفادة منها في قمع الإنتفاضة بحجّة الدفاع عن المرجعية من المنتفضين!! متناسين أنّ جماهير النجف لها تأريخ طويل وعريق في الحفاظ على هيبة المرجعية وحماية الأماكن المقدسة بالمدينة، وهم ليسوا بحاجة الى قتلة وفاسدين كي يهبّوا للدفاع عنها.

تغريدتان بائستان لكل من الميليشياوي قيس الخزعلي زعيم عصابات أهل الباطل وأخرى لرئيس كتلة السند في البرلمان النائب أحمد الأسدي، يدخلان في باب محاولات الإسلام السياسي الشيعي وتحت حجّة حماية المرجعية وشخص السيد السيستاني لشق صفوف المنتفضين وقمعهم.  وهي محاولات يائسة أخرى تضاف الى محاولاتهم السابقة والتي ستتكرر لاحقا ماداموا على رأس السلطة، كون الوعي الوطني عند جماهيرنا وهي تعرف ماذا تريد بالضبط  قد وصل الى نقطة لا تستطيع مثل هذه التغريدات أن تقف أمامها.

يقول قيس الخزعلي في تغريدته " واهم من يعتقد إنه يمكن أن يمسّ شيء من السيد السيستاني"، كما يقول أحمد الأسدي "  نعلن ان أرواحنا وأجسادنا فداء لمرجعيتنا الدينية". لو كنت مكان السيد السيستاني وأنا أقرأ هاتين التغريدتين وأمتلك هذه الهالة من القدسية وأسكن الى جوار إمام عادل، لخرجت في خطبة الغد ( 29/11/2019)  ومن صحن إمام الشهداء معلنا رفضي لما غرّد به هذان الأفّاقان قائلا لهما: لستما بأحرص من أهالي النجف الكرام وبقية شيعة العراق وشعب العراق على أمني وحياتي، فأنا أقيم بينهم ومعي المراجع الآخرين دون حمايات مثلما أنتم، وثقتي بأبناء العراق ووعيهم للتحرر من سلطة الفساد وبناء وطن معافى لا حدود لها. وإطمئنوا من لا أحد سيمسّني وباقي المراجع بسوء، إن لم تمسّوني أنتم بسوء وأنتم والله بفسادكم وجرائمكم فاعلون. وإننا كمرجعية نرى أن أجسادنا وأرواحنا هي فداء لهذا الشعب وهذا هو ديدن الإمام العادل وولي الأمر الحق، لذا وإن كنتم صادقون وأنّى لكم ذلك فكفّوا عن قتل أرواحنا وأجسادنا من خلال قتلكم لأرواح وأجساد المنتفضين العزّل الأبرياء المطالبين بحياة كريمة ووطن عزيز.. اللهم إنّي بلّغت اللهم فأشهد .

إفعلها أيها السيد السيستاني، فأنك والله  ستحقن دماء الناس وتعيد الحق المهضوم الى نصابه. السيد السيستاني لا تأخذك في الحق لومة لائم وأنت تجاور إمام الفقراء واليتامى، إمام عدل إستشهد وهو يزأر أن" فزت وربّ الكعبة. إثبت للعالم أجمع من أن ساسة الخضراء ظالمون ومن حق شعبنا أن ينتفض ليحيا بكرامة  وفز بها وأنت حيّ ترزق،  وقل لهم كما قال من تسكن جواره ..

"اللهم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك"

زكي رضا
الدنمارك
28/11/2019








48
مقتدى الصدر حصان طروادة إيراني بالعراق


نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا ونقلا عن موقع ذي إنترسبت الأمريكي،  نسخة من وثائق إستخباراتية إيرانية تكشف مساعي إيران لتجنيد مخبرين (جواسيس) لها بالعراق بعد " الإنسحاب" الأمريكي من البلاد عام 2011. وقد وردت في هذه الوثائق تفاصيل كثيرة عن التغلغل الإيراني بالعراق وعلى أعلى المستويات، ولم يقتصر تغلغل الإستخبارات الإيرانية بالعراق على جهة سياسية دون غيرها من تلك التي تتحكم بمفاصل الدولة. فعلاوة على تجنيد ساسة شيعة من الطراز الأوّل والذين بالحقيقة لا يحتاجون الى تجنيد، كونهم موالين لسلطة ولي الفقيه منذ أن كانو في إيران قبل الإحتلال الأمريكي وتمّ تجنيدهم العديد منهم هناك. فأن المخابرات الإيرانية نجحت في تجنيد ساسة سنّة أيضا وعلى مستويات مختلفة، وكذلك ساسة  كورد رفيعي المستوى. وبغضّ النظر عن الأسماء وبالعودة الى المناصب التي يحتلها هؤلاء الساسة، فإننا نستطيع أن نلمس حجم الخراب الهائل الذي يشكله أمثال هؤلاء الساسة على البلاد وأمنها.

عدّة أسئلة علينا طرحها ونحن نتابع ما نشرته الصحيفة الأمريكية، وهل معظم الأسماء التي وردت في هذه الوثائق عملت لصالح الإستخبارات الإيرانية بعد الإنسحاب الأمريكي من العراق العام 2011 أم قبله؟ هل هناك قيادات دينية سياسية وميليشياوية وقبلية تجاوزتها الوثائق أو الصحيفة، ولماذا؟ هل هناك وثائق من جهات أخرى توضّح طبيعة العلاقة بين ساسة عراقيين وأجهزة إستخبارات دول جارة (عدا إيران) أو إقليمية أو دولية ومنها الولايات المتحدة الامريكية نفسها لم يحن وقت نشرها الآن؟

في الحقيقة فأنّ الوثائق المنشورة  لم تأتي بأمر جديد الا في التفاصيل، فعلاقة من ورد ذكرهم في الوثائق مع السلطات الإيرانية ليست وليدة اليوم، بل تعود الى فترات سابقة وبالتحديد الى تلك الفترة التي كانت فيها المعارضة الإسلامية والكوردية، تتخذان من إيران قاعدة لهما في صراعهما مع النظام البعثي. ومن الطبيعي أنّ إيران حالها حال أية دولة أخرى لم تكن تقدم الدعم  والمساعدات اللوجيستية لهما دون مقابل، كما ومن الغباء  التصور من أنّ إيران لم تجنّد العشرات إن لم نقل المئات ممّن كانت تتوسم فيهم القدرة على تبوأ مناصب قيادية مستقبلا منهم وإن داخل تنظيماتهم السياسية حينما كانوا يعيشون فيها. وبالتالي فأنّ الوثائق المنشورة تشير الى أمرين، أولّهما وجود أسماء أخرى عديدة لم تنشرها الصحيفة خصوصا وأن تعداد الوثائق بلغ ما يقارب السبعمائة صفحة، والثاني هو "إعتقادها"  أنّ من ذكرت أسمائهم أو العديد منهم على الأقل قد إرتبطت مع الإستخبارات الإيرانية بعد الإنسحاب الأمريكي من العراق!!

من خلال صراع القوى الإقليمية والدولية في العراق، فأنّ وجود مخبرين (جواسيس) من الطبقة السياسية يعملون لصالح دول أخرى غير إيران هو أمر بديهي، وهذا ما يعرفه الشارع العراقي حتّى دون وجود وثائق على أهميتها، بل أنّ هناك ساسة إعترفوا علنا من أنّهم يعملون لأكثر من جهاز إستخباراتي.  والحرب الطائفية ونهج المحاصصة الذي دمّر البلد وهو ينفّذ أجندة دول إقليمية، فرض وللأسف الشديد واقعا لم يمرّ به بلد في المنطقة قبل العراق. فالقوميات والطوائف وهي تبتعد في ظل غياب الثقة بينها عن الفضاء الوطني كما خُطُّطَ لها ، أفرزت مجاميع من السياسيين كانت تحج الى العواصم الإقليمية ولازالت لطلب الدعم المالي والسياسي والإعلامي لأحزابها بحجّة دعم قومياتها وطوائفها، فهل هذه العواصم كانت تقدم خدماتها لهم بالمجّان؟ أم أنها حذت حذو إيران في تجنيد ساسة هذه القوميات والطوائف كمخبرين (جواسيس)؟

بغضّ النظر عن تجنيد الإستخبارات الإيرانية للشخصيّات السياسية المرموقة وذات التأثير الكبير على الساحة السياسية، وما قدّمته هذه الشخصيات لها من خدمات طيلة سنوات ما بعد الإحتلال لليوم. الا أنّ دولة كإيران بثقلها الإقليمي  وعلاقاتها الواسعة مع العراق وخصوصا مع الأحزاب الشيعية ذات الثقل الأكبر في رسم سياسة البلد، ونظرتها المستقبلية للمنطقة والعراق كونه بوابته للتمدد من جهة، وحبله السرّي إقتصاديا وماليا وهي تعيش حالة مواجهة مستمرة مع أمريكا وتنوء من أثر الحصار الأمريكي عليها من جهة أخرى، يهمّها جدا إستقرار شكل الحكم الذي تتحكم هي فيه أي نظام المحاصصة الطائفية الأثنية.

أية تظاهرات واسعة كالتي يشهدها العراق اليوم  تشكل ناقوس خطر كبير على نظام طهران، خصوصا وأنّ ما يجري بالعراق والمنطقة سيؤثر حتما على الأوضاع الداخلية فيها. وهذا ما لمسناه بعد تظاهرات الشعبين العراقي واللبناني ضد نظامي بلديهما الفاسدين واللذان يحضيان برعاية ودعم حكام طهران، والذي ترجمه الشارع الإيراني بمظاهرات صاخبة في الكثير من المدن الإيرانية بعد زيادة أسعار الوقود والتي قد تتحول الى نهضة شعبية ضد النظام فيها. وممّا لا شك فيه  فأنّ دولة مثل إيران لثقلها ومصالحها كما ذكرنا قبل قليل تفكر في مواجهة مثل هذه الأحداث قبل وقوعها، أو العمل على أحتوائها وإنهائها من الداخل إن حدثت فجأة. ولكي تصل إيران لتنفيذ أهدافها ورغباتها هذه ونحن نتحدث عن تظاهرات شعبنا منذ العام 2011 والتي تُوجّت في الأول من تشرين/ أكتوبر الى إنتفاضة جماهيرية واسعة تنشد تغييرا حقيقيا بالبلاد وإخراجه من أزماته المستفحلة والتي تهدد المصالح الإيرانية من خلال تهديها للسلطة نفسها في الوقت نفسه،  فأنها بحاجة الى عملاء من طراز غير طراز الساسة في المناصب السيادية او المرموقة والحساسة في أجهزة الجيش والشرطة والإستخبارات، عملاء لهم سطوة في الشارع العراقي وقادرين على تحريك جماهيرهم مثلما يشاؤون أي مثلما تشاء طهران. فهل نجحت طهران في تجنيد مثل هذه الشخصية والتي لم تشير إليها وثائق النيويورك تايمز، وما الدليل المنطقي لذلك؟

منذ إندلاع أول تظاهرات مطلبية شعبية بالعراق في شباط 2011، شعرت الحكومة الإيرانية بخطر مثل هذه التظاهرات وتطورها النوعي والكمي خصوصا وهي تعرف جيدا حجم الفساد الذي ينخر الدولة العراقية، وما سينتج عنه من غضب جماهيري قد ينفجر فجأة ويخرج عن نطاق السيطرة. لذا كان عليها تجنيد شخصية لها ثقلها في الشارع، شخصية تستطيع التغلغل داخل التظاهرات وحرف مساراتها للغلبة العددية له أو للتيار الذي يمثّله، شخصية تقترب من المقدّس عند بسطاء الناس التي تتحرك بإشارة منه وتعود الى بيوتها بإشارة منه أيضا. فمن هي هذه الشخصية؟

لقد دخل التيار الصدري فجأة ودون سابق إنذار الى تظاهرات ساحة التحرير والمدن الأخرى في شباط 2011، وقدّم نفسه كمناهض للفساد وقتها، على الرغم من أن هذا التيار كان يهيمن على الوزارات الخدمية والتي إشتهرت كوزارات فاسدة كما غيرها، ما دعا الجماهير للتظاهر ضده أي الفساد.  وطالب قائد هذا التيار أي مقتدى الصدر من المتظاهرين أن يعطوا الحكومة مهلة ستة أشهر لتنفيذ مطالبهم، لينسحب تياره من التظاهرات تاركا القوى المدنية والديموقراطية والنقابية والمهنية ومنظمات المجتمع المدني وحدها، بعد أن سرق منها شعاراتها وأفرغ تظاهراتها من زخمها التي كانت عليه قبل دخوله اليها أساسا. وإستمرّ الصدر في لعبة المشاركة في التظاهرات والإنسحاب منها حتى إنتفاضة شعبنا اليوم. وكان يترك الساحة العراقية الملتهبة ليحل ضيفا على حسن نصر الله في لبنان أو قاسم سليماني في طهران، وليتابع التظاهرات من على شاشات التلفزة!!

لقد رفع المنتفضون في ساحة التحرير وبقية سوح التحرير بالعراق شعار التغيير وليس شعار الإصلاح الذي يريد الصدر برفعه إستمرار مؤسسات الفساد بالبلد خصوصا وأنّ تياره وبغض النظر عن أسماءه (أحرار – سائرون) هم جزء من آلة الفساد المدمّرة والتي ينتفض شعبنا ضدها هذه الأيام، هذا الشعار أي التغيير الذي يقض مضاجع طهران ويهدد مصالحها. كما وأعلن المنتفضون في ساحة التحرير وغيرها من سوح التظاهر بمختلف المدن والبلدات العراقية رفضهم للأحزاب والتيارات السياسية، وقد هتفت الجماهير ضد التيار الصدري والصدر شخصيا في كل المدن المنتفضة.

الا أن الصدر المقيم اليوم في قم، وهو يرى حالة الغليان الشعبي ضد السلطة الإيرانية نتيجة تدخلاتها المباشرة بالشأن العراقي وآثارها الكارثية على الدولة والمجتمع، وفقدان إيران لمراكز قوتها جاخل المجتمع الشيعي خصوصا وأنّ الانتفاضة بدأت شيعية وتتركز في الوسط الشيعي. عاد وبأوامر من الإستخبارات الإيرانية ليحرّك ما تبقى له من جماهير وبأوامر مباشرة من قاسم سليماني الحاكم الفعلي للعراق، للدخول الى ساحات التحرير من أجل إنهاء إنتفاضة شعبنا. أنّ خطر مقتدى الصدر على إستمرار إنتفاضة شعبنا كبير جدا، وعلى المنتفضين إبعاد أو إحتواء أنصاره من خلال التركيز على علاقته بالسلطات الإيرانية وإقامته فيها رغم حالة الهيجان الشعبي المعادي للوجود الإيراني في بلادنا. إذ من غير المعقول أن يكون مقتدى الصدر مع التغيير الذي تنشده جماهير شعبنا وهو يعمل على تحريك أتباعه من طهران التي تستخدم كل السبل لإجهاض هذه الإنتفاضة التي شكّلت منعطفا هاما في حياة شعبنا ووطننا.  كما وعلى المنتفضين الإصرار على خلو ساحات التظاهر والإعتصام من صور أية شخصيات دينية وسياسية، وليكن العلم العراقي والأناشيد الوطنية التي تمجد العراق وإنتفاضة الشباب التشرينية هي الوحيدة التي يرددها المتظاهرون والمعتصمون في مختلف مدن العراق.

قد تكون أسماء المخبرين ( الجواسيس) الذين وردت أسمائهم في الوثائق المنشورة كبيرة وتشغل مناصب حساسة جدا، وقد يكون تجنيدهم على درجة عالية من الأهمية لإستمرار الهيمنة الإيرانية على العراق. الا أنّ تجنيد مقتدى الصدر وإن بشكل غير مباشر ودون وعي منه يعتبر نجاحا بارزا لإيران بالعراق بل هي ضربة معلم كما يقول المصريون. فالصدر لا يعمل كبيدق إيراني يتحرك بأوامر قاسم سليماني فقط، بل هو اليوم حصان طروادة إيراني هدفه إنهاء إنتفاضة شعبنا لما تشكلها من خطر على السلطة التي هو جزء مهم من نسيجها الفاسد،  وكذلك على نظام ولي الفقيه الذي يأتمر مقتدى الصدر ومعه طيف سياسي ديني "عراقي" واسع بأوامره للهيمنة على مقدرات وطننا وشعبنا.

زكي رضا
الدنمارك
21/11/2019

   





       


49

رفسنجاني مرّ من هنا .. إيران مرّت من هنا

ما أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها، حتّى عاد النظام الإيراني بقوة ليسابق الزمن للبدأ مجددا في تصدير ثورته التي بدأت منذ اليوم الأول لنجاح الثورة والتي تلكأت بسبب الحرب، تلك التي كانت من أهم أهداف الخميني ونظامه الثيوقراطي. وقد إستفاد النظام وقتها من ضعف العراق بعد الحرب وخصوصا إثر رعونة البعث الفاشي وإحتلاله الكويت، والخلافات العربية وخصوصا الخليجية منها مع العراق.

على الرغم من أنّ النظام الإيراني كان قد بدأ دعمه لحزب الله اللبناني منذ العام 1983 تقريبا، من أجل جعل الحزب رقما مهما على الساحة السياسية اللبنانية، والذي نجح فيه نجاحا منقطع النظير. الا أن الساحة العراقية كانت الأهم له للوصول الى هدفه في بناء الهلال الشيعي الممتد من أراضيه الى لبنان عبر العراق وسوريا. وقد لعب صدام حسين دورا في مساعدة إيران بمسعاها هذا حينما تبنى مشروع الحملة الإيمانية، ما منح القوى الدينية مساحة واسعة للعمل المجتمعي في مجتمع يعاني من الجوع والفقر والذل والخوف في ظل نظام دموي وحصار قاس. فعادت القوى الدينية تحت يافطات غير حزبية عدة للعمل بالعراق مما اكسبها جماهيرية واسعة، مستغلّة المساجد والحسينيات والمناسبات الدينية لذلك. وما هي الا بضع سنوات وإذا بالأمريكان يقدّمون لإيران هدية ثمينة وعلى طبق من ذهب، إذ حررت الولايات المتحدة الأمريكية السلطة الدينية في طهران من حكمين كانا يشكلان لها صداعا مزمنا، ويؤخران من برنامجها في التمدد خارج أراضيها. فقد إنهار نظامي طالبان والبعث في افغانستان والعراق بعد ضربات أمريكية مباشرة ، إثر احداث الحادي عشر من ايلول.

أثناء الحرب العراقية الإيرانية شكّلت إيران فيلقا عسكريا تحت إسم فيلق بدر متكونا من العسكريين العراقيين الأسرى " التوابين" ومجاميع من الإسلاميين من مختلف الاحزاب والتنظيمات الإسلامية، وعراقيين تم تهجيرهم الى إيران قبل نشوب الحرب، وقد لعب هذا الفيلق دورا مهما أثناء الحرب وأثناء الإنتفاضة الآذارية لشعبنا بالعام 1991 . الا أنّ النصر الأكبر لإيران هو وصول هذا الفيلق ومعه باقي الإسلاميين الى قمة الهرم السياسي في العراق بعد الإحتلال الأمريكي، وهنا تكون إيران قد حصدت ما زرعته خلال فترة الحرب وليصبح العراق مستعمرة إيرانية.

ما أن بدأت الأحداث في سوريا ضد الحكم البعثي فيها، حتى كانت إيران ذات العلاقات المتينة معها أثناء الحرب العراقية الإيرانية للخلاف بين البعث في البلدين، في الصف الأمامي للدفاع عن النظام فيها كونه علوي من جهة ولمجاروتها لبنان حيث حزب الله من جهة ثانية. وقد ساهمت إيران بمقاتليها ومقاتلين من العراق وحزب الله، في قتال طويل مع القوات الحكومية السورية ضد مختلف التنظيمات إثر بدأ الحرب الأهلية فيها، والتي إنتهت جميعا تقريبا في خانة القاعدة وداعش بالنهاية. وهنا تكون إيران قد أحكمت قبضتها على ثلاث عواصم عربية بعد أن هيمن حزب الله بقدراته العسكرية والتمويل الإيراني المالي السخي على مقدّرات لبنان، وبدأت أحلام إيران بتحقيق الهلال الشيعي تتحقق، خصوصا بعد تدخلها باليمن لدعم الزيديين " شيعة" فيها، وتمويلها بالخبرات والأسلحة والمال والدعم السياسي.

لقد تسبب التدخل الإيراني في البلدان الأربعة عن كوارث حقيقية لهذه البلدان وشعوبها، فحزب الله ساهم من خلال ما يطلق عليه محور المقاومة بتعريض لبنان للدمار من قبل الطيران الإسرائيلي، وسوريا أصبحت أنقاض من خلال إصرار إيران على بقاء البعث بالسلطة فيها! واليمن الفقيرة أساسا تحولت الى خرائب، والعراق تمّ تدمير مدنه ونهب ثرواته وإذلال شعبه. فهل نجح نظام طهران في إكمال هلاله الشيعي!؟

حتى الواحد من تشرين اول / أكتوبر كان كل شيء على ما يرام تقريبا والرياح تسير بما تشتهيه سفن ولي الفقيه، حتى جاء الرد العراقي من خلال إنتفاضة ستغيّر شكل اللوحة السياسية بالمنطقة بغضّ النظر عن نتائجها. فالعراق والمنطقة قبل الأول من أكتوبر، هو غيره بعد الأول من أكتوبر. والحلم الإيراني اليوم بدأ يتبخر شيئا فشيئا، ويبدو أنّ ولي الفقيه سيستيقض قريبا على أصوات الشعوب الإيرانية وهي تهتف " مرگ  بر ولي فقيه" أي الموت للمرشد.

إيران مرّت من هنا،  هي العبارة الأكثر دقّة في وصف الخراب الكبير الذي طال البلدان الأربعة التي تدخلت إيران في شؤونها الداخلية. وهذه العبارة تذكّرني بكاريكاتير للرسام الشهيد ناجي العلي نشره في صحيفة القبس الكويتية اواسط ثمانينات القرن الماضي وحرب الخليج الأولى على أشدّها، حينما نشر وقتها كاركاتيرا رسم فيه خراب كبير وبرميل كتب عليه " رفسنجاني مرّ من هنا" ..

لقد تحققت نبوءتك يا ناجي العلي وما أشبه اليوم بالبارحة، فإيران مرّت في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء.. ولم يتبقى من هذه البلدان الا الخراب والأنقاض.

زكي رضا
الدنمارك
11/11/2019

   

50
المرجعية تمسك العصا من الوسط


لم تختلف خطبة المرجعية اليوم عن خطبها السابقة من حيث المضمون، ولا من حيث الشكل لحدود بعيدة. فخطابها لا يزال يدور في نفس الحلقة المفرغة، دون أن تتقدم ولو خطوة واحدة للأمام من باب رفع العتب على الأقل. فهي تحاول في هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها البلاد مسك العصا من وسطها، مع ميل في أن تكون الى جانب السلطة وإن كان ذلك يجري بحذر هذه الأيام. فهي اليوم وقبل أن تتطرق الى نقاطها الخمس من خطبتها، بدت في واد وشعبنا في واد آخر. فالمرجعية أصّرت اليوم وبشكل غريب على تجاوز مطالب الجماهير، محاولة بشكل غير مباشر من فرض رأيها والذي يصبّ في صالح السلطة وبالتالي في صالح رعاتها من الدول الإقليمية، والتي طلبت بنفسها الأسبوع الماضي بعدم تدخلها بالشأن الداخلي للبلاد!!

على الرغم من أن التظاهرات التي عمّت بغداد والمدن الجنوبية بأكملها، والتي ترجمها المتظاهرون وخصوصا بعد إستشهاد المئات وجرح الآلاف منهم الى مطالبة بتغيير كامل للعملية السياسية من خلال شروط واضحة وهي، إستقالة الحكومة وكتابة دستور جديد وقانون أحزاب جديد ومفوضية إنتخابات جديدة وإجراء إنتخابات تحت إشراف دولي. الا أنّ المرجعية كما السلطة تريد إجراءات ترقيعية من خلال تجاوزها على مطالب الجماهير الملحة، لتقول " تتواصل الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح في اكثر من مكان "!! لقد تجاوز شعبنا شعار الإصلاح مع أوّل قطرة دم سالت في شوارع مدننا، ولا خيار اليوم غير خيار التغيير الكامل لعملية سياسية دمّرت بلدنا وأذّلت شعبنا ونهبت ثرواته. فليعي من يريد الخير للعراق هذه الحقيقة، والا فأنّه وبالضرورة سيكون في الخندق المقابل لخندق العراق وشعبه، هذا الشعب الذي شعاره المركزي اليوم هو .. إرحلوا.

تقول المرجعية في النقطة الأولى من خطابها اليوم من " إن أمام القوى السياسية الممسكة بزمام السلطة فرصة فريدة للاستجابة لمطالب المواطنين وفق خارطة طريق يتفق عليها، تنفذ في مدة زمنية محددة .. الخ" هنا تعمل المرجعية كعادتها في المنعطفات السياسية الحادّة الى رمي طوق نجاة لسلطة الفساد من جهة، وحقن جماهير شعبنا بحقنة مورفين جديدة من جهة ثانية. عن أية خارطة طريق تتحدث المرجعية، ولمَ لمْ تستجب السلطة لمطالب المواطنين طيلة سنوات ما بعد الإحتلال لليوم، ومن هم الذين يتفقون على خارطة الطريق هذه؟ السلطة التي لا تثق بها الجماهير وتتظاهر ضدها، أم ساسة من كوكب آخر لا نعرفهم وتعرفهم المرجعية؟

في النقطة الثالثة أعلنت المرجعية من " إن التظاهر السلمي حق لكل عراقي بالغ كامل، به يعبر عن رأيه ويطالب بحقه، فمن شاء شارك فيه ومن لم يشأ لم يشارك، وليس لأحد أن يلزم غيره بما يرتئيه .. الخ" أن إضافة عبارة " بالغ كامل" هي إعطاء رسالة  بعدم مشاركة تلاميذ المدارس الإبتدائية والثانوية في التظاهرات. وهذه الرسالة في محلّها لطلبة الإبتدائية خصوصا ونحن شاهدنا طلبة منهم يخرجون الى الشوارع مع المتظاهرين، وما يشكله خروجهم من خطر عليهم من خلال إستخدام السلطة والميليشيات للرصاص الحي. الا أنّ المرجعية وقعت في مطب فقهي حول سنّ البلوغ، إذ أجاب السيد السيستاني في سؤال له عن علامات سن البلوغ عند الذكر والانثى من أنّ " علامة البلوغ في الانثي اكمال تسع سنين هلالية ، وفي الذكر احد الامور الثلاثة : (١) نبات الشعر الخشن علي العانة ، وهي بين البطن والعورة. (٢) خروج المني . (٣) اكمال خمس عشرة سنة هلالية. ونبات الشعر الخشن في الخد وفي الشارب علامة للبلوغ ، واما نباته في الصدر وتحت الابط ، وكذا غلظة الصوت ونحوها فليست امارة عليه". وهذا يعني حق الأنثى العراقية إبتداءا من الصف الثالث إبتدائي المشاركة في التظاهرات للمطالبة بحقوقها كونها عراقية بالغة!!

في النقطة الرابعة تقول المرجعية " إن هناك اطرافا وجهات داخلية وخارجية كان لها في العقود الماضية دور بارز فيما اصاب العراق من أذى بالغ وتعرض له العراقيون من قمع وتنكيل، وهي قد تسعى اليوم لاستغلال الحركة الاحتجاجية الجارية لتحقيق بعض اهدافها، فينبغي للمشاركين في الاحتجاجات وغيرهم أن يكونوا على حذر كبير من استغلال هذه الاطراف والجهات لأي ثغرة يمكن من خلالها اختراق جمعهم وتغيير مسار الحركة الاصلاحية". لا شك أن هناك قوى داخلية وإقليمية وأجنبية تحاول ركوب الموجة، ولا شك أيضا من وجود قوى تريد تغيير مسار الحراك الجماهيري لصالحها. لكن علينا أن نسمّي هذه القوى اليوم بمسمّياتها، ومن خلال تسميتها نستطيع معرفة أسباب ركوبها الموجة. المعني هنا هم البعثيون والسعوديون تحديدا وليس القطريين، كون القطريين اليوم أصدقاء إيران وصديق صديقي صديقي، ونحن لا نشك برأي السيد السيستاني هذا بل نجزم من أنّ عدم محاولة البعثيين والسعوديين من ركوب الموجة يدل على غباء منهم، وبالتالي فأنّهم يعملون جاهدين للسيطرة ولو على جزء من هذا الحراك الجماهيري. لكن السؤال هنا هو، هل شعبنا الذي خرج بالملايين اليوم لينتفض ضد سلطة الإسلام السياسي وبهذا العنفوان، سيركن الى سلطة البعث صاحب المقابر الجماعية من جديد!!؟؟

والأمر الآخر هو تركيز السيد السيستاني على " القمع والتنكيل" دون إشارته الى آفة الفساد والتي قال بنفسه مرّة من أنّ الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب. وهنا على السيد السيستاني  تسمية الفاسدين وراعيهم أي إيران، التي تعزز ميزانيتها وميزانية حزب الله والنظام البعثي السوري وفق ما ذكرته النائب ماجدة التميمي من ميزانية فقراء شعبنا. أمّا ما جاء في النقطتين الثانية والخامسة فهو لا يخرج عن كلام إنشائي حفظناه كما كان يحفظ الأطفال جزء عم في الكتاتيب.

السيد السيستاني أنت اليوم أمام مسؤولية تأريخية أمام الله والشعب، فمن حرّكت مريدك لإنتخابهم ولا زلت ترمي لهم طوق النجاة ما هم الا فاسدون لا يمكن إصلاحهم وإن إدّعوا الإصلاح، وهؤلاء من قال فيهم القرآن الكريم " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ"، فأنأى بنفسك والمرجعية عنهم. السيّد السيستاني  إبتعدوا عن التدخل بالشأن السياسي إحتراما للدين وقيمه، فوالله هناك من يرى نتيجة سوء سلطة الأحزاب الإسلامية وثراء طبقة المعممّين على حساب فقراء شعبنا، من أنّ الإسلام كما قال النبي محمّد سيعود غريبا، وسيكون مصلحيه هم الناس بعد أن أساء رجال الدين له ... فرفقا بالدين من أجل الدين نفسه والله الله بأهل العراق.

زكي رضا
الدنمارك
8/11/2019


 


   

51
السافاك والإسلاميين وبنات الهوى

    لم يألو الإسلاميون جهدا وهم يواجهون إنتفاضة شعبنا، في أن يستخدموا كافة أشكال القمع ضد المنتفضين السلميين. فعلاوة على إستخدامهم القنابل الدخّانية والقنابل المسيلة للدموع والتي يطلقونها بمستوى الرأس لقتل أكبر عدد ممكن من شاباتنا وشبابنا، وعلاوة على إستخدامهم للرصاص الحي والمطاطي وبمستوى الرأس أيضا. فأنّهم مارسوا عمليات خطف الناشطات والناشطين، لغرض كسر شوكتهم وإبعادهم عن ساحات التظاهر. هذا إضافة الى زيادة ذبابهم الألكتروني، في بثّ دعايات رخيصة، لغرض تحييد ما يمكن تحييده من المنتفضين تحت واجهات مختلفة، تبدأ من تهمة الإندساس والعمالة للسفارات الأجنبية وإنتهاءا بدور كبير جدا للبعثيين في هذه الإنتفاضة، مانحين البعث الفاشي وسام لا يستحقه أبدا.

أنّ فشل القوى والميليشيات والعصابات الإيرانية التي ينظّم قاسم سليماني عملها من مركز عمليات خاص في التخفيف من شدّة الأنتفاضة، ونتيجة لحالة الهستيريا التي أصابت الأجهزة المخابراتية الإيرانية ومعها عصاباتها بالعراق، خصوصا بعد خطبة السيد السيستاني الأخيرة والتي أشار فيها الى ضرورة عدم تدخل القوى الأجنبية والإقليمية بالشأن العراقي، والتظاهرات التي إنطلقت إثرها في كربلاء والنجف برفعها شعارات تندد وبالأسماء بقاسم سليماني والخامنائي والدور الإيراني بشكل عام وتحميله كل الخراب الذي حدث ويحدث بالبلد منذ الإحتلال الأمريكي لليوم. عاد الإيرانيون للإستفادة من تجربة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الوقوف بوجه رئيس الوزراء الأسبق مصّدق والإطاحة بحكومته الوطنية، عن طريق زج بنات الهوى في التظاهرات ضد حكومته. وقد إعتمدوا في ذلك وقتها على الشقي (شعبان بي مخ)، والذي إستأجر عددا من بائعات الهوى المعروفات في منطقة (قلعه شهرنو)، أمثال (پري بلنده و پري آجدان وملكه إعتضادي) وغيرهنّ ليتظاهرنّ مع الإنقلابيين ومنهم آيت الله كاشاني ضد مصّدق وحكومته!

لقد عاد جهاز المخابرات الإيراني (إطّلاعات) وهو وريث جهاز السافاك الشاهنشاهي، للإستفادة من تجربة بنات الهوى بالعراق بمساعدة العصابات والميليشيات والأحزاب الشيعية المؤتمرة بأمره، لإفشال إنتفاضة شعبنا والإساءة الأخلاقية لها هذه المرّة. عن طريق زجّ بنات الهوى اللواتي يعملن تحت حماية هذه الأحزاب وبمساعدة سماسرة يعملون في هذه الأحزاب والميليشيات والعصابات كما السمسار حمزة الشمّري الذي أُعتقل سابقا وغيره.

أنّ دخول بنات الهوى ورقصهنّ بشكل إباحي ومقزّز الى كعبة التحرير المقدّسة، للإساءة الى المنتفضين وخصوصا شابّاتنا اللواتي قدّمن صورا لا مثيل لها من البطولة والوطنية والتفاني ونكران الذات، كان هدفا للإيرانيين والقوى الإسلامية التي تعمل تحت إمرتهم. الا أن وعي شبابنا المنتفض وطردهم لبنات الهوى من جهة، والأخلاق العالية لشابّاتنا وهنّ يعملن بجدّ في التنظيف والطبابة والطبخ علاوة على تقديمهنّ أرواحهنّ في سبيل عراق أجمل وأبهى حال دون نجاح سعي هذه القوى. وما فات جهاز المخابرات الإيراني وعملاؤه في العراق، أنّ شبابنا ضربوا أروع الأمثلة في تعاملهم مع المرأة العراقية في سوح الحريّة، فلم تسجّل لليوم حالة تحرّش واحدة بهنّ، عكس بعض من أمثال هذه المظاهر التي حدثت في بلدان أخرى.

ليكن شبابنا في سوح النضال ضد طغمة الفساد وهم يقدمّون قوافل الشهداء من أجل العراق وشعبه، على يقضة عالية تجاه هذه الممارسات المشينة، فالقوى الإسلامية ومن وراءها نظام ولي الفقيه في إيران ستستمر في البحث عن كل ما يقمع المنتفضين ويسيء إليهم.

أيّها الشباب الثائر، وأنتم تخوضون معركة فاصلة من أجل كرامة ومستقبل وطنكم وشعبكم، ضعوا أخواتكم اللواتي يشاركونكم ملحمتكم هذه في حدقات عيونكم، فهنّ شرفكم وشرف العراق.


زكي رضا
الدنمارك
4/11/2019

52
الوثبة والجسر بين بهيجة ونور


بالأمس "سقطت" الشهيدة (نور رحيم) على جسر الجمهورية، بعد أن أصابها ميليشياوي "عراقي" بقذيفة غاز مسيل للدموع إستقرت في رأسها الجميل، رأسها الذي كان يحلم بوطن أجمل لها ولبقية أبناء شعبها وهي تخرج لتتظاهر ضد آلة القمع السلطوية. رأسها الذي فيه عينان صافيتان كصفاء دجلة قبل أن يلوثّها الطغاة، والتي بهما كانت تنظر في وجه قاتلها اللئيم، قاتلها الذي أرعبته نظراتها وهي الواثقة بعدالة قضيتها، فصمم بحقد إيراني على إطفاء تلك العينين الجميلتين، وقتل أحلامها... فهل نجح، ومن المنتصر؟

لو كان الأمر بيدي يا نور، لوفّرت لك وطنا على مقاسك، وطنا يضحك عندما تضحكين، وطنا يبدو أجمل وهو يجلس أمام المرآة (يتمكيج) ليبدو أكثر جمالا ، كما جلست آخر مرّة فيها وأنت (تتمكيجين) لتخرجي الى حيث أخواتك وأخوتك الثوار لتغيّروا بعزائمكم مصير وطن. وطنا يتعطر بك وتتعطرين به، وطنا له ليل جميل كجمال شعرك الفاحم، وطنا له نهارات سعيدة، كسعادتك وأنت تحلمين بثوب زفافك، الذي أبدله القتلة بكفن. وطن يقفز فيه الأطفال فرحين وهم في رياضهم ومدارسهم، كما تتقافز العصافير على أشجاره ونخيله.

نور، لا أستطيع وأنا جالس بعيد جدا عن المكان الذي حولتيه بإستشهادك والمئات من أبناء جيلك الى مزار مقدّس أن أرثيك، فمثلك يا نور لا يُرثى. هل يُرثى النور في عصر الظلام؟ كيف أرثيك وأنت قد أعدت الحياة للعراق من خلال سقوطك على الجسر، عذرا قلت سقوطك. أعذريني يا إبنة النهرين فمثلك لا يسقط والعراق لا يسقط، أنّما الذي يسقط هم الساقطون القتلة.

تعالي إليّ وانا الرجل الستيني وعلّميني معنى الثورة، فقد خدّرتني السنين وبتّ كثير النسيان، بل قد أكون فقدت ذاكرتي. فمن يفقد وطن يا نور هو كمّن فقد ذاكرته. أعيدي اليّ ذاكرتي، أرشديني بنيّتي الى حيث الطريق المفضي لإستعادة كرامتي، دلّيني على أقصر الطرق التي تؤدّي للحرية والإنعتاق. نور تعالي اليّ ونوّري حياتي التي صادرها الطغاة، نوّريها بدروس التضحية والإباء، يا من سينير العراق بها وببقية شهداء سوح التحرير والثورة.

نور، هل قابلت بهيجة؟ بهيجة التي وقفت في منتصف الجسر تهتف ضد معاهدة بورتسموث، وكان هتافها سببا في تقديم عشرون نائبا إستقالاتهم ليتبعهم رئيس المجلس بإستقالته بعد إستشهادها، وليستقيل بعدهم رئيس الوزراء (صالح جبر). هتاف بهيجة أسقط تلك المعاهدة يا نور، هل أخبرتك شيئ عنها؟ إخبريها يا نور من أنّك كما هي، تقدّمت الى وسط الجسر تهتفين (نريد وطن)، الا أن ميليشيويا إيرانيّا من الذين صادروا وطنك أرداك صريعة. أخبريها أنّ الجماهير اليوم هي كما الجماهير وقتها، الا أنّ القتلة مختلفون. فقتلتها كانوا يتحدثون العربية، وقتلتك يتحدثون الفارسيّة.

أخبريها أنّ العراق ينتظر بزوغ الفجر بشروق الشمس على جسر الجمهورية، ليكون النهار دليلا للجماهير وهي تدّك المنطقة السوداء على قتلتك. أخبريها من أنّ قذيفة الغاز المسيل للدموع طرّزت (نفنوفك)، وأنت تهتفين :

يا دجلة خلني أحترگ
صار الشتا صيفي
محسوبة الي نجمتي
ومحفوظ الي طيفي
هم تنلگي بالعمر
شعبي زوافيفي؟

اليوم وفي كعبة التحرير سيتم زفافك يا نور،اليوم سترتفع الزغاريد وهي تزّفك الى العراق. اليوم ستحسدك الصبايا لجمال عريسك وبهاءه. أنّه العراق يا نور، فما أجملك من عروس وما أجمله من عريس.

اليوم ستطوف أمك في كعبة الأحرار وتسعى وهي تجّهزك لعريسك بين الجسر والجداريّة، اليوم سيكون المطعم التركي جاهزا لإستقبال المحتفلين بعرسك. اليوم وبعد العرس ستنشد أمّك وهي تعود الى البيت الخالي من ضحكاتك..

نور خالي دارنا *
الليل مثل الإسلاميين

وخفنا على عراگنا

بهيجة، فتاة الجسر التي إستشهدت في وثبة كانون سنة 1948 .
نور، فتاة الجسر التي أستشهدت في وثبة أكتوبر سنة 2019 .
* مع الإعتذار للشاعر كريم العراقي

زكي رضا
الدنمارك
 1/1 1/2019



53

لا تبنى الأوطان بالأكفان


من خلال تظاهرات شعبنا منذ العام 2011 ولليوم، شكّلت قوى عدّة خطرا جسيما على ديمومتها والحؤول دون وصولها الى نقطة الحسم، وهي تغيير كامل النظام السياسي الفاسد الذي ترّبع على عرش الخضراء بقرار أمريكي إيراني. فقوى المحاصصة الثلاث وهي تشعر بالرعب من تحركات الجماهير، سعت ومنذ إنطلاق التظاهرات المطالبة بالإصلاح وقتها، الى أحتواء التظاهرات بسيل من الوعود الكاذبة والتي لم يتحقق أي منها لليوم. فالفساد تجذّر كثقافة في بنية الدولة والمجتمع، والأستنزاف المتواصل لثروات البلد إستمر بوتائر متسارعة وكأن المتحاصصين في سباق مع الزمن لنهب ثروات البلد وتركه فقيرا ومتخلفا ومدينا للعديد من الجهات وأخطرها هو البنك الدولي.

لم تستطع القوى المتحاصصة على إختلاف توجهاتها الطائفية والقومية من التأثير على التظاهرات أو إنهائها إن أمكنها ذلك، بل إستمرّت التظاهرات وإن بأعداد قليلة وصلت أحيانا الى العشرات بقضّ مضاجع سلطة الفساد. وإستمرار التظاهرات والوقفات الإحتجاجية في عموم البلد، وسوء إداء الحكومات المختلفة للأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وإستمرار الفساد ونهب المال العام، كانت تراكمات كمّية تحولت بفعل حالة الغليان الجماهيري والبؤس الذي يعيشه شعبنا الى تراكم نوعي إنفجر على شكل إنتفاضة جماهيرية رسمت خارطة جديدة للبلاد. فالعراق قبل إنتفاضة الأول من تشرين/ أكتوبر هو غير العراق بعد ذلك التاريخ، وما تسمى بالعملية السياسية برمتها هي اليوم على المحك. لكن هناك خطرا كبيرا من جهة سياسية دينية لا زال قائما لأنهائها أو أحتوائها، هذه الجهة هي الرهان الأكبر لقوى السلطة ورعاتها في تدمير إنتفاضة شعبنا هذه، هذا الخطر هو مقتدى الصدر وتياره الذي يُقاد بجهاز سيطرة عن بعد مركزه طهران وإن كان في الحنّانّة. هذا إذا ما تجاوزنا خطر تدخل المرجعية على خط التظاهرات ومحاولاتها رمي طوق نجاة للسلطة الفاسدة، كما كان ديدنها منذ بداية الإحتلال لليوم.

السيد مقتدى الصدر وفي تغريدة له يطالب المتظاهرين بلبس الأكفان عند التظاهر بهدف ركوب الموجة والجماهير من جديد، وكأننا نريد من تظاهراتنا مواجهة الموت بكل آلامه ومآسيه وبشاعاته . لا أيها السيد مقتدى، شعبنا ليس بعاشق للموت كي يلبس أكفانك، بل هو عاشق للحياة وجمالها. شعبنا يتظاهر من أجل غد أجمل وأبهى له ولأجياله القادمة، يتظاهر من أجل حرية وطنه وتحرره من قيود الدول التي تتحكم بمصيره اليوم لفشل القوى الحاكمة في إدارة البلد، ومن هذه القوى هي أنتم وتياركم. ثقافة المقابر والأكفان تليق بعاشقي المقابر والأكفان المشدودين دوما لتراث بكائي، والذي يريدونه نقطة إنطلاق ونهاية لشعب يمتلك حضارة موغلة في التأريخ الإنساني.

أمام الفنانين والمثقفين العراقيين اليوم وشعبنا يتهيأ لتظاهرات قد تغير وجه العراق مهمة كبرى، وهي تواجدهم في سوح التحرير وبين جماهير شعبهم. مهمّتهم هي تمزيق الأكفان من خلال فعالياتهم الثقافية. حوّلوا أيها المبدعون سوح التحرير في عموم الوطن، الى منتديات شعرية تلهب ظهور الطغاة بقصائد من واقع حياتنا البائس، حولوها الى مسارح، غنّوا أغاني الناس، أرقصوا رقصات الحياة والجمال، إرفعوا أصوات الموسيقى التي يهابها لابسي الأكفان، إرسموا وجوه أطفالنا البريئة وهي تنظر الى سواعد المنتفضين وكلها أمل بغد أجمل للطفولة، أثبتوا وأنتم بين الجماهير التواقة للحرية والكرامة من أننا شعب يعشق الحياة وجمالها، ويكره الموت وأكفانه.

أيتها الجماهير الثائرة إفترشي الساحات والشوارع ولا تتركيها ، فأصحاب الأكفان على أهبّة الإستعداد لسرقة إنتفاضتكم وإفراغها من عمقها الوطني ومعهم كل الفاسدين والخونة والقتلة.. أيتها المرأة العراقية وأنت تتظاهرين بشكل سلمي ، قفي الى جانب أخيك الرجل وغنّي "إيدي بيدك عالمساحي الدنيا تشرين وشمس .. ليلي أضوه من صباحي والوكت وثبة وعرس" *. فشمسك يا إبنة الرافدين ستشرق ولو بعد حين، ستشرق ويصل شعاعها الى حيث مقابر القوم لتقضّ مضاجعهم وتمزّق أكفانهم البالية وهم رِمَمْ.

سلاما شعب العراق
سلاما سوح النضال


* مع الإعتذار لفنان الشعب فؤاد سالم

زكي رضا
الدنمارك
21/10/2019


54
المنبر الحر / مولاي ..!
« في: 17:58 18/10/2019  »
مولاي ..!

مولاي، إني لا أعرف لغة الا لغة القرآن ولا أعرف غيرها، فكيف لي بسؤالك عمّا يعتمر في صدري؟ كما وأنّي أشعر بالعار مولاي ، إن إستعنت بمترجم ليترجم لك ما أقول وأنا في وطني.  أعذرني مولاي وإغفر لي إن تجاوزت بالكلام وقلت وطني فهي زلّة لسان وأنا واثق من أنّك ستسامحني لأنّك غفور رحيم، ألست ظلّ الله في عراقنا وآية من آياته البينات!؟

مولاي، لقد آمنت بكم وبمعجزاتكم وأنا أراها بأمّ عيني. فقد رأيت مولاي مسبحتكم ذات التسعة وتسعون حبّة في بندقية قنّاص، ورأيت تسعة وتسعون ملاكا رصّعت حبات مسبحتكم الكريمة أجْبُنُهم، وفار الدم منهم كما " فار التنّور". أمّي هناك الى جانب جثّة أخي وهي لا تملك كفنا له مولاي، فهل تعيرنا سجّادة صلاتكم لنكّفنها به، وسأعيدها لكم بعد دفنه نظيفة من دمه، لأني أعرف أنّ الدم نجاسة بالإسلام وسوف تبطل صلاتكم حينها.

أخي " المندس" الذي خرج يطالبك بحقّه مولاي وأستقرّت حبّة من حبّات مسبحتكم الكريمة في جبينه، كان مؤمنا بالله الواحد الأحد، ويقيم الصلاة ولا يأتي الزكاة لأنه لم يكن يملك قوت يومه الا بالكاد. وكان يحجّ الى كربلاء سيرا كل أربعينية لأنّه لا يملك مالا يحجّ به الى مكّة.  وكان يستمع لخطبكم مولاي وفتاواكم، بل كان والعياذ بالله يؤمن بكم أكثر من إيمانه بالله أحيانا، لأنّ الله ليس بشيعي مثلكم مولاي.


هل تعرف لماذا خرج أخي متظاهرا ضد سلطة عمامتكم مولاي وليستشهد بحبّة من حبّات مسبحتكم الكريمة، أعذرني ثانية مولاي لأنني قلت من أنّه شهيد، لأنّ الحقيقة هي أنّه "مندس وعميل".  لقد خرج أخي لأنه أعاد قراءة القرآن من جديد وتعجب لحذف إحدى آياته من قبلكم مولاي، تعجّب وهو لا يرى آية " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فيه. بالله عليكم مولاي، أين ذهبت هذه الآية، وهل صحيح ما يشاع من أنكم حذفتموها من القرآن كي لا يحاسبكم الناس على سرقات مريديكم، ولا أقول أنتم والعياذ بالله؟

أنفاسكم العطرة طيّبها الله مولاي، أُستخدمت لخنقي بعد أن حوّلها ميليشياتكم الى غاز مسيل للدموع. عصاكم التي تتكئون عليها وأنتم تذهبون لإداء صلاة الفجر مولاي، كانت هراوة بيد ميليشياوي فكسّر بها عظامي. أمّا جبّتكم مولاي فأنها تحولت الى كيس وضعوني فيه عنوة بعد خطفي. مولاي وأنتم تذهبون الى النوم في سريركم المقدّس، عد الى الإمام علي كإمام لا كتجارة وهو يقول " يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ". هل رأيت شيئا؟ أنا رأيت العجب العجاب حين تحين ساعة الخلاص وهي آتية " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".

منذ ستّة عشر عاما مولاي وأنتم تطالبوني بالصبر وتجلدونني بآية " وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"، وأنا أتحمل سياطكم صابرا مؤمنا بكم أدام الله ظلّكم في الحياة وقدس الله سرّكم بعد موتكم. ستة عشر عاما وأنا أطوف حول منبركم كما يطوف الحجيج  حول الكعبة، ستة عشر عاما وأنتم تبصقون في وجهي مرّة للبركة وأخرى للعلاج من أمراضي، ستّة عشر عاما وأنا أنتظر أن أراكم وأتحدث إليكم عن آلامي وآمالي، ستة عشر عاما وأنا أجتر الجوع والفقر والبؤس. ستة عشر عاما وأنا أسمع خطبكم في قاعة ولا قاعات الأباطرة، ستة عشر عاما وأنا لا أملك أجرة " ستوتة" لكنني أقبّل إطارات جكساراتكم مولاي، ستة عشر عاما وأنا أحلم بوظيفة شريفة دون دفع رشوة لكم مولاي.

هل تسمح لي مولاي في أن أزور ضريح الإمام علي لأنبئه، من أن النجف نست لغة القرآن وتتكلم اليوم الفارسية، وأن العمائم كما أبا سفيان بالأمس يؤلّبون الحرس الثوري والميليشيات على قتل الأحرار. هل تسمح لي مولاي أن أحذّره من أنّ هناك الف إبن ملجم سيفلقون هامته إن عاد الى النجف اليوم ويقولون عنه مندس. لو سمحت لي مولاي لأخبرت الإمام علي من أن النجف في عهدكم اليوم مستعمرة إيرانيّة، وكذلك كربلاء والكاظمية. لأخبرته بغربتنا في وطننا، جوعنا في وطننا، بؤسنا في وطننا، موتنا بالمجّان في وطننا. صدّقني وأنا أعاني ما أعاني من أن "

بعيوني بچي...!
بگد الحچي المضموم عد الناس...!

وبگلبي حچي...!
بگد البچي الراكد بعين الناس..! *

مولاي سنغرقكم يوما بدموعنا، وستصيبكم أصواتنا بالصمم ونحن نصرخ في وجوهكم مطالبينكم بما نهبتموه منّا، وسترحلون.

مولاي هل سمعت صراخ أمّي وهي تمر بالقرب منكم الى حيث مقبرة وادي السلام؟ هل رأيتم ثياب أختي الممزّقة وهي تجمع ما يقيم أودها من مكّبات النفايات، هل رأيت أبي بشيبته وهو منكسرا باكيا حزينا على ولده. مولاي أنّهم يريدون الحديث إليك ليبثّوك شكواهم، لأنهم إنتخبوا قتلة إبنهم حبّا بكم مولاي. لكن المشكلة هي أنهم لايجيدون الفارسيّة... فما هو الحلّ بنظركم ..؟

مولاي لقد حلمت بأخي وهو يقول لي، من أنّ الله سأله ساعة أن صعدت روحه الى السماء بعد قنصه" قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً"، وأنه أجاب الله من أنّه يريده شهيدا بينه وبينكم .. أتؤمنون بالله مولاي؟ إن كنتم به مؤمنون فليكن شهيدا بينكم وبين من إستشهد بحبّات مسبحتكم، وإن لم تكونوا مؤمنين بالله، فسواعد شبابنا هي من ستكون شهيدا بينهم والحق معهم وبينكم وأنتم الظالمون.



الا لعنة الله على الظالمين " قرآن كريم"

*أبيات للشاعر كاظم إسماعيل الگاطع

زكي رضا
الدنمارك
16/10/2019

 














 

55
عنفوان شعب .. صورتان


صورتان في إنتفاضة أكتوبر العراق، كافيتان لوحدهما بأن يثبتا للعالم أجمع، ومنهم جميع المشكّكين بقدرات شعبنا وخزينه الثوري، من أنّ شعبنا سيحسم معركته ضد قوى الظلام عاجلا أم آجلا. فإنتفاضة أكتوبر تمرين شعبي ثوري يضاف الى تمارينه السابقة وهو يتظاهر وينتفض ضد سلطة العصابات ببغداد، حتى الوقت الذي يتحول فيه الى مارد من نار ليحرق كل من يقف في طريقه وهو ينشد نشيد الحريّة. وعلى القوى السياسية الحيّة والمؤمنة بقدرات شعبنا وفساد السلطة، أن تهيئ هي الأخرى نفسها لتدخل أتون تلك المعركة الفاصلة بأن تنحاز الى الجماهير من خلال إدانتها بالفعل والقول لما تسمى بالعملية السياسية التي بان عوارها اليوم أكثر من ذي قبل، والتي رفضها شعبنا وهو يعلن تمرده عليها اليوم. فشعبنا بحاجة الى قوى ثورية لتقوده، والقوى الثورية بحاجة للشعب الذي بدونه لا تملك هي نفسها شيئا، والتأريخ سيحاسب من يترك ضفة الجماهير ليتركها عزلاء أمام وحش الإسلام السياسي الفاسد والمرتشي والقاتل والعميل لطهران.

الصورة الأولى ..

إمرأة كادحة ينهشها المرض والفقر والجوع، لكنها تمتلك كرامة لا يملكها كل الساسة ورجال الدين بالعراق المبتلى والمنكوب بهم. إمرأة من بلادي لا تعرف الذل ولا المهانة، فتقف بدل أن تستجدي بذل، لتبيع المحارم على أرصفة الشوارع بعزّة نفس قلّ مثيلها. هذه المرأة الأميّة لم تقرأ كتابا يوما، ولا تعرف أنّ رأس المال جبان كما يقال. الّا أنّها أثبتت للعالم أجمع من أنها أشجع من كل الشجعان وهي تتقدم بكل رأس مالها وهو محارمها التي تبيعها لتعيش منها بكرامة، لتمسح بها دماء جرحى أبناء وطنها الذين إستهدفتهم رصاصات ميليشيات آيات الله. هذه المرأة أوصلت رسالة الى كل العالم وبكل اللغات، من أنّ شعبنا الذي يتعرض للموت اليومي سينتصر حتما. أوصلت رسالتها بكل اللغات وهي خرساء .... فهل من يمتلك مثل هذه المرأة في وطنه، لا يملك خزينا ثوريا ..؟

الصورة الثانية ..

سلطة العصابات تستخدم خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي بمواجهة الجماهير، ويقف قنّاصوها على أعلى البنايات ليطلقوا رصاصاتهم الغادرة الجبانة نحو الشباب الثائر. الكرّ والفرّ يتسيد المشهد والمدرعات تسير مسرعة لتدهس المتظاهرين، فيتراكض الشباب بسرعة الى حيث الأماكن الآمنة ليعودوا الى الشارع من جديد. لكن فجأة وفي خضم تلك المعارك، يهرول شاب برجل واحدة وأخرى حديدية وهو يهتف ضد سلطة الفساد. شاب قد يكون قد فقد رجله في إنفجار من تلك التي غذّتها العصابات الطائفية، أو من أثر لغم في معركة ما، أو من خلال قتاله الدواعش، لا أحد يعرف. لكن العالم كله رآه وعرف من أنّه وبتلك الرجل الحديدية وهو يشارك أبناء شعبه في إنتفاضة أكتوبر المجيدة، من أن شعبنا هتف وهو يرعب الطغاة (والحديد سقيناه). فهل شعب فيه مثل هذا البطل، لا يستطيع تكملة مشواره في ماراثون الحريّة ..!؟


زكي رضا
الدنمارك
4/10/2019
 
 


56
الدولة المدنية بالعراق.. نجاح إسلامي وفشل علماني

إنتقال قوى الإسلام السياسي الى معسكر المطالبين بالدولة المدنية بالعراق، بعد رفع شعار (خبز- حريّة- دولة مدنية) من قبل أنصار وجماهير التيار المدني المطالبين بالإصلاح، هو بالحقيقة تعبيرعن فشل القوى الدينية والعلمانية على حد سواء في إيجاد تفسير لشكل الدولة التي يريدونها. فالإسلاميون الحالمون بمبدأ الحاكمية لله كمبدأ إسلامي ودولة وليّ الفقيه أسوة بالحكم في إيران، فشلوا في تقديم نموذجا مقبولا للحكم منذ أن هيمنوا على مقدّرات البلد بعد الإحتلال الأمريكي لليوم. وفشلهم هذا ولعدم توفر المناخ السياسي لإعلان ما يحلمون به أي "الدولة الإسلامية" وفسادهم الذي نخر الدولة والمجتمع، جعلهم أن يكونوا الى جانب شعار الدولة المدنية كخيار تكتيكي وليس ستراتيجي. أما القوى العلمانية على إختلاف توجهاتها وآيديولوجياتها، فأنها تراجعت عن علمانيتها لصالح المدنية لخوفها من المؤسسات الدينية التي تستطيع أن تحرّك جمهور واسع من أتباعها الأميين والمتخلفين ضدها، تحت يافطة الكفر. هذا السيناريو لا يقتصر على العراق فقط، بل نراه في بلدان عربية أخرى عديدة ومنها مصر على سبيل المثال. فبعد احداث الربيع العربي، تراجع العلمانيون فيها لصالح الدولة المدنية وتقدم الإسلاميون نحوها بنفس الوقت، حتى أنّ حزبا سلفيا كحزب النور أصبح من دعاة الدولة المدنية، بل ذهب الأمر هناك بعيدا ليقول الرئيس المصري المعزول والراحل محمد مرسي من أنّ "مشروع الدولة الإسلاميّة الذي تطالب به الجماعة - الأخوان المسلمون - لا يختلف عن مفهوم الدولة المدنية بخلفية عقدية دينية"! ولو راجعنا مفهومي المدنية والعلمانية وفق تعريفيهما، لأكتشفنا نجاح الإسلاميين في خطوتهم هذه وفشل مدوي للعلمانيين، لماذا؟

يميل الإسلاميّون الى نموذج الدولة المدنية كحل آني لعدم وجود تعريف محدد لها، علاوة على عدم وجود مثل هذا المصطلح في العلوم والمفاهيم الأجتماعية والسياسية الحديثة، والتي إن وجدت فأنها تتحدث عن مجتمع مدني وليس دولة مدنية وهذا ما يمنحهم حرّية تفسيرها وفق مفاهيمهم الدينية الفضفاضة والقابلة للتأويل، علاوة على هامش واسع للحركة في لوحة سياسيّة معقدّة كما وضع العراق. فالدولة المدنية تضع الدين في صلب دستورها، كأن تقول أن الدين الرسمي هو الإسلام وهو مصدر أساس للتشريع (أو مصدر من مصادر التشريع)، وأن لا يجوز سن قوانين تتعارض وأحكام الإسلام "الدستور العراقي المادة 2 أولا ، أ" . كما ويطالب الإسلاميون بين الحين والآخر ومن خلال حقّهم كونهم منتخبون "ديموقراطيّا" بتعديل قانون الأحوال الشخصية، وهذا الحق يمنحهم إياه شكل الدولة التي يريد العلمانيون التراجع عنها لصالح الدولة المدنية. فالإسلاميّون وهم يحاججون العلمانييون المنكفئون من العلمانية للمدنية في تراجع واضح وخطير، يعتبرون تجربتهم وفق ما أشرنا إليه قبل قليل هي تجربة مدنية، كون العدالة والمساواة واللتان تعتبران من أركان بناء مجتمع مدني، هي بالأساس مفاهيم إسلاميّة بشّر بها الإسلام منذ قرون طويلة. أمّا باقي مفاهيم ما تسمّى بالدولة المدنية كحرية المعتقد والتعبير عن الرأي على سبيل المثال، فأنّ القوى الإسلامية وهي تخوض تجربة "الدولة المدنية" تقمعها بشكل صارخ، وتستطيع في أية لحظة تكفير من يقف بوجهها إن عبّر عن رأيه تجاه قضية إجتماعية معيّنة ولا نقول دينية أو سياسية.

أنّ إنخراط رجال الدين ومؤسساتهم بالحياة السياسيّة بالبلد، عن طريق فتاواهم وما يطلقون عليه نصائحهم للطبقة السياسية الحاكمة والتي فشلت لليوم في بناء دولة ومجتمع متماسك، هو من أكبر الأخطار التي تواجه شعبنا ووطننا. وللخلاص من هذا الخطر المحدق والذي ينذر بتمزيق الدولة والمجتمع، على القوى العلمانية أن تفكّر جديّا بتغيير خطابها السياسي وشعاراتها. فشعار "الدولة المدنية" التي تنادي به هذه القوى، وعن طريق الديموقراطية التي لا تعرف القوى الإسلاميّة منها الا صناديق الإقتراع، لأنّها ونتيجة قلّة أو غياب الوعي عند نسبة كبيرة جدا من أبناء شعبنا تستطيع إضافة الى عوامل أخرى حسمها دائما لصالحها، فأنّها أي القوى العلمانية تفسح المجال - ومن خلال مفهوم ما تسمّى بالدولة المدنية - واسعا لها في بناء دولة دينية.

يحاول رجال الدين ربط العَلمانية كمفهوم وفلسفة للحكم، بسعي الشعوب الأوربية للتحرر من سطوة الكنيسة وفظاعاتها في القرون الوسطى، ومن أنّها مفاهيم غربية لا يمكن الإستفادة منها في بلداننا الإسلامية. متناسين من أنّ العلمانية جاءت لفصل الدين، أي دين عن الدولة. وقد عرّف معجم روبير العَلمانية بأنها "مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية". ومن خلال التعريف هذا لا نجد مكانا لما تسمّى بالدولة المدنية، بل هناك مثلما ذكرنا سابقا مجتمع مدني. ومن خلال نفس التعريف وفي حالة الدولة العلمانيّة التي نريدها بالعراق، فأنّ الدولة لا تمارس أية سلطة دينيّة، وفي الوقت نفسه ليس من حقّ المؤسسات والمرجعيات الدينية ممارسة السياسة.

أقرب تعريف إسلامي للعَلمانية في الشرق هو تعريف الشيخ والمجدد الديني محمّد عبده، وهو يحاول إنقاذ الدين من وحل السياسة وإعادة الإحترام له حينما قال "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين". وهو مخالف تماما لرأي الخميني الذي يقول "سیاست ما عین دیانت ما و دیانت ما عین سیاست ماست"، أي أنّ " سياستنا هي ديننا وديننا هو سياستنا بالضبط". ومن خلال الرجلين نستطيع التعرّف على أمر هام للغاية وهو: حرص الشيخ عبده على الإسلام من الأنزواء نتيجة تدخله في السياسة وفشله، ما سيكون له أثر كبير في النكوص عن الدين وهذا ما يسميه رجال الدين بالعراق إلحادا دون أن يفتّشوا عن الأسباب التي تدعو الناس للإلحاد ودورهم فيه، ومغامرة الخميني بتلويث الإسلام بوحل السياسة وهذا ما نلاحظه من الإنتقادات الواسعة ليس لرجال الدين والاحزاب الإسلامية فقط، بل وللدين نفسه بعد أن جرّده الإسلاميون من دفاعاته نتيجة فسادهم وجرائمهم. علما أن الإلحاد بالعراق وإن كان موجودا فأنّه رد فعل على تدخل الدين بالشأن السياسي وفشله، وليس نتيجة زيادة الوعي بين الناس هناك.

ليس أمامنا الا طريق واحد لأنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن مزّقه الإسلاميون، وجماهير خدّرتها العمائم وأخلاق شوّهها الإسلام السياسي، الّا ببناء دولة علمانيّة لا دولة "مدنيّة". دولة تضع المقدّس كله في بيوت الله موفّرة له الإحترام الكامل وحريّة ممارسته، وتعتمد على القوانين الوضعيّة فقط في تسيير الدولة والمجتمع. دولة لا مكان فيها للفقه والتشريع وتقسيم المجتمع على أسس طائفية. دولة علمانيّة لا تكتفي بفصل الدين عن الدولة، بل تسحب البساط من تحت أقدام رجال الدين وتمنعهم من التدخل في الشؤون غير الدينية كلها. دولة تراقب إنتشار الكراهية من خلال خطب الجمعة وتقننها ، بل وتعمل على منعها إن شكّلت خطرا على السلم المجتمعي، كأن تتهم أحزابا ومنظمات معينة بنشر الإلحاد. دولة تمنع رجال الدين من التعرض للمرأة وقمعها وإلغاء دورها بالمجتمع.

أنّ ما يجري في العراق اليوم هو نجاح للمشروع الإسلامي عن طريق تبنيه مشروع ما يسمّى بالدولة المدنية، وبتراجع العلمانيون عن مشروع علمانية الدولة لصالح مدنيتها، فأن مشروع أسلمة الدولة والمجتمع مسألة وقت ليس الّا. فهل سيعي العلمانيون هذا الأمر، ويتسلحوا بالجرأة لمواجهة المشروع الظلامي الإسلامي ذي اليافطة المدنية .. ؟


زكي رضا
الدنمارك
30/9/2019

 



57

قانون حمزة الشمّري 1.9 وتصويت الصدريين عليه


بعدما أحتوى التيّار الصدري التظاهرات المطلبية لشعبنا، وأفرغها من محتواها لتنحرف بعيدا عن أهدافها التي إنطلقت من أجلها، ولتتحرك تلك التظاهرات إن إنطلقت بجهاز سيطرة عن بعد يُحَدّد المدى الذي على  المتظاهرين التحرك من خلاله وأعدادهم وشعاراتهم وساعة تراجعهم. كان على من يمتلك هذا الجهاز أي السيد مقتدى الصدر أن يبحث عن سبب ومبرر يدعوه الى التظاهر ضد التيار الإسلامي والذي هو وتياره جزء منه، فما كان منه الا تبني شعار الإصلاح في مواجهة فساد الإسلاميين ومعهم طاقم المحاصصة الكوردي السنّي. ولمّا كان تيّاره يمتلك العديد من الوزراء والعشرات من البرلمانيين وغيرهم الكثير من مدراء عامّين ومستشارين وسفراء في مواقع سياسية وإقتصادية ودبلوماسيّة مهمّة بالبلد وأنّهم جزء من نسيج الفساد الذي يطحن شعبنا ووطننا، تبنى السيد الصدر مشروع الإصلاح بشعاراته البرّاقة غير القابلة للتنفيذ دون سلسلة قوانين منصفة وجهاز إداري كفوء وغير فاسد. وكخطوة أولى في هذا الطريق، أمر الصدر نهاية عام 2017  بتجميد كتلة الأحرار لمدة أربع سنوات، نافيا "أن يكون له نية في وجود ذراع سياسي أو دعم آخر غير الأحرار لتمثيل رأيه في العملية السياسية" وذلك من خلال حديث متلفز للمتحدث بإسمه  صلاح العبيدي في السادس من كانون أوّل / ديسمبر 2017 !

وفي إشارة واضحة الى دوران ما تسمّى بالعملية السياسية حول مركز الفساد وتكرار نفسها بإستمرار قال: أنّ قرار التجميد جاء "لإيجاد معادلة جديدة لتغيير الحلقة المفرغة التي صنعتها الأحزاب في العملية السياسية". ولإثبات أنّ المعادلة السياسيّة حسب وصفه خاطئة وأنّها تجري على حساب المواطن والوطن،  والتي هي من البديهيات التي يعرفها الشارع العراقي جيدا حتى قبل وصفها من الصدر أو غيره كونها حقيقة نراها ونلمسها منذ الإحتلال لليوم، أشار الى أنّ الصدر يريد "تغيير المعادلة كاملة لأن المحاولات السابقة أثبتت أنها تستهلك الوضع العراقي وعلى حساب المواطن وهي خاطئة"، وأنّ المعادلة الجديدة وفق مفهوم الصدر والحديث لازال للعبيدي يجب أن "يراعى بها مصلحة المواطن ومن يعمل فيها يجب أن يلغي مصلحته أولا ونقصد بذلك كتلة الأحرار". وهذا يعني ووفق منطق السيد الصدر نفسه أنّ كتلة الأحرار النيابية التابعة له كانت جزء من منظومة الفساد ونهب المال العام.

وليسبق الصدر الجميع بخطوة والعراق يتهيأ للإنتخابات البرلمانية التي جرت سنة 2018 ،  أكّد العبيدي أنّ الصدر"سيقدم دعمه لأي تكتل يثبت نفسه من حيث التنظيم والاستراتيجية والبرنامج، هادفا لمصلحة العراق ورافضا للفساد وضد الطائفية وإرجاع أموال العراقيين"، وليضيف العبيدي "أنّ لمثل هذا التكتّل سيتم  دعوة كل الصدريين للتصويت له وتنفيذ مشروعه والبحث جاري عن جهة تحمل هذه الأهداف"، وهذا يعني ومن خلال توجيهات الصدر السابقة من أن جهاز السيطرة عن بعد هو بيد الصدر شخصيا، وأنّ فقراء التيار الصدري لا يتظاهرون من أجل مصالحهم، بل من أجل ما يطلبه ويقرره الصدر وبضغطة زر منه!!

وكنوع من الغزل السياسي وعودة لساحات التظاهر التي بدأت بالمدنيين والشيوعيين أكّد العبيدي "هناك امكانية موجودة للتحالف مع المدنيين فالمشتركات معهم في السنتين السابقة قوية ومنها الاحتجاجات ضد الفساد والمطالبة بالإصلاح"، مشددا على إننا "لا نريد مجرد تجمع ينتهي بانتهاء الانتخابات"!! ومن خلال هذه الدعوة والإجتماعات التي لابد أن سبقتها وتلتها، تمّ وعلى الضد من تصريح الصدر وتجميده لكتلة الأحرار،  تشكيل ذراع سياسي جديد له بإسم حزب الإستقامة! هذا الحزب الذي رفض قادته وبعض المتحالفين معهم في قائمة سائرون إعتباره وهو في طور التأسيس، من أنّه ذراع سياسي للصدر بدلا عن كتلة الأحرار التي تمّ تجميدها. ولينكشف لنا زيف هذا الإدّعاء لاحقا، على الرغم من أنّ الشارع العراقي إكتشف هذا الزيف منذ اللحظة الأولى لتأسيس هذا الحزب الذي يقود تحالف سائرون من خلال توجيهات مقتدى الصدر. فهل هذا الحزب "الإستقامة " يؤمن بالإصلاح، وما هي خارطة طريق الإصلاح التي يتبناها، وما هو دور نوّابه في تمرير قوانين تساهم بالحدّ من الفساد، أو التصويت على قوانين تسمح بتقليص نسبة الفاسدين من خلال فسح المجال أمام قوى وطنية يتحالف معها هذا الحزب ويعتبرها قوى رافضة للفساد ومناوئة للطائفية، والتي تعتبران وغيرهما من المشتركات التي دعتهم الى التحالف معهم "المدنيين" في قائمة سائرون؟

في البلدان ذات النظم الديموقراطية، تبدأ عمليات الإصلاح وتستمر من خلال تشريع قوانين تساهم على المدى البعيد في توفير بيئة آمنة للعملية السياسية فيها. فنرى هناك صراعا ديموقراطيا لتبني أفضل القوانين التي تساهم في عملية بناء ذلك البلد، والتي على رأسها قانون الإنتخابات كونه البوابّة الحقيقية لبناء دولة عصرية. فقانون إنتخابات عادل ومنصف ومفوضّية مستقلة للإنتخابات وإحصاء سكاني علمي وعدم إستخدام المال السياسي ولا فتاوى رجال الدين وضغط المؤسسات العشائرية، هي التي تمهّد الطريق لمشاركة واسعة لتيارات سياسيّة تمثل فئات وطبقات إجتماعية مختلفة، مما يفتح المجال واسعا لتقديم أفضل الخدمات للمواطنين من خلال ممثّليهم في البرلمان أو مجالس المحافظات. فهل الصدر وحزب الإستقامة مؤمنين بالإصلاح كهدف، وإن كانوا مؤمنين به، فلماذا صوّت أعضاء حزب الإستقامة الى جانب قانون سانت ليغو 1.9 ؟ وهل القانون بصيغته هذه سيسمح لحلفائهم في تحالف سائرون وغيرهم من القوى الوطنية بتحقيق أحلام الناس بالإصلاح، وهو يسرق أصواتهم لصالح حيتان الفساد التي ستتقاسم الأصوات المسروقة بقوّة القانون  ومن هذه الأحزاب، حزب الإستقامة نفسه!؟

عندما يصّوت الصدريون لصالح قانون سانت ليغو المعدّل 1.9  حالهم حال الكتل الفاسدة الأخرى، وعلى الضد من مصالح شريك لهم في التحالف. فهذا يعني أمرين، أولهما تجاوز هذا الشريك والإستخفاف به من خلال نظرة فوقية يحسمها الفرق الكبير بين مقاعد الطرفين في البرلمان، وثانيهما هو جعل الشريك أن يشعر من خلال هذا التصويت بأنّ الإصلاح كشعار هو للإستهلاك فقط وعليه أن يفكّر جديا بموقعه في التحالف وجدوى الإستمرار فيه.

أن يصّوت المتحاصصون لصالح قانون سانت ليغو 1.9 المعدّل أمر، وأن يصوّت نواب كتلة سائرون من حزب الإستقامة على القانون أمر آخر. فتصويت نواب الإستقامة على القانون يبعث برسائل عدّة ولأطراف عدّة، وعلينا قراءتها بدقّة وإتّخاذ موقف من هذا الحزب ورسائله وتحالف سائرون بشكل عام، من خلال طرح السؤال التالي: هل سائرون "عدا النائبين الشيوعيين" وبعد تصويتها على قانون سانت ليغو المعدّل، جادّة في رفع شعار الإصلاح؟

عودة لرسائل الصدريين، فأنّ إحداها موجهّة الى البيت الشيعي رغم الخلافات الظاهرية بينهم والتي لن تصل مطلقا الى خلافات جوهرية، وهي أنّ شعار الإصلاح كان لابد من رفعه لإحتواء الشارع العراقي الذي بدأ المدنيون والشيوعيون التواجد الميداني والتأثير فيه وإن ببطء من خلال تظاهراتهم المطلبية. والرسالة الثانية، موجّهة الى شركائهم في العملية السياسية من الأحزاب المتحاصصة غير الشيعية ودول إقليمية يهمّها إستمرار الفساد وسوء أوضاع البلد وطمأنتهم من أنّ مطالب الإصلاح لن تنجح،  وهم أي الصدريون سيصوّتون ضد أي قانون إنتخاب يسّهل وصول نواب وطنيين ولو بالحد الأدنى الى البرلمان او الى مجالس المحافظات. والرسالة الثالثة موجهّة لحلفائهم في تحالف سائرون وهي: إفهموا اللعبة، فإننا لن نتخلى عن حلفائنا من أجلكم أو من أجل إصلاح حقيقي، وأنّ تصويتنا لصالح قانون يسمح بلعبكم وبقية القوى المدنية والديموقراطية دورا يعتدّ به في الحياة السياسية بالبلد هو ضرب من الخيال. الكرة الآن في ملعب القوى التي تحالفت مع الصدريين في تحالف سائرون، والتي عليها الإجابة على السؤال التالي: هل الصدريون دعاة إصلاح وهم يعملون على إبعادكم عن تبوأ ولو بضعة مقاعد في مجالس المحافظات وسيسرقون أصوات ناخبيكم من خلال قانون سانت ليغو المعدّل،  وهل بقي معنى للإصلاح، وكيف ستخدمون الجماهير وأنتم لا تمتلكون مقاعد في مجالس المحافظات، وتأثيركم البرلماني لا يعتدّ به لنسبته التي تصل تقريبا الى العدم  خصوصا عند التصويت على القرارات التي تهم حياة الناس أو تطوير ما تسمّى العملية السياسيّة؟

سؤال..

يقول السيد رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي:  أن هذا التحدي "التصويت على قانون سانت ليغو المعدّل 1.9، يطرح الان امام القوى المدنية والقوى الوطنية الاخرى التي تقف بالضد من نهج الاستبداد والمحاصصة، مسؤولية توحيد قواها في ائتلاف واسع، ومضاعفة جهودها والعمل على تحقيق تمثيل يليق بحجم جمهورها في الشارع". كيف ومن هي هذه القوى، وهل الصدريين جزء منها وهم يصوّتون لصالح قانون يكرّس نهج الإستبداد!؟

موقف..

يقول عمّار طعمة رئيس كتلة الفضيلة : "التصويت على نظام سانت ليغو (1,9) اغلق الابواب امام التغيير و الاصلاح السياسي واحكم قبضة القوى السياسية النافذة على الواقع السياسي لأمد غير معلوم".

سانت ليغو بنسخته الإسلامية العراقية هو ترجمة حقيقية للسمسار وتاجر الجنس والمخدّرات حمزة الشمّري، وقانونه "سانت ليغو" المعدّل في البرلمان العراقي هو قانون حمزة الشمّري سيء الصيت والسمعة. ولا نعتقد بل ونجزم أنّه بقانون حمزة الشمّري 1.9 الذي صوّت لصالحه البرلمان العراقي ومنه الصدريين لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة في طريق الإصلاح.

 زكي رضا
الدنمارك
13/8/2019

58
المنبر الحر / زمن حمزة الشمّري
« في: 02:44 11/08/2019  »
زمن حمزة الشمّري


حمزة الشمّري السمسار والشقي الذي يدير صالات القمار ودور الدعارة،  وتاجر المخدّرات الذي دمّر مئات الآلاف من شابّات وشبّان وطننا، والنخّاس الذي يبيع ويشتري نساء العراق كأية بضاعة رائجة ونحن نعيش عصر الجواري ونكاح المتعة عهد الإسلاميين الأسود ، والذي وبلا أدنى شك ومن خلال علاقته المتينة بساسة ورجال دين وزعماء ميليشيات وعشائر من العيار الثقيل جدا ، له علاقة بكل أشكال الجريمة في عراقنا المبتلى بحكم الإسلام السياسي وعمائمه كتجارة الأعضاء البشرية  وجرائم الخطف وفرض الأتاوات والفساد.  حمزة الشمّري هو نفسه، رجل البر والإحسان، والداعم الكبير للحشد الشعبي ماليا، والرجل الذي يحصل على سيف ذوالفقار من المؤسسة الدينية كونه شيعي مجاهد ومن أتباع الحوزة، وعلى شكر وتقدير من سياسيّة أصبحت اليوم  مستشارة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة، والذي يبدو أنه قد حصل عليه منها لإيمانها بدوره في مجال حقوق المرأة. وهو نفسه من كان يقف الى جانب قائمة نوري المالكي وحزبه في كل إنتخابات، جامعا لها الأصوات بالترهيب والترغيب. حمزة الشمّري صاحب الغرف الحمراء في علب بغداد الليلية، والموائد الخضراء في صالات القمار العلنيّة والمحميّة بقوة قانون الميليشيات والأحزاب الإسلاميّة، هو اليوم قيد الإعتقال.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو: هل بإعتقال الحاج حمزة الشمّري، ستنتهي الدعارة الرسميّة وتُغلَقْ دورها المنتشرة في بغداد والتي تعمل تحت سمع وبصر أجهزة الدولة وحمايتها، وهل ستنتهي الدعارة " السرّية" والمعروفة بزواج المتعة، وهل ستُغلق صالات القمار، وهل ستنتهي تجارة النساء والأعضاء البشرية، وهل ستتوقف تجارة المخدّرات، وينتهي عهد الأتاوات والفساد، وهل سنرى نهاية لمافيات وعصابات التسول، وغيرها الكثير من أوجه الفساد والجريمة؟ الجواب سيكون بنعم، لو كان حمزة الشمّري هو بطل هذه الليلة كما يقول المصريون. لكن الحقيقة هي أنّ السؤال سيبقى قائما دون جواب، لأنّ حمزة الشمّري لم يكن الا موظفّا بسيطا في مؤسسة كبرى  وإن كان ذو " شنة ورنة"، ورحيله لا يعني شيئا، لأن هناك حمزة شمّري جديد سيحل محلّه.

في بلد تحكمه المافيا رسميا كالعراق، يعتبر تقديم كبش فداء بين الحين والآخر أمر ضروري عند زعماء المافيا، وحمزة الشمري ليس سوى كبش فداء لزعماء كبار من المافيا. إنها أصول اللعبة التي لا يجيدها صغار الموظفين كالشمري، والأمر لا يختصر على العراق وحده، بل في كل مكان تكون فيه المافيا هي الدولة، أو تتحكم بمفاصل الدولة. ولو عدنا لسنوات ست مضت، سنرى المافيا تنهي في قلب الخضراء ( نمير كريم عبد الحسن العقابي)  وهو أحد كبار أصحاب الأموال بالعراق وقتها ، والمستثمر التي كانت تفتح له خزائن البلد بعد أن ترسو عليه المناقصات من كل حدب وصوب، ليكون كبش فداء لشريكه، كون شريكه كان ولايزال جزء من نسيج المافيا وأذرعها التي تصل الى حيث تشاء ووقتما تشاء.

أنّ الميليشيات الإسلامية والتي كان حمزة الشمري وجه من وجوهها المعروفة، لا يُمكن أن تترك مواردا مالية تقدر بمئات ملايين الدولار سنويا بعد إعتقاله دون إستثمار. فهذه الميليشيات وبعد الحصار الأمريكي على إيران وضعف الميزانية العراقية، وإدراج بعض قياداتها على القائمة الأمريكية السوداء، ستكون بحاجة الى المال لتستمر بنشاطاتها. وليال بغداد هي الدجاجة التي تبيض ذهبا لهذه الميليشيات، وإن كانت غير إسلامية، بل وإن كانت عاهرة.

الطامة الكبرى هي موقف المرجعية التي تتدخل بكل أمور الحياة بالعراق وتدعو لمحاربة الموسيقى أو منع إقامة سيرك للأطفال كما حدث في البصرة قبل سنوات بحجة أنّ الأرض التي سيقام عليها السيرك ملكا للوقف الشيعي، والتي تحارب المدنية بحجة شيوع الإلحاد. هذه المرجعية التي تدعو لمراقبة مواقع التواصل الإجتماعي خوفا على الشباب من الإنحراف، لكنها تغض بصرها تعففا من دور دعارة الحاج  حمزة الشمري وصالات قماره ومواده المخدّرة، فهل الموسيقى والمسرح ومواقع التواصل الإجتماعي رذيلة والدعارة فضيلة في نظرها!؟ 

 العراق الذي يحكمه منذ شباط 1963 عصابات قادمة من الأّزقّة الخلفية، قادر وتحت نفس السلطات كما سلطة اليوم على إنتاج الكثير من أمثال حمزة الشمّري، والحقيقة هو أن الزمن اليوم هو زمن حمزة الشمّري.



زكي رضا
الدنمارك
8/8/2019

 







59


نوري المالكي بين مادلين طبر وعازفة كمان

على خلفيّة إفتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم في مدينة كربلاء، وعزف منفرد لآلة الكمان من قبل الفنانة اللبنانية جويل سعادة صاحبت فيها نشيد موطني مع رقصة  لفتيات يمثّلن العلم العراقي بملابسهنّ المحتشمة وسراويلهنّ الطويلة.  فقد زعيم حزب الدعاة (نوري المالكي) أعصابه، ما دعاه لإصدار بيان بإسم حزبه "غير" الفاسد والحرامي والمؤمن جدا جدا!! يدين فيه ويستنكر ما أسماه بحفل موسيقي راقص، كون الحفل أقيم في ملعب مدينة كربلاء ويعتبر تجاوزا على حرمة المدينة وقدسيتها!! فهل هناك مدن مقدّسة، أم هناك أماكن ومراقد وأضرحة مقدّسة؟

من الخطأ إعطاء صفة القداسة لأية مدينة بالعالم، ومن الصواب منح صفة القداسة لأماكن أو أضرحة أو مراقد من قبل المؤمنين بها. أي أنّ وجود مقام مقدّس عند المؤمنين به في مدينة ما، لا يمنح المدينة بأكملها صفة القداسة. فعلى سبيل المثال فأنّ الحدائق البهائيّة المقدسّة عند البهائيين والتي فيها ضريحان لأبرز رجلي دين بهائي، لا تعني أنّ مدينة حيفا حيث تقع الحدائق ، مدينة مقدّسة. ومعبد (هارمندير صاحب) المقدّس عند السيخ، لا يمنح مدينة (أمر يتسار) في البنجاب صفة القداسة. ووجود مراقد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد وأبي حنيفة النعمان وعبد القادر الكيلاني والعشرات من أضرحة الأولياء والصالحين ومنهم أضرحة وكلاء الإمام المنتظر عند الشيعة في بغداد ، لا تمنح مدينة بغداد صفة القداسة. فالمدن بشكل عام غير طاهرة، والطهارة هنا تعني القداسة. ولكي لا نخوض في هذا الموضوع مطولا، فأن دور البغاء السرّية منها والعلنيّة،  واللواط والمتعة  وأماكن اللهو  منتشرة  في كل مدن الأرض وكذلك الخمر والميسر،  وما من مدينة بالعالم لاتُسْمَع فيها أصوات الموسيقى والغناء، فهل المدن التي فيها كل هذه الموبقات من وجهة النظر الإسلامية  هي مدن مقدّسة!؟  وكربلاء التي فيها الضريحين المقدّسين للإمام الحسين بن علي وأخيه العباس وبقية شهداء الطف هي مدينة كباقي مدن العالم ومنها مكّة المكرّمة نفسها،  فيها كل أشكال الموبقات، وعليه فالمقدّس فيها هي تلك الأضرحة والمقامات فقط.

لو إننا وافقنا المالكي الرأي وهو يصدر بيانا على أنّ إفتتاح البطولة كان عبارة عن  " حفل موسيقي راقص يعدّ تجاوزا على حرمة المدينة وهتكاً لقدسية مدينة الامام الحسين عليه السلام" ومطالبته الحكومة العراقية بفتح " تحقيق عاجل لمحاسبة المقصرين ومن يقف خلف هذا التجاوز الفاضح على حرمة المدينة المقدسة، سواء كانت الحكومة المحلية او وزارة الشباب والرياضة او الاتحاد العراقي لكرة القدم، لضمان عدم تكرار هذه الأفعال  مجددا"،  ولو إننا أتفقنا مع المالكي حول قدسية كربلاء كمدينة لأنها تضم ضريح الإمام الحسين وأخيه العبّاس، فعلينا الإتّفاق وفق وجهة نظره من أنّ بغداد التي تضم ضريحي إمامين شيعين هي مدينة مقدّسة أيضا. وبالتالي علينا عدم السماح لأي حفل راقص فيها وفق وجهة نظر المالكي طبعا، وهنا سنقف أمام سؤال كبير على المالكي وحزبه الإجابة عليه وهو: أن لماذا سمح المالكي بإقامة حفل غنائي برعايته في عيد الصحافة العراقية ببغداد في شهر آب / أغسطس 2016 ، أحيته المطربة اللبنانية مادلين طبر!!

 

مادلين طبر وبرعاية السيد نوري كامل المالكي تغني على حدائق الزوراء في بغداد حيث الكاظمين.

لقد كانت الفتاة التي تعزف على الكمان مع أنغام موسيقى النشيد الوطني العراقي، أكثر حشمة بكثير من المطربة مادلين مطر أيها الدعاة الذين تجيدون الصمت أمام هبلكم ، وأنتم تنهبون وتسرقون البلاد والعباد. كما وأن الأموال التي خصصت للعازفة في ملعب كربلاء لا تساوي شيئا أمام الأموال الطائلة التي صرفت لمادلين طبر وهي تتلوى بثوبها الفضي الغير محتشم إسلاميا أمام ناظريكم، وهي تحيي حفلتها في متنزه الزوراء بخيمة كلفت الدولة عشرات آلاف الدولارات، في الوقت الذي يعاني فيه نازحوا " شعبكم" من نقص في الخيام وهم يفترشون العراء  هربا من تنتظيم داعش، بعد أن سلّم زعيمكم ثلث مساحة البلاد لها حينما كان قائدا عاما للقوات المسلحة وقتها. وكنتم أيضا من الحاضرين في الحفلة التي أقامتها نفس المطربة في نادي العلوية في كرادة بغداد، هذه المنطقة التي فيها مرقد " السيّد إدريس بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المجتبى بن علي بن ابي طالب ( عليهم السلام ) "!! فلم لا تكون الكرادة مقدّسة، ويمنع فيها حفلات الرقص والغناء كما كربلاء، أم يحل لمادلين المالكي ما لا يحلّ لعازفة كمان راقية؟
 

مادلين طبر تغني في نادي العلوية  قرب مرقد " السيّد إدريس بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المجتبى بن علي بن ابي طالب ( عليهم السلام ).

نعم، على الحكومة أن تفتح تحقيقا كما جاء في بيان حزب الدعوة. لكن التحقيق يجب أن يشمل كل الأمور، وليس حفل إفتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم فقط. على الحكومة أن تفتح تحقيقا واسعا وشاملا في أحداث قاعدة سبايكر وتسليم الموصل لداعش، عليها أن تفتح تحقيقا واسعا وشفافا حول إحتلال حزب الدعوة لمطار المثنى، عليها أن تفتح تحقيقا لهدر الأموال العامة عهد المالكي وسرقة مئات مليارات الدولارت، عليها أن تفتح تحقيقا حول المدارس الهيكلية والطينية ومدارس الهواء الطلق عهد الدعاة والإسلاميين!! عليها أن تفتح تحقيقا في كل صغيرة وكبيرة دمّرها المالكي وحزبه وهم ينهبون ويسرقون البلد وثرواته.
 

عازفة الكمان التي أشاعت بعزفها الفرح في الملعب، الفرح الذي سرقه المالكي ورهطه من أبناء شعبنا ووطننا.


ماذا يريد المالكي أن يفعل منظموا حفل إفتتاح بطولة كرة قدم إقليمية، يشارك فيها بلدان عربية عدة وهدفها رفع الحظر عن الرياضة العراقية؟ هل يفتتحون البطولة وينهوها بلطمية لباسم الكربلائي مثلا، والذي لن يقبل بمبلغ يقل عن المبلغ الخيالي الذي تقاضته مادلين طبر!!؟

اللي أختشو ماتو" مثل مصري" 

زكي رضا
الدنمارك
2/8/2019


     
























60



مساء الأمس وكعادتي اليومية كنت في مقبرة مدينتي الصغيرة، لأسقي الزهور التي تزيّن ضريح صغيري الراقد هناك بهدوء والأشجار تظلل مرقده والمكان. وحالما جلست لأعدل من لعبه التي تنتشر على ضريحه منذ ساعة رحيله وأنا أناجيه كعادتي، حتى شعرت وكأن شخص ما يتحدث إليّ. فوقفت ملتفتا في أرجاء تلك المقبرة لأرى المتحدّث، وإذا به صغيري نفسه. للحظات، شعرت وكأنّ روحي قد خرجت من جسدي وأنّ القيامة قد قامت، فأرتعش كل شيء في جسدي خوفا ورعبا. الّا إنني وكأب تقدمت منه لأحتضنه وأقبله، فأبتعد عني بقدر تقدمي نحوه، وأستمر الحال هكذا للحظات.

سألته متعجبا عن سبب خروجه من ضريحه وحديثه إليّ، وإبتعاده بنفس الوقت عني كلما تقدّمت نحوه. فنظر في عينيّ وهو يقول: لقد جئتك برسالة عليك إيصالها للسيّد مسعود البارزاني! مسعود البارزاني، أجبته وأنا شديد العجب من طفل فارق الحياة ولم يبلغ الرابعة من عمره؟ نعم، أجابني بثقة وهو يقول، سوف يأتي بعد قليل ملاك من الجنة التي نقيم فيها نحن الأطفال، لينقلك الى صحراء مدينة أسمها السماوة وأظنك تعرفها جيدا، فهي من مدن العراق الذي أنت منه.  نعم أعرفها، ولكن إلى أي مكان في تلك الصحراء الواسعة سينقلني الملاك؟ إلى مقبرة جماعية فيها عدد من الأطفال الكورد وأمّهاتهم، مقبرة من مقابر البعث التي تملأ أرض بلدك، ولتذهب معهم الى حيث يقيم البارزاني في سه ري ر ه ش. وكأنني أحاور شخصا بالغا قلت له مستفسرا، لكنك قلت للتو من أنّك قادم من جنّة الأطفال التي في السماء، فلماذا لا يقيم فيها أطفال تلك المقبرة الجماعية. فأجابني وإمارات الأسى بادية على وجهه الجميل، أنّ الأطفال هؤلاء لا يريدون دخول الجنّة إلّا إذا وصلت رسالتهم للسيد مسعود البارزاني.
لم يطل الحديث بيننا طويلا، فالملاك الذي أخبرني عنه صغيري ما لبث أن هبط من السماء، ليحملني وأنا أودّع صغيري والحزن يلّفني وكأنني فقدته للتو، الى صحراء السماوة الحارقة ..   

في صحراء السماوة الحارقة حيث الرمال تمتد الى الأفق غير المتناهي وكأنها قطعة من جهنم، هبط بيّ الملاك عند تخوم قبر جماعي فيه أجساد نسوة وأطفال رضّع ورؤوس إستقرّت فيها رصاصات جبانة في وقت ما. تقدّمت بخطى ثقيلة نحو القبر، فإذا بنسوة عليهنّ بقايا ملابس كانت زاهية يوما، وهنّ يحملنّ أطفالهنّ الرضّع ومعهنّ أطفال صغار يتقدمون نحوي. فتوقفت والملاك بعد أن تقدّم منا أحد الأطفال ليسألني، إن كنت أنا من سأقوم والملاك بنقل أمّهاتهم الى مقر السيد مسعود البارزاني لعرض رسالتهم عليه. نعم، أجبت وأنا التفت الى الملاك الذي رأيته يفرش جناحيه ليطير بنا الى سه ري ر ه ش، بعد أن عادوا جميعا للحظة الى القبر، ولتخرج منه النسوة فقط ومعهنّ أكياس لم أرى ما في داخلها، فطرنا الى حيث يقيم البارزاني.

لحظات وكنت وأمّهاتهم قرب مقرّ البارزاني، والذي جاءه خبر قدومنا من حرسه المتعجب من هبوط ملاك ومعه العشرات من النسوة. ففتح لنا الحرس أبواب مقر إقامة البارزاني بأدب جم وتعجب أكبر وأشّد.  وما أن حضر البارزاني مرحبّا بالجمع، وليسأل عن النسوة ومن أين أتين وما سبب زيارتهنّ. حتى تقدمت إحدى النسوة وبيدها كيسها المغلق كالذي بيد النسوة الأخريات وقالت: نحن نسوة كورد ومن ضحايا الأنفال أيها السيد مسعود البارزاني، وكنّا نعيش كما باقي فلاحي الكورد البسطاء والفقراء في قرانا آمنين، حتى فتح النظام البعثي علينا أبواب جهنم وأبادنا كما أباد حلبجة والبارزانيين والكورد الفيليين والملايين الآخرين من شعب العراق.

السيد البارزاني: إن العالم بأكمله يعرف كما أنت  أن نظام البعث هو من أرتكب جريمة الأنفال، وقد رأينا بأنفسنا أجهزتهم العسكرية والأمنية وهي تعتقلنا وتنقلنا الى حيث صحارى الجنوب وتقتلنا بدم بارد. ولسنا بالحقيقة هنا لنقول لك ذلك، فقولنا أن البعثيين مجرمين وقتلة  لا يحتاج الى برهان، ولسنا هنا لنقول أنهم دمروا قرانا وهتكوا أعراضنا وأنفلوا ما نخجل من ذكره لتفاهته وهو الآخر لا يحتاج الى برهان ودليل،  ولسنا هنا لنشكوك من وجودهم في البرلمان الأتحادي وفي أجهزة الدولة المختلفة. إننا هنا أيها السيد البارزاني لنشكو من دلّ البعثيين على قرانا الآمنة، من تقدم صفوفهم وهم يحشروننا في السيارات العسكرية الى حيث مقتلنا وأطفالنا. إننا هنا لنشكوك الجحوش الذي كانوا أشّد فتكا بنا من البعثيين، إننا هنا لنسألكم أن لماذا لم تحاسبوا قائدا منهم، إننا هنا لنسألك متعجبين: أن كيف تصرفون لهم وعوائلهم رواتب خيالية!!

صمت البارزاني للحظات، وقبل أن يبدأ الحديث فتحت النسوة أكياسهنّ ورمين رؤوس أطفالهنّ التي ثقبها رصاص الجبناء بين أرجل السيد البارزاني قائلات: الأمر يعود إليك أيها السيد البارزاني، فأطفالنا يرفضون دخول الجنّة ونحن معهم  لأنّهم يريدون رؤية الجحوش في أقفاص الأتهام. هذه جماجم أطفالنا أمامكم ، فأمّا أن تركلوها الى حيث أرجل الجحوش ليتلاعبوا بها، أو يضعوها على موائد طعامهم الدسمة والمنهوبة من جيوب فقراء الكورد، وأمّا أن تثبتوا للشعب الكوردي قبل أن تثبتوا لنا من أن إمتيازات الجحوش والذين تعرفهم أكثر منّا ستنتهي بقانون، وأن لا مكان لهم في الحقل السياسي بكوردستان بعد اليوم. من المعيب أيها السيد البارزاني أن يكون القتلة طلقاء، والمقابر الجماعية شاهدة على إجرامهم ودناءتهم. السيد البارزاني، هناك من يتعامل بالمثل بين الجلاد والضحية، لكن أن يكون الجلاد مكرما معززا والضحية تصرخ (وإذا الموءُودة سئلت . بأي ذنب قُتِلَتْ)، فأنها وقسما بأطفال الكورد في مقابرهم الجماعية لقسمة ضيزى كما تقول العرب.

زكي رضا
الدنمارك
27/7/2019
   



61



للأحزاب الشيعية وجماهيرها  و"مثقفيها" عقدة من ثورة الرابع عشر من تموز وقيادتها، وعلى الأخص زعيمها عبد الكريم قاسم. على الرغم من أنّ الثورة أنصفت الشيعة كطائفة  بعد أن عانوا الأمّرين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتّى قيام الثورة، ناهيك عن تهميشهم وقمعهم طيلة العهد العثماني وإحتلاله  للعراق. ولو توخينا الدقّة أكثر، فأنه ونتيجة  لفساد السلطات التي تلت عهد ثورة 14 تموز وإستهتارها بمقدّرات شعبنا ووطننا ومنها سلطة المؤمنين بالله اليوم، فأن هناك من ركب موجة العداء لثورة تموز ونتائجها محمّلين إياها ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم، وكأنّ شعب العراق كان يعيش ببحبوحة من العيش الرغيد في ظل النظام الملكي الإقطاعي المرتبط بلندن. ومن هؤلاء أعداد لا بأس بها من "اليساريين" والليبراليين علاوة على البعثيين ، وأعداد كبيرة جدا من الأجيال التي ذاقت مرارة الحروب والحصار والفساد وخصوصا من أهالي الجنوب الشيعة أنفسهم، هؤلاء الذين أنصفت ثورة تموز آبائهم وأجدادهم بعد أن أعادت لهم كرامتهم التي فقدوها في ظل الحكم الملكي وهم يعانون الذل وسياط الإقطاع تلهب ظهورهم.

يحاول الكثير من الناقمين على ثورة الرابع عشر من تموز إظهارها وكأنها أنهت نظاما ديموقراطيا، أو على الأقل نظام  يسير بنهج ثابت نحو الديموقراطية.  ويتباكى الكثير منهم على مصير العائلة المالكة ومقتلها، والذي هو بالتأكيد أمر مرفوض وجريمة بشعة، محمّلين قيادة الثورة مسؤولية مقتلهم مع سابق إصرار وترصد! على الرغم من أنّ الأحداث التأريخية وهي لا زالت طريّة  تشير الى غير ذلك، كما وأنهم يصفون الثورة بالوحشية والهمجية وهنا يلتقون مع رأي السفير الأمريكي بالعراق والديمار ج. غالمان الذي وصف التظاهرات العارمة في بغداد بعد ساعات من إعلان الثورة من أنها "لا تمثّل العراقيين  بل رعاعا جمعهم المحرضّون"! (1)

إنّ الذين يهاجمون ثورة الرابع عشر من تموز والتي بلا شك لها أخطائها كأية ثورة أو إنتفاضة أو تحرك جماهيري واسع ويلصقون بها شتّى التهم، يحاولون لي عنق الحقيقة عن طريق فتح أبواب تلك المرحلة بإرهاصاتها وأحداثها العاصفة  بمفاتيح اليوم، ناسين أو متناسين أنّ الذين قادوا الإنقلاب العسكري والذي تحول الى ثورة كما سنتاوله لاحقا، هم رجال عسكريون بالدرجة الأولى، رغم تنسيقهم مع عناصر مدنية  حزبية  من خلال جبهة الإتحاد الوطني. وهؤلاء لا يريدون بالمرّة مقارنة  ثورة الرابع عشر من تموز في بغداد 1958 ، مع ثورة الرابع عشر من تموز في باريس 1789 . تلك الثورة التي أنهت النظام الملكي وأعدمت الملك وزوجته والآلاف غيرهما بالمقصلة، والتي كان تأسيس الجمهورية العلمانية الديموقراطية أحد أهم أهدافها،  قبل أن تتحول فرنسا بعد نجاح الثورة الى جمهورية إستبدادية عسكرية، وليدفع زعيمها روبسبير حياته  تحت المقصلة التي أعدم بها الآلاف من الفرنسيين.  ونحن نقارن بين الحدثين في بغداد وباريس، علينا أن نميّز بين الشعبين وتطورهما الفكري والسياسي والعلمي والثقافي، قبل أن نحمّل ثورة تموز ما لا تتحمله للفرق الكبير بين طبيعة الشعبين .

بعد ساعات على إعلان الثورة "إزدحمت العاصمة بالناس- "شرقاوية" وآخرين- والكثير منهم بمزاج قتالي، يوحدّهم شعور واحد: "الموت للخونة  وعملاء الأمبريالية". وكان الأمر يشبه موجة المدّ الآتية، التي لفّت أولا، وبعنف، بيت نوري السعيد والقصر الملكي، ثم سرعان ما إمتدّت الى القنصلية والسفارة البريطانيتين وقصور أخرى، وأصبحت مرعبة وساحقة في زحفها الى درجة أن العسكريين الثوريين- القلقين ممّا يحدث- أعلنوا منع التجول، ثم أعلنوا في وقت لاحق بعد الظهر الأحكام العرفية. وبعد أن إنحسرت الحشود في النهاية، وبعد هبوط الظلام، كان تمثال فيصل، رمز الملكية، ملقى مفتتا على الأرض، وكانت صورة الجنرال مود، فاتح - محتل- بغداد ملقاة في الغبار خارج المستشارية البريطانية القديمة المحروقة" (2) من خلال ما جئنا على ذكره، نكتشف ومن مصدر محايد وأكاديمي من أنّ العسكر فوجئوا بالتحرك الجماهيري وشدّته ونتائجه ما دفعهم لإعلان منع التجول وإعلان الأحكام العرفية بعدها، كما نكتشف بؤس أعداء الثورة وبكائهم على الجنرال مود الذي إحتل بغداد، والذي كافأه النظام الملكي المرتبط بلندن بوضع تمثال له في قلب عاصمة  بلدهم.

 

الزعيم عبد الكريم قاسم يزور المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم الذي غدر به وبثورته في المستشفى

لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدثا فوضويا ولا حدثا آنيا، بل تعود ولكي نضعها في سياقها التأريخي الى تراكم أحداث سبقتها بعقود. فالعراق لم يكن هادئا يوما ولا خانعا يوما لإملاءت الإنكليز وأذنابهم الملكيين، بل كان مرجلا ينتظر ساعة الإنفجار. فالإنتفاضات والإضرابات والإنقلابات العسكرية ، وقصف المناطق الريفية وإحتكار السلطة والتمييز الطائفي في توزيع المناصب.  كانت بالحقيقة هي تراكمات كمّية ونوعية  لذلك اليوم الذي وجدت فيه الجماهير المسحوقة  نفسها في أتون معركة حياة أو موت، فأختارت الحياة وأنطلقت الى قلب المعركة  فحسمتها بعد أن أظهرت قوتها في الشارع،  ما منع من أي ردود أفعال تذكر من قبل مناصري الملكية وأعوانها وأتباعها على مستوى البلد بأكمله.

في جملة ذات مغزى وقد تفسّر أحداثا تقع بعد عقدين ونصف العقد من تأريخها وصل السياسي العراقي جعفر ابو التمّن بتأريخ الأول من تشرين الثاني /نوفمبر 1933  الى "درجة من الخيبة بحيث أنه ما عاد يؤمن بإمكانية الحصول على السلطة بالطرق الديموقراطية  وذلك لقناعته  بأنّ العراق كان له إسم الحكم الإنتخابي لا واقعه".(3)

ويبدو أن هذه المقولة لا زالت ولليوم تحمل الكثير من الصحة  والديمومة، خصوصا إذا عدنا للإنتخابات التي أجريت يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر 1934 والتي تلاعبت حكومة المدفعي الجديدة  وقتها "بعمليات الإقتراع وضمنت إنتخاب مرشحيها وأولئك الذي دفعوا مبالغ ضخمة للحصول على كرسي النيابة" (4) . لذا فأن بكاء الإسلاميين وبقية أعداء ثورة تموز تبدو مفهومة والتأريخ السياسي البرلماني العراقي  يعيد إنتاج نفسه بنفس الوجه البشع والقبيح، حيث بيع المناصب الوزارية وشراء المقاعد النيابية كما الأمس تجري على قدم وساق وبشكل علني. وقبل الإنتقال الى حدث الرابع عشر من تموز إن كان ثورة أم إنقلاب، دعونا ننهي فظاعات وإستبداد النظام الملكي الذي يتباكى الكثير عليه اليوم، نتيجة إنحسار الوعي ومحاولة الإسلام السياسي عزل شعبنا عن  تأريخه، من خلال حدثين.

أولهما  إعتراف مضحك مبكي لأحد رجالات العهد الملكي  وهو عبد الكريم الأزري النائب والوزير في تلك الفترة إذ يقول "في صبيحة يوم من أيام تشرين الأول سنة 1943 إتصلّ بي قريبي السيد حسين النقيب الرفيعي بالهاتف قائلا  لي أهنؤك من صميم قلبي ، فسألته عن ماذا تهنؤني؟ أجابني على فوزك بالإنتخابات النيابية، ألم تسمع الإذاعة؟ فقد ذكرت إسمك بين الفائزين في الإنتخابات النيابية عن لواء العمارة (محافظة ميسان حاليا) .. وقد تبين لي فيما بعد أن ما أنبأني به السيد حسين النقيب الرفيعي كان صحيحا. وإنني قد أُنتخبت عن لواء العمارة، وأنا لا أدري، ولم أراجع أحدا من الناخبين ولا من المنتخبين الثانويين- وكانت الإنتخابات تجري وقتئذ على درجتين- ولا أحدا من رجال الإدارة المحلية ولا حتى وزير الداخلية" ويعلّق الأزري على ذلك " وهكذا جئت الى مجلس النواب عن غير علم ولا رغبة  مني وبدون أن أبذل جهدا في ذلك. لقد إنتخبني في الواقع من الأمر نائبا عن لواء العمارة الحكومة ممثلة بوزير داخليتها.. (5)   

والحدث الثاني وهو من جنس المضحك المبكي أيضا وهو خسارة السياسي الشيعي جعفر ابو التمن لإنتخابات عضوية المجلس التأسيسي في قطاع الكاظمين وهي منطقة شيعية خالصة  فقد "حصل جعفر على 19 صوتا، بينما حصل في نفس المنطقة عبد الجبار الخياط ، المرشّح المسيحي على 32 صوتا، وحصل المرشح اليهودي مناحيم دانيال على 26 صوتا!!" (6) . إن الكارثة من هذه الأرقام وإنتخاب الأزري كبيرة جدا ، وتعتبر مقياسا لفساد النظام الملكي وإستبداده . لكن هذا الفساد والإستبداد  اليوم أصبحا دلالة على همجية ثورة تموز وزعيمها، كون الثورة أنهت هذا النظام "الديموقراطي"  وفتحت على العراق ابواب الجحيم بنظر الإسلام السياسي ومن على دربهم من بعض اليساريين الناقمين  والليبراليين ومن يدّعون العلمانية والمدنية الذين يريدون تحميل ثورة تموز المآل الذي آل إليه العراق وشعبه!!

 

المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم مع طاهر يحيى التكريتي (ابو فرهود)
من مجرمي إنقلاب الثامن من شباط الأسود التي قتلت الزعيم عبد الكريم قاسم في يوم رمضاني وهو صائم !!

هل أحداث الرابع عشر من تموز 1958  ثورة أم إنقلاب؟  يقول كارل ماركس في تعريفه لمفهوم الثورة "أن كل ثورة تلغي المجتمع القديم هي ثورة اجتماعية ، وكل ثورة تلغي السلطة القديمة هي ثورة سياسية". ولكي نبسط هذا التعريف  الماركسي للثورة، دعونا نعود لما جاء به حنا بطاطو حول أحداث الرابع عشر من تموز إذ يقول: "يجب أن لا يقتصر حقل الرؤيا عندنا على ما سبق أحداث 14 تموز (يوليو) بل أن يشمل أيضا ما تلاها. والواقع أن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف، أو لتثير المخاوف أو الآمال بهذه الجدية التي غزت سنتي 1958 – 1959 . والواقع أنّ 14 تموز (يوليو) أتى معه بأكثر من مجرّد تغيير في الحكم. فهو لم يُدّمر الملكية أو يُضعف كل الموقع الغربي  في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب، بل أنّ مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثّر بعمق. ولقد دمّرت الى حد كبير السلطة الإجتماعية لأكبر المشايخ ملّاكي الأراضي ولكبار ملّاكي المدن، وتعزّز نوعيا موقع العمال المدينيين والشرائح  الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغيّر كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لإنتقال الملكية من ناحية ولإلغاء  أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صُلب القانون الوطني من ناحية أخرى. وصحيح أنّ الثورة لم تتجذّر بالعمق بما يكفي، ولكن هذا ما يميل الى تمييز كل الثورات التي تلعب فيها عناصر الطبقة الوسطى دورا تقريريا تقريبا. وصحيح كذلك أنّ التيه ميّز مسار الثورة وأنها كانت لها تعاقبات صعود وهبوط، ولكن هذا ناجم عن عدم إنسجام الطبقة الوسطى وعن الإنشقاقات في صفوفها وصفوف الضباط الأحرار، الذي هو ذراعها المسّلحة والشرعية القائدة فيها". (7)

لو تجاوزنا هنا الإختلاف في وجهات النظر حول إن كان حدث 14 تموز ثورة أم إنقلاب، وأتّفقنا مع الرأي الثاني الذي يروّج له الإسلاميون وجيوشهم الألكترونية  ومعهم آخرون إكتشفوا فجأة أنّ 14 تموز هي سبب مشاكل العراق اليوم، وأنّ النظام الملكي كان ملائكيا في تعامله مع أبناء شعبنا وحريصا على كرامة وإستقلال وطننا وأن إستمراره كان سينقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة!! وإتّفقنا معهم أيضا من أنّ ضباطا مغامرين غيّروا مسيرة التأريخ بالعراق بدباباتهم ورشاشاتهم التي أودت بحياة الديموقراطية  والتقدم والرفاهية التي كانت من أهم سمات العهد الملكي الزاهر!!  فمن حقّنا هنا أن ننظر الى إنجازات هؤلاء الإنقلابيين خلال فترة حكمهم "الكارثية" التي لم تتجاوز الخمسة أعوام وما تركوه لنا ساعة رحيلهم  ونقارنها بما تركه لنا البعث الفاشي ساعة رحيله في التاسع من نيسان 2003 وهو على رأس السلطة  لثلاثة عقود ونصف، وما نعيشه اليوم تحت ظل العمامة والأحزاب الإسلامية ومعها كل أحزاب المحاصصة التي وصلت الى الخضراء على متن دبابة أمريكية وليس على متن دبابة خرجت من معسكر المنصورية  بديالى، سلطة  صاحبة أكبر ميزانيات العراق بكل تأريخه والتي بددتها لفسادها وسرقاتها وتهريبها وجرائمها. ستة عشر سنة والأحزاب الحاكمة بالعراق وفي مقدمتها الإسلامية لم تستطع أن تبني عُشْر ما بنته ثورة الرابع من تموز ولن تبني. فهل الضابط الإنقلابي المغامر سبب  تدمير العراق، أم الذين قتلوه وثورته  من بعثيين وقوميين عربا وكوردا ومراجع دين وزعماء عشائر وبقايا الإقطاع..!!؟

لو تركنا موقف تيارات من العلمانيين والليبراليين والمحسوبين على اليسار من ثورة تموز ومحاولاتهم المستمرة للنيل منها، فإن موقف الإسلاميين منها هو موقف تمليه مصالحهم التي هددتها ثورة تموز بقرارتها.  فتدمير العلاقات الإجتماعية المتخلفّة بسلسلة قوانين المرأة والعشائر والإصلاح الزراعي، هدّدت المصالح القديمة الجديدة التي تربط المؤسسة الدينية الشيعية بالإقطاع وملّاكي الأراضي منذ القدم ولليوم. وما شكل العلاقات الإجتماعية  المتخلفة اليوم والأحزاب الشيعية على رأس السلطة، وترسيخها لدور العشيرة  مقابل دور الدولة التي تهينها المؤسسة الدينية الشيعية  بتدخلها المباشر بتركيبتها نتيجة وصايتها على المشهد السياسي بالبلد، الا ترجمة لأهم أسباب معاداة الأحزاب الشيعية  و "مثقفيها"  ليس لثورة تموز وحسب، بل لكل ما هو مشرق وإنساني في بناء علاقات إجتماعية متجانسة. ففي باب حقوق المرأة مثلا والتي جسدتها ثورة تموز بقرارات ثورية، نرى المثقفين الشيعة  يتوارون عن الأنظار عندما يتعلق الأمر بزواج القاصرات وفق المذهب الجعفري، أو إباحة الزواج من الرضيعات وتفخيذهنّ وفق نفس المذهب، ولا يستطيعون الحوار حولهما وخصوصا الزواج  من الرضيعة والتي تعتبر شكل من أشكال البيدوفيليا.   ولازال الكثير من "مثقفي" الشيعة  يشعرون بدواخلهم بالعار على ما يبدو وهم يرون مرجعيتهم وهي تتحالف مع أكبر الأحزاب فاشية بالعراق لإغتيال ثورة تموز، والتي بإغتيالها دخل العراق الى النفق البعثي المرعب، وليخرج منه مباشرة الى النفق الإسلامي المتخلف .

التأريخ  في العراق يكتبه الجبناء والخونة والجواسيس.. لكن الى حين.

 

(7) العراق الكتاب الثالث لحنا بطاطو  ص 115

(2) نفس المصدر ص 114 – 115

(3) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 331

(4) المصدر السابق ص 349

(5) ثورة في العراق 1958 – 1963 : نقد تجربة الدولة العراقية  في العهدين الملكي والجمهوري. جعفر الحسني ص 55 .

(6) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 197

(7) العراق الكتاب الثالث لحنا بطاطو  ص 116



زكي رضا
الدنمارك
17/7/2019

 

 

 

 

 





62
الشهيد ستار خضير في ذكرى إستشهاده الخمسين


من الكحلاء وبطائح الجنوب حيث الماء الذي خُلِقَ منه كل شيء حي، طُهِّرَ مولود بتعميده  (المصبتا) ليخرج من العالم السفلي الى العالم العلوي ، عالم النور والضياء. طُهِّرَ بماء دجلة الخير، ليرتبط من خلال النهر الخالد ببلاده وشعبه، وليبحث عن نور يبدد الظلام والظلم اللذان يحيطان بهما. وما أن تعلّم أبجديات الحياة وهو يعايش الفلاحين والصيادين الفقراء حتى هداه فكره الوقّاد الى حيث النور ينبع من النهر الثالث في العراق، ومن حينها وحتى ساعة ولادته السرمدية في الثامن والعشرين من حزيران عام 1969 ، كان الدفاع عن مصالح الناس والوطن وهو يخوض نضال شرس في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، شاغله.

الشاب الكحلاوي الذي عارك الحياة بإيمان الشيوعي وأحلامه، إنتقل من محطّة نضالية الى أخرى وكأنّه ينتقل من زهرة الى زهرة، فالمحطات النضالية على قسوة العمل فيها كانت بالنسبة لهذا الشاب حقل زهور. فتراه متظاهرا في وثبة شعبه العام 1948 ، وفي إنتفاضته العام 1952 ، وسجينا ومطاردا ومنفيا.

تراه في العمارة  وبدرة وفي بغداد وديالى والموصل وكركوك، وهو يبني ويرمّم تنظيمات الحزب ويصونها وهي تتعرض لأشرس الهجمات، تراه في ذرى جبال كوردستان وهو يشرف على فصائل الأنصار  في السليمانية وأربيل، تراه في عيون رفاقه وهي تستمد منه القوة والعزيمة والمضي في طريق الشعب والوطن، تراه في عيون زوجته وأولاده، تراه في عيون أمّه المندائية الطيبة وهي تنظر إليه مضرجا بدماءه وهو يقاوم الفاشيين أعزلا، تراه في عيون فقراء العراق وهو الحالم أبدا بغد أجمل وأبهى لهم.

لا افْتِخارٌ إلاّ لمَنْ لا يُضامُ   مُدْرِكٍ أوْ مُحارِبٍ لا يَنَامُ
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ   ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

وَلَوَ أنّ الحَيَاةَ تَبْقَى لِحَيٍّ   لَعَدَدْنَا أضَلّنَا الشّجْعَانَا
وَإذا لم يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ   فَمِنَ العَجْزِ أنْ تكُونَ جَبَانَا

أبيات من شعر المتنبي تزيّنُّ شاهدة قبر الشهيد الحي ( ستار خضير)، وهي تعبّرعن إسترخاص الشهيد لدماءه وحياته وهو يواجه الموت بشجاعة المؤمن بإنتصار قضيته. فالشهيد ستار خضير وقف بوجه الموت مرّات ومرّات، متحديا إياه بشجاعة وقوة لا تلين وهو أي الموت نائم. وحتى وهو يغمض عينيه بعدما زرع الفاشيون في جسده الطاهر رصاصاتهم الجبانة الغادرة القاتلة، فأن الردى ظلّ نائما ولليوم. وإلإحتفال بذكرى إستشهاده الخمسين دلالة على هزيمة الموت وإنتصار ستار خضير.

وعودة للمتنبي فلا شك من أنّه يعنيه وهو يوصف الشجاعة والبطولة عند قادة كالشهيد ستار خضير فيقول:

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ   كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ

المجد وأكاليل الغار للشهيد المندائي والشيوعي النبيل والشجاع  ستار خضير،  والعار كل العار للقتلة المجرمين.

زكي رضا
الدنمارك
25/6/2019



63
إلى أين يقود المتخلفون العراق ..؟

لو كان هناك أمل ضئيل في تعافي العراق من سرطان العمامة، فالعراضة العشائرية الأخيرة في مستشفى مدينة الطب ببغداد قضت على هذا الأمل وقبرته نهائيا، أو تكون قد أجّلت في أحسن الحالات تعافيه من القيم العشائرية المتخلفة وسلطة العمامة الفاسدة الى وقت يكون الخراب قد أتى فيه على كل شيء في البلاد، وحينها فقط سيشعر العراقيون بهول الكارثة التي أحاقت بهم ودمّرت بلدهم.

العراق في عهده الإسلامي اليوم، عراق ممّزق، فاقد لهويته الوطنية. فالإسلاميّون وهم يعتمدون على العشائر والعمائم في بسط سلطتهم على مقدّرات بلدنا، لا يعرفون الا ثقافة المآتم والمقابر والمزارات، ثقافة عبادة الطقوس التي جعلت بلدنا في آخر سلّم التطور الإنساني والعلمي والثقافي مقارنة ليس مع الدول المتقدمة، بل مع بلدان الجوار الإقليمي التي كنّا متقدّمين عليها في شتى المجالات لعقود خلت. العراق اليوم بلد ليس للعقل فيه سلطان، فالمتخلفون هم من يقودون البلد، والكارثة هي أنّ القطيع يرقص على جثة وطنه أمام هؤلاء المتخلفين.

عراقنا متخلّف وشعبنا متخلّف، وهذه الحقيقة علينا أن نواجهها بشجاعة. فعندما تحتل عشيرة ببيارغها وهوساتها مشفى عام وتحولّه الى ما أشبه بالمضيف العشائري، وتبثّ الرعب والخوف بين الأطباء والمرضى، دون أي تدخل من أجهزة الدولة المختلفة. فهذا يعني إننا نعيش عصر الإنحطاط الفكري والثقافي والأخلاقي، عصر ضياع الكرامة والشرف، عصر غياب الدولة وهي تتهاوى تحت ضربات العقال والعمامة. فما من سلطة تملك ذرّة من الكرامة أو قليل من الشرف تسمح لمثل هذه الأحداث المخزية أن تمرّ دون عقاب، اللهم الّا إذا كانت هي نفسها خريجة المدرستين العشائرية والدينية المتخلفتين.

ماذا أبقيتم من العراق أيها الفاسدون المتخلّفون، والى أين تسيرون به وأنتم تغتالون كل شيء فيه؟ تغتالون بغداد وجمالها بحقد العشائر لكل أشكال التحضر، تغتالون الطفولة حين يقف الأطفال يبيعون سقط المتاع في الشوارع، تغتالون الجمال بإغتيالكم النساء، تغتالون العقل بإغتيالكم التعليم في كافة مراحله، تغتالون آلاف الدونمات الزراعية من محاصيل يحتاجها شعبنا لتستوردوها من دول الجوار بحرقكم لحقولنا، تغتالون الثقافة بكل حقولها وأنتم تبرقعون التماثيل، تغتالون الحريّة وأنتم تشيعون ثقافة العبيد، تغتالون الفرح وأنتم تشيعون ثقافة البكاء والحزن اليومي، والكارثة الأكبر هي إغتيالكم للأمل والأحلام في نفوس الناس. لا أظنّ أنّ فيكم أيّها الفاسدون وأنتم تقودون بلدنا نحو الخراب ،عراقي، وإن كان فيكم عراقي فهو كاره لوطنه حاقد عليه ويعمل على خرابه وتدميره، ولم يشهد التأريخ ولن يشهد سلطة فاسدة وحاقدة على "وطنها وشعبها" مثلكم.

العراق يتهاوى، وعوضا عن نقد الظواهر السلبية في المجتمع وإيجاد حلول علمية لتجاوزها، نرى رجال الدين ومعهم زعماء العشائر يحركون القطيع للوقوف بوجه من ينتقد السلبيات بحجّة المساس بالعادات والتقاليد، أو المساس بالمشاعر الدينية! لكن الطامة الكبرى تكمن في وقوف أدعياء الثقافة الى جانب القطيع ومن يحركه من قوى ولنفس الأسباب. سيقف البعض هنا قائلا، لماذا وصف الناس بالقطيع، وهل هذا الوصف يليق بشعبنا أو جزء منه على الأقل؟ هنا لا نملك ردا واحدا، بل آلاف الردود والتي نستمدها من واقع مأساوي يعيشه شعبنا تحت ظل سلطة العمامة والعقال، أي الدين والعشيرة. وهذا الواقع لا ينحصر في جزء من البلد دون غيره، فالمناطق الغربية حيث السنّة، لا تختلف بشيء عن مناطق الجنوب حيث الشيعة، ولا عن منطقة كوردستان حيث تتحكم السلطة العشائرية الدينية بزمام الأمور.

مشكلتنا بالعراق اليوم ليست العشائر وقيمها المتخلفة فقط، ولا رجال الدين ومؤسستهم وخطابهم المتخلف هو الآخر فقط. بل في أحزاب سياسيّة إسلاميّة ولدت من رحم هاتين المؤسستين المتخلفتين، والتي أنهت مفهوم الدولة وهي تتربع على السلطة منذ الإحتلال الأمريكي للبلاد الى اليوم. الدولة اليوم هي العشيرة والعشيرة هي الدولة، وهذا التماهي أدّى الى تراجع دور الدولة بمؤسساتها المختلفة أمام سطوة العشائر وقيمها البالية.

الأحزاب الإسلامية لا تعمل أبدا على الحد من سلطة العشيرة، كونها تمثل قاعدتها الإجتماعية التي تنطلق منها لإستمرارها بالسلطة. لذا نرى أنّ الدولة التي يقودها الإسلام السياسي هي دولة عشائر وقبائل، أي دولة متخلفة وفاسدة على مختلف الصعد. ولكي تكتمل فصول الكارثة، نرى السلطة السياسية اليوم تعمل بجد على ترييف المدن الحضرية. فمدينة مثل بغداد وغيرها من المدن أصبحت اليوم عبارة عن مضايف عشائرية، يجري فيها حل مشاكل الناس على طريقة الأعراف العشائرية، كما وأنّ هذه المضايف هي من تتحكم بالسياسة العراقية. فالوزراء وأعضاء البرلمان، هم من زوّار هذه المضايف أثناء فترات الإنتخابات، والشيوخ في هذه المضايف هم يمنحون أصوات عشائرهم لهذا السياسي أو ذاك مقابل إمتيازات كبيرة. وهؤلاء الشيوخ قادرين على معاقبة أي سياسي يحاول الخروج عن النهج العشائري في الحكم. لذا نرى وزراء وأعضاء برلمان وموظفين من ذوي الدرجات الخاصّة، يلجأون الى الفصل العشائري حينما يختلفون فيما بينهم، وهذا بحد ذاته هو إغتيال للدولة. ويبقى السؤال الكبير هو: هل النظام "الديموقراطي" الذي يقوده الإسلام السياسي، قادر على إنهاء سلطة العشيرة والعمامة؟

إنّ العراق اليوم كما وصفه الشاعر الراحل زاهد محمد زهدي

أمّا العراقُ فدعْكَ عن أخباره ...... رجعَ الزمانُ به على أدبارهِ
كُمّتْ به الأفواهُ حتى لم يعد ............. ليل يتوق لملتقى سُمّارهِ
والناسُ فيه يرقصونَ لموتهم .....يمشي الخراب وهم على آثارهِ
بلد تملّكهُ الضلالُ ولم يعدْ ............. للعقل سلطان على أفكارهِ

الا أنه يعود وفيه بقايا أمل ليقول:

يا صاحبي إنّ العراقَ وأهله ..... أسرى وفي يدهم فكاك أسارهِ
إنّي لأعلم أنّ يوما قادما ............. سيلفّ أرض الرافدين بنارهِ
ويهدّ (بيت البغي) حتى لا ترى ..... شُرُفاتُه من سقفِه وجدارهِ

فهل سيهدّ شعبنا بيت البغايا بالخضراء يوما، ويتنفس أنسام الحريّة بعيدا عن الأعراف العشائرية وفتاوى الشياطين ..؟

زكي رضا
الدنمارك
18/6/2019

 



64
سيرك البرلمان العراقي بين الإصلاح والگوامة

على الرغم من أنّ ما تسمّى بالعملية السياسية بالعراق والتي هي أشبه بالسيرك، بحاجة الى تغيير شامل أي "شلع قلع" مثلما يقول راعي تحالف سائرون والذي هو قائده بالحقيقة. الا إننا نرى بعض الجهات السياسية ومنها تحالف سائرون نفسه إكتفت بشعار الإصلاح لتغيير واقع سياسي شاذ، على الرغم من أنّ قوى سياسية في هذا التحالف رفعت شعار التغيير. والتغيير في الحقيقة هو الشعار الأكثر نضجا لإنقاذ البلد من بهلوانيي السيرك العراقي، الذي تديره الأحزاب المتحاصصة والمؤسسات الدينية، والذين يستمدون قوتهم من خلال أسباب عدّة بينها غياب الوعي عند جمهور واسع جدا من العراقيين وهيمنة الأعراف العشائرية على الشارع العراقي، هذه الأعراف التي تجاوزت الشارع كتحصيل حاصل لحالة غياب القانون وضعف الدولة، لتصل الى السيرك الكبير أي البرلمان العراقي. ووصول الأعراف العشائرية الى أهم مؤسسة بالبلد والتي من صلاحيتها إقالة أو سحب الثقة من الحكومة، يعني أنّ حلم التغيير عن طريق هذا السيرك وبشعار الإصلاح، هو لعب على الحبال والذي يجيده بهلوانيو هذا السيرك إجادة تامّة.

لو إعتبرنا شعار التغيير غير ناضج وعلينا التريث في رفعه بفسح المجال أمام شعار الإصلاح، لنمهّد به الطريق لعملية الإصلاح الحقيقي. فإننا نكون هنا أمام مهمّة تعريف الإصلاح، وإن كان الإصلاح هو السبيل لعملية تغيير قادمة نتيجة لتراكمات ومواقف سياسيّة تتطور وإن ببطء، لتتحول الى تراكمات نوعية تأخذ على عاتقها عند نضوجها مهمة التغيير التي نحلم بها كما يظن حاملي هذا الشعار؟

لا يختلف إثنان على أنّ النظام السياسي بالعراق اليوم فاسد من رأسه حتى أخمص قدميه، فالفساد هو القاسم المشترك بين مؤسسات هذا النظام، والذي أدّى ويؤدي حتما الى إنتشاره (الفساد) الى أبعد مكان في جسد الدولة الوظيفي، ما جعل العراق دولة فاشلة على مختلف الصعد. ولو عدنا الى موسوعة السياسة والتي تعرّف الإصلاح من أنه "تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأسسها، وهو بخلاف الثورة ليس إلا تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم دون المساس بأسس هذا النظام، أنه أشبه ما يكون بإقامة الدعائم التي تساند المبنى لكيلا ينهار وعادة ما يستعمل الإصلاح لمنع الثورة من القيام أو من أجل تأخيرها" (*) فإننا سنكتشف وبسهولة أنّ الإصلاح خدعة يتبناها الفاسدون لإستمرار فسادهم ونهبهم للمال العام وإفقار شعبنا وتأخير رحيلهم عن السلطة. والإصلاح الجذري يعني التغيير الشامل للنظام السياسي الإجتماعي الإقتصادي، إمّا عن طريق الثورة، أو عن طريق رفع شعار التغيير الحقيقي في حالة النظم البرلمانية والذي بحاجة الى التفاف أغلبية برلمانية مريحه لتمرير القوانين وتشريعها، ومن ثم تطبيقها من قبل السلطة التنفيذية بقوة القانون. ومن هذا المنطلق فإنّ التغيير وليس الإصلاح هو الحل الوحيد للمشاكل التي نعاني منها ببلدنا، لأن الإصلاح لا قيمة له بإستمرار هيمنة رموز العملية السياسية الفاسدة على مقاليد الحكم. فهذا النظام الفاسد منتج للأزمات التي تتناسل بإستمرار والتي بها ديمومته وحياته، خصوصا في ظل غياب معارضة حقيقية بالبلد.

عرف قاموس "وبستر" للمصطلحات السياسية الإصلاح السياسي بأنه "تحسين النظام السياسي من أجل إزالة الفساد والاستبداد". والإصلاح السياسي وفق برنامج الأمم المتحدة لإدارة الحكم في الدول العربية ومنها العراق تُحدّد بسيادة القانون والشفافية والعدل وكفاءة الإدارة والمحاسبة والمساءلة والرؤية الإستراتيجية وتجديد الحياة السياسية وتصحيح مساراتها وغيرها. فهل رافعي شعار الإصلاح قادرين على تبني وتنفيذ هذا الإصلاح!؟ وهل أنجزت حكومات ما بعد الإحتلال ومنها حكومة اليوم تنفيذ ولو جزء بسيط من برنامج الأمم المتحدة للإصلاح السياسي؟

أنّ لجوء نائب بارز من قائمة سائرون الى عشيرته لمقاضاة ناشط مدني من تيّاره "التيّار الصدري" عن طريق ما يسمّى بالگوامة، بعد إنتقاد الناشط له في الفضاء الإفتراضي. تعني الإصرار على تغييب دور القانون لضعف الدولة الفاسدة والعمليّة السياسية برمتها، والتي يريد هذا النائب وتياره وتحالفه وراعي تحالفه إصلاحه من جهة، وتكميم للأفواه والبلطجة والأستقواء بالمركز الوظيفي وغياب الديموقراطيّة من جهة أخرى !!! ولأنّ القانون بالعراق مريض بنفس أمراض السلطة علاوة على كونه أداة لتنفيذ رغبات الحيتان ، فإننا نرى أنّ الناشط ولعدم ثقته كما جميع أبناء شعبنا بوجود قانون بالبلد يلتجئ هو الآخر الى مقتدى الصدر ليبثّه شكواه!! فهل تحالف سائرون قادر على إصلاح العملية السياسية، وأحد رموزه يعود الى عشيرته متجاوزا القانون على علاته؟ وهل مقتدى الصدر هو القانون ليعود اليه الناشط الصدري؟

السيد حسن الكعبي النائب الأوّل لرئيس البرلمان العراقي، إنّ أمثالك وهم في مراكز قيادة هذا البلد المبتلى بكم وأحزابكم وعشائركم لا تجيدون الا الفساد والسرقة ونهب المال العام، وأنتم من يقود بلدنا نحو الهاوية. ولا تقل لي (آني مگاومك جيب عمامك) كوني لا أرى برلمان أنت نائب رئيسه الا سيركا، ولأنّ (العمام) أي العشائر المتخلفة بعاداتها وتقاليدها وأعرافها بحاجة الى "شلع قلع" كما يقول زعيم تيّاركم.

الگوامة، حالة اعلان العداء والطلب بالقصاص.


(*) عبد الوهاب الكيالي موسوعة السياسة الجزء الاول ص 206 و207 *


زكي رضا
الدنمارك
9/6/2019

 


















 

   


65
المنبر الحر / إنتحار الإمام عليّ
« في: 22:24 26/05/2019  »
إنتحار الإمام عليّ

"علي وياك علي" هتاف تناهى الى سمع الإمام علي في السماء، ففرح به وهو يمنّي النفس بتحرر الفقراء من فقرهم وجوعهم وبؤسهم من قبل سراة شيعته وهم يحكمون في بلاد كانت فيها عاصمته. فهبط به جبريل بعد طلب منه ببغداد، وتركه فيها ليعود إليه وقت آخر. سار علي بين شوارع خربة وأزّقة يلعب فيها أطفال ذوي ثياب رثّة وآثار الجوع تظهر جلية على وجوههم. فاتكأ على جدار آيل للسقوط والدمع يبلّل لحيته وهو يجهش بالبكاء لحال الناس، فخرجت إليه عجوز لم يبقي لها الفقر والجوع الا جسد نحيل وتجاعيد تشهد بقسوة الأيام وشدّتها.

العجوز: ماذا تريد يا رجل، ولم تقف على باب دارنا؟
علي: أريد قليلا من الماء لأغسل به وجهي.
العجوز: لا ماء لدينا، فماء الإسالة غير متوفر وأنا إمرأة لا أملك المال لأشتري به ماء. وأني أراك رجل ذو هيبة والماء الذي عندي لا يليق بمقامك، فهو ماء غير صالح للإستهلاك البشري.
علي: "بحنان كبير" لا يهم أيتها المرأة، إعطيني بارك الله فيك قدح منه لإغسل به وجهي وأرحل.
العجوز: أراك غريبا وطيبا، فمن أنت؟
علي: أنا إمام الفقراء والأيتام والأرامل، أنا الإمام علي بن أبي طالب.
العجوز: وماذا تفعل هنا في مدينة الموت والجوع والميليشيات واللصوص فداك أمّي وأبي؟
علي: جئت لأرى الفرح والسعادة في حياة شيعتي وباقي أبناء العراق، الا إنني خُدعتُ بعمائم شيعتي وسراتهم على ما يبدو.
العجوز: لم يخدعوك وحدك يا أمير المؤمنين، فقد خدعونا وسرقونا وخدعوا الله قبلك وقبلنا.
علي: أين تقع المنطقة الخضراء، وهل هي بعيدة عن هنا؟

العجوز وهي تتحدث إليه، شاهدت إبنها وهو مقاتل في الميليشيات الشيعية يأتي من بعيد فقالت: إرحل بسرعة لأني أخاف عليك من غدر إبني وأصحابه، فهم قاتلوك كما قتل شيعتك قبلهم إبن أخيك مسلم بن عقيل، وهو يقف على دار عجوز مثلي بالكوفة.

تحرّك الإمام علّي مبتعدا عن دار العجوز، وحثّ خطاه بحثا عن المنطقة الخضراء ليقابل هناك معمّمي الشيعة وسراتهم من الساسة وزعماء الميليشيات، ليجلس إليهم ويسألهم عن سبب فقر الناس وجوعهم ودمار وخراب البلد. فجأة شاهد أمواج من البشر العراة الحفاة يركضون وراء سيّارة مضللة يجلس فيها معممان يضحكان وهما ينظران الى البؤساء الذين يحاصرون سيارتهم المحصّنة، وهتافات "علي وياك علي" تملأ السماء.

وقف الإمام صارخا صرخة إهتزّ لها محيط المكان، ووقف الناس ليروا صاحب تلك الصرخة فيما كانت السيارة المضللة والسيارات التي معها تبتعد بإتجاه المنطقة الخضراء. عدّل الإمام عمامته ووقف يقول: " أيها الناس أنظروا، فإن أنكرتم فأنكروا. وإن عرفتم فآزروا حقّ وباطل ، ولكل أهل". فأرتفعت أصوات تسأله من أنت أيها الإعرابي، فأجاب أنا علي بن أبي طالب، ووالله أنّ ضربة إبن ملجم على هامتي لأهون عليّ من ذلّكم وسجودكم للباطل.

أيها الناس، ها هو يحكمكم "من يعمل فيكم بأعمال كسرى وقيصر"، وهم والله من أهل "المكر والغدر"، "وأولي الجور والظلم"، "وأكلة الرشا"، وهم والله يسرقون الفقير الجائع وينهبون مال الله. ما لكم لا تكونوا من الساخطين على حالكم وواقعكم المزري، "الا تسخطون وتنقمون أن يتولّى عليكم السفهاء ... فتعمّوا بالذلّ وتقرّوا بالخسف ويكون نصيبكم الخسران"؟. أيها الناس "إنمّا يجمع الناس الرضا والسخط: فمن رضي أمرا فقد دخل فيه، ومن سخط فقد خرج منه". ما لكم لا تخرجون من العبودية وذلها وسوطها وفقرها وجبنها، نحو الحرية وعزّتها وسعادتها؟.

أيّها الناس: كذّبوا ساستكم ومن ورائهم من عمائم، هؤلاء الذين يدّعون موالاتي وهم يغتصبون أموالكم وأعراضكم، فأنا وأحكم بالعدل الإلهي "قشّرت المحتكرين من كل مال أغتصبوه، كما تقشّر عن العصا لحاها". إسألوهم من أين لكم هذا، وكيف ملكتم القصور والضياع والمعامل والمولات والحسابات المصرفية في كل بلدان العالم؟

أيها الناس: "الجوع خير من ذلّ الخضوع"، ووالله لا أراكم وأنتم الجوعى والعراة الا أذلاء خانعين، وهذه ليست من صفات شيعتنا. وأضاف الإمام وهو ينظر الى الجموع التي طأطأت رؤوسها "شر الفقر فقر النفس" ولا أراكم الا فقراء النفس، فمن يرى طفله جائع وطفل الشيخ شبعان، ويرفع صورة الشيخ على أنها تاج رأسه ليس من شيعتنا. ومن يقف أمام معمّم يجمّل له الفقر ويسكت والمعمم يعيش في غنى وترف، لحاسبه الله يوم المعاد أشد من حسابه للمعمّم الكذاب.

أيها الناس: أتركوا العصبية والقبلية والعشائرية، فوالله ما فلح قوم نادوا بها، "فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحاسن الأمور والأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والآثار المحمودة، والأخذ بالفضل والكفّ عن البغي والإنصاف للخلق وإجتناب المفاسد في الأرض".

أيها الناس: لقد قال معاوية لكوفي يوما "أبلغ عليّا أني أقابله بمائة ألف رجل ليس فيهم من يفرّق بين الناقة والجمل"، وأني وربّ العزّة، أرى أحفاد معاوية يقابلون الأحرار ويفتكون بهم وبوطنكم، كونهم يملكون الملايين ممّن لا يفرقون بين الحق والباطل، بين النزيه والمرتشي، بين القاتل والضحية. وما أن سكت الإمام علي حتى رأى الجموع من جديد تهتف "علي وياك علي"!! خلف مجموعة مسلحة يقودها رجل دين متعممّ بعمامة سوداء، يسيرون شاهرين أسلحتهم نحو الإمام علي الذي بقي وحيدا ينظر بأسى الى حال شيعته وواقعهم المزري وبؤسهم وذلهم أمام عمائم الشيطان. وقبل أن يصل الحشد اليه، سجد الإمام على سيفه ذوالفقار ... وأنتحر.


زكي رضا
الدنمارك
26/5/2019

66
وطن حر وشعب سعيد .. شعار شيوعي

شعارات الأحزاب على إختلاف آيديولوجيتها وبرامجها السياسيّة، هي في الحقيقة خارطة طريق تضعها هذه الأحزاب كهدف آني أو مرحلي أو إستراتيجي لها للوصول إليها وتحقيقها وهي تخوض غمار العمل السياسي. وعادة ما تصوغ هذه الأحزاب برامجها وترسم سياساتها من وحي شعارها،  أو قريب منه جدا إن كانت  الظروف السياسية غير مؤاتية في فترة تأريخية معينة ما كشكل من أشكال التكتيك السياسي، الا أنّ مبدأ تحقيق الشعارات التي في الحقيقة هي الهدف النهائي لأي حزب تبقى في صلب برامج وسياسات الأحزاب المختلفة.

وطن حر وشعب سعيد هو في الحقيقة شعارين،  تماهيا مع بعضهما البعض حتى أصبحا شعار واحد. هذا الشعار الذي صاغه ثاني سكرتير للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان خالد بكداش، ما لبث أن أصبح شعار الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه وليومنا هذا. وقد قدّم الحزب الشيوعي العراقي قوافل من الشهداء في سبيل تحقيق شعاره هذا، فهل هناك جهة سياسية غير الحزب الشيوعي العراقي رفعت هذا الشعار يوما ما؟ وهل هناك إمكانية لتبنيه وتحقيقه من أي حزب أو جماعة سياسية أخرى غيره؟ لقد أصبح شعار وطن حر وشعب سعيد جزء من تأريخ وتراث الشيوعيين العراقيين على الرغم من عدم تحقيقه لليوم، ولا يمكن عرضه للبيع تحت أي ظرف كان.

بلدنا وشعبنا اليوم بحاجة ماسّة لتحقيق شعار الحزب هذا، والذي لم يفقد محتواه الوطني منذ تبنيه قبل خمسة وثمانون عاما ولليوم. فظروف العراق اليوم لاتختلف من الناحية السياسية مقارنة مع وقت تبنيه، فالعراق وقتها كان تحت الهيمنة البريطانية وكأنه تحت الإحتلال بالضبط وإن نال " إستقلاله"، أما الوضع اليوم فهو أكثر سوءا من الأمس فالبلد اليوم فاقد لإستقلاله وحريته وكرامته. وإن كان محتلا من البريطانيين عند تأسيس الحزب الشيوعي، فأنه اليوم تحت إحتلال أكثر من بلد. أمّا عن سعادة شعبه، فنسب البطالة العالية وإزدياد رقعة الفقر وإنهيار التعليم وإنعدام الخدمات وإستشراء الفساد وشيوع الجريمة،  تشير وبوضوح الى شقاء الإنسان العراقي وليس سعادته.

لقد ناضل الحزب الشيوعي العراقي وهو يرفع شعاره هذا، ضد كل أشكال التمييز القومي والديني والطائفي. وهذا يعني بشكل أو بآخر أنّ القوى القوميّة والدينية والطائفية خصوصا اليوم، ليست قادرة على تبني هذا الشعار ناهيك عن العمل لتحقيقه. فالقوى الثلاث ومن خلال تجربة سنوات ما بعد الإحتلال، أثبتت من أنها في واد وشعبنا ووطننا في واد آخر. ولم يكتف الحزب الشيوعي طيلة تأريخ نضاله الشاق  بالوقوف ضد أشكال التمييز هذه، بل ناهض السياسات والممارسات والثقافة  التي ترتكز على أشكال التمييز هذه. ومناهضته لأشكال التمييز هذه هي من ساهمت بإلتفاف الجماهير حوله لتحقيق المواطنة من جهة، وتنكيل الحكومات وحتى الأحزاب والجماعات القومية والدينية والطائفية التي إقترب منها أو تحالف معها يوما،  به وبرفاقه في أكثر من مكان وأكثر من مقطع تأريخي من جهة ثانية.

القوى والجماعات الطائفية والإسلامية التي تمثل الدولة العميقة، بميليشياتها ومحاكمها الخاصّة وتمويلها المشبوه. غير مؤهلّة سياسيا وأخلاقيا لتحقيق شعار وطن حر وشعب سعيد. ومجرد التفكير بتبنيه أو إمكانية تحقيقه من قبلها هو ضرب من الخيال للحالمين به. ولو أردنا أن نحلم كما البعض في إمكانية تيار أو حزب أو جماعة ما تحقيق هذا الشعار الذي يحلم به كل عراقي، فلنقترح عليهم رفعه علنا إن كانوا قادرين أو كنّا صادقين مع أنفسنا.

يبدو إننا بحاجة أحيانا لقراءة تأريخ الأحزاب الدينية والطائفية وشعارها المقدّس ( الحاكمية لله) بتروي وهدوء. فجميع الأحزاب والجماعات والتيارات الإسلامية، لا تتنازل عن شعارها المركزي والمقدّس هذا، كونه الشعار الذي تنتهجه لبناء الدولة الإسلامية التي تعمل على تحقيقه. في خضم الصراع السياسي اليوم، ومن خلال فشل الإسلام السياسي في قيادة الدولة والمجتمع، علينا كشيوعيين وديموقراطيين ومدنيين، أن لانكون ملكيين أكثر من الملك. وإن كان الطلاق هو أبغض الحلال عند الله في الشرع الإسلامي، فأنّ طلاقنا مما تسمى بالعملية السياسية  والتي لم تضف لرصيدنا السياسي شيئا، هو أجمل حلال وأبهى حلال في شرعة شعبنا الذي يعاني من شعار الحاكمية لله والعمائم والأحزاب الطائفية تتحكم بمصيره ووطنه. هذه الأحزاب والتيارات والجماعات التي شرّعت الفساد والطائفية والمحاصصة هي التي تقود البلد نحو المجهول، ولا تبحث عن حرية الوطن ولا سعادة شعبه.

شعارالحاكمية لله وحكم الشرع الذي يرفعه الإسلاميون الطائفيون وشعار وطن حر وشعب سعيد الذي يرفعه الشيوعيين ، برزخان لا يلتقيان.


زكي رضا
الدنمارك
19/5/2019   

67
السم الزعاف بين الخميني وخامنئي

أثبتت الكثير من الأحداث في التأريخ، أنّ الحكّام الديكتاتوريين ومن أجل إستمرار سلطتهم على إستعداد للتضحية بملايين البشر وتعريض بلدانهم وبلدان أخرى للدمار والخراب. فأمثال هؤلاء الحكّام لا يعملون على إنهاء ما تواجه بلدانهم وشعوبهم من أحداث مدمرّة حينما يكون هناك وقت كاف لتقليل الخسائر الى أقل الحدود الممكنة، بل تراهم يستمرون بنرجسيتهم العالية الى خوض الحدث أو المعركة كي تستمر لفترة طويلة، ليعودوا بعدها ويوافقوا على حلول كانت قد طرحت عليهم في وقت مبكر. ليكونوا بالنهاية سببا في مقتل الكثير من أبناء شعبهم وغيره من الشعوب، علاوة على الدمار الذي يطال بلدانهم وغيرها نتيجة تعنتهم ونرجسيتهم هذه. ولو أخذنا وقائع الحرب العراقية الإيرانية، أو ما تعرف بحرب الخليج الأولى فأننا سنجد من خلال الخميني مثالا واضحا للحاكم الدكتاتوري الذي رفض كل الحلول والإقتراحات لأنهاء الحرب بين بلده والعراق. تلك الحرب التي بدأها الطاغية صدام حسين، وكان آية الله الخميني سببا في إستمرارها لثمان سنوات بعد رفضه كل الوساطات الدولية والإسلامية والعربية، أو تلك التي قامت بها منظمة عدم الإنحياز. فالخميني الرافض لكل تلك الوساطات ومنها قرار مجلس الأمن المرقم 514 والصادر في 12 تموز / يوليو 1982   والذي صدر بعد تحرير أيران لأراضيها، عاد وقبل ومعه النظام البعثي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم  598 والصادر في العشرين من شهر تموز / يوليو 1987، لكن بعد عام من إصداره بالضبط أي في العشرين من شهر تموز/ يوليو 1988 ، عاد ليقول وهو يعطي موافقته على القرار الأممي: " من باز مى‏گویم که قبول این مسئله براى من از زهر کشنده‏تر است" أي " أنا أقول مرة أخرى أنّ قبول القرار بالنسبة لي هو أكثر قتلا من تجرع السم".

لو عدنا اليوم الى تلك الأيام لوجدنا وبلا أدنى شك، من أنّ تجرعه السم في العام 1982  كان أفضل للشعبين الإيراني والعراقي وبقية شعوب المنطقة. فالدمار الذي لحق بالبلدين خلال فترة السنوات الست التي تلت ذلك القرار كان كبيرا جدا، والضحايا الذين سقطوا في تلك الحرب المجنونة زادت كثيرا. كما وأنّ إستمرارها ساهم في أن تلد حرب أخرى وهي إحتلال الكويت من قبل النظام البعثي وحرب تحريرها، والتي كانت السبب الرئيسي في التواجد الدائم للولايات المتحدة في المنطقة من خلال قواعدها في البلدان الخليجية، وتأثير هذا التواجد على الأمن والسلام العالميين، كونها تستطيع التحكم والتأثير على ثلث صادرات النفط بالعالم.

اليوم وطبول الحرب تقرع من جديد والمنطقة تمر بظروف تشبه الى حد بعيد تلك التي سبقت حرب تحرير الكويت والتي أعادت بلدنا الى ما قبل عصر الثورة الصناعية، وبدلا من أن يركن القادة الإيرانيون لصوت العقل في حل خلافاتهم مع محيطهم الإقليمي من خلال عدم التدخل بشؤون بلدان المنطقة الداخلية، ومع المجتمع الدولي من خلال إستمرار إلتزامهم بالإتفاقيات المبرمة، والإبتعاد عن إطلاق التصريحات المتشنجة من أجل سحب البساط من أمام الولايات المتحدة وغطرستها، نرى ولي الفقيه يعتبر مجرّد فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة بـ " سم قاتل". وهنا تحديدا تكمن دكتاتورية ولي الفقيه هذا، وإستعداده للمغامرة بإيران وشعبها وأمن المنطقة وسلمها من أجل أحلامه ونظامه المريضة في تصدير الثورة الإسلامية ، على الرغم من الفشل الذريع للمفاهيم الإسلامية التي جاءت بها الثورة في بناء مجتمعات متماسكة ومنسجمة في البلدان التي جعلت من إيران قدوة لها كما العراق.

 أنّ البطالة والتضخم والغلاء وإنهيار العملة وعدم توفر الكثير من الحاجات التي يحتاجها الناس، ستؤثر حتما ومن خلال إستمرار الحصار على مزاجهم، وتضعف الجبهة الداخلية في إيران لتتحرك الجماهير مطالبة بإيجاد حلول لمشاكلها التي تتفاقم يوم بعد يوم، والتي سيواجهها النظام هناك بالبطش الشديد. لذا ومن أجل مصلحة الشعوب الإيرانية التواقّة للعيش بحرية وكرامة، فعلى ولي الفقيه أن يتجرع السم اليوم قبل الغد، ويجلس ونظامه الى طاولة المفاوضات بدعم من الدول التي وقعت الإتفاق النووي معه والتي تقف لليوم معه رافضة ما أقدمت عليه الولايات المتحدة من خلال إنسحابها الأحادي الجانب من الإتفاق النووي،  طالما كفّت إيران عن تهديداتها بنقض بعض بنود الإتفاق وتحديد سقوف زمنية لذلك. الحرب ليست نزهة والمنتصر الوحيد فيها هو الموت والدمار، فليعمل ولي الفقيه، على إبعاد شبح الموت والدمار عن الشعوب الإيرانية المسالمة ومعها كل شعوب المنطقة التي سيطالها وبلدانها الدمار ومنه على وجه الخصوص بلدنا العراق، الذي سيقاتل بالنيابة عنها كون الميليشيات الشيعية وهي تتوعد أمريكا في دفاعها عن نظام ولي الفقيه ليست سوى بندقية على كتف الحرس الثوري. لتكف الولايات المتحدة الأمريكية عن غطرستها وعربدتها وتهديدها للشعوب بالحصار والحرب، ولتعي دول المنطقة أنّ حل خلافاتها بعيدا عن النظرة الأمريكية ومفهومها عن السلام هو الحل الوحيد للعيش بعيدا عن حالة اللاحرب واللاسلم التي نعيشها اليوم وتأثيراتها العميقة. أنّ حل الخلافات بين دول المنطقة من خلال الإحترام المتبادل وتبني نهج عدم التدخل في شؤون بعضها البعض الداخلية كفيل ليس بإبعاد شبح الحرب فقط، بل في بناء مستقبل أفضل لشعوبهم من خلال الحد من سباق التسلح، والألتفات الى تعزيز إقتصاديات بلدانهم وتطويرها بما يخدم الأجيال القادمة.

السيد الخامنئي تجرع السم اليوم قبل الغد وأنقذ الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة من تجرّعه، لأنّه لن يجلب لها سوى الموت والدمار.
 
زكي رضا
الدنمارك
15/5/2019

     







68
هيفاء الأمين وبارومتر التخلف بالعراق

حينما سأل أحد الأساتذة في جامعة كوبنهاغن الطالب (نيلس بور) الذي نال جائزة نوبل في الفيزياء لاحقا، عن كيفية تحديد إرتفاع ناطحة سحاب بإستخدام البارومتر، والذي كانت إجابته الصحيحة تتمثل "بقياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب". تفاجأ بـ(بور) وهو يجيب على سؤاله قائلا "أربط البارومتر بحبل طويل وأدلي الخيط من أعلى ناطحة السحاب حتى يمس البارومتر الأرض . ثم أقيس طول الخيط"، وكان هذا الجواب كافيا لإعتبار الطالب راسبا. وحينما تظلم (بور) من نتيجة الإمتحان، أعادت لجنة التظلم إمتحانه من جديد كون إجابته صحيحة الا أنها تدل على عدم معرفته بالفيزياء. حينها أجاب (بور)، من الممكن حساب طول ناطحة السحاب من خلال قانون الجاذبية الأرضية، أو قانون التناسب بين الطولين، أو تعقيد الأمور في أن نحسب إرتفاع الناطحة من خلال "قياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب بواسطة البارومتر". أمّا إذا أردنا حلا سريعا يريح عقولنا فعلينا إهداء البارومتر لحارس البناية وسؤاله عن إرتفاعها.

لقد قامت الدنيا ولم تقعد خلال اليومين الماضيين، حول حديث النائب (هيفاء الأمين) في لبنان  والتي قالت فيه:  "في العراق هناك بعض العادات والتقاليد والموروث القديم والمتخلف، الذي يحتاج الى وقت أكبر لعلاج الكثير من هذه المشكلات"، وتابعت تقول: "أنا من الجنوب.. والجنوب أكثر تخلفا كمنطقة قياسا ببغداد وكوردستان التي تجاوزت الكثير من المشاكل مثل التعليم وحقوق المرأة وغيرها". وكالعادة وكون هيفاء الأمين شيوعية، تقدم فرسان الثامن من شباط بقيادة البعثي حسن العلوي شاهرا سيف البعث ومن وراءه البعثيين والإسلاميين والمتياسرين الموتورين، متباكين على تأريخ العراق وتراثه، وكأنّ الأمين هي من هدّمت قبر علي الوردي وليس المتخلف جلال الدين الصغير، وهي من أسقطت الجنسية العراقية عن الجواهري وليس المجرم صدام حسين، أو هي من جعلت من تمثال الرصافي مكبّ نفايات، أو هي من تعادي الثقافة بحقولها المختلفة  وتحرّم الفنون بإعتبارها كفر وليس الإسلاميين. وفي محاولة بائسة من هذا القزم البعثي متملقا القيادات الدينية المتخلفة بالبلاد ليغمز من قناة السفور قال "نعم نحن متخلفون بلبس المايوهات، ولبس البكيني والتعرّي"، وكأن رفيقاته ولن نشير الى غيرهنّ كنّ يسبحن محجّبات وبملابس شرعية ، في مسابح المقبورين صدام وعدي وقصي الخاصّة جدا!

هل شعبنا وبلدنا متحضرين أم متخلفين؟ دعونا نعود أولا للغة لنعرف الفرق بين الإثنين، فالتحضر إسم وقد جاء في معجم المعاني الجامع من أنّه "اتِّجاه اجتماعيّ من خلاله يقتبس الناسُ أسلوبَ الحياة الذي يتبعه سكانُ المدن والحضر من حيث النمط الثقافيّ للحياة وكذلك تحويل المناطق الريفيّة إلى مناطق تتبع سلوكَ الحياة الحضريّة ونمطها"، أمّا التخلّف فهو فعل، وقد جاء في نفس المعجم "تخلَّف الشَّعْبُ : تأخّر ، تجاوزته الأمم في مضمار الحضارة". قبل أن نعود الى تجربة البارومتر، علينا أن نسأل العلوي ومن هم خلفه من شذّاذ الآفاق، ما هو شكل النمط الثقافي للحياة بالعراق، وهل هناك حياة حضرية وترييف المدن ومنها العاصمة بغداد يجري على قدم وساق؟ وهل هناك مكان لنا في مضمار الأمم المتحضرة والأميّة والفقر والجوع والفساد والتخلّف تضرب بأطنابها في مجتمعنا، ناهيكم عن الصناعة والزراعة وبؤسهما!؟

لا أعتقد إننا بحاجة الى نظريات علمية وفلسفية، ولا إلى مراجعات تأريخية، ولا الى إعادة شحن ذاكرتنا بمجدنا التليد، ولا كذبنا على أنفسنا من إننا أصحاب وعي، ولا حتّى أصحاب أخلاق بعد إنهارت بفعل رفاق حسن العلوي من خلال حروبهم الكارثية وما نتج عنها من حصار، والتي يستكملها اليوم أصحابه الجدد من المعممّين بهمم عالية وهم يعيثون بالعقل والأخلاق والبلد فسادا. بل نحن بحاجة الى بارومتر لقياس التخلف من خلال واقعنا المعاش، على أن نستخدمه بأسهل الطرق الممكنة أي المحاججة، لنريح عقولنا من أن تتيه بين أناشيد المجد الذي أفل، أو بين الحلال والحرام والمقدّس واللامقدّس الذي يجيد المعمّمون اللعب بهما لسرقة وعي الناس وجيوبهم.

كيف لا نكون متخلفين، ونحن نجعل من عمود كهرباء مزارا نحجّ إليه ، كيف لا نكون متخلفين ونحن نحجّ الى جرّار زراعي، ونقدّم له النذور؟ أين هو التحضّر ومعمم يبصق في وجوهنا ليبعد عنّا الأمراض؟ أين هو التحضر ونفس المعمم يمنحنا "جكليتة" وليقسم برأس الإمام الحسين من أنها تشفي عشيرة كاملة ويصدقه "المتحضرون" لكنه يذهب ليعالج نفسه من الأمراض التي تصيبه الى دول الجوار تاركا "جكليتته" لأصحاب الحضارة!! هل قتال بالأسلحة الثقيلة بين عشيرتين جنوب العراق من أجل بقرة فيه سمة من سمات التحضر؟ هل سطوة العشائر وعاداتها السيئة بخصوص المرأة تحديدا، دون الخوض في كامل الموروث العشائري المتخلّف فيه شيء من التحضّر ليتباكى فارس شباط ورهطه عليها.

كيف لا نكون متخلفين وبلدنا خارج تصنيف جودة التعليم العالمي على المستويين الجامعي والإبتدائي الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس؟ كيف لا نكون متخلفين وهناك أجيال من الطلبة تسرّبت من المدارس بسبب الفقر؟ كيف لا نكون متخلفين ووعينا المصادر يدفعنا كي نرضخ للذل ولا نثور على واقع مزري نعيشه؟ كيف وعينا لا يُهزم كما يقول الحرس القومي حسن العلوي، ونحن مهزومون من دواخلنا فنقبّل إطار سيّارة معمّم أو مداسه للتبرك؟ عن أي وعي يتحدثون ونحن واطفالنا نعيش الموت بكل تفاصيله يوميا ولا نثور، أو ليس الوعي هو من يصنع الثورة!؟

صدقت هيفاء، فنحن شعب متخلّف وبلد متخلّف، يقودنا لصوص وقتلة وفاسدون. يقودنا معمّمون يصادرون وعينا في كل لحظة ونحن راضخون، أوليس رضوخنا للظلم والإضطهاد تخلّفا؟ أوليس سكوتنا عن تعاطي بناتنا وأبنائنا  المخدّرات في مدارسهم، كونها مباركة لأنها تأتي من إيران الإسلامية تخلفا وجريمة؟ عندما نسكت عن الفقر لأنّ هناك معمم يقول أنّ الفقر ليس بذات أهمية ونحن نكبّر بعدها ونصلّ على محمد وآله، فإننا لسنا متخلفين فقط بل مجرمين بحق وطننا وأنفسنا وأجيالنا القادمة.

من عليه الإعتذار لأهلنا في الجنوب والوطن المتخلف صناعيا وزراعيا وثقافيا وتعلميا ورياضيا وصحيا ووو... هل هي هيفاء الأمين، التي يريد حتى بعض المتياسرين الموتورين ناهيك عن البعثيين والإسلاميين الرقص على جثتها،  أم السلطة التي جعلت من الوطن مقابر وخرائب ومكب نفايات ومسرحا لحروب طائفية وخزائن يمتلكون مفاتيحها فينهبونها يوميا؟ من عليه الإعتذار وأطفالنا وهم يفترشون الشوارع والأرصفة دون تعليم ليكونوا مشروع تخلف كبير مستقبلا، هل هي هيفاء الأمين التي أشارت إليه أم السلطة التي لا تعالج هذه المشكلة؟  ساحات التحرير في عموم الوطن هي الوجه الناصع لتخلفنا جميعا، فتظاهر العشرات فقط من أجل مصالح الملايين وسكوت هذه الملايين وصمتهم، تعني إننا متخلفون ولو تعلقنا بأستار الكعبة. لكنّ هيفاء شيوعية، وهذا ما جعلها ويجعلها في مرمى سهام البعثيين والإسلاميين والمتياسرين والموتورين، ومهاجمتها هو بالحقيقة هجوم على الحزب الشيوعي العراقي، وليس على شخصها بذاته.

هيفاء الأمين إستخدمت بارومتر قياس الفساد بأسهل طريقة ممكنة، وليست مشكلتها كون نتائج القياس كانت ضد مشاعر الأعمى الذي لا يرى التخلف، ولا من به صمم من الذي لا يريد أن يستمع الى حديثها بأن يكون محايدا ومنصفا. العالم بأكمله ومنه نحن أنفسنا نعرف من إننا وبمقارنة ما دخل ويدخل خزينة بلدنا من أموال وعدم إستغلالها في بناء الدولة والمجتمع، إننا من أكثر شعوب الأرض تخلفا. 

عذرا لقد إنفجر البارومتر بعد تعرضه لضغط بعثي إسلامي متياسر موتور عال جدا، لأن عدّاده وصل الى نقطة الكرامة التي نفتقدها جميعا ونحن نفلسف معنى التخلّف، متخيلين من خلال نفوسنا المريضة والذليلة من أنّنا شعب وبلد متطوران ومتقدمان.. أوليس في الناصرية مطار فضائي!!؟؟

https://www.youtube.com/watch?v=uBKODCF_xO4

رابط حديث النائب هيفاء الأمين في الندوة التي عقدت بلبنان.

زكي رضا
الدنمارك
4/5/2019



 



69
الخارجيّة العراقية تكيل بمكيالين

لم يفوت قادة الأحزاب الإسلامية الشيعية وزعماء ميليشياتها يوما، إعلان ولائهم لإيران ووليّ فقيها. سواء كانوا في المعارضة وهم يقاتلون تحت إمرة الحرس الثوري الإيراني " الباسداران"، أو وهم على رأس السلطة بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد. ولم يمرّ في تأريخ العراق حركة سياسية فضّلت مصالح دولة جارة كإيران أو غيرها، على مصالح "وطنها وشعبها" كما فعلت وتفعل الأحزاب الشيعية الحاكمة وميليشياتها. فالدولة العراقية التي يقودها الإسلاميون، فعلت وتفعل المستحيل من أجل إبقاء " بلدهم" تحت الوصاية الإيرانية. فإيران هي من تتحكم بالشأن السياسي للبلاد، وهي من تعيّن رئيس الوزراء الذي لا يمكن تسنمه منصبه، دون موافقة السلطات الإيرانية بشخص ولي فقيهها علي خامنئي. وإيران هي من تدرب الميليشيات الشيعية وتسلحها لترهب به الشارع السياسي العراقي أولا، ولتخوض هذه الميليشيات حروبا بالوكالة نيابة عنها معرّضة أمن وطننا وشعبنا للخطر، من خلال خوض المعارك المحتملة مستقبلا على أراضينا وبين مدننا وقرانا.

ثلاث تصريحات أطلقت قبل أيام على خلفية الصراع الإيراني الأمريكي، من خلال  السفارة الأمريكية والوصايا العشر للسيد مقتدى الصدر وتصريح وزارة الخارجية العراقية. والتي تشير وبوضوح الى أنّ الحكومة العراقية وعن طريق وزارة خارجيتها، تكيل تدخلات دول الجوار والجوار الإقليمي بالشأن العراقي بمكيالين. ولكي تكتمل الصورة الحقيقية لبؤس الدولة العراقية، نرى هناك تصريحات لكتلة الفتح وعمادها ميليشيا بدر، أخذت دور الدولة في تعاملها مع شأن سياسي هو من من صميم عمل الدولة.

منذ إعلان الولايات المتحدة إنسحابها من الإتفاق النووي مع إيران من جانب واحد، والحكومة الأمريكية تضغط على النظام الإيراني من خلال خنقه إقتصاديا. فبعد التأثير الكبير للحصار الأمريكي ومنع تصدير النفط الا لثمان دول ولأشهر عدّة والتي أضعفت الجبهة الداخلية الإيرانية من خلال زيادة نسبة التضخم وإنهيار العملة الإيرانية ( التومان) وإزدياد نسب البطالة، لتزيد من تذمّر الجماهير لسلطة ولي الفقيه، قررت الولايات المتحدة زيادة الضغط على السلطة الإيرانية من خلال تصفير صادراتها النفطية، عن طريق إلغاء فترة سماح إستيراد البلدان الثمانية للنفط الإيراني إبتداءا من الأول من آيار/ مايو. ما يعني حرمان الخزينة الإيرانية من عشرات المليارات من الدولارات، ما يؤثر على حياة الناس في إيران من جهة، وعلى حلفاء إيران كحزب الله اللبناني وغيره من المنظمات الإسلامية التي تُموّل إيرانيا من جهة أخرى، من خلال عدم إنتظام وصول المساعدات المالية لهم كما السابق. وقد إزدادت خلال الفترة الأخيرة التصريحات والتصريحات المضادة بين إيران وأمريكا على خلفية هذا الصراع، الذي إزداد حدّة بعد تصنيف الحرس الثوري " الباسداران" منظمة إرهابية.

بعد إعلان السفارة الأمريكية في منشور لها إن "الفساد يستشري في جميع مفاصل النظام الإيراني، بدءًا من القمة" وأن "ممتلكات مرشد النظام علي خامنئي وحده تقدر بـ 200 مليار دولار، بينما يرزح كثير من أبناء الشعب تحت وطأة الفقر بسبب الوضع الاقتصادي المزري الذي وصلت إليه إيران، بعد أربعين عامًا من حكم الملالي". سارعت كتلة الفتح الى إصدار بيان ولاء لولي الفقيه في إيران من خلال بيان جاء فيه " أن ما صدر من تجاوز كبير على أحد المرجعيات الدينية المحترمة لدى أبناء الشعب العراقي من خلال الموقع الرسمي لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية، هو تجاوز سافر وتعد غير مقبول". إننا هنا لسنا بصدد أحقيّة أمريكا أو إيران في صراعهما، لكننا نتساءل عن مصلحة وطننا وشعبنا وزجهما في مثل هذا الصراع من خلال التهديد والوعيد الذي جاء به البيان الذي أضاف أن " "الشعب العراقي يحتفظ بالرد وفق الأطر القانونية من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية والفعاليات الشعبية على هذا الإساءة البالغة"، وهل شعبنا يمتلك الإرادة السياسية ليحتفظ بالرد؟ وألم يكن من الأفضل القول أنّ الميليشيات المسلحة تحتفظ بالردّ، وهو ما أكّده الصدر في وصيته الخامسة وهو يقول " وإلا ستكون السفارة أي الأمريكية في مرمى المقاومين مرة أخرى؟  وهل من المنطق بشيء تعريض  أمن وطننا وشعبنا لأخطار جديدة من أجل إستمرار نظام آيات الله في إيران؟

وزارة الخارجية وعلى خلفية تصريحات السفارة الأمريكية، ردّت هي الأخرى على بيان السفارة الأمريكية مؤكّدة أنّ " إنَّ قيام بعثة دبلوماسيَّة عاملة في العراق بنشر منشورات تستهدف إحدى دول جوار العراق، ورُمُوزها الدينيَّة، أو السياسيَّة يتعارض مع مبادئ الدستور العراقيِّ، والسياسة الخارجيَّة العراقيَّة، ولاسيَّما مبادئ حُسن الجوار، وسياسة النأي عن المحاور في العلاقات الخارجيَّة، وعدم التدخُّل في الشُؤُون الداخليَّة لجميع البلدان". ولهذه اللحظة يُعتبر بيان وزارة الخارجية العرقية بيانا موزونا، كونه ينأى بالبلد عن الصراع بين الطرفين. لكننا نقف متعجبين من سكوت الوزارة ومعها الحكومة العراقية من الوصايا الأخيرة للسيد الصدر وهو يطالب في وصيته السادسة بـ "  إيقاف الحرب في اليمن والبحرين وسوريا فورا وتنحي حكامها فورا والعمل على تدخل الأمم المتحدة في إستبباب الأمن فيها والتحضير لإنتخابات نزيهة  بعيدة عن تدخلات الدول أجمع وحمايتها من الإرهاب الداعشي وغيره". هل وصية الصدر هذه تعتبر تدخلا في شؤون الدول الأخرى أم لاّ؟ وإن كانت تدخلا وهي فعلا كذلك، فلم لا تدين وزارة الخارجة أو الحكومة العراقية تصريحاته هذه، ولم الكيل بمكيالين في تصريحات لا تخدم وطننا ولا شعبنا؟

ختاما أتمنى من السيد الصدر أن  يضيف وصيته الحادية عشر ويطالب فيها ، بتنحي حكام العراق فورا، والعمل على تدخل الأمم المتحدة في إستتباب الأمن ببلدنا، والتحضير لإنتخابات نزيهة بعيدة عن تدخلات الدول أجمع، وحمايتنا من إرهاب الدواعش والميليشيات المنفلتة. السيد الصدر نحن أحوج الى مطالبك هذه من غيرنا، فأعلن عنها وتبنّاها لتدخل التأريخ من أوسع أبوابه. 

لا تنظر الى من قال وأنظر إلى ما قال ( الإمام علي ).

زكي رضا
الدنمارك
30/4/2019


 







70
9 نيسان إنهيار بلد وإذلال شعب

 الإحتلال الأمريكي لبلدنا في التاسع من نيسان 2003 ،  لم يكن إحتلالا كما أي إحتلال آخر لأي بلد بالعالم. ولم تكن أهدافه ومن خلال التجربة الحيّة وليومنا هذا، إنقاذ بلدنا من أحد  أشرس الأنظمة القمعية التي عرفته بلادنا والمنطقة منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية ولليوم، مثلما روّجت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الأحزاب العراقية التي لم ترى طريقة لتغيير النظام البعثي الا من خلال آلة الدمار الأمريكية. ففاتورة هذا الإحتلال تجاوزت كل السقوف الممكنة، من تلك التي دفعها شعب بالعالم ثمنا له.

إحتلال العراق وإن تمّ في التاسع من نيسان 2003 ، الا أن التمهيد له يعود للحظة التي إرتكب فيها النظام البعثي أحد أكبر حماقاته، وهو إحتلال الكويت. هذا الإحتلال وقبله مغامرة نظام البعث في حربه ضد إيران، فتحت الأبواب مشرعة للتدخل الأمريكي في المنطقة، خصوصا وأنّ الإتحاد السوفيتي كان قد أصبح شيء من الماضي. ففي أثناء مفاوضات العراق والولايات المتحدة قبل إندلاع الحرب، حذّر الأمريكيون نظرائهم العراقيين، أنّ في حالة عدم إنسحاب العراق من الكويت، فأنّهم " الأمريكان" سيجعلون العراق يعود الى عصر ما قبل الثورة الصناعية. وقد نفّذوا من خلال أقسى هجوم جوي وصاروخي بعد الحرب الحرب العالمية الثانية، تهديدهم بحذافيره. لتبدأ بعد إنتهاء تلك الحرب وإستسلام النظام البعثي وتوقيعه على صك الذلّ في خيمة صفوان، حصار إقتصادي أثبتت السنوات التي تلته ولليوم، من أنّه أشّد تدميرا من آثار الحرب نفسها.

بلد مثل العراق يمتلك ثروات نفطية هائلة وعقول وأيدي عاملة وقتها، كان من الممكن أن يعيد عجلة الحياة لإقتصاده ويعيد بناء ما دمّرته الحروب في فترة زمنية معقولة من خلال أمرين، أحدهما أثبت التأريخ عدم صحّته. فالأمر ألأول كان إلتزام النظام البعثي وقتها بالقرارات " الأممية"، وتنفيذه لقرارات مجلس الأمن الدولي بتخلّصه من أسلحة "الدمار الشامل"، والتي كان النظام يلاعب المجتمع الدولي بها كورقة ضغط على الرغم من عدم إمتلاكه لها، عدا بعض الأسلحة الكيمياوية والتي كان يستطيع التخلص منها، لولا غباءه ومغامراته التي كانت سببا رئيسيا في دمار بلدنا. أمّا الأمر الثاني فكان نجاح الإنتفاضة الآذاريّة بالقضاء على النظام البعثي، وقيام نظام سياسي جديد على أنقاضه، تكون أولى مهامّه هو بناء علاقات سياسية متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي. ليتفرغ بعدها الى بناء جديد لمؤسسات الدولة، وبناء جسور الثقة بين مكونات شعبنا خصوصا وأنّ المناطق السنّية لم تشترك بالإنتفاضة وقتها،  وإعادة بناء البلد بشكل تدريجي مستفيدا من عائدات النفط. والأمر هذا "الثاني" أثبتت سنوات ما بعد الإحتلال عدم صحّته.

فالأحزاب السياسية التي قادت الإنتفاضة التي بدأت عفويّة أوّل الأمر، والتي وصلت الى السلطة على متن قطار أمريكي بعد الإحتلال الأمريكي في نيسان 2003، أثبتت من خلال فسادها وسرقاتها للمال العام، من أنها لم تكن ستنجح في بناء ما دمرته الحرب وقتها. فالسلطة التي لا تستطيع إعادة ما دمرته الحرب وميزانية البلد تصل الى 140 مليار دولار بعد أن تجاوز سعر برميل النفط الواحد حاجز المئة وأربعين دولارا، لا تستطيع مطلقا إعادة بناء البلد وأسعار النفط وقتها لم تكن تتجاوز العشرين دولار للبرميل الواحد.

إنّ المشكلة الكبيرة التي تواجه بلدنا اليوم لا تكمن في إعادة إعماره، والذي تستطيع أية حكومة وطنية بحق إعادة بناءه بخطط طويلة الأمد، عن طريق نهج سياسة إقتصادية جديدة تعتمد على تنويع الإقتصاد من خلال خلق قطاعات جديدة وعدم الإعتماد على الريع النفطي فقط كما اليوم. لكن المشكلة الأكبر هي إنهيار الإنسان العراقي، من خلال إنهيار القيم المجتمعية، وإنهيار التعليم الذي جعل مستوى الجهل والتخلف أن يصل الى مستويات باتت تهدد حاضر ومستقبل البلد.

لقد تعرضّ شعبنا خلال العقود الأربعة الأخيرة، من خلال حروب الطاغية والحملة الإيمانيّة والحصار الإقتصادي، وفساد حكومات ما بعد الإحتلال، وتدخل رجال الدين في شؤون الدولة وتأثيرهم على عوام الناس نتيجة الإصطفافات الطائفية والأمية والجهل والتخلف. الى عملية إذلال وتغييب وتخدير، لم يتعرض لها الا القليل من الشعوب على مرّ التأريخ.

قد يحتفل البعض بذكرى إحتلال بلدنا في التاسع من نيسان على أنّه اليوم الذي تحرر فيه من نير البعث، لكن الحقيقة اليوم ونحن نرى إستمرار الخراب والدمار، وإنهيار ما تبقى من أخلاق وقيم، وفشل النظام الجديد في بناء ما ورثّه البعث من خراب، هي إستعبادنا من قبل الأحزاب الإسلامية وهي تعلق نير ديني "مقدّس" على رقابنا. لو كنّا جريئين في مقارنتنا بين  العهدين البعثي والمحاصصاتي اليوم، فأننا نستطيع القول وبكل أريحية " ما أض.... من سعود الا مبارك".

زكي رضا
الدنمارك
8/4/2019
   










71
السيد السيستاني .. هل يشاركني وكلائكم فقري؟


"لو كان الفقر رجلا لقتلته"، جملة تنسب للإمام عليّ بن أبي طالب، الإمام الأوّل عند الشيعة وزوج أكثر النساء قدسية عندهم ووالد سبطيّ النبي محمّد، فهل قالها الإمام عليّ كجملة عابرة، أم قالها لتكون ركنا من أركان بناء المجتمع؟ من خلال مراجعتنا للتراث الشيعي، فإنّ ما ينقل عن عليّ وبقية أئمة الشيعة، والنبيّ محمّد لحدود معينة  يدخل في باب القدسيّة، أي هو دون كلام الخالق وفوق كلام البشر، وعليه فأنّ المقولة أعلاه أو الحكمة وفق الأدب الشيعي تدخل في باب المقدّس. فعليّ هنا يتناول الفقر من باب الذمّ ويتّخذ إزاءه موقفا قويّا، إذ نراه يستخدم كلمة القتل على بشاعته في وصفه له. وإستنادا الى ما جاء في بعض تفاسير نهج البلاغة بخصوص مقولة عليّ هذه، فأنّ الإنسان الفقير لا يستطيع لفقره من إتّقان حركته الدنيوية، وبالتالي لا يكون له مستقبل آخروي مشرق.

 

لا يكتفي الإمام عليّ بهذا الوصف وهو يحارب الفقر، فنراه يقول (الفقر يُخْرِسْ الفَطِنً عن حُجَّته). أي أنّ الفقير لا يؤخذ بكلامه، ولا وجاهة له. كما يعتبر الفقر بنظر الإمام عليّ منقصة للدين، لذا نراه يخاطب إبنه محمّد بن الحنفيّة قائلا (يا بُنَيَّ، إنّي أخافُ علَيكَ الفَقرَ، فَاستَعِذْ بِاللّه‏ِ مِنهُ ؛ فإنَّ الفَقرَ مَنقَصَةٌ للدِّينِ، مَدهَشَةٌ للعَقلِ، داعيَةٌ لِلمَقتِ). لأن الفقر وفق المفهوم الديني إن تجاوزنا المفاهيم غير الدينية في وصفه، وليس غيره هو من يدفع الإنسان للمعاصي، وهنا نتحدث عن قاعدة وليس حالة. فالفقر يؤدي الى إنحطاط الإنسان وشقاءه وذلّه، لذا نرى عليّا يقول (ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر). ولو كان الفقر وعدم إمتلاك المال في الدنيا أمر حسن، ما يجعلنا أن لا نهتم له إن وقع،  فَلِمَ قال الله في كتابه (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)!!؟؟ لذا وليكون العبد قادرا على تقوى الله والإبتعاد عن المعصيّة قدر الإمكان، فأنّ الغنى سيساعده في أن يكون  تقيا ورعا وقريب من الله وهنا فنحن نتحدث عن قاعدة وليس حالة من جديد، وهذا ما يؤكده حديث النبي محمّد وهو يقول (نعم العون على تقوى الله الغنى).

 

الفقر، ظاهرة خطرة على المجتمعات، فهو يوفّر البيئة المناسبة للكثير من الإنحرافات السلوكيّة. فالفقر والمداخيل الشحيحة مثلا تساعد على إستشراء الفساد وتدفع العاملين الى تلقي الرشاوى، والفقر هو من العوامل الرئيسية في إنتشار السرقة وظاهرة البغاء، كما وأنّه عامل حاسم في إنتشار الجهل والتخلف والأميّة والأمراض. وعليه فأنّ الفقر كآفة، يهدد النسيج الإجتماعي للشعوب في مختلف البلدان ومنها بلدنا، ما يدعو الدولة لوضع الإمكانيات المتاحة والخطط العلمية لمكافحته، خصوصا وأنّ لبلدنا ثروات هائلة لم تستغل الّا لمصالح الساسة والأحزاب ورجال الدين.  كما وعلى المرجعية الدينية وهي تتدخل في كل شاردة وواردة من أمور الحكم والمجتمع، أن تثقّف الناس ليس على مخاطره فقط، بل والثورة ضده إن كانت حريصة فعلا على مصالح شعبنا . والفقر وفقا لتعريفات الأمم المتحدة على سبيل المثال هو أكثر " من مجرد الافتقار إلى الدخل أو الموارد أو ضمان مصدر رزق مستدام، حيث إن مظاهره تشمل الجوع وسوء التغذية وانحسار إمكانية الحصول على التعليم والخدمات الأساسية، إضافة الى التمييز الاجتماعي والاستبعاد من المجتمع وانعدام فرص المشاركة في اتخاذ القرارات" وهذا الوصف ينطبق على بلدنا وشعبنا بشكل كبير.

 

ممثّل السيد السيستاني في خطبة الجمعة (22/3/2019) ، قال في خطبته (الناس فقراء في الدنيا لا يهمّ لكن عندما يكون الإنسان فقيراً في الآخرة هذه الخسارة التي ليست بعدها خسارة)!!. أهكذا أيها السيد السيستاني تروى الإبل والنبي محمّد يقول (الفَقرُ سَوادُ الوَجهِ في الدّارَينِ)!!؟؟  أوليس الكفر صنو للفقر لذا يذمّه بعض من أئمة آل البيت قائلين (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)؟  وهل إستمرار الأحزاب الدينيّة بالسلطة وهي تنهب المال العام، وتُفْقِرْ أبناء شعبنا وتذلّهم، يعطي وكيلكم المبرر الكافي لتشاركوهم نهبهم وسرقاتهم، بتشجيع الفقر والرضى به طمعا بالآخرة؟ ولماذا تتمتعون كرجال دين وساسة إسلاميين بمفاتن الدنيا وتستكثروها علينا نحن الفقراء. أنظر الى وجه وكليكم وهو يؤمّ المصلّين، وقارنوه بوجوه أطفالنا أشباه العراة وهم يسبحون في بحار القمامة ليقيموا وأدهم.

 

هل يبات وكيلكم أيها السيد السيستاني ومعه كل رجال الدين والساسة الإسلاميين في عراقنا المبتلى ليلة  دون عشاء، كما مئات الآلاف من أطفالنا؟ هل حُرِم أحد أولادهم من المدرسة لأن والديه فقراء ولا يملكون مصاريف تعليمه؟ هل مات أحد أولادهم لأنّ والديه لا يمتلكون مصاريف علاجه في مستشفى الكفيل!!؟؟ هل يبيع أطفالهم كما أطفالنا بضاعة رخيصة في تقاطعات المرور ليتعرضوا الى كل أشكال التحرش؟ هل يعيش رجل دين واحد ومنهم وكيلكم في كربلاء في بيت من صفيح ؟ هل باع رجل دين كليته ليدفع غائلة الجوع عن عياله؟  السيّد السيستاني أنت تمجّد الفقر في خطبتكم "خطبة المرجعيّة" التي تلاها وكيلكم، فهل تشاركني وبقيّة العمائم فقري وجوعي وتشّردي، هل تشاركوني ذنوبي وآثامي وأنا أسرق وأرتشي وأمارس شتّى أشكال الرذيلة كي أوفّر لقمة خبز لعيالي الجياع ذوي الأسمال البالية في بلد النفط والغاز؟ هل تقفون معي لأستجدي الناس بذلّ عند ضريح الإمام علي في النجف الأشرف حيث تقيمون؟عشرات الأسئلة التي علينا طرحها عليكم،  ووكيلكم يطالبنا بقبول الفقر كونه شريك للصوص سارقي أموال شعبنا. السيد السيستاني، أنت المسؤول أمام الله عن تجميل الفقر والقبول به من قبل فقراء شعبنا، أنت المسؤول أمام الله عن سكوت الفقراء عنه وعدم المطالبة بحقوقهم، لأن وكيلكم يستخدم ترياق الدين لتخديرهم. السيّد السيستاني، أحد أسماء الله الحسنى هو الغني وليس الفقير، فلماذا تريدون منّا أن نحيا فقراء!!؟؟

 

ألا ومن البلاء الفاقة .... (الإمام عليّ)

زكي رضا
الدنمارك
28/3/2019




72
"قرّة" عيونكم سائرون .. رايتكم بيضة سائرون!!


النشيد الوطني في أي بلد، هو النشيد الذي يعبّر بكلماته عن إنتماء أبناء ذلك البلد دون تمييز ومحاباة وأفضلية اليه، بل ويذهب النشيد الوطني أحيانا الى أبعد من حدود الوطن ليكون رسالة حب وسلام الى شعوب الأرض المختلفة . فالأوطان وخصوصا تلك التي تمتاز بتنوعها العرقي والديني والطائفي، ليست ملكاً لأكثرية قومية أو دينية أو مذهبية. ولو راجعنا الأناشيد الوطنية لبعض الدول المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب، لما رأينا فيها أية إشارة الى ما يمجّد عرق على آخر، أو دين على آخر، أو مذهب على آخر. فالشعب بمجموعه، والوطن بترابه الموحد هو من يتغنى به النشيد الوطني، والنشيد الوطني في هذه الحالة لا يعرف الهويات الفرعية، ولا طريقة للوصول اليها بشكل ملتوي وغير مباشر. أو إنتهازية للوصول الى أفئدة و "عقول" فئة منه وإن كانت أغلبية.

النشيد الوطني ليس مجرد نص شعري يلحّن وينشد في المناسبات الرسمية، بل هو رسالة قصيرة وغنية عليها أن تؤثر على المتلقي، ليقتنع بمحتواه ويتأثر بمضامينه إيجابيا، بما يؤثر على تشذيب سلوكياته. لذا يعتبر النشيد الوطني وهو ينشد في المدارس، اللبنة الأولى لبناء مجتمع معافى، كونه يخاطب عقول فتية سينهضون مستقبلا بأعباء وطنهم. والنشيد الوطني ليس بنصّ مقدّس، بل هو قابل للتغيير والتحوير طبقا للظروف التي يعيشها أي بلد. فلو أخذنا الأناشيد الوطنية للبلدان التي كانت تقاوم الإستعمار، نرى فيها كلمات قاسية تحرض على "العنف" ضد المحتلين، وتدغدغ المشاعر الوطنية عند الناس. لكن وما أن يتغير الوضع بتلك البلدان وتتحرر من نير الإستعمار، وتباشر ببناء وطنها وشعبها، فنشيدها السابق سيكون من الماضي، إذ لا يمكن بناء وطن ومجتمع عن طريق خطاب تحريضي، وحينها يجب تغيير النشيد الوطني بآخر جديد، يحمل سمات العهد الجديد وخطابه وأهدافه.

العراق بلد متعدد الأعراق والأديان والطوائف، ولا يحمل أيّة صفة قوميّة أو دينية أو طائفية الى جانب إسمه الرسمي، الذي هو الجمهورية العراقية، والذي أراد البعثيون لتأثرهم بالذكورية تغييره الى جمهورية العراقّ! ولم "يكن العراق على مرّ تأريخه الحديث، العراق العربي أو الإسلامي، وكيف يكون وهناك الكورد والتركمان والأرمن وغيرهم، وكيف يكون إسلاميا وهناك المسيحي والأيزيدي والمندائي وقبلهم اليهودي قبل تهجيره، لذا فأن النشيد الوطني عليه أن يكون نشيدا بعيدا عن الإقصاء وإن غير المباشر لأي مكون من مكوناته، فهل النشيد الوطني المقترح من قبل تحالف "سائرون"، يحمل مميزات وأهداف نشيد وطني حقيقي.

ما يراد تمريره عبر البرلمان كنشيد وطني للعراق، هو مزيج من مفاهيم دينية وطائفية وقومية ، وتمجيد للبعث والجلّاد صدّام حسين. فالعراقيون ليسوا كلهم مسلمين، وليس كل المسلمين من الطائفة الشيعية ليوظّف الشاعر إسم الإمام الحسين في النشيد الوطني، لـ "يقشمر" به الأحزاب والجمهور الشيعي، ليكتب "فهذا حسين وذي كربلاء من العز صار لسانً ودم" مع جلّ إعتزانا بالإمام الحسين، ولماذا لم يذكر الحسين وهو يكتب قصيدته (گرة عيونك سيدي .. رايتك بيضة سيدي) في مدح الطاغية صدام حسين ثمانينيات القرن الماضي. فهل الحسين لم يكن حينها شهيدا!؟ وهل كلمات كـ "عراق العلوم ونهرُ الأدب ستبقى تراثً لكل العرب" تمثّل الكورد والتركمان والأرمن وغيرهم، أم أنّهم ليسوا بعراقيين!؟ ولم يكتفي الشاعر بهذا التوظيف الطائفي والقومي، بل ذهب وهو يضحك على ذقون الكثير من الشيعة ساسة وجمهور الى أبعد من ذلك بكثير. فهو يمجّد علنا علم البعث والذي هو علم القومية العربية، ليس من خلال العلم نفسه فقط، بل ومن خلال عبارة "الله أكبر" التي كتبها المجرم صدام حسين بدمه على الرغم من نجاسة الدم في الإسلام، ليقول "تشرف بحمل اسمَ رب السماء لتبقى أعز و أغلى علم"!! وهل مثل هذه الأبيات الشعرية ستؤثر بالمواطن الكوردي والتركماني والمسيحي والمندائي والأيزيدي ، بل وحتى المسلم السنّي ليتفاعل معها!؟

 الأمم الكبيرة والتي تعتز بأوطانها تبحث وهي تعتمد نشيد وطني يمثل شعبها دون تمييز، عن قصائد تمثل الأمّة بأكملها ومن تنظيم كبار شعرائها. فها هي الهند تتبنى قصيدة "جانا غانا مانا" للشاعر الهندي الكبير طاغور كنشيد وطني، والذي قال لاحقا " قد أشدت في أغنية جانا غانا مانا بالشخص الذي يصنع مصير الهند والذي يرشدنا عبر مراحل الصعود والهبوط، عابري السبيل، الشخص الذي يرشد الناس إلى الطريق..". فمن سيرشدنا الى الطريق، نحن عابري سبيل الوطن المثخن بجراح سيوف الدين والطائفة والقومية، نحن من إحترق ماضينا ونرى مستقبلنا أسير للصوص!؟

 كان على تحالف سائرون وهو يتبنى نهج وطني بعيد عن المحاصصة كما يقول!! أن يتقدم بإقتراح تبنّي علم جديد للبلاد، ونشيد وطني يمثل تأريخنا وجغرافيتنا وطبيعتنا وتراثنا. لا أن يتقدم بهذه القصيدة المليئة بالشحن الطائفي والقومي، والتي لن تكون بأفضل من "نشيدنا الوطني" الذي كتبه الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان والذي أُنْتِخب ضمن أسوأ عشرة أناشيد وطنية بالعالم أثناء دورة الألعاب الاولمبية بلندن عام 2012 ، والتي كتبت صحيفة "التلغراف" اللندنية وقتها "بأنه يذكّر الناس بمأسي صدام حسين ، وفيه خيلاء وتعالي ويصدر رسالة خطير"


سلام على الجواهري الكبير و

سلامٌ على هضبات ِ العراق ِ... وشطـّـيه ِ والجُرف ِ والمنحنى
 على النخل ذي السعفات ِ الطوال، وشُمِّ الجبال، تُشيعُ السَـنا
 سلامٌ على نيّرات ِ العصور ِ... ودار ِ السلام، مدار ِ الدُنى
 

زكي رضا
الدنمارك
20/3/2019


73


الكورد الفيليون في حوار قناة دجلة الفضائية حول مشروع قانون الجنسية العراقية


لا نريد هنا مناقشة مشروع قانون الجنسية العراقية الذي أثار الكثير من اللغط خلال الأيام القليلة الماضية بإستفاضة رغم أهميّته القصوى، ولا مناقشة ما جاء على لسان من إستضافتهم القناة من خلال برنامج " بصراحة". حول الأهداف غير المعلنة للقانون المراد إقراره على ما يبدو من قبل الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، والتي هدفها هو التغيير الديموغرافي في البلاد لصالح الرعايا الإيرانيين والذي هو في الخاتمة إمتداد لصراع طويل بين الصفويين والعثمانيين، للسيطرة على العراق ومقدراته من خلال العامل المذهبي.  هذا الصراع الذي كان عليه أن ينتهي مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، بإقرار مبدأ المواطنة وإلغاء ما يسمى بمبدأ التبعية، هذا المبدأ الذي جعل العراقيين رعايا إيران وتركيا ببلدهم!!، فالعراقي الشيعي بشكل عام كان من التبعية الإيرانيّة " فارسي"، والعراقي السنّي بشكل عام أيضا كان من التبعية العثمانية " تركي"!! ومن خلال هذا القانون الغريب والذي لا يوجد مثيل له في العالم بأجمعه تقريبا، يكون العراق كبلد لا يملك مواطنين أصليين!! لكن ونحن نبحث عن أمن بلدنا وإستقراره ومستقبله وتحرره من الهيمنة، سواء كانت دولية أو إقليمية، علينا أن نقف الى جانب الآراء التي تتخوف من تبني القانون وإقراره، والذي سيصبّ حتما في مصلحة إيران، التي جعلت من الأحزاب الشيعية مطية لها لتنفيذ سياساتها في بلدنا الذي بدأ يفقد مفهوم الدولة منذ نيسان 2003 ولليوم. فالقانون المزمع مناقشته وإقراره، يعتبر جريمة كبرى بحق العراق وشعبه، وبوابة كبيرة لتجنيس مئات الآلاف من الإيرانيين إن لم يكن أكثر، وما الى هذا التجنيس من تداعيات كبيرة على الواقع الديموغرافي للبلاد، والتأثير الكبير على الميزان السياسي  في كل إنتخابات، خصوصا ونحن نعتمد مبدأ المحاصصة الطائفية في إدارة " الدولة". فهل تبنّي وإقرار القانون من قبل الأحزاب الشيعية هو رد فعل على التسهيلات التي كان يقدمها النظام البعثي "القومي العروبي" للعرب السنّة من مختلف البلدان العربية للحصول على الجنسية العراقية وقتها!؟ فإن كان الأمر كذلك فهذا يعني، إن الفشل الذي رافق القوميين والبعثيين في بناء مجتمع متجانس ومتصالح مع نفسه من خلال إقرار مبدأ المواطنة، هو نفس فشل القوى الشيعية في بناء نفس المجتمع. وبالتالي فأن فكرة القومية العربية، والفكرة الإسلامية التي جاءت على أنقاضها، لا يستطيعان بناء وطن بالمرّة، وأكبر دليل على فشلهما هو ما نعيشه كمأساة على مختلف الصعد اليوم.

لقد كان من ضمن مَنْ إستضافتهم القناة في برنامجها بتأريخ " 14/3/2019"   و" تحت مسمى "باحث" في الشؤون العراقية، السيد "رعد هاشم كاظم"، ولا ندري إن كانت القناة قد أسبغت عليه هذه الصفة، أم أنّه يقدم نفسه كـ" باحث"، وليس محلل أو متابع سياسي!؟ فالباحث هو من يمتلك أدوات التحليل العلمية، والتي تعتمد في الموضوع الذي يتناوله على أمور عدّة أهمها هو إعتماده على الظرف الزمكاني في الموضوع الذي يتناوله، وهذا المفهوم يجد مكانا له في مناهج البحث لمادة العلوم السياسيّة، تحت باب المنهج التأريخي، والذي يشير من خلال الدراسة العلمية الى أنّ بحث قضية ما لا تكتمل دون العودة لجذورها التأريخية. فهل عاد "الباحث" هذا الى الجذور التأريخية لمشكلة الجنسية العراقية، قبل أن يدلو بدلوه في أعقد مشكلة واجهت وتواجه شعبنا لليوم!؟ وهل "باحثنا" هذا ذو نظرة محايدة تجاه عراقية الكورد الفيليين من عدمها وإتهامهم بنقل أسرار البلد لإيران كما يدعي، والتي هي " الحيادية" ركن أساس من أركان البحث السياسي أو العلمي الرصين؟ وهل إعتمد على جداول إقتصادية رسمية، وهو يتناول قضية رأس المال الوطني ودوره في الدورة الإقتصادية للبلاد؟ وهو يتهم بشكل ساذج الكورد الفيليين إستصغارا وإستهزاءا كونهم " عمّالة" عند اليهود العراقيين قبل تهجيرهم، والذي قاله " الباحث"  بنفس عنصري مليء بالحقد والكراهية والعنصرية، بهيمنتهم على سوق الشورجة  كمركز تجاري. علما أن التجار الكورد الفيليين إستثمروا أموالهم داخل الوطن كجزء من البرجوازية الوطنية ومساهمتهم في تنشيط الحياة الإقتصادية بالبلد، لذا نراهم يعيشون حياة الفاقة والعوز بعد تهجيرهم الى إيران وسلب ممتلكاتهم. على عكس غيرهم من العثمانيين والصفويين الذين يستثمرون الأموال المهربّة والمنهوبة من شعبنا في مختلف دول العالم ومنها دول الجوار العراقي والخليج !؟ وهل سار" الباحث" هذا على مبدأ المنهج الكلاسيكي في بحث قضية إجتماعية ذات أبعاد سياسية كقضية تهجير الكورد الفيليين، من خلال إستناده الى العقل والمنطق في تفسير الأمور للوصول الى الحقيقة والتي هي مراد الباحث الرصين والحيادي؟

سوف نحاول  إختصار الرد على ما جاء به " الباحث" من تهم لشريحة قدّمت للعراق الكثير ولم تحصل الّا على الفتات كالكورد الفيليين، كون ما جاء به لا يستحق الرد مطلقا، فالرجل حاول قلب حقائق يعرفه الكثير من أبناء شعبنا، ومنهم مقدّم البرنامج الذي لم تسعفه ذاكرته ولا فهلوته هذه المرة لمحاججة ضيفه ببديهيات يعرفها كل عراقي، والتي سنأتي على ذكرها لاحقا.

يصبّ "الباحث" هذا جام غضبه وهو يتناول القانون الجديد للجنسية العراقية، على المكون الكوردي الفيلي " بعد أن أخذهم كمثال" بإعتبارهم إمتداد فارسي كما يقول، دون العودة لجذر مشكلة المواطنة بالعراق، والتي لازالت محل جذب وشد  بين قوى سياسية تمثل الطوائف أو تميل إليها في أحسن الأحوال وهي تضع الخطوط العريضة لشكل المواطنة بالبلد! وعوضا من أن يقوم " الباحث" هذا ومعه كل من يهمه مصلحة بلدنا وشعبنا، ببلورة رأي عام ضاغط من أجل إعلاء شأن المواطنة العراقية بسنّ قانون موحد للجنسية، لا يعترف الا بعراقية العراقي دون الإستناد الى ما يعرف " بالتبعيتين العثمانية والإيرانية"، نراه يريد الهروب الى الأمام، بإنتخابه أضعف الحلقات في النسيج الإجتماعي العراقي من ناحية إمتلاكهم لما يسمى بشهادة الجنسية أي الكورد الفيليين، ليهاجمهم وينتقد من خلالهم مشروع قانون الجنسية العراقي الجديد. لكنه يمر عن عمد أو عدم دراية على عشائر عربية كانت حتى القرن الثامن عشر تسكن نجد والحجاز قبل أن تهاجر الى العراق وهذا أمر طبيعي وقتها كما هجرة الكورد الفيليين، كما ويمر مرور الكرام على عوائل معروفة من التي كان لها دورا بارزا على الصعيدين السياسي والإقتصادي بالعراق، رغم أنهم من أصول غير عراقية!!  ففي معرض تناوله (الچلبيين) يقول حنا بطاطو ( والأمر الآخر الذي لابد من ملاحظته بالنسبة للچلبيين كان الأصل غير العراقي للكثيرين منهم، وعلى سبيل المثال، فقد كان أصل الشرشفيين من بلاد فارس، وكانت عائلات الشاهبندر والباچچي والقشطيني من سورية، وعائلات الزيبق وغنّام وصالح وثنيّان وعسّافي وبصّام ومنديل وزهير وعبد الواحد من نجد)"1"، وعدم تناوله عدم عراقية الذين أشرنا إليهم قبل قليل، تفسّر من  أن شوفينية " الباحث" هذا هي بلا حدود. خصوصا وأنه يتهم الكورد الفيليين بنقل المعلومات لإيران أي التجسس لصالحها!! على الرغم من عدم تبوأ كوردي فيلي واحد لمنصب سيادي بالبلد ليكون قريب من المعلومات الإستراتيجية التي تحتاجها الدول وتحصل عليها من جواسيسها. فالكوردي الفيلي المحروم من سلك العسكرية والشرطة والأمن والمخابرات والسلك الديبلوماسي وغيرها، علاوة على وجوده في دائرة الشك دوما ما يجعله في خوف دائم من السلطات، ومهما كانت إمكانياته " بالتجسس"، فأنه لا يصل الى إمكانيات رجال مثل ( نوري السعيد – تركي – عربي – سني والذي كان رئيسا للوزراء 14 مرة، و ناجي شوكت تركي مستعرب – سني رئيس وزراء لمرة واحدة، وحكمت سليمان – متحدر من أصل مولى أصبح مسلما – سني رئيس وزراء لمرة واحدة) "2" ، فلماذا لا يتهم "باحثنا" هذا هذه الشخصيات بالخيانة والتجسس لتركيا العثمانية مثلا وهم في أعلى منصب بالدولة، إن كانت الأصول غير العربية متهمة بالتجسس في العراق!؟

لقد تجاوز " الباحث" بديهيات يعرفها الشارع العراقي جيدا، حينما قال:  أن الكورد الفيليين قد تمّ تهجيرهم لأنهم لا يمتلكون الجنسية العراقية!! وتفسيره غير المنطقي هذا يدفعنا لنتساءل: هل كانت الجامعات والمعاهد العراقية والتي  تخرج منها الآلاف من الكورد الفيليين،  تقبل في صفوفها عراقيين لا يمتلكون شهادة الجنسية العراقية؟ هل كان التجار الكورد الفيليون يسافرون خارج البلد بدون جوازات سفر!؟ وهل من الممكن إصدار جواز سفر عراقي ولليوم دون إظهار شهادة الجنسية العراقية للسلطات؟ كما كفر " الباحث" كفرة صلعاء حينما قال أنّ التبعية "هكذا" ومنهم الكورد الفيليون كانوا لا يخدمون خدمة العلم، والتي كانت شرطا لحصولهم على الجنسية العراقية!! لا أعتقد إنني ككوردي فيلي مجبر هنا للرد على مثل هذه التخرصّات، ولا مثل هذه المحاولات البائسة لطمس الحقائق التي لايريد " الباحث" أن يراها، لأسباب منها ما يتعلق بنهجه الشوفيني، أو بخلفيته السياسية على ما يبدو.

إن عملية إفراغ العراق من مكوناته غير العربية وغير المسلمة هو هدف قومي عروبي مريض، ولازال ولليوم حلم أناس مرضى لايريدون قراءة التأريخ وما أوصلته أفكارهم من مآسي للبلدان والشعوب العربية، ومنها بلدنا العراق. وقد بدأت أولى عمليات التهجير بحق يهود العراق الذين أستوطنوا العراق بعد سبيهم من قبل الآشوريين وبعدهم البابليين منذ العام 859 ق. م. وحتى تهجيرهم أواخر أربعينيات القرن الماضي. والواقع أنّ الطائفة اليهودية بالعراق كما يقول (حنا بطاطو) " كانت عربية تماما، أو إذا كان القاريء يفضّل، فقد كانت مستعربة. كانت لغتها عربية، وكانت العربية تستخدم حتى في طقوسها الدينية. وكان طعامها عربيا، وكانت خرافاتها عربية، وكذلك الأمثال التي تستخدمها، وكان الكثير من عاداتهاعربيا، وحتى الحريم كان يشكل جزءا من أعرافها" "3". وإن كان تهجير اليهود العراقيين قد تم إبان تأسيس دولة إسرائيل وخسارة الجيوش العربية الحرب بما يطلق عليه عام النكبة. فأنّ تهجير الكورد الفيليين كانت لأسباب يجب أن لا تكون بعيدة عن فهم " الباحث" وهو "خبير" بالسياسة العراقية.

إننا ككورد فيليين ونحن نهجّر وتصادر وثائقنا الثبوتية وأموالنا المنقولة وغير المنقولة، ويغيّب الآلاف من شاباتنا وشبابنا، فإننا ندفع ثمن مواقفنا الوطنية تجاه شعبنا ووطننا، وليس لأننا " جواسيس" أو " طابورخامس" كما تقول أيها السيد " الباحث". فحينما كان " العراقيون" من التبعية العثمانية يقفون الى جانب الإقطاع ويصمتون بذل على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان الكورد الفيليين في مقدمة المنتفضين في مدينة الحي الباسلة أثناء إنتفاضتها " إنتفاضة الحي"، وبعد القضاء على الإنتفاضة، سارع أجدادك العثمانيون للإنتقام من الكورد الفيليين، بتهجير العديد من العوائل الفيلية التي ساهم أبنائها في تلك الإنتفاضة البطولية الى إيران. وحينما أدخل رفاقكم من البعثيين العثمانيين العراق في نفق مظلم صبيحة الثامن من شباط الأسود سنة 1963 ، سارع الكورد الفيليين لمقاومتهم في منطقة " عگد الأكرد". هذه المقاومة ومواقفهم الوطنية العديدة كانت أحد أهم أسباب تهجيرهم الثاني سنة 1970 . أمّا تهجيرهم الأكثر وحشيّة وبشاعة فقد كان في نيسان 1980 ، من خلال مسرحية بائسة والنظام البعثي يهيأ نفسه لخوض حرب غيّرت الوضع الجيوسياسي بالمنطقة برمتها، وقادت شعبنا ووطننا الى ما هو عليه اليوم.

السيّد " الباحث"، شخصيا  لا يشّرفني أن أكون من أتباع دولة غير العراق، فلتتشرف أنت بعثمانيتك وغيرك بصفويته. 


"1" - العراق – الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ص 298 " لحنا بطاطو. 
"2" المصدر السابق " ص 214"
"3" المصدر السابق "ص 295 – 296 "

زكي رضا
 الدنمارك
 16/3/2019

74
زعماء الشيعة والجغرافيا والخيانة


لو تركنا سقوط بغداد العبّاسيّة على يد المغول في شباط 1258 م.، مبتعدين قدر الإمكان عن الروايات المتضاربة لخيانة الوزير الشيعي (إبن العلقمي) وعدم توظيفها طائفيّا للنيل من الشيعة كما يريد السنّة. فأنّ زعماء شيعة العراق اليوم يدفعوننا دفعا لإعادة النظر في تلك الحادثة، ليس من خلال خيانة إبن العلقمي من عدمها والتي نتركها للتأريخ كونها أصبحت من الماضي، بل لأن الخيانة عند زعماء الشيعة اليوم في العراق أصبحت ظاهرة وليست حالة فردية كما كانت وقت سقوط بغداد حينها. فإبن العلقمي تحرّك بشكل فردي وليس من خلال مؤسسات وأحزاب ومرجعيات، أمّا زعماء الشيعة اليوم فأنهم يتحركون ضمن كل التشكيلات التي أشرنا إليها بل وحتّى مجتمعيا، كونهم على رأس السلطة وليس في المعارضة كما كانوا عليه أثناء الخلافة العباسية. لذا فأنّ نتائج خيانتهم للبلد ستكون كارثيّة، وهذا ما نراه اليوم من خلال الواقع المأساوي لبلدنا وشعبنا.

مشكلتنا مع النخب الشيعية الحاكمة، هي أنّها تبتعد عن كل ما هو عراقي حينما تتعلق الأمور بمصالح إيران وشعبها.  ومن خلال تجارب سنوات ما بعد الإحتلال ليومنا هذا كانت مصالح إيران وشعب إيران، لها الأولوية على مصالح وطننا وشعبنا، وإذا أردنا توخي الدقّة فأن إيران تحتلنا إقتصاديا وسياسيا وثقافيا. لكن حتى الذين يفقدون وطنيتهم تحت أي ظرف كان، لا بدّ أن يستفيقوا يوما على المآل الذي وصل اليه شعبهم والهوان الذي يعيشه، لا بدّ أن يستفيقوا إن كانت الأخطار التي تحيق بشعبهم لها تأثيرات مدمرة على مستقبله. وإنتشار ظاهرة المخدرات اليوم هي من أكبر الأخطار التي تواجه بلدنا وتهدد شعبنا ومستقبله، فهل ستستفيق هذه النخب ، أم ستبقى تحني رؤوسها أمام نظام ولي الفقيه والتي تأتينا المخدرات من عنده؟ وهل سيظلون ذلك الجنين السفاح في رحم إيران؟

المخدّرات آفة أشّد فتكا على المدى البعيد من الإرهاب، لذا نرى الدول التي تحترم شعوبها تعمل بكل إمكانياتها وطاقاتها من أجل حماية مجتمعاتها من هذ الآفة المدمرّة. ولا تكتفي هذه الدول بالقوانين الصارمة لمكافحة التهريب والتوزيع فقط، بل تتجاوزها الى تخصيص ميزانيات ضخمة من أجل علاج المدمنين وتوعية المجتمع بآثار على سلامته. وكمدخل لمحاربة المخدرات وعدم تدمير تلك المجتمعات، تكثّف تلك الدول الرقابة على حدودها البرية والبحرية ومطاراتها، كما وتراقب وبشدّة الدول التي تأتي منها هذه المخدرات وتتعاون معها إستخباريا وأمنيا للكشف عن العصابات التي تتاجر بها.

المخدرات والإتّجار بها وإنتشارها وتعاطيها حتى من طلبة المدراس الإبتدائية، أصبحت اليوم ظاهرة واسعة الإنتشار وتهدد بتفكك النسيج الإجتماعي للمجتمع العراقي الذي كان ولعقود قليلة خلت محصنا بالكامل من هذه الظاهرة، فالعراق لم يكن سوقا ولا ممرا لهذه التجارة كما لم يكن التعاطي معروفا به بالمرّة تقريبا. عكس إيران التي نشترك معها بحدود على طول ما يقارب الـ (1500 ) كيلومتر، والتي فيها الملايين من متعاطي المخدرات على مختلف أنواعها ومنها الترياق" ترياك" وهو المفضّل عند علية القوم ووعلى رأسهم  رجال الدين فيها. وإيران التي تعاني من هذه الآفة، هي الأخرى لها حدود طويلة مع أفغانستان التي تنتج كميات كبيرة من المخدرات، التي يتم تهريب جزء كبير منها الى إيران عن طريق مناطق قبائل "الهزارة"  الشيعية المرتبطين كما شيعة العراق كثيرا بإيران. 

لقد وصلت خيانة النخب الشيعية للعراق في أنها تبرّيء بلد كإيران الذي يعتبر سوقا وممرا لتوزيع المخدرات في المنطقة ومنها للعالم، والذي تعتقل السلطات العراقية بين الحين والآخر عصابات من رعاياها تتاجر بالمخدرات وتصنع في بعض المدن كالبصرة حبوب مخدرة لتوزعها بين الشبيبة، لتتهم دولة بعيدة عنّا بآلاف الكيلومترات كالأرجنتين بتوريدها الى العراق!! أنّ هذا الإتهام المضحك يدل على أنّ الأحزاب الشيعية لم تكتفي بخيانة الوطن، بل تقوم اليوم بخيانة شعبنا وتدمير شبابه بنفي التهم عن المورد الأصلي للمواد المخدرة للعراق.

من المعيب أن يحكم العراق أميّون بالجغرافيا كما عادل عبد المهدي علاوة على خيانتهم له،  بمحاولتهم  تبرئة إيران وحرسها الثوري والميليشيات والعصابات الشيعية العراقية من نشر المخدرات بين شبابنا. فالأرجنتين بعيدة جدا عن المثلث الذهبي لإنتاج وتوزيع المخدرات، والواقع بين بورما وتايلند ولاوس، و بعيدة كذلك عن أفغانستان التي تصدر هي الأخرى المخدرات الى إيران ومنها الى بقية الدول. فهل من المعقول والمنطقي أن تصدر هذه البلدان المخدرات الى العراق عن طريق الأرجنتين، وأي الطرق أقصر للسوق العراقية الناشئة والواعدة بفضل الأحزاب الإسلامية، إيران أم الأرجنتين!!؟؟ وحتّى لو كانت الأرجنتين بالفعل هي مصدر المخدرات في السوق العراقية،  فهذا لا يعفي إيران من إدخالها الى سوريا فالعراق عبر عرسال، عن طريق حزب الله اللبناني.

في قصّة (المدرسة) للكاتب الروسي أركادي غايدار، سأل مدرس الجغرافيا "مالينوفسكي" تلميذه " توبيكوف" الذي هرب من أهله للقتال على الجبهة الألمانية في الحرب العالمية الاولى، بعد أن تم إرجاعه بعد أيّام وهو متجه الى الشرق الروسي بدل عن التوجه غربا قائلا له: أمّا أنت فأتجهت نحو الجهة المعاكسة تماما، نحو الشرق. فكيف وقعت في الإتجاه المضاد؟ إنّك تتعلم عندي لكي تستطيع تطبيق المعلومات التي حصلت عليها، لا أن تحصرها في رأسك، وكأنها في صندوق قمامة. لا أدري ماذا كان سيقول مدرس الجغرافيا هذا لعبد المهدي وهو ينتخب طريق بعيدة جدا لتهريب المخدّرات الى العراق بدلا من أقصره، أو للجعفري وهو يقول أن روافد  نهري دجلة والفرات ينبعان من إيران!! أو لقيس الخزعلي الذي يقول أنّ نهر الفرات واقع في مصر ويتصّف من يشرب ماءه بقلّة الغيرة، وهل للإسلاميين غيرة على وطنهم وشعبهم كما غيرتهم على إيران ومصالحها؟!!

يا إلهي كم صندوق قمامة لدينا بالعراق؟


https://www.youtube.com/watch?v=x5UTMszYt7c رابط حديث قيس الخزعلي

https://www.youtube.com/watch?v=Hw5oiOzQozc رابط حديث إبراهيم الجعفري

زكي رضا
الدنمارك
8/3/2019

75
رواندا نحو الفضاء .. والعراق نحو الهاوية


رواندا بلد كما العراق عاش أهوال حرب أهلية مدمرّة، الا أن فضاعات تلك الحرب لم تكن كما فضاعات القتال الشيعي السنّي من حيث أعداد الضحايا وطريقة قتلهم، ولا حتى طول الفترة الزمنية التي قتل من خلالها الضحايا كانت متقاربة بين البلدين. فضحايا الحرب الأهلية وضحايا الإرهاب وغيرهم بالعراق قاربت النصف مليون ضحية وقتيل وفق آخر الإحصائيات، التي قالت أن الضحايا والقتلى قد سقطوا منذ الفترة الممتدة من بداية الإحتلال ولهذا اليوم، أمّا ضحايا الحرب الأهلية في رواندا، فقد بلغوا ما يقارب الثمانمائة ألف ضحية خلال ما يقارب المئة يوم فقط!

لم تستطع رواندا تجاوز آثار الحرب الأهليّة والبدء ببناء ما خلّفته تلك الحرب، الا من خلال حزمة من الإصلاحات الجذرية التي طالت كل مرافق الحياة فيها. وكبوابة للإصلاح بدأت الحكومة هناك بمكافحة الفساد بشكل صارم، ما فتح آفاق واسعة لتحسين الأوضاع الإقتصادية بالبلد. وقد سنّت الحكومة هناك القوانين التي تساعد على النمو الإقتصادي ومكافحة الفقر والبطالة، وخطت خطوات كبيرة في تطوير مجالي الزراعة والسياحة. ووفق تقرير منظمة  دول تجمّع السوق الإفريقية المشتركة " الكوميسا"، فأنّ  الناتج المحلّي الإجمالي للبلاد إرتفع من 1.92 مليار دولار سنة 1995 ، الى 8.48 مليار دولارعام 2019 على سبيل المثال، وهذا الرقم يعتبر تافها جدا أمام الناتج المحلي الإجمالي للعراق، الذي تجاوز وقت ما الـ " 140 " مليار دولار. فهل حقّق العراق بميزانياته الفلكية مقارنة برواندا جزء صغير من نجاحاتها؟

هنا لا نريد أن نتناول الواقع الزراعي والسياحي والخدمي والصحي بين البلدين ومقارنتها بالعراق المتخلف عن رواندا كثيرا ، بل نريد تناول الواقع التعليمي بين البلدين من خلال دور التكنولوجيا في التعليم، وترك النظم التعليمية التقليدية والمتعارف عليها بالعالم الثالث كما العراق، هذا إن لم يكن العراق بالحقيقة خارج تصنيف البلدان.

 ففي الوقت الذي يهان فيه التعليم بالعراق، من حيث بؤس أبنية المدارس وتفاهة المناهج الدراسية التي تم صبغها بطابع ديني متخلف، ودور الدولة من خلال المؤسسة العشائرية في إهانة وتهديد المعلميّن، ودور الحكومة في مصادرة حقوقهم، والتسرب من المدارس في المراحل الدراسية المختلفة نتيجة الفقر والبطالة واليأس من المستقبل وغيرها الكثير من المشاكل، فأن التعليم في رواندا خطا خطوات عملاقة مقارنة به "بالعراق". فبعد أن إتّجهت رواندا للإستفادة من التكنولوجيا في التعليم، من خلال شراكة مع شركة " مايكروسوفت". وإقدامها على تبني نظام " تكنولوجيا المعلومات والإتصال من أجل التعليم"، بإستبدالها الكثير من الكتب التقليدية ووسائل التعليم، بأجهزة " اللابتوب" والآيباد" وغيرهما. خطت رواندا اليوم خطوة هائلة ستضعها خلال سنوات في مقدمة الكثير من الدول في مجال التعليم وعلى الأخص العراق المتخلف بكل شيء، وذلك عن طريق إطلاقها قمرا صناعيا لتزويد مواطنيها بالإنترنت المجاني وكذلك ربط مدارسها به خصوصا في المناطق النائية!!

في الوقت الذي تحلق فيه رواندا المثخنة بجراح الحرب الأهلية نحو الفضاء، لتثبت للعالم أجمع من أنّ روح التسامح ومحاربة الفساد هما المفتاحان اللذان فتحت بهما مستقبلا مشرقا لشعبها،  فأن حكّام العراق أثبتوا لنا وللعالم أجمع من أنهم ومن خلال العراق الخرب الذي نعيش فيه، من أنهم أضاعوا مفاتيح الوطن الذي يقودونه للمجهول.


زكي رضا
الدنمارك
6/3/2019



 



76
أنا مواطن عراقي .... أنا أرفض


كثيرا ما أقول لنفسي وللكثيرين من إنني " مواطن عراقي مع وقف التنفيذ"، أقولها كوني لم أستعد لليوم وثائقي الثبوتية التي صادرها منّي نظام البعث الفاشي بعد أن ألغى عراقيتي بقرار قرقوشي  كوني كوردي فيلي. لكن عراقيتي مع وقف التنفيذ هذه لم تنجح في أن تجعل منّي بعيدا عن وطني وشعبي وهمومهما، بل على العكس فقد كانت دافعا لي ولازالت كي أعمل وأبذل الجهد مع كل الخيرين في هذا العراق المنكوب من أجل غد أفضل وأجمل أحلم به ويحلم به الطيبون من أبناء هذا البلد.

اليوم وأنا أرى بلدي يتحول الى خرائب تنعق فيها غربان الدين وشعبي الى مشروع موت،  قررت أن أستغني عن هذه الجملة مرّة واحدة والى آخر عمري. ليس لأنني حصلت على ما يثبت عراقيتي في أوراق رسمية، بل لأنني أكتشفت أن الأوراق الرسمية التي تثبت عراقية الفرد ليست فيصلا في تحديد المواطنة من عدمها. اليوم إكتشفت أنّ الكثير ممّن يحمل جنسية هذا العراق المبتلى بحكم الإسلاميين، لا يمتّون لهذا الوطن بصلة، وعليه فليس من حقّهم منحي أو حرماني من حق المواطنة، كونهم وببساطة ليسو بعراقيين أصلا.

خمسون رأس مقطوعة لخمسين ملاك أيزيديّة، جعلتني وأنا أرى صمت الحكومة والأحزاب والمنظمات والمرجعيّات الدينية ومنها مرجعيّة السيستاني، وهي مشغولة بالصفقات والإمتيازات وبناء دولة العصابات بـ "قوانين نافذة" وفتاوى دينية، أن أعلن رفضي للأحزاب الدينية بقضّها وقضيضها وهي تعمل على نهب ثروات البلد وتطهيره دينيا. الرؤوس المقطوعة لتلك الأيزيديات الطاهرات والتي هي أطهر من شرف كل ساسة العراق وعمائمه، تجعلني أرفض وبقوّة سلطة الدين وأتهمها بقتل الأبرياء من أبناء شعبنا ومنهم كوكبة الإيزيديات اللواتي ذبحهنّ من سيعيش في " سجون" من خمسة نجوم في عراق العمائم.

خمسون ذؤابة عليها آثار الدماء، لا تجعلني في أن أرفض كل ما يجري ببلدي من جرائم فقط ، بل تجعلني أن أكفر بكل شيء فيه، الا فقراءه وبؤسهم. خمسون وجه ملائكي عاش تلك اللحظات والسكين تنحرها، تجعلني أشّك بوجود عدالة في الأرض أو في السماء، وهذا لا يعني الا رفضي لوجود عدالة هنا وهناك. خمسون صرخة أيزيديّة، وهي تُسحب الى حيث الجزار لنحرها، تجعلني أن أرفض كل من يحكم هذا البلد ويدّعي إنتماءه له. مئة عين صافية وجميلة تحدّق قبل أن تُطفأ للأبد بعيون الجزارين وهي تشعر بالرعب الذي لا حدود له، لم تسأل الجزارين عن سبب ذبحها، لكنها كانت تتساءل عن ضمائرنا وهي تُنحر كما رؤوسها، إذن فعليّ رفض من لاضمير له من ساسة ومراجع دين.

هل لنا كرامة ونحن نعيش مأساة العهر الإسلامي وجرائمه ولا نعمل على تغييره؟ هل لنا كرامة ونحن نمرّ على جريمة بهذا الحجم وبهذه الوحشيّة ونحن نلوذ بالصمت؟ هل لنا كرامة ونحن نستقبل القتلة ونؤهلهم من جديد ليمارسوا هوايتهم في مكان آخر، لأن هناك من يؤمن بالتوازنات في ما تسمى بالعملية السياسية؟ هل لنا دين ونحن نذبح الأبرياء بآياته البيّنات؟ أليس من حقي وأنا أرى هذه الجريمة وغيرها المئات، أن أعلن رفضي لكل من هو غير عراقي في السلطة أو من يبايعهم؟ أليس من حقّي كما " ماتفي" وهو يكتشف الإستغلال والنهب عند المؤسسة الدينية "الكنيسة"، في رائعة مكسيم غوركي " إعترف أين الله"، ومعي كل الأيزيديات والأيزديين الطيبين وباقي مضطهدي شعبنا وهم يعيشون إستغلال ونهب وقتل الإسلاميين لهم ولوطنهم وأعلن رفضي لهم كمجرمي حرب، أن أتساءل: " أين الله"؟

زكي رضا
الدنمارك
28/2/2019


77
إشكاليات مفهوم العمليّة السياسيّة بالعراق


هل العراق ما بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد، يحمل سمة الدولة؟ هل هناك معالجة حقيقيّة للملّفات التي لازالت دون حلول جوهريّة من خلال إصلاح الوضع السياسي بالبلاد؟ هل هناك إمكانيّة لإصلاح الوضع السياسي بالبلاد، دون وجود مشروع سياسي؟ وهل من الممكن بناء دولة عصريّة ترعى مصالح المواطنين بشكل متساو، دون عمليّة سياسيّة؟ هذا الأسئلة علينا الإجابة عليها بشكل دقيق، قبل أن نتفق على وجود عمليّة سياسيّة بالبلاد أصلا، وعندما نقول عمليّة سياسيّة فإننا نعني بها هنا عملية تستطيع تنفيذ بناء الدولة التي توفر المناخ المناسب لإيجاد بنية إجتماعيّة متماسكة وبيئة آمنة ومستقرة لمجموع شعبها، من خلال مشروع سياسي يعالج الأزمات التي ترافق " العمليّة السياسية" منذ الإحتلال لليوم. فالعراق اليوم وهو يتخبط في لا عقلانيّة من يمسك بزمام أموره، ليس  بحاجة الى إصلاح سياسي ، ليس لأنّ الإصلاح السياسي لا تتوفر شروط إجراءه لغياب نظام ديموقراطي حقيقي، وليس لأنّ الغالبيّة العظمى من القوى السياسيّة العراقيّة لا تريد إصلاح واقع فاسد ساهمت وتساهم في ترسيخه، وليس لعدم وجود قوى قادرة فعلا على تنفيذ الإصلاح. بل كون العراق بحاجة الى بناء عملية سياسيّة تهدم كل ما خلّفته قوى المحاصصة منذ وصولها الى السلطة لليوم، لأن ما يقال عن إصلاح لما تسمّى بـ " العملية السياسيّة" لا يمكن حدوثه ونحن نفتقر الى قوى سياسيّة مساهمة في " العملية السياسية" منذ إنطلاقها أو من خارجها، ولها تأثير كبير على الشارع السياسي علاوة على إيمانها بمشروع الدولة بمعناها الحقيقي. فالحقيقة التي علينا قبولها ونحن نراقب ما يجري في وطننا، والتي علينا أن نراها بعيون مفتوحة. هي أنّ ما تسمّى بـ "العمليّة السياسية"، تمتاز بقبح لا ينفع معها كل عمليات التجميل، ناهيك عن الماكياج الذي يراد له أن يجمّلها. والأنكى من الأثنين هو: أنّها تمتاز برائحة طائفية كريهة، وتعيش في مستنقع طائفي فاسد يعتاش على سرقة ثروات وطننا وشعبنا.

أنّ الدولة بمفهومها غير المحدّد بتعريفات ثابتة  وفق القاموس السياسي أمام أسئلة كبيرة عن مشروعيتها بالعراق، فالعراق كــ "دولة" اليوم لا يعيش صراعا طبقيّا بالشكل المتعارف عليه، رغم إتّساع رقعة الفقر بين نسبة كبيرة من عدد سكّانه، فـ "الدولة" اليوم تعمل كأداة لطائفة ضد طائفة، وهذا بحد ذاته يلغي مفهوم الدولة بالكامل، وكون " الدولة" تراجعت عن تمثيل كافّة أبناء الشعب بشكل متساو، ولم تنجح في توزيع الثروات بشكل متساو وعادل، لذا فمفهوم الدولة من الناحية النظرية على الأقّل أمام تساؤلات مفتوحة عن شرعيتها، إن لم نقل وجودها.

الدولة اليوم بالعراق لا تأتي كونها صراع بين طبقات بل كونها صراع بين طوائف دينية، وهنا تحديدا تكون هي المسؤولة وإن إمتازت بمواصفات وتعريفات الدولة، عاملا على إنهيارها. فالدولة وإن كانت شخصيّة معنوية، تحوّلت  اليوم بالعراق الى سلطة تجيد فنون الصراع الطائفي وليس الصراع الإجتماعي، سلطة بعيدة عن تعريفات الدولة بالمطلق تقريبا.

يقول لينين في تعريفه للدولة من أنّها: "هيئة لسيادة وهيمنة طبقة على أخرى بقوة القانون كتعبير عن حالة الصراع بين الطبقات الاجتماعية". وتعريف لينين هنا يؤكّد عدم وجود دولة بالعراق لأسباب منها، غياب القانون
والذي إن وُجد فأنّه لا يمثل الّا مصالح رجالات السلطة الفاسدة، علاوة على عدم قوّته أصلا، فنراه متراجعا بجبن أمام قانون العشائر وقانون الميليشيات، ومنحنيا بذل أمام فتاوى المؤسسة الدينية التي هي أقوى من القانون! كما وأنّ الصراع مثلما ذكرنا قبل قليل هو صراع طائفي وليس صراع إجتماعي أو طبقي.

في تفسيره لوظيفة الدولة تجاه سكّانها وتأثرها بالعقل الجمعي، يرى الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي ( أميل دوركايم)، " أنّ من أهم واجبات الدولة هو تحكمّها وسيطرتها على العقل الجمعي للسكّان للحيلولة دون إنزلاق الخلاف الذي قد يحصل بين طوائفها وقومياتها المختلفة الى حرب أهليّة". ولو عدنا الى المثال العراقي اليوم، سنرى أنّ السلطة قد نسفت مفهوم الدولة ووظيفتها من خلال، مساهمتها الفعّالة في نشوب حرب أهليّة طائفيّة دفع شعبنا ولليوم أثمانها غالية جدا. كما شاركت أيضا بصدامات قوميّة ساهمت بتمزيق النسيج الإجتماعي، ووضع الدولة كمفهوم وكيان في خطر كبير. ووفقا والتفسير لازال لـ  (دوركايم) " فأنّ الدولة القويّة هي من تضع مشاكل شعبها على طاولة وتُشارك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأبناء شعبها في إيجاد الحلول المنطقية لها بما يعزز السلم المجتمعي، كما على الدولة أن تبتعد عن جميع مكونات شعبها بمسافة واحدة، والا فلا داع لإستمرارها".


لا يُمكن إصلاح أي شيء دون أن يكون ذلك الشيء موجودا، فلا يُمكن إصلاح سيّارة عاطلة مثلا دون أن تكون السيّارة موجودة، ولا يُمكن إصلاح بناء آيل للسقوط إن لم يكن هناك بناء أصلا، كما وأنّ الإصلاح وليكون إصلاحا حقيقيا فهو بحاجة الى عمّال ومهندسين ذوخبرة في مجال عملهما ويمتازون بالمهنية والحرفيّة، والّا فأن عملية الإصلاح وإن تمّت فأنها ستفشل وبذلك ستُهدر أموال وجهود ووقت. وإصلاح المؤسسات لايختلف بشيء عن الإصلاح الذي تطرقنا إليه قبل قليل، فإصلاح المؤسسة التعليمية بحاجة الى وجود عملية تعليميّة بالأساس، ولإصلاح العمليّة هذه سنكون بحاجة لبناء مدارس وجامعات ومختبرات، كما ونكون بحاجة الى بناء كادر تدريسي مسلّح بآخر تقنيات التعليم الحديث، ونفس الأمر ينطبق على المؤسسات الصحية والتربوية وغيرها. الا أن الإشكال الأكبر يكون عندما نتناول مفهوم إصلاح ما يطلق عليه " العملية السياسيّة". كوننا هنا بحاجة الى وجود عمليّة سياسيّة أساسا، ومن ثم التفكير والعمل على إصلاحها أو محاولة تزيين وجهها القبيح.

أي عمليّة سياسيّة بحاجة الى مشروع سياسي، تتفّق عليه أحزاب ومنظمات سياسية مختلفة أيديولوجيا، هدفها هو الوصول بالدولة للقيام بوظائفها تجاه مواطنيها والمقيمين فيها. ولو عدنا اليوم الى المثال العراقي، فهل هناك ما يشير الى قيام " الدولة" بوظائفها تجاه مواطنيها ونحن على أعتاب العام السادس عشر للإحتلال من خلال مشروع سياسي وعمليّة سياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال تفضي الى سؤال آخر وهو الأهم: إن لم تكن هناك دولة بالشكل الحقيقي للدولة، والذي نتج وينتج لعدم وجود مشروع سياسي بالبلد، والذي يعني عدم وجود عملية سياسيّة، فهل الحديث عن إصلاح هذه العمليّة السياسية له مبرراته، وما هي هذه المبررات؟

أنّ إصلاح العمليّة السياسيّة بالعراق بحاجة الى ساسة يحترفون الوطنيّة ورجال دولة حقيقيين وأحزاب قادرة على بلورة حاجات الناس التي تتفاقم أحوالهم بشكل دراماتيكي ويومي الى حركات إحتجاجيّة، وليس الى رجال عصابات ومافيات لا تعرف الا السرقة والنهب والإنصياع الى إملاءات الدول الأجنبية والإقليميّة. وبالتالي فأنّ العراق لا يحتاج الى إصلاح العملية السياسية فيه نتيجة عدم وجود مشروع سياسي وطني، بل بحاجة الى تغيير شامل للسلطات الفاسدة الثلاث التي تتقاسم ثروات البلد سوية مع المؤسسات الدينيّة، أي تغيير شكل الحكم.

أنّ " الديموقراطيّة" بالعراق هي ديموقراطية الطوائف والقوميات، وهذا الشكل من الديموقراطية لا يبني الا وطنا للطوائف والقوميات. وهنا تحديدا تكون الدولة إن وجدت ملكا لأمراء الحرب والفاسدين. ويبقى السؤال الذي تصعب الإجابة عليه هو: هل سنرى تيارا سياسيا ينأى بنفسه عن سيرك " العمليّة السياسيّة" ليكون في مأمن من محاسبة التأريخ، والقوى الدينية القوميّة تقود البلاد نحو الكارثة. أنّ ما تسمّى بالعمليّة السياسيّة بالبلاد منذ الإحتلال الأمريكي لبلدنا ولليوم، ليست سوى عملية سرقة لتأريخ وثروات وحاضر ومستقبل شعبنا ووطننا، عملية سرقة تقودها نخب إسلاميّة وقومية وميليشياوية علينا فضحها والعمل ضدّها، لا العمل معها لبناء دولة على مقاساتها وأهدافها.

ما بين الأقواس، جاء بتصرف من مقالة تحت عنوان "مفهوم الدولة عند إميل دوركايم" للكاتب ، أحمد أغبال.

زكي رضا
الدنمارك
19/2/2018

 












78
المنبر الحر / 14 شباط .... الكارثة
« في: 17:00 15/02/2019  »
14 شباط .... الكارثة


لم يكن الرفيق الخالد " فهد" وفق روايات العديد من معاصريه ومنهم الجلّاد " بهجت العطيّة" الذي حقق معه بعد إعتقاله في العام 1947 ، يمتلك الثقافة الواسعة كما باقي منّظري الأحزاب الشيوعيّة، ومنها الحزب الشيوعي العراقي الذي خرج من صفوفه مئات المثقفين في فترات ما بعد إستشهاده. الا أنّه ومع ذلك كما يقول حنا بطاطو: "وإذا كانت كتاباته تشكل برهانا، فأنّه يبدو وكأنه أستوعب أفكار ماركس ولينين أكثر من أي شيوعي آخر". وإستيعابه للأفكار الماركسيّة وإيمانه المطلق بها ليست وحدها التي مكّنته من إعادة ترتيب البيت الحزبي وإحكام قبضته عليه، بل يعود وبشكل كبير الى قدرته كمنظم بارع كما يقول بطاطو، والذي يضيف: ويعترف أعتى خصومه، بأنّ أحدا في الحزب ما كان يبزّه في تجميع الناس وقيادتهم. بإيمانه المطلق بالماركسيّة كان يحاور مناوئيه وأعداءه بحجج قويّة، ما دفع الجلّاد " بهجت العطيّة" وأثناء التحقيق معه وهو " فهد" يشرح للعطيّة موقف الحزب الشيوعي العراقي من الأحداث السياسيّة التي يمر بها العراق وقتها، ليقول "العطية" محتجّا ومقاطعا فهدا أثناء التحقيق: من أنّه ليس مهتما بإعتناق الشيوعيّة. والعطيّة نفسه يقول لبطاطو " كانت لدى فهد حجج إقناع قويّة، وله موهبة تفسير الأمور بطريقة واضحة وبسيطة".   

من خلال تتبع حياة الرفيق الخالد "فهد" وإيقاعها، نستطيع بكل أمانه وحيادية القول: أنّ فهدا كان حزبا لوحده. ففي الوقت الذي رفضت السلطات منحه جواز سفر ليتعرف من خلال سفراته كما أعلن الى " حياة الناس"، لم يستكين للقرار، بل نراه " مسافرا سيرا على الأقدام عبر خوزستان والكويت وشرق الأردن وسوريّة وفلسطين"،  وحينما كان ينوي السفر الى مصر، وصلته " أنباء التوصل، في 30 حزيران/ يونيو 1930 الى المعاهدة الأنكلو-عراقية". هذا الإعلان هو ما دفع فهد في أن يعود بأسرع ما يمكن الى أرض الوطن، ليعمل مع مؤيديه القليلين على تثقيف الناس بخطر المعاهدة على الإستقلال الوطني، في حين كانت النخب السياسية العراقية ميّالة للمعاهدة عدا خطابات الإدانة من قبل الحزب الوطني.

أن رجلا كفهد وهو يعيد تنظيم حزب شيوعي رغم شدّة الضربات الموجهة إليه من قبل السلطات الملكيّة بمباركة وتوجيه بريطانيين، ويقود من داخل سجنه وثبة شعبنا ضد معاهدة "بورتسوث" ويُسقطها، يعتبر من أكبر الأخطار التي تواجهها السلطات المالكية العميلة للبريطانيين. ولكي تنهي السلطات هذا الخطر الذي يهدد حياتها، قامت بإعادة محاكمة الرفيق الخالد " فهد" ورفاقه، ولتحكم عليهم بالإعدام شنقا. وإن كانت السلطات الملكيّة قد سلمت وقتها، جثتي الشهيدين الخالدين " حازم وصارم" لذويهما ليدفناهما، فأن نفس السلطات دفنت الرفيق فهد " في ساعة مجهولة، في مكان مجهول، من الركن العام في مقبرة المعظّم"، ومن يومها ونسير وشعبنا نحو المجهول، ولن يصبح المجهول واضحا، الّا بأن يكون للشهداء أمثالك مزارات من نور نحجّ إليها لنستلهم منها معنى الوطنية والشجاعة والإباء.

قبل لحظات من إستشهاده الأسطوري في ساحة المتحف وكأنّه قيّم على تأريخ العراق منذ أن عرف الأنسان الكتابة، هتف بجرأة أرعبت جلاديه وهو يسير بثبات نحو المشنقة " لن يموت شعب يقدّم الضحايا .. الشيوعية أقوى من الموت". في اللحظات التي كان فيها حدّاد السجن يقيّد قدمي الرفيق "فهد" بالحديد قبل إعدامه سأله الرفيق: إن كانت أية مظاهرات قد خرجت الى الشوارع ذلك اليوم أو اليوم الذي سبقه"، ليجيبه الحداد "لا"!!

لا، أيّها الرفيق "فهد". فشعبنا بغالبيته ونتيجة لقلة وعيه لايتظاهر من أجل رجال قدموا حياتهم من أجل كرامة وطنهم وشعبهم أمثالك، وشعبنا لا يتظاهر من أجل أن يوفّر لأطفاله الحد الأدنى من العيش بكرامة وآدميّة، وشعبنا لا يتظاهر ووطنه محتل  من قبل العصابات الأجنبيّة، وشعبنا لا يتظاهر والمخدّرات تفتك بأجساد شابّاته وشبابه، لكنه يتظاهر ويسير خلف الفاسدين بشعار " علي وياك علي". شعبنا اليوم لايمتلك قادة مثلك قادرين على تجميع الناس وقيادتهم الى حيث إنعتاقهم من ذل رجال الدين وسطوة العصابات وفساد الأحزاب الحاكمة، قادة قادرين على ترجمة بؤس حياة الناس الى بركان يزيل سلطة الفساد وعصاباتها في المنطقة الخضراء، كم نحن بحاجة إليك اليوم يا "فهد"، وأنت لا تريد أن تلتقي في منتصف الطريق مع أعداء حزبك وشعبك ووطنك، "كونك كنت وطنيا قبل أن تصبح شيوعيا، وعندما أصبحت شيوعيا صرت تشعر بمسؤولية أكبر تجاه وطنك"*.

نعم، أيها الرفيق الخالد، نحن نعيش اليوم عهد الكارثة، التي بدأت بإعدامكم ورفاقكم الميامين، ولم تنتهي بإعدام وتغييب عشرات الآلاف من خيرة شابّات وشبّان العراق من الشيوعيات والشيوعيين والوطنيات والوطنيين وفي مقدمّتهم الرفيق الشهيد " سلام عادل"، بعد أن تحالفت العمامة مع البعث الفاشي في الثامن من شباط الأسود، والذي جاء متمما للرابع عشر من شباط الأسود هو الآخر.

لكم أيها الرفيق الخالد، وكل شهداء حزبنا على مرّ تأريخه، المجد وأكاليل الغار. والعار كل العار للقتلة في كل زمان ومكان في هذا الوطن الموبوء بالموت والجوع.

ما ورد بين الأقواس جاء في كتاب حنا بطاطو " العراق – الحزب الشيوعي ".
*مع الإعتذار للرفيق فهد، على التحوير البسيط في مقولته الخالدة.

زكي رضا
الدنمارك
14/2/2019








79
كم فنحاس إسلامي في العراق اليوم ..؟



لم تقتصر أسواق النخاسة والرقيق عبر التأريخ على دولة دون غيرها، أو شعب دون غيره. بل إمتدّت نتيجة الحروب لتشمل كل الدول والإمبراطوريات التي دخلت الحروب ضد بعضها البعض، وليعرض أسرى تلك الحروب من رجال ونساء وأطفال للبيع في أسواق النخاسة والرقيق. فالإغريق والرومان كانت لديهما أسواق نخاسة ورقيق، وقبلهما كانت هناك أسواق في الدولة الآشورية وغيرها من الحضارات القديمة. وبشكل عام فأسواق الرق والرقيق تمتدان الى عمق التأريخ الإنساني، وخصوصا الى تلك المرحلة التي تحول فيها الإنسان من مرحلة الصيد الى مرحلة الزراعة.

لم يخلو العالم الإسلامي من أسواق النخاسة والرقيق، فكانت هنا ك سوق "دكّة العبيد" في الحجاز قديما وأسواق "تونس" و "باب زويلة" بمصر. أمّا ببغداد العبّاسيّة فكان هناك سوقي "شارع باب الرقيق" و " درب النخّاسين"، واللذان كانا يلبّيان طلبات علية القوم من الجواري وخصوصا ما يطلق عليهنّ العرب بجواري بني الأصفر أي الشقراوات. ومن أشهر تجار الرقيق ببغداد وقتها "أبا عمير وأبو الخطّاب النخّاس وحرب بن عمرو الثقفي"(1) وقد تناول الكاتب "جرجي زيدان" في روايته "العبّاسة أخت الرشيد" أخبار تجار الرقيق في "شارع باب الرقيق" ببغداد بشكل أدبي متناولا هذه التجارة من خلال نخّاس فيها أسماه "فنحاس".

على الرغم من أنّ الإسلام لم ينتج نظام الرق كونه سبق الإسلام بل والأديان بمئات القرون، إلّا أنّ الإسلام أباح ولليوم تجارة الرق شرعيا والتي منعتها البلدان الإسلاميّة قانونيا في دساتيرها على الرغم من أنها "دساتيرها" تعتبر الإسلام مصدر أساس للتشريع ، لكي لاتكون بعيدة عن المثل والقيم الأخلاقيّة التي تنظر الى هذه التجارة كونها من أشد أشكال التجارة قذارة. فها هو معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل ناسا دخلوا عليه عن مهنتهم فأجابوه من أنهم تجار رقيق، يقول "بئس التجارة، ضمان نفس، ومؤونة ضرس"(2)

على الرغم من شيوع ظاهرة الرقيق في الدولة البيزنطية كما الأمويين والعباسيين وغيرهم من الدول والدويلات الإسلاميّة، الا أن المملكة البيزنطية " كانت تحرّم على من ليس نصرانيّا أن يتملك رقيقا نصرانيّا، ولكن المسلمين أباحوا لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرّقاء ولو كانوا مسلمين"(3) . كما كان اليهود والمسيحيين كما المسلمين يبيحون إمتلاك الرقيق ولكنّ " التسرّي بهنّ لم يكن نظاما مشروعا عند اليهود والنصارى، وإن إرتكبه بعضهم فهو خروج عن القانون" (4)

كان من الضروري تقديم هذه المقدمة ونحن نريد تناول "سوق المتعة" ببغداد الإسلام اليوم، هذه السوق التي تديرها عصابات ومافيات لاتستطيع العمل دون ظهير قوي في السلطة، كما وأنها لاتستطيع العمل لو كانت لدينا في العراق دولة مؤسسات حقيقية. لكن هذه السوق وغيرها كأسواق المخدرات والبضائع والأدوية الفاسدة تجد اليوم في عهد إنحطاط العراق لها رواجا كبيرا، وإن تحمّل الضمير العراقي " إن كان لدينا بقايا ضمير" عدم جودة البضائع وإنعدام الخدمات وفساد الأدوية وإنتشار المخدّرات بين تلاميذ المدارس الإبتدائية، فكيف يتحمل بيع بناته في سوق المتعة ليكونن أسارى عمليات جنسية لا تنتهي، كونهنّ ينتقلن من شقة لأخرى ومن دار دعارة لأخرى!!

في العراق لا شيء مستغرب بالمرّة، إلا أنني إستغربت لإستغراب النائب عن كتلة الفتح الموالية لطهران السيد "محمد كريم عبدالحسن"، وهو يبدي إستغرابه "بعد الكشف عن عصابات متنفذة تعمل على بيع الفتيات عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي"!! ولم يكتف النائب بإستغرابه بل أضاف إليه أسفه ليقول "من المؤسف أن نجد في العراق سوق النخاسة الذي لا يقل خطورة عن أفعال داعش وسبيه للنساء"!! ليقول مضيفا أن هذا الأمر لا يمكن السكوت عنه وليؤكّد على أنّ مجلس النواب "ستكون له مواقف جادّة وحازمة إزاء بيع الفتيات العراقيات"!!

البرلمان لن يتخّذ أي موقفا وإن غير جاد لحل هذه المشكلة، كما لم يستطع لليوم من وضع حلول جادّة للمشاكل التي تتناسل كل يوم في العراق المبتلى بحكمكم الإسلامي أيّها السيّد النائب. وإن أتّخذ قرارا جادا حيال مشكلة أو أمر ما في ساعة صحوة ضمير عندكم، فأن تنفيذ ذلك القرار سيكون مرهونا بوجود سلطة تنفيذية قادرة على تنفيذ ذلك القرار. وبوجود نظام المحاصصة وإستشراء الفساد وسطوة الميليشيات، وبوجود خطاب ديني وطائفي يعملان على تدمير النسيج الوطني، وبوجود سطوة لرجال الدين والعشائر، فأنّ تنفيذ أي قرارات خصوصا تلك التي تتعلق بإثراء غير مشروع ومنه "سوق المتعة" وتجارة المخدرات كمثالين من عشرات بل مئات الأمثلة يعتبر وهما لا يجيده الا من يبيع الوهم أي أنتم ورجال دينكم.

القضاء على أسواق الدعارة والمخدرات وتجارة الأعضاء البشريّة وبقية أشكال التجارة القذرة، أكبر من إمكانيتكم أيها الإسلاميّون. لأنّكم لا تمتلكون الإرادة السياسيّة لكي تبدأوا المشوار الطويل للقضاء على هذه الأسواق من خلال إعادة بناء المجتمع والدولة على أسس غير التي بنيت عليها لليوم من جهة، وكونكم تنفذّون أجندة بعيدة عن مصالح " وطنكم" من جهة ثانيّة، ومن أنّكم لستم برجال دولة مطلقا من جهة ثالثة.

العصابات التي تتاجر بنسائنا وبناتنا، أو تلك التي تتاجر بأعضاء أطفالنا، وتلك التي تتاجر بالمخدرات والتي يقول عنها النائب " عبد الحسن" من أنها دولية، لها حماية وأدوات تنفيذ داخلية والسيد النائب يعرفها جيدا. إذ من غير المعقول أن يعرف المواطن البسيط من أنّ المخدرات تأتينا من إيران، ولا يعرف السيد النائب ذلك. لكن السؤال هو، هل يستطيع السيد النائب التصريح بذلك علنا؟

السيد النائب، إننا اليوم ونحن نعيش جحيمكم الإسلامي، فقدنا وطننا وثرواتنا ومياهنا وإرادتنا السياسية وإحترامنا وكرامتنا وهيبتنا كبلد. لقد فقدنا تحت سلطة ميليشياتكم الوقحة أخلاقنا، فها هي أعراضنا تعرض للبيع في أسواق الرقيق، لقد فقدنا عهد عهركم الإسلامي عقولنا التي خدرّتها عمائمكم وأجسادنا التي هدّتها المخدّرات القادمة من دولة ولي فقيهكم. السيد النائب، لو كانت الرجولة هي الفروقات الجسدية بين الجنسين، لكنتم كأسلاميين رجالا. لكن الرجولة سلوك ومواقف لا تمتلكونهما. وقالت العرب وهم يصفون السلوك والمواقف الشجاعة للإنسان من أنّه سلوك رجولي، وإن تحدّثوا عن إمرأة ذات سلوك ومواقف شجاعة قالوا عنها "أخت الرجال". فهل ما حدث بالعراق منذ أن وصلتم للسلطة الى ساعتنا هذه، تشير ولو من بعيد عن رجولة تمتلكونها؟ السيد النائب، من يحلل تفخيذ الرضيعة ، يضع البذرة الأولى للدعارة في المجتمع. السيد النائب، لو عدنا الى رواية جرجي زيدان وسوق الجواري فيها، فمن حقنا سؤالكم عن أعداد "فنحاس" بينكم أيها الإسلاميون.

هلمّوا هلمّوا هواة الجمال .. فساستنا اليوم أشباه رجال

(1) ضحى الاسلام لأحمد أمين الجزء الاول ص 87
(2) الإغاني لأبي فرج الاصفهاني ج.20 ص 27
(3) ضحى الاسلام لأحمد أمين الجزء الاول ص 86
(4) المصدر السابق ص 85 .
 

زكي رضا
الدنمارك 11/1/2019


80
خطاب كراهية من جامع البعث


تقول العرب " سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، ولسوء حظّنا نحن العراقيين أو لسوء أعمالنا، فقد إبتلانا الله أو القدر ليس بسلطان غشوم فقط،  بل وبسلطة لصوصيّة،  وبرلمان فاسد،  وسلطة قضائيّة  للظلم أقرب،  وساسة بأخلاق العبيد، ورجال دين لا يعرفون الّا طرق الفتنة، فهم ( كحمّالة الحطب ) وهم ينشرون  سموم الحقد والكراهيّة بين أبناء شعبنا. ولكي تكتمل الكارثة من كل جوانبها،  فأنّ الفتنة لم تهدأ يوما في أرضنا منذ أن أصبحت للعمامة دورا محوريّا في حياة شعبنا، نتيجة تدهور المستوى الثقافي والفكري وإستشراء الأمية والجهل والتخلّف في صفوفه.

في الوقت الذي نحن بأمسّ الحاجة فيه كشعب عراقي لتضميد جراحنا، ونفض عذابات عقود من الظلم والإضطهاد. وفي الوقت الذي فيه علينا مراجعة أنفسنا، وإدانة كل خطابات الحقد والكراهيّة التي مزّقت نسيجنا الإجتماعي ودمّرت بلدنا. خرج علينا شيخ معمّم  بعمامة إبليس، شاهرا سيف الإرهاب الفكري والديني التكفيري، في وجه أبناء شعبنا من الديانة المسيحية، محرّضا أبناء دينه على عدم مشاركة المسيحيين أعيادهم وتهنئتهم، في تصرّف بعيد عن روح التسامح والمواطنة، تصرّف لا يمت الى الإنسانيّة بصلة وإن أستند على تراث ديني أو غير ديني. وحديث المعمّم هذا يحظره الدستور العراقي في مادته السابعة أولا والذي ينصّ على: " يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون".

الشيخ الصميدعي مفتي الجمهورية العراقيّة  ورئيس هيئة إفتاء أهل السنّة والجماعة، طالب المسلمين في خطبته التي ألقاها في جامع البعث " أمّ الطبول"، بعدم مشاركة المسيحيين العراقيين أعيادهم، وأنّ من يشاركهم أعيادهم هو مثل الذي يأكل لحم الخنزير أو لحم الحمار، وإن كان لحم الخنزير محرما بنص قرآني، فهل لحم الحمار محرّم بنص بعثي  أيها الشيخ!!

الشيخ الصميدعي يقول في جانب آخر من خطبته، من أن أننا نعيش اليوم " سنين الفتنة .. سنين الغضب .. سنين الإنحلال  .. سنين الدماء .. سنين الأنبطاح". بالله عليك إن كنت تعرف الله أيها الشيخ، من المسؤول عن الفتنة بين الشيعة والسنّة؟ هل هم القساوسة في كنائسهم وصوامعهم التي فجّرها الأسلاميّون، أم عمائمكم وهي لازالت تبحث عن من هو أحقّ بالخلافة، عليّ أم عمر؟ من كان ولايزال يمتلك الميليشيات التي ذبحت فقراء الشيعة والسنّة وباقي فقراء شعبنا سنوات الغضب التي ذكرتها، هل هم المسيحيون المسالمون أم العصابات الشيعية والسنيّة والتي لازالت تحمل أحقاد ورثناها من سقيفة بني ساعدة وواقعة الجمل ومعركة كربلاء؟  من المسؤول عن خيانة البلد أيها الشيخ، هل هم المسيحيون أم الذين أدخلوا الدواعش وقادة الحرس الثوري الإيراني والعصابات التابعة له، ليغتصبوا مدننا وأعراضنا؟ أليست العمامة ذات الذؤابة هي من فتحت أبواب المدن السنّية الطابع أمام عصابات القاعدة وداعش؟ أليست العمامة التي بلا ذؤابة هي من باعت وتبيع العراق لإيران؟ أشّر لي على رجل دين مسيحي أو أيزيدي أو مندائي واحد، يمتلك خطاب كراهية كما أنتم، أو ساهم من خلال خطبه في قتل الأبرياء؟

الفتنة أيها الشيخ قد تنام، ولكنني أجزم من أنّ وجود أمثالكم ومنحهم حريّة الخطابة والأفتاء، لا تعني الا ان تكون الفتنة يقظة، وإن نامت فستنام بعين واحدة. انكم ايها الشيخ وانتم تحثّون الناس على عداوة المسيحيين وتكفيرهم  وهم أهل كتاب كما يقول القرآن ،  فإنكم وبلا أدنى شك من المؤيدين لداعش وهم يطبقون شرع الله قتلا
وسبيا  بأبناء شعبنا من الأيزيديين الطيبين. إذ من غير المعقول تكفير أتباع دين سماوي وعدم تكفير أبناء دين وضعي وفق إدّعاكم وليس وفق آراء أبناء الديانة الأيزيدية.

الشيخ الصميدعي يقول في خطبته، أنّ الأحفاد سيعيدون هيبة المسلمين!! لكن الشيخ لم يوضح لنا الطريقة التي سيعيد فيه أحفادنا هيبة المسلمين، هل بإشاعتهم لروح الثأر والقتل والتكفير، أم بجعل العراق خاليا من أبناء الأديان الأخرى!!؟؟  هيبة المسلمين لا تعود بالسيف أيها الشيخ لأن سيوف "النصارى" في الغرب أقوى وأمضى، وإن تحججّت قائلا " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"، فهذا يرتد عليك فها هي إسرائيل وهم فئة قليلة مقارنة بالمسلمين  قد غلبتنا كمسلمين وكعرب، ولكي أطمئنك أكثر أقول، أنّ الحروب اليوم تنتصر فيها الجيوش والقوّاد والأسلحة المتطورة وليس المصلّين والأئمة ومسابحهم ودعواتهم!! أن عودة الهيبة للمسلمين تأتي بعودة الهيبة لبلدانهم، والعراق بلد متعدد الأقوام والأديان والطوائف. ولكي يستعيد البلد وشعبنا هيبتهما من جديد، فنحن بحاجة الى إرساء نظام ديموقراطي علماني، يفصل الدين عن الدولة ويبعثك أنت وكل العمائم الى مساجدكم ويراقب خطاباتكم ويؤنسنها إن لم تكن أنتم قادرين على أنسنتها" وأنتم لست بقادرين".

بدلا من تحريم المسلمين مشاركة أفراح وأعياد أبناء وطنهم من المسيحيين، أطلب منهم الثورة على الفساد والظلم الذي يعيشونه. إذهب الى معسكرات النازحين وغالبيتهم العظمى من المسلمين وحرّضهم على الثورة، هل تعرف معنى أن يكون الإنسان نازحا في وطنه؟  أؤكد لك أيها الشيخ أنّ الأجيال القادمة ستبحث عن أسباب خيبتنا وذلّنا وعارنا، وستكتشف ونحن نعيش عصر الكومبيوتر وليس عصر العنعنة،  من أنكم وبقية العمائم السبب الأرأس في كل ما جرى ويجري وسيجري لنا.

قال ابن مسعود " والله الذي لا إله إلا هو، ما شيء أحوج إلى طول سجنٍ من اللسان!" فأسجنوا وبقية عمائم العراق ألسنتكم التي لم تجلب لنا الا الدمار والدماء كما كانت على مرّ التأريخ الأسلامي ولليوم.

تهنئة من القلب لكل مسيحيي العراق والعالم بمناسبة أعياد ميلاد السيد المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة، لكم أيها الأحبة مسيحيي بلدي أحلى التهاني وأجمل التبريكات وأنتم تحتفلون بأعيادكم المجيدة، ولترفرف السعادة والطمأنينة عليكم ولتستمر أجراس كنائسكم تدق نشيد السلام، فمت أيها الشيخ بغيضك.

زكي رضا
الدنمارك
30/12/2018

 






81
ساسة وعمائم العراق لا رجولة لهم ولا كرامة


مهما بلغ ضعف المرء، الا أنه سيمتلك ردّ فعل تجاه ما يتعرض إليه من إهانة توجه إليه.  ولأننا محكومون بقيّم دينيّة يقودها ساسة وعمائم ينهلون من الدين الإسلامي في كل ما يقومون به اليوم من أعمال مخزيّة، فعلينا ونحن نبحث عن ردّ الفعل تجاه الإهانات بحق وطننا وشعبنا  هو بحثنا في تراث هؤلاء الإسلاميّون لنرى إن كانوا يمتلكون شيء من الرجولة والكرامة تجاه شعبنا ووطننا اللذين أُبتليا بحكم أشباه الرجال هؤلاء. 

يقول الإسلاميّون ونقلا عن حديث للنبي محمّد أنّه قال:  (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وأضعف الإيمان هنا تعني مقاطعة من يأتي المنكر ويروج له ومن يتقرّب من فاعليه. ولعمري فأنا أرى غالبية  شعب العراق هم من  أكثر الناس على هذه الأرض كفرا ونفاقا، فهم يدّعون الإسلام والتشيّع لكنّهم ضعيفي الإيمان و سيكونون في تابوت من حديد يوم القيامة وفق ما جاء في تراثهم الديني. فها هو الإمام عليّ الذي يعتبرونه  قدوة لهم يقول بحق الظَلَمَة من الذين على شاكلة ساسة وعمائم العراق: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظَلَمَة ، أين أعوان الظَلَمَة، أين أشباه الظَلَمَة، حتى من برى لهم قلماً أو لاقَ لهم دواةً فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم).

هل الحاكمين في عراقنا الفاقد لكرامته اليوم ظَلَمَة ولا يملكون رجولة وكرامة ولو بحدّها الأدنى؟ هذا السؤال علينا طرحه على روّاد المساجد المؤمنين من أعوان الظَلَمَة، الذين يحضرون صلوات جمعتهم بإمامة معمّم حليف للظَلَمَة وسارقي قوت الناس، معمّم يتحدثّ عن الفضيلة والرذيلة منتشرة بكل مكان بالبلد، بل وعلى بعد أمتار من المسجد الذي يصلّي فيه ، أو من المكان الذي يسكن فيه ولا يدعو الناس فيه للثورة على الفساد. كما وعلينا طرحه على " مثّقفي" وكتبة السلطة لأنّهم يبرّون أقلامهم ويلقون دواتهم لرجالات الفساد وهم ينهبون شعبنا ووطننا، ساسة دفنوا رجولتهم وكرامتهم وكرامة شعبنا من أجل مصالحهم الضيّقة ومصالح دول الجوار. 

أنّ  كرامة الإنسان باللغة هي: احترام المرء ذاته، وهو شعور بالشّرف والقيمة الشخصيّة يجعله يتأثّر ويتألّم إذا ما أُنتقص قَدْره. وكرامة الوطن لا تذهب بعيد عن هذا المعنى مطلقا، فللوطن عند الرجال شرف وقيمة، يجعلهم يتأثّرون ويتألّمون إذا أُنْتقصَت كرامة وطنهم هذا وقيمته. واليوم ونحن نرى الرئيس الأمريكي يزور جنوده لتهنئتهم بأعياد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، دون أن يخبر أي من أشباه الرجال والساسة وعرّابيهم من عمائم الشيطان ناهيك عن لقائهم، إن كان لهؤلاء ومَن معهم من كتبة السلطة و " مثّقفيها" رجولة وكرامة؟

أنّ فقدان ساسة العراق وعمائمه ومن يدور في فلكهم لرجولتهم وكرامتهم ليست وليدة اليوم وليست حالة إستثنائية، بل هي تربيّة تنبع من ذلّ مستديم. ولو راجعنا مواقف السلطة الذليلة والفاسدة وهي تدمّر وطننا وشعبنا من خلال مواقفها وردود أفعالها تجاه من هو أضعف من الرئيس الأمريكي وبلاده، لشاهدنا مدى الهوان الذي يعيشه عديمي الرجولة والكرامة هؤلاء. فها هو أردوغان يهين العبادي قائلا له " "إنه يسيئ إلي، وأقول له أنت لست ندّي ولست بمستواي، وصراخك في العراق ليس مهما بالنسبة لنا على الإطلاق، فنحن سنفعل ما نشاء، وعليك أن تعلم ذلك، وعليك أن تلزم حدّك أولا". وإبتلع الدعوي العبادي ومن معه من جوقة الفاسدين في الخضراء هذه الإهانة، فإن كان أردوغان يفعل ما يشاء ، وفعل ويفعل لليوم ما يشاء، فما هو المانع في أن يقوم (ترامب) بما يشاء وهو زعيم دولة جاءت بأشباه الساسة والرجال هؤلاء الى دست الحكم؟

مشكلة فقدان الكرامة والرجولة لا تبدأ عند قدوم ترامب الى بلدنا ومغادرته إياه دون أن يخبر سياسيي الصدفة بذلك، ولا من تجوال قاسم سليماني في محافظات العراق المختلفة وتصريحاته التي يتهم بها جيشنا وشعبنا بالجبن  كما جاء في قناة الكوثر الذليلة  لولي الفقيه التي قالت: " لقد تمكن اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في حرس الثورة الإسلامية وسبعون عنصراً من قواته فقط، في العام 2014، من إنقاذ مدينة أربيل مركز إقليم كوردستان من السقوط بيد داعش"!! حينها صمت كل ساسة الصدفة  كما ساسة الكورد عن هذه الإهانة دون أن يرفّ لهم جفن، ودون أن يسألوا أنفسهم عن دور الجيش والبيشمركة في القتال ضد داعش، وهذه الإهانة إبتلعها شعبنا أيضا وهو لا يتظاهر بأكمله ضد هذه التصريحات التي لم تتهم جيشه بالجبن فقط، بل وصلت الإهانة إليه فأبتلعها كرامة لعيون إيران  وحلفائها. بل تبدأ المشكلة " فقدان الرجولة والكرامة" حينما حصّن أشباه الساسة والرجال هؤلاء أنفسم بالمنطقة الخضراء، وحينما رهنوا البلد عند الأجنبي ، وحينما سرقوا ونهبوا مئات المليارات من الدولارات، وحينما أشاعوا الفقر والمرض والأمّية بين الجماهير.  ولكن وعلى الرغم من قسوة السؤال، فهل نحمل كشعب اليوم شيء من الرجولة والكرامة ونحن ساكتون عن كل هذه الخطايا والجرائم بحق وطننا ومستقبله وأنفسنا وأجيالنا القادمة!!!؟؟

إذا ما أعتمدنا مقولات النبي محمّد مثلما يريد الإسلاميّون شيعة وسنّة وهم يعملون على أسلمة البلد، فسنكون نحن المناهضون لسلطة العمائم من العلمانيين الديموقراطيين أقرب الى الله الذي يعبدون منهم، كون  النبي محمّد يقول: " إيّاكم وأبواب السلطان وحواشيها، فإنّ أقربكم من أبواب السلطان وحواشيها، أبعدكم عن الله تعالى". سؤال أخير  موجّه للشعب العراقي: كيف تتخيلون مصير بلدكم وأجيالكم القادمة، لو إستمرّ الذي لا كرامة ولا رجولة لهم من حكمكم لعشرين  سنة قادمة؟

أن تكون لسلطة المحاصصة والعمائم رجولة وكرامة  يوما ما ، أمنيّة لا تتحقق مطلقا ولا في أحلام الأطفال وإنتظارهم لسانتا كروز وهداياه.

زكي رضا
الدنمارك
27/12/2018


82


الى عريان .. ضميرك موزغيرك .. للوطن شدّك


بالأمس رحل (عريان) الجسد، وبقي بيننا (عريان الروح(. ولمّا كان الجسد دوما وهو في ظلمة اللحد البارد أسير للمكان، فهو فانٍ منذ ساعة إهالة التراب عليه وتوديعه. أمّا الروح فأنها لا تعرف الأسر مطلقا، فتراها تحلّق في الفضاءات المرئية وغير المرئية، ومن هنا فأنّ روح عريان لم ترحل عنّا، فهي معنا لتذّكرنا بما تركه لنا من إرث شعريّ نفتخر به.

أستمحيك عذرا عريان، وأنا أجعلك محل "المعيبر عبد" لتكن أنت الشاعر والمعيبر، وعلامتك في مسيرتك الليلية هي نجمتك، لأقول:

عريان ستّر قميصه، إعلى اليعبرون
 وشعل روحه
 إبدربهم
 يكشف الليل
 وفرش جفنه السمح
 عن لا يعثرون

 هل أخطأت وأنا أضع "عريان" مكان عبد؟. أوليس "عريان" من كان شمعة تشتعل لتكشف الطريق أمام الناس في ظلمة العراق، ليدلّهم بأشعاره فارشا جفنه السمح على أرضه كي لا يتعثروا ويسقطوا وهم في طريقهم نحو النهار والشمس؟

 عريان، عراقيّ حدّ النخاع، وطنيّ يعشق عراقه، شيوعي مؤمن بقضايا شعبه. لم يجل بخاطره بيع وطنه كما يبيع المؤمنون وطنهم اليوم، حتّى في أحلامه..

يا شعبي إشكثر عانيت وإنطيت
 وخبزتك
 تنعجن بالهم والأوجاع
 يگطعوني عليك أوصّل
 وأبوس الگاع
 گالولي تبيع
 وگلت ما ينباع
 وأرسم بالشوارع وجهك إمرايات

 آه عريان، رحلت والعراق اليوم معروض للبيع في كشوانيّة من كشوانيّات المؤمنين الفاسدين، رحلت والعراق موشوم بالعمائم كما كان "موشوم بالقنابل". وإن كانت القنابل تفتك بأجسادنا، فإنّ العمائم تفتك بعقولنا.. عذرا نسيت يا عريان، فالحقيقة هي أنّ عراقنا اليوم، موشوم بالقنابل والعمائم والفساد والخيانة. عراقنا تكسّرت أوصاله، فهو اليوم (ع.. ر .. ا .. ق)، فهل سنجمع حروفه من جديد؟ أم سنجلس ونضع العراق أمامنا لنقول له كما كتبت يوما:

وگبالي أگعدك
 عاشگ ومعشوگ
 وأحچيلك بحالي
 أشصار وشجاري
 وأغنيلك .. غنى بهداي .. بهداي
 إعله هضمتنه
 إعله خيبتنا وسفّنه
 الراحت ويه الروج حدّاري

 على الرغم من أنّ السفينة ظلّت السبيل وإنحدرت مع الأمواج العاتيّة، الّا أن عريان لم ييأس وهو يخاطب ربّانا بعينه طالبا منه إنقاذ السفينة وإعادتها الى رصيف الوطن بسلام..

لا تحتار
 بعده الماي مايك
 يا هدير السيل
 عيب السفن ذيچ
 ايسدگها الحدّار
 ونته النوخذه النشمي
 وتشم الريح
 وبليل العواصف
 شيمتك بحّار

 عراق الشاعر عريان السيد خلف اليوم (مثل المصوّب الأهله ما يدارونه ... كلما يطيب الجرح عمدن يلچمونه). ومن جديد أقول لعريان وعن لسانه وهو يخاطب عبد في المعيبر:

عريان هلگد طمع
 بمحبة الناس
 وتريد إشگد بعد تنحب
 يمحبوب؟
 سمونك بسمهم
 گُرّة العين
 ويعدّنوك ذنب
 من تحله الذنوب.

وداعا يللي .. ضميرك مو زغيرك .. للوطن شدّك .. وداعا صيّاد الهموم


 عنوان المقالة والأبيات الشعرية، هي من ديوان (صيّاد الهموم) للشاعر الفقيد عريان السيّد خلف.
 


 زكي رضا
الدنمارك
 6/12/2018 



83
ماركس بين باريس وبغداد

تقول العرب عن المتنبي على أنّه الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فشعره عند العرب وهم شعراء بالفطرة وقتها، تجاوز الى حد بعيد الأشعار التي توارثوها من " الجاهلية" وصدر الإسلام وما بعده. وللعرب الحق أن يفتخروا به كما نحن العراقيين، أوليس المتنبي إبن السماوة التي أرضعت المناضلين ضد الظلم في نقرة السلمان حليب الوطنية، قبل أن ترتد وغيرها من المدن التي لم تعرف الذل الى مستنقع العمامة؟

إن كان المتنبي قد ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره، وهذا الأمر يخصّ الشعوب العربيّة التي تتذوق الشعر أكثر من غيرها حتّى قالت قريش عن محمّد وهو يأتيها بالقرآن من أنّه شاعر. فكارل ماركس لا زال لليوم وسيظل شاغلا الدنيا والناس  بأفكاره التي يبدو أنّها لا تشيخ، بل على العكس فهي تتجدد على الدوام. فقد كتب المحلل الإقتصادي

جورج ماغنوس بعد الركود الإقتصادي بالعام 2009 مقالا تحت عنوان" "أعطوا كارل ماركس فرصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي"، وأنّ "الإقتصاد العالمي يحمل أوجه تشابه كثيرة مع ما تنبأ به ماركس". نعم لقد تنبأ ماركس بمأزق رأس المال العالمي ولكنه ليس بنبي، بل فيلسوف وإقتصادي وعالم إجتماع. والفيلسوف الذي مثل ماركس لا يبني ما يتنبأ به على الغيب ولا على الصدفة، بل يبنيها على حقائق تنتجها الحياة وتزّكيها. فالتأريخ وفق ما جاء به ماركس مثلا لا يُمكن الوصول الى ماهيّته من خلال وجهة نظر كهنوتيّة ولا من خلال المواعظ الأخلاقيّة، بل من خلال النظرة العقلانية وإكتشاف القوى المحرّكة للتحولات التي ترافقها.

قبل إندلاع كومونة باريس بأشهر، حذر كارل ماركس الثوار من مغبّة القيام بالثورة. الا أنه عاد وبعد إندلاعها نتيجة فرضها عليهم، فحيّا الثورة بحماسة كبيرة. ويبدو أنّ ماركس لم يعتمد على فقر الجماهير ومشاركتها الثورة بل إعتمد على وعيها، كون الفقر والظلم والإضطهاد والتمايز الطبقي والقهر الإجتماعي كانوا موجودين قبل الكومونة بوقت طويل. وماركس وبهذا الخصوص هو الذي يقول بحق من أنّ (الفقر لا يصنع ثورة وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة، الطاغية مهمته أن يجعلك فقيرا وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبا).

الأحداث الأخيرة في باريس أثبتت صحّة مقولة ماركس هذه، فوعي الشعب الفرنسي هو الذي قاده الى الشوارع والساحات ليُجبر الحكومة على التراجع عن سياساتها الضريبية التي إستهدفت ذوي الدخل المحدود، ووعي الشعب هذا هو من دفعه الى الشارع  بعد أن رفعت الحكومة أسعار الوقود بضع سنتات. ولم يكن هذا الشعب ينزل وبهذه القوّة الى الشوارع ليجبر الحكومة عن التراجع ولو المؤقت عن سياساتها الإقتصادية، لو كان هناك رجال دين يقودونه. علما أنّ العاطلين عن العمل في فرنسا يتمتعون بتعويضات صناديق البطالة، وأطفالهم يدرسون في مدارس حكومية مجانية، ويستفادون من رعاية صحية مجانية ومتطورة، ولهم نقاباتهم التي تدافع عن حقوقهم أمام مالكي الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصّة. ومن الملفت للنظر أنّ هذا الحراك الجماهيري قد نجح دون وجود أحزاب سياسية تقوده ميدانيا!!

ماذا عن بغداد، وهل أثبتت مقولة ماركس صحّتها فيها كما أثبتت صحّتها في باريس؟  الجواب نعم، كون الحراك الجماهيري الذي يدفع الحكومة ببغداد للتراجع عن حجم فسادها وسرقاتها وإستهتارها بمصير شعبنا ووطننا، لم يقم ولن يقوم بالزخم والإصرار الذي كانت عليه الجماهير بباريس، كون الوعي هناك هو من أشعل فتيل التظاهرات وليس الفقر. أمّا شعبنا الذي يعيش أكثر من ثلاثين بالمئة منه تحت مستوى خط الفقر، شعبنا الذي لا يمتلك أبناءه مدارس ومستشفيات، شعبنا الذي يعاني البطالة وسوء الخدمات، فثورته بزخم كبير من خلال هبّة شعبيّة حتى دون وجود أحزاب تقوده "كما في باريس" يعتبر ضربا من الخيال. لأن الوعي الذي يصنع الثورة كما يقول ماركس، غائب عن الجماهير. فعلاوة على نهج السلطات في ترسيخ غياب الوعي بإعتباره العامل الأساس في تقويض سلطتهم، نرى المؤسسة الدينية المتحالفة مع السلطة تصادر وعي الجماهير هي الاخرى، كما ونرى نسبة كبيرة وكبيرة جدا من الجماهير تبحث عن أفيونها عند هذه المؤسسات الدينية، وليذهب الوطن ومستقبله ومستقبل أجياله الى الجحيم.

شعب يرقص على نشيد موت يلحنه طغاة  ورجال دين .. لن يعيش  بكرامة كما الشعوب الحيّة.

زكي رضا
الدنمارك
 6/12/2018


84
الحل في جعل العراق تحت الوصاية الأممّية


منذ أن أصيب العراق وشعبه بالسكتة الدماغية وأصبحا مشلولين إثر إحتلال البلد وهيمنة القوى المتحاصصة على مقاليده، والأمور تسير ببلدنا من سيء الى أسوأ. فتجربة الخمس عشرة سنة الماضية أثبتت و من خلال الواقع المعاش أمرين ، أولهما أنّ شعبنا بغياب قيادة حقيقية غير قادر على حسم معركته لصالحه وصالح أجياله القادمة، والثاني هو أنّ القوى المتنفذّة لا يهمّها مصلحة شعبنا ووطننا فتراهم ماضون بسياسة الخراب والفساد والتدمير الممنهج لهما خدمةً لمصالحهم الضيّقة ومصالح دول إقليميّة ودولية.

لو نظرنا الى واقعنا الذي نعيشه بحيادية ودون أحكام مسبقة، سواء كانت هذه الأحكام طائفية دينيّة أو قوميّة وهي التي تغرق فيهما قطاعات واسعة من أبناء شعبنا رغم معاناتها وللأسف الشديد. فإننا لا نملك الا أن نؤشر وبوضوح الى أنّ الإصلاح والتغيير مهمتّان لا تستطيع كواهل أشباه الساسة بالعراق من تحملّهما ولا التفكير بهما ناهيك عن تحقيقهما.

لم يكن مفهوم الإصلاح معروفا كمصطلح الّا بعد التظاهرات التي قام بها الواعون من أبناء شعبنا وهم قلّة مع غياب الأكثرية غير الواعية وشيوع ثقافة القطيع، وقد دخلت قوى أخرى غير القوى الحاكمة كالمرجعيات الدينية ولإمتصاص نقمة هذه الجماهير الواعية على خط التظاهرات، لتطالب بإصلاح الأوضاع السياسيّة بالبلد!!! أمّا مصطلح التغيير وهو الطريق الوحيد لإنقاذ شعبنا ووطننا من الدمار، فلم يتم تداوله أو بالأحرى طرحه الّا كشعار ما لبث أن وُضِع على رفّ مهمل. أمّا طرح مطلبي الإصلاح والتغيير في وقت واحد فهو أمر مناف للمنطق السياسي الذي نعيشه، علاوة على عدم قبول الأغلبية العظمى من المتصدّين للشأن السياسي ومنهم مرجعية السيستاني والذي أصبح مرجعا سياسيّا علاوة على مرجعيته الدينية به مطلقا. لأنّ التغيير يعني قبر نظام المحاصصة الطائفية القومية والذي تعتاش عليه أحزاب السلطة وتستفاد منه المؤسسة الدينية، ويعني نهاية أحلام عرّابي السلطة في حكم العراق من خلالهم. كما ويعني أي (التغيير) إنهيار إمبراطوريات مالية وإقتصادية وحكم مؤسسات دينية وعوائل وعشائر وأحزاب وميليشيات، وهذه المؤسسات الدينية والعوائل والعشائر والأحزاب والميليشيات ستقاتل حتى الرمق الأخير للحفاظ على مصالحها.

العراق يحتل دوما في عهد النظام الفاسد الحالي المراكز الأخيرة في أية نتائج بحث تقوم بها مؤسسات دولية وهيئات علمية مرموقة حول مستوى التعليم والصحّة والأمن والخدمات وغيرها مما لا يمكننا المرور عليها هنا لكثرتها، كما وأنه يحتل دوما المراكز الأولى وفق نفس المؤسسات التي ذكرناها أعلاه عندما يتعلق بفقدان الأمن والفساد والفوضى والنهب المنظم لثروات شعبنا. ولإصلاح أمر النظام السياسي الحاكم اليوم مثلما يطرح الساعون للإصلاح، فإننا بحاجة الى أدوات تصل بنا الى هذا الإصلاح، فما هي هذه الأدوات وهل نمتلكها؟ وأين هي الإرادة السياسية للمضي قدما في هذا الإصلاح إن إمتلكنا أدوات التغيير والإرادة واللتان لا نمتلكهما بالحقيقة.

الإصلاح لا يأتي بالتمني ولا بالنيّات ولا بالعمل السياسي تحت نفس الظروف التي أوجدت هذا الخراب الذي نعيشه على مختلف الصعد كالتي نعيشها اليوم، والإصلاح لا يأتي بالصلوات والأدعية، كما وأنّه لا يتحقق بالتظاهرات إن كانت بنفس مستوى اليوم من حيث زخمها الجماهيري، ولا يتحقق الإصلاح حتى بوجود قوى سياسية يهمها الإصلاح وتعمل لتحقيقه لكن دون إمكانيات تمتلكها. الإصلاح في بلد كالعراق تقوده أحزاب هي أقرب الى عصابات ومافيات من كونها أحزاب، ورجال دين هم أقرب الى الرذيلة منهم الى الفضيلة وهم يعتاشون على نظام طائفي قومي كما نظامنا السياسي بحاجة الى أدوات لا تمتلكها هذه القوى مجتمعة، وهي في غير وارد توفيرها وإستخدامها أصلا وإن توفرت عندها.

إننا ولنبدأ الخطوة الأولى بعملية الإصلاح بحاجة لقوانين صارمة لمحاربة الفساد كون الفساد هو رأس حربة كل الجرائم التي نعيشها اليوم، وهذه القوانين ولكي تتحقق فإننا بحاجة الى سلطة قضائية مستقلة ونزيهه، وهذه القوانين إن تمت صياغتها بما يخدم المجتمع والدولة من قبل السلطة القضائية فهي بحاجة الى جهاز تشريعي يعمل على منح الشرعية لهذه القوانين، وإن منحت السلطة التشريعية الشرعية للقوانين هذه فإننا بحاجة الى سلطة تنفيذية لتنفيذها وبقوّة القانون. ومن خلال تجربة سنوات ما بعد الإحتلال لليوم، فأنّ كلّ المؤشرات تدل وتشير الى فساد الأجهزة الثلاثة، ليضاف إليها فساد السلطة الرابعة التي أشترتها الأحزاب بالمال في تأثيرها على العقل الجمعي للمواطن.

لنعود هنا الى التغيير وهو بالحقيقة الشعار الذي علينا رفعه والعمل على تحقيقه بدل الإصلاح الذي لن يأتي مطلقا، لعدم حدوث أي تغيير في العوامل التي كانت ولا زالت سببا في عدم تحقيقه، ولنرى إن كانت له أدوات قادرة على تنفيذه؟ التغيير هو كما الإصلاح لا يأتي هو الآخر بالتمنيات ولا بالنيّات ولا بالصلوات والأدعية أيضا، فالتغيير له أدواته، والأدوات هنا منها ما هو وطني داخلي ومنها ما هو خارجي لا يهمّه التغيير بقدر ما يهمه مصالحه وإمتيازاته وتحقيقهما.

أنّ قوى التغيير الداخليّة، هي أحزاب قادرة على إستغلال التناقضات التي تعيشها أحزاب السلطة وفشلها خلال ما يقارب العقد والنصف من حكمها على بناء نظام مؤسسات، وبالتالي بناء دولة مواطنة حقيقية توفّر للمواطن سبل العيش بكرامة. وتعتبر النقابات ومنظمات المجتمع المدني وجماهير شعبنا الواعيّة التي تشعر بثقل الظلم الذي حلّ بالوطن هي الأخرى من أدوات التغيير المنشود. فهل لدينا اليوم أحزاب سياسيّة قادرة على أن تلعب دورها في قيادة خيار التغيير الذي نحن بأمس الحاجة اليه اليوم؟ وهل لدينا نقابات ومنظمات مجتمع مدني تستطيع تنسيق مواقفها مع الأحزاب التي يهمها التغيير للتواجد بكثافة وليس بالعشرات في التظاهرات المطلبية والتي إن كان لها زخم واسع فأنها ستؤدي حتما للتغيير؟ وهل لدينا جماهير واسعة تملك الحد الأدنى من الوعي الذي يدفعها لتغيير الأوضاع خدمة لمصالحها ومصالح أجيالها القادمة؟

لأننا لا نملك أدوات الإصلاح ولا أدوات التغيير، ولأنّ شعبنا بغالبيته العظمى يعيش فترة السبات الديني المتخم بالجهل والتخلف وغياب الوعي، والمشحون بالنظرة القوميّة والطائفيّة. ولأن السلطة التي نهبت وأساءت إستخدام مئات مليارات الدولارات خلال الخمسة عشر عاما الماضية، تمتلك كل مقومات إستمرارها ونهبها للمال العام وثروات شعبنا لخمسة عشر عاما قادمة وأكثر في ظل الظروف التي نعيشها اليوم. فإننا لا نملك الاّ أن نطالب بوضع بلدنا تحت الوصاية الأممّية، على الرغم من أن الوصاية الأممّية وبموجب الفصل الثالث عشر من ميثاق الأمم المتحدة تعني الوصاية على الأقاليم. كون بلدنا اليوم لا يعيش حتّى كإقليم ناهيك عن كونه دولة مستقلة، فلا حاكميه تهمهم مصلحة "وطنهم" ولا دول الجوار وغيرها تتركنا وشأننا لننتخب النظام السياسي الذي نطمح به دون تأثيراتهم وتدخلاتهم المستمرة بشؤوننا الداخليّة، ولا شعبنا يصحو من نومه وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

هل يمكننا تحقيق هذا الحلم لإنقاذ ما تبقى من بلدنا؟ الأمر لا يعني القوى المهيمنة على السلطة ومن يوجهها ويمنحها التأييد ويباركها. الأمر يهمنا نحن أبناء هذا الوطن المدمّر والمنكوب، أبناء هذا الشعب الذي يعيش في عوز وجوع وبطالة وجهل وتخلف وموت يومي. لتكن شعارات تظاهرات شعبنا القادمة وعلى قلّة المشاركين فيها، هي المطالبة بوضع العراق تحت الوصاية الأممّية بدلا عن الإصلاح والتغيير اللذان لن يأتيا. لنشّكل لجانا تلتقي بالموفدين الأممّين لبلدنا مطالبين إياهم بالسعي لوضع العراق تحت الوصاية الأممية، فخطر إنهيار البلد ودماره في ظل سلطة العمائم والأحزاب الطائفية القومية كبير، والحلول لإنقاذ شعبنا ووطننا من الكوارث التي يعيشها اليوم كالإصلاح والتغيير دون توفر أدوات نجاحهما هي كإعطاء حبّة أسبرين لمريض مصاب بالسرطان.

الوِصَايَةُ بالعربية تعني: الولايةُ على القاصر.
الوِصَايَةُ هي أيضا: نظام قانونيّ لحماية القُصَّر ، وهم مَنْ لم يبلغوا سِنّ الرُّشْد.

ولا أظنّ أنّ شعبنا ومع ثقل الكلمة، قد بلغ سنّ الرشد. فهو لازال قاصرا لا يعرف مصلحته ومصلحة وطنه، و مؤمنا إيمانا غريبا بالموت مفضّلا إياه على الحياة.
 

زكي رضا
الدنمارك
2/12/2012

85
العمائم  هي من أهلكت العراق


العمامة ليست حصرا على طائفة من المسلمين دون سواها، وعليه فأنّ رجل الدين سيدخل في باب إحتكار الدين  والذي هو مخالف لروح الدين الإسلامي إن إدّعى تمثيله للإسلام بعمّته التي يعتمرها فقط دون غيرها. أمّا رجل الدين الذي يخوض غمار العمل السياسي، فأنّه سيدخل في باب الطائفية إن إدّعى أن عمامته هي من تمثل الوطن متعدد القوميات والأديان والمذاهب دون غيرها. ومن هنا فأنّ العمامة الشيعية بأي بلد ليس من حقّها إدعاء تمثيلها لجميع المسلمين سواء في بلدها أو غيره، كما ولا تستطيع العمامة السنّية أن تعلن إدّعائها هذا وبنفس القدر. ومن خلال الصدام المستمر بين العمامتين  بعد نشوء المذاهب المختلفة فقهيا،  والعودة منهما دوما لأول خلاف سياسي نشب حال وفاة محمد والذي جرت وقائعه في سقيفة بني ساعدة، فأنّ العمامتين ساهمتا مساهمة فعّالة في الكوارث التي عانى منها المسلمون منذ قرون.

كمدخل للمقالة نرى العودة للمعاجم العربية لمعرفة معنى الهلاك لغويّا، فالهلاك في اللغة يعني الموت، ومن معانيه الأخرى دَرَسَ وتَعِسَ وشَقِيَ وحَزِنَ وتَلِفَ وفَسَدَ. ومن أضداده بَقِيَ وخَلُصَ و دامَ وسَلِمَ  وعاشَ وقامَ ونَجَا. وعليه فأن رجل دين كهمام حمودي عارف وهو يصرح قائلا ( لولا العمامة لهلك العراق)  بمعنى الهلاك من الناحية اللغوية بشكل جيد، كون العلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة تُدرّس في مرحلة المقدمات بالحوزة الدينية . ولأنّ الشيخ يعرف معنى الهلاك لغويّا، فأنّه يعرف معناه وهو يخوض غمار العمل السياسي بشكله الحقيقي من حيث "البناء" والهدم الذي حلّ بالوطن منذ أن وصل الشيخ ومعه بقية العمائم للسلطة، أمّا كرجال دين أو ساسة ينهلون من فكر المؤسسة الدينية.

لم تكن للعمامة وعلى الأقل الشيعية منها دورا محوريا أو محسوسا في الحياة السياسيّة بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الإحتلال الأمريكي للبلد، وقد إقتصر دورهما (العمامتين) على الوعظ وإقامة الشعائر الدينية ( الطائفيّة). الا أنّهما ساهمتا ولعدم وجود أحزاب سياسية وقتها وبالتعاون مع العشائر العراقية، في ثورة العشرين التي نتج عنها تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وذلك  بعد أن تأثّرت العمامة الشيعية منها  بثورة المشروطة في إيران، فيما كانت السنّية تتبع أوامر الأستانة وتدافع عنها بوجه الإحتلال البريطاني. وبقيت العمامة دون نشاط سياسي ذو وزن حتّى فتوى محسن الحكيم والتي كانت سبب في إبادة الآلاف من خيرة بنات وأبناء العراق، تلك الفتوى التي شيّعت ثورة الرابع عشر من تموز الى مثواها الأخير، وليدخل العراق وقتها ولليوم نفق مظلم ومرعب. ومن الضروري هنا التأكيد على أنّ العمامة لم تساهم كلها بشكل إيجابي  في الأحداث التي مرّت بالعراق، بل كان منها من ساهم بشكل سلبي وهو يحث جمهور العشائر على عدم مقاتلة الأنكليز، كعمامة الشيخ عبد الكريم الجزائري مثلا وهي تطالب الثوار بالهدنة مع الانكليز اثناء مؤتمر الكوفة  فخاطب الثوار قائلا: (الحكومة لاتريد الا الخير، وليس لها قصد سيء معكم، فلا داعي لكلامك هذا، وأنتم لا قدرة لكم على مقابلة الحكومة البريطانية)."1"

نتيجة لعلمانية الدولة العراقية لم تكن للعمامة دورا في السلطة طيلة تأريخ العراق الحديث كما ذكرنا قبل قليل، الا أنّ الوضع تغيّر بعد الإحتلال الأمريكي للبلد. وأصبحت للعمامة والشيعية منها على الأخص ونتيجة لتوجيهات وعمل دؤوب من إيران حتى قبل الإحتلال من جهة، ولقمع البعث " نظام سني" لأنتفاضة شعبنا الآذارية وضربه المدن الشيعية المقدسة بالصواريخ وإستباحتها وتغييب عشرات الآلاف منهم في مقابر جماعية من جهة أخرى، وكرد فعل من قبل جمهور الشيعة لمعاناتهم الطويلة دور كبيرا ليس في الحياة السياسية فقط، بل والإجتماعية والأقتصادية أيضا. فهل هذه العمامة ساهمت بأنقاذ البلد من الهلاك كما قال الشيخ ( همام حمودي) في حديث متلفز له؟

إستند الشيخ حمودي في تصريحه هذا وهو يعني به عمامة السيستاني الى فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها الرجل لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي دون أن يسأل هذا الشيخ نفسه عن، من الذي سلّم ثلث مساحة البلد الى هذا التنظيم المتوحش  والذي كان أحد ضحاياه هم ضحايا مجزرة سبايكر؟ والسؤال الأهم هو إن كان الشيخ قد قال بنفسه بعد إنفجار كدس عتاد في مدينة الثورة والذي ذهب العشرات من الأبرياء الآمنين ضحايا له " أنّ المخدرات والفساد الأخلاقي وخزن المتفجرات داخل المدن هي الوجه الآخر لداعش"، فلم لا تفتي العمامة الكبيرة حسب وصف الشيخ بشكل من أشكال الجهاد ضد إنتشار المخدرات وضد الفساد الاخلاقي وتجارة البشر وتجارة الأعضاء؟ ولم لا تفتي بالجهاد ضد الفساد الذي هو بالحقيقة أقوى تأثيرا من داعش على المجتمع والأقتصاد والدولة برمتها؟

من أضداد الهلاك كما جاء في المعاجم العربية والتي جئنا على ذكربعضها أعلاه هو، النجاة والأستقرار والحياة. وهنا علينا أن نحاور الشيخ قليلا حول ما يعنيه من أن " العمامة كانت سببا في عدم هلاك العراق" من خلال بحثنا عن نجاة البلد من الفساد الذي وصل الى كل مرفق من مرافق البلد، ومنها المؤسسة الدينية. فها هي العتبات المقدسة تمتلك إمبراطوريات مالية تأتي واردتها من تجارتها بكل ما يتعلق بغذاء شعبنا، فشركات الكفيل تحتكر أسواق العراق وخصوصا الشيعية منها، ولم تقتصر هذه المؤسسة على التجارة بل تدخلت بالشأن الصحي حيث تمتلك مستشفيات الكفيل التي لا يدخلها الفقراء والمعوزين لعدم إمتلاك أموال كافية للعلاج فيها، وغيرها الكثير. فهل إحتكار تجارة المواد الغذائية تحت مسمى يدغدغ مشاعر المؤمنين البسطاء والتربح منه، والإستفادة من القوانين التي تحد من منافسة شركات أخرى لها، فساد أم لا، وإن كان فسادا فلم لا يفتي السيستاني بجهاد ضدها وهي في عقر داره!؟

كيف منع السيستاني هدم العراق، ولا يوجد في البلد مرفق واحد يعج بالحياة؟  فالتعليم منحط والمستشفيات دكّات موتى والأرض بور والمياة قاتلة والمصانع والمزارع أصبحتا أثرا بعد عين. لم يصل العراق طيلة عهده الحديث الى الدرك الذي عليه اليوم تحت سلطة العمامة، فالأخلاق شاذّة، والدعارة نتيجة الترمل والفقر تملأ جنبات البلد، وآلاف العوائل تعتاش على المزابل، والشباب عاطل عن العمل، والأطفال يملؤون شوارع المدن والبلدات ليتعرضوا لمختلف أشكال التحرش والأنحراف. ومن هذه المدن النجف الأشرف نفسها حيث تعيش العمامة الكبيرة، فليخرج صاحبها ليرى بأم عينيه كل هذه الجرائم عسى أن يتحرك ضميره الديني ويعلن الجهاد الكفائي ضد سلطة الخضراء والتي العمامة ومنها عمامة الشيخ حمودي إحداها.

الشيخ (همام حمودي)،  من أقوال الأنبياء التي ذهبت مذهب الأمثال حديث محمد وهو يقول: إذا لم تستحي فأصنع ما شئت،  كما ويقول الإمام علي: من لم يستحي من الناس، لم يستحي من الله سبحانه. ووالله أنّ من يرى كل هذا الدمار في بلده ويعتبر البلد غير هالك، لا يستحي وفق حديث محمد، ومن لا يستحي من " شعبه" لا يستحي من الله كما يقول الامام علي فتراه يسرق ويزني ويفسد في الأرض. كما وأنّ الجهاد ليس واجبا على العامّة دون الخاصّة ومنهم أنت أيها الشيخ، فمن المفروض وأنتم تستنهضون همم الناس لقتال داعش أن تكونوا ومعكم باقي العمائم في مقدمة المعارك وليس في خزائن البنوك أو في مناطق آمنة لا يدخلها المواطن كالمنطقة الخضراء، أو التنقل بسيارات مصفحة. وهذا ما حاولت مجموعة من ثوار ثورة العشرين تذكير العمائم بها حينما بعثوا برسالة لهم تدعوهم لمشاركتهم القتال، فكتبوا لهم قائلين: (بلغوا حجج الإسلام، القرآن والمواعظ تلوناها وبرقياتكم إلى العشائر نشرناها فلا ينفع ذلك إلا الإقدام بأنفسكم، الأقوال بلا أفعال تذبح الإسلام ولا نعلم إن الجهاد واجب على العامي ولا يجب عليكم المعلوم قدومكم يهيج الإسلام، فالله الله في حفظنا "2".

لتبدأ العمامة الكبيرة بأهلها المقربون من أولاد وأحفاد، ومعهم أنت ايها الشيخ وباقي العمائم في محاربة الفساد بفتوى، فالفساد آفة أشد فتكا من الإرهاب، اللهم الا إذا كنتم أنفسكم فاسدون، وهذا مما لا شك فيه ونحن نرى بلدنا يسير بخطى متسارعة نحو الإنحطاط  وأنتم على رأس السلطة فيه. إن كانت العمامة السنّية قد إستقدمت الإرهاب، فأنتم لاتفرقون عنها بشيء سوى بنشركم للتخلف والجهل والشعوذة مناصفة معهم. إنّ قوانين العشيرة وهي تتحكم بمفاصل المجتمع لدليل على فساد العمامة والساسة الذي في فلكها ودورها في تخريب الدولة والمجتمع. ويبدو أنّ الحل الأمثل لإنقاذ البلد من الهلاك هو برحيل العمامة الى مكانها الصحيح بعيدا عن السياسة ودهاليزها.

لا أملك وأنا أنهي هذه المقالة الا الإعتذار للشاعر المبدع (خلدون جاويد) لأقول:

عمائكم يا همام لا تطاق .. جرب أصيب به العراق

إِنَّ هَلَاكَ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ سُفَهَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ (حديث).

 لا يسعني وأنا أقرأ هذا الحديث الا قول: إنَّ هَلَاكَ العراق عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ سُفَهَاءَ مِنْ المعممين.

1-لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث لعلي الوردي  ، ج 5 القسم الاول ، ص 251
2-.   عبد الحليم الرهيمي، تاريخ الحركة الإسلامية في العراق (1900 - 1924)، ص 164 .

زكي رضا
الدنمارك
15/11/2018 

86
هل خرجنا جزئيا من نهج المحاصصة!؟


يتمنى البعض وهو يتابع اللعبة السياسية تحت قبّة ما يسمّى ببرلمان الشعب، أن لا يعود العراق بحكومته الجديدة الى المربّع الأوّل، وكأنّ العراق قد غادر هذا المربّع وسيعود إليه لظروف سياسية جديدة!! ولا ندري هل يعي هذا البعض خطورة التشكيلة الوزارية اليوم عن اللواتي سبقتها؟ وهل يعي خطورة القوى السياسية والتي هي بالأحرى ميليشياويّة وموقعها في البرلمان الحالي والدور الذي ستلعبه في شدّ العملية السياسية الى صخرة المحاصصة التي لازالت مكانها في المربع الأول، لتعبث كما عبثت منذ الساعة الأولى للإحتلال بمستقبل شعبنا ووطننا من خلال تنفيذ أجندة بعيدة عن مصالحهما؟

لقد دخلت بعض القوى الإنتخابات وهي تراهن على تغيير نهج المحاصصة الطائفية القومية من خلال تبني قائمتها برنامج حكومي طموح، يمنح رئيس الوزراء المنتخب صلاحيات واسعة لتشكيل حكومة تكنوقراط ويطلق يديه في إستيزار من يتوسم فيهم الكفاءة دون الرجوع الى الكتل السياسية التي تشكل البرلمان الحالي. لكن ومن خلال ما أسفرت عنه التشكيلة الأولية  للوزارة وتأجيل البت في عدد من الوزارات منها الدفاع والداخلية، فأن الامور لا تشير مطلقا الى إمكانية رئيس الوزراء المنتخب في تشكيل حكومة قويّة قادرة على تنفيذ برنامجها السياسي، علاوة على عدم إمكانيته من تجاوز إملاءات القوائم الممثلة بالبرلمان ودورهم في التصويت على من سيرشّحه رئيس الوزراء من وزراء. بل تشير ومن خلال إستمرار توزيع الرئاسات الثلاث على الطريقة (البريميرية)، من أنّ حلم الخروج من نهج المحاصصة قد تبخر من جديد رغم وجوده  كبخار على الدوام، ليس من خلال تشكيل الحكومة فقط بل من خلال لعبة فرز الأصوات  وحرق صناديق الإقتراع والعودة للفرز اليدوي والبت بنتائج الإنتخابات بعد أسابيع طويلة من إجرائها  لتوزيع الحصص في البرلمان، تلك التي سبقت تشكيل الحكومة. وهذا يعني وكما يقول المثل العراقي من أنّ سمكة العملية السياسية ( خايسه من راسها).

إنّ الوزارة الجديدة وبغضّ النظر عن برنامجها الإنتخابي، لن تكون أفضل من سابقاتها. وفشلها في تحقيق الإستقرار والأمن وإعادة الحياة  لعجلة الإقتصاد وصياغة مفهوم جديد لدولة المواطنة، مسألة وقت ليس الا. وإن كانت الحكومات السابقة فشلت في تحقيق ما يصبو إليه شعبنا من آمال وتطلعات بحياة كريمة، فإن تحقيق هذه الآمال والتطلعات ستكون أصعب بكثير خلال السنوات الأربع القادمة، كون رجال العصابات والميليشيات سيكونون ضمن تشكيلاتها كونهم ممثلون في البرلمان.

إنّ تطبيق البرنامج الحكومي ونجاحه لا يعتمد على التوقعات والتمنيات، بل على نظرة شاملة وكاملة للنهج السياسي للسلطة، ومدى جدية الأطراف المهيمنة على المشهد السياسي وخلفها ميليشياتها ومافياتها  لتجاوز الحالة المستديمة لنهج المحاصصة. لذا فأن عقد الآمال على الخروج الجزئي من نهج المحاصصة من خلال التشكيلة الوزارية الجديدة ليست سوى أضغاث أحلام. إنّ السيد رئيس الوزراء ومن خلفه القوى التي تحلم بالتغيير من خلال الحكومة القادمة والدور التشريعي للبرلمان، سيكونون أمام إختبار حقيقي خلال المئة يوم الأولى. ومن خلال نظرة أولية على الشد والجذب وتوزيع الحصص في التشكيلة الوزارية، نستطيع الإعلان وبشكل مريح عن فشل مشروع الإصلاح المنشود.

هل رئيس الوزراء الجديد قادر على معالجة ملفّات الأمن والفساد وحصر السلاح بيد الدولة، بإعتبارها مدخلا لحل مشاكل البلد المتراكمة؟ هل السيد رئيس الوزراء يعي أنّ التعليم وجودته والثقافة  بمختلف حقولها هما من يفتحان الأبواب أمام تطور مجتمعنا، وهل سيكون قادرا على لجم القوى الدينية كي لا تكون الوزارتان من حصتهما وليعم الخراب بلدنا أكثر من ذي قبل؟ هناك عشرات الملفّات الساخنة التي تحتاج الى حلول سريعة، أو الى إنتهاج آلية للبدء بها، لكن ومن خلال التشكيلة الوزارية غير المكتملة سيكون رهاننا على نجاح السيد عبد المهدي هو كرهاننا على حصان خاسر.

إن كان البعض يتوقع من إننا خرجنا جزئيا من نهج المحاصصة، فالغد كفيل في أن يريه ويرينا عودتنا إلى نفس النهج من بابه الواسع من جديد، هذا إن كنا قد خرجنا منه فعلا.

زكي رضا
الدنمارك
27/10/2018



87
الزهاوي يدعونا للثورة على الجحيم.. كما ثورته -2


الزهاوي وهو يدافع عن المرأة وحقوقها، ويغوص في الفلسفة والعلم والإختراعات ليعبّر عنها شعرا، كان العراق كما بقيّة  شعراء البلد في قلبه وضميره وشعره. وإني هنا لا أريد أن أغوص في مواقف الزهاوي السياسيّة، ولا مواقفه من أحداث عاصفة هامّة كثيرة مرّت في فترات حياته، قدر ما يهمّني الإستفادة ممّا جاء به من قصائد يحثّ فيها الناس على الثورة وطلب العلم ونبذ الجهل والعصبيّة. إننا في العراق اليوم لبحاجة ماسّة الى هدم القديم وبناء الجديد، الى قبر التخلف والجهل وإشاعة التقدّم والعلم، الى منح العقل حرية التفكير وفك إساره. فأغلال العقل أشدّ أثرا من أغلال وأصفاد اليدين، فالأوّل هناك صعوبة في كسره ويقبل العبودية والذلّ كأمر لا بد منه وأحيانا كأمر مقدّس كما عندنا اليوم، أمّا الثاني فإننا بحاجة الى عضلات قويّة ومطرقة لتحطيمها أو قانون يمنعه وهو أمر ممكن. والوعي هو من يناصبه رجال الدين العداء على مرّ العصور، لأنّ بعدائه حياتهم وترفها وسلطتهم وسطوتها.

 والآن لنرحل مع بعض أبيات شعر الزهاوي من قصائد مختلفة، تلك التي خاطب به العقل العراقي محفّزا إياه على إسترداد عافيته من خلال إسترداد وعيه، وليدغدغ من خلالها مشاعر وطنيّة وإنسانيّة يتمناها أن تكون موجودة ولو في العقل الباطن للجمهور، عسى أن يستعيدها الجمهور ويخرج من قمقم اللاوعي الذي أدخلهم إليه رجال الدين وأضاعوا طريقة فك طلاسمه عمدا.

في قصيدته "عن بغداد" والتي خاطب فيها أعداءه، نستطيع أن نرى فيها واقعنا اليوم، حيث الصعاليك هم من يقودون البلد، ولا أعتقد من أنّ الزهاوي  يعني بهم اولئك الصعاليك من أشباه (عروة بن الورد)، الذي كان يسرق ليطعم الجياع والفقراء، بل يعني بهم صعاليك المنطقة الخضراء الذين يسرقون ليجيعوا الفقراء. كما أنه يشبّه الأسلاميين وغيرهم من قاطني الخضراء بالغربان، وأظنّ هنا أنّ تشبيههم بالغربان كان دقيقا للغاية كون الغراب رمز للتشاؤم عند العرب.

بعصر به الأقوام تنشط للعلى ........... أرى البعض لايزداد غير جمود
صعاليك سادوا ثم سيدوا بجهلهم .......... فأذمم بهم من سائد ومسود
أشاهد غربانا بأوكار أنسر ................. وألقى ذئابا في عرين أسود

ليقول بحق زعيم الذئاب التي تنهش العراق وشعبه علما من أننا اليوم نعيش تحت ظل أكثر من زعيم وأكثر من قطيع للذئاب،  الا أنّ أغلبهم كما قال الشيخ وبغضّ النظر عن شكل زعامتهم دينية كانت أم سياسية ليسو سوى جواسيس للأجنبي.
تجسس من بعد الزعامة للعدى ..... وما كان منهم أجره بزهيد

ثم تراه ينتقل الى وصف هو الأقرب الى وصف شعبنا اليوم،  وهو يسير نحو حتفه لجهالة وطائفية وعشائرية. فيتناول بالنقد عادات وتقاليد ورثناها وجعلناها نتيجة ضياع القانون والدولة، جزء من عصبيتنا العشائرية التي أستفحلت اليوم وهي في طريقها لتدمير ما تبقى من دولة وموتها،   فيقول:

وليس الذي في القوم من عنجهيّة ......... سوى إرث آباء لهم وجدود
إذا كان مشي المغمّضين الى الردى ...... وئيدا فمشي القوم غير وئيد

ليقول واليأس يملأ قلبه من شعب نسى ثوراته وأنتفاضاته  يومنا هذا وهو يقاسي الأمّرين بعد أن إستسلموا لمفهوم القدر، فيقول :

ولكنّ قومي فوّضوا الأمر كلّه ...... الى قدر من ربهم وجدود
لقد خمد الثوّار بعد شبوبهم ...... وقد لا تشبّ النار بعد خمود

في قصيدته " طاغية بغداد" ومن خلال دعاء عن لسان نوح، وكأنه ونوح حاضرين اليوم والعراق يجتاحه الطوفان الإسلامي بطاعونه وكوارثه، ودون أن يكون هناك (جودي)  لتقف عليه سفينة النجاة  اللهم الّا قمة جبل " البرز" كي يُغرقها وليّ الفقيه ، أو قمّة في سلسلة جبال روكي عند العم سام ليجعلها تسير نحو شواطئه كونها حمولتها نفط وليس شيئ آخر. أقول في قصيدته هذه يصف الطواغيت من ساسة العراق وعمائمهم وأحزابهم وميليشياتهم وعصاباتهم ولصوصهم وما أكثرهم،  من أنّهم ليسو سوى منافقين وفي ضلالة ولا يعرف الحقّ اليهم طريقا،  فنراه يقول:
ربّ أنّ المنافقين ببغدا ............. د كثير وقد أتوا ضرارا
ربّ إنّي نصحتهم أن يتوبوا  ....... ثمّ إنّي أنذرتهم إنذارا

حتّى يقول متوسلا بالله  وداعيا عليهم بالفناء، كونهم لا يخلفون في الحكم الا أمثالهم من المجرمين:

أن قومي قد أفسدوا لا تذر ..... ربّ على الأرض منهم ديارا
إن تذرهم يا ربّ في غيّهم لا ............ يلدوا الا فاجرا كفّارا
إنهم من ضلالهم في تبار ........... لا تزدهم يا ربّ الا تبارا

وكأنّه ينتقل بنا الى ذُل العبيد وهم يقبلون أيادي السادة كما اليوم، نراه يلهب ظهورهم بأبيات من نار كي ينتفضوا إمّا ألما أو بحثا عن حرّية باعوها، ولكنّ العبيد غافلون وفي بحر جهالتهم نائمون وفي محيط ذلّهم قانعون، فيكتب في قصيدته (حتّام تغفل):

وتلطمنا كفّ الإهانة منهم ................... فنلثمها من خشية ونقبّل
شريف ينحى عن موطن عزّه ............... وآخر حرّ بالحديد يُكبّل
لقد عبثت بالشعب أطماع ظالم ........... يحمله من جوره ما يحمل
فيا ويح قوم فوّضوا أمر نفسهم ...... الى ملك عن فعله ليس يُسأل
أيأمر ظل الله في أرضه بما ........... نهى الله عنه والكتاب المنزّل؟

بماذا نهى الله في كتابه المنزّل؟ هل نهى عن الفساد، فلمَ أنتم فاسدون؟ هل نهى عن قتل النفس، فمالكم تقتلون النفوس؟ هل نهى عن السرقة، فمالكم تسرقون؟ هل نهى عن الخيانة، فمالكم تخونون "بلدكم"؟ أمّا إن كان الله " حاشا الله"  قد حلّل كل هذه الموبقات فنراكم تتسابقون ساسة وعمائم لتحقيقها، فأن إله كهذا ليس جدير بالإحترام، كونه قاتل وفاسد وسارق وخائن.

وكأنّه يخاطب معمّم ذو سطوة وجاه  ليقول له مكذّبا إياه في محاربة الفساد رغم حديثه عنه لسنوات طوال، نراه يقول:

تقول إذا عمّ الفساد فأنني ....... بإصلاحه في فرصة متكفلّ
أبعد خراب الملك وذلّ أهله ..... تهيء إصلاحا له أو تؤملّ؟

فهل يعي شعبنا ما قاله الزهاوي، وما هي السبل التي علينا ولوجها والأبواب التي علينا طرقها كي يعي شعبنا ما يعيشه من ذل وعبودية وجهل وتخلف؟

الزهاوي في قصيدته " قضى الله" يقرأ واقعنا المخزي قراءة حقيقية وصادقة وكأنه يعيش عصر العمامة والخضراء، عصر تهديد الثوار والأحرار وقتلهم غيلة وعلانية، عصر ضياع الفضيلة وإنتشار الرذيلة، عصر ضياع كل ما هو وطني وشريف، فيقول:

قضى الله أن تشقى بلاد بربّها ............. فيكرم ذو نقص وينكى صَمَيْدَع
قضى أن يعيش الحرّ فيها مهددا ......... مهانا، وهل مما قضى الله مفزع؟
بلاد بها قد ضاع من كان فاضلا ............. وللملك من أهل الفضيلة أضيع
حملنا الأذى حتى حنى من ظهورنا ...... ولم يبق في قوس التحملّ منزع

ويبدو أنّ الزهاوي كان حيّا وهو يرى الخونة يسلمّون ثلث أراضي العراق للإرهابيين الدواعش، وليستمروا في السلطة دون أن يحاسبهم أحد ليقول:

رعى الله شعبا أهملته رعاته ........ وملكا كبيرا ركنه متزعزع
تُقْطَع منه كل يوم مدينة  ....... " وما الكفّ الا أصبع ثم أصبع"


وفي الأبيات التالية، لا نستطيع أن نتساءل إن كان الزهاوي حيّا حينما نظّمها أم ميْتا، بل نستطيع أن نراه في مقهاه اليوم، مقهى الزهاوي الكائن  في ما تبقى من شارع الرشيد جالسا على إحدى " الكرويتات" وهو يدخّن سيجارته ويرتشف (إستكان) شاي أسود كسواد نهار العراق الإسلامي، وينظر بأسى لحال الشارع الذي هو جزء من حال البلد بنظرة فيلسوف،  الى المارّة وروّاد المقهى والموت يسير معهم جنبا الى جنب (الموت في مدينة كبغداد يسعى الى الناس في كل خطوة يخطونها)"1" فيقول بأسى والدموع تبلل شيبته:

قد سكنّا وليتنا ما سكنّا ........... في بلاد كثيرة الأزمات
في بلاد نُسام فيها خسفا ...... ونطيل السكوت كالأموات
فكأنّ الأحرار فيها عبيد .............. وكأنّ الأُباة غير أُباة
حتّى يقول :
يا إبنة القوم قد أصابني الضّر ........... فأسبلت للأسى عبراتي
لا تلومي على البكاء حزينا ..... قومه أخضوضعوا لحكم العداة
لا يرى ثورة لهم قد تميط ......... الضر عنهم وتذهب الويلات

الزهاوي على ما يبدو يتابع عن كثب مهزلة الحكومة والأنتخابات، والناخبين الذين لجهالتهم لا ينتخبون الا اللصوص في كل إنتخابات، يدعو الى تغيير شامل وليس الى إصلاح من خلال ثورة عارمة، وعدم الركون الى أشخاص بإعتبارهم حبال نجاة لما تمر بها البلاد وشعبها، مذكّرا الشعب بحقوقه وظلم الحكومة، فيكتب:

فهناك أهل يجهلون حقوقهم ............. وحكومة تعتو ودهر عادي
هم أيّدوا الحكّام في تدميرها .............. فكأنّهم لو يجهلون أعادي
وقد ألتقت فيها الجهالة والردى ............... فكأنما كانا على ميعاد
نظرت الى الأحرار من أبنائها ..... " نظر المريض بأوجه العوّاد"
ليس النجاة لأمة من أسرها ...................... ممّا يتم بهمّة الأفراد

لا أملك كلمات لأقولها للزهاوي، وهو ينظر الى الأحرار نظرة مريض بأوجه عوّاده، متمنيا منهم دواء لشفاءه ممّا هو فيه وهي ثورتهم لتغيير واقع البلد الا: عذرا أيها الشيخ الجليل، فقد بعنا حريتنا وبتنا نشعر بلذة عارمة من عبوديتنا ولثم أيادٍ لا تريد الخير لشعبنا ووطننا تحت حجّة المقدّس، وأزيدك من الشعر بيتا لأقول: من إننا لم نكتفي بتقبيل الأيادي و (المدِسْ)** بل نقبّل اليوم حتّى إطارات ( الجكسارات) "3"  . عذرا، فالجهل والتخلف هو لباسنا، فهل يثور الجاهل والمتخلّف؟. أيها الشيخ الجليل والوقور، لقد منحنا عقولنا أجازة مفتوحة ورغم ذلك رفض المعممّون منحها الإجازة، وأصّروا على قتلها.. فلنقرأ عليها الفاتحة سوّية. 

وفي مصر وهو يحييها بقصيدة ( يا مصر) كان العراق معه في حقيبته، يحمله رغم ثقله "العراق" ووهن عوده، يبحث فيه عن العقل والوعي، ناسيا على ما يبدو وأدهما من قبل أبناء قريش من السادة وعلية القوم فيهم. فتراه يصف العراق وإضطرابه وصراعات الساسة فيما بينهم والناس، ليصف وعن حقّ أنّ بغداد على سعتها أمست مقبرة، ويبدو أنّ القافيّة الشعريّة منعته من وصف العراق بأكمله بالمقبرة، أو أنّه كان يرمز للعراق من خلال بغداد فيقول:

وأنّ العراق اليوم كالبحر مائج ............ به تعبث الأنواء والمدّ والجزر
طغى ثم غاض البحر من بعد ما طغى ..... وليس بما في نفسه يعلم البحر

حتى يقول:
يلومون من يأبى سوى العقل هاديا ..... ويرمون بالكفر لإمرأ ما به كفر
وضاقت بنا بغداد حتى كأنها .................. على رَحِبٍ فيها لأبنائها قبر

نستطيع أن نرى الزهاوي يجوب مدن العراق الخربة، ويلمس جهل الناس وغرقهم في الأوهام والغيبيات، ودور المؤسسات الدينية في تكريس واقعهم المزري هذا من أجل هيمنة الطبقة السياسية الحاكمة التي تربطهما علاقة مصيرية سويّة مع المؤسسة العشائرية. كما نستطيع أن نرى أنّه لا يحمّل وزر مأساتنا عليهم وحدهم، بل يحمّل الجزء الأكبر منه للشعب الذي خدّرته العمائم والمناسبات الدينيّة التي هي كما الحروب، ما أن تنتهي أحداها حتى تبدأ الأخرى وهكذا يضل شعبنا يسير من مناحة لأخرى، ومن مأتم لآخر. مطلّقا الحياة طلقة بائنة لا عودة فيها، فيقول:
أبناء دجلة والفرات نيام ............ عن حقّها وتسرها الأحلام
وإذا الحقائق لم تجد في أمّة ........... سندا تقوم مقامها الأوهام
إنّ العراق به يعيش لشقوة ........... شعب يُسام الذُلّ ثم يُسام
ألفوه حتى صار فيهم طابعا ....... من طول ما صفعتهم الأيّام
لو كُلّفوا مشيا على أرآسهم .......... لمشوا كأنّ رؤسهم أقدام

 أيها الشيخ الجليل ، لو كان القوم يستطيعون المشي على أرآسهم  لرأيتهم يمشون فرادا وجماعات، لكنني أخبركم من أنهم يمشون اليوم على بطونهم وعلى صدورهم وعلى إلياتهم وعلى أيديهم وأرجلهم كما الكلاب، ويفتخرون كونهم كلاب. وليبكي في آخر القصيدة العراق وخلّوه من رجال ذي همّة لإنقاذه من براثن الجهل والتخلف الغارقين فيه ببحر الإسلاميين المتلاطم أمواجه ليقول:

عن كل مملكة يذود همامها ..... أمّا العراق فليس فيه همام

في إلتفاتة الى جوع الشعب وتُخمة الحكّام والمعممّين يشير الى ضياع الناس، مطالبا إياهم ضمنا بالثورة على واقعهم البائس، فهل سيثور الجياع؟

لقد أشبعوا بالطيّبات بطونهم ............ على مشهد منّا لهم وأجاعونا
وقد حفظوا حقّ الحياة لنفسهم ...... بما إغتصبوا من حقّنا وأضاعونا

من خلال حال البصرة التي ثارت من أجل الماء، والسكوت المخزي لباقي العراق شعبا بأغلبيته وأحزابا "الا القليل" ومؤسسات دينية عن جرائم قتل المتظاهرين و إغتيال الناشطين وتهديدهم وإتهامهم بشتى الأتّهامات الباطلة، وعدم التظاهر لنصرتهم لتموت إنتفاضتهم البطوليّة. أقول للزهاوي: لن يثور شعبنا إن جاع، وسيثور عندما يستعيد وعيه، فهل هناك إمكانيّة لعودة الوعي والسلطة ومعها المؤسسات الدينيّة تعمل على تكريس الأميّة والجهل والتخلّف من خلال قتل التعليم والثقافة والفكر؟

إننا هنا لا نخاطب الزهاوي بشخصه، والبصير والجواهري والرصافي وبحر العلوم، ولا نازك والسيّاب وبلند، ولا النوّاب وعريان وغيرهم العشرات من شعراء العراق ، بل نخاطب كل شعراء العراق من الذين تهمهم مصلحة شعبهم ووطنهم، ليثوّروا الناس ضد سلطة الإجرام والرذيلة. نخاطب كل كاتب يحمل قلما حرّا لنصرة شعبه ووطنه في فضح الفاسدين وبياعي الوطن، إننا هنا نخاطب كل مثقف وفنان ومسرحي ونحّات ورسّام في عكس آلام شعبهم بأعمال تقضّ مضاجع المجرمين المتخلفين وتنشر الوعي بين الجماهير. شعبنا ووطننا  تقودهما المؤسستين الدينية والعشائرية والأحزاب المرتبطة بهما الى مقبرة مفتوحة، فلنهدم هذه المقبرة بالكلمة والشعر والنحت والرسم والغناء والتمثيل والقصّة والرواية، ولنبني على أنقاضها حدائق ومدارس ورياض أطفال ومسارح ومكتبات.. العراق يموت، فلنعيد إليه الحياة بالعمل المتفاني ودون كلل، فالحريّة لا تأتي بالتمنيات. 

 

1 - من مقالة ( عودة من المنفى) للشهيد كامل شياع.
2 – المِدِسْ جمع مْداس باللهجة الجنوبية، وهي أشبه بالنعال منها الى الحذاء، وينتعله رجال الدين والعاملين في المقامات الدينية بالعراق.
3 – الجكسارة، مصطلح يُطلق على سيّارات مصفّحة يستقلها الساسة ورجال الدين بالعراق خوفا من غضب الجماهير.

زكي رضا
الدنمارك
22/10/2018






88
ومضات من كربلاء والكوفة

السيّدة زينب

لولا السيدة زينب بنت الأمام علي، لما كان للشيعة الأماميّة وجود، فهي من أنقذت سلالة الحسين من الإنقراض بعد إنقاذها إبن أخيها علي بن الحسين المعروف بالسجّاد من الموت وهو في دار الإمارة بالكوفة. عقيلة بني هاشم ولبوتهم لم تفقد رباطة جأشها وشيعة أبيها وأخيها يقتلون أهلها واحدا تلو الآخر وهي تنظر إلى مصارعهم  في ساحة المعركة، لكنّها لم تطق صبرا وهي ترى شيعة أبيها في عاصمة خلافته يبكون الحسين الذي قتلوه قبل ساعات وهي متّجهة بجيش من الأطفال الأيتام والنساء الثكالى الى دار الإمارة حيث مقر الوالي الأموي كأسيرة، هذه الدار التي كانت يوما تسكنها وأخويها حينما كان أباها الإمام علي خليفة للمسلمين ولها فيها الكثير من الذكريّات.

زينب التي غيّرت مجرى التأريخ الحسيني لم تطق صبرا وهي ترى شيعة أبيها يبكونها والحسين، وهم الذين خذلوا أباها وقتلوا أخاها وقبله إبن عمّها مسلم بن عقيل شرّ قتلة. فجالت ببصرها إليهم متذكرّة أجساد شهداء الواقعة الذين تركتهم في العراء مجندلين فزأرت بوجه هؤلاء الجبناء بعد أن أشارت إليهم أن أسكتوا: أمّا بعد يا أهل الكوفة " شيعة" أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنّة! إنّما مثلكم مثل الذي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا، تتخذّون إيمانكم دَخَلاّ بينكم، الا ساء ما تزرون.أي والله فأبكوا كثيرا وأضحكوا قليلا، فقد ذهبتم بعارها وشَنارها، فلن تَرْحَضوها بغسل أبدا، وكيف تَرْحَضون قتل سبط خاتم النبوّة ومعدن الرسالة، ومدار حجّتكم ومنار محجّتكم، وهو سيد شباب أهل الجنّة، لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء.أتعجبون لو أمطرت دما؟ الا ساء ما سوّلت لكم أنفسكم، أن سَخِطَ الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتدرون أيّ كبد فريتم ، وأي دم سفكتم، وأيّ كريمة أبرزتم؟ " لقد جئتم شيئا إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا"*. 

أي والله يا عقيلة الهاشميين وكأنّك اليوم في الكوفة من جديد، فلا زال شيعة أبيك يبكون ولا تسكن عبراتهم. ليس من أجل الحسين وهم قاتلوه إن جاءهم يطلب إصلاح أمرهم اليوم كما قتلوه بالأمس، بل كونهم يعيشون الذلّ تحت حكم بنو أميّة الساكنين في دار الإمارة بالخضراء. وإن لم يحصل يزيد بن معاوية على فتوى من أي رجل دين ليقتل الحسين، فأن رجال الدين بالعراق يمنحون رضاهم وفتاواهم لحماية دار الإمارة، وقتل العراق وشعبه بل والحسين نفسه إن جاء مطالبا بالإصلاح وتغيير الواقع المرّ الذي نعيشه.

أي والله يا زينب، لازلنا نضحك قليلا ونبكي كثيرا. فجثث أبنائنا ملئت المقابر وأصبح اليوم لدينا الف كربلاء وكربلاء، أمّا عاشوراء فتحوّل الى طقس وباب للتجارة لا غير، أمّا قيمه فقد حوّرها رجال الدين لمبايعة السلطان الا تبّا وتعسا لهم.  هذا هو حالنا يا إبنة علي، لقد ذهبنا كما قلت بعارها وشَنارها، فها نحن اليوم نبيع الوطن ونرقص على نشيج بكاء أيتامنا  وصرخات أراملنا وجثث شبابنا، كي يتمتع أُمويّي دار الإمارة بالخضراء ومريدهم بخيرات بلدنا التي تُسْرَق بفتاوى العمائم وخطابات الأحزاب الدينيّة وأسلحة ميليشياتهم.

الإمام الحسين

حينما طُلِب من الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة أخذ البيعة ليزيد بن معاوية من الإمام الحسين، ورفض الحسين البيعة. طلب منه مروان بن الحكم بعد أن وبّخه أن يضرب عنق الحسين، فقال له الوليد: وبّخ غيري يا مروان حتّى قال :  والله أني لأظن أن أمرءا يُحاسب بدم الحسين، خفيف الميزان عند الله يوم القيامة"*
وأنا أقول هنا مخاطبا شيعة العراق وأحزابهم وميليشياتهم ومراجعهم " والله أني لأظن أن أمرءا يُحاسب بجوع أيتام العراق وأرامله وهو يسرقهم جهارا نهارا، خفيف الميزان عند الله يوم القيامة". مالكم تبكون الحسين وتحلّون سرقة الأيتام والأرامل، أشيعة أنتم؟ والله أنا في شك بتشيعكم من حيث أقيم الى كربلاء.

لقد كان الحسين وهو في طريقه الى كربلاء بعد خروجه من مكّة وكي لا يثير خوف من معه وخصوصا من النساء والأطفال  يتلو هامسا والقافلة  تسير الى حيث مصرعها " ربّ نجّني من القوم الظالمين"* فمن هم القوم الظالمون؟ هل هم بنو أميّة أم شيعته الذين بعثوا له أحمال إبل من البيعة يستعجلون قدومه وهي تقول " أن قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فإقدم علينا" ؟*  من خلال أحداث ما قبل المعركة وسيرها ونتائجها نرى أنّ الظالمين هم كل من إشترك بقتله وعياله وأصحابه، أي قادة الجيش المؤْتمِر بأوامر بنو أمية وشيعته وشيعة أبيه الإمام علي. ومن أجل إتيان الحجّة بالحجّة نقول: هل قُتِلَ سفيره وإبن عمّه مسلم بن عقيل وحيدا دون ناصر في أزقّة دمشق الأمويّة، أم في أزقّة الكوفة الشيعيّة عاصمة عمّه الإمام عليّ!؟ مسلم بن عقيل هذا لم يجد له شبر واحد في مدينة الشيعة هذه ليختبئ فيها، حتّى أنه قال لإمرأة سقته الماء ومتعجّبة من عدم إنصرافه: يا أمة الله، والله ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك من معروف وأجر لعلّي أكافئك به بعد اليوم؟* صدّقني يا بن عقيل إن قلت لك: والله إننا لا نملك في مصرنا شيئا، ومصرنا رهنه قتلتك للأجنبيّ. إن سقتك المرأة شيء من الماء يا إبن عقيل فأطفالنا في البصرة العطشى لا يمتلكون منه شيئا، وهم كما أولادك عطشى. يا أبن عقيل، الأحزاب الشيعية اليوم لا ترمينا من شاهق كما رُميتَ، بل تغتالنا في الساحات والشوارع في وضح النهار، وإن كان بنو أميّة لم يقتلوا النساء لعصبيّة، فأن الميليشيات الشيعيّة تقتل النساء تحت نظر مراجعها وأحزابها.

مسلم بن عقيل وهو يرى الموت قاب قوسين منه أو أدنى بعث برسالة شفهيّة الى الإمام الحسين يقول فيها: إرجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة، فأنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل: أنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني وليس لمكذوب رأي"*. فهل الكوفة شيعيّة أم أُمويّة!؟ ما نطقت يا بن عقيل عن الهوى، فها هم  شيعة الحسين يكذّبون عيونهم وهي ترى بؤس حالهم وأطفالهم، فهل من يكذّب نفسه من أجل إرضاء سياسي أو ميليشياوي أو رجل دين أو شيخ عشيرة، له كرامة على وطنه وشعبه؟

ما أن حوصر الإمام الحسين بعد أن جعجع به جيش يزيد بن حر الرياحي، حتى قال له نفر من أهل الكوفة وكانوا أربعة فقط جاؤوا لنصرته !!!: أما أشراف الناس فقد أُعظِمت رشوتهم ومُلئت غرائرهم فهم ألب واحد عليك! وأمّا سائر الناس بعدهم فأنّ قلوبهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك*. ولعمري فأنّ " أشراف" شيعة العراق أُعظمت اليوم رشوتهم ومُلئت غرائرهم فهم ألب واحد على شعبنا ووطننا،  يبيعونه كما باع أسلافهم الحسين ومثله وقيمه، فأسلافهم باعوا الكوفة لدمشق وقتها وهم يبيعونها لطهران اليوم. أمّا عوام الشيعة فبطونهم اليوم مع الحسين، وسيوفهم تطعن بلدهم بمقتل، فالحسين خرج للإصلاح وهم يخرجون خلف أحزابهم وعمائمهم لمبايعتهم وهو يعرفون من انهم لصوص، الحسين خاطب الناس في أن يكونوا أحرارا في دنياهم وهم يعيشون حياة العبيد، الحسين صرخ هيهات منّا الذلّة وهم يعيشون تحت سلطة العمائم بذلّة ما بعدها ذلّة، فهل أمثال هؤلاء يعرفون الحسين. وإن كانوا يعرفون الحسين، فأي حسين يعرفون؟

صرخة الحسين حين قاربت المعركة نهايتها والقوم يريدون نهب فسطاطه كانت مزمجرة وهو يقول: ويلكم ... إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلي لكم عن ساعة مباح*.  لله درّك يا أبا عبد الله، فها هم القوم إذ لا دين لهم  ولا هم بأحرار، وها هو العراق مباح مستباح. إيه يا أبا عبد الله، لقد جعلنا قتلتك من ساسة الشيعة وعمائمهم  نعيش كأسوأ شعوب الأرض، لم يبقى شيئا لم ينهبوه، وخيانة للوطن لم يخونها، وجريمة لم يرتكبوها.

ها هي زينب تنظر الى أخيها نظرة الوداع وهي تصغي الى زئيره الأخير بوجه قاتليه: أعلى قتلي تجتمعون "* يقصد شيعة الكوفة والعراق"؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله مني، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعروا، أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دمائكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم*. أي والله يا أبا عبد الله، فها هو الله يسخط على العراقيين بأبناء بنو أميّة من شيعتك ومراجعهم وعمائمهم التي على المنابر، وها هو بأسهم بينهم شديدا، وها هو الله يسخط عليهم بأن ولّى عليهم كل أفّاق خؤون. وإني أرى الإمام الحسين وهو يقاتل جيش شيعته حتّى الرمق الأخير يقول لهم كما قال لهم أبيه الأمام علي: يا أهل الكوفة " يا شيعة العراق"، منيتُ منكم بثلاث وأثنين ! صمٌ ذَوو أسماع، وبكمٌ ذَوو كلام، وعميٌ ذَوو أبصار. لا أحرار صدقٍ عند اللقاء، ولا إخوان ثقةٍ عند البلاء ! تَرِبت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رُعاتها! كُلما جُمِعت من جانبٍ تفرقت من آخر...)*.

والله لعمائم بنو أميّة وهم يصنعون دولة لهي أشرف من عمائم العراق اليوم وهي تدمّر بلدنا، والله لساسة بنو أميّة لأنزه من ساسة الشيعة اليوم وهم ينهبون ثروات شعب أُبتلي بهم. إننا في عصر العمائم الأسود وميليشياتهم وأحزابهم اليوم، نعيش عصر اللادولة. ولكي نعيش كشعب يحترم نفسه ووطنه علينا معرفة حقيقة واحدة، وهي أن لا مجال لبناء دولة في ظل سلطة الإسلام السياسي المدعومة بعمائم الجهل والتخلّف، وأنّ إستمرار سلطة التخلف واللصوصيّة هذه يعني ضياع البلد. هؤلاء المجرمون لا يعرفون الحسين الا من باب التجارة به، ومن يشتري بضاعتهم الفاسدة ليس سوى ساذج.

ختاما أستعير بيتين من الشعر للشاعر الشيعي المتمرّد الكميت بن زيد الأسدي مع تبديل " لبني أميّة" بـ " شيعة الخضراء لأقول:

فقل (لشيعة الخضراء) حيث كانوا ..... وإن خفتَ المهنّد والقطيعا:
أجاع الله من أشبعتموه ..................... وأشبعَ مَنْ بجوركم أُجيعا

*النصوص من كتب مختلفة ومنها كتب الطبري وإبن كثير وتراجم سيدات بيت النبوّة لبنت الشاطيء وغيرها.

زكي رضا
الدنمارك
18/10/2018

89
الزهاوي يدعونا للثورة على الجحيم.. كما ثورته -1


الزهاويّ  كما كل شعراء العراق تقريبا مدح وذمّ وأشتغل بالسياسة، أمّا "كمعارض" أو جزء من نسيج السلطة. إلا أنّه  تميّز عنهم كونه تطرّق الى أبواب لم يتطرق إليها غيره من الشعراء، أو تطرّقوا إليها لمامّا. فالزهاويّ الذي دخل الكتّاب في سن الرابعة لينهي فيه حفظه للقرآن، ولينتقل بعدها لحفظ بعض العلوم وهو مازال فتى، بدأ الدراسة على يد العلّامة الشيخ عبد الرحمن القره داغي الذي قام " بتدريسه بعض العلوم العقليّة والنقليّة، وقد إستفاد من هذا الأستاذ فائدة تامّة، على الرغم ممّا قام بين الأثنين من مجادلات حول قضايا البعث والنشور ويوم الحساب وأصل الأنسان، إذ كان الزهاوي يشك في كل هذه الغيبيات" (1) . عند هذه النقطة تحديدا علينا التوقف مليّا، لأننا هنا أمام مشروع شاعر متمرّد على مفاهيم عصره، تلك المفاهيم التي ظلّت ولليوم محاطة بهالة من القدسيّة، كونها منطقة حرام ذات مليون خط أحمر ولم يتجاوزها أحد الّا وأُتّهم بالزندقة والكفر والإلحاد وليدفع جرّائها حياته أو حريّته ثمنا. ويبدو أنّ المجادلات بينه وبين أستاذه تحوّلت الى إيمان مطلق بالعلم والفلسفة واللتان كانتا سلاحه في شعره وهو يقف بوجه الغيبيات التي كانت تشع جهلا وتخلفا ولليوم، خصوصا وأنّه كان قارئا نهما لكل ما يصل للعراق وقتها من كتب ومجلات. لذا نراه وهو في سنّ الواحد والخمسين من عمره  ينشر قصيدته " الدمع ينطق" وهو في مصر ما أثار عليه علماء الأزهر متّهمين إياه بالكفر والألحاد والزندقة، والتي يقول في بعض أبياتها متأثّرا بتلك الإرهاصات الأولى والتي لازمته كظلّه الى آخر حياته قائلا:

وسائلة هل بعد أن يعبث البلى .......... بأجسادنا، نحيا ونرنو وننطق؟
فقلت مجيبا إنني لست واثقا ................. بغير الذي حِسّي له يتحقق
وهيهات لا ترجى الحياة لميْت ............... إليه البلى في قبره يتطرق
تقولين يفنى الجسم والروح خالد ...... فهل بخلود الروح عندك موثق؟

وقد كان الزهاوي وهو يتابع الحركة الثقافيّة والعلمية والفلسفيّة في شتّى البلدان، متأثّرا بكل ما هو جديد وتقدّمي من أفكار ورؤى ، تلك التي تواجه أفكار ورؤى متخلفة من تلك التي كان يعيشها العراق وقته ولليوم، فتراه يقول باحثا عن جديد في مجتمعه لينقله " المجتمع" للأمام:

سئمت كلّ قديم ........ عرفته في حياتي
إن كان عندك شئ ..... من الجديد فهات

في هذه المقالة المتواضعة، لا أريد الغوص في شعر الزهاويّ، فأنا لست بشاعر أو ناقد ولا حتّى ضليع باللغة ودهاليزها لأقيّم شاعرا كالزهاوي ولا أيّ شاعر غيره. لكنني سأركّز على أمرين مهمّين من شعره وهما ما نحتاجه كشعب عراقي يعاني الأمّرين تحت سلطة الإسلام السياسي والمؤسسات الدينيّة. أولّهما المرأة وحقوقها وتطلعاتها والتي لم تكن سوى بضاعة عند أولياء أمورها، هذه المرأة التي أصبحت اليوم ضحيّة لترّهات الفتاوى الدينية وإرهاب ميليشيات القوى الإسلاميّة المنفلتة،  والثاني هو موقفه من الجهل والتخلف الذي كان يلفّ المجتمع العراقي في حياته، هذا الجهل والتخلف اللذان أصبحا اليوم أكثر شدّة وقتامة مقارنة مع تطور البلدان والشعوب التي كانت دون وطننا وشعبنا تقدّما وثقافة الى ما قبل ثلاثة عقود تقريبا. إنني ومن خلال هذه المقالة والتّي أريدها أن تكون سياسيّة وليست نقديّة، أود أن أقارن حالة الجحيم التي أعلن فيها الزهاوي ومعه كبار الفلاسفة والمفكرّين ثورتهم ضد زبانيته من خلال ملحمته الخالدة " ثورة في الجحيم"، وإحتلالهم للجنّة التي يسكنها التنابلة. وبين شعبنا وهو يعيش جحيمه الإسلامي، دون أن يرفّ له جفن ليعلنها ثورة ضد زبانية الإسلام السياسي من أحزاب وعمائم من الذين دمّروا حياته ومستقبله ومستقبل أجياله. هؤلاء الزبانيّة التنابلة والمجرمون الذين يعيشون في جنّة المنطقة الخضراء، وجنان مدن وعواصم خارج العراق.   

لم يألوا الزهاوي جهدا في دفاعه عن المرأة، مستثمرا كل ما عنده من طاقات على شحتّها كونه كان وحيدا تقريبا في غابة من مجتمع رجولي يكره المرأة ويستخفّ بها، لإنقاذها من ذلّها الذي كانت تعيشه. فكان بحق من أكثر الشعراء جرأة وجسارة وهو يواجه ليس أفراد قلائل أو مجتمع وسلطة، بل جميع من يدين بالإسلام حينما قال:

هزأوا بالبنات والأمّهات ......... وأهانوا الأزواج والأخوات
هكذا المسلمون في كل صقع ....... حجّبوا للجهالة المسلمات
سجنوهنّ في البيوت  فشلّوا ..... نصف شعب يهمّ بالحركات

والزهاويّ وهو يراقب حال المرأة في مجتمعه نراه يعود ليحاكم الإسلام الرسمي والدارج من خلال وأده للمرأة، التي نهى القرآن عن وأدها. لكنّه لا يعني في شعره الوأد بمعناه الذي كان عليه عصر تحريمه، بل بمعنى يومه والذي لازال مستمرا. إذ تُزوج المرأة دون إرادتها، وتعتقل في البيت دون إرادتها، وتُضرب دون أن يكون لها الحقّ في الدفاع نفسها، ويحجّبوها دون أن ترضى، فنراه يقول:

غصبوا النساء حقوقهنّ ......... فلا تُصان ولا تؤدّى
القوم يا إبنة يعرب .......... من جهلهم وأدوك وأدا
ظلموك ظلما ما رأيت  ........... له لعمر الحقّ حدّا
حجّبوك عن أبناء نو ........ عك حاسبين الغيّ رشدا
سجنوك في بيت أُريد ............. بضيقه ليكون لحدا

ولمعرفته بدور المرأة في تقدّم المجتمع نتيجة لدورها التربوي كأم، وخطورة جهلها وتخلفّها في دفع أبنائها الى مستنقع الجهل والتخلّف التي تعيشها نفسها، ما يؤدّي الى تخلف المجتمع بأكمله، نراه يدعو الى رقيّ الأبناء من خلال رُقّي المرأة، والذي من وجهة نظره يبدأ بسفورها فيقول:

ليس ترقى الأبناء في أمّة ما ......... لم تكن قد ترّقت الأمّهات
أخّر المسلمين عن أُمم الأر ..... ض حجاب تشقى به المسلمات

لم يفقد الزهاويّ جرأته ورباطة جأشه وهو يواجه سؤال أحد الملكين في قبره وهو يسأله عن سفور المرأة في ملحمته " ثورة في الجحيم"، فدار بينهما الحوار التالي:

قال هل في السفور نفع يرجّى ..... قلت خير من الحجاب السفور
إنمّا في الحجاب شلّ لشعب ............ وخفاء وفي السفور ظهور
كيف يسمو الى الحضارة شعب ...... منه نصفه عن نصفه مستور
ليس يأتي شعب جلائل مالم ...................... تتقدم إناثه والذكور
أنّ في رونق النهار لناسا ............... لم يزل عن عيونها الديجور

في المؤتمر النسوي الذي إنعقد في نادي لورا خضوري عام 1932 ، وبحضور وفود نسويّة عربيّة من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين، أُثيرت من المؤتمِرات مسألة الحجاب والسفور، والذي واجهته القوى المحافظة وصحفها ومنها صحيفة الإستقلال بشدّة،  ما دفع القائمات عليه الى عدم مناقشة المسألة درءا للمشاكل. الّا أنّ الزهاويّ إستبق المعركة هذه بقصيدته (تباشير الإنقلاب)، والتي هاجم فيها كعادته الحجاب والنقاب داعيا المرأة الى المضي في معركتها من أجل السفور، فأنشد في الحفل الذي أُقيم للمؤتمر:

من بعد ما أنتظرت حقابا ..... ثارت فمزّقت الحجابا
عربيّة عرفت أخيرا ............... كيف تنبذ ما أرابا
كان الحجاب يسومها ..........  خسفا ويرهقها عذابا

ولم يتوقف الزهاويّ هند هذه النقطة، بل تحرّك نحو المنطقة الممنوعة، حينما طلب من المرأة البحث عن حريّتها بعيدا عن قشور الدين فخاطبها قائلا:

الحقّ حقّك فأنشديه ............... في محاولة طلابا
وإذا أبو فخذيه منهم ............... في مكافحة غلابا
لا تعبئي أبدا بغر ............... بان يواصلن النعابا
وذري من الدين القشو ..... ر جميعها وخذي اللبابا
عزوا الحجاب الى الكتا ...... ب فليتهم قرأو الكتابا

كان من الطبيعي أن يتعرّض الشاعر الى هجوم عنيف من مختلف الإتجّاهات وهو يدافع عن المرأة وحريّتها، لكنّه كان مؤمن من أنّ الصواب والحقيقة الى جانبه فكتب خلال محنته تلك قصيدته (هي الحقيقة)، والتي قال فيها:

هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا ..... وأدّعيها وإن صاحوا وإن جلبوا
أقولها غير هيّاب وإن حنقوا ........... وإن أهانوا وإن سبّوا وإن ثلبوا
إن يقتلوني فكم من شاعر قتلوا .......... أو ينكبوني فكم من عالم نكبوا
جاؤوا إليّ غضابا يسرعون ضحى .......... فما رأيتهم الّا قد إقتربوا
هذا يسير على مهل ويشتمني ........... وذاك يحبو وذا يعدو وذا يثب

ولم يكتف الزهاويّ وهو يدافع عن المرأة العراقيّة وحقوقها بالشعر فقط، فقد كتب في جريدة ( المؤيّد الأسبوعي" القاهريّة في السابع من آب / أغسطس سنة 1910 مقالا تحت عنوان ( المرأة والدفاع عنها) ، فما أن قرأه رجال الدين والمحافظين ( حتّى ثارت ثائرتهم على ما جاء فيه من آراء جريئة وأحكام تناقض ما جاءت به الشريعة)"2". وعلى الرغم من عزله من وظيفته حينها ، الّا أن الشيخ سعيد النقشبندي وكرأس رمح لبقية رجال الدين والشخصيّات المحافظة ألّف رسالة بحقّ الزهاويّ أسماها ( السيف البارق في عنق المارق) ، ما دفع الزهاوي كما كل الأحرار الذين يدافعون عن الحقيقة الى ملازمة داره خوفا. وكأنّه يرى واقعنا المؤلم اليوم والرصاص يغتال كل ما هو مثقف ووطني وجميل في هذا الوطن المحكوم بأمثال النقشبندي وغيره من المجرمين، فكتب يخاطب زوجته شعرا:

أبثين إن أدنى العدوّ حمامي ........... بمسدس يوريه أو بحسام
فتجلّدي عند الرزية وأحسبي..... إنّي إجتمعت إليك في الأحلام

إننّا اليوم لبحاجة الى أمثال الزهاوي، ليدافع عن المرأة العراقية بوجه خفافيش الظلام. هؤلاء الذين تركوا كل مشاكل بلدنا دون حلول، ليتشبثوا بمسألة الحجاب، وكأنّ مشاكل شعبنا ووطننا مرتبطة به. وإن كان الحجاب هو الوسيلة لإنهاء مشاكل شعبنا ووطننا المبتلى بفتاواهم الشيطانيّة، فلم فرض الحجاب على نساء إيران والسعوديّة وأفغانستان والسودان وغيرها من البلدان المتخلّفة والقمعيّة، لم ينهي مشاكلها التي تتناسل وتكبر كل يوم!؟

1-   ديوان جميل صدقي الزهاوي  الصفحة  د.
2-   المصدر السابق الصفحة ن.

زكي رضا
الدنمارك
14/10/2018









90
ولاية فقيه السيستاني السياسيّة أخطر من ولايته الدينية


عندما يتعلّق الأمر بالوطن ومستقبل شعبنا علينا جميعا أن نتحلّى بالمسؤولية الكاملة تجاه أية مخاطر تواجههما ، وذلك من خلال تحلّينا بالجرأة بلا حدود وتجاوز كل ما يمكن تسميته بالخطوط الحمراء، أو تلك التي يسبغ عليها البعض صفة القداسة لمنحها صوت عال في إدارة شؤون البلد وحق النقض "الفيتو" تجاه ما تراه غير مناسبا مع سياستها المعلنة والخفيّة. علينا جميعا وبروح وطنيّة وحرص على شعبنا ومستقبله، أن نقف أمام مسؤولياتنا والوطن يخرج من محنة ليدخل أخرى أشّد من سابقتها.

قبل الخوض في عنوان المقال الذي يرتبط به مستقبل بلدنا وشعبنا وتقدمهما، علينا طرح سؤال غاية بالأهمّية، كون الإجابة عليه كفيلة بتجاوز الكثير من الأزمات السياسية وغيرها من تلك التي تُستنسخ بإستمرار وهو: هل السيستاني ومن وراءه المؤسسة الدينية الشيعية ولا نقول الأحزاب الشيعية، يؤمن بدولة علمانيّة ديموقراطيّة تعددية بعيدة في تعاملها مع شعبها عن الهويّات الفرعية، ولكي نكون دقيقين أكثر فأننا نعني بالهويّات الفرعية هما "الشيعة والسنّة" بشكل رئيس دون إهمال الأديان والقوميّات في بلدنا؟ أم أنّ الهدف النهائي للسيستاني والمؤسسة الدينية الشيعية ومن أمامهما الأحزاب والميليشيات الشيعية، هو بناء نظام إسلامي على غرار النظام الإسلامي في إيران، أو قريب منه جدا في أسوأ الأحوال؟

 يُشاع أو بالأحرى يُشيع أنصار السيستاني وسط العديد من المنابر الحزبية والجماهيرية والدينية بل وحتّى على المستوى الإقليمي والدولي من أنّه يرفض ولاية الفقيه، وأنّ لا طموحات سياسيّة عنده!! الا إننا لو عدنا الى اليوم الأوّل للإحتلال سنرى أنّه وبهدوء وعن طريق الأحزاب والشخصّيات الشيعية جسّد مبدأ لا يُمكن تجاوزه في الشأن السياسي العراقي، وهو العودة الى ما يقوله "السيستاني" في كل شاردة وواردة رغم إبتعاده عن الأضواء والإكتفاء بممارسة نشاطه السياسي من خلف الكواليس.

بداية تشكيل مجلس الحكم صرّح عضو فيه كان قد ألتقاه وقتها قائلا أنّه " توّاق جدا للتعبير عن آرائه "، كما صرّح العديد من رجالات الأحزاب الشيعية الموالين له من أنّه "لن يعبر الخط الفاصل بين التأثير على السياسة والمشاركة فيها"!! ولكي يمّهد الساسة الشيعة له الطريق واسعا للتدخل بالشأن السياسي لصالح نهج محاصصة طائفية للحكم بالبلد، وليدخله هو بخطى ثابتة ووفق برنامج دقيق هدفه هيمنة الإسلام الشيعي الذي أثبت فشله "كما الإسلام السنّي" اليوم أكثر من أي وقت مضى على مقاليد الحكم بالبلد، قال البعض ممن تولوا المسؤولية في مجلس الحكم وقتها أنّ "السيستاني متحسس بشكل كبير للرأي العام وما يقوله الناس حوله. فهو رفض القبول بأي سلطة سياسية لكن عليه، مع ذلك، أن يستجيب لحقيقة أن الشعب في أمس الحاجة لزعيم". فمن هو هذا الزعيم، هل هو السيستاني نفسه أم شخصيّة يباركها بنفسه لتولي الزعامة؟

 أنّ فكرة إيجاد ولي فقيه عراقي كانت ولا تزال حلما عند الساسة الشيعة ونسبة لا بأس بها من فقهاء الحوزة الدينية بالنجف الأشرف، فتعاظم دور السيستاني في الحياة السياسية والعامة، وتذكر الشيعة لمظلومياتهم في العهود المختلفة للدولة العراقية، هي التي تدفعهم كي يكون هناك " ولي فقيه " بالعراق وعلى غرار ولي الفقيه في إيران، على الرغم من عدم جواز وجود وليين للفقيه في زمن واحد وهذا ما سنتناوله بعد قليل، أو منحه دورا سياسيا بارزا بعد تعاظم دوره على المستوى الشعبي.

في سؤالين مهمّين للسيستاني من أحد أتباعه، أجاب على أحدهما وهو " هل يجوز تشريع القوانين أستناداً الى المصلحة؟ قائلا ": يجوز ذلك لمن له الولاية شرعاً ضمن شروط خاصة". وفي إجابته على السؤال الثاني وهو "ما هو تعريفكم لولاية الفقيه؟ أجاب "الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالامور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد ، واما الولاية فيما هو اوسع منها من الامور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الاسلامي فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط اضافية ومنها ان يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين". لو جمعنا الإجابتين لتعريف ولاية الفقيه وفق أجوبته، لرأيناه اليوم ولي للفقيه وإن إمتنع وأتباعه وجمهوره عن التصريح بذلك علنا.

هل يجوز أن يكون هناك أكثر من ولّي فقيه في مقطع زماني واحد؟ الإجابة على هذا السؤال ستدلنّا على السبب الذي يدعو السيستاني للنأي بنفسه عن ولاية الفقيه. ففي وحدة ولاية الفقيه وتعددها وفق المذهب الجعفري هناك مقامان للولاية، هما الولاية الإصطفائية، "وهي تتعدد بتعدد من تلبس بالخلافة التشريعية، سواء كانوا أنبياء، أم أئمة، أم فقهاء"، أما الثانية فهي الولاية التنفيذية وهذه لا تتعدد وفق فقهاء الشيعة وقد ذكروا أدلّة على ذلك منها "الروايات الشريفة و فلسفة الغيبة الصغرى"، ومنها والتي تهمنّا هنا هي (أدلة عدم جواز مُزاحمة فقيه لآخر)، والتي تؤكد على فتوى فقهاء الشيعة " بعدم جواز مزاحمة الفقيه لفقيه آخر فيما تصدى له مثل نصب الفقيه متوليا للوقف او قيّما للصغار؛ وذلك للأدلة الناهية والمانعة لمثل هذه المزاحمة، فان كانت مثل هذه المزاحمة غير جائزة فكيف بمزاحمة فقيه لآخر نهض لقيادة الأمة وبُسطت يداه لتكوين حكومة إسلامية، فأدلة عدم جواز المزاحمة ثابتة في هذا المورد بالأولوية" (*)

هذا يعني أن ليس من حقّ فقيه شيعي مزاحمة فقيه آخر أو منافسته بأمور صغيرة، فكيف بالأمور الكبرى كقيادة أمّة؟ من خلال النص أعلاه نستطيع أن نتعرف على سبب عدم طرح السيستاني نفسه كولي فقيه، فالسيستاني كان يعيش تحت ظل نظام البعث الدموي في الوقت الذي كان الخميني وبعده الخامنائي طرحا نفسيهما كوليين للفقيه وقادا دولة إسلامية شيعية المذهب. وهذا يعني أن الظروف التي تحققت للخميني والخامنائي من بعده لو كانت قد توفرت للسيستاني لكان قد أعلن نفسه وليا للفقيه أما من قبل الحوزة الدينية بالنجف الأشرف، أو تحت ضغط ساسة أسلاميين من أجل تشكيل حكومة إسلاميّة بالعراق على الرغم من الفارق بين شعبي العراق وإيران من ناحية الثقل الشيعي فيهما.

لقد بدأ السيستاني منذ اليوم الأول لإحتلال العراق بالتدخل في الشأن السياسي، فمطالبته بإجراء أوّل إنتخابات تشريعية دون وجود إحصاء عام للسكان ولا ظروف صحيّة لإجرائها، ومبايعته وقتها للتحالف الشيعي كان تدخلا بالشأن السياسي. وإستمر تدخله بالشأن السياسي نتيجة فتح أبوابه أمام الساسة من مختلف الإتجاهات وأهمّهم الساسة الشيعة للإستئناس برأيه. ولم "ينأى" السيستاني بنفسه عن السياسة الا بعد شعوره بتذمر الشارع من فشل الحكومات الشيعية التي تعاقبت على السلطة، ولكي يبعد نفسه عن الإنتقادات التي بدأت الجماهير توجهها للمؤسستين الشعيتين السياسية والدينية، خرج وكيله "أحمد الصافي" في شباط 2016 ليقول أنّ "المرجعية دأبت على قراءة نص مكتوب يمثل رؤيتها في الشأن العراقي، ولكن تقرر أن لا يكون ذلك أسبوعياً في الوقت الحاضر"، مضيفا أن "آراء المرجعية ستُطرح بحسب ما يستجد من الأمور وتقتضي المناسبات". الا أن خطب الجمعة لم تنقطع يوما منذ ذلك التأريخ، وبقي السيستاني يتدخل بالشؤون السياسية بشكل مستمر ولليوم، كما أنّه ولدرء خطر داعش السنّية، أصدر فتوى الجهاد الكفائي الذي أنهى خطرها ، ولتتشكل من خلال إنظمام الميليشيات الشيعية للحشد الشعبي داعش الشيعية ، وابسط دليل على ذلك هو دعوة الحشد الشعبي اليوم بالبصرة ، الشباب البصري لتشكيل "حشد المتطوعين" لملاحقة المتظاهرين فيها .

أنّ تدخل السيستاني بالشؤون السياسية للبلد في ظل إنتعاش المد الديني ليس بالأمر الغريب، وقبول القوى الدينية لهذا التدخل أمر ليس بالغريب أيضا. فهو " السيستاني " بالنهاية طوق نجاة لهم فيما إذا تحركت الجماهير ضدهم. لكن الأمر الغريب هو قبول قوى قومية ووطنية فيما يطرحه السيستاني من أفكار وآراء ووصايا، وعكسها في بياناتهم وصحفهم، وإعتمادها كجزء من سياساتهم. فاليوم ونحن على أعتاب تشكيل الحكومة، فأن الرأي النهائي لتسمية رئيس الوزراء هو من صلاحيات السيستاني وليس حزب أو كتلة أو تيار ما. والأحزاب ومنها غير الشيعية تنتظر القائمة النهائية للأشخاص الذين سترضى عنهم المرجعية لتبوأ منصب رئاسة الوزراء على أساس المحاصصة لنظل في نفس المربع الذي لم نغادره ولن نغادره في ظل هكذا قيادات سياسية ودينية.

قد لا يكون السيستاني ولي للفقيه اليوم، لكنه بالتأكيد ومن خلال ما نعيشه من أحداث فأنّه عرّاب نظام المحاصصة الطائفية القومية البغيض، والملاذ الآمن للإسلاميين الفاسدين. وإن كان يراد لمقولة "المجرب لا يجرب" التي قالها أن تكون في خدمة شعبنا ووطننا، فعليه أن لا يحصرها بأفراد، بل في أن يعمّمها على أحزاب وتيارات سياسية كاملة. فالمالكي والعبادي على سبيل المثال فاسدين، ولكنهما عضوان في حزب الدعوة، لذا على السيستاني أن يكون أكثر وضوحا ويقول "الحزب المجرّب لا يجرّب"، حينها يكون تدخله بالشأن السياسي في خدمة شعبنا ووطننا، والا فأن تدخله ستكون أمامه عشرات الأسئلة.

يقال أنّ هناك حديثا عن النبي محمّد يقول " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله". ووالله فأن تدخلكم بالشأن السياسي قد نال من إحترام الناس للدين ومن هيبة المؤسسة الدينية وسينال منها أكثر كلمّا زاد الإسلاميون فسادهم وجرائمهم، وكلمّا جلس معمّم على منبر ليأتي بترّهات ما أنزل الله بها من سلطان. فمن أجل البقاء على الدين ورجاله بعيداعن ألسن الناس ولكي لا يأتي اليوم الذي يقول فيه الحجر والشجر" يا عراقيّ، هذا خلفي إسلامي ومعه معمّم فتعال إقتلهما"، على المؤسسة الدينية الأبتعاد عن السياسة ورجالها، وعليها إستخدام المنبر لفضحهم وتثوير الناس ضدّهم، وليكن شعار المؤسسة الدينية "الدين لله والعراق للجميع".



(*) حاتم، نوري، نظرية ولاية الفقيه، من مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام.، العدد 25، السنة السابعة، ط 3، 14237 هـ - 2002 م.

زكي رضا
الدنمارك
15/9/2018


91
هذا هو العراق يا بهيجة


بالأمس خرجت بهيجة، " فتاة الجسر" شهيدة وثبة كانون من مرقدها المقدّس، فوصلت للمحطة العالمية بكرخ بغداد وإستقلّت القطار الصاعد الى البصرة العطشى. وما أن تحرك القطار من بغداد التي خدّرتها العمائم ناهبا الأرض صوب الشمس ليعانق "ريله" أعذاق النخيل، وليستريح عند بقايا تنور أم جنوبية قتلها العطش والجوع والفقر والمرض، حتّى بدأت تتأوه بحزن متذكرة ساعة إستشهادها حينما كانت جماهير بغداد والعراق تزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة. فعدّلت من جلستها وهي تنظر من خلال نافذة القطار الى براري العراق، وترثي حال الجماهير الصامتة في وطنها عمّا يجري في الفيحاء لتترنم قائلة " يا ريل طلعو دغش"  نعم بهيجة، " طلعو دغش" ويا ريت تظل بس عالدغش.

وقف القطار في محطّات خاوية مختلفة وهو في طريقه للبصرة، ووصل السماوة ونظرت الى رصيفها فشاهدت " قطار الموت" يقف هناك والجماهير تلتف حوله، فأدارت وجهها قليلا، وإذا بالمحطة خاوية من الجماهير هي الأخرى و صوت أزيز الرصاص القادم من البصرة يُسمع فيها. فعدّلت من وضعية عبائتها التي نزلت على كتفيها النحيلتين وعادت تقول من جديد " يا ريل طلعو دغش"، وظلّت عيناها تبحث عن القطار وركابه وسائقه لتقول بصوت عال سمعه بقية الركاب الذين معها في " الفارگون"،  " وضحچة وبچيه تطﮔ بعيني .. لو ردّيت انته وذاك انته". إهدئي يا بهيجة وأتركي ضحكاتك وبكاءك حتى وصولك لشط العرب لتشاهدي عطشه وموت العشّار. فهل سينجب العراق رجال كركاب ذلك القطاروذاك السائق الشهم الذي كان يقوده؟ وهل سينجب العراق جماهير كالتي سالت دمائها على الجسر بحثا عن كرامتها وكرامة وطنها؟ فجاءها هاتف من مكان قصي وبعيد أن: إطمئني يا بهيجة ففي البصرة ستلاقين هندال يتظاهر مع الشباب الثائر متحدين رصاص السلطة والميليشيات، إطمئني يا بهيجة فما دام للعراقيات أمثالك أرحام فأنّ الرجال قادمون لتحريرعراقك من الحكم الإسلامي الأسود.

حين وصل القطار الى محطته الأخيرة، وما أن وضعت بهيجة قدميها على الرصيف المتشقق عطشا كما شفاه أطفال البصرة، حتّى قفزت وسط الشباب الثائر، لتتقدمهم وهي تشّد عباءتها على وسطها وليغطّي صوت زغاريدها على صوت رصاص المجرمين المتمترسين في أبنيتهم الكونكيرتية. فرفعتها أذرع الجماهير عاليا، وهي تشير كما البوصلة الهادية الى حيث مقرّات الفساد التي جعلت من البصرة مدينة منكوبة.

صعدت بهيجة على برحية مقطوعة الرأس يبكي جذعها سعفها، ونظرت الى الجماهير التي وقفت تطوف بتلك البرحية كما يطوف الحجيج حول الحجر الأسود، وصاحت " بعالي الصوت" وهي تحثّ المتظاهرين على الإستمرار في تظاهراتهم ...

" يا صدري گل للفرح .. أوفي الشعب أوفي
دم بالضمير إشتعل .. شيلنني يچفوفي"

صدرك النازف يا بهيجة لا زال معطاءا ووفيّا لهذا الشعب المضطهد، واليوم وأنت بين الجماهير البصريّة العطشى والمحرومة، فأن أكفّ الجماهير هي التي تحملك عوضا عن كفّيك، وهي تنتظر الفرح القادم حتما على أشلاء الطغاة عديمي الضمير.

" شو هيّ  لهبة وطن .. شو هيّ ساعتها
إلعب يطفل الشمس .. واللعبة لعبتهه"

صدقت يا بهيجة، فالبصرة اليوم هي الوطن والساعة اليوم هي بداية الخلاص من الموت والإنتقال للحياة، وطفل الأمس الذي أحرقته أشّعة الشمس وهو يبيع الماء على أرصفة المدينة دون أن يشرب منه، يلعب اليوم اللعبة الأخيرة مع الموت، وسينتصر حتما وإن رماه قنّاص برصاصة أو مات مختنقا بغاز. سينتصر لأن كفنه هو  عباءتك وچرغد أمّه وشيلة أخته وعقال أبيه، كيف لا ينتصر من يكون كفنه عِرْضه؟

نزلت بهيجة من على النخلة التي تساقط حولها رصاص الغدر والخيانة بدل الرطب فزغردت:

"هي يا رصاص وهله .. وطرزلي نفنوفي
شو چني ليلة عرس تتراگص زلوفي"

يا شباب البصرة الثائر، ها هي بهيجة تتحدى رصاص القتلة ليطرّز "نفنوف" عرسها الأبيض ويلونه بالأحمر بدلا عن أحمر شفاه لشفتيها التي ذاقت العطش مثلكم، ولتقل للطغاة موتوا بغيضكم فشعب يطرز الرصاص ثياب نساءه وهنّ يزغردنّ لن يموت، وسينهض كما العنقاء من تحت ركام رماد جهلكم وتخلفكم وعمالتكم.

تقدمّت بهيجة الجماهير الغاضبة وهي تتجه الى حيث مقرّات العصابات الإسلاميّة التي نهبت أموال الشعب وهي تهتف :

"الريح دم .. والهتاف إنجمع تسبيح
يا بويه چن الشعب .. طاح  السمه وميطيح"

فهتفت حناجر الجماهير ضد الطغاة وهي تقول لبهيجة: أجسادنا ستكون أعمدة لهذا الوطن كي لا ينهار على رؤوس شعبنا، وحياتنا ستكون قربانا لهذا الوطن كي ينهض من جديد ويتنفس هواءا نقيا لا شائبة إسلاميّة فيه، وسنجعل الريح التي تكنس الإسلاميين، ريح صرصر عاتية.

فردّت بهيجة على الجماهير:

" صبر الشعب لو طفح .. كل عوجه يعدلها
ومن يمحي ثورة شعب .. بجروحه سجّلهه؟"

نعم، لقد طفح الكيل بشعبنا يا بهيجة، وها هي البصرة الثائرة تواجه رصاص الغدر لوحدها وهي تسجّل بأجساد أبنائها البررة قصّة مدينة تطفو على الماء وهي عطشى، قصّة مدينة تطفو على النفط وهي جائعة، قصّة مدينة يريدون بيعها للأجنبي بأبخس الأثمان، قصّة مدينة تموت يوميا ألف ميتة.

الموصل، أربيل، دهوك، السليمانية ، الأنبار، صلاح الدين ، كركوك، ديالى، واسط، ميسان، بابل، كربلاء، النجف الأشرف، الديوانيّة، الناصرية، السماوة، بغداد. لاتتركوا البصرة فهي أمّكم التي تُرضعكم الحياة. تعلموا منها فن الثورة والتمرّد، فهي المشعل الذي ينير ليلكم الحالك.

" يا ريل طلعو دغش" من قصيدة الريل وحمد للشاعر مظفر النواب.
" وضحچة وبچيه تطﮔ بعيني .. لو ردّيت انته وذاك انته" للشاعر مظفر النواب.
الشعر ما بين الأقواس، من قصيدة بهيجة للشاعر كريم العراقي.

زكي رضا
الدنمارك
7/9/2018



.





92
البصرة تنزع عن آيات الله عمائمهم


إنّ فشل المشروع القومي والبعثي في البلدان العربية تدرجّ  ليصل الى نهايته منذ هزيمة الجيوش العربيّة في حرب حزيران سنة 1967، على الرغم من أنّ خسارة تلك الحرب لم تكن السبب الرئيسي والوحيد الذي أدى الى ذلك الفشل، بل يعود الجزء الأكبر والأهم منه الى سوء إدارة السلطة والفساد وإنهيار عملية التنمية وعسكرة المجتمع والدولة وغياب الديموقراطيّة. هذا الفشل أدّى بالنهاية الى فوضى وحروب داخلية وإحتلال، ليهيمن من خلاله التيار الإسلامي على السلطة في العديد من البلدان، أو ليكون جزء مؤثر وكبير في المشهد السياسي فيها.

ونتيجة للصعوبات الإقتصاديّة وإزدياد مساحة الفقر وتفشي البطالة في العديد من البلدان العربية وقتها وعدم إيجاد حلول علمية وعملية للخروج منها، ظهرت على السطح بداية الأمر جمعيات إسلاميّة كانت تبدو غير منظمة، لتقديم بعض المساعدات العينية والمالية البسيطة للفقراء والمحتاجين في مناطق معيّنة والتي أصبحت لاحقا مناطق مغلقة تنظيميا لتيارات دينية منها معتدل ومنها تكفيري. ولمّا كان الإسلام ذو شقّين شيعي وسنّي، فعلينا الإنتباه الى الفروقات بينهما على صعيد تقديم الخدمات الاجتماعية وأهدافها، كما وعلينا التأكيد على مساحة عمل المذهبين وحريتهما. فالتيارات السنّية في مصر مثلا كانت لها حرّية العمل الجماهيري بشكل أكبر بكثير من التيارات الشيعية والسنّية على حد سواء بالعراق مثلا، ليس لديموقراطية السلطة وليس لكونها أقدم تنظيميا من غيرها في بلدان أخرى، بل نتيجة للوضع الإقتصادي المزري للبلد " مصر" وعدم إمكانية السلطة فيها من توفير ما تحتاجه قطاعات واسعة من الجماهير الفقيرة والمعدمة من خدمات وفرص عمل ولو بالحد الأدنى أحيانا كثيرة، عكس العراق الذي كان يعيش وقتها في بحبوحة من العيش نتيجة إرتفاع أسعار النفط، الذي وفّر للجماهير حياة أفضل بكثير مقارنة بمصر والعديد من بلدان المنطقة.

لقد إستمرّ غياب دور جمعيات إسلامية ذات طابع إجتماعي – خدماتي بالعراق الى الوقت الذي تبنى فيه النظام البعثي حملته الإيمانية، ليسمح تحت مراقبة شديدة لبعض الجمعيات الإسلامية من تقديم بعض المساعدات البسيطة للعوائل المتعففة، والتي زاد عددها لتصل الى الملايين نتيجة الحصار والبطالة والفقر. الا أنّ تلك الجمعيات كانت هي الأخرى عرضة للفساد الذي ألتهم القسم الأكبر ممّا كان يتبرع به الميسورون لها، وليعاني الإنسان العراقي المعدم بغضّ النظر عن دينه ومذهبه وقوميته من الفقر والجوع والمرض.

بإنهيار النظام البعثي وإحتلال البلد، تصدّرت الأحزاب الدينية الشيعيّة المشهد السياسي بدعم كبير من المرجعية الدينية الشيعية ممثلة بالسيستاني. الذي ساهم بصياغة دستور طائفي لازلنا نعاني من آثاره السلبية، ودعمه للأحزاب والمنظات الشيعية من خلال مخاطبته لمريديه وهم أمّيون وعشائريون وبسطاء في الغالب لإنتخابهم في كل دورة إنتخابية. وعندما وصل فساد الطغمة الشيعية الحاكمة الى مستويات قياسية، لم يتجرأ السيستاني بالوقوف الى جانب الجماهير المكتوية بفساد هذه الأحزاب، بل سارع لرمي الكرة في ساحة الجماهير المتخلفة أصلا والتي يقودها شخصيا، ليقول من أنّه يقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، أي أنه يقف على مسافة واحدة من جميع اللصوص!!

من المفروض وبعد أن دخلت خزائن البلد مئات مليارات الدولارات، أن تنتهي دور الجمعيات الإسلامية الإجتماعية وغير الإسلامية منها. الا أنه ونتيجة فساد الأحزاب الحاكمة ودخول المؤسسات الدينية على خط الإستثمارات وإزدياد نسبة الفقر والتخلف والجوع والمرض في المجتمع، تناسلت هذه الجمعيات كما الفطر، ولتصبح وسيلة جديدة للسرقة والنهب المنظّمين نتيجة لإستغلالها من نفس مافيات الفساد الأسلامية من جهة، وفشل الدولة كدولة في القيام بواجباتها تجاه شعبها.

السيستاني الذي تمتلك وتدير إمبراطوريته المالية مراكز ومؤسسات خدمية وإجتماعية ومستشفيات ومراكز صحيّة في بقاع مختلفة من العالم،  يمثل رأس هرم آيات الله التي تتحكم بحياة ومصائر الملايين من أبناء شعبنا، وفي خزائن حوزته تدخل المليارات التي تأتي من الخمس ومن مشاريع إقتصادية كبرى، كمستشفيات وشركات إستيراد وفنادق وإستثمارات منها ما هو معروف ومنها ماستكشف عنها الأيام مستقبلا، علاوة على نسبة تحصل عليها نتيجة تسهيلها الأمور الجمركية لتجار ومستوردين آخرين من خلال شبكة واسعة من العلاقات مع أجهزة الدولة المختلفة، إضافة الى دعم لا محدود وسرّي من الدولة للعتبات الدينية التي يشرف عليها آيات الله في النجف. السيستاني وآيات الله يمتلكون العقارات والأموال داخل العراق وخارجه، كما الأملاك والأموال التي يمتلكها أولاد وأحفاد المراجع الشيعية التي قبله، وهذه الأموال مصدرها الرئيسي هم شيعة العراق الفقراء والدولة العراقية، السيستاني والوقف الشيعي "كما الأوقاف الدينية الأخرى" يمتلكون بالواقع إمبراطورية مالية لا يُعرف عنها شيئا لعدم وجود أجهزة مراقبة إقتصادية للدولة، علاوة على عدم وجود نظام ضريبي ينظم عمل هذه المؤسسات المالية العملاقة.

أين تصرف الأموال التي تدخل خزائن السيستاني؟ للطلبة في الحوزات، كم عددهم وكم منهم عراقي؟ للأرامل والأيتام، أين هي المساعدات المقدمة لهم وهم يعتاشون على النفايات حتى بالقرب من مكان إقامته؟ لمساعدة المرضى وعلاجهم، لماذا إذن يُطرد الفقراء من مستشفيات الكفيل بكربلاء وغيرها؟ للمدارس، لماذا يفترش طلبة العراق الأرض ويدرسون في مدارس متهالكة ودون قرطاسية؟ لزيادة الوعي في المجتمع، لم التخلف هو سيد الساحة إذن؟ لبرامج من أجل إستقرار الأسرة العراقية، لماذا حالات الطلاق هي الأكثر مقارنة بفترات حكم سابقة؟ وأخيرا وليس آخرا، هل أموال السيستاني لخدمة الشيعة؟

إن كانت أمواله وأموال البارونات من آيات الله الذين إبتلى بهم العراق هي لخدمة الشيعة، فهل أهل البصرة شيعة؟ وإن كانوا شيعة فأين السيستاني وآيات الله بالنجف الأشرف من أزمة المياه بالبصرة. وهل يستطيع السيستاني وغيره من الآيات شرب كوب ماء يشربه طفل بصري؟ أنّ ما يجري بالبصرة جريمة لا تتحمله الحكومتين الإسلاميتين المركزية والمحلية فقط، بل هي جريمة يتحملها السيستاني وبقية المراجع الشيعية أيضا، فهو مرجع فقراء هذه المدينة المنكوبة، وهو الذي يتحكم بأموال لا نعرف كم هي، وهو عرّاب الحكومة الشيعية الحاكمة وعصاباتها التي عاثت بالعراق قتلا ونهبا وفسادا، كما وتعتبر جماهير البصرة نفسها جزء من الجريمة التي تُرتكب بحقهم، كون المتظاهرين فيها بأعداد خجولة نسبة الى كثافتها السكانية.

البصرة وعطشها عار على الأحزاب والمنظمات والعصابات الشيعية، وعار على آيات الله الذين يمتلكون المليارات وهي من أموال فقراء الشيعة اساسا، وهم شهود على موت مدينة. البصرة ستكون مستقبلا ملفا مهما في محاسبة كل المجرمين بغض النظر عن مكانتهم السياسية والدينية، البصرة هي عطش الحسين الذي قتله شيعته فيها. عطش البصرة عار علينا جميعا، كوننا شهود زور لسلطتين سياسية ودينية تركت شعبنا ووطننا كعصف مأكول.


زكي رضا
الدنمارك
2/9/2018     

 

93
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 
لبوة الشيعة .. من أين لك هذا؟

خلال سنوات الحرب الطائفية التي جرت بين الأعوام " 2006-2008 " خرجت تصريحات طائفية كثيرة من طائفيي الطرفين المتنازعين، والتي ساهمت بقتل عشرات الآلاف من أبرياء شعبنا وشرّدت مئات الالاف منهم. ولو راجعنا تصريحات تلك الفترة المظلمة من تأريخ شعبنا، لوجدنا تصريح لا يدلّ الا على نفس مريضة مليئة بالحقد، نفس تريد أن تتسلق السلّم السياسي على جماجم العراقيين وخراب بلدهم، نفس لا يهمّها ما تتركه تصريحاتها تلك من فواجع وأرامل وأيتام، نفس مجرمة تشرّبت فنون الجريمة من فاشيي البعث قبل أن تصبح الدمية المدللة لحزب الدعوة الحاكم وتتمترس في دولة لا قانونهم، ولم تكن صاحبة هذه النفس المريضة سوى "حنان الفتلاوي" صاحبة أكبر تصريح فاشي وطائفي وهو "قتل سبعة من السنّة مقابل مقتل سبعة من الشيعة". ولتحصل حينها على وسام طائفي بإمتياز وهو "لبوة الشيعة" والذي لم يلبّي طموح بعض الطائفيين فسارعوا لمنحها لقب آخر وأكثر عمقا وهو "زينب العصر"!!

لبوة الشيعة أو زينب العصر هذه وبعد خسارتها الإنتخابات التشريعية الأخيرة، سارعت الى تجميل وجهها الكالح عن طريق الإعلام. ووجدت ضالتها أخيرا في شراء الحصة الأكبر من قناة آسيا الفضائية التي يمتلكها "آراس كريم" زعيم المؤتمر الوطني العراقي والذي وضعته الولايات المتحدة الامريكية على لائحة الارهاب لعلاقاته مع "الحرس الثوري الايراني". والسؤال الذي علينا طرحه هنا هو، من أين لهذه اللبوة كل هذه الأموال!؟

"جوز معدود وجراب مسدود"، مثل بغدادي من الممكن الإستفادة منه لمحاسبة لبوة الشيعة هذه لمعرفة مصدر أموالها التي إفتتحت بها وبعد إنقلابها على المالكي والدعاة ودولة لا قانونهم، العديد من المقرات لحركتها "إرادة" والتي توجتها بشراء الحصة الأكبر في قناة آسيا الفضائية. وهل إفتتحت مقرات حركتها علاوة على الملايين التي إمتلكت من خلالها الحصة الأكبر في فضائية آسيا، جاءت من رواتبها خلال فترة وجودها بالبرلمان كنائب، أم من خلال مشاريع ساهمت بها، أو كومشينات حصلت عليها كما قالت هي يوما بعظمة لسانها، أو من خلال أتاوت فرضتها على رجال أعمال ومستثمرين؟

الحكومات في البلدان التي تحترم شعوبها، تفتح تحقيق شامل وواسع مع أي سياسي يظهر عليه الغنى الفاحش أثناء وبعد توليه منصب ما في الدولة. لأن هذا السياسي سيكون حتما قد إستفاد من موقعه في إبتزاز رجال الأعمال والمستثمرين مقابل توفير خدمات من نوع خاص لهم، أي مساعدتهم في التهرب من الضرائب مثلا أو إرساء العطاءات عليهم في المناقصات التي تقيمها الدولة، وغيرها من العلاقات غير الشرعية إقتصاديا وماليا.

الديموقراطية لا تنحصر بالذهاب الى صناديق الإقتراع فقط، بل هي منظومة شاملة لشكل السلطة والحكم والحريات والواجبات والقانون. وفي البلدان الديموقراطية يقدّم البرلماني والوزير كشف حسابه قبل تولّيه منصبه، لأنه وبعد ترك منصبه تستطيع السلطات معرفة مصدر أمواله من خلال حساب رواتبه خلال فترته البرلمانية أو مدة إستيزاره. ولأن زينب العصر لم تقدّم كشف حسابها كما بقيّة الساسة "العراقيين"، فعلى الحكومة العراقية إن كانت تريد محاربة الفساد فعلا، أن تفتح تحقيقا واسعا مع الفتلاوي بعد حساب رواتبها للسنوات التي كانت فيه عضو بالبرلمان ومصاريفها الشخصية ومصاريف مكاتبها في المحافظات المختلفة، وما صرفته على حملاتها وحملات حركة إرادة الإنتخابية علاوة على الأموال التي دفعتها لشراء أسهم في فضائية آسيا.

على رئيس الوزراء المنتهية ولايته، وهو يعيش تظاهرات شعبنا المطلبية ومطالبه بمحاربة الفساد. أن يسارع لمحاسبة الفتلاوي اليوم قبل الغد، لمعرفة مصدر ملايينها هذه وعرض نتائج التحقيق معها على شعبنا. فهل يستطيع العبادي وهو الذي صرح منذ توليه رئاسة الوزراء من أنّه سيضرب الفساد بيد من حديد، أن يلبس قفّازه لأوّل مرّة ليضرب به، أم أنّ قفازّه عبارة عن قطعة إسفنج يستخدمها المدربون لغسل وجه الملاكم.

لبوة الشيعة، نهبت وسرقت أموال السنّة والشيعة
 

زكي رضا
الدنمارك
30/7/2018




94
المنبر الحر / إرحلوا
« في: 11:03 28/07/2018  »
إرحلوا


منذ الخامس والعشرين من شباط سنة 2011 ولليوم، إنخرطت جماهير شعبنا في تظاهرات مطلبية إحتجاجية ضد سوء الأوضاع الإقتصادية والبطالة ونقص وإنعدام الخدمات والفساد وتفشي الإرهاب. وقد إختلفت الشعارات التي رفعتها الجماهير حسب مزاج السلطات وهي تتعامل مع المتظاهرين وليس حسب مزاج الشارع، فشعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ما لبثت الجماهير أن تخلت عنه سريعا تحت ضغط المرجعيات الطائفية والقومية من جهة، ومن وعود كبار مسؤولي الدولة في تلبية مطالب الجماهير من جهة ثانيّة، ولتتركز الشعارات حول نقص الكهرباء وشحّة المياه والبطالة بشكل عام. الا أنّ الشعارات تطورت بشكل بطيء جدا لتطالب بمحاربة الفساد الذي أثّر على حياة الناس بشكل كبير جدا، وفي النهاية تبلور الشعار الذي لازالت الجماهير ترفعه اليوم وهي تخوض أكبر تظاهرات شهدها العراق لليوم، وهو " الشعار" المطالبة بالأصلاح. هذا الشعار الذي أثار القلق عند حكام المنطقة الخضراء، ونتيجة تشديد الجماهير عليه دخلت المرجعية الدينية على خط التظاهرات مطالبة هي الأخرى بالإصلاح وكأنّ الفساد كان وليد اللحظة!! كما ودخل التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر على الخط هو الآخر مطالبا بالإصلاح على الرغم من أنّ التيار الصدري كان ولا يزال جزء من منظومة الفساد التي يطالب المواطن بإنهائها!!

أنّ تظاهرات تموز هذا العام أكثر إتّساعا من تلك التي إندلعت عامي 2011 و 2015 ، فالسلطة مستمرة في فسادها وسرقاتها، والجماهير طفح بها الكيل وهي تعاني من نقص حاد في توفر الطاقة والماء وفرص العمل وسوء القطاعات الخدمية الأخرى، علاوة على أنهيار كامل للقطاعات الانتاجية غير النفطية. لكن، وعلى الرغم من إتّساع زخم التظاهرات ولعدم وجود قيادات ميدانية فاعلة لها، فأنّ شعارات الجماهير لا زالت تراوح مكانها لتتوقف عند نفس المطالب التي رفعتها أوّل مرّة في شباط 2011 !! ويبدو أنها ميّالة للقبول بحلول آنية هي أشبه بالسراب كتلك التي أطلقها المالكي إثر تظاهرات شباط 2011 والتي طالب فيها من الشعب مهلة 100 يوم لتلبية مطالبه، وها نحن وبعد سبعة أعوام نرى الأوضاع أسوأ من ذي قبل.

في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا وفي ظل حراك جماهيري على الرغم من عفويّته. فإننا لسنا بحاجة اليوم الى شعارات كالشعارات التي ترفعها ورفعتها الجماهير في مختلف المدن والبلدات . فالمطالبة بتوفير الطاقة الكهربائية والماء والعمل وغيرها من المطالب، لا تستطيع قوى المحاصصة الفاسدة توفيرها لا على المدى القصير ولا حتّى على المدى البعيد وسبع سنوات على إطلاق المالكي تعهده وعدم تنفيذه كافية لنعرف فساد هذه السلطة وسذاجة قطاعات لا بأس بها من شعبنا . فالأمر لا يتعلق بالفساد فقط، ولا بالمحاصصة كنهج فاشل ومدمر، بل يرتبط أساسا بتنفيذ أجندات ورغبات دول إقليمية لها مصلحة مباشرة في إستمرار الأوضاع في بلدنا على ما هي عليه خدمة لمصالحها ولإغراق السوق العراقية ببضائعها الفاسدة والسيئة، ولتتحكم من خلال تصدير الكهرباء على سبيل المثال لبلدنا بشريان حياتنا الإقتصادي وخنقه متى ما أرادت.

أنّ إستمرار رفع شعارات مطلبية كتوفير الكهرباء والماء وفرص العمل، وحتى محاربة الفساد وإصلاح المنظومة السياسية وغيرها من الشعارات المطلبية الأخرى من قبل الجماهير داخل وخارج العراق. غير كافية لدفع السلطات لتحقيقها مطلقا، فحكومة الخضراء تعرف جيدا من أنّ رفع هذه الشعارات تعني أنّ الجماهير ستركن للهدوء حالما تبدأ السلطات بإطلاق حزمة وعودها لتوفيرها، وقد جرّبت مرات عدّة لليوم هذه الوسيلة وأطلقت وعود عدة دون تنفيذ أو تراجعت عنها بعد فترة وجيزة.

على الجماهير اليوم أن تطور شعارها لإنهاء كافة الأوضاع السلبية التي يعيشها بلدنا وعدم الإكتفاء بالشعارات المطلبية. وقد كان شعار التظاهرة أمام بناية السفارة العراقية بكوبنهاغن والتي نظمها التيّار الديموقراطي وبمشاركة واسعة من قبل جماهير القوى الديموقراطية ومجموعة من الإسلاميين المتنورين، هو الشعار الذي على جماهير شعبنا أن تتبناه. هذا الشعار لم يكن سوى "إرحلوا".

لا خلاص للعراق الا برحيل هذه السلطة الفاسدة بأحزابها المختلفة، فمستقبل وطننا وشعبنا مرهونين برحيل هؤلاء الطغاة واللصوص . ليكن هتاف "أرحلوا" على لسان كل متظاهر من أجل كرامة شعبه ووطنه. أطلقوها صيحة قويّة في تظاهراتكم، فالشعارات المطلبية تعني إستمرار هذه العصابات الفاسدة والمجرمة في الحكم وإستمرار جرائمها ومأساتنا.

زكي رضا
الدنمارك
26/6/2018





95
هل سيكتمل عقد أهل الكساء؟


يعتبر توظيف الدين في السياسة أمر إستراتيجي عند الأحزاب والحركات الإسلامية كي تعبد الطريق نحو السلطة، كون الدين هو من أشّد العوامل جذبا في إستمالة قطاعات واسعة من الجماهير في البلدان الإسلامية وعلى الاخّص تلك التي لا تمتلك الوعي الكافي في بحثها عن مستقبلها ومستقبل أوطانها. كما وأنّه يعتبر سلاحا قويّا في مواجهة الحركات اليساريّة والعلمانيّة وعموم الحركات الديموقراطيّة في تلك البلدان، فسلاح الدين هو رأس الحربة في حسم المواجهات بين التيارات الإسلامية والعلمانيّة ومنها اليساريّة.

في المجتمعات المتخلفّة كما المجتمع العراقي يستطيع أي رجل دين شحن آلاف البسطاء للوقوف ضد من يدافع عن مصالحهم، بإستخدامه وتوظيفه لآيات قرآنية أو أحاديث نبويّة أو مرويّات عن أئمة الشيعة أو السنّة. وإن فشل رجل الدين هذا في إقناع هذه الجماهير لأسباب منها عدم ثقة الجماهير بالدولة أو السلطة التي يعمل رجل الدين في ظلّها، فأنه يذهب الى سلاح أمضى وأقوى وهو إتّهام العلمانيين واليساريين بالإلحاد. والأحزاب والتيارات الدينية لا تفرق كثيرا عن رجل الدين في توظيفها للدين وهي تواجه الحركات اليسارية والعلمانية عموما في حسم معركتها من أجل السلطة، فالإثنان أي رجل الدين والذي يمثل المؤسسة الدينية من جهة والأحزاب الدينية من جهة أخرى لها هدف واحد وهو قيام الدولة الإسلاميّة.

منذ بدء أوّل ممارسة يقال عنها ديموقراطية في العراق، وظّفت المؤسسة الدينية والأحزاب والحركات والميليشيات ، المذهب خدمة لمصالحها. وكان تأويل الأرقام والشعارات وترجمتها مذهبيا لدغدغة مشاعر وقلوب البسطاء حاضرة في كل إنتخابات "ديموقراطية !!" جرت بالبلد لليوم. فالتحالف الشيعي والذي كان يحمل الرقم 555 وشعاره الشمعة، إعتبرته الأحزاب الشيعية ومعها المؤسسة الدينية رقما إعجازيّا منحه الله لهذا التحالف كي يقود العراق، فكانت الخمسة الأولى رمزا لأهل الكساء والثانية رمزا للصلوات الخمس والثالثة لأركان الإسلام الخمسة. وقد ذهب رجال الدين والساسة الشيعة الى أبعد من ذلك وهم يستخدمون الأرقام وفق حساب الجمل كي تشير الى رمز شيعي وهو المهدي، فكانت قراءتهم للرقم "555" هو "يا مهدي بن الحسن أدركني". لكن يبدو اليوم ومن خلال التجربة العملية لحكم الأحزاب الشيعية بالعراق أنّ المهدي لم يدرك هؤلاء اللصوص ولا حتى فقراء الشيعة ولن يدركهم وأنّ شمعتهم قد حرقت البلد.

في الإنتخابات الأخيرة ومن على شاشة أحدى الفضائيات، صرّح نائب شيعي من أنّ التحالفات الشيعية الخمسة وهي "النصر ودولة القانون والفتح وسائرون والحكمة" هم كأهل الكساء الخمسة. ويبدو أنّ قراءته لشكل التحالفات التي ستهتم بأمر تشكيل الحكومة وعلى الرغم من النقد الذي وُجّه إليه وقتها هو أكثر عمقا من قراءة قوى يسارية وعلمانية لشكل الحكومة القادمة، كما وأنّها حددّت بالضبط عدد القوائم الشيعية وأسمائها من تلك التي ستشكل الحكومة مع أطراف أخرى، فلا نجد مثلا المجلس الأعلى وبعض التنظيمات الشيعية الأخرى ضمن أهل الكساء الذين ذكرهم.

فقائمة سائرون بزعامة رجل الدين الشيعي وأحد أهم أهل الكساء نفوذا اليوم "مقتدى الصدر" ومن أجل تشكيل حكومة أبويّة تحت رعايته بعد أن أصبحت حكومة التكنوقراط من الماضي، فتحت أبواب التحالف معها على مصاريعها، لتتنصل من برنامجها الذي يشترك فيه عدد من الأحزاب العلمانية ومنها الحزب الشيوعي العراقي، كونها قائمة عابرة للطائفية وهدفها الرئيسي هو محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة. فدخل من بابها هذا ثلاثة من أهل الكساء وهم "النصر و الحكمة وتحالف الميليشيات المدعومة من إيران أي الفتح" ولم يبق الا دولة القانون ليكتمل عقد أهل الكساء، والذي وكما تقول الأخبار أنّهم ، اي "دولة القانون" سيدخلون تحت الكساء عن طريق فتح حوار مع "محمد شياع السوداني" بدلا عن "نوري المالكي" الذي يواجه فيتو من الصدر والعامري. وأهل الكساء هؤلاء هم من حكموا البلد ولازالوا بمحاصصة طائفية قومية لم تنتج سوى الفساد الذي حوّل العراق الى واحد من أكثر بلدان العالم تخلفا وفقرا مقارنة بما دخل خزائنه من أموال.

أنّ مجرد إجتماع هذه الكتل الشيعية من جديد هو إعادة تدوير للطائفية والفساد وجنوح أوضاع البلد نحو الأسوأ، في ظل تراجع كبير ومريع للخدمات ونشاط لتنظيم داعش الإرهابي ووضع أمني غير مستقر وقابل للإنفجار في أيّة لحظة نتيجة إمتلاك 18 ميليشيا ستكون ضمن السلطة للأسلحة المختلفة وعدم إلتزام أعضائها بالقوانين المرعية، وما حادثة شارع فلسطين وترويع المواطنين الآمنين في الأحياء السكنية الا نموذج بسيط لشكل الحكومة القادمة.

الحكومة القادمة لن تكون أفضل من سابقاتها، وستفشل في إيجاد الحلول الجذرية لمشاكل البلد والشعب. وعلى الأحزاب الوطنية أن تنأى بنفسها عن مثل هذه الحكومة لسببين، أولهما أنها وإن أُسْتوزِرتْ فأنها ستحصل على وزارة هامشية وغير مؤثرة ولا تستطيع من خلالها تقديم شيء للناس، والثانية أنّ تشكيل حكومة وفيها جميع أهل الكساء والقوى السنّية والكوردية يعني عدم تطبيق ما جاء في برنامج تحالف سائرون وحينها نستطيع القول للذي يصرّ على المشاركة في تشكيل حكومة محاصصة طائفية قومية والبقاء ضمن حدود المربع الأول "كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا".

 زكي رضا
الدنمارك
29/6/2018



96
السياسة فن لكنه بالعراق هابط ومبتذل

غالبا ما يقال عن السياسة من أنّها فن الممكن، والتي من الممكن ترجمتها وفق المفهوم الميكافيلي  الى " الغاية تبرر الوسيلة". وهذا المفهوم الميكافيلي هو أساس علاقات الدول فيما بينها وعلاقة الدول بشعوبها، فالدول وفق هذا المفهوم ونعني هنا الدول القوية تتدخل بالشؤون الداخلية للدول الأضعف منها بكل الوسائل الممكنة، والعمل على إضعاف تلك الدول إقتصاديا وسياسيا وعسكريا من أجل مصالحها ومصالح شعوبها. لذا نرى اليوم أنّ جميع الدول المحيطة بالعراق تمارس " فنّ الممكن " هذا لبسط هيمنتها على بلدنا وشعبنا، فإيران تمارس هذا الفنّ كمخرج مسرحي كبير وهي توزع الأدوار بين الكتل الشيعية في سيناريو تنتهي مشاهده دائما بإنتصار "البطل" الشيعي وهو على رأس الوزارة، والسعودية وبلدان الخليج يمارسون هذا الفنّ في رعايتهم  للسنة العراقيين على نفس المسرح العراقي، وكذلك تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلدان الإقليمية وغير الإقليمية في رعايتهم للكورد اوالتركمان وغيرهم. وقد وصل هذا الفنّ إقتصاديا وإنسانيا الى ضرب شريان الحياة في بلدنا وهو الماء الذي تتبارى طهران وأنقرة على إذلال شعبنا ووطننا به. أمّا فيما يتعلق بنفس المفهوم في الدولة الواحدة، فهو القمع المنظم للدولة بحق شعبها وأحزابه السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني بحجة البناء والحفاظ على الدولة وهيبتها، لذا نرى الدول وخصوصا في بلدان العالم الثالث تمارس القمع المتوحش بكل السبل المتاحة ودون أي وازع أخلاقي كون السياسة وفق المفهوم الميكافيلي الذي تتبناه لا علاقة لها بالأخلاق مطلقا.

لا يعتبر العراق اليوم دولة الّا بالحدّ الأدنى ، كونه لا يحقق من شروط مقوّمات الدولة الا إعتراف المجتمع الدولي به كدولة "مستقلّة" والسكان الحاملين للجنسية، أما باقي أركان الدولة من سيادة على الأرض والمياه والمجال الجوي وتوفير الأمن والخدمات وإستغلال الثروات لخدمة الشعب وبناء جيش وطني قادر على الدفاع عن الوطن وغيرها من الشروط فهي غير متوفرة عند سلطة بغداد بالمرة، وعليه فأنّ فن الممكن عند السلطة في بغداد إن وُجد فهو ليس في صالح وطننا وشعبنا بل في صالح الدول التي تنفذ سلطة بغداد مصالحها على حساب شعبنا ووطننا.

لأنّ السلطة في بغداد هي سلطة محاصصة طائفية أثنيّة فهي تمارس أيضا فنّ الممكن، لكن بطريقة مغايرة لنفس الفن عند الآخرين. ففي بلدنا ومنذ الإحتلال لليوم تقوم الأحزاب والمنظمات السياسية من تلك التي تمتلك أذرع عسكرية أو التي لا تمتلكها، بممارسة سياسة الغاية تبرر الوسيلة. فغاية الأحزاب الإسلامية الشيعية هي بناء نظام سياسي على غرار النظام الإيراني، ومن أجل هذا الهدف سلكت هذه الأحزاب والمنظمات وتسلك كل الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول الى غايتها والتي هي بالأساس غاية طهران، والأمر نفسه ينطبق على الأحزاب والمنظمات الإسلامية وغير الإسلامية السنية والتي ساهمت في خلط الأوراق كما الأحزاب الشيعية في سلوكها كل الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول الى غاياتها والتي هي أيضا غايات أنقرة والرياض والدوحة وغيرها، والكورد لم يتخلفّوا هم أيضا في السير بنفس الطريق فبسبب غاية لم يدركوها لليوم لقصر نظرهم السياسي مارسوا كل التبريريات المنطقية وغير المنطقية لإضعاف سلطة المركز الضعيفة أصلا ليخسروا ومعهم المركز إحترام الشعب العراقي بأكمله، وما عزوف الغالبية العظمى من أبناء شعبنا عن المشاركة في الإنتخابات الا صفعة في وجوه هذه القوى السياسية.

 من خلال نظرة بسيطة على أوضاع العراق منذ الإحتلال لليوم ومن خلال علاقات القوى السياسية " العراقية" بدول أجنبية وتنفيذ أجنداتها، نستطيع أن نفهم " فنّ الممكن" عند هذه الأحزاب.  لكن الذي لا نستطيع فهمه هو خيار " الغاية تبرر الوسيلة" عند أحزاب وطنية عريقة ولها باع طويل في العمل السياسي، والأنكى هو دفاع هذه الأحزاب عن الغاية والوسيلة بقوّة على الرغم من عدم وضوح الغاية والثمن الباهظ لوسيلة الوصول لتلك الغاية التي إن أردنا إستخدام أقل العبارات قسوة سنقول من أنها ضبابية وغير واضحة المعالم.

في معرض الدفاع عن غاية التحالفات أو التفاهمات وفق تصريحات بعض السياسيين تأتي مخاطر وجود البلد على كفّ عفريت وضرورة إنقاذه، لتبرير تحالفات فشلت حال إنتهاء الإنتخابات من كونها غير قادرة لأسباب عديدة من تجاوز الحالة الطائفية للحكم، وبالتالي عدم إستطاعتها من تنفيذ الجزء الأكبر من برامجها السياسية التي وعدت بها ناخبيها وحصدت أصواتهم بسببها. كما وأنّ هذه القوى وهي تتحدث عن كف العفريت الذي يحمل البلد لا تريد أن ترى البلد على ما يبدو وهو في فم العفريت!!

إنّ أي تبرير لحكومة محاصصة طائفية أثنية جديدة والبقاء في المربع الأول، إن كان بحجّة الدفاع عن السلم الأهلي والذي هو في فم عفريت المحاصصة منذ الإحتلال لليوم، أو مفهوم ضرورة المشاركة بالحكومة تحت مسمى الكتلة الأكبر إن كان قبل وبعد الإنتخابات والذي سيعيد تدوير نفس النفايات ونفس الفساد، هو فن سياسي لكنه فن هابط ومبتذل. والفن الهابط والمبتذل له مسارحه وجمهوره وهم جمهور القطيع، أمّا الفن الراقي والملتزم فله مسرح واحد وهو العراق وجمهوره هو ذلك الجمهور الذي صوّت للقوى والشخصيات الوطنية أو من الذين قاطعوا الإنتخابات عن وعي أو عن يأس.

مسرحنا أجمل وأرقى من مسرحهم " الأراجوزي" الهابط والمبتذل، فلنترك مسرحهم الى حيث مسرح الوطن والناس.


الدنمارك
21/6/2018   

 

97
المنبر الحر / شكراً لله
« في: 03:11 10/06/2018  »

شكراً لله

شكرا لله لأنه لم يمّكن الأحزاب الشيعية من حكم العراق بعد أنتفاضة آذار 1991 وقتها، شكرا لله لأنه فكّر بشعبنا ووطننا وأخّر نهايته عسى أن يستطيع من له بقايا ضمير ووطنيّة من رجالات هذا الشعب الذي لا يمتلك حزب أو منظمة سياسية قادرة على ترجمة مأساته الى ثورة عارمة، لتعصف بخونة العراق وشعبه من المجرمين في المنطقة الخضراء. شكرا لله وهو يمنحنا الفرصة الأخيرة لأنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن خرب وشعب ذليل، من براثن ساسة لصوص وعمائم لا تعرف الا الدجل واللذين لا يجيدون الا العمالة للأجنبي.

تخيلوا لو أنّ الأحزاب الشيعية والعمائم التي معها وبعد تجربة الخمسة عشرة عاماً الماضية، كانت قد حكمت منذ سنة 1991 ، تخيّلوا حالنا اليوم وكيف كنا نعيش؟ إغمضوا أعينكم وفكّروا كيف كانت ستكون حال مدارسنا ومشافينا، فكّروا بحالة الخدمات وهل كنّا نملك منها شيء وهؤلاء اللصوص على سدّة الحكم؟ كيف كانت ستكون حال دجلة والفرات اليوم؟ هل كنا نملك بقايا بنى تحتيّة؟ كم كان عدد الأيتام والأرامل؟ كم كانت نسبة البطالة ومستوى الفقر؟ كم كانت ستكون اليوم نسبة مدمني المخدرات القادمة من بلد أثير وعزيز عند الأحزاب الشيعية الحاكمة والعمائم التي معها؟ كم كانت ستكون نسبة الوعي في المجتمع والفتاح فالية والدجّالين والسحرة يمتلكون عشرات الفضائيات وتدعمهم الميليشيات المسلّحة؟ كم كانت ستكون نسبة الدعارة وبيع وشراء الفتيات لفقر وعوز؟ كم كانت ستكون نسبة تجارة بيع الأعضاء البشرية؟

العبادي الذي أمامه 800 ملف فساد لا يستعمل سلطته كرئيس أعلى سلطة تنفيذية بالبلد لمواجهة الفاسدين بها، كونه أيقونة من أيقونات الفساد في هذا البلد المبتلى بأمثاله من باقي المتحاصصين. 1800 عقار محتل تعود ملكيتها للدولة والعبادي صُم بُكم عُمي إزائها، كون من يحتلها هم رفاقه في حزبه و "رجالات" الأحزاب التي تهيمن على المشهد السياسي منذ الإحتلال لليوم. 100 ميليشيا مسلّحة في بغداد وحدها والتي إن تقاتلت فيما بينها ستحوّل بغداد الى مسلخ بشري، والعبادي يعرفها واحدة واحدة الا أنّه لا يمتلك لا الإرادة الوطنية ولا السلطة كونه جزء من نسيج المحاصصة التي جاءت به.

مئات القتلى والجرحى بإنفجار أكداس عتاد داخل بيت للعبادة، له دلالات عديدة تبدأ بعدم وجود دولة أساسا ولا تنتهي بتحويل دور العبادة وسط المناطق السكنية الآهلة بالسكان الى برك للدماء. هذا الأنفجار الهائل والمدمّر سيتكرر في أمكنة أخرى وفي أوقات قادمة، إن لم يتم إنهاء سلطة الأحزاب الدينية وميليشياتها المنفلتة والمسلحة بأسرع وقت ممكن. لنكن صريحين مع أنفسنا كشعب وبقايا قوى لا زالت تحمل شيء من الوطنية، من أننا غير قادرين على تغيير الأوضاع نحو الأحسن. فإنتفاضة شعبية واسعة أو عصيان مدني أو إضراب شامل في قطاعات العمل المختلفة والتعليم ناهيك عن الثورة، غير ممكنة في ظل غياب أحزاب سياسية قادرة على قيادة الجماهير نحو خلاصها وخلاص الوطن، علاوة على مستوى الوعي المتدني عند جماهير شعبنا وعدم شعورها بالمهانة.

أننا بلد وشعب ضعيفان ولا نستطيع مجاراة أصغر دولة إقليمية ولا نقول هنا بلدان كتركيا وإيران والسعودية، وما تدّخل هذه البلدان بشؤوننا الداخلية بشكل علني الا دلالة على ضعفنا وهواننا وعدم قدرتنا على المواجهة. فتركيا تستعد لدخول قنديل وإجتياح بلدنا عندها أمر طبيعي ونزهة، كما وتقوم بتهديد أرضنا وشعبنا بالجفاف بقطع المياه عن أنهارنا. وإيران تقطع هي الأخرى المياه عنّا وتصدر لنا الجهل والتخلف والخزعبلات والمخدرات، والميليشيات التي تأتمر بأمر ولي فقيهها لتحول بلدنا الى ساحة لتصفية حساباتها مع أطراف عدّة. حتّى الديموقراطية التي صدّعنا بها رؤوس الكثيرين على أنها ممارسة ستتجذر كلما تقدمنا بها، عادت الى المربع الأول بعد أن كانت الأنتخابات الأخيرة أسوأ انتخابات ليس بالعراق وحده بل وفي كل العالم. فما من دولة تستورد آلاف الأجهزة بمئات ملايين الدولارات لتعلن فشل هذه الأجهزة ولتعود الى الفرز اليدوي، الا العراق الفاشل نتيجة فشل ساسته وتدخل المؤسسة الدينية بشؤون الحكم. والكارثة الأكبر أو المهزلة الكبرى تكمن أن برلمان اللصوص رفض وعلى الرغم من المظاهرات سن قانون إنتخابي عادل وأصّر على سنّ قانون بمقاساته، وفرض مفوضّية أنتخابات على أساس المحاصصة، ليعود وبعد أن خسر اللصوص الكبار في الأنتخابات الى سن قانون إنتخابي بعد أنتهاء الأنتخابات، وأنهاء عمل المفوضية لفسادها!!!

أسباب خلاصنا كوطن وشعب ممّا نحن فيه أمر ليس بأيدينا، فلا معارضة وطنية قادرة على قيادة الجماهير البائسة والمحرومة والمُذَلّة والمُهانة الى شاطيء الأمان، ولا وعي لهذه الجماهير التي دجّنها الدين وجعلها تجتر الذل لتعيش فيه دوما. وهذا الأمر كان في السابق أيضا، إذ كنّا كشعب وأحزاب معارضة غير قادرين على تغيير نظام البعث الدموي حتّى جاء الأمريكان ليتولّوا مهمة إسقاطه، فهل ننتظر مرّة ثانية أن تقوم أمريكا بتغيير السلطة ببغداد بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر بإسقاط أو أضعاف سلطة الملالي في إيران؟

نعم، لنكن صادقين مع انفسنا وشجعان في قول الحقيقة، من إننا شعب غير قادر كما بقية شعوب المنطقة على أخذ زمام المبادرة لتغيير حالها بعد أن فقدنا أحزاب قادرة على طرح برامج وشعارات جريئة وواضحة كي تنتشلنا من واقعنا المأساوي من جهة، وكون الدين والعمائم قد خدّرا شعبنا بمخدر يعتبر الأفيون أمامه حليب أطفال من جهة أخرى.

هل خلاص العراق كبلد فاشل وضعيف يكمن في وضعه تحت الوصاية الأممية، مجرد سؤال؟

 

 
الدنمارك
8/6/2018



98

المدن الغبيّة والثورة

لايوجد مصطلح لليوم تحت مسمى المدن الغبيّة، لكن هناك مصطلح شائع اليوم تحت مسمى المدن الذكيّة. والمدن الذكيّة ( Smart city) ظهر للوجود بداية الألفيّة الثالثة ليعرّف وسائل التطوير وتنوعها في مدن حديثة الانشاء، أو تطوير البنى التحتية لمدن قديمة كي تواكب عملية تطور التقنية الرقمية وأثرها في التحوّل لمدن ذكيّة. والتقنية الرقمية تدخل في صلب بناء المدن الذكيّة، من النواحي الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وتوفير الخدمات من ماء وكهرباء وشبكة عنكبوتيّة وشبكات صرف صحّي وشبكات طرق سريعة وآمنة والأهم من ذلك هو تحويل سكّان هذه المدن من خلال منظمات المجتمع المدني الى (سكّان أذكياء)، ليساهم السكّان الأذكياء هؤلاء من خلال مشاركتهم في صناعة القرار دون مسؤوليتهم في إتّخاذه، أي يكون القرار من أسفل الى أعلى وهذا ما يطلق عليه النمو الذكي. وبشكل عام فلا هناك تعريف محدّد وثابت لما يُعرف بالمدن الذكيّة، والتعريف قابل للتطور والنمو نحو مفهوم الأستدامة. كان من الضروري كتابة المقدّمة القصيرة أعلاه بالأستفادة من الويكيبديا قبل الأنتقال لصلب الموضوع رغم قسوة العنوان والموضوع ، والذي هو من شقّين هما المدن الغبيّة في بلدنا العراق ومفهوم الثورة فيه.

في ظل الظروف المأساويّة التي يعيشها بلدنا وشعبنا، لا أرى هناك ضرورة مطلقا لتلطيف الكلمات والأصطلاحات ونحن نقيّم تجربة سياسية أجتماعية أقتصادية، هي من أسوأ التجارب التي مرّ بها بلد ما على مرّ التأريخ الأنساني. تجربة فاشلة وفاسدة يقودها ساسة فاشلون وفاسدون حد النخاع، نهبوا ثروات وأموال كانت كافيّة في أن تحول العراق بأكمله الى بلد ذكي وليس بعض مدنه الى مدن ذكيّة. بل على العكس فالضرورة هي أستخدامنا لأكثر المصطلحات قسوة لمحاكمة هؤلاء الساسة اللصوص من جهة، و جماهير شعبنا وهي تتحول تحت وطأة الدين الى سكان أغبياء مقارنة مع السكّان الأذكياء الذي جئنا على ذكرهم قبل قليل.

بلا شك فأنّ أطلاق مصطلح  (المدن الغبيّة) على المدن العراقيّة كافّة هو مصطلح قاس بل وقاس جدا، ولكنه حقيقي ومتكامل من الناحية النظرية والعملية. فالمدن العراقيّة تفتقد الى كل أشكال الخدمات التي توفّرها أية مدينة لقاطنيها، أو التي من المفروض أن تقدمها المدن لقاطنيها. وهنا قد يبرز رأي يقول لكن هناك الكثير من البلدان بالعالم فيها مدن تعاني نفس ما تعانيه المدن العراقيّة وهذا صحيح لحدود كبيرة، لكن هل دخلت خزائن هذه البلدان خلال الخمسة عشر سنة الماضيّة أموال تقدّر بالف مليار دولار " ترليون"!!؟؟ كما وأنّ إطلاق مصطلح سكّان أغبياء لساكني المدن الغبيّة، لا أراه مصطلح قاس بالمرّة، بل هو الأقرب الى الواقع إن لم يكن الواقع نفسه. فتظاهر العشرات مثلا إحتجاجا على الأنقطاع المستمر للتيار الكهربائي ومئات الآلاف يجلسون متفرجين منتظرين حلول من السماء، هو شيء من الغباء في سكان تلك المدينة الغبيّة. وتظاهر العشرات فقط  لشحّة المياه ورداءة  نوعيتها مقابل صمت الغالبية العظمى من سكّان تلك المدن الغبيّة دلالة على غباء القسم الأعظم من ساكني تلك المدن، وهذا ما نراه اليوم تحديدا في مستوى التظاهرات والتجمعات والأعتصامات البائسة مقابل حجم الخراب الذي شمل كل شيء والأزمات التي تتناسل يوميا.   

منذ أيّام طرح أو أستخدم  بعض الساسة والكتاب والمثقفين ونتيجة للأزمنة الخانقة للكهرباء والماء آراء لم تُطرح سابقا بهذا الوضوح رغم حاجتنا الماسّة اليها لتغيير واقعنا المأساوي. فعلى سبيل المثال ونتيجة لسوء الأحوال الخدمية والمعاشية وإزدياد مساحة البطالة والفقر، طرح البعض مصطلح الأنتفاضة بأعتبارها وسيلة من وسائل النضال المشروعة في طريق تحقيق العدالة الأجتماعية وبناء دولة مدنية عصرية حديثة، وآخر طرح مفهوما أبعد من ذلك وهو الثورة، الا أنهّ عاد ليقول من أنّه لا يقصد الثورة بمفهومها المتعارف عليه!!

أنّ ما يجري ببلدنا اليوم بحاجة الى ثورة حقيقية بكل معانيها وتفاصيلها ومفاهيمها المتعارف عليها، ثورة شعبيّة عارمة تضع حدا لنظام المحاصصة وتقبره للأبد، ثورة تضع حد لسلطة رجال الدين والمؤسسة الدينيّة اللذين ساهما مساهمة فعّالة بدمار بلدنا نتيجة إحتضناهما لأكثر الأحزاب عمالة وفسادا أي الأحزاب الأسلامية. نعم، نحن بحاجة لثورة للحفاظ على ما تبقى من بلدنا وشعبنا، فلم البحث عن مصطلحات ومفاهيم تقترب منها بخجل. أنّ ما جرى ويجري بالبلد منذ الأحتلال لليوم كان كفيلا في أن تكون هناك أكثر من ثورة ضد رموز الفساد وخونة البلد. ويبقى السؤال الكبير هو من هي الجهة التي ستقود هذه الثورة؟ لتفعلها الجماهير الذكيّة اولا وهي نفسها قادرة على صناعة قادة ميدانيين، وأي كانت نتائج هذه الثورة فأنها ستكون أفضل حالا ممّا نعيشه اليوم.

زكي رضا
الدنمارك
3/6/2018 

99

اللامعقول واللامعقول في المشهد السياسي العراقي

 

العبارة الأكثر تداولا اليوم ونحن خارجون من سباق إنتخابي فاز به نفس المتسابقون السابقون أنفسهم، هي إجماع جميع الكتل السياسية التي شاركت في هذا السباق وحصلت على "ميداليات" عديدة، قولها وهي تهنيء بعضها البعض بهيمنتها لأربع سنوات عجاف قادمة من حياة شعبنا هي: "إننا منفتحون على جميع القوائم القريبة من برنامجنا "، وأنّ" العراق قائم على مكوّنات متعددة ولن يستقر إلا بأن تتمثّل كلها في الحكومة"!! وعلى "ضرورة الإسراع في تشكيل حكومة أبويّة بأسرع وقت ممكن لتتمكن من تقديم الخدمات للشعب وتعبّر عن تطلعاته المشروعة وضرورة أن يكون قرار تشكيل الحكومة قراراً وطنياً وأهمية مشاركة جميع الكتل الفائزة التي تنتهج مساراً وطنياً في تشكيل الحكومة المقبلة".

دعونا نبدأ من نقطة غاية بالأهمية والتي تُعتبر المفتاح الرئيسي لفتح أبواب موصدة كثيرة في المجالات السياسية والأقتصادية والأجتماعية، وهي الوطنية التي تتعكز عليها جميع الكتل وهي تخاطب جماهير شعبنا التي عانت وتعاني من فساد وإجرام جميع الأحزاب المتنفذة والمهيمنة على المشهد السياسي منذ الإحتلال لليوم على الأقّل. وبدايتنا هي: ما معنى الوطنية في عرف هذه الأحزاب والتنظيمات، وهل يملكون شيء منها؟

ما يجري في بلدنا هو كالدولاب الذي يدور لتصل  مقاعده في حركته المستمرة الى نفس نقاط حركتها اول أمرها ميكانيكيا، والأحزاب الحاكمة في فسادها وجرائمها هي كما الاواني المستطرقة كيمياويا، ففسادها وجرائمها متساوية كتساوي السائل المتجانس في تلك الانابيب، وفي السياسة فان هذا السائل المتجانس هو فساد وخيانة واجرام الطغمة الحاكمة بالخضراء منذ الاحتلال لليوم.

المضحك المبكي في عراقنا اليوم هو، أنّ جميع الأحزاب السياسية العراقية تقريبا، تحمل راية عريضة جدا وهي الوطنية! الا أنها جميعا تخسر في الأمتار الأولى من سباق مارثون الوطنية هذا. فمنها من يخسرها لأن مدربه إيراني، والآخر يخسرها لأن مدربه سعودي، والآخر يخسرها لأن مدربّه أمريكي، لذا ترى الوطنية ومنذ الإحتلال الامريكي لبلدنا ولليوم عبارة عن تنازلات بالجملة لهذه البلدان وعلى الضد من مصالح شعبنا ووطننا. وعليه  فأنّ إنتهاج المسار الوطني من قبل هذه القوى ليس سوى زوبعة في فنجان.

إن كانت جميع القوائم منفتحة على بعضها البعض، ومستعدة لتشكيل حكومة من القوائم المتقاربة في برامجها. فلا نرى سببا مطلقا لإجراء الإنتخابات، ما دامت برامج جميع القوى السياسية والقوائم الإنتخابية تطالب بمحاربة الفساد وتجاوز الطائفية كحالة مستديمة بالحكم، علاوة على مطالبتها بدولة المواطنة التي تحترم الإنسان العراقي بغضّ النظر عن قوميته ودينه ومذهبه ومعتقده السياسي. والذي يؤكد هذا الإستنتاج هو مطالبة جميع القوائم التي تتصارع فيما بينها و لا أدري لماذا!؟ هو أهمية مشاركة جميع الكتل الفائزة ذات النهج الوطني في تشكيل الحكومة!!! وكدليل على إستمرار نهج المحاصصة المدمّر هو مطالبة إشتراك جميع المكوّنات في الحكومة!!

هناك في كل دول العالم ومجتمعاتها معقول ولا معقول ، الا في العراق فاللامعقول واللامعقول هو من يتسيد المشهد المتناقض في كل شيء فيه. فاللامعقول هو عدم اتفاق قوى الفساد على استمرار فسادها، واللامعقول هو عدم تشكيل حكومة من جميع قوى الفساد هذه، واللامعقول هو خروج الجماهير التي قاطعت الأنتخابات بالملايين الى الشوارع  دفاعا عن أسباب رفضها للانتخابات. تخيلوا معي لو خرج من قاطعوا الأنتخابات وهم بالملايين الى ساحات التحرير بالعراق بزخمهم وهمتهم التي عبروا عنها بالأنتخابات لعدة أسابيع متتالية، أو إفترشوا تلكم الساحات فهل ستكون هناك حكومة بالخضراء، وكيف سيكون ميزان القوى؟

إنّ ما يجري على المسرح السياسي البائس اليوم ونحن ننتظر ولادة "قيصريّة" لحكومة "وطنية" ليس سوى أضغاث أحلام. لقد أضعنا كل شيء وشعبنا سلبي في نضاله ، وأحزابنا الوطنية إنحنت أمام العاصفة ذات الريح السوداء. ليس لوحدها بل ومعها الجماهير التي تخرج بالعشرات والمئات من أجل توفير الخدمات أو بإعتراضها على قوانين تمس مفاهيم الدولة العلمانيّة ومطالبتها بتوفير فرص العمل والخدمات، الّا أنها تستأسد وهي تقاطع الإنتخابات بالملايين.

أيتها السيدات والسادة، كلنا مسؤولون بهذا القدر أو ذاك عمّا يواجهه وطننا وشعبنا.. كلنا مسؤولون عن كم الخراب الهائل الذي  حدث ويحدث لليوم.. كلنا مسؤولون ، لأننا لا نمتلك الإرادة الحقيقية في مواجهة اللصوص والقتلة والفاسدين.

الحكومة القادمة ستكون حكومة طبق الأصل للواتي سبقتها، والسنوات الأربع القادمة ستكون كاللواتي سبقتها أيضا. فميزان القوى لا زال يميل الى حيث القتلة والفاسدين وبياعي الوطن. فالنجاح له آباء كثر والفشل لا أب له، أمّا في وطننا فللفشل آباء بعدد الأحزاب والقوائم .

 زكي رضا
الدنمارك
22/5/2018



100
السبت القادم ستعرض بلادي للبيع من يشتري؟

السبت القادم الثاني عشر من آيار/مايس، هو التأريخ الذي سيتوجه الناخبون في بلدي فيه الى صناديق الإقتراع وهم أمام ثلاث خيارات. فأما المقاطعة، أو إختيار من لم تتلوث أياديهم بسرقة أموال شعبنا ولم يعرف الفساد اليهم طريقا، وأمّا إنتخاب اللصوص والفاسدين مرّة رابعة.

السبت القادم، ستنظر طهران الى صنايق الإقتراع ممنّية النفس في إستمرار أتباعها بالسلطة وهيمنتها من خلالهم على مقدّرات شعبنا ووطننا. وسوف تحوّل كما كل إنتخابات أمنيتها الى حقيقة، من خلال ترتيب بيتها في بيتنا عن طريق أحزابها وميليشياتها ليظل العراق ساحة خلفيّة وحائط صدّ لها وهي تواجه الصعوبات في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومحيطها الإقليمي في الخليج . وستتهيأ بعد فرز الأصوات لتشكيل الحكومة العراقيّة في حضرة وليّ الفقيه كما كل مرة، خصوصا وأن عصاباتها المسلّحة سيكون لها صوت عال في برلمان الخضراء هذه المرّة.

السبت القادم، ستنتظر الرياض نتائج الأنتخابات بعد أن قدّمت لأتباعها من أحزاب وشخصيّات كانت حتّى الأمس القريب جزء من نسيج عصابات القاعدة وداعش وأهّلتهم ليدخلوا العملية السياسية مسلّحين بدعم كامل منها و مئات ملايين الدولارات لشراء ذمم الناس. ليكون لها وهي في حالة حرب باردة مع طهران آمال بإعادة العراق الى محيطه العربي، وكأن شيعة العراق ليسوا بعرب!

السبت القادم، سيكون المحتل الامريكي ومن خلال أكبر سفارة له بالعالم في عاصمة الرشيد، قريب جدا من صنادق الإقتراع. ليقوم والطرفين الآخرين بإعادة تدوير نفس النفايات للسنوات الأربع القادمة. فالذي يهم المحتل الأمريكي، هو إستمرار تدفق النفط العراقي الرخيص لأسواقها، وإستمرار شركاتها في إستثماراتها النفطيّة. أمّا ديموقراطية الساندويج الجاهز، فما هي الا جزء من لعبة لا نجيد كعراقيين قوانينها، ولا نملك اللياقة للجري في مضاميرها. والدليل فشلنا كشعب من إنتخاب من يمثّل مصالحنا، بإستمرارنا في إنتخاب نفس اللصوص والفاسدين لنشتمهم بعد إنتخابهم مباشرة!!

السبت القادم، سيقف النخّاسون ليبيعوا ليس شعبنا فقط بل وبلدنا وتراثه وتأريخه. السبت القادم سيُعرض جلجامش للبيع ومعه عشبة الخلود، فمن يشتريه ويشتري تراثنا الأنساني وهو يجر لبؤسنا أذيال خيبتنا كبشر؟ السبت القادم، سيُباع سرجون الأكدي وقاربه المغلق بالقار، فمن يشتري سرجون ويُغرق القارب كي لا يأتي سرجون جديد؟ السبت القادم، سيُباع حمورابي ومسلّته، بعد أن أضعناه كواضع أوّل القوانين فمن يشتريه ويشتري مسلّته ويحطمّها كي نعيش كما اليوم عصر اللاقانون؟ السبت القادم، سيُباع آشور بانيبال وثوره المجنّح، فمن يشتري بانيبال لوحده كون الثور قد تم ذبحه؟ السبت القادم، سيُباع نبوخذ نُصّر وجنائنه المعلقة في بابل، فمن يشتري نبوخذ نُصّر ويفجّر جنائنه بالديناميت؟

السبت القادم، سيُباع الأمام علي في مسجد الكوفة، فمن يشتري الإمام ليفلق رأسه بسيف كسيف إبن ملجم؟ السبت القادم، سيُباع الإمام الحسين في صحراء كربلاء، فمن يشتري الإمام ليبيعه وعياله الى يزيد جديد؟ السبت القادم، سيُباع الإمام موسى الكاظم فمن يشتريه ليسممّه من جديد؟ السبت القادم، سيُباع الإمام أبا حنيفة النعمان صاحب المحنتين، فمن يشتريه ليبيعه لورثة الأمويين والعباسيين لجلده؟

السبت القادم، سيُباع الضرير بشار بن بُرد وأبي نؤاس وأبي العتّاهية ومسلم إبن الوليد وعلي بن الجهم ، فمن يشتريهم بدانق؟ السبت القادم، سيُباع الشريف الرضي وأبو الطيب المتنبي ، فمن يشتريهما بثمن بخس؟ السبت القادم، سيُباع إبن الهيثم والرازّي والخوارزمي وإبن حيّان، فمن يشتريهم مقابل بصقة من معمّم جاهل؟
السبت القادم، سيُباع هارون وغيمته والمأمون وفلسفته والبرمكي جعفر وجوده، فمن يشتري؟ السبت القادم، ستُباع المدرسة المستنصرّية والمدرسة النظاميّة ، فمن يشتريهما ليحولهما الى مسجد وحسينيّة؟

السبت القادم، ستُباع ثورة العشرين وجامع الحيدر خانة، فمن يشتريهما لنعتذر للأنكليز على ثورتنا ضدّهم؟ السبت القادم، ستُعرض للبيع وثبة كانون وإنتفاضات الحي وآل أزيرج والسليمانيّة ، فمن يشتريها ليمحوها من ذاكرة شعبنا والى الأبد؟ السبت القادم، ستُباع ملحمة كاورباغي فمن يشتريها لينهي نقابات العمّال؟ السبت القادم، ستُعرض ثورة الرابع عشر من تموز للبيع، فمن يشتريها ليقتل عبد الكريم قاسم ورفاقه في مبنى إذاعة جديد؟ السبت القادم، ستباع جدارية جواد سليم، فمن يشتريها ليهدّها على رؤوس المتظاهرين ضد الفساد؟ السبت القادم، سيُباع الرحّال وتمثال أمّي، فمن يشتري أمّي ليبيعها في سوق نخاسة الخضراء؟ السبت القادم، سيُباع الرصافي والعلم والدستور ومجلس الأمّة فهل من شارٍ؟ السبت القادم، سيُباع أبا فرات ودجلته الحبيسة عند صبي الجادرّية، فمن يشتريه ليخبره عن لساني "لن يأتي يا أبا فرات يوما عصوفاً جارفاً عرَماً وشعب الثورات خدّرته العمائم، ليرضيك عقباه ويرضيني" *

السبت القادم سيُباع المنصور وبغداد، وسيُنادي الدلال بصوت عال ... بغداد للبيع بدجلتها ومآذنها وقبابها.. من يشتري ؟ وسيتقدّم الشارون .. أنا يا طويل العمر، انا حامي سنّة العراق .. أنا رافع راية البداوة لأحوّل العراق الى صحراء بلقع. ويخرج آخر ليصيح :"من خريدارم .. من حامي شيعة آل بيت محمد هستم .. من عراق را نابود ميكنم" "انا الذي يشتري .. انا حامي شيعة آل بيت محمد . انا من سأدمّر العراق".

السبت القادم، سيقف عاشقو وطنهم ضد بيعه ودماره، وسيقف أعداءه في معسكري طهران والرياض لبيعه لهما ، وستجلس البقيّة على التل لترى إجراءات البيع. إن فاز معسكري طهران والرياض يوم السبت القادم، فكلنا مسؤولون عن ضياع بلدنا الذي لم نحافظ عليه كالرجال، ولن يفيدنا مستقبلا بكائنا إيّاه كالنساء. فلمن الغلبة؟ أقولها وكلّي ألم، من أن النصر نصيب بيّاعي الوطن، فجمهورهم بأكمله خائن لبلاده.

يأتي وقت يكون الصمت فيه خيانة "مارتين لوثر كينغ".


* بتصرف من قصيدة يا دجلة الخير للجواهري؟

زكي رضا
الدنمارك
8/5/2018


101

السيّد السيستاني على مسافة واحدة من الخوش ولد والموخوش ولد!!!

أخيرا وبعد ترقّب كبير من الشارع العراقي لآخر خطبة جمعة قبل الأنتخابات البرلمانية والتي ستجري بعد أيّام قلائل، تلك التّي شدّت اليها أبناء شعبنا التوّاقين للخلاص من فساد الطغمة الحاكمة بالخضراء من جهة، ومن أصحاب الأوهام الكبيرة من "ساسة ومثقفين" في أن يتّخذ السيّد السيستاني موقفا صريحا من الفاسدين من جهة أخرى. تمخّض جبل السيّد السيستاني الكبير عن فأر لا يُرى حتى من خلال تلسكوب هابل الفضائي، ليتبخر حلم أو أحلام من يشدّ أزره بالمؤسسات الدينية على أختلاف أديانها ومذاهبها، وأحلام من كان ينتظر منه موقفا واضحا ضد منظومة الفساد ورموزها التي جعلت شعبنا ووطننا " كعصف مأكول".

أمور عدّة تناولتها خطبة السيد السيستاني والتي ألقاها كالعادة الشيخ " عبد المهدي الكربلائي"، وبعيد عن تكرار ما قاله حول دور المرجعية في إجراء أوّل أنتخابات تشريعية بالبلد " دون ذكر تبنّيه للقوائم الطائفية الشيعية وقتها طبعا !!"، وضرورة التبادل السلمي للسلطة. فأننا نستطيع أن نشير الى صحوة ضمير في الوقت الضائع والتي لاتعني شيء سوى الضحك كما الفاسدين على ذقون فقراء شعبنا. فالسيّد السيستاني أكتشف اليوم فقط وبعد أن بحّ صوت القوى المدنيّة وغيرها ليقول: أنّ المسار الأنتخابي لا يؤدي الى نتائج مرضية الا مع توفر عدّة شروط منها " أن يكون القانون الأنتخابي عادلا ويرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالألتفاف عليها"!!. ماذا تقولون ايها السيد السيستاني، فهل قانون سانت ليغو 1.7 قانون عادل!؟ وإن لم يكن عادل وهو فعلا كذلك، فأين كنتم ساعة أقراره وتطبيقه؟ ولِمَ لمْ تقولوا في خطب الجمع التي تلت تبنّيه من أن القانون هذا غير عادل ولا يرعى حرمة أصوات الناخبين ويسرقها، وهل طرحها اليوم وفي هذا التوقيت تحديدا سيفيد الناخب بشيء أو سيغيّر الفاسدين القانون الأنتخابي بعد سماع خطبتكم هذه!؟ من الأمور السلبيّة التي تحسب عليكم ايها السيد السيستاني، هو حديثكم عن قانون أنتخابي ظالم بعد ثلاث دورات أنتخابية والرابعة ستجري على شاكلتها، هذه الدورات التي جعلت بلدنا كأكثر بلدان العالم فساد على مرّ التأريخ. فساد طال كل مناحي الحياة ومنها حياة المرجعيّة  والوقف الشيعي والعتبتين العباسية والحسينية، أسألوا عن مشاريع هذه الجهات ورساميلها لتعرفوا أنّ الفساد اليوم ليس ظاهرة بل وباء سيقضي على وطننا وشعبنا، أن لم يتغيّر نهج الحكم. فالأصلاح اليوم هو كأعطاء مريض بالسرطان حبّة أسبرين لذا فأنّ التغيير هو المطلوب، أي بتر العضو المسرطن وبمعنى آخر أبعاد الأحزاب الدينية الفاسدة  والمتحاصصة معها عن السلطة أو تحجيمها كي لا تلعب دور مهم في الحياة السياسيّة بالبلد ، بعد أن ترجمت وجودها على رأس السلطة منذ الإحتلال لليوم الى خراب كامل وشامل.

تطرق السيد السيستاني في جانب آخر من خطبته على ضرورة تنافس القوائم الأنتخابية على "برامج أقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيدا عن الشخصنة والشحن القومي أو الطائفي أو المزايدات الإعلامية"!!
السيد السيستاني، هل تعني أنّ التنافس خلال دورات ثلاث بين القوى الطائفية لم يكن على أساس برامج أقتصاديّة وتعليمية وخدمية!!؟؟ يا للهول ماذا كنتم تفعلون أذن وأنتم كما يقال ، صمّام أمان هذا البلد المنكوب بحكم الأسلام السياسي وعمائمه. هل كنتم في سبات طيلة هذه المدّة من عمر الوطن، أم أنّ القريبين منكم حولّوا العراق أمام أعينكم الى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار!!؟؟ يا ويلي على العراق من حكم العمائم.

كما تطرّق السيد السيستاني في مكان آخر من خطبته الى منع " التدخل الخارجي في أمر الأنتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره، وتشديد العقوبة على ذلك"!! هنا علينا أن نتفق مع السيد السيستاني حول هذه الوصية، لكن من يحدد شكل العقوبة وشدّتها؟ هل لدينا مفّوضّية مستقلة للأنتخابات والتي نصّ على أستقلاليتها الدستور لتحاسب عملاء الدول الخارجيّة والتي يعرفها شعبنا بالأسم وتمنع أستمرارهم في السباق الأنتخابي، أم هناك قضاء مستقل ونزيه ليقدّم هؤلاء الى محاكمة عادلة؟ ولا ندري لماذا تجاوز السيد السيستاني أمر لا يقل أهمّية عن التدخل الخارجي، وهو أستخدام أجهزة الدولة في الدعاية الأنتخابية علاوة على المال السياسي المنهوب أصلا من قوت فقراء شعبنا وجياعه، أم أنّ ما وراء الأكمّة ما وراءها؟ وهل تعرف ايها السيد السيستاني أن القوى الخارجية لها قوائم ميليشياوية ستدخل البرلمان، أي سيكون لهذه الدولة أو تلك مقاعد نيابية في برلمان عليه أن يكون عراقيّا. هل تريد معرفة أسماء هذه القوائم، أم أنّك تعرفها ولاتريد البوح بها!؟

أستمر السيد السيستاني في خطبته ليقول: ومن المؤكّد أنّ الأخفاقات التي رافقت التجارب الأنتخابية الماضية- من سوء إستغلال السلطة من قبل كثير ممّن أُنتخبوا أو تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة وفشلهم في إداء واجباتهم في خدمة الشعب وتوفير الحياةالكريمة لأبناءه- لم تكن الا نتيجة طبيعية لعدم تطبيق العديد من الشروط اللازمة- ولو بدرجات متفاوتة- عند إجراء تلك الإنتخابات ، وهو ما يلاحظ – بصورة أو بأخرى- في الأنتخابات الحالية أيضا، ولكن يبقى الأمل قائما بأمكانية تصحيح مسار الحكومة وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من أبناء هذا البلد وأستخدام سائر الأسالبيب القانونية المتاحة لذلك". صدّقني أيها السيد السيستاني أن ما هكذا تروى الإبل. فالذّين أُنتخبوا لثلاث دورات سابقا من الذّين أساءوا إستغلال السلطة وساهموا في نشر الفساد ونهب المال العام وغيرها من المفاسد، رشّحوا أنفسهم من جديد وفي ظل قانون أنتخابي فُصّل خصيصا على مقاساتهم ليعودوا من خلاله الى السلطة التي لم تفارقهم  لليوم. لذا فأنّ أملكم بأمكانية تصحيح مسار الحكومة وإصلاح مؤسساتها بوجود هذه الوجوه الكالحة، هو ضرب من الخيال ليس الا. أمّا محاولتكم تخدير شعبنا في عدم أنتفاضته ضد واقعه المزري بمطالبتكم إيّاه " أستخدام الأساليب القانونية للتغيير"، فتعني وقوفكم الى جانب الفاسدين وإن بشكل غير مباشر لأنهم أسلاميون ليس الّا. كون إستمرار سلطة الفساد الأسلامية لأربع سنوات قادمة تعني تراجع الأمل بأي تغيير عن طريق السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا يبقى حينها أمام شعبنا الا أن ينتفض بوجه آلة الفساد الأسلامية ومن يقف ورائها.

ثالثة أثافي خطبة السيستاني هي قوله: أن المرجعيّة الدينية العليا تؤكّد وقوفها على مسافة واحدة من جميع المرشّحين ومن كافّة القوائم الأنتخابية  .... "!! هنا سنعود الى عنوان المقالة لنقول: أمن العدل وأنتم مرجع ديني أعلى ويهمكم أمر شؤون المسلمين والعراقيين، في أن تقفوا على مسافة واحدة بين من أساؤوا إستغلال السلطة وساهموا بنشر الفساد ونهب المال العام وغيرها من الموبقات وبين غيرهم ممّن لم تتلوث أياديهم بالأمور التي أشرتم أليها؟ نقول في لهجتنا المحكيّة عن الرجل الشريف والنزيه " خوش ولد" والـ " خوش ولد" هذا كان ولايزال محل إحترام الناس وتقديرهم للخصال الحميدة التي يحملها، ونقول للحرامي والفاسد والمرتشي " مو خوش ولد" والـ " موخوش ولد هذا" كان في زمن غير زمن الطاعون الأسلامي الذي نعيشه اليوم محل إحتقار وأزدراء الناس وأبتعادهم عنهم. ولا ندري ايها السيد السيستاني كيف لكم أن تقفوا على مسافة واحدة بين " الخوش ولد" و " الموخوش ولد"، والثاني لازال يسرق وينهب ويقتل ويخون!!؟؟ هل تريدون أن نؤشر لكم على أسماء " الموخوش ولد والموخوش بنات " من الذين واللواتي نهبوا ونهبن وأفسدوا وأفسدن وأضاعوا وأضاعنّ البلد وأوصلوه الى ما عليه من ذل اليومّ،  أم انكم تعرفونهم خير منّا؟

ولأننا أستعرنا القليل من لغتنا المحكيّة الجميلة فلا نرى بأس من قول...

الإمام اللي ما يشوّر يسمّوه أبو الخرگ . 

زكي رضا
الدنمارك
5/5/2018





102
البارزاني يطالب بإستمرار نهج المحاصصة

تجربة الشعب الكوردي منذ العام 1991 ولليوم كان لها أن تنجح بأمتياز، لولا ضيق الأفق السياسي عند القيادة الكورديّة التي لم تستطع ولليوم أن تتخلص من تجربة المحاصصة والمناصفة، هذه التجربة التي وأدت أعظم فرصة للشعب الكوردي بالعراق للعيش بكرامة في ظل نظام ديموقراطي حقيقي. فبعد أندلاع المعارك بين الطرفين الرئيسين والمهيمنين على الساحة السياسية الكوردستانية أي الحزب الديموقراطي الكوردستاني والأتحاد الوطني الكوردستاني، أتّفق الطرفان على حكومة "الفيفتي فيفتي" التي قسّمت المجتمع الكوردي وعطلت التنمية وأشاعت الفساد وقتلت الديموقراطية. فسياسة "الفيفتي فيفتي" التي يعشقها قادة الأقليم وعلى الضد من مصالح الشعب الكوردي، ساهمت في نهاية المطاف وبعد أن أنحنى قادة الحزبين لأملاءات دول الجوار وسلطة بغداد وإثر معارك طاحنة بينهما، الى دخول القوات البعثيّة الى المدن الكورديّة ومنها أربيل.

سياسة "الفيفتي فيفتي" هذه ترجمها قادة الحزبين مع حلفائهم في البيت الشيعي بعد الإحتلال الأمريكي، وكجزء من خطّة أمريكية لتدمير العراق الى سياسة المحاصصة بعد أن دخل سنّة العراق كطرف ثالث من أضلاع مثلث الشيطان الذي دمّر البلاد والعباد. الا أنّ ساسة الأقليم وهم يرون فشل تجربتهم في الأقليم، لا زالوا مصرّين وبعناد على الإستمرار في نظام المحاصصة بالمركز، على الرغم من أنّ المحاصصة في المركز وهي تعتمد على الأغلبية الطائفية تمنح العرب الشيعة اليد الطولى في إدارة شؤون الدولة. وهذه اليد الطولى وهي تستلم الأوامر من بلد جار، تنفّذ أجندة ذلك البلد. لذا رأينا خلال مرحلة الإستفتاء وما جرى بعدها أنّ أكبر الخاسرين كان شعبنا الكوردي، الذي تنازل قادة الإقليم ودون حياء عن "قدس الأقداس" كما تنقل صحافتهم وأدبياتهم أي كركوك.

أنّ قادة الإقليم وعلى الرغم من التجارب العديدة التي أثبتت سوء نظام المحاصصة في إدارة الدولة، وعلى الرغم ممّا سبّبه هذا النظام من مصاعب سياسية وإقتصادية للإقليم تحديدا ولا نقول كل العراق، كون ساسة الإقليم لايهمّهم لقصر نظرهم ما يجري بالمركز. لازالوا مصرّين على أن تكون ذاكرتهم أقصر من ذاكرة سمكة في تذّكرهم لأحداث طريّة جرت نتيجة نظام المحاصصة وهيمنة الأغلبية الطائفية على مقاليد السلطة، لذا تراهم يعودون من جديد لنفس الخطاب السياسي مطالبين بإستمرار المحاصصة كنهج للحكم في بغداد وبالتالي في الإقليم بعد أن فقدت الأطراف السياسية الرئيسية هناك الثقة فيما بينها!!

في لقاء مع محطة "رووداو" قال رئيس وزراء الإقليم "نيجرفان البارزاني" في معرض ردّه على سؤال حول تركيبة الحكم بعد الإنتخابات البرلمانية المقرر اجرائها الشهر القادم "سنتوصل الى تفاهم مشترك مع بغداد بشأن الحكم والتشكيلة الحكومية المقبلة". كما شدّد على أنّ منصب رئاسة الجمهورية سيبقى للكورد ولن يغادرهم. وهو بذلك يصرّ بغرابة بالرهان على حصان خاسر، فمطالبته بمنصب رئاسة الجمهورية يعني الإستمرار بالمحاصصة من جهة، وتشبثّه بمنصب شرفي في إدارة الدولة، منصب لا يغني ولا يسمن من جوع.

على السيد البارزاني، أن يفكر بعقلية السياسي وذكاءه وذاكرته وليس بعقلية رجل العشيرة وعناده ونسيانه. عليه أن يتذكر أنّ المحاصصة تعني أغلبية عربية "شيعية – سنّية"، والتي ستكون في حالات الهدوء السياسي في البلد في كفّة واحدة. عليه أن يفكّر كرجل دولة بحل مشاكل الشعب الكوردي الإقتصاديّة والماليّة وأن يوضّح خطّة حكومته في حل مشكلة الإدخار الإجباري حينما يقول أن حكومة الإقليم "لديها خطة لإنهاء مشكلة نظام الادخار الاجباري للرواتب"، كما وعليه أن يستخدم ذكاءه وحنكته بتجاوز الخلافات السياسية بين الأطراف السياسية بالإقليم ليستعيد الجميع الثقة التي فُقِدَت بعد دخول القوات الإتحادية لكركوك دون قتال تقريبا والمآل الذي آل إليه الإستفتاء.

على حكومة الإقليم العمل على أنهاء نظام "الفيفتي فيفتي" عن طريق ترسيخ الديموقراطيّة ومحاسبة الفاسدين وعدم تقنين الحريّات بسماحها للجماهير بالمشاركة الفعلية في الحياة السياسيّة. فالديموقراطية هي السلاح الأفضل للمحافظة على ما تبقى من منجزات للشعب الكوردي أهدرها "قادته"، كما وأنها السلاح الفعّال في إنهاء نظام المحاصصة على صعيد العراق. فلتبتعد القيادة الكوردية عن محاولة ترسيخ نهج المحاصصة في البلاد، لأن ثمن المحاصصة تعني تهميش الكورد وباقي مكوّنات شعبنا وأحزابه وحركاته السياسية.
 
زكي رضا
الدنمارك
26/4/2018



103
وداعا دانا جلال .. وداعا أبن الوند

وأنا أكتب هذه السطور لا أملك الا أمنية واحدة، وهي أن يخرج اليّ دانا ليكذّب خبر رحيله الأبدي. دانا، عاشق الثورة والأنسان. دانا، المتمرد على الظلم والقهر. دانا، الباحث بين ركام الموت حيث الفاشية تدمّر كل ما هو أمامها، عن حياة أفضل للناس والوطن. دانا الثوري، نحّات آلام الناس الى مناجل تنتظر السواعد لتقطع بها رؤوس الجلادين والخونة وبيّاعي الأوطان. دانا، حلم جميل في واقع قبيح.

في طريق الحريّة الذي يفضي الى سعادة الأنسان وتحطيم قيوده وأنياره، يسير المناضلون وبيدهم الشموع لينيروا الدرب أمام الملايين المتعبة والجائعة والباحثة عن السعادة الا "دانا"، الذي أبى الا أن يكون هو الشمعة فذاب في الدرب وذاب الدرب فيه. "دانا"، لم أعرف أنّ قلبك ضعيف وسيخذلك ويخذلنا، في الوقت الذي ينتظر أطفال " روج آفا" منك الكثير، لم أعرف أن قلبك الذي إمتلأ بحبّ الناس والحقد على الطغاة، سيترك مرغما ساحة النضال الذي تمرّست فيه كمناضل لايعرف المهادنة؟ هل أتعب الصليب الذي تحمله على كاهليك قلبك الذي هو كقلب طفل يبحث عن والديه بين أنقاض حلبجة وعفرين؟ هل أتعب قلبك طفل تحتضنه  وهو بطعم الخردل والسيانيد؟ هل أتعب قلبك عجوز تاهت بين الجبال لتسقط من شدة الريح والتعب الى واد غير ذي قرار؟ سأسأل وأسأل منتظرا منك الجواب، فلا تبخل بحقّ السماء به عليّ. 

اليوم أرى نهر الوند يغصّ حزنا بماءه، ويغسل ماءه بدموعه. اليوم أرى أزّقة خانقين تتذكر ذلك الطفل الذي سيخرج منها رجلا يحمل معه أحلامه الكبيرة الى حيث النور والضياء. اليوم، ستتذكرك شوارع بغداد وأزقتّها حيث العمل السرّي. اليوم، تفتقدك جبال كوردستان وقراها. لِمَ رحيلك المبكر الذي سيفرح خونة قضاياك؟ لم الرحيل اليوم، ولا زلنا في منتصف الطريق؟

كتبت في منشور لك وأنت تتابع قضايا الناس والوطن كما هو ديدنك،  من انك ستنتخب الحزب الشيوعي العراقي، ولكنك لن تنشر صور الرفاق الا اذا تعاهدوا أن لا يكون راتبهم في البرلمان سوى مليوني دينار.. سأنقل أمنيتك هذه الى رفاقك منتظرا مثلكم تحقيقها. أيها الشيوعي الشهم والصلب. ما أروعك وأنت تحلم بوطن خال من الأضطهاد والجور والعسف، ما أروعك وأنت تحمل كل هذا الحقد المقدّس على الطغاة.

إن كان دانا قد مات حقّا، فأغسلوه بماء الوند، وكفّنوه بأوراق شجر الجوز والبلوط الكورديّة، وصلّوا عليه في روج آفا، وشيّعوه في بغداد، وأدفنوه في خانقين.

وداعا دانا .. وداعا أيها النقي .. وداعا أيها الشهم .. وداعا أيها الجسور .. وداعا أيها الشيوعي النبيل.

زكي رضا
الدنمارك
25/4/2018





104
الكورد الفيليون الشيعة والعرب الشيعة بين قانوني جهرم ورفحاء


جهرم ورفحاء معسكري إيواء يقع الأوّل منهما في إيران فيما يقع الثاني بالسعوديّة، في الأول عاش كورد فيلييون وهم من الطائفّة الشيعية فيما عاش في الثاني عرب من الطائفة الشيعية أيضا. الكورد الفيلييون تمّ تهجيرهم بمئات الآلاف بشكل منظّم وغير إنساني إبتداءا من الرابع من نيسان / أبريل 1980 حتّى العام 1992 ، بعد أن صادر النظام البعثي الفاشي أملاكهم المنقولة وغير المنقولة ووثائقهم الثبوتية وشهاداتهم الدراسيّة، وغيّب حينها ولليوم ما يقارب الستّة عشر ألف شابّة وشابّ منهم. وقد أصدر النظام البعثي حينها سلسلة قرارات غير إنسانيّة ومخالفة لكل القوانين والأعراف الدوليّة كتطليق الزوجة الكورديّة الفيليّة من زوجها العراقي غير المهجّر أو العكس، ما تسبّب بتدمير عوائل بأكملها علاوة على كون التطليق القسري هذا تسبّب مع الحروب الحمقاء للنظام والحصار القاسي على شعبنا في تدمير النسيج الإجتماعي للمجتمع بضربه أسس هذا النسيج أي العائلة المتماسكة.

الكورد الفيليّون هؤلاء وهم كما عرب الجنوب شيعة أثني عشريّة، عاشوا في مختلف المخيّمات التي أقامتها حكومة جمهورية إيران الإسلاميّة لهم في مختلف المحافظات الإيرانيّة، ويبقى (معسكري جهرم وجيرفت) الأشهر والأكثر عمرا من البقيّة. في تلك المعسكرات عاش المهجّرون الكورد الفيلييون عقوداً طويلة محرومين من حياة آدمية تليق بالبشر، وحتّى الوثيقة الممنوحة لهم من قبل السلطات الإيرانيّة كانت للتعريف فقط ولا سند قانوني لها. هناك في تلك المخيّمات ضاعت أجيال وأجيال، وهي تحلم يوما بالعودة لبلدها وتعويضها عما فقدته، ولتتعرّف على المصير الذي لحق بشبابها الذين إنقطعت أخبارهم ولليوم. هناك كان البؤس هو سيّد الموقف، وهو الذي لفّ ولا يزال يلفّ عشرات الآلاف من الكورد الفيليين المهجّرين، أو من أولئك الذين عادوا طوعا الى الوطن بعد الأحتلال الأمريكي و " أنهيار " النظام البعثي الفاشي.

لقد أستنطق الدستور العراقي في ديباجته عذابات الكورد الفيليين، وإعتبر البرلمان العراقي في قراره الرقم (18) لسنة "2011" بتأريخ 1/8/2011 ، وإستنادا الى قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا، والذي صادق عليه رئيس الجمهورية بموجب القرار رقم (6) لسنة 2012 بتأريخ 8/2/2012 ، على أنّ ما لحق بالكورد الفيليين الشيعة هو شكل من أشكال الإبادة الجماعية (الجينوسايد). ويبدو ومن خلال عدم تنفيذ القرارات الصادرة وعدم وضوح آليات وطرق تنفيذها، والتمييز بين الفيليين وغيرهم من مكوّنات شعبنا وخصوصا العرب الشيعة المدلّلون في معسكر رفحاء، من أن هذه القرارات لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به أو أنّ حبرها جفّ حال كتابته كما تبخّرت عذابات الكورد الفيليين التي نصّ عليها الدستور بديباجته طائفيّة المحتوى.

الكوردي الفيلي الشيعي، لازال لليوم يدفع الرشى لإعادة أملاكه التي صادرها نظام البعث المجرم أمّا أمواله المنقولة فأنها أصبحت أثر بعد عين. الكوردي الفيلي الشيعي، لازال يبحث عن شبابه المغيّب لليوم دون أي بصيص أمل في معرفته عن طريقة إبادتهم ودفنهم. الكوردي الفيلي الشيعي ينظر الى الأحزاب الشيعية منتظرا صدور قانون "جهرم" لإنصافه، على غرار قانون "رفحاء" الذي أنصف حتى الطفل الرضيع أو الذي ولد في المخيّم وبأثر رجعي. الكوردي الفيلي الشيعي يريد معرفة مصير شبابه وإنصافهم، كما أنصف قانون "رفحاء" شباب معسكر الأرطاويّة ومنهم عدد لا بأس به من المحكومين بتهم جنائية وأخلاقية من السجناء الذين هربوا بعد الإنتفاضة الآذارية الى السعودية لينتقلوا بعدها عن طريق الصليب الأحمر الدولي الى اوربا واستراليا وأمريكا وكندا، والذين منحتهم الحكومة العراقية تعويضات سخيّة ورواتب ضخمة وبأثر رجعي بإعتبارهم سجناء سياسيين!!

أنّ سن قانون "رفحاء" لإنصاف العرب الشيعة، وعدم سن قانون "جهرم" أو "جيرفت" لإنصاف الكورد الفيليين وهم شيعة أيضا. دلالة على عنصرية الأحزاب الشيعية الحاكمة ومؤسساتها الدينية وليس طائفيتها فقط تجاه المكونات الاخرى من أبناء شعبنا. أنّ تعويض الرفحاويين بمبالغ خيالية وفتح حتى أبواب الدراسة خارج البلاد لأبنائهم، والكوردي الفيلي لازال يبحث عن حقوقه التي صودرت وأبناءه الذين غيّبوا هو وصمة عار في جبين العمائم والأحزاب والميليشيات الشيعية. كما وأنّ سكوت الكوردي الفيلي الشيعي أو هرولته وراء العمائم والأحزاب والميليشيات الشيعية، وعدم سؤاله عن سبب عدم سن قانون "جهرم" على غرار قانون "رفحاء" لأنصاف أبناء جلدته هو ذلّ ما بعده ذلّ لهذه العمائم والأحزاب والميليشيات.

الإنتخابات على الأبواب، ومنح الكوردي الفيلي صوته لأي مرشح إسلامي وإن كان كورديا فيليا سواء من خلال قائمة إسلاميّة أو من خلال الكوتا، يعتبر خيانة ما بعدها خيانة لدماء شهدائنا، خيانة لدموع أمهاتنا، خيانة لحسرات أطفالنا، خيانة لآلام آبائنا. ليسأل الفيلي وهو يقاتل في الحشد الشعبي قائده : لماذا أصدرتم قانون (رفحا